كلمة التقوى - ج6

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
588 /
305

المسألة 76:

إذا وجد الصائد السمك الموجود في الشبكة أو في الحظيرة أو في الآلة ميتا، و شك في أن موته كان قبل خروجه من الماء فيكون محرما، أو بعد انحسار الماء عنه و نضوبه فيكون حلالا، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه، سواء علم بزمان خروج السمك من الماء و جهل زمان موته أ هو متقدم على وقت خروجه أو متأخر عنه، أم علم بزمان موت السمك و جهل وقت خروجه من الماء، أم جهل كلا من الزمانين معا فلم يعلم المتقدم منهما من المتأخر.

المسألة 77:

إذا طفي السمك على وجه الماء لبعض العوارض فلم يستطع السبح و الانطلاق في الماء كما إذا أصابه بعض الأمراض، أو ألقي عليه بعض المخدرات التي قد تستعمل لصيد السمك، أو ضرب ببعض الآلات أو عضه بعض الحيوان أو الحشرات، فإن أخذه إنسان و أخرجه من الماء حيا قبل أن يموت فهو ذكي حلال اللحم إذا لم يكن مضرا، و إذا كان مضرا حرم أكله من حيث الضرر لا من حيث عدم التذكية.

و ان لم يأخذه أحد حتى مات في الماء أو على وجه الماء فهو حرام غير ذكي، و هو المراد من السمك الطافي الذي دلت النصوص على تحريمه.

المسألة 78:

الزهر من المركبات المخدرة المعروفة عند بعض صائدي السمك.

يخلطونه مع طعام السمك بمقادير معينة و يرمونه في الماء، فإذا أكله السمك تخدر و ضعفت قوته و طفي على وجه الماء، فإن ألقاه إنسان في الماء لبعض الدواعي و لم يقصد بإلقائه اصطياد السمك، فأكله السمك و تخدر و طفي على الماء، فلا يكون مملوكا للرجل الذي ألقى الزهر، و لم يزل من المباحات، فإذا سبق إليه أحد فأخذه ملكه بأخذه، سواء كان هو الذي ألقى الزهر أم غيره، و إذا أخرجه من الماء حيا كان ذكيا و حل أكله.

و ان ألقاه في الماء بقصد اصطياد السمك، و أكله السمك و طفي على الماء، أشكل الحكم بجواز أخذه لغير الشخص الذي ألقى الزهر، فلا‌

306

يترك الاحتياط بعدم أخذ شي‌ء منه الا باذنه، و خصوصا إذا قصد بإلقائه اصطياد سمكة خاصة أو سمكات معينة، فأكلته السمكات المعينة و تخدرت، فلا يتملكها غيره.

المسألة 79:

إذا رمى الصائد سمكة بسهم أو رصاصة أو طعنها برمح أو بفالة فطفت على وجه الماء و لم تمت، فلا يبعد كونها ملكا للرامي أو الطاعن، فلا يحل لغيره أخذها.

المسألة 80:

إذا أخرج الرجل السمكة من الماء حية، أو وضع يده عليها و هي حية بعد خروجها من الماء كانت ذكية كما بينا مرارا، و حل له أكلها و تقطيعها و ان لم تمت بعد، أو ماتت بالتقطيع أو بالشوي مثلا، و إذا اقتطع من السمكة قطعة و هي حية في خارج الماء، ثم أرجع السمكة إلى الماء و هي حية، فالقطعة التي اقتطعها لا تزال ذكية محللة، و كذلك السمكة إذا عاد فأخرجها من الماء قبل ان تموت فيه، و إذا ماتت في الماء قبل أن يخرجها منه كانت حراما.

المسألة 81:

تحرم السمكة إذا ماتت في الماء سواء كان الماء الذي ماتت فيه هو ماء النهر أو الحوض مثلا، أم كان ماءا قليلا في إناء و شبهه.

المسألة 82:

إذا ضرب الصائد السمكة بسيف أو بسكين و هي في الماء فقطع منها قطعة، كانت القطعة محرمة، لأنها جزء مبان من حي، فهي ميتة، فإذا هو أدرك السمكة و أخرجها من الماء قبل أن تموت فهي ذكية محللة و ان لم يدركها فماتت في الماء قبل أن يخرجها منه كانت ميتة محرمة.

المسألة 83:

إذا أخرج الرجل السمكة من الماء، و شك في أنها حية عند إخراجه إياها من الماء أم ميتة، فهي ميتة لا يحل أكلها، و كذلك إذا و ثبت السمكة إلى السفينة أو الى الشاطئ و وضع يده عليها ثم شك في انها‌

307

حية أم ميتة حين أخذه إياها فلا يحل له أكلها، و هذا إذا كان الشك في حياة السمكة و موتها في حين إيقاع التذكية عليها.

و إذا أوقع التذكية على السمكة بأحد الوجهين و هو يعتقد الصحة و وجود الشرط، ثم شك بعد ذلك في كون السمكة حية أم ميتة، فالظاهر الصحة.

المسألة 84:

تذكية الجراد هي أن يأخذه الصائد حيا، سواء أخذه بيده أم بآلة أو وسيلة يصدق معها أنه أخذ الجراد و استولى عليه كما إذا أخذه بإناء أو كيس أو جمعه بثوب و نحو ذلك، و يشكل الصدق في ما إذا دخل الجراد بنفسه حجرة واسعة أو قاعة كبيرة مسقوفة، فأوصد الرجل عليه الأبواب و المنافذ فلا يكتفي بذلك ما لم يقم بجمعه من أطراف الحجرة و القاعة و الاستيلاء عليه بيده أو بآنية و شبهها، أو يلجئه إلى مضيق يجتمع فيه.

المسألة 85:

إذا مات الجراد قبل أخذه باليد أو بالآلة كان حراما غير ذكي.

المسألة 86:

ذكاة الجراد كذكاة السمك، فلا يعتبر فيها ذكر اسم اللّه عند أخذه، و لا يعتبر فيها أن يكون الصائد مسلما، فإذا أخذه الكافر و هو حي كان ذكيا حلالا من غير فرق بين أصناف الكفار.

المسألة 87:

يجري في تذكية الجراد ما تقدم بيانه في تذكية السمك، فإذا وجد الجراد ميتا في يد مسلم و كان المسلم يتصرف فيه تصرفا يدل على التذكية، كالأكل و البيع و الهدية، فهو ذكي حلال الأكل، و إذا أخبر المسلم بتذكية ما في يده صدق قوله و ثبتت تذكيته، و إذا وجد ميتا في يد كافر لم تثبت ذكاته و لا حله بذلك فلا يحل للمسلم أكله و لا ترتيب الأثر على تذكيته حتى يعلم بها و لا يقبل اخباره بها كما في المسلم.

المسألة 88:

إذا وقع الجراد في نار فاشتوى قبل أن يؤخذ حيا لم يحل أكله كما‌

308

تقدم في المسألة الخامسة و الثمانين، و إذا أخذه الشخص حيا جاز له طبخه أو شويه و أكله و ان لم يمت بعد كما تقدم نظيره في السمك.

المسألة 89:

إذا أجج الصائد النار عامدا بقصد اصطياد الجراد بها، فإذا رآها اجتمع إليها من الأطراف و ألقى نفسه فيها، فتكون النار آلة للصيد كما يقول بعض الأجلة، و في حل الجراد بذلك اشكال، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه.

المسألة 90:

لا يحل أكل الدبا، و هو الجراد في ابتداء تكونه و نشوية قبل أن تكون له أجنحة و يستقل بها بالطيران، و هذا هو الفارق بين الدبا و الجراد.

الفصل الخامس في الذباحة

المسألة 91:

يشترط في تذكية الحيوان بالذبح أن يكون ذابحه مسلما أو من هو بحكم المسلم، و ممن هو بحكم المسلم الصبي المتولد من المسلم إذا كان يحسن الذبح على الوجه الصحيح، فتكفي تذكيته إذا علم انه أجراها على الوجه الصحيح و لا تقع التذكية و لا تحل الذبيحة إذا كان ذابحها كافرا من غير فرق بين المشرك و الكتابي و المرتد و غيرهم من أصناف الكفار و مللهم و فرقهم و من لا ينتسب إلى ملة أو فرقة منهم، و كذلك من هو بحكم الكافر من الأطفال الذين يولدون من أبوين كافرين.

المسألة 92:

لا يشترط في حل الذبيحة أن يكون ذابحها مؤمنا اثني عشريا فتحل ذبيحة من يخالفنا في المذهب من أي فرق المسلمين كان على الأقوى إذا لم يكن ناصبا أو خارجيا أو غاليا، على ما أوضحنا بيانه في مبحث النجاسات من كتاب الطهارة، و سيأتي مزيد بيان له ان شاء اللّه تعالى.

309

المسألة 93:

الناصب هو من أظهر المعاداة للأئمة المعصومين من أهل البيت (ع) أو لبعضهم، من اي الفرق كان، و لا يختص بفرقة معينة أو مذهب مخصوص، و يعم كل من أضمر العداء لهم أو لبعضهم (ع) إذا ثبت ذلك عليه بأحد المثبتات الشرعية و منه الخارجي إذا كان كذلك.

و لا تحل ذبيحة الغالي إذا رجع غلوه الى الشرك باللّه أو الى إنكار ذاته سبحانه أو الى جحد ضروري من ضروريات الإسلام مع الالتفات الى كونه ضروريا، فيكون ذلك تكذيبا للرسالة.

