كلمة التقوى - ج6

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
588 /
255

المسألة الخامسة:

إذا رأى الرجل المال، فظن أو اعتقد انه ماله، فأخذه ثم استبان له بعد أخذه انه مال ضائع من صاحبه، كان المال المأخوذ لقطة و لزمته أحكامها، و كذلك إذا رأى مالا ضائعا فأخذه و نحاه الى جانب آخر كان لقطة على الأحوط ان لم يكن ذلك هو الأقوى و لزمه حكمها، و إذا رأى المال فدفعه الى جانب آخر ببعض أعضائه من غير أخذ و لا استيلاء لم يكن لقطة، و لم يتعلق به شي‌ء من أحكامها، و لا يكون بذلك ضامنا للمال إذا تلف أو حدث فيه عيب أو نقص على الظاهر، الا أن يكون هذا التصرف منه سببا للتلف أو العيب، و كان سببا أقوى من المباشر، فيكون ضامنا لهما في هذه الصورة.

المسألة السادسة:

لا يجوز للإنسان أن يأخذ المال المجهول المالك أو يضع يده عليه إذا لم يحرز أنه لقطة، و هي المال الضائع كما ذكرنا من قبل، و إذا وضع يده عليه كان غاصبا و لزمه ضمانه، و إذا كان المال معرضا للتلف إذا لم يأخذه جاز له وضع اليد بقصد حفظه، فإذا أخذه في هذه الحالة بهذا القصد وجب عليه حفظ المال و كان أمانة في يده فلا يضمنها إذا تلفت أو عابت في يده بغير تعد و لا تفريط منه، و إذا كان المال مما لا يبقى عادة و يكون في بقائه عرضة للتغير و الفساد، لزمه ان يبيع المال أو يقومه على نفسه تقويما عادلا، فيتصرف في العين و يبقى ثمنها امانة في يده، و الأحوط لزوما: أن يكون ذلك باذن الحاكم الشرعي مع الإمكان، فإذا لم يمكن تولى ذلك بنفسه مع مراعاة الاحتياط في جميع ذلك.

المسألة السابعة:

إذا وضع الشخص يده على المال المجهول المالك، سواء كان ذلك مما يجوز له شرعا كما في الصورة الثانية، أم كان مما لا يجوز كما في الصورة الأولى، وجب عليه ان يفحص عن مالك المال حتى يحصل له اليأس من معرفته، فإذا يئس من الظفر به وجب عليه أن يتصدق بعين المال إذا كان موجودا و بالثمن إذا كان قد باع المال أو قومه على نفسه،

256

و لا بد من مراجعة الحاكم الشرعي على الأحوط في ذلك مع الإمكان، و إذا تصدق بالمال أو ببدله بعد اليأس ثم عرف المالك فلا ضمان على المتصدق.

المسألة الثامنة:

يكره للإنسان أن يأخذ اللقطة إذا وجدها في غير الحرم المكي الشريف، سواء كان المال قليلا أم كثيرا، و سواء كان مما يمكن التعريف به أم لا، و يحرم على الأحوط أخذ اللقطة إذا وجدها في الحرم حتى إذا كانت اللقطة دون درهم، إلا إذا كان ناويا التعريف بها، فلا يكون أخذها محرما مع هذا القصد.

المسألة التاسعة:

إذا أخذ الرجل لقطة الحرم وجب عليه ان يعرف بها في المجامع سنة كاملة من يوم التقاطه إياها، فإذا هو لم يعرف صاحب المال تعين عليه ان يتصدق به على الأحوط، و لا يجوز للواجد أن يتملكها و ان أتم مدة التعريف، إلا إذا كان فقيرا و تملكها بنية الصدقة على نفسه عن مالك اللقطة، و الأحوط أن يكون التصدق باذن الحاكم الشرعي سواء كانت الصدقة على نفسه أم على الغير.

المسألة العاشرة:

إذا تصدق الملتقط بلقطة الحرم بعد أن عرف بها حولا، ثم وجد صاحبها، فالأحوط له ضمانها لمالكها إذا هو لم يرض بالصدقة، فيدفع له مثلها إذا كانت مثلية و قيمتها إذا كانت قيمية.

المسألة 11:

إذا أخذ الرجل لقطة في غير الحرم و كانت قيمتها لا تبلغ درهما لم يجب عليه التعريف بها و جاز له أن يتملكها بعد أخذها، و إذا تملكها ثم تبين له مالكها بعد قصد التملك وجب عليه ردها إليه إذا كانت عينها موجودة، و وجب عليه رد مثلها أو قيمتها إليه إذا كانت تالفة، على الأحوط.

257

المسألة 12:

وزن الدرهم الواحد يساوي نصف مثقال صيرفي و ستة أعشار الحمصة من الفضة المسكوكة فإذا بلغت قيمة اللقطة هذا المقدار وجب على واجدها التعريف بها، و إذا لم تبلغ لم يجب عليه التعريف بها كما تقدم، و الحمصة هي جزء واحد من أربعة و عشرين جزءا من المثقال الصيرفي.

و يراعى في تعلق الحكم في اللقطة أن تبلغ هذا المقدار في قيمتها سواء كانت اللقطة ذاتها فضة غير مسكوكة خالصة أو مغشوشة أم كانت من المسكوكات الأخرى كالنحاس و النيكل أو العملة الورقية أو غير ذلك من أنواع المال الضائع من مالكه.

المسألة 13:

المعتبر في التقدير هي قيمة اللقطة في زمان الالتقاط و في مكانه، فلا تلاحظ قيمتها في غير ذلك الزمان و المكان، و ان كان الفرق بين الزمانين أو المكانين قليلا و كان التفاوت بين القيمتين ملحوظا.

المسألة 14:

إذا أخذ الرجل اللقطة في غير الحرم و كانت قيمتها درهما فأكثر، وجب عليه أن يعرف بها حولا كاملا من يوم التقاطه إياها، فإذا هو أتم الحول في التعريف و لم يهتد إلى معرفة مالك المال تخير بين أمور ثلاثة:

(الأول): أن يتصدق بالمال عن مالكه، و إذا اتفق له أنه عرف مالك اللقطة بعد الصدقة بها و لم يرض المالك بالصدقة عنه، دفع الملتقط له مثلها إذا كانت مثلية، و قيمتها إذا كانت قيمية، و كان للملتقط أجر الصدقة.

(الثاني): أن يتملكها، فتكون كسائر أمواله، و عليه ضمانها كذلك فإذا استبان مالكها بعد نية التملك من الملتقط و كانت عينها باقية ردها اليه، و إذا كانت تالفة دفع له مثلها أو قيمتها.

258

(الثالث): أن يبقيها أمانة شرعية عنده لمالكها، فيجب عليه أن يحفظها له كما يحفظ ماله. و لا يجب عليه ضمانها إذا تلفت في يده الا مع التعدي أو التفريط.

المسألة 15:

يجب التعريف باللقطة إذا أخذها الملتقط سواء قصد أن يختار بعد التعريف بها أحد الأمور الثلاثة التي ذكرناها أم قصد واحدا منها على الخصوص أم لم يقصد شيئا، بل قصد امتثال الأمر الشرعي بالتعريف.

المسألة 16:

إذا كانت اللقطة التي وجدها الرجل مما يعرض له الفساد إذا بقيت، كالخضر و الفواكه جاز للملتقط أن يقومها على نفسه تقويما عادلا، و ينتفع بها كيف ما أراد، و يبقى ثمنها في ذمته لمالكها و يعرف باللقطة مدة الحول، فإذا استبان له صاحبها دفع له ثمنها، و إذا لم يظهر صاحبها تخير بين الأمور الثلاثة الآنف ذكرها في المسألة الرابعة عشرة، و المدار هنا على قيمة اللقطة يوم انتقالها الى الملتقط.

و يجوز له أن يبيعها على شخص آخر، و الأحوط بل الأقوى أن يكون البيع من الغير باذن الحاكم الشرعي ثم يحتفظ بثمنها للمالك، فإذا أتم التعريف باللقطة مدة الحول جرى في الثمن الحكم المتقدم ذكره.

المسألة 17:

إذا قوم الملتقط اللقطة على نفسه في المسألة السابقة أو باعها على غيره وجب عليه أن يضبط معرفة الصفات و الخصوصيات التي تميز اللقطة عن غيرها و يحفظها جيدا ليتم التعريف بها و يعلم بسبب ذلك صدق من يدعي ملكها من كذبه.

المسألة 18:

إذا كان المال الضائع مما لا يمكن التعريف به، اما لعدم العلامة التي تميزه عما يشابهه من الأموال و يساويه في الصفات، و أما للعلم بأن مالك المال قد انتقل الى بلد آخر يتعذر الاتصال به، أو لسبب غير ذلك، سقط عن الملتقط وجوب التعريف بالمال، و وجب عليه التصدق‌

259

به إذا كان من لقطة الحرم، و تخير بين الصدقة به، و إبقائه عنده أمانة لمالكه إذا كان من لقطة غير الحرم، و في جواز تملكه اشكال، و الأقوى جواز ذلك، و الأحوط استحبابا اختيار الصدقة به.

و إذا علم بأن السبب المانع من التعريف سيزول، وجب عليه الانتظار الى ان يزول المانع، فإذا زال المانع وجب عليه التعريف بالمال سنة كاملة من حين زوال العذر، فإذا لم يعرف المالك جرى فيه الحكم الآنف ذكره.

المسألة 19:

العلامة المميزة للقطة هي الخصوصيات التي تختص بها و يكون بعضها أو المجموع منها سمة تنفرد بها اللقطة الخاصة عما يشابهها و يمكن أن يتعرف بسببها على مالك المال، فالدراهم المودعة في كيس له وصف خاص من الوضع و نوع القماش و كيفية الخياطة أو المشدودة في خرقة لها لون معين، يكون الكيس و الخرقة و أوصافهما علامة للتعريف بها، و عدد الدراهم و الدنانير التي يجدها منثورة يكون علامة لها و هكذا كل خصوصية لها هذا الشأن، و قد تكون مجموعة من الصفات علامة يحصل بها التمييز كما ذكرنا، فلا تكون اللقطة معها فاقدة للعلامة و يجب التعريف بها.

المسألة 20:

تجب المبادرة إلى التعريف باللقطة، و مبدأه من حين الالتقاط على الأحوط، فإذا أخر التعريف عنه مدة و كان التأخير لغير عذر أثم بذلك، و وجبت عليه المبادرة بعده الى التعريف، و هكذا و إذا عرف بها في بعض الحول ثم ترك لا لعذر أثم كذلك، و وجبت عليه المبادرة بعده و هكذا الى أن يتم حول التعريف.

و إذا أخر التعريف أو قطعه في أثناء الحول لعذر يصح معه التأخير، وجبت عليه المبادرة إلى التعريف بعد زوال العذر و لا يكون مأثوما لعذرة، و إذا أتم التعريف حولا بعد ما أخره أو بعد ما قطعه في أثناء الحول، جرى فيه الحكم المتقدم في المسألة الثامنة عشرة، فيتصدق بلقطة الحرم، و يتخير في لقطة غير الحرم بين أن يتصدق بها و أن يبقيها‌

260

في يده أمانة لمالكها على الأحوط، و ان جاز له أن يتملكها على الأقوى، سواء كان معذورا في تأخيره أم لا.

المسألة 21:

ظهر مما بيناه ان المدار على حصول التعريف باللقطة مدة حول كامل و ان تأخر عن أول وقته لعذر أو لغير عذر، أو تقطعت المدة بعضها عن بعض بترك التعريف لعذر أو لغير عذر حتى أتم التعريف و أتم المدة و حصل الشرط، و ان كان آثما إذا كان غير معذور في التأخير أو في تقطيع المدة، فإذا قطع التعريف في أثناء الحول ثم عاد اليه كفاه ان يتمه و لم يفتقر الى الاستئناف.

المسألة 22:

لا يجوز للملتقط أن يخرج باللقطة من البلد الذي أخذها فيه، فإذا أراد الخروج من البلد ائتمن على اللقطة من يثق به لحفظها و التعريف بها في موضع الالتقاط، و يسافر هو إذا شاء، نعم، إذا علم ان اللقطة لبعض المسافرين، جاز له أن يخرج بها الى بلدهم ليكون التعريف فيه.

المسألة 23:

لا يتعين على الملتقط أن يتولى التعريف باللقطة بنفسه، بل يجوز له أن يستنيب في ذلك أحدا غيره، و لا يسقط التكليف عن الملتقط حتى يحصل له الاطمئنان بأن النائب قد أوقع التعريف على الوجه المجدي، و إذا احتاج في الاستنابة إلى أجرة، فالظاهر كون الأجرة على الملتقط لا على المالك، و ان كان قاصدا أن تبقى اللقطة أمانة بيده لمالكها، و الأحوط استحبابا التصالح بين المالك و بينه في هذه الصورة.

المسألة 24:

يجب أن يكون التعريف مدة الحول في موضع الالتقاط على الأقوى إذا كان الملتقط قد وجد المال في موضع متأهل من بلد أو قرية و شبههما، إلا إذا علم بانتفاء فائدة التعريف فيه، و مثال ذلك: ان يعلم ان مالك اللقطة لا يمكث في ذلك الموضع، فينتقل بالتعريف الى المواضع التي يعلم أو يحتمل وجود المالك فيها، و إذا كان الالتقاط في البراري و المفاوز عرفها للنزال فيها كالقوافل و السالكين فيها، و يتبع القافلة‌

261

الراحلة من الموضع ليعرف أهلها، فان لم يكن فيها نزال، أو علم بأن اللقطة ليست لهم، عرفها في البلد الأقرب فالأقرب مما يحتمل وجود المالك فيها.

المسألة 25:

لا يختص التعريف بالزقاق أو الشارع الذي وجد فيه المال الضائع، بل يكفي التعريف في الأسواق و الميادين و المجامع العامة المتصلة بذلك الموضع عرفا، و يتوخى المواسم و أوقات الاجتماع للناس.

المسألة 26:

لا يجب على الملتقط أو نائبه أن يستوعب مدة الحول كلها في التعريف باللقطة، نعم يجب أن يكون تعريفه بها متتابعا طوال السنة، و يكفي في تحقق ذلك أن يقع في فترات متصلة في نظر أهل العرف، بحيث يصدق انه عرف بالمال متصلا طوال الحول، و لا يكفي التعريف في فترات غير متصلة.

المسألة 27:

التعريف باللقطة: هو ان يذكر المعرف ما يلفت المالك الى ماله الضائع منه و يبعثه على تفقده و تذكر صفاته، فلا يكفي أن يعرف السامع بأنه وجد ضائعا أو شيئا أو مالا، بل عليه ان يذكر انه وجد آنية مثلا أو كتابا أو ذهبا أو ثوبا، و لا يذكر الصفات التي تعين المال فيعرفه غير مالكه.

المسألة 28:

إذا يئس الملتقط من معرفة المالك قبل التعريف بالمال أو في أثناء الحول سقط عنه وجوب التعريف، و وجب عليه التصدق بلقطة الحرم، و تخير بين الصدقة بالمال و تملكه في لقطة غير الحرم.

المسألة 29:

إذا أتم الملتقط التعريف حولا كاملا جرت عليه الأحكام المتقدم ذكرها في المسألة الرابعة عشرة و ان لم يحصل له اليأس من معرفة المالك، و لا يجب عليه التعريف أكثر من ذلك. و إذا علم انه سيتوصل إلى معرفة‌

262

المالك إذا زاد في التعريف على السنة، فالأحوط لزوم الزيادة في التعريف، و لا تجري أحكام اللقطة بدونه.

المسألة 30:

تقدم في المسألة الثامنة أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ لقطة الحرم على الأحوط الا لمن يريد التعريف بها، و نتيجة لذلك فإذا أخذها من لا يريد التعريف بها كان عاديا و ضامنا للقطة إذا تلفت في يده أو حدث فيها عيب، فإذا وجد المالك دفع له مثلها إذا كانت مثلية و قيمتها إذا كانت قيمية و دفع له نماءها مع التلف، و ضمن له أرشها إذا حدث فيها عيب، و لا يبرأ من الضمان إذا عدل بعد ذلك الى نية التعريف بها و لا إذا دفع العين الى الحاكم الشرعي على الأقوى، و إذا لم يعرف المالك تصدق عنه بالمثل أو القيمة مع التلف و باللقطة و أرشها مع العيب.

و كذلك الحكم في لقطة غير الحرم إذا نوى تملكها قبل التعريف، أو قبل أن يتم التعريف حولا على الأحوط و يضمنها كذلك إذا تعدى أو فرط فيها و ان لم يقصد تملكها.

المسألة 31:

إذا أخذ لقطة الحرم مع قصد التعريف بها كانت أمانة في يده، فلا يكون ضامنا لها إذا تلفت في يده من غير تعد منه و لا تفريط، سواء كان تلفها قبل التعريف بها أم في أثنائه أم بعده و قبل التصدق بها و كذلك الحكم إذا حدث فيها عيب.

و مثله الحكم في لقطة غير الحرم إذا أخذها و لم ينو تملكها قبل التعريف أو قبل ان يتمه حولا فهي أمانة غير مضمونة إذا تلفت أو عابت بلا تعد و لا تفريط.

المسألة 32:

من التفريط أن يترك الملتقط التعريف بالمال الضائع الذي وجده و يضعه في مسجد مثلا أو في مجمع عام ليراه الناس، فإذا فعل كذلك و أخذ اللقطة غير مالكها أو تلفت أو حدث فيها عيب كان الملتقط ضامنا لها، بل و يكون ضامنا لها إذا أخذها آخذ و لم يعلم ان الآخذ هو مالكها أم غيره.

263

المسألة 33:

إذا تلفت اللقطة قبل أن يعرف الملتقط بها أو في أثناء مدة التعريف بها، فان كانت اللقطة مضمونة كما في الفروض التي ذكرناها في المسألة الثلاثين لم يسقط عن الملتقط وجوب التعريف، فإذا عرف المالك دفع له مثلها أو قيمتها، و ان كانت غير مضمونة كما في الفروض التي ذكرناها في المسألة الحادية و الثلاثين سقط عنه وجوب التعريف.

المسألة 34:

معرفة مالك اللقطة قد تكون بنحو العلم به كما إذا أوجبت القرائن للملتقط العلم بصدق دعواه، و قد تحصل بشهادة بينة شرعية، كما إذا شهد شاهدان عادلان بأنه هو مالك اللقطة المعينة و قد تأتي من ذكره الأوصاف التي تميز اللقطة و تدل على انه صاحبها، و لا تدفع إليه اللقطة في هذه الصورة إلا إذا أوجب ذلك الاطمئنان بصدقه، و لا يكفي حصول الظن.

المسألة 35:

إذا حصل للملتقط الاطمئنان من ذكر صفات اللقطة و بعض مميزاتها أن الرجل هو مالك المال دفعه اليه و ان خفي عليه بعض الصفات الدقيقة للقطة التي قد يغفل عنها المالك أو لا يحصل له العلم بها، فمالك الكتاب مثلا لا يعلم على الأكثر بعدد صفحات الكتاب و بسنة طبعه، و بأنه من الطبعة الثالثة أو الرابعة إلا إذا كانت لها مميزات خاصة، و مالك الجهاز أو الآلة قد لا يدري بأنها من صنع اي معمل في البلد و من نتاج اي عام، و مالك الفراش و الدثار قد يذهل أو ينسى مقدار سعته في الطول و العرض و عن بعض الآثار الموجودة فيه التي تحدثها كثرة الاستعمال.

المسألة 36:

إذا عرف الملتقط مالك اللقطة قبل التعريف بها أو في أثناء مدة التعريف أو بعد ان أتمه حولا و قبل أن يتخير أحد الأمور الثلاثة، و كانت العين موجودة دفعها اليه، و لا يحق للمالك أن يطالب الملتقط ببدلها، و إذا كانت العين تالفة، فإن كانت اللقطة مضمونة دفع اليه‌

264

مثلها، أو قيمتها، و ان كانت اللقطة غير مضمونة فليس للمالك ان يطالب الملتقط بشي‌ء، و قد ذكرنا بعض هذه الأحكام في المسألة الثالثة و الثلاثين.

و إذا عرف المالك بعد أن أتم التعريف باللقطة و بعد أن تصدق بها عن المالك، تخير المالك بين أن يرضى بالصدقة فيكون له أجرها و لا يطالب الملتقط و لا الفقير بشي‌ء، و ان لا يرضى بالصدقة، فيغرم له الملتقط مثلها أو قيمتها، و يكون للملتقط أجر الصدقة، و لا يحق للمالك أن يطالبه بالعين و ان كانت موجودة، و لا يرجع على الفقير بشي‌ء.

و إذا عرف المالك بعد أن تملكها الملتقط رجع عليه بالعين إذا كانت موجودة في يده، و رجع عليه بمثلها أو بقيمتها إذا كانت تالفة، أو كانت قد انتقلت منه الى ملك غيره ببيع أو هبة أو غيرهما، أو نقلها عن ملكه بوقف أو عتق أو شبه ذلك.

و إذا كان الملتقط قد اختار إبقاء اللقطة أمانة في يده لمالكها، ردها إليه إذا كانت موجودة، و إذا كانت تالفة فلا ضمان عليه الا إذا تعدى أو فرط فيها، و إذا حدث فيها عيب أو نقص رد الموجود و لم يضمن أرش العيب و لا النقصان الا مع التعدي أو التفريط، و قد أشرنا الى هذا في المسألة الرابعة عشرة.

المسألة 37:

النماء المتصل للقطة يكون له حكم العين، فإذا عرف الملتقط مالك العين وجب عليه ان يدفع اليه نماء العين المتصل في كل صورة يجب عليه فيها رد العين أو بدلها اليه، و قد تقدم تفصيل ذلك في المسألة السادسة و الثلاثين، و إذا لم يعرف المالك كان النماء المتصل تابعا للعين كذلك، فيتملكه الملتقط إذا اختار أن يتملك العين، و يملكه الفقير إذا اختار الملتقط الصدقة فتصدق بالعين على الفقير، و يبقى في يد الملتقط أمانة للمالك إذا اختار الملتقط بقاء العين كذلك.

و اما النماء المنفصل، فما حصل منه بعد أن يتملك الملتقط العين يكون للملتقط، و ما يتجدد منه بعد التصدق بالعين يكون للفقير، و لا‌

265

يجب دفعه الى مالك العين إذا عرفه الملتقط بعد التملك أو بعد الصدقة، و ما حصل منه قبل ذلك فهو لمالك العين إذا عرف، و إذا لم يعرف، فالأحوط التصدق به، و لا تجري فيه أحكام اللقطة بل يكون من المال المجهول مالكه.

المسألة 38:

إذا عرف الملتقط المالك و لم يتمكن من أن يوصل المال اليه و لا الى وكيله، وجب على الملتقط أن يستأذن المالك في ما يفعل باللقطة، فان لم يتمكن من الاستيذان منه تصدق بالمال عنه.

المسألة 39:

يشكل الحكم بجواز دفع المال الضائع إلى الحاكم الشرعي ليتخلص الملتقط بذلك من التعريف بالمال، كما يشكل الحكم بسقوط التعريف عن الملتقط بذلك لو أن الحاكم قبل منه فأخذ اللقطة، بل يشكل وجوب قبول الحاكم لها إذا دفعت اليه.

نعم يمكن دفع اللقطة إلى الحاكم أو الى أمين غيره ليقوم بحفظها في مدة التعريف، و يمكن ان يدفعها الملتقط الى الحاكم ليتصدق بها عن المالك بعد أن يتم الملتقط التعريف بها و يختار الصدقة بها عن مالكها أو بعد أن ييأس من معرفة المالك، و لكن هذه الفروض غير ما يذكره المشهور.

المسألة 40:

إذا وجد شخصان لقطة واحدة، فأخذاها معا في وقت واحد كانت لقطة لهما على سبيل الاشتراك فيها و تعلقت بهما معا أحكامها، فإذا كان مجموع قيمة اللقطة لا يبلغ درهما جاز للرجلين أن يتملكاها و لم يجب عليهما التعريف بها، و يكونان شريكين فيها على وجه التساوي، و إذا بلغت قيمة اللقطة درهما فأكثر، وجب عليهما التعريف بها، و ان لم تبلغ حصة الواحد منهما مقدار الدرهم، و تخيرا في إيقاع التعريف، فيجوز لهما أن يوكلا إيقاع التعريف كله إلى أحدهما، فيتولى التعريف بالمال في جميع الحول، و يجوز لهما أن يقوما بالتعريف بالمال معا طوال الحول، فيقوم كل واحد منهما بتعريف كامل من يوم التقاطهما المال‌

266

إلى نهاية الحول، و يجوز لهما أن يقتسما الحول بينهما اجزاء فيتولى أحدهما التعريف بالمال تعريفا كاملا في شهر أو شهرين أو أكثر من الحول، ثم يقوم الثاني بالتعريف في الجزء الثاني من الحول و هكذا حسب تراضيهما في القسمة الى ان يتما التعريف في مدة الحول، و إذا تنازعا في التعريف، وزع الحول بينهما بالتساوي، فيقوم كل واحد منهما بالتعريف الكامل في قسطه من الحول.

و إذا تم التعريف مدة الحول، فلهما أن يتفقا في اختيار تملك اللقطة أو التصدق بها أو إبقائها أمانة لصاحبها، و يجوز لأحدهما أن يختار الصدقة بنصفه و للآخر ان يتملك نصفه أو يبقيه امانة في يده لمالك المال.

المسألة 41:

إذا التقط الصبي أو المجنون مالا ضائعا صحت لقطتهما، و على وليهما أن يتولى أمرها فإذا كانت اللقطة دون الدرهم و كانت في غير الحرم جاز للولي أن يقصد تملكهما إياها، و إذا كانت اللقطة في الحرم أو كانت قيمتها درهما فأكثر و هي في غير الحرم، وجب على الولي التعريف بها سنة، ثم يتصدق بها في لقطة الحرم على الأحوط، و يتخير لهما أحد الأمور الثلاثة التي ذكرناها في المسألة الرابعة عشرة في لقطة غير الحرم.