المسألة 94:

لا يشترط في حل الذبيحة أن يكون الذابح ذكرا، و لا أن يكون بالغا، فيصح الذبح و تحل الذبيحة إذا كانت الذابحة امرأة مسلمة أو خنثى مسلمة، و تحل الذبيحة إذا كان الذابح طفلا متولدا من مسلم و كان يحسن الذبح كما تقدم ذكره.

نعم يشكل الحكم بصحة ذبحه إذا شك في انه أتى به على الوجه الصحيح أم لا، للإشكال في جريان أصالة الصحة في فعله، و الاشكال في اعتبار خبره، و لذلك فلا بد من الاحتياط.

و تحل الذبيحة إذا كان الذابح جنبا، من غير فرق بين الذكر و الأنثى، و تحل الذبيحة إذا كانت المرأة الذابحة حائضا أو نفساء، و تحل الذبيحة إذا كان الذابح خصيا أو أغلف أو أعمى إذا أوقع التذكية على الوجه المطلوب و الشروط المعتبرة، و تحل الذبيحة إذا كان الذابح فاسقا.

المسألة 95:

يجوز ذبح ابن الزنا إذا كان مسلما، و لا يكفي في إسلامه إسلام أبويه اللذين ولد منهما فإنه لا يلحق بهما كما يلحق الطفل المتولد من نكاح صحيح.

المسألة 96:

لا يصح ذبح السكران و النائم و المجنون و شبههم ممن لا يشعر بفعله،

310

و يشكل الحكم في ذبح المجنون و شبهه إذا كان ممن يشعر في الجملة، و لا يترك الاحتياط باجتنابه.

المسألة 97:

لا يشترط في صحة الذبح و في حل الذبيحة أن يكون الذابح لها مختارا في فعله، فإذا أكره الرجل أحد على ذبح الحيوان، و توعده بما يحذر إذا هو لم يفعل، فذبحه و هو مكره على ذلك صح فعله و حلت ذبيحته.

نعم إذا بلغ الإكراه إلى حد اللجوء و عدم القصد الى الفعل أشكل الحكم بصحة التذكية بل الظاهر عدم الصحة.

المسألة 98:

لا يشترط أن يكون الذابح ممن يعتقد بوجوب التسمية عند الذبح، فيصح ذبح الرجل إذا كان مذهبه لا يرى وجوب التسمية في حل الذبيحة، و لكنه أتى بالتسمية عند ما ذبح الحيوان، فتحل ذبيحته بذلك. نعم لا يصح ذبحه و لا تحل ذبيحته إذا هو لم يأت بالتسمية عند الذبح وفقا لمعتقده.

و يشكل الحكم بصحة ذبحه، بل يمنع أيضا إذا شك في أنه أتى بالتسمية حين ما ذبح الحيوان أم لم يأت بها فلا تحل الذبيحة.

المسألة 99:

يجب في حال الاختيار أن يكون ذبح الحيوان بالحديد، لا بغيره من الفلزات و المعادن كالنحاس و الشبه و الذهب و الفضة و الرصاص، فإذا ذبحه بغير الحديد من المعادن المنطبعة و غير المنطبعة لم تصح التذكية و لم تحل الذبيحة.

نعم إذا لم يجد الذابح الحديد، و قد وجب عليه الذبح في الوقت المعين، أو خاف موت الذبيحة إذا هو أخر ذبحها الى أن يجد حديدا يذبحها به، جاز له أن يذبحها بأي شي‌ء يحصل به قطع الأوداج من المعادن الأخرى، بل يجوز له ذبحها بغير ذلك من القصب أو الزجاج أو الحجر الحاد و شبهه.

311

المسألة 100:

إذا لم يجد الحديد و اضطر الى الذبح كما فرضنا في المسألة السابقة، فيشكل أن يوقع التذكية بالسن و الظفر، و ان لم يجد شيئا غيرهما يقطع به الأوداج.

المسألة 101:

لا يصح الذبح في حال الاختيار بالمنجل المسنن على الأحوط لزوما، و إذا اضطر الى الذبح به كما في الفرض السابق، فالأحوط أن يكون قطع أوداج الحيوان بالرد لا بالأخذ، تفاديا عن تعذيب الحيوان بذلك، و عن احتمال أن لا يكون موت الحيوان مستندا الى الذبح وحده، بل الى الآلام التي تحصل له من ذبحه كذلك.

المسألة 102:

يجب في الذبح ان يقطع الذابح أعضاء أربعة من الحيوان.

الأول: الحلقوم، و هو المجرى الذي يجري فيه النفس في دخوله إلى الرئة و خروجه منها.

الثاني: المري‌ء، و هو المجرى الذي يدخل منه الطعام و الشراب إلى المعدة، و موضعه تحت الحلقوم.

الثالث و الرابع: الودجان، و هما عرقان غليظان يحيطان بالحلقوم و المري، و قد تسمى هذه الأعضاء الأربعة بالأوداج الأربعة.

فلا يحصل الذبح الشرعي حتى يقطع الذابح هذه الأعضاء الأربعة من الحيوان قطعا كاملا بحيث ينفصل الجزء الأعلى عن الجزء الأسفل من كل واحد منها، و لا يكفي شقها أو شق بعضها.

المسألة 103:

يقول الخبراء الممارسون ان قطع الأعضاء الأربعة المذكورة يلازم أن تكون العقدة الموجودة في العنق و المعروفة في ألسنة عامة الناس بالجوزة، كلها في جانب الرأس، فإذا كان الذبح فوقها، بحيث كان بعض العقدة أو جميعها في الجثة، لم تقطع الأعضاء الأربعة جميعا، و على هذا فلا بد من مراعاة ذلك.

312

المسألة 104:

يشترط في صحة التذكية أن يكون الذابح قاصدا للذبح، فإذا أوقعه ساهيا من غير قصد أو ذبح هازئا و هو يعتقد أن فعله لا يؤدي الى الذبح، و كما إذا سبقه السكين أو سبقته يده من غير شعور لعارض من العوارض، لم يصح فعله و لم تحل ذبيحته، و قد تقدم الحكم في ذبح المجنون و السكران و النائم في المسألة السادسة و التسعين.

المسألة 105:

لا يشترط التتابع في قطع الأعضاء إذا كان موت الذبيحة مستندا الى قطع مجموع الأعضاء فإذا قطع بعض الأعضاء و تركها لكل في السكين أو لغير ذلك، ثم عاد إلى الذبيحة قبل ان تموت و قطع بقية الأعضاء صحت التذكية و حلت الذبيحة، و ان كان التتابع أحوط.

و إذا قطع بعض الأعضاء و ترك الذبيحة حتى ماتت ثم رجع إليها بعد الموت و أتم الذبح حرمت الذبيحة بذلك سواء فعل ذلك عامدا أم جاهلا أم ساهيا أم كان يعتقد أنه أتم الذبح في المرة الأولى ثم علم انه لم يتمه.

المسألة 106:

يشترط في صحة التذكية و في حل الذبيحة أن يكون الحيوان حيا في حال إيقاع الذكاة عليه الى أن يتم ذبحه، و لا يجب ان تكون حياته تامة الاستقرار بحيث يمكن بقاء الحيوان يوما أو نصف يوم كما يراه جماعة من الفقهاء (قدس اللّٰه أرواحهم)، بل يكفي وجود أصل الحياة فيه، و يعرف ذلك بوجود الحركة الدالة عليها و ان كانت الحركة ضعيفة كما دلت عليه النصوص الكثيرة، كتحريك اليد أو الرجل و الطرف بالعين، و المصع بالذنب و هو تحريكه، على أن تكون الحركة موجودة الى ان تكمل التذكية و يتم ذبح الحيوان.

و يكفي في الدلالة عليها ان يتحرك الحيوان كذلك بعد أن يتم ذبحه، و يكفي أيضا في الدلالة عليها أن يخرج منه الدم المعتدل المتعارف في كثرته و قوة دفعه بعد ان يتم ذبحه فهو دال على وجود الحياة حال التذكية الى ان تتم كما دلت عليه النصوص أيضا.

313

المسألة 107:

يشترط في حل الذبيحة و تذكيتها- على الأحوط- أن يكون ذبح الحيوان من مذبحه و هو مقدم عنقه، فلا يحل أكله إذا ذبحه من قفاه على الأحوط لزوما، و ان أسرع الذابح حتى قطع عضلات العنق و قطع معها الأعضاء الأربعة قبل أن تزهق روح الحيوان.

المسألة 108:

لا يترك الاحتياط في أن يبتدئ الذابح في قطع الأعضاء الأربعة من مقدم المذبح حتى يتم قطعها، فلا يدخل السكين تحت الأعضاء ثم يقطعها الى الفوق، و إذا فعل كذلك لم تحرم الذبيحة على الظاهر، و لكن الأحوط الاجتناب عن هذا الفعل.

المسألة 109:

إذا ذبح الحيوان من القفا، و بقيت الأعضاء الأربعة التي يجب قطعها في حصول التذكية فإن بقيت حياة الحيوان و بقيت الحركة التي تدل عليها على الوجه الذي بيناه في المسألة المائة و السادسة صح ذبح الحيوان و حل لحمه بذلك، و ان لم يدرك ذلك حرم لحمه و كان ميتة.

المسألة 110:

إذا ذبح الرجل ذبيحته من فوق العقدة مخطئا، ثم التفت الى فعله، فان كانت الحياة في الحيوان لا تزال باقية على الوجه الذي تقدم بيانه، بحيث يمكن للذابح أن يذبح الحيوان من تحت العقدة فيقطع الأعضاء الأربعة منه و حركة الحيوان الدالة على الحياة فيه باقية الى أن يتم الذبح، لزمه ذلك، و إذا فعله حلت الذبيحة.

و ان لم تبق الحياة و الحركة الدالة عليها على الوجه المذكور حرمت الذبيحة و كانت ميتة.

المسألة 111:

إذا أكل الذئب أو السبع شيئا من الحيوان أو شق بطنه أو عقره، و بقيت الأعضاء الأربعة منه سليمة، فإن أدركه الذابح حيا على الوجه المتقدم بيانه، صح ذبحه على الوجه الشرعي و يحل بذلك لحمه، و إذا‌

314

أكل السبع من بعض أعضاء التذكية شيئا، فقطعه بأسنانه، و بقي بعض أعضائها سالما و كان الحيوان حيا، قطع الذابح الأعضاء السالمة من أعضاء التذكية في الحيوان، و قطع العضو الآخر الذي أكل السبع منه من فوق محل أكل السبع أو من تحته، و حلت الذبيحة بذلك.

المسألة 112:

إذا أكل الذئب أو السبع أحد أعضاء التذكية في الحيوان كله فلم يترك منه شيئا يقطعه الذابح كما إذا أكل الحلقوم كله أو أكل أحد الودجين كله، حرم الحيوان و لم تمكن تذكيته، و أولى من ذلك ما إذا أكل جميع أعضاء التذكية و لم يبق منها شيئا فلا يمكن حصول التذكية و ان فرض كون الحيوان حيا.

المسألة 113:

إذا أكل الذئب أو السبع من مجموع الأعضاء الأربعة مقدارا من فوق أو من تحت فقطع الأعضاء كلها بأسنانه و أبقى مقدارا من جميعها يتصل بالرأس أو بالجسد، أشكل الحكم بوقوع التذكية في هذا الفرض و ان كانت الحياة باقية في الحيوان، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه.

المسألة 114:

إذا قطعت الأعضاء الأربعة للتذكية في الحيوان على غير النهج الشرعي أو قطع بعضها كذلك كما إذا ضرب الحيوان أحد بآلة أو نحوها فقطع أعضاءه أو قطع بعضها جرى فيه التفصيل الذي ذكرناه في المسائل الثلاث المتقدمة في ما أكله السبع من الحيوان و انطبقت أحكامها.

المسألة 115:

يصح أن يتعدد الذابح للذبيحة الواحدة، فيشترك شخصان في ذبحها، فيقبضا بيديهما معا على السكين و يوجها الذبيحة، و يتوليا قطع الأعضاء حتى يتما العمل مشتركين فيه.

و يجوز أن يتولى أحدهما قطع بعض الأعضاء و يتولى الثاني قطع الباقي في وقت واحد أو يقطع الأول بعضا، ثم يقطع الآخر ما بقي.

و إذا توليا ذبح الحيوان، فلا بد و أن يكون كل منهما قاصدا للذبح‌

315

فلا يكفي القصد من أحدهما كما إذا كان الثاني مجنونا أو سكران أو فاعلا بغير شعور، و لا بد و أن تقع التسمية من كل واحد منهما فلا تجزي التسمية من أحدهما، فإذا توليا الذبح مقترنين سميا في أول الذبح، و إذا قطع أحدهما بعض الأعضاء ثم أتم الثاني العمل سمى كل واحد منهما في أول عمله.

المسألة 116:

إذا ذبح الإنسان الحيوان حتى أتم تذكيته، ثم اضطرب الحيوان، فوقع في نار مضرمة، أو في نهر أو في حفيرة عميقة أو سقط من شاهق، فكان ذلك هو السبب في موت الحيوان أو كان أحد السببين فيه، أو شك في استناد الموت إلى أيهما، لم يحرم الحيوان المذبوح بذلك، لأن تذكية الحيوان قد تمت بتمام ذبحه، فلا يكون بعد وقوع التذكية التامة عليه ميتة.

و اعتبار أن يكون موت الحيوان مستندا إلى التذكية لا إلى شي‌ء آخر انما هو شرط في التذكية في الصيد كما تقدم، و لا يشترط ذلك في التذكية بالذبح.

المسألة 117:

إذا شرع الذابح بذبح الحيوان، فشق الآخر بطنه أو أخذ في تكسير عظامه في حال الذبح و قبل أن يتمه الذابح، ففي صحة التذكية إشكال، و الأحوط لزوما اجتناب أكله، و هكذا في كل فعل يوجب موت الحيوان، يفعل به في حال تذكيته و قبل أن يتم ذبحه، فلا بد معه من اجتناب أكل الحيوان على الأحوط.

المسألة 118:

إذا انخنقت الشاة برباطها، أو نطحها حيوان قوي بشدة، أو تردت من جبل أو غيره، أو أصابها مرض أو غرق أو حرق أو عارض آخر حتى أشرفت على الموت بسبب ذلك، فإن أدرك الذابح حياتها على النحو الذي ذكرناه في المسألة المائة و السادسة، بحيث يمكن له أن يذبحها و هي تتحرك حركة تدل على الحياة الى أن يتم الذبح، أجرى عليها التذكية و حل بذلك‌

316

أكل لحمها، و إذا لم يدرك حياتها على الوجه المذكور فهي ميتة لا تحل بالذبح.

المسألة 119:

يشترط في صحة الذبح و في حل الذبيحة به أن يستقبل بها القبلة في حال ذبحها و يراد بالاستقبال أن يوجه مذبح الحيوان و مقاديم بدنه الى جهة القبلة، فلا تصح التذكية و لا يحل أكل لحم الحيوان إذا ترك الاستقبال به و هو عالم بالحكم و عامد في فعله، و إذا كان جاهلا بوجوب الاستقبال بالحيوان حال الذبح أو ناسيا له لم يحرم أكله بذلك.

المسألة 120:

إذا وجه الذابح الحيوان إلى جهة اعتقد انها هي جهة القبلة حتى أتم ذبحه، ثم استبان له انه مخطئ في اعتقاده صح ذبحه و لم يحرم الحيوان، و كذلك إذا اضطر الى ذبح الحيوان و لم يعرف جهة القبلة أو لم يتمكن من توجيه الحيوان إليها كالبهائم الصائلة، و الحيوان المستعصي فكلما وجه الى القبلة انحرف عنها و كالحيوان المتردي في بئر أو حفيرة، فلا يجب الاستقبال بالحيوان في هذه الفروض.

المسألة 121:

لا يشترط في صحة الذبح أن يكون الذابح نفسه مستقبلا للقبلة في حال ذبح الحيوان، و ان كان الأحوط استحبابا استقباله أيضا.

المسألة 122:

لا تتعين في توجيه الحيوان إلى القبلة عند ذبحه هيئة مخصوصة، فللذابح ان يطرح الذبيحة على الأرض على جانبها الأيمن فيكون مذبحها و مقاديم بدنها إلى القبلة، و له أن يضعها على الجانب الأيسر، و له أن يذبحها قائمة إذا أمكن له توجيه مذبحها و مقاديم بدنها نحو القبلة كما هو المطلوب.

المسألة 123:

إذا احتاج الذابح في توجيه الحيوان الصائل أو المستعصي إلى القبلة عند ذبحه الى شد وثاق أو ربط بوتد و نحو ذلك أو الى استعانة بشخص‌

317

أو أشخاص، وجب عليه ذلك مع الإمكان، و إذا أمكنه توجيه المذبح خاصة دون مقاديم البدن لزمه ذلك على الأحوط بل على الأقوى.

المسألة 124:

إذا احتاج الذابح في توجيه الذبيحة إلى القبلة إلى فترة يقضيها في ذلك، و خشي إذا هو اشتغل به أن تموت الذبيحة لضعف الحركة فيها و تفوت الفرصة لتذكيتها، فالظاهر عدم وجوب الاستقبال في هذه الصورة.

المسألة 125:

يشترط في صحة الذبح و في حل الذبيحة أن يذكر الذابح اسم اللّه سبحانه عند ما يكون متشاغلا بذبحها أو قبل الشروع بالذبح متصلا به عرفا، و هذا هو المراد بقولهم يشترط التسمية عند الذبح.

و يكفي أن يأتي بالتسمية في آخر الذبح قبل إتمامه و لا ينبغي تعمد ذلك.

و إذا ترك التسمية عامدا لم يصح الذبح و حرمت الذبيحة، و كذلك إذا تركها جاهلا بالحكم، فتحرم الذبيحة. و إذا ترك التسمية ناسيا حتى أتم الذبح لم تحرم الذبيحة بذلك، و الأحوط استحبابا أن يأتي بها إذا ذكرها بعد الذبح.

المسألة 126:

يجب أن يأتي بالتسمية بقصد التسمية للذبح و تذكية الذبيحة، فلا يكفي ان يأتي بها اتفاقا من غير قصد شي‌ء أو يأتي بها بقصد أمر آخر غير التذكية كالبركة و نحوها، و لا يكفي ان يأتي بها عند مقدمات الذبح غير متصلة به عرفا، و لا يكفي أن يأتي بالتسمية غير الذابح و ان كان هو مالك الذبيحة.

المسألة 127:

لا يشترط في التسمية أن يأتي بها في صيغة معينة أو أن تكون في ضمن البسملة، بل يكفى منها ما يصدق عليه انه ذكر اسم اللّه مقترنا بالتمجيد و التعظيم، فيقول مثلا: بسم اللّه أو يقول: اللّه أكبر أو يقول:

لا إله إلا اللّه، أو الحمد للّه، أو سبحان اللّه.