المسألة 42:

إذا وجد الإنسان لقطة، و علم بأنها ضائعة من ملتقط آخر قد التقطها قبله، وجب على الملتقط الثاني ان يعرف بها سنة، فان عرف مالكها ردها اليه، و ان لم يعرف المالك و لكنه عرف الملتقط الأول دفعها اليه كذلك، و ان لم يجد واحدا منهما جرى فيها حكم اللقطة المتقدم.

و إذا عرف الملتقط الأول و ردها اليه كما ذكرنا، وجب على الملتقط الأول ان يتم التعريف بها سنة إذا لم يكن قد أتم التعريف من قبل، و يحتسب منها مدة تعريف الملتقط الثاني بها، فان هو لم يعرف المالك جرى فيها حكم اللقطة.

267

المسألة 43:

إذا تملك الملتقط اللقطة بعد التعريف بها، ثم مات كانت ملكا لوارثه من بعده، و إذا ظهر المالك بعد ذلك ضمنها له الوارث، فيجب عليه أن يرد له عين اللقطة إذا كانت موجودة في ملكه و يجب عليه ان يدفع له مثلها أو قيمتها إذا كانت تالفة أو كانت منتقلة عن ملكه بأحد النواقل الشرعية و ان كانت بالصدقة عن نفسه لا عن المالك.

و إذا مات الملتقط قبل أن يعرف باللقطة أو في أثناء التعريف بها أو بعد أن أتم التعريف و قبل أن يتملكها، جرى في اللقطة حكم مجهول المالك على الأحوط، فيفحص الوارث عن مالكها، فإذا حصل له اليأس من معرفته تصدق بها عن المالك باذن الحاكم الشرعي على الأحوط.

المسألة 44:

إذا وجد الرجل مالا فأخذه و هو يعتقد ان المال له، أو يعتقد أنه وديعة أو عارية من زيد مثلا عنده و بعد أن أخذه ظهر له أن المال ضائع من مالكه و لا يد لأحد عليه، كان لقطة و لزمه القيام بأحكامها.

المسألة 45:

إذا رأى الإنسان في صندوقه مالا، و لم يدر أن المال له أو لغيره، فان كان الصندوق الذي وجد المال فيه خاصا به بحيث لا يد لغيره عليه، فالمال ماله، و ان كان الصندوق مشتركا بينه و بين آخر، بحيث يكون كل منهما صاحب يد على الصندوق يأخذ منه و يضع فيه، فعليه أن يعرف صاحبه بالمال، فان عرفه دفعه اليه، و ان قال صاحبه: ان المال ليس له، فالمال للأول، و إذا جهلاه معا رجعا إلى القرعة بينهما، فأيهما عينته القرعة فالمال له، و يمكنهما الرجوع الى المصالحة بينهما، و كذلك الحكم إذا كان الصندوق مشتركا بين جماعة قليلة محصور عددهم.

و إذا كان الصندوق مشتركا بين جماعة كثيرة، جرى في المال حكم مجهول المالك، فيجب الفحص عن المالك منهم و يدفع المال إليه إذا عرف، و إذا حصل اليأس من معرفته تصدق بالمال عنه باذن الحاكم الشرعي على الأحوط.

268

المسألة 46:

إذا وجد الإنسان مالا في داره التي يسكنها و لم يعلم ان المال له أم لغيره، فان كانت الدار خاصة لا يدخلها غيره، أو كان الداخل إليها قليلا، فالمال له، و إذا كان المترددون في الدخول و الخروج من الدار كثيرين كما في المضائف و المجالس العامة جرى في المال حكم اللقطة، و ان لم يحرز انه مال ضائع جرى فيه حكم المجهول المالك، و لا فرق في الحكم بين أن تكون الدار مملوكة له أو مستأجرة أو مستعارة أو موقوفة أو غير ذلك من الوجوه المسوغة للسكنى، بل و ان كانت مغصوبة، فإن كون اليد غاصبة للدار لا تنافي كونها دالة على ملك المال الموجود فيها.

المسألة 47:

إذا وجد الإنسان مالا في دار يسكنها غيره، وجب عليه أن يعرف ساكن الدار بالمال فان ادعاه ساكن الدار دفعه اليه، و كذلك إذا لم يعرف ساكن الدار أمر المال و كانت الدار خاصة بالساكن لا يدخلها غيره أو يدخلها النادر القليل فيكون المال له، و إذا كثر الداخلون و الواردون فيها و علم و لو من القرائن ان المال ضائع من صاحبه جرى عليه حكم اللقطة و ان لم يعلم ذلك جرى فيه حكم مجهول المالك، فيتصدق به بعد الفحص عن المالك و اليأس من معرفته من غير فرق بين الأسباب التي اقتضت له سكنى الدار كما تقدم.

المسألة 48:

إذا أخذ الإنسان مالا من أحد و هو يعتقد ان المال المأخوذ ملك لذلك الشخص، ثم ظهر أن المال لغيره و قد أخذه منه عدوانا بغير حق، و الإنسان لا يعرف المالك، لم تجر على المال الذي أخذه أحكام اللقطة، فإنه ليس من المال الضائع من مالكه، بل يجري عليه حكم مجهول المالك.

المسألة 49:

إذا استودعه سارق مالا سرقه من أحد لم يجز للرجل الذي أخذ الوديعة ان يردها الى السارق الذي أودعه إياها، بل يجب عليه ردها الى المالك إذا كان يعرفه، و ان لم يعرفه جرى على المال حكم اللقطة كما‌

269

في الرواية، فيجب عليه التعريف بالمال سنة كاملة، فان لم يعرف مالكه تصدق بالمال عنه، و إذا عرف المالك بعد تصدقه بالمال خيره بين أن يقبل بالصدقة فيكون له أجرها و أن يغرم له بدل المال مثله أو قيمته فيغرم الودعي له ذلك، و يكون للودعي أجر الصدقة، و الفارق بين الحكم في هذه المسألة و المسألة المتقدمة هو النص الذي أشرنا إليه.

الفصل الثاني في لقطة الحيوان

المسألة 50:

اللقطة من الحيوان و تسمى أيضا الضالة، هي الحيوان المملوك الذي يجده الإنسان ضائعا من مالكه، و لا تكون لأحد يد عليه، فلا تشمل الحيوان غير المملوك شرعا كالخنزير و ما يلحق به من الحيوانات غير المملوكة، و لا تشمل الحيوانات المباحة إذا لم تملك بحيازة، فلا تكون من اللقطة، و لا تشمل الحيوان المملوك غير الضائع من مالكه و ان لم يعلم مالكه، و لا تشمل الحيوان الضائع من مالكه إذا وجده الإنسان و عليه يد أمينه لأحد من الناس، و قد تقدم بيان ما يتعلق بهذا في لقطة غير الحيوان.

المسألة 51:

يكره للإنسان أن يأخذ لقطة الحيوان، و قد ورد في بعض الأخبار:

(لا يأخذ الضالة إلا الضالون، و ورد في حديث آخر عن الضالة: (ما أحب ان أمسها)، و الظاهر ان الحكم بكراهة التقاط الضالة شامل حتى لصورة ما إذا خشي تلف الحيوان إذا لم يأخذه الملتقط.

المسألة 52:

يحرم على الإنسان أخذ البعير الذي يراه ضالا، سواء وجده في العمران أم في غير العمران، إذا كان في ماء وكلاء، و يحرم كذلك أخذه إذا وجده في غير ماء و لا كلاء إذا كان البعير صحيحا يمكنه السعي و الوصول إليهما، و يحرم في جميع هذه الصور على الإنسان أخذ كل حيوان ضال عن مالكه إذا كان الحيوان مما يمكنه الامتناع عن السباع‌

270

لقوة الحيوان أو لسرعة عدوه أو لكبر جثته، و يمكنه السعي إلى مواضع الكلاء و الماء و ان كان من صغار الحيوان كالغزال و بقر الوحش المملوكين، و إذا أخذه الملتقط كان آثما.

المسألة 53:

إذا أخذ الرجل البعير الضائع أو ما بحكمه من الحيوان الذي تقدم ذكر حكمه في المسألة الثانية و الخمسين، وجب على الآخذ الإنفاق عليه، و لا يرجع على مالك الحيوان- إذا وجده- بشي‌ء مما أنفق عليه، و كان ضامنا للحيوان، فيجب عليه ان يرد على المالك قيمته إذا تلف الحيوان ثم عرف المالك، و يتصدق بالقيمة بإذن الحاكم الشرعي إذا يئس من معرفة المالك، و يضمن جميع ما يستوفيه من نماء الحيوان كاللبن و الصوف و الوبر و الدهن و غيرها، فيرد مثله أو قيمته كذلك، و يضمن جميع ما يستوفيه من منافعه كالحمل و الركوب و السقاية عليه، فيدفع اجرة مثله.

و لا تبرأ ذمته من الضمان الا بالدفع الى المالك، فيجب عليه الفحص عنه حتى ييأس من معرفته، فإذا حصل له اليأس تصدق عن المالك بما ضمنه باذن الحاكم الشرعي.

المسألة 54:

إذا وجد الرجل البعير الضال أو ما بحكمه من الحيوان الآنف ذكره في المسألة الثانية و الخمسين في موضع يتحقق تلفه فيه إذا لم يأخذه الملتقط، لوجود سباع ضارية لا يمكن الحيوان أن يمتنع منها، أو لكون الحيوان مريضا أو مجهودا لا يمكنه السعي إلى مواضع النجاة، أو لبعد الماء و الكلاء عليه في ذلك الموضع، أو لغير ذلك، جاز للرجل أخذه، و الأحوط أن يجري عليه حكم مجهول المالك، فيفحص عن مالكه حتى ييأس من الحصول عليه، ثم يتصدق به و بقيمته إذا تلف عن المالك باذن الحاكم الشرعي، و إذا عرف المالك رجع عليه بما أنفق على الحيوان إذا لم يكن قد نوى التبرع بالإنفاق، و إذا كان للحيوان نماء كاللبن و الدهن، أو كانت له منفعة كالركوب و الحمل عليه، جاز للملتقط‌

271

أن يستوفيها بإزاء نفقاته على الحيوان، و إذا زادت النفقة على أجرته أو زادت الأجرة على نفقته، رجع صاحب الزيادة بزيادته على صاحبه.

و كذلك الحكم في ضالة هذا الحيوان إذا كان المالك في طلبها و خشي الملتقط عليها من التلف قبل أن يصل المالك إليها فيجري فيها ما ذكرناه على الأقرب.

المسألة 55:

إذا وجد الرجل شاة ضائعة في غير العمران جاز للواجد أن يلتقطها سواء كانت ضائعة في موضع فيه ماء و كلاء أم كانت في موضع ليس فيه ذلك، و إذا أخذها الملتقط وجب عليه أن يعرف بها في الموضع الذي وجدها فيه و ما حوله على الأحوط، فإذا لم يعرف مالكها جاز له أن يتملكها و أن يتصرف فيها بأكل و نحوه، و جاز له ان يبقيها في يده امانة لمالكها.

فإذا هو تملكها أو تصرف فيها كان ضامنا لها، فإذا عرف مالكها بعد ذلك و كانت الشاة موجودة ردها اليه و إذا كانت الشاة تالفة و طالبه المالك بها دفع اليه ثمنها.

و إذا أبقاها في يده أمانة لمالكها فلا ضمان عليه إذا تلفت من غير تعد و لا تفريط، و كذلك الحكم في كل حيوان لا يمكنه حفظ نفسه و لا يقدر على الامتناع من صغار السباع كأطفال الخيل و الحمير و البقر، بل و أطفال الإبل و شبهها.

المسألة 56:

إذا وجد الرجل الشاة الضالة في مواضع العمران و الأماكن المأهولة بالسكان بحيث لا خوف فيها على الحيوان الضعيف، لم يجز له أخذها و إذا التقطها أحد كان لها ضامنا و لم تبرأ ذمته الا بردها الى مالكها، إذا كانت موجودة و دفع قيمتها إذا كانت تالفة، و كذلك الحيوانات الضعيفة التي ألحقت بالشاة في حكمها في المسألة السابقة فلا يجوز التقاطها في الأماكن المذكورة و يكون ضامنا لها إذا أخذها، و يجب عليه التعريف بها و إذا يئس من معرفة المالك تصدق بها عنه باذن الحاكم الشرعي.

272

و إذا خيف عليها التلف في المواضع المذكورة إذا لم يأخذها الملتقط، لبعض الطواري كوجود السراق، أو بعض السباع المختبئة أو غير ذلك، جاز له أخذها و جرى عليها حكم الالتقاط في غير العمران و قد ذكرناه في المسألة المتقدمة.

و قد ورد في رواية ابن أبي يعفور، في الشاة، أن واجدها يحبسها عنده ثلاثة أيام يسأل عن صاحبها فان لم يأت باعها واجدها و تصدق بثمنها، و قد عمل بها المشهور، و هو غير بعيد.