318

و يشكل الحكم بكفاية أن يذكر لفظ الجلالة مجردا عن أي صفة أو تعظيم، كما سبق في المسألة التاسعة في التسمية عند التذكية بالصيد.

و يشكل الاكتفاء بذكر بعض أسمائه الحسنى بدلا عن لفظ الجلالة، و ان قرنه بما يدل على التعظيم، كما إذا قال: سبحان ربي العظيم، أو سبحان ربي الأعلى، نعم يكفي أن يضم أحد أسمائه الحسنى إلى لفظ الجلالة بقصد التعظيم، فيقول: اللّه الرحمن الرحيم، أو يقول: اللّه العلي العظيم.

المسألة 128:

لا يكفي- على الأحوط- بل على الأقوى أن يذكر ما يرادف لفظ الجلالة في لغة أخرى غير العربية و ان كان الذابح الذاكر من أهل تلك اللغة.

المسألة 129:

يشترط في صحة الذبح و في حل الذبيحة أن تصدر من الحيوان بعد ان يتم ذبحه حركة تدل على الحياة و ان كانت الحركة ضعيفة، كما ذكرنا في المسألة المائة و السادسة، كالطرف بالعين أو الحركة باليد أو بالرجل أو الأذن أو الذنب، ليعلم بذلك ان التذكية من أولها إلى نهايتها قد وقعت على حيوان حي، فإنه من البين أن التذكية لا تتم الا بتمام الذبح، و من البين أيضا أن التذكية لا تقع على حيوان ميت، و لذلك فلا بد في تحقق التذكية من العلم بحياة الحيوان في جميع مدة التذكية، أو وجود الحركة الدالة على الحياة في جميع المدة، و قد تقدم في المسألة المشار إليها انه يكفي في الدلالة على ذلك خروج الدم المعتدل في كثرته و في قوة دفعه من الحيوان بعد ان يتم ذبحه.

المسألة 130:

إذا علم بحياة الحيوان حتى تم ذبحه، أو وجدت الحركة الدالة على حياته الى أن تم ذبحه كذلك و ان كانت الحركة ضعيفة، حلت الذبيحة و ان خرج الدم منها متثاقلا متقاطرا، و قد يكون هذا متعارفا في الحيوان الذي يعتريه بعض الأمراض، فلا يضر ذلك بتذكيته.

319

المسألة 131:

خروج الدم المعتدل في كثرته و في قوة دفعه بعد ذبح الحيوان يلازم وجود الحياة في الحيوان الصحيح كما قلناه، و لذلك فالأحوط استحبابا اعتبار خروج الدم المذكور بعد الذبح في مثل هذا الحيوان و ان وجدت الحركة الضعيفة الدالة على وجود الحياة فيه، فإذا ذبح الحيوان الصحيح و لم يخرج منه الدم بعد ذبحه، أو خرج منه متثاقلا متقاطرا، فالأحوط استحبابا اجتناب أكل لحمه إذا تحرك حركة ضعيفة و مما تقدم يعلم ان هذا الاحتياط لا يجري في الحيوان المريض، و الأمر سهل بعد ان كان الاحتياط المتقدم بيانه مستحبا غير لازم المراعاة.

المسألة 132:

إذا لم يخرج القدر المتعارف من دم الحيوان بعد ذبحه أوجب ذلك تنجس اللحم بملاقاة الدم المتخلف فيه، و قد بينا هذا في مبحث النجاسات من كتاب الطهارة فليراجع ذلك من شاء.

المسألة 133:

المدار في صحة الذبح هو أن يقطع الذابح الأعضاء الأربعة على ما تقدم من التفصيل سواء كان القطع في أعلى الرقبة أم في وسطها أم في أسفلها، من غير ترجيح لأحدها على الآخر.

المسألة 134:

الأحوط لزوما أن لا يقطع الذابح رأس الذبيحة عامدا الى ذلك قبل أن تموت، و لا منع فيه و لا ضرر إذا وقع ذلك منه غافلا أو سبقته السكين أو ألجأته قوة حركة الحيوان مثلا، و لا تحرم الذبيحة إذا فعل ذلك و ان كان عامدا في فعله.

المسألة 135:

الأحوط لزوما أن لا ينخع الذابح الحيوان عامدا، و الانخاع هو أن يصيب نخاع الحيوان حين ذبحه، و النخاع هو خيط أبيض يمتد في وسط الفقار من الرقبة إلى أصل الذنب، و لا تحرم الذبيحة إذا أنخعها و ان كان عامدا.

320

المسألة 136:

الأحوط لزوما أن لا يسلخ جلد الذبيحة قبل أن تزهق روحها، و لا تحرم الذبيحة بذلك إذا هو فعله و ان كان عامدا.

المسألة 137:

تختص الإبل دون سائر البهائم و الحيوانات و الطيور بأن تذكيتها تكون بنحرها، و تختص البهائم و الحيوانات الأخرى و الطيور بأن تذكيتها دون الإبل تكون بذبحها، فلا يصح ذبح الإبل و لا يصح نحر غيرها من أنواع الحيوان و الطيور، فإذا ذبح الناقة أو البعير و مات في ذبحه حرم أكله و كان ميتة، و إذا نحر الحيوان من غير الإبل و مات في نحره حرم أكله و كان ميتة كذلك.

و إذا ذبح ناقة أو جملا و بقيت الحياة فيه بحيث يمكن نحره على الوجه الذي تقدم ذكره، نحره و حل أكله، و إذا نحر الحيوان من غير الإبل و لم يمت بالنحر و أمكن له ذبحه على الوجه المطلوب، ذبحه و حل أكله بالذبح.

المسألة 138:

لا فرق في الحكم المتقدم في الإبل بين عراب الإبل و بخاتيها و ذات السنام الواحد و السنامين و غيرها من أصناف الإبل و الطفل و الكبير منها فتكون تذكيتها بالنحر.

و لا فرق في الحيوانات الأخرى بين صغار الأجساد من الحيوان و كبارها كالجاموس و الثور و الأجناس الكبيرة من الحيوانات المعروفة و غير المعروفة فتكون تذكيتها بالذبح.

المسألة 139:

نحر الإبل هو أن يدخل الناحر سكينا أو آلة حادة من الحديد في لبة البعير بحيث يتحقق دخولها بالفعل و يحصل بذلك موت المنحور بحسب العادة، فلا يحصل النحر مثلا بإدخال سكين صغيرة يحصل بها الجرح و لا يتحقق بها النحر في نظر أهل العرف أو لا تكون سببا لموت المنحور بحسب العادة.

321

و النحر بحسب العادة يحتاج الى الطعن أو الضرب بالآلة بشدة و قد يحتاج الى الحز بالآلة و الى مزيد من دفعها و تمكينها بقوة حتى يتم المقصود. و اللبة هي الموضع المنخفض الذي يكون بين آخر العنق و أعلى الصدر.

المسألة 140:

يشترط في صحة النحر جميع ما تقدم اشتراطه في صحة الذبح من غير فارق بينهما في ذلك فيجب أن تجتمع في الناحر جميع الشرائط التي ذكرناها في الذابح، و يجب أن توجد في آلة النحر جميع الشروط التي اعتبرناها في آلة الذبح و تجري فيها أحكامها.

و تجب التسمية عند النحر و استقبال القبلة في المنحور، و العلم بحياته الى ان يتم نحره، أو وجود ما يدل على الحياة من الحركة و ان كانت ضعيفة حتى يتم النحر، أو خروج الدم المعتدل الدال على ذلك.

و تفصيل القول في كل أولئك هو القول في ما تقدم في شرائط الذبح و أحكامه.

المسألة 141:

يجوز أن تنحر الإبل و هي قائمة، و يجوز أن تنحر و هي باركة، و يجوز أن تنحر و هي مطروحة على أحد جنبيها و يجب في جميع الحالات المذكورة أن يوجه منحرها و مقاديم بدنها إلى القبلة.

المسألة 142:

إذا كان الحيوان مما يذبح أو مما ينحر و تعذر ذبحه أو نحره، كما إذا تردى في بئر أو في حفرة عميقة أو دخل في موضع ضيق، فلم يمكن إخراجه أو التسلط على موضع ذبحه أو نحره، و كالبهيمة الصائلة فلا يستطاع أخذها و إيقاع التذكية عليها، و كالحيوان المستعصي فلا تمكن السيطرة عليه، و كالحيوان يقع في مكان يخشى موته فيه إذا أبقي حتى يذبح أو ينحر، و أمثال ذلك، جاز أن يجري عليه حكم الصيد بالآلة فيضرب أو يطعن بسيف أو رمح أو سكين أو خنجر أو غيرها من الأسلحة القاطعة أو الشائكة التي يحل بها الصيد و قد مر ذكرها في الفصل الثاني.

322

فإذا ضربه الصائد أو طعنة بالآلة أو رماه بالسهم أو البندقية بقصد التذكية، و مات الحيوان بذلك حل أكله و ان لم يذبح و لم ينحر، بل و ان لم تقع الضربة أو الطعنة في موضع الذبح أو النحر من جسد الحيوان و لا يجب الاستقبال بالحيوان.

نعم تجب التسمية من الصائد عند الضرب أو الطعن أو الرمي بالآلة، و يجب أن توجد في الصائد الشرائط التي ذكرناها في الذابح أو الناحر.