المسألة 57:

إذا أعرض المالك عن الحيوان الذي يملكه فتركه سائبا أصبح الحيوان مباحا و جاز لمن يجده أن يتملكه و لا ضمان عليه للحيوان و لا لمنافعه.

المسألة 58:

إذا أجهد الحيوان مثلا في الطريق أو في البر و لم يتمكن المالك من أخذه معه و لا من البقاء عنده، فتركه في موضعه و مضى عنه، فان كان المالك قد تركه في موضع يمكنه التعيش فيه لوجود الماء و الكلاء فيه لم يجز لأحد أخذ الحيوان، فإذا أخذه واجده كان آثما و ضامنا، و كذلك الحكم إذا كان الحيوان المتروك قادرا على السعي إلى موضع الكلاء و الماء، أو كان مالكه عازما على أن يعود اليه قبل أن يتلف.

و إذا ترك المالك الحيوان في موضع لا يمكنه التعيش فيه و لا يستطيع السعي إلى موضع يمكنه التعيش فيه، و لم يكن المالك عازما على العود اليه، جاز لمن يجده أن يأخذه و يتملكه و لا ضمان عليه.

المسألة 59:

لا فرق بين الصبي و المجنون و بين غيرهما في الحكم في أخذ الضالة، فإذا كان الحيوان الضائع مما يجوز أخذه لغيرهما صح لهما أخذه، كما تصح لقطتهما لغير الحيوان من الأموال الضائعة من مالكها، و يقوم وليهما بأمر الضالة بولايته عليهما، فيعرفها في مقام وجوب التعريف،

273

و يقصد تملكهما إياها في موضع التملك، و يتولى تطبيق سائر الأحكام كما تقدم نظير ذلك في لقطة غير الحيوان في المسألة الحادية و الأربعين.

المسألة 60:

إذا تبرع الملتقط بنفقة الحيوان الضائع الذي التقطه أو تبرع بها رجل آخر غير الملتقط كانت النفقة مما تبرع به و لم يرجع بها على المالك.

و ان لم يتبرع بها أحد، أنفق عليه الملتقط من ماله ثم رجع بما أنفقه على المالك إذا وجده، و إذا كان للحيوان نماء أو منافع جاز للملتقط أن يستوفي ذلك بدلا عن النفقة، و لا بد و ان يكون ذلك بحسب القيمة و قد ذكرنا هذا في المسألة الرابعة و الخمسين، و هذا في ما يحتاج اليه الحيوان من النفقات، و إذا اكتفى الحيوان في تعيشه و بقائه بالماء و الكلاء الموجود في الأرض و لم يفتقر إلى نفقة أخرى لم تجب على الملتقط و لم تلزم المالك فإذا أنفق الملتقط عليه ما يزيد على ذلك لم يصح له الرجوع به على المالك، و تراجع المسألة الثالثة و الخمسون في حكم النفقة على الحيوان الذي لا يصح التقاطه.

المسألة 61:

لا يتحقق التقاط الحيوان بمجرد دخوله الى منزل الإنسان أو الى حظيرته إذا هو لم يأخذه و لم يضع يده عليه، فإذا دخلت الدجاجة الضالة أو غيرها من الدواجن و شبهها الى منزل الإنسان أو الى حظيرته لم يكن ملتقطا، و جاز له أن يخرجها من منزله و لا شي‌ء عليه، بل و لا يجوز له أخذها كما تقدم في المسألة السادسة و الخمسين، و إذا أخذها وجب عليه التعريف بها حتى ييأس من معرفة مالكها ثم تصدق بها باذن الحاكم الشرعي على الأحوط.

المسألة 62:

إذا وجد الرجل حيوانا قد تركه صاحبه، و لم يعلم أنه قد تركه بقصد الأعراض عنه، ليصح له تملكه كما ذكرنا في المسألة السابعة و الخمسين أو انه لم يعرض عنه بل تركه ليرجع اليه بعد مدة أو عند الحاجة، لم يجز له أخذ الحيوان، إلا إذا كان في موضع الخوف و عدم‌

274

الماء و الكلاء، فيصح له أخذه كما تقدم في المسألة الرابعة و الخمسين و غيرها.

الفصل الثالث في لقطة الإنسان

المسألة 63:

اللقيط من الإنسان هو الطفل الضائع من أهله أو الذي يكون منبوذا منهم خشية من الاتهام في نسبته إليهم، أو لعدم القدرة على الإنفاق عليه، أو لغير ذلك من موجبات النبذ، فلا يكون له كافل.

و لا ريب في شمول اللقيط لغير المميز من الأطفال، و الأقوى شموله للمميز منهم إذا كان عاجزا عن دفع ضرورته و القيام بشؤونه بنفسه، فإذا التقطه أحد تعلقت به أحكام الالتقاط، و إذا كان غلاما مراهقا ضائعا من أهله أو منبوذا منهم و كان عاجزا عن القيام بضرورات نفسه و شؤون تربيته و حياته من غير كافل، ففي صدق اللقيط عليه و شمول الأحكام له إذا التقطه أحد، تردد و اشكال، فلا ينبغي ترك الاحتياط.

المسألة 64:

يجب على الناس التقاط الطفل الضائع أو المنبوذ الذي لا كافل له وجوبا كفائيا إذا توقف على التقاطه حفظ حياته و إنقاذه من التلف أو الخطر المتيقن أو المحتمل احتمالا يعتد به العقلاء، و يأثم العالمون بحاله إذا تركه جميعهم حتى هلك.

و إذا أخذه الملتقط وجبت عليه حضانة اللقيط و تربيته، و كان أحق بحضانته من غيره الا إذا عرف من له الولاية الشرعية عليه لنسب أو وصية أو غير ذلك، و إذا عرف الولي الشرعي عليه أو من تجب عليه نفقته من الأقارب لم يكن لقيطا لوجود الكافل، فتنتفي فيه أحكام الالتقاط.

المسألة 65:

إذا لم يتوقف حفظ حياة اللقيط و إنقاذه من الخطر على أخذه لم‌

275

يجب على الملتقط التقاطه و كان مستحبا، فإذا أخذه تولى كفالته شرعا و كان أحق بحضانته من غيره، فلا يحق لأحد ان يأخذه من يد ملتقطة و يتولى حضانته الا ان يكون وليا شرعيا أو ممن تجب عليه نفقته من الأقارب كما ذكرنا آنفا.

المسألة 66:

إذا وجد الكافل الشرعي أو من تجب عليه نفقة اللقيط من الأقارب جاز له ان ينتزع الطفل من يد الملتقط كما ذكرنا في ما تقدم، و إذا امتنع عن كفالة الطفل و الإنفاق عليه أجبر على ذلك، و سيأتي تفصيل ذلك ان شاء اللّه تعالى في فصل نفقات الأقارب من كتاب النكاح.

المسألة 67:

إذا أخذ الملتقط الطفل اللقيط وجبت عليه حضانته كما بيناه و القيام بتربيته و تدبير شؤونه، و يجوز له أن يتولى ذلك بنفسه، و أن يعهد به أو يستعين فيه أو في بعضه بمن يثق به، كزوجته أو إحدى قريباته أو غيرهن من النساء أو الرجال، بحيث يكون التصرف في نواحي شؤون اللقيط تحت اشراف الملتقط نفسه.

المسألة 68:

يشترط في آخذ الطفل اللقيط أن يكون بالغا، فلا تترتب أحكام الالتقاط إذا كان الملتقط صبيا و ان كان مميزا، و يشترط فيه أن يكون عاقلا فلا حكم لالتقاطه إذا كان مجنونا و ان كان جنونه أدوارا و كان أخذه للقيط في حال جنونه، و إذا التقطه في حال إفاقته من الجنون صح أخذه و ترتبت أحكامه، و لا يمكن منه في أدوار جنونه.

و لا حكم لالتقاط العبد المملوك إلا بإذن مولاه، فإذا أذن له مولاه صح و كان نافذا، و لا يصح للمولى ان يرجع في الاذن، و يشترط في الملتقط على الأحوط أن يكون مسلما إذا كان اللقيط محكوما بإسلامه، فلا يمكن من أخذه و كفالته إذا كان كافرا، و لا تجري على أخذه إياه أحكام الالتقاط.

المسألة 69:

ليس للنفقة على اللقيط مورد خاص، فان تبرع بها الملتقط أو‌

276

تبرع بها أحد غيره، أو تبرع بها الحاكم الشرعي كانت النفقة عليه من هذا الوجه، و إذا كان اللقيط فقيرا، جاز أن ينفق عليه من الزكاة من سهم الفقراء أو من سهم سبيل اللّه، و إذا كان للقيط مال و لم يوجد من يتبرع بالإنفاق عليه استأذن الملتقط الحاكم الشرعي، فأنفق عليه من ذلك المال، و يصح للملتقط أن ينفق عليه من ماله، ثم يرجع على اللقيط بعد بلوغه بما أنفق عليه، و لا يرجع عليه إذا كان متبرعا، و يمكن الإنفاق عليه من الصدقات المستحبة و من الخيرات العامة و من النذور التي يعلم بصحة انطباقها عليه.

المسألة 70:

ما يوجد في يد اللقيط الذي حكم الشارع بحريته من المال، فهو محكوم بأنه ملكه.

المسألة 71:

ولاية الملتقط على الطفل اللقيط لا تعني انه ولي على ماله، فإذا كان للقيط مال وجده معه أو ثبت بوجه من الوجوه أنه ملكه، أو دخل بعد ذلك في ملكه بميراث و نحوه، فلا بد من مراجعة الحاكم الشرعي لحفظ ماله أو التصرف فيه.

المسألة 72:

إذا كان للقيط مال و احتاج الملتقط إلى الإنفاق منه على اللقيط لبعض شؤونه و لو لاستئجار مرضعة له و نحو ذلك، فلا بد من استئذان الحاكم الشرعي في ذلك كما ذكرنا ذلك في ما تقدم، فإذا لم يوجد الحاكم الشرعي أو تعذر الاستئذان منه رجع الملتقط في ذلك على الأحوط إلى عدول المؤمنين، فتولوا الإنفاق عليه من ماله، و إذا لم يوجد العدول صح للملتقط ان يتولى ذلك بنفسه، فينفق على اللقيط من ماله بالمعروف، و لا يكون ضامنا حين ذاك إذا لم يتعد أو يفرط في أخذه من المال و صرفه.

المسألة 73:

إذا سبق الى الطفل الضائع أو المنبوذ ملتقط فأخذه تعلقت به أحكام الالتقاط، فإذا نبذه الملتقط و أخذه شخص آخر لم يصح التقاط الثاني‌

277

لوجود الكافل الأول، و لم يسقط الحكم عن الأول بنبذه بل يلزم بأخذه و إجراء الأحكام عليه.

المسألة 74:

إذا التقط الطفل الضائع في دار الإسلام فهو محكوم بأنه حر غير مملوك، و كذلك إذا التقط في دار الكفر و كان فيها مسلم أو ذمي يحتمل تولده منه، فيحكم بحريته، و إذا بلغ و رشد فأقر بعد بلوغه و رشده، بأنه مملوك لأحد نفذ إقراره على نفسه فيحكم بعبوديته لمن أقر له، و إذا التقط في دار الكفر و لم يوجد فيها مسلم و لا ذمي يحتمل تولده منه جاز استرقاقه.

المسألة 75:

لا ولاء للملتقط على لقيطة، فإذا مات اللقيط لم يرثه الملتقط، و إذا جنى لم يحتمل من جنايته شيئا، و إذا بلغ اللقيط و رشد و لم يثبت له نسب، فله أن يتولى من يشاء، فإذا تولى أحدا معينا، و ضمن ذلك الرجل جريرته كان هذا الضامن عاقلته في حياته إذا جنى و كان وارثه بعد موته إذا مات. و إذا لم يوال شخصا و لم يضمن جريرته أحد كان الامام (ع) عاقلته و وارثه.

المسألة 76:

إذا ضل العبد المملوك عن مالكه و خيف عليه التلف أو الضياع جاز لمن يجده أن يلتقطه سواء كان صغيرا أم كبيرا، فإذا التقطه واجده وجب عليه أن يعرف به حولا كاملا كما في اللقطة، فإذا عرف مالكه وجب عليه رده اليه، و رجع الملتقط على المالك بما أنفقه على العبد ان لم يكن قد قصد التبرع به حين الإنفاق.

و إذا لم يعرف مالك العبد أبقاه في يده أمانة لمالكه، و لا يجوز له ان يتملكه على الأقوى، نعم يجوز له بيع العبد بما أنفق عليه إذا لم يكن متبرعا بالنفقة.

و الحمد للّه رب العالمين‌

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

كتاب الصيد و الذباحة

280

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

281

كتاب الصيد و الذباحة‌

المسألة الأولى:

المقصود الأول في هذا الكتاب هو البحث عن الأسباب الشرعية التي تحصل بها تذكية الحيوان، فيحل أكل لحمه إذا كان مما يؤكل لحمه، و تترتب عليه آثار التذكية الأخرى، من طهارة لحمه و جلده و سائر أجزائه، و صحة الصلاة في أجزائه عند اجتماع الشروط الأخرى المعتبرة في ترتب هذه الأحكام.

و كلمة الصيد قد تطلق و يراد بها إثبات اليد على حيوان أو طير ممتنع بالأصالة، و قد تطلق و يراد بها قتل ذلك الحيوان أو الطير بآلة أو بحيوان على الوجه الذي اعتبره الشارع و حدده لحصول التذكية به من غير ذبح و لا نحر.

و الصيد بالمعنى الأول أحد الأمور التي تحصل بها حيازة الحيوان المباح، فيملك بها بعد ما كان مباحا بالأصالة، و الصيد بالمعنى الثاني أحد الأسباب الموجبة لتذكية الحيوان عند اجتماع الشروط المعتبرة فيه، فهو كالذبح و النحر و غيرهما من أسباب التذكية، و هذا هو المقصود في هذا الباب.

و الصيد الذي يكون سببا للتذكية، قد يكون بحيوان، و قد يكون بالآلات المعدة للاصطياد و القتل من الحديد و غيره، و لذلك فالبحث في هذا الكتاب يكون في عدة فصول.

282

الفصل الأول في الصيد بالحيوان

المسألة الثانية:

لا تحصل التذكية في الحيوان إذا اصطاده غير الكلب المعلم من أنواع الحيوان الصيود فأجهز عليه و قتله، فلا يحل أكل لحمه و لا تترتب عليه الآثار الأخرى للتذكية، سواء كان الحيوان الصائد معلما أم غير معلم، و سواء كان من جوارح السباع كالنمر و الفهد و غيرهما أم كان من جوارح الطير كالبازي و العقاب و الصقر و الباشق و غيرها.

و يحل أكل لحم الحيوان الممتنع بالأصالة و تترتب عليه آثار التذكية كلها إذا صاده الكلب المعلم و قتله، سواء كان الكلب سلوقيا أم غيره من أنواع الكلاب المعلمة و سواء كان أسود اللون أم غير أسود، فإذا جرح الكلب الحيوان أو عقره أو عضه في أي موضع كان من بدنه و قتله بذلك حكم عليه بأنه مذكى، و لا تتحقق التذكية و لا يترتب شي‌ء من أحكامها إذا كان الحيوان أهليا فاصطاده الكلب و قتله، و سنتعرض لبيان ذلك في ما يأتي من المسائل ان شاء اللّه تعالى.

المسألة الثالثة:

يشترط في ترتب الأثر على صيد الكلب أن يكون معلما للاصطياد، و المراد من ذلك أن يعوده مروضه على تلقي الأمر و الزجر في حركته الى الصيد و وقوفه عنها، فإذا أرسله صاحبه على الصيد و أغراه به بإشارة أو صوت أو كلمة و لم يكن له مانع من الحركة هاج اليه و انبعث في طلبه و الجري نحوه حتى يدركه، و إذا زجره عن الحركة و سمع زجرته انزجر و وقف، و أن يعتاد على ذلك حتى تصبح هذه الصفة ثابتة له.

المسألة الرابعة:

الظاهر أنه يكفي أن ينزجر بزجر صاحبه في الجملة، كما إذا رأى‌

283

الصيد فهم بطلبه و الجري نحوه، فزجره صاحبه و انزجر قبل الحركة، و كما إذا أغراه صاحبه بالصيد فتحرك اليه و زجره صاحبه قبل أن يسترسل في الجري فانزجر عنه، فيكفي ذلك في صدق كونه معلما، و لا يضر أن لا ينزجر إذا زجره بعد استرساله في الحركة، أو حين ما يقرب من الصيد.

المسألة الخامسة:

لا يشترط في صدق صفة المعلم على الكلب أن يكون من عادته أن لا يأكل من الصيد إذا أمسك به، فلا يضر بحصول التذكية إذا هو أكل من الحيوان شيئا قبل أن يصل اليه صاحبه و خصوصا إذا كان ذلك بعد أن قتل الصيد بمدة.

المسألة السادسة:

يشترط في حصول التذكية و في حلية لحم الحيوان الذي يصيده الكلب، ان تتحقق عدة أمور:

(الأول): أن يرسل الإنسان الكلب للاصطياد، فيكون الصيد و القتل بإرساله لذلك، فإذا انبعث الكلب الى الصيد بنفسه فقتله من غير إرسال من صاحبه لم يحل الحيوان المقتول بذلك.

و إذا أغرى الكلب صاحبه بالصيد بعد ان انبعث اليه بنفسه من غير إرسال من صاحبه لم ينفع ذلك في حصول التذكية و لم يحل لحم الحيوان، و ان زاد في جريه بعد الإغراء حتى أدرك الصيد و قتله فلا يحل لحمه على الأحوط ان لم يكن ذلك هو الأقوى.

و كذلك الحكم إذا أرسل الكلب صاحبه لا بقصد الاصطياد، بل لغرض آخر، كما إذا أرسله لطرد كلب آخر أو لطرد سبع، فصادف صيدا و قتله، فلا يحل هذا الصيد المقتول، و ان قصد الرجل اصطياده بعد الإرسال، فلا يحل الصيد بذلك.

المسألة السابعة:

يكفي في حصول الشرط الآنف ذكره أن يرسل الكلب صاحبه بقصد الاصطياد و ان لم يقصد صيدا معينا، فإذا أرسله بهذا القصد و لم يقصد‌

284

صيدا خاصا، فانطلق الكلب و اصطاد حيوانا و قتله حل صيده، و إذا أثاره الى اصطياد حيوان معين فتبع غيره حتى أدركه و قتله، حل مقتوله و ثبتت تذكيته، و إذا أرسله إلى اصطياد حيوان و رأى معه صيدا آخر فتبعهما حتى أدركهما و قتلهما، حلا معا و ثبتت تذكيتهما.

المسألة الثامنة:

الشرط الثاني: أن يكون مرسل الكلب مسلما أو من هو بحكم المسلم كالصبي المميز المتولد من مسلم، فلا يحل الصيد إذا كان مرسل الكلب كافرا، سواء كان مشركا أم كتابيا، و حربيا أم معاهدا أم ذميا، و كذلك من هو بحكم الكافر كالغالي و الناصب و منكر الضروري في الإسلام، و الصبي المتولد من كافرين و ان كان مميزا.

و لا يلحق بالمسلم في هذا الحكم المجنون المتولد من المسلم على الأحوط.

المسألة التاسعة:

الشرط الثالث: أن يذكر المرسل اسم اللّه عند إرساله الكلب، و المراد بالتسمية المشترطة هنا و عند الذبح و النحر أن يذكر اسم اللّه مقترنا بالتعظيم، مثل أن يقول: اللّه أكبر أو يقول: بسم اللّه، أو يقول الحمد للّه، و نحو ذلك، و يشكل الحكم بالاكتفاء بذكر اسم اللّه مجردا عما يدل على التعظيم، و إذا ترك المرسل التسمية متعمدا لم يحل الحيوان الذي يقتله الكلب في ذلك الإرسال، و إذا تركها ناسيا لم يضره ذلك، و ثبتت تذكيته.

و الأحوط احتياطا لا يترك أن تكون التسمية عند الإرسال، فلا يؤخرها عنه عامدا و ان اتى بها قبل الإصابة، و لا يضر إذا أخرها ناسيا كما تقدم.

المسألة العاشرة:

الشرط الرابع: أن يكون موت الحيوان مستندا الى جرح الكلب إياه أو عقره له أو قتله. فلا يحل الصيد إذا مات بصدمه أو عثرة أو سقوط من جبل و شبهه، أو بسبب إتعابه في العدو، أو بسبب اختناق، أو غرق في ماء أو توحل في طين و شبه ذلك من أسباب الموت بغير قتل الكلب.

285

المسألة 11:

يجب على صاحب الكلب المعلم إذا أرسله للاصطياد ان يتبعه ليذكي الحيوان إذا وجده حيا لم يمت بإصابة الكلب، و تجب عليه المبادرة الى ذلك و المسارعة العرفية حين يرى ان الكلب قد لحق الصيد و أصبح غير ممتنع عليه على الأحوط. فإذا هو لم يتبع الكلب في هذه الحالة، أو لم يسارع اليه بالمسارعة العرفية، و حين وصل الى الصيد وجده ميتا لم يحل أكل لحمه.

و إذا هو بادر الى الصيد على الوجه الذي تقدم ذكره، فأدركه ميتا بقتل الكلب أو أدركه حيا، بفترة قليلة لا تتسع لذبحه و تذكيته، ثم مات، حل لحم الحيوان و ثبتت تذكيته، و هذا هو الشرط الخامس من شروط حلية الصيد الذي يقتله الكلب.

و لا تجب على الرجل المبادرة و المسارعة من حين إرسال الكلب أو قبل وصوله الى الصيد و استيلائه عليه.

المسألة 12:

إذا أدرك الرجل الصيد و هو حي لم يمت بإصابة الكلب له، و كان الزمان الذي أدركه فيه حيا يتسع لذبحه، لم يحل أكل لحمه الا بالذبح، فإذا ترك ذبحه حتى مات فهو ميتة لا يحل أكلها.

المسألة 13:

ادنى حياة الصيد التي يحتاج معها الى الذبح هي أن يدركه الإنسان و هو يطرف بعينه و يركض الأرض برجله و يتحرك بذنبه، و طرف العين هو تحركها بالنظر أو تحرك اجفانها بالانطباق و الانفتاح، و الركض بالرجل هو أن يضرب بها الأرض أو غيرها، و قد جعلت هذه الأمور علامات على وجود الحياة في الحيوان في مثل هذه الحالات.

فإذا وجد الإنسان الصيد كذلك. و اتسع الزمان لذبحه وجب ذلك، و لم يحل لحمه الا بالذبح، و تراجع المسألة المائة و السادسة، و المسألة المائة و التاسعة و العشرون.

286

المسألة 14:

إذا عقر الكلب الصيد أو عضه أو جرحه و أدركه الرجل و هو لا يزال يعدو، فتبعه حتى وقع، فإذا وجده حيا في فترة تتسع لذبحه لزمه ذلك و لم يحل لحمه الا بالذبح، و ان وقع ميتا أو وجده حيا في فترة لا تتسع للذبح ثم مات حل أكله في كلتا الصورتين و ثبتت تذكيته.

المسألة 15:

إذا أصاب الكلب الصيد و جرحه، و أدركه الرجل و الحيوان لا يزال حيا، و لم تكن عند الرجل سكين ليذبحه بها، فإذا هو أغرى الكلب بالصيد قبل أن يموت حتى قتله فالظاهر حل أكله، و إذا تركه كذلك حتى مات بنفسه من غير ذبح و لا قتل لم يحل أكله.

المسألة 16:

إذا أدرك الرجل الصيد و هو حي بعد أن عقره الكلب أو جرحه، فاشتغل بمقدمات التذكية من شحذ السكين و توجيه الحيوان إلى القبلة و هو يمتنع لبقية قوة فيه، و رفع الحائل عن موضع الذبح، فمات الحيوان قبل ذبحه، فالظاهر حل لحمه كما إذا لم يتسع الوقت لذبحه.

المسألة 17:

ذكرنا في المسألة الحادية عشرة انه يجب على الرجل ان يتبع الكلب إذا رآه قد لحق الصيد و أصبح الحيوان غير ممتنع عليه و أن يسارع اليه، و هذا إذا احتمل وجود أثر يترتب على مبادرته الى الحيوان بعد اصابته، و هو أن يذبحه إذا وجده حيا و كان له من الوقت ما يتسع لذلك.

فإذا علم بأنه لا يستطيع ادراك الحيوان قبل موته أو علم بعدم تمكنه من ذبحه إذا وجده حيا لعدم السكين، لم تجب عليه المسارعة اليه، و جاز له أن يتركه الى الكلب حتى يقتله و يزهق روحه، و يحل أكله بذلك.

المسألة: 18

تقدم في المسألة العاشرة أن الحيوان الذي يصطاده الكلب لا يكون حلال اللحم حتى يعلم أن موته يستند الى قتل الكلب بجرحه أو عقره‌

287

مثلا، و لا و لا يحل أكله إذا كان موته بسبب آخر من صدمة أو عثرة أو خنق أو غرق أو شبه ذلك.

فإذا مات الصيد و لم يعلم سبب موته من أي النوعين لم يجز أكل لحمه، و إذا توقف حصول العلم بسبب موت الحيوان على المسارعة إليه بعد إرسال الكلب لاصطياده ليعلم أن سبب موته هو قتل الكلب فيحل أكله أو غير ذلك فيحرم، وجبت على الرجل المسارعة نحوه ليحرز ذلك، و ان علم بأنه لا يدركه للذبح.

المسألة 19:

إذا عض الكلب الصيد أو جرحه فقتله، حل أكله و طهر لحمه كما ذكرنا، و ليس معنى ذلك أن موضع العضة أو موضع الجرح طاهر يجوز أكله من غير تطهير، فلا بد من غسل الموضع من نجاسة الكلب و نجاسة الدم، و الحكم واضح غير خفي و انما يذكر للتنبيه.