و لا يكتفى فيه بصيد الكلب المعلم إذا أرسله عليه بقصد التذكية فعقره أو قتله، فالأحوط لزوما اجتناب أكله، و قد تعرضنا لذلك في المسألة الثالثة و الأربعين، و تعرضنا لحكم الاستقبال في المسألة المائة و العشرين.

المسألة 143:

إذا خرج الجنين من بطن أمه و هو حي لم يحل أكله إلا بالتذكية، سواء كان مما يذبح أم مما ينحر، و سواء كانت أمه حينما خرج أو أخرج من بطنها حية أم ميتة أم مذكاة، فإذا أجريت عليه التذكية الشرعية حل لحمه و إذا مات و لم يذك حرم أكله و كان ميتة، و ان كان عدم تذكيته لضيق الوقت و عدم اتساعه للتذكية، فلا يحل أكله حتى في هذه الصورة على الأقوى.

المسألة 144:

إذا خرج الجنين من بطن أمه و هو ميت و كانت أمه حينما خرج أو أخرج من بطنها حية أو كانت ميتة، فهو ميتة لا يحل أكله. و إذا خرج من بطن أمه و هو ميت، و كانت أمه حينما أخرج من بطنها مذكاة، حل أكله و كانت ذكاة أمه ذكاة له مع وجود الشرائط الآتي ذكرها.

المسألة 145:

لا يحل أكل الجنين الذي يخرج من بطن أمه ميتا حتى تتحقق فيه ثلاثة شروط.

الأول: أن تكون أمة مذكاة تامة التذكية، بذبح أو نحر أو صيد.

الثاني: أن يكون الجنين تام الخلقة، و من تمام خلقته أن يكون قد‌

323

أشعر أو أوبر، و يراد بالوبر ما يعم الصوف إذا كان الجنين من الغنم و شبهها.

الثالث: أن يكون موت الجنين قبل خروجه من بطن أمه و بعد وقوع التذكية عليها.

فلا يحل أكل الجنين إذا كانت أمه غير مذكاة سواء كانت حية أم ميتة كما سبق، أم كانت غير تامة التذكية فإنها تكون ميتة، و لا يحل أكل الجنين إذا لم يكن تام الخلقة أو لم يشعر أو يؤبر أو ينبت عليه الصوف و لا تكون ذكاة أمه ذكاة له، و لا يحل أكله إذا كان موته بعد خروجه من بطن أمه ما لم يذك كما تقدم ذكر ذلك.

المسألة 146:

إذا كان الجنين ميتا في بطن أمه قبل إيقاع التذكية عليها فالظاهر حرمته و عدم شمول الذكاة له، و إذا كان موته بسبب ضربة وقعت على الأم أو بسبب سقوطها في حفرة أو نطحة من حيوان قوي أو ترديها من شاهق مثلا فهو حرام قطعا.

المسألة 147:

إذا كان الجنين حيا في بطن أمه في حال ذبحها أو نحرها، وجب على المذكي ان يبادر الى شق جوف الذبيحة على النحو المتعارف في شق بطون الذبائح، ليخرج الجنين من بطن أمه، فإذا بادر كذلك و مات الجنين قبل أن يخرجه من بطنها حل أكله، و إذا توانى في شق بطنها فتأخر أكثر مما يتعارف في ذلك و مات الجنين بسبب التأخير حرم أكله.

المسألة 148:

إذا علم بأن الجنين قد مات في بطن أمه بعد تذكيتها حل أكله و وقعت التذكية عليه و لم يجب على المذكي أن يبادر لإخراجه، و إذا علم بحياته في حال التذكية و شك في بقائها لزمته المبادرة كما في الفرض السابق، و إذا تأخر و لم يبادر ثم وجد الجنين ميتا لم يحل أكله.

المسألة 149:

تتحقق ذكاة الجنين بذكاة أمه إذا ذكيت الأم بصيد الكلب المعلم أو‌

324

بالصيد بالآلة إذا اجتمعت الشروط المعتبرة في صيد الأم، و في تذكية الجنين، فيحل أكله بصيد أمه و تثبت تذكيته.

المسألة 150:

تحصل ذكاة الجنين إذا ذكيت أمه و توفرت الشروط الآنف ذكرها، و ان كانت الأم و الجنين مما يحرم أكله، إذا كانت الأم مما يقبل التذكية، فيحكم بطهارة لحم الجنين و جلده و يصح الانتفاع به في كل ما تشترط فيه الطهارة، و لا تصح الصلاة فيه لأنه غير مأكول اللحم.

الفصل السادس في ما يقبل التذكية و ما لا يقبلها

المسألة 151:

لا ريب في أن كل ما يؤكل لحمه من الحيوان أو من الطير أو غيرهما فهو مما يقبل التذكية سواء كان بريا أم بحريا و أهليا أم متوحشا، و الأدلة على ذلك كثيرة موفورة، و الأدلة الدالة على إباحة أكله بذاتها دالة على صحة تذكيته لذلك، و على قبوله للتذكية إذا أجريت عليه، و لا شك في جميع ذلك و ان اختلفت أنواعه في ذلك و في كيفية التذكية التي تجري عليه و قد سبق تفصيلها.

و الحكم المذكور ثابت له في جميع أفراده و أنواعه و أجناسه و ان حرم لحمه بالعارض، كما إذا كان جلالا أو موطوء انسان، و كالجدي و الحمل و العجل الذي يرضع لبن خنزيرة حتى يقوى و ينبت عليه لحمه و يشتد عظمه و سيأتي بيان ذلك و ذكر بعض أحكامه في كتاب الأطعمة و الأشربة ان شاء اللّه تعالى.

فإذا ذكي الحيوان المأكول اللحم حل أكل لحمه و صحت الصلاة بجلده و اجزائه، و إذا كان محرم الأكل بالعارض لم يحل أكله و لم تصح الصلاة بجلده و باجزائه و فضلاته كما تقدم في مبحث لباس المصلي من كتاب الصلاة و عدم جواز أكله و عدم صحة الصلاة فيه انما هو لذلك العارض الذي أوجب الحرمة لا لعدم التذكية و لذلك فتترتب عليه أحكام التذكية غير ذلك، فهو طاهر اللحم و الجلد، و يصح استعمالها في ما‌

325

تشترط فيه الطهارة فيلبس الجلد في غير الصلاة و يفترش و لا ينجس ما يلاقيه برطوبة و يستعمل ظرفا للمائعات.

المسألة 152:

إذا شك في الحيوان غير المأكول اللحم، هل هو مما يقبل الذكاة أو هو مما لا يقبلها و كان مما ليست له نفس سائلة، كالسمك المحرم و بعض أنواع الحشرات، لم يجر فيه دليل التذكية. فإن أكله محرم بحسب الفرض سواء وقعت عليه الذكاة أم لم تقع، و هو محكوم بالطهارة على كل حال سواء وقعت عليه الذكاة أم لم تقع لأنه مما لا نفس له سائلة، فلا أثر للتذكية فيه حتى يشمله دليل التذكية لو كان موجودا.

المسألة 153:

الكلب و الخنزير البريان غير قابلين للتذكية، و هما نجسان عينا، سواء كانا حيين أم ميتين، و لا ريب في ان أكلهما محرم ذاتا سواء كانا مذكيين أم غير مذكيين، فلا أثر للتذكية فيهما فلا يشملهما دليلها.

المسألة 154:

السؤال عن الإنسان نفسه هل هو قابل للتذكية أو غير قابل لها، قد يعد في نظر العقلاء من الناس و في عرف الأديان الإنسانية من المستنكرات التي لا ينبغي أن تخطر في فكر أو تكون موضعا للتساؤل، و في مقدمتها الإسلام، دين اللّه العظيم الذي كرم ابن آدم و حمله في البر و البحر و الجو، و في مجاهل البر و أعماق البحر و طباق الجو، و فضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

فالإنسان في نظر الإسلام ارفع شأنا من أن يكون محلا لهذا التساؤل و شبهه أو تشمله مثل هذه الأدلة و بعض الفقهاء انما يعرضه في هذا المعرض لمجرد البحث العلمي و لتطبيق القاعدة في ما يقبل الذكاة، و مالا يقبلها من أنواع الكائن الحي، و الا فانصراف الأدلة عنه ليس مجالا للشك من أحد.

و على اي حال فالإنسان غير قابل للتذكية لارتفاع شأنه عنها لا لهبوط مقامه كما في بعض الكائنات الحية و لا أثر للتذكية، فهو محرم الأكل‌

326

على كل حال، و الحي منه طاهر على كل حال إذا كان مسلما و نجس على كل حال إذا كان كافرا، و الميت منه نجس على كل حال، و إذا غسل المسلم بعد موته طهر بالغسل لا بالتذكية، فلا أثر للتذكية فيه حتى يشمله دليلها لو فرض وجود الشك فيه.

المسألة 155:

إذا شك في حيوان محرم الأكل هل هو مما يقبل وقوع التذكية عليه أو هو مما لا يقبلها و كان الحيوان مما له نفس سائلة، فالظاهر ان الحيوان المشكوك فيه إذا كان من ذوات الجلود التي يعتد بها الناس و ينتفعون بها في شؤونهم و أعمالهم فهو قابل لوقوع التذكية عليه، سواء كان من السباع و هي التي تفترس الحيوان، كالأسد و الفهد و النمر و الذئب و ابن آوى من الوحوش، و كالعقاب و الصقر و الشاهين من الطير أم كان من المسوخ كالفيل و الدب و القرد و نحوها أم كان من الحشرات و هي الدواب الصغيرة التي تسكن باطن الأرض كالضب و ابن عرس و اليربوع و الجرذ.