المسألة 20:

يجوز أن يتعدد الكلب الصائد، و يجوز أن يتعدد المرسلون للكلب الواحد أو الكلاب المتعددين إذا وجدت الشروط المتقدم ذكرها جميعا في كل واحد من المرسلين و من الكلاب المرسلة. فإذا كانت للرجل المسلم عدة كلاب معلمة و أرسلها للاصطياد، و سمى عند إرسال كل واحد من كلابه، فذهبت و اشتركت في صيد واحد أو في أكثر، فقتلته حل لحمه و كان ذكيا.

و إذا اشترك جماعة مسلمون فأرسلوا كلابهم للصيد، و سمى كل واحد منهم عند إرسال كلبه فانطلقت الكلاب و اشتركت في صيد حيوان أو أكثر فقتلته حل لحمه و ثبتت ذكاته.

و لا يحل الصيد إذا لم تجتمع الشرائط في المرسلين أو في الكلاب، فإذا اشترك رجلان في صيد حيوان فأرسلا كلبيهما للاصطياد، و كان احد الرجلين مسلما و الآخر كافرا، أو كانا مسلمين و سمى أحدهما عند إرسال كلبه، و لم يسم الآخر، أو كان أحد الكلبين معلما دون الآخر، فإذا انطلق الكلبان و قتلا الصيد لم يحل لحمه.

288

و كذلك إذا أرسل أحد الرجلين كلبه و سمى، و انطلق الكلب الآخر من غير إرسال و ذهبا الى الصيد و قتلاه معا، فلا يحل لحمه.

المسألة 21:

إذا أرسل الرجل كلبين للاصطياد، و أحدهما معلم و الآخر غير معلم فاشتركا في قتل صيد واحد لم يحل لحمه.

و كذلك إذا أرسلهما و سمي عند إرسال أحدهما و لم يسم عند إرسال الآخر، بل و كذلك على الأحوط لزوما إذا أرسلهما إرسالا واحدا و سمى عند إرسالهما تسمية واحدة.

المسألة 22:

إذا اشترك جماعة فأرسلوا كلبا واحدا معلما، و سمى جميعهم عند إرساله صح ذلك و حل لحم الصيد إذا قتله الكلب.

و إذا اشتركوا في إرساله، و سمي بعضهم و لم يسم الآخر، فان كان إرسال البعض الذي سمى و اغراؤه كافيا في انطلاق الكلب و اغرائه، فالظاهر كفاية ذلك، فيحل لحم الصيد إذا قتله.

و إذا لم يؤثر إرسال ذلك البعض في انطلاق الكلب حتى ينضم اليه الآخر، لم يحل لحم الصيد الذي يقتله. و كذلك الحكم إذا كان أحدهما مسلما و الثاني كافرا، فيجري فيه التفصيل الذي ذكرناه.

المسألة 23:

إذا أرسل أحد الرجلين كلبه الى الصيد فانطلق اليه، و أثخنه بالجراح، ثم أرسل الآخر كلبه اليه و اصابه يسيرا، بحيث يستند قتله و موته إلى الأول منهما دون الثاني، اعتبر وجود الشرائط في الأول، فإذا وجدت الشرائط فيه حل لحم الصيد، و لم يضره أن يكون الثاني فاقدا للشرائط أو لبعضها. و إذا أرسل أحدهما كلبه فعمل في الصيد قليلا، ثم أرسل الثاني كلبه فأصابه اصابة مؤثرة و كان هو القاتل في نظر أهل العرف، اعتبر وجود الشروط في الثاني، فإذا توفرت الشرائط فيه حل لحم الصيد، و لم يضر فيه أن يكون الأول غير جامع للشرائط، و إذا انعكس الفرض انعكس الحكم.

289

المسألة 24:

إذا وجد الرجل الحيوان الذي أرسل الكلب عليه ميتا و تردد في سبب موته أ هو قتل الكلب له و اجهازه عليه، أو يكون مات بسبب آخر غير ذلك، لم يحل أكل لحمه كما ذكرنا أكثر من مرة.

و إذا دلت امارة عرفية على أن سبب موته هو قتل الكلب إياه و كانت الامارة تفيد الاطمئنان بذلك، ففي الحكم بالاعتماد عليها قوة، و لكن لا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه.

الفصل الثاني في الصيد بالآلة

المسألة 25:

تحصل التذكية للحيوان الممتنع بالأصالة إذا اصطاده الرجل بالسيف أو بالخنجر أو بالسكين أو بغيرها من الآلات و الأسلحة التي يكون لها حد قاطع، إذا ضربه بالآلة فقتله، فيحل بذلك لحم الصيد إذا اجتمعت فيه الشروط الآتي ذكرها.

و تحصل التذكية له إذا اصطاده بالرمح أو بالحربة أو بالسهم و نحوها من الأسلحة التي يكون لها طرف محدد، يطعن به و يخرق، حتى العصا إذا جعلت في طرفها حديدة محددة يطعن بها أو يخرق فإذا طعنه بالرمح أو الحربة أو بالعصا التي تقدم وصفها أو رماه بالسهم أو شبه ذلك من الأسلحة فقتله كان لحم الحيوان حلالا مع اجتماع الشرائط.

سواء كان السلاح مما له نصل كالسيف يصنع من حديدة ذات حد أو حدين، و يركب له مقبض من غير الحديد غالبا، و الخنجر و السكين يصنعان كذلك، و كالزج و السنان يركب في طرف قناة الرمح، و كالحديدة الشائكة توضع في أسفل العصا، و كنصل السهم يركب على الريش أو على الخشبة، أم كان مجموع السلاح مصنوعا من حديدة واحدة يجعل لها من نفسها حد قاطع أو طرف طاعن كالسيف أو السكين أو الرمح أو السهم يفرغ جميعه كذلك.

290

المسألة 26:

لا يشترط في الآلة أو في نصلها أن يكون من الحديد، فيصح أن يكون من أي فلز كان، كالنحاس و النيكل و غيرهما إذا صنعت منه الآلة القاطعة أو الشائكة أو صنع منه نصلها على النحو المتقدم فإذا ضرب بها الصيد أو طعنة فقتله حل لحمه على الظاهر، بل حتى إذا كانت من الذهب أو الفضة. نعم لا بد- على الأحوط لزوما- أن يكون مما يعد سلاحا في نظر أهل العرف، فيشكل الحكم إذا كان مما لا يعد سلاحا في نظرهم، أو كان سلاحا غير معتاد كالمخيط و الشك و السفود و لا بد فيه من مراعاة الاحتياط.

المسألة 27:

إذا ضرب الإنسان الصيد أو طعنه أو رماه بالاسلحة المتقدم ذكرها فأصابه و مات الحيوان بسبب ذلك حل لحمه، و ان لم تؤثر الضربة أو الطعنة أو الرمية في جسد الحيوان أثرا بينا من جرح أو خرق، و لا يحل إذا لم يصبه، بل مات من الفزع أو من صدمة أو غيرها.

المسألة 28:

يلحق بآلة الحديد المعراض: و هو على ما قالوا: خشبة غليظة الوسط محددة الطرفين و لا نصل فيها من حديد و نحوه، و هو نوع من السهام كان يستعمل قديما في الصيد و نحوه، فإذا رمى الرجل به الصيد فقتله فإن أصابه بأحد طرفيه فخرقه و مات الحيوان بسبب ذلك حل لحمه، و ان أصابه معترضا و قتله لم يحل لحمه، و كذلك الحكم في السهم الذي لا حديدة فيه و انما هو عود أو خشبة يحدد طرفها، فإذا رمى به الصيد فخرقه أو جرحه بطرفه المحدد و مات بسبب ذلك حل لحمه، و ان قتله معترضا لم يحل لحمه. و يشكل الحكم بحصول التذكية بالعصا إذا لم تكن في طرفها حديدة بل كانت محددة بنفسها، فإذا طعن الحيوان بها فقتله، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عن أكل لحمه.

المسألة 29:

لا يحل من الصيد ما يقتل بالحجارة أو بالبندق، و البندق جمع بندقة، و هي الطينة المدورة المجففة، فلا يحل لحمه و لا تثبت تذكيته إذا‌

291

مات بذلك، سواء كان من صغار الصيد أم كباره.

و لا يحل منه ما يضرب بمقمعة أو بعمود، فيموت بسبب ذلك، و ان كانا من الحديد و سميا سلاحا.

و لا يحل منه ما يقتل بالشرك و الحبالة و الفخ و غيرها من آلات الصيد، و لا تكون قاطعة و لا شائكة، و لا تعد سلاحا، فلا يحل أكل صيدها إذا علقت به فمات بذلك.

المسألة 30:

إذا علق الصيد بإحدى الآلات المذكورة في ما تقدم أو بغيرها و هو حي، فأصبح بسبب علوقه بها غير قادر على الامتناع، فقبضه صاحب الآلة و وضع يده على الصيد، ثم ذكاه على الوجه الشرعي، حل لحمه بالتذكية.

و كذلك ما يصطاده النمر أو الفهد أو غيرهما من جوارح السباع، أو يصطاده الصقر أو العقاب، أو الشاهين أو الباشق أو غيرها من جوارح الطير، فإذا أدركه الرجل و ذكاه على الوجه الصحيح حل لحمه، و هذا من التذكية بالذباحة لا من التذكية بالصيد.

المسألة 31:

الظاهر حل لحم الصيد الذي يقتل بالبندقية، و هي الآلة المعروفة لإطلاق النار على الصيد و نحوه، إذا كانت البندقة أو الرصاصة التي تطلقها محددة الطرف تشبه المخروط، فإذا أطلقها الرامي و سمى عند الإطلاق، فأصابت الطير أو الحيوان فقتلته، فالظاهر حل لحمه بذلك.

و إذا كانت البندقة التي تطلقها مدورة غير محددة الطرف، فالأحوط اجتناب ما قتل بها و ان خرقت و نفذت بسبب قوتها، سواء كانت صغيرة الحجم أم كبيرته.

و إذا لم يمت الطير أو الحيوان بها، و أدركه الصائد حيا فذكاه بالسكين، فلا ريب في حلية لحمه.

المسألة 32:

يشترط في حل لحم الحيوان الذي يصطاد و يقتل بالآلة- مضافا الى‌

292

ما ذكرناه من الشروط و الصفات التي تعتبر في نفس الآلة- أن تجتمع فيه جميع الشروط التي تقدم ذكرها و اشتراطها في صيد الكلب المعلم.

فيجب أن يكون الرمي أو الضرب بالآلة بقصد الاصطياد، فإذا رمى الرجل أو ضرب بالآلة لا بقصد شي‌ء، فاتفق ان أصابت رميته أو ضربته حيوانا فقتلته لم يحل لحم الحيوان.

و كذلك إذا رمى أو ضرب بقصد اصابة هدف خاص، أو بقصد دفع عدو أو بقصد طرد سبع أو خنزير، فأصابت غزالا أو حمار وحش، و قتلته، لم يحل ذلك الحيوان المقتول، و كذلك إذا أفلت السهم أو السلاح من يده، فأصاب حيوانا، فلا يحل لحم الصيد في جميع هذه الفروض.

و إذا رمى أو ضرب بالآلة بقصد الاصطياد، فأثارت رميته صيدا من مخبئه ثم قتلته، أو رمى صيدا معينا فأصابت الرمية غيره، أو رماه فأصابه و أصاب غيره معا، فيحل ما قتله إذا اجتمعت بقية الشروط كما ذكرنا في صيد الكلب في المسألة السادسة و المسألة السابعة.

المسألة 33:

يشترط في حل الصيد أن يكون الرامي أو الضارب بالآلة مسلما أو من هو بحكم المسلم فلا يحل أكل لحم الحيوان إذا كان صائده كافرا أو من هو بحكمه، كما بيناه في المسألة الثامنة.

المسألة 34:

يشترط في حل الحيوان أن يذكر الصائد اسم اللّه عند الرمي أو الضرب أو الطعن بالآلة على الوجه الذي فصلناه في المسألة التاسعة من البيان و الأحكام.

المسألة 35:

يشترط في حل الحيوان أن يكون موته مسببا عن رمي الرامي أو ضربه أو طعنة بآلة الصيد لا الى سبب آخر، كما إذا فزع الحيوان من الرمية أو الضربة فمات من الخوف، أو فزع فسقط من جبل أو في حفرة أو في ماء فمات، أو كان موت الحيوان مستندا إلى ضربه بالآلة و الى‌

293

سبب آخر معها فكان موته مستندا الى السببين معا على وجه الاشتراك.

و كما إذا رماه مسلم و كافر فأصاباه معا و قتلاه أو رماه رجلان معا و سمى أحدهما و لم يسم الآخر، أو رماه رجلان و قصد أحدهما الصيد و لم يقصد الثاني.

المسألة 36:

إذا وجد الصائد الحيوان الذي رماه ميتا و تردد في سبب موته بين السبب المحلل و السبب المحرم، أو تردد في استناد موته الى السبب المحلل خاصة أو اليه و الى السبب المحرم معا على نحو الاشتراك، بنى على أصل عدم التذكية، و لم يجز له أكل لحمه.

المسألة 37:

يشترط في حل لحم الحيوان إذا ضرب بآلة الصيد أن لا يدركه الصائد و الحيوان حي و الوقت يتسع لذبحه، فإذا أدركه كذلك وجب عليه ذبحه، و إذا تركه حتى مات من غير ذبح لم يحل أكله كما فصلناه في المسألة الحادية عشرة و الثانية عشرة، و تراجع المسائل الأخرى المتعلقة بفروض المسألة و فروعها.

المسألة 38:

إذا اشترك شخصان في صيد حيوان، فرماه أحدهما بسهم و طعنه الآخر برمح فقتلاه و كانت الشروط مجتمعة فيهما حل أكل لحمه، فلا يعتبر في الصيد بالآلة وحدة الصائد و لا وحدة الآلة.

و كذلك الحكم إذا أرسل أحد الشخصين كلبه الى الحيوان بقصد صيده، و رماه الثاني بسهم فاشتركا في قتله، فيحل لحمه مع اجتماع الشرائط فيهما.

المسألة 39:

إذا غصب الرجل آلة الصيد من أحد و اصطاد بها حيوانا، فالحيوان ملك للغاصب الصائد لا لصاحب الآلة، و ان كان آثما بغصب الآلة و استعمالها.

و يجب عليه أن يدفع لمالك الآلة أجرة المثل للآلة المغصوبة إذا كانت‌

294

لمثل هذا العمل بها أجرة في نظر العقلاء.

و إذا قتل الصيد بها و كانت الشرائط المتقدم ذكرها كلها مجتمعة، حل أكل لحمه، فلا يشترط في الصيد بالآلة أن تكون مباحة غير مغصوبة.

المسألة 40:

الحيوان الذي يحل لحمه باصطياد الكلب المعلم و بالصيد بالآلة عند اجتماع الشرائط الآنف ذكرها، هو الحيوان الوحشي الممتنع بالأصالة، سواء كان طيرا أم وحشا، كالظبي و بقر الوحش و حمار الوحش و الغنم الجبلية و غيرها من الحيوانات الوحشية، و لا تقع هذه التذكية على الحيوان الأهلي الذي يقدر عليه بلا وسيلة، كالغنم و البقر و الإبل الأهلية و الدجاج و الإوز و سائر الدواجن المتأهلة.

المسألة 41:

إذا تأهل الحيوان الوحشي بالأصالة كالظبي و حمار الوحش و الطير، فأصبح أنيسا غير ممتنع بعد توحشه و امتناعه، جرى عليه حكم الحيوان الأهلي، فلا يحل لحمه باصطياد الكلب أو بالصيد بالآلة، و لا بد في تذكيته من الذبح.

و إذا توحش الحيوان الأهلي، فأصبح وحشيا ممتنعا لا يقدر عليه الا بالاصطياد و نحوه، كالغنم الأهلية إذا توحشت، و البقر الأهلية إذا استعصت، و الإبل الأهلية إذا توحشت و كالصائل من البهائم ثبت له حكم الحيوان الوحشي بالأصالة، فيصح اصطياده و إذا قتله الكلب المعلم أو قتل بالآلة، حل لحمه مع اجتماع شروط التذكية في الصيد.

المسألة 42:

يجري في طفل الحيوان الوحشي إذا كان صغيرا لا يقوى على الفرار و الامتناع، و في فراخ الطير قبل استطاعتها للنهوض و الطيران حكم الحيوان الأهلي فلا يحل لحمها بالاصطياد بكلب أو بآلة، فإذا رمى الصائد الظبي و ولده الذي لا يستطيع الهرب، حل لحم الظبي و لم يحل لحم ولده، و إذا رمى الطير و فرخه الذي لا يتمكن من الطيران حل الطير و لم يحل ولده‌

.

295

المسألة 43:

إذا ترددت البهيمة في بئر أو في حفيرة و لم يمكن إخراجها و لا ذبحها أو نحرها على الوجه الشرعي صحت تذكيتها في تلك الحال بالصيد بالآلة، فتضرب بها أو تطعن أو ترمى في أي موضع يتفق من جسدها، فإذا ماتت بذلك و كانت شروط التذكية موجودة حل لحمها.

و في صحة اصطياد الكلب المعلم لها اشكال، و الأحوط لزوما اجتناب ذلك.

المسألة 44:

إذا كان الحيوان الوحشي مما لا يؤكل لحمه كالسباع و الطيور المحرمة و سائر الحيوانات الوحشية التي يحرم أكلها، فالظاهر صحة صيدها بالآلة، فإذا رماها الصائد بالسهم و نحوه أو ضربها بالسيف أو طعنها بالرمح بقصد الصيد و ماتت بسبب ذلك و اجتمعت فيها الشروط المعتبرة حصلت لها التذكية بذلك فيطهر جلدها و لحمها و جميع أجزائها، و ترتبت عليها آثار التذكية غير حل اللحم.

و الأحوط لزوما عدم حصول التذكية فيها بصيد الكلب المعلم لها إذا أرسل عليها فقتلها.

المسألة 45:

إذا أرسل الكلب المعلم على الحيوان أو الطير فقطعه قطعتين، فان زالت الحياة عن كلتا القطعتين حل أكلهما معا إذا كانت الشروط كلها موجودة، و كذلك إذا بقيت الحياة في الحيوان و لم يتسع الوقت لتذكيته، فيحل أكل القطعتين.

و إذا بقيت الحياة مستقرة في الصيد و اتسع الزمان لذبحه، فإن أسرع الصياد فذبح الصيد حل أكل القطعة التي يكون فيها الرأس و الرقبة لوقوع التذكية عليها و حرمت القطعة الأخرى وحدها لأنها جزء مبان من الحي. و ان ترك الصيد حتى مات من غير ذبح حرمت القطعتان معا.

و كذلك الحكم إذا اصطاده بالآلة التي يحل بها الصيد، فضربه بالسيف أو بغيره، فقطع الحيوان قطعتين، فيجري فيه التفصيل الذي بيناه في‌

296

الفرض السابق و تجري عليه الاحكام بنفسها.

المسألة 46:

إذا اصطاد الكلب غير المعلم حيوانا، أو اصطاده أحد الجوارح من السباع أو من الطير التي لا يحل صيدها، فقطعه قطعتين، فان زالت الحياة عن كلتا القطعتين، حرم أكلهما معا، و كذلك إذا بقيت الحياة في الصيد و لم يتسع الوقت لذبحه، فتحرم القطعتان معا، و إذا بقيت الحياة مستقرة في الحيوان و اتسع الزمان لذبحه، فان سارع الصياد و ذبح الصيد حلت القطعة التي يكون فيها الرأس و أعضاء التذكية و حرمت الأخرى وحدها، و ان لم يذبحه حرمت القطعتان معا.

و كذلك إذا اصطاده بالآلة التي لا يحل بها الصيد كالشبكة و الحبالة، و الآلات الأخرى التي لا تعد سلاحا، فيجري فيه التفصيل و الأحكام المذكورة في الفرض المتقدم.

المسألة 47:

إذا رأى الصائد شبحا على البعد فظنه كلبا أو خنزيرا أو سبعا، فرماه و قتله، و لما طلبه وجده صيدا، لم يحل له أكل لحمه، و ان سمى عند الرمي، و كذلك إذا أرسل كلبه المعلم عليه ليطرده أو ليقتله و لما وصل اليه وجده حيوانا و قد قتله الكلب، فلا يحل لحمه.

الفصل الثالث في ما به يملك الصيد

المسألة 48:

الحيوان الممتنع بالأصالة و الطير المطلق الجناح من المباحات العامة، فلا يملكه أحد إلا بوجود أحد الأسباب المملكة له، و سنذكرها ان شاء اللّه في ما يأتي، سواء كان مما يحل أكله أم مما يحرم فيجوز للإنسان السبق الى حيازته و تملكه قبل أن يملكه غيره.

و إذا استبق الى حيازته و وضع اليد عليه شخصان، و تقارنا في إيقاع السبب المملك، ملكاه معا و كان مشتركا بينهما.

297

و قد تكرر الحديث في استثناء الخنزير و بعض الكلاب البرية من هذا الحكم، فلا يملكهما المسلم باصطياد و لا بغيره، على اشكال في عموم الحكم و إطلاقه إذا تملكهما المسلم لغاية محللة.

المسألة 49:

إذا أرسل الصائد كلبه المعلم بقصد الاصطياد و سمى عند إرساله فانطلق الكلب و قتل الصيد، فلا ريب في أن الحيوان المقتول أو الطير المقتول يكون ملكا للصائد كما يكون حلال اللحم، فلا يجوز لغير الصائد أن يسبق اليه أو يأخذه منه، و إذا سبقه و استولى على الصيد كان غاصبا، و كذلك إذا اصطاد الرجل حيوانا بالآلة المحللة فرماه أو ضربه أو طعنة بقصد الاصطياد و مات الحيوان بسبب ذلك فيحل لحمه إذا كانت الشروط كلها موجودة، و يكون ملكا للصائد لا يجوز أخذه منه الا برضاه.

المسألة 50:

إذا أرسل الرجل كلبه على الحيوان بقصد الاصطياد، فجرحه الكلب و لم يقتله، و أدركه الصائد فخلصه من الكلب، و بقي الحيوان حيا، فهو ملك للصائد، و لا يجوز لأحد أخذه إلا برضاه، و إذا بري‌ء من جرحه، و عاد الى الامتناع لم يخرج بذلك عن ملك مالكه و لا يجوز لغيره صيده و إذا تجدد له نماء فهو لمالكه أيضا.

و كذلك إذا رمى الرجل الحيوان أو ضربه بالآلة بقصد الاصطياد فأثبته، و أدركه الرجل و هو لا يزال حيا، فهو المالك له، حتى إذا بري‌ء من جرحه و عاد الى الامتناع.

و إذا أرسل الرجل عليه الكلب أو رماه أو ضربه بالآلة لا بقصد الاصطياد، و أدركه الرجل حيا، فإن أخذه عند وصوله اليه بقصد التملك له فقد حازه و ملكه، فلا يجوز لغيره أخذه منه أو التصرف فيه الا باذنه، و إذا أخذه لا بقصد التملك، ففي حصول الملك بأخذه له اشكال، فلا يترك فيه الاحتياط.

المسألة 51:

إذا اصطاد الرجل الحيوان بغير الكلب من السباع أو الطيور الجوارح، و أدركه الصائد حيا، فان قصد الاصطياد بإرسال السبع أو‌

298

الطير عليه، كان ذلك حيازة للحيوان، فيملكه باصطياده، و كذلك إذا قصد التملك عند أخذ الحيوان، فيملكه بأخذه بهذا القصد كما سبق في نظيره، و إذا أخذه لا بقصد التملك جرى فيه الاشكال السابق.

و كذلك التفصيل و الحكم إذا اصطاده بالحجارة أو الخشب أو بالعمود و أمثاله مما لا يعد سلاحا.

المسألة 52:

إذا أدرك الإنسان الحيوان الممتنع أو الطير في بعض حالات غفلته أو مرضه أو توحله أو تورطه بخوض ماء و نحوه، فاستولى عليه و أمسك بيده أو برجله أو وضع رباطا في رقبته بقصد التملك، ملكه بذلك و إذا نصب شبكة أو شركا أو حبالة بقصد الاصطياد بها فوقع الحيوان أو الطير فيها ملكه ناصبها.

المسألة 53:

إذا وضع الرجل يده على الحيوان وضعا مستقرا بحيث تحقق معه استيلاؤه على الحيوان و تملكه إياه، ثم أفلت الحيوان من يده لم يزل ملكه عن الحيوان بذلك، فلا يجوز لأحد أخذه أو التصرف فيه، الا باذنه، و كذلك إذا اصطادته الشبكة أو الحبالة التي نصبها للصيد حتى استقر ملكه للحيوان باستقرار صيد الشبكة أو الحبالة له، فلا يزول ملكه بإفلات الحيوان من الشبكة أو الحبالة بعد ذلك، و لا يجوز لأحد أخذه أو اصطياده.

المسألة 54:

لا يملك الإنسان الحيوان بمجرد وضع يده عليه حتى تستقر يده و يصبح مستوليا عليه، فإذا انفلت الحيوان منه لقوة امتناعه و ضعف الرجل عن قبضه، بحيث يعد في نظر العقلاء انه لم يستول عليه لم يملكه القابض.

و كذلك إذا علق الحيوان أو الطير بالشبكة المنصوبة للصيد فانفلت منها لقوته و ضعف الشبكة عن إمساكه فلا يملكه ناصبها، و إذا أخذ الشبكة معه لقوته و شدة عدوه، فرماه آخر و أثبته ملكه الرامي ورد‌

299

الشبكة إلى صاحبها و كذلك إذا رماه الصياد فأصابه، وفر بعد الإصابة و هو مستمر في عدوه و امتناعه، فلا يملكه الصياد بمجرد ذلك، فإذا ضربه رجل آخر بعد ذلك أو رماه فاصطاده أو قتله، ملكه الثاني.