فإذا كان الحيوان من ذوات الجلود المعتد بها أمكنت ذكاته، فإذا ذكي طهر جلده و لحمه و جاز استعماله في ما تشترط فيه الطهارة، فيجعل جلده ظرفا للمائعات أو فراشا أو فروا يلبس في غير الصلاة، و الأحوط استحبابا أن لا يستعمل الا بعد الدبغ.

المسألة 156:

لا فرق بين الطير و غيره من الحيوان في الحكم المتقدم ذكره، فإذا كان الطير غير المأكول من ذوات الجلود التي ينتفع بها، فهو مما يقبل التذكية و تجري عليه أحكامها، فإذا ذكي طهر لحمه و جلده و جاز الانتفاع به.

المسألة 157:

و النتائج الحاصلة مما تقدم بيانه: أن كل حيوان يحل أكله فهو مما يقبل التذكية، من أي الأصناف أو الأنواع أو الأجناس كان.

و كل حيوان يحرم أكله من غير نجس العين و يكون ذا نفس سائلة و ذا‌

327

جلد معتد به في نظر الناس فهو مما يقبل التذكية، فإذا ذكي جرت عليه أحكامها.

و كل حيوان يكون نجس العين فهو مما لا يقبل التذكية، و كل حيوان يحرم أكله و لم يك ذا نفس سائلة فهو مما لا تشمله أدلة التذكية لعدم الفائدة من تذكيته، و كل حيوان يحرم أكله و يكون ذا نفس سائلة من غير ذوات الجلود المعتد بها فهو مما لا تشتمله أدلة التذكية.

المسألة 158:

ما يقبل التذكية من الحيوان الذي يحرم أكله، تكون تذكيته بذبحه و يجري فيها و في شرائطها جميع ما ذكرناه في ذبح الحيوان المحلل الأكل من غير فارق بينهما.

و إذا كان الحيوان المحرم وحشيا ممتنعا بالأصالة، فتذكيته بصيده بالآلة التي يحل بها الصيد على النحو الذي تقدم ذكره في صيد المحلل من الوحوش، و إذا أخذ حيا كانت تذكيته بالذبح، و يشكل الحكم بصحة تذكيتها بصيد الكلب المعلم، و الأحوط لزوم اجتنابه.

المسألة 159:

إذا وجد الإنسان بيد رجل مسلم جلودا أو لحوما أو شحوما و لم يعلم بأنها قد ذكيت أم لا، و وجد المسلم صاحب اليد يتصرف فيها تصرفا يدل على التذكية حكم بتذكيتها و مثال ذلك ان يرى المسلم قد عرض اللحوم و الجلود للبيع أو يجده يأكل منها أو يلبس أو يصلي فيها أو يفترشها أو يراه يطعم أهله منها أو يطعم الآخرين أو يهديها إليهم، فيحكم عليها بالذكاة و يجوز له الأخذ و الاستعمال، و كذلك إذا أخبره المسلم صاحب اليد بتذكيتها أو سمعه يخبر غيره بتذكيتها، فيصدق قوله، و يجوز له الشراء منها و البيع لها و الاستعمال لها في ما يتوقف على التذكية من لبس و افتراش و ملاقاة برطوبة و صلاة فيها.

و إذا رآها بيد المسلم و لم يجده يتصرف فيها تصرفا يدل على التذكية لم يحكم عليها بالتذكية، و مثال ذلك أن يجد عنده لحما و لا يدري انه أخذه للأكل و إطعام أهله أو لإطعام بعض الحيوان عنده و سباع الطير، أو يجد بيده جلدا و لا يدري أنه يريد جعله ظرفا للماء أو السمن أم‌

328

يريده وعاء لبعض النجاسات أو فراشا لها، فلا يحكم بتذكيتها و لا يحل له الشراء منها و الاستعمال لها في ما يحتاج إلى التذكية أو يتوقف على الطهارة.

المسألة 160:

إذا رأى الإنسان جلودا أو لحوما أو شحوما في سوق المسلمين و لم يدر بأنها من حيوان مذكي أو غير مذكى، جرى فيه التفصيل الذي ذكرناه في يد المسلم، فإذا كان وجود هذه الجلود و اللحوم في السوق مقرونا بتصرف يدل على التذكية فوجدها تباع أو تعرض للبيع فيه لغايات تتوقف على التذكية و الطهارة فتباع لأكل اللحوم و لبس الجلود مثلا و شبه ذلك حكم عليها بالتذكية و صح له ترتيب الآثار عليها و إذا لم يقترن وجودها في سوق المسلمين بمثل هذا التصرف لم يحكم عليها بالتذكية و لم يصح له أن يرتب آثارها، فلعل البيع أو العرض للبيع في السوق، لغايات لا تتوقف على التذكية، فتباع اللحوم طعاما للحيوان أو السباع، و تباع الجلود لأمور لا تتوقف على الطهارة كما تقدم في يد المسلم، و لهذا الاحتمال فلا يحكم بتذكيتها. و كذلك الأمر في ما يجده منها مطروحا في أرض المسلمين، فلا يدل ذلك على تذكيتها إلا إذا وجد معها أثر استعمال المسلمين المناسب للطهارة و الذكاة، كما إذا رأى اللحم مطبوخا لأكل المسلمين منه أو وجد الجلد مخيطا أو مدبوغا ليستعملوه في ما يناسب التذكية من لبسه و الصلاة فيه، فيحكم عليه بالتذكية، و إذا لم يجد مثل هذا الأثر لم يحكم بالتذكية.

فلا يكتفى في يد المسلم أو سوق المسلمين أو أرض المسلمين بما يكون امارة على مطلق اليد، و لا بد من أن يقترن معها تصرف أو أثر يدل على الذكاة.

المسألة 161:

إذا وجد الإنسان اللحوم أو الجلود المشكوكة في يد مسلم و وجد المسلم صاحب اليد يتصرف فيها بما يدل على تذكيتها حكم عليها بالتذكية و رتب آثارها كما قلنا في المسألة المائة و التاسعة و الخمسين من غير فرق بين ان يكون المسلم صاحب اليد موافقا في المذهب أو مخالفا، و سواء‌

329

كان ممن يقول بطهارة جلد الميتة إذا دبغ أم لا، أو كان ممن يخالف في اعتبار بعض الشروط في التذكية، كالتسمية عند الذبح و الاستقبال بالذبيحة و إسلام الذابح، فيصح للإنسان أن يعتمد على تصرفه الدال على التذكية فيحكم بها و يرتب آثارها، و ليس عليه أن يسأل أو يفحص، نعم يجب عليه أن يجتنب، إذا علم ان الجلود أو اللحوم مما لم تتم فيه التذكية على الوجه الصحيح أو اعترف صاحب اليد بذلك، فلا يكون تصرفه المتقدم دالا على التذكية الصحيحة، و لا يقبل اخباره بها فهو انما يخبر عن تذكيتها وفق معتقده.

المسألة 162:

لا يعتبر تصرف صاحب اليد و لا اخباره بالتذكية إذا كان ناصبا أو خارجيا أو غاليا على ما تقدم توضيح المراد منهم فلا تثبت التذكية اعتمادا على تصرفهم أو على قولهم.

المسألة 163:

إذا وجد اللحوم أو الجلود المشكوكة في سوق المسلمين، و وجد معها التصرف الذي يدل على التذكية كما اشترطنا في المسألة المائة و الستين حكم عليها بأنها مذكاة، و ان كانت بيد شخص يجهل أمره أ هو من المسلمين أو من غيرهم.

المسألة 164:

لا يترك الاحتياط بالاجتناب عنها إذا وجدها بيد شخص يجهل حاله و كانت السوق التي هي فيه لغير المسلمين، و ان غلب المسلمون على البلاد.

المسألة 165:

ما يوجد بيد الكافر محكوم بعدم تذكيته فهو ميتة يجب اجتنابها و ينجس ملاقيها برطوبة سواء كان في بلاد الكفار أم في بلاد المسلمين، و تلاحظ المسألة المائة و التاسعة و الستون الآتية.

و كذلك الحكم في ما يوجد بيد من يجهل حاله أ هو مسلم أم كافر، و كان في بلاد الكفار فهو محكوم بعدم التذكية و بالنجاسة، و مثله الحكم في ما يوجد مطروحا في بلاد الكفار و أرضهم فيجب الاجتناب عنه.

330

المسألة 166:

المرجع في كون البلد بلد مسلمين أو بلد كفار الى العرف، و حكمهم في ذلك يدور مدار الغلبة من الساكنين و المتوطنين في البلد، فإذا كان الغالب من المسلمين، فالبلد بلد مسلمين، و ان كانوا تحت سيطرة كافرة، و إذا كانت الغلبة للكفار فالبلد بلد كفار و ان كانوا في نفوذ حكومة مسلمة، و إذا تساوى السكان في المقدار جرى عليه حكم بلد الكفار.

المسألة 167:

ما يوجد في يد الكافر من جلود و لحوم و شحوم إذا كان قد أخذه من مسلم سابق عليه باليد، و كانت يد المسلم السابقة مقرونة بتصرف يدل على انها مذكاة كما تقدم اشتراطه في المسألة المائة و التاسعة و الخمسين فهو محكوم بأنه من المذكى، فيحل شراؤه و بيعه و ترتيب آثار الذكاة عليه.

المسألة 168:

إذا علم بأن المسلم قد أخذ ما عنده من الجلود أو اللحوم و الشحوم من كافر سابق عليه باليد من غير تحقيق في الأمر و لا تثبت حكم عليها بعدم التذكية و لم يجز ترتيب آثارها و تلاحظ المسألة الآتية.

المسألة 169:

ما يكون عند الكافر من جلود و لحوم إذا لم يعلم المسلم بأنه يشتمل على المذكى منها و غير المذكى، حكم عليه بعدم الذكاة و لم يجز له شراؤه و بيعه، كما تقدم في المسألة المائة و الخامسة و الستين، و إذا علم إجمالا بأن ما في يد الكافر يشتمل على ما هو مذكى و على ما هو غير مذكى، سقطت أصالة عدم التذكية بالعلم الإجمالي المذكور و بنى على أصالة الطهارة و أصالة الإباحة في اللحوم و الجلود الموجودة، فيصح له شراؤها و ترتيب آثار الطهارة و الإباحة عليها.

و هذا إذا كان العلم الإجمالي المذكور لا ينحل بسبب عدم الابتلاء ببعض أطرافه، لكثرة المذكى المعلوم وجوده في الأطراف.

331

المسألة 170:

إذا وجد الرجل لحوما أو جلودا بيد شخص مسلم و كان الرجل مع المسلم صاحب اليد مختلفين في شرائط التذكية أو كيفيتها بحسب اجتهادهما أو تقليدهما، فكان الرجل يوجب قطع الأعضاء الأربعة في حصول التذكية، و كان صاحب اليد يكتفي بقطع الحلقوم، جاز له ان يأخذ الجلود أو اللحوم منه إذا اطمأن بأن صاحب اليد قد راعى في تذكية الحيوان جميع الشرائط.

و إذا شك في ذلك أو ظن بأنه راعى جميع الشرائط و لم يطمئن به فالأحوط له لزوم الاجتناب ان لم يكن ذلك هو الأقوى.

المسألة 171:

يجوز شرب دهن السمك المستحضر إذا علم انه قد أخذ من سمكة مذكاة و كانت ذات فلس، و لا يحل شربه إذا أخذ من غير المذكى أو من سمكة ليست ذات فلس، و إذا كان مشكوكا فلا بد في إباحته من إحراز كلتا الناحيتين، فإذا كان من صنع عامل مسلم و تحضيره حل شربه من كلتا الناحيتين و الا أشكل الأمر و جرت فيه التفاصيل السابقة التي ذكرناها في اللحوم و الشحوم الموجودة بيد الكافر.

المسألة 172:

ذكر الفقهاء (قدس اللّٰه أرواحهم) انه يستحب للذابح عند ذبح الغنم أن يربط يدي الذبيحة مع احدى رجليها و يطلق الرجل الثانية، و لم أجد لهذا مستندا سوى فتوى الأصحاب به و لذلك فلا بد و ان يكون الإتيان به برجاء المطلوبية.

و يستحب له ان يمسك صوف الذبيحة أو شعرها بيده حتى تبرد، و لا يمسك بيديها أو رجليها.

و يستحب عند ذبح البقر أن يعقل يدي الذبيحة و رجليها و يطلق ذنبها.

و يستحب عند نحر الإبل أن ينحرها قائمة و ان يعقل يدها اليسرى، و إذا نحرها باركة استحب له ان يشد خفي يديها الى ابطيها و يطلق رجليها.

332

و يستحب في ذبح الطير أن يرسله بعد ذبحه.

و يستحب له أن يعرض على الحيوان الماء قبل ذبحه أو نحره، و ان يساق الى الذبح أو النحر برفق و يضجعه للذبح برفق.

و يستحب أن يكون الذابح أو الناحر مستقبلا للقبلة عند الذبح و النحر، بل الأحوط استحبابا ان لا يترك ذلك.

و يستحب له أن يحد الشفرة و أن يواريها عن البهيمة لئلا تراها، و أن يريح البهيمة في الذبح جهده، فيسرع في قطع أوداجها و يمر السكين بقوة، و يجد في العمل حتى ينجزه بسرعة، و أن يدع الحيوان في موضعه حتى يفارق الحياة فلا ينقله الى مكان آخر.

المسألة 173:

ذكر بعض الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) انه يكره للذابح أن يبين رأس الذبيحة عامدا قبل أن تفارق الحياة و قد ذكرنا في ما تقدم ان الأحوط لزوما ترك ذلك و لا تحرم الذبيحة به إذا فعله.

و ذكروا (قدس سرهم): انه يكره له أن ينخع الذبيحة فيصيب بالسكين نخاعها عامدا، و قد تقدم أن الأحوط لزوم تركه و لا تحرم الذبيحة بفعله.

و ذكروا انه يكره له ان يسلخ الذبيحة قبل أن تفارق الحياة، و قد سبق ان الأحوط لزوم تركه كذلك و لا تحرم الذبيحة به.

و يكره له ان يقلب السكين فيدخلها تحت أعضاء التذكية و يقطعها الى فوق.

و يكره له ان يذبح الشاة عند الشاة أو ينحر الجزور عند الجزور و هو ينظر اليه.

و يكره الذبح في الليل حتى يطلع الفجر، و يكره الذبح في يوم الجمعة إلى الزوال.

و يكره للإنسان أن يذبح بيده ما رباه من الأنعام، و لا كراهة إذا ذبحه له غيره، أو باعه و اشترى بثمنه حيوانا مثله فذبحه بيده.

333

كتاب الأطعمة و الأشربة

334

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

335

كتاب الأطعمة و الأشربة‌

المسألة الأولى:

المبحوث عنه في هذا الكتاب هو ما يحل أكله للإنسان من الحيوان و غيره من جامدات الأشياء و المجففات و ما لا يحل أكله منها، و ما يجوز شربه من المائعات و المعتصرات و المستحضرات و ما لا يجوز شربه، و لذلك فالبحث فيه يقع في عدة فصول.

الفصل الأول في ما يحل أكله من الحيوان و ما لا يحل

المسألة الثانية:

لا يحل للإنسان أكل ما عدا السمك و الطير من حيوان البحر، من غير فرق بين ما أشبه المأكول من حيوان البر و ما لم يشبهه، كبقر البحر و فرس البحر، و كلب الماء و خنزيره، و جميع أجناس الحيوان منه و أنواعه، ما عرف اسمه منها و ما جهل، و ما أمكن أن يعيش خارج الماء منه كالتمساح و السلحفاة و الضفدع و السرطان، و ما لم يمكن.

المسألة الثالثة:

يحل للإنسان أكل السمك إذا كان له فلس و قشور، و هذه هي العلامة المميزة بين ما يحل أكله من السمك و ما يحرم، من غير فرق بين كبير السمك و صغيره كالشبوط و القطان و البز و البني و الهامور و الداقوق، و الكنعت، و السبيطي و الزبيدي و الصافي و الحمام و الجنم، و ما عرف اسمه و ما جهل، فجميع ذلك مما يحل أكله لوجود الفلس فيه، و قد ذكر في بعض النصوص الطمر و الطبراني و الإبلامي و الربيثا، و هي أنواع منه لعلها تعرف بغير هذه الأسماء في الأزمان الحاضرة، و على أي حال فالمدار في الحل على وجود العلامة الآنف ذكرها.

336

المسألة الرابعة:

من الحوت ما يكون سي‌ء الخلق- على ما في بعض النصوص- كالكنعت، فيحتك بكل شي‌ء يجده حتى يسقط عنه قشره و فلسه، و لكنه محلل الأكل لوجود العلامة فيه فيوجد الفلس و القشر في أصل اذنه مثلا و في المواضع التي لا يمكنه أن يحكه من جسده، و قد ذكر بعض من يوثق بهم ما يقرب من ذلك عن الصافي و المزلق، و المزلق نوع من السمك إذا أضطره الصائد غاص في الطين و انزلق فيه و استعان على ذلك بنعومة جلده و صغر الفلوس و القشور عليه، و قد أكد بعض الخبراء وجود الفلس فيه.

المسألة الخامسة:

الإربيان و يسميه العامة الروبيان نوع من السمك الصغار المعروف و له قشر واضح يكسو لحمه فهو مما يحل أكله.

المسألة السادسة:

يحرم على الإنسان أكل الجري و الزمير و المارماهي و سائر الأنواع التي لا فلس فيها و لا قشر من السمك و أصناف الحوت من غير فرق بين الصغير منها و الكبير و منه الكوسج المفترس و أنواع سمك القرش الكبيرة و الصغيرة.

المسألة السابعة:

بيض السمك تابع له في الحكم، فالسمك الذي يحل أكل لحمه يحل أكل بيضه، و السمك الذي يحرم أكله يحرم أكل بيضه.

و إذا اشتبه في بيض السمك فلم يعلم أنه من المحلل أو من المحرم فالأظهر حرمته و لزوم اجتنابه سواء كان خشنا أم أملس.

المسألة الثامنة:

يحرم أكل السمك الطافي و هو الذي يموت في الماء ثم يطفو على وجهه، و يحرم كل سمك يموت في الماء و ان كان في شبكة أو حظيرة أو آلة أخرى للصيد، بل و ان مات في حوض أو إناء فيه ماء و قد مر ذكر هذا في‌

337

المسألة الحادية و الثمانين من كتاب الصيد، و يحرم أكل السمك إذا مات و لم تدرك ذكاته.

المسألة التاسعة:

يحرم أكل السمك الجلال و أكل بيضه على الأحوط و هو الذي يتغذى بعذرة الإنسان وحدها حتى يصدق عليه اسم الجلال، و سيأتي بيان هذا عند التعرض لحكم الحيوان الجلال، و يزول الجلل عن السمك شرعا إذا منع من أكل العذرة و أطعم طعاما طاهرا مدة يوم و ليلة، فإذا زال الجلل منه حل أكله و إذا لم يزل اسم الجلل عنه في المدة المذكورة استبرئ حتى يزول عنه اسم الجلل.

المسألة العاشرة:

إذا اصطاد الرجل سمكة، فوجد في جوفها سمكة أخرى ذات فلس، حل له أكل السمكة الكبيرة إذا كانت مباحة ذات فلس، و حل له أكل السمكة التي وجدها في الجوف إذا كانت حية حال أخذ السمكة الكبيرة، و اما إذا جهل حياتها و موتها حال أخذ الكبيرة أو علم بموتها، ففي حلها اشكال و لا يترك الاحتياط باجتنابها.

المسألة 11:

لا فرق بين طير البحر و طير البر في الحكم، فما يكون أكله حلالا من طير البر يكون أكل مثله حلالا من طير البحر، و العلامات التي جعلها الشارع مميزة للمحلل من طير البر هي بذاتها علامات للحل في طير البحر، و سيأتي ذكر كل أولئك في مواضعها ان شاء اللّه تعالى.

المسألة 12:

يحل للإنسان أكل لحوم الأنعام الثلاثة من حيوانات البر الإنسية:

الإبل، و البقر و الغنم، من غير فرق بين أصناف كل جنس منها، ما ذكرناه في كتاب الذباحة منها أو في كتاب الزكاة و ما أشرنا اليه و لم نذكره.

و يحل له أكل لحم الخيل، و البغال و الحمير، بجميع أصنافها، على‌

338

كراهة تختلف ما بينها في الشدة و الضعف، فالخيل أخفها كراهة، و هي في البغال و الحمير على قولين.

و يحرم عليه أكل السنور، و يحرم عليه أكل الأرنب و هو من المسوخ على ما ورد في بعض الأدلة، و هو من الحيوانات المتوحشة التي قد تستأهل، و سيأتي ذكره في المحرم من الحيوانات المتوحشة، و اما الكلب فهو نجس العين، فضلا عن كونه مما يحرم أكله، و كذلك الحكم في الخنزير البري، و هو من الحيوانات المتوحشة التي قد تستأنس.

المسألة 13:

يحل للإنسان ان يأكل لحوم الظباء من الحيوانات الوحشية، و يحل له أكل لحوم البقر الوحشية و الوعول و الأيائل و اليحامير و الغنم الوحشية و الحمر الوحشية، و ربما يطلق بعض هذه على بعض، و ربما اختلفت في الكبر و الصغر من الجنس الواحد، أو في الذكورة و الأنوثة، كما تختلف المهاة عن مطلق بقر الوحش و كما يختلف الرشا و الشادن عن مطلق الظبي، و لعل الحل لا ينحصر بالمذكورات.

المسألة 14:

يحرم على الإنسان من الحيوان الوحشي أكل كل ذي ظفر و ناب يفترس فيه، كالأسد، و الفهد و النمر و الذئب و سائر السباع التي تفترس الحيوان كالضبع و ابن آوى و الثعلب، و يحرم عليه أكل الفيل و وحيد القرن و الزرافة، و الدب، و أصناف القردة و الأرانب.

و يحرم أكل الحشرات كالضب و ابن عرس و اليربوع و القنفذ، و الحيات و الجرذان، و الصراصر و الخنافس و سائر الحشرات، الصغير منها و الكبير مما يعسر عده، بل و مما يقبح ذكره.

المسألة 15:

يحل للإنسان من الطير أكل الحمام بجميع أصنافه، كالرواعب مسرولة و غير مسرولة و القماري و الدباسي و الورشان و اليمامة، و يكره الفواخت منها، و يحل أكل القطا، و الحبارى و الكركي و الكروان، و الحذاف، و البط، و القبج و الدراج، و الحجل، و الطيهوج و هو طائر‌

339

يشبه الحجل كما قيل، و يفترق عنه في بعض الأوصاف، و يحل أكل العصفور بجميع أنواعه.

المسألة 16:

يحل له أكل الدجاج بجميع أصنافه كالدجاج الأهلي و الدجاج الحبشي و قد يسمى الغرغرة أو الدجاج الرومي، و يحل أكل الإوز و البط غير الطائر، و يحل أكل لحم النعام على الأقوى.

المسألة 17:

يجوز للإنسان- على كراهة- أكل لحم الصرد، و هو على ما يقول بعض اللغويين: طائر أخضر الظهر أبيض البطن ضخم الرأس يصطاد صغار الطير، و يكره أكل الصوام، و الشقراق، و هو طائر أخضر مليح له صوت يشبه الزغردة و لذلك فالعامة من أهل نواحي البصرة يسمونه بالمهلهل، و يكره أكل القنبرة، و هو طائر كالعصفور، له في رأسه قنزعة، و يكره أكل الهدهد و الخطاف، و لعله أشدها كراهة بل الأحوط استحبابا اجتنابه.

المسألة 18:

يحرم أكل الخفاش، و الطاوس، و يحرم أكل كل ذي مخلب، سواء كان من الجوارح المفترسة كالعقاب و الرخم و البازي و الصقر و الشاهين و الباشق و الحدأة أم من غيرها كالنسر و البغاث و البومة، و يحرم أكل الببغاء، و لحوم الغربان من غير فرق بين الكبير منها و المتوسط و الصغير، حتى الزاغ و الغداف على اشكال في بعض الأنواع منها، و الأحوط لزوما اجتنابها جميعا.

المسألة 19:

يحرم أكل الذباب و النحل و مطلق الزنابير، و الجعلان و البق و جميع الحشرات الطائرة و قد تقدم الحكم بالتحريم في الحشرات غير الطائرة مما يدب أو يثب.

المسألة 20:

قد ذكرت للتمييز ما بين المحلل من الطير و المحرم منه في الشرع‌

340

علامتان يرجع إليهما إذا شك في حل الطير و حرمته، و لم يرد فيه نص خاص أو عام، كما ورد في الموارد الآنف ذكرها.

العلامة الأولى: الصفيف و الدفيف في طيران الطير، و الصفيف هو أن يبسط الطير جناحيه في حال طيرانه، و الدفيف هو ان يحركهما في حال طيرانه، فكأنه مأخوذ من الضرب بجناحيه على دفتيه.

فكل طير يصف جناحيه في طيرانه أو يكون صفيفه أكثر، فهو محرم الأكل، و مثال ذلك: جوارح الطير و كواسرها، فإنها تبسط أجنحتها في الطيران أو يكون بسطها أكثر، و كل طير يحرك جناحيه عند طيرانه أو يكون تحريكها و الدفيف بها أكثر، فهو محلل الأكل، و مثال ذلك:

الحمام و القطا و العصفور، فهي تدف بأجنحتها، إلا في حالات خاصة.

العلامة الثانية: أن تكون في الطير أحد أمور ثلاثة:

الحوصلة، و هي في الطائر- كما يقول بعض اللغويين- بمنزلة المعدة للإنسان، و القانصة، و هي قطعة صلبة تكون في جوف الطائر تجتمع فيها الحصى الدقيقة التي يأكلها، و الصيصية، و هي شوكة أو إصبع يكون في موضع العقب من رجل الطائر.

فكل طير يكون فيه بعض هذه الأشياء الثلاثة أو جميعها، فهو محلل الأكل كالدجاجة فإنها توجد فيها جميعا، و كل طير لا يكون فيه شي‌ء منها فهو محرم الأكل.

المسألة 21:

إذا اتفقت العلامتان الآنف ذكرهما في الدلالة على الحكم، فكان الطير مما يصف في طيرانه أو مما يكون صفيفه أكثر، و لم توجد فيه حوصلة و لا قانصة و لا صيصية، فلا إشكال في حرمة أكله، و كذلك إذا كان الطير مما يدف في طيرانه، أو مما يكون دفيفه أكثر، و وجد فيه مع ذلك بعض الأشياء المذكورة، أو وجد فيه جميعها، فلا ريب في انه مما يحل.

المسألة 22:

إذا اختلفت العلامتان في الدلالة على حل الطائر أو تحريمه، عول‌

341

في الحكم على العلامة التي ذكرناها أولا، فإذا كان الطير مما يصف في طيرانه، أو كان صفيفه أكثر من دفيفه، و كانت مع ذلك له حوصلة أو قانصة أو صيصية، حكم بحرمته.

و إذا كان مما يدف في طيرانه أو كان دفيفه أكثر من صفيفه، و كان فاقدا للأمور الثلاثة كلها فالظاهر حل أكله.

المسألة 23:

إذا كان الطير مما يتساوى صفيفه و دفيفه، رجع في تبين حكمه الى العلامة الثانية، فإذا وجدت له قانصة أو حوصلة أو صيصية حكم بحل أكله، و إذا لم يوجد فيه شي‌ء منها حكم بحرمته.

المسألة 24:

إذا وجد الإنسان طيرا يصف في طيرانه تارة و يدف تارة، و لم يعرف أيهما أكثر رجع في حكمه إلى العلامة الثانية كما في الفرض المتقدم، فإذا وجد فيه شي‌ء من الأمور الثلاثة أو وجد فيه جميعها، حكم بحله، و إذا فقدها جميعا حكم بحرمته.

و كذلك الحكم إذا رأى طيرا مذبوحا لا يعرف حاله