المسألة 55:

إذا غصب الرجل شبكة أو شركا أو حبالة و نصبها للاصطياد بها، فوقع فيها حيوان أو طير فالحيوان أو الطير ملك للغاصب الذي نصب الشبكة لا لمالكها، و ان كان ناصبها آثما بغصبه و تصرفه فيها و يجب عليه أن يدفع أجرة المثل للمالك إذا كانت هذه المنفعة مما له أجرة في نظر العقلاء و قد تقدم نظير هذا في المسألة التاسعة و الثلاثين.

المسألة 56:

إذا نصب الشبكة أو وضع الحبالة لا بقصد الاصطياد، فالظاهر ان ناصب الشبكة لا يملك الحيوان أو الطير الذي يقع فيها، فإذا أخذه غيره بقصد التملك ملكه.

المسألة 57:

إذا أجرى الرجل الماء على الأرض ليستوحل فيها الحيوان إذا مر بها فيصيده، أو حفر في طريق الحيوان حفائر ليقع فيها إذا مر بالطريق فيصيده، أو وضع الحبوب في الحجرة لتدخل إليها العصافير فيغلق عليها الباب و يصيدها، أو جعل سفينته في الليل على وضع معين في مكان كثير السمك و علق على ساريتها سراجا، ليثب إليها السمك من النهر فيصيده، فلا يبعد أن يكون لذلك حكم الشبكة و الحبالة التي ينصبها بقصد الاصطياد، فإذا استوحل الحيوان في الأرض الموحلة و لم يمكنه الخروج منها، أو وقع في الحفيرة و لم يستطع الفرار أو دخلت العصافير الى الحجرة و أغلق الباب عليها أو وثب السمك إلى السفينة ملك الصيد بذلك إذا كان قد صنع ذلك بقصد الاصطياد و تملك الصيد، بل هو الأظهر.

المسألة 58:

إذا كانت الأرض التي يملكها الرجل موحلة فدخلها حيوان و توحل بها لم يملكه مالك الأرض إذا لم يكن فعل ذلك بقصد الاصطياد كما‌

300

ذكرنا، فإذا أخذ الحيوان غيره بقصد التملك ملكه، و ان كان آثما إذا دخل الأرض بغير رضا مالكها.

و إذا عشش الحمام أو غيره من الطيور المباحة في دار الرجل أو في بستانه لم يملك صاحب الدار أو البستان تلك الطيور حتى يأخذها بقصد التملك، فإذا سبقه غيره فأخذها كان هو المالك لها.

المسألة 59:

لا يختص بالحمام و لا بغيره من الطيور إذا بنى لها برجا في ملكه لتعشش فيه، و لا يملكها بذلك، و ان اعتادت التعشيش و التفريخ فيه، بل يكون لها الحكم السابق في المسألة السابقة.

المسألة 60:

إذا تبع الإنسان الحيوان الممتنع راكبا على فرس مثلا أو في سيارة حتى أعياه فوقف لم يملكه بمجرد إعيائه و وقوفه عن العدو، حتى يأخذه و يستولي عليه بقصد التملك، فإذا سبق ذلك الإنسان غيره فأمسكه قبله بقصد التملك ملكه الآخذ.

المسألة 61:

إذا رمى الصياد الحيوان أو الطير فأثبته برميته و أعجزه عن الامتناع، و لكنه فر بعد جرحه و وقع في دار غير الصائد أو في بستانه، فهو ملك للصياد الذي رماه و أعجزه، و لا حق لصاحب الدار أو البستان فيه بمجرد وقوعه في ملكه، فإذا أخذه كان غاصبا.

و إذا رماه الأول فلم يثبته برميته و لم يخرج بها عن الامتناع في العدو، فدخل و هو يعدو في ملك الآخر، فاصطاده ملكه باصطياده له و أخذه إياه بقصد التملك لا بدخول ملكه.

المسألة 62:

إذا رمى الحيوان رجلان، فأثبته أحدهما برميته و أعجزه عن الامتناع، و جرحه الآخر فهو ملك لمن أثبته و أوقفه، سواء رمياه دفعة واحدة أم متعاقبين، و سواء كان الذي أثبته و أعجزه عن الامتناع سابقا لصاحبه في إصابة الصيد أم متأخرا عنه.

301

و إذا شك في من أثبته منهما برميته، رجعا الى الصلح بينهما أو الى القرعة في تعيينه.

المسألة 63:

لا يجوز اصطياد الحيوان و لا تملكه بالصيد إذا علم انه مملوك لأحد، أو وجدت عليه آثار تدل على وجود يد عليه، فان اليد امارة على الملك، و مثال ذلك ان يرى في عنق الحيوان جرسا أو طوقا أو حبلا، أو يجد شعر الحيوان أو وبره مصبوغا بألوان غير طبيعية، أو يجده مجللا بثوب و شبهه.

فإذا علم أو دلت آثار اليد على انه مملوك، وجب رده الى مالكه، و ان لم يعلم صاحبه فان وجد ما يدل على انه مال ضائع من صاحبه جرى عليه حكم اللقطة، و ان لم يوجد ما يدل على ذلك جرى عليه حكم المال المجهول المالك.

المسألة 64:

يجري في الطير ما ذكرناه في اصطياد الحيوان، فلا يجوز اصطياده و لا تملكه بالصيد إذا علم انه مملوك لمالك أو كانت عليه آثار يد، كما إذا وجد الطير مقصوص الجناح أو وجده مصبوغا بلون غير لونه الطبيعي، أو سمع الببغاء التي اصطادها تردد بعض الألفاظ فإن ذلك يدل على التعليم، و تجري فيه الأحكام المذكورة في غير الطير.

و إذا ملك الطير جناحيه و لم يعلم انه مملوك و لم يوجد فيه ما يدل على يد مالكة صح اصطياده و تملكه.

المسألة 65:

إذا اصطاد الرجل حيوانا أو طائرا و ملكه بالصيد ثم أطلقه من يده، فان قصد بذلك الاعراض عن ملك الصيد و ازالة سلطانه عنه، أصبح الصيد بذلك مباحا أو هو في حكم المباح فيجوز للآخرين اصطياده و تملكه، و لا يجوز للصائد الأول أن يرجع في تملكه، بعد ان يصطاده الثاني و يتملكه بل و يشكل الحكم بجواز رجوعه في التملك قبل أن يصطاده الثاني و يتملكه أيضا، فلا يترك الاحتياط في هذا الفرض.

302

و إذا أطلق الصيد من يده و لم يقصد الاعراض عن ملكه لم يخرج بمجرد إطلاقه عن ملكه، فلا يصح للآخرين اصطياده و لا يتملكه أحد إذا اصطاده.

المسألة 66:

إذا اصطاد الرجل ملكة النحل و تملكها من بعض الجبال أو المواضع التي يعيش فيها النحل، كفى ذلك على الظاهر في اصطياد جماعة النحل التابعة لتلك الملكة مهما بلغت من الكثرة أو القلة، فإن جماعة النحل تتبع ملكتها في حركتها و سكونها و في الانتقال من موضع الى موضع و في الدخول في الموضع الذي يعد لها و الخروج منه و في الانتشار في طلب الأزهار و النبات الذي يزودها بالرحيق و غيره، و في بناء الخلية التي تجعلها موضعا لإفراز مادة العسل و تكوينه، و في القيام بأي عمل يقوم به النحل بحسب العادة، فتكون سيطرته على الملكة سيطرة على الجماعة كلها و على جميع حركاتها و أعمالها و منافعها.

الفصل الرابع في ذكاة السمك و الجراد

المسألة 67:

تحصل الذكاة في السمك بأحد وجهين.

أحدهما أن يخرج الإنسان السمك من الماء و هو حي، سواء كان ما أخرجه في المرة الواحدة سمكة واحدة أم أكثر، و سواء أخرجه بيده أم بإناء أم بآلة كالشص و الفالة و الشباك و هي كثيرة الأنواع، و القرقور، و الحظيرة تصنع من جريد النخل أو من الحديد و شبهه و تبنى في الشواطي أو في الأسياف أو في الجزر التي يغمرها و ينحسر عنها الماء فيحتجز فيها السمك عند ارتفاع الماء، و ينضب عنه الماء بسبب الجزر فيخرج السمك بسببها من الماء و هو حي و كالشباك الحديثة تلقى في البحر بتوسط الآلات الكهربائية و نحوها فإذا استولت على السمك سحبت إلى السفينة أو الى الباخرة، و أخرج ما فيها من السمك، فإذا كان السمك لا يزال حيا عند إخراجه فهو ذكي.

303

الوجه الثاني: أن يأخذ الإنسان السمك في خارج الماء و يستولي عليه و هو لا يزال حيا، كما إذا و ثبت السمكة في السفينة أو في خارج النهر أو نبذها الموج الى الساحل و رجع الماء عنها و بقيت تضطرب، أو أخرجها حيوان الى الشاطئ، فإذا أخذها الرجل و هي لا تزال حية كانت ذكية.

المسألة 68:

إذا و ثبت السمكة إلى خارج الماء أو أخرجها حيوان أو نضب عنها الماء و بقيت تضطرب و لم يأخذها الإنسان حتى ماتت حرم أكلها و ان كان ينظر إليها فلا تكون ذكية بمجرد النظر إليها على الأحوط.

المسألة 69:

لا يشترط في تذكية السمك أن يذكر الصائد اسم اللّه عند إخراجه من الماء حيا أو عند أخذه حيا بعد خروجه من الماء، فيحل أكله سواء سمى الصائد أم لم يسم.

المسألة 70:

لا يشترط في تذكية السمك أن يكون صائده مسلما، فيحل أكله و أن كان الصائد كافرا كتابيا أو وثنيا أو مرتدا أو غير ذلك من أصناف الكفار، سواء كان صيده بإخراجه من الماء حيا أم بأخذه حيا خارج الماء، فيحل للمسلم أكله إذا علم بذلك أو شهدت به البينة.

المسألة 71:

إذا وجد الإنسان السمك ميتا و هو في يد مسلم، و وجد المسلم صاحب اليد يتصرف فيه بما يدل على التذكية، من أكله و بيعه و إهدائه أو إطعامه لأهله أو لغيرهم، حكم بتذكية السمك، فيصح له أكله و شراؤه منه و بيعه، و إذا وجد المسلم يتصرف فيه بما لا يدل على التذكية، كما إذا رآه قد أعد السمك لتسميد الأشجار، أو لإطعام بعض الحيوان، لم يحكم بتذكيته على الأقرب، و إذا أخبره المسلم صاحب اليد بذكاة السمك قبل خبره و رتب الآثار عليه.

المسألة 72:

إذا وجد الرجل السمك ميتا و هو في يد كافر، و لم يعلم بأن الكافر‌

304

قد ذكاه فأخرجه من الماء حيا أو أخذه بيده خارج الماء و هو حي أم لا، لم يحل للرجل أكله، و لا عبرة بيد الكافر في الدلالة على التذكية و لا يقبل قوله إذا أخبر بأنه قد ذكاه.

المسألة 73:

إذا و ثبت السمكة من الماء إلى السفينة لم يحل أكلها حتى تؤخذ باليد و هي حية كما تقدم بيان ذلك، و لا يملك السفان السمكة و لا مالك السفينة، بل يملكها كل من أخذها بقصد التملك.

و قد تقدم في المسألة السابعة و الخمسين: أن صاحب السفينة قد يجعلها على وضع خاص فيضعها في الليل في مكان يكثر فيه السمك و يميل السفينة إلى جانبها و يعلق سراجا على ساريتها، فيكون ذلك وسيلة لوثوب السمك من الماء إلى السفينة، فإذا فعل ذلك و قصد به اصطياد السمك و تملك الصيد، فالظاهر حصول التملك له بذلك و الأحوط أن يضع يده على السمك و هو حي لتحصل بذلك التذكية.

المسألة 74:

إذا نصب الرجل شبكة أو بنى حظيرة أو وضع آلة في الماء لاصطياد السمك فدخلها السمك عند ارتفاع الماء، فإن أخرج ما فيها من السمك و هو حي، فهو حلال و لا ريب، و كذلك إذا انتظر حتى انحسر الماء بالجزر و السمك لا يزال حيا ثم مات السمك في الشبكة أو في الحظيرة أو الآلة بعد نضوب الماء عنه، فالسمك كله ذكي يحل أكله. و إذا مات في الشبكة أو في الحظيرة أو الآلة و هو في الماء، فالظاهر حرمة السمك و عدم جواز أكله، و إذا مات بعضه في الماء، و بقي بعضه حيا حتى نضب الماء عنه، حرم ما مات في الماء و حل الباقي.

المسألة 75:

إذا أخرج الصائد السمك من الماء حيا ثم أعاده إلى الماء لغرض من الأغراض، و لو لنظم السمك كله في خيط قوي واحد لئلا يفلت منه شي‌ء حتى يتم الاصطياد، فمات في الماء بعد عودته فيه، حرم أكله و لا يحرم إذا أعاده إلى الماء بعد أن مات في خارجه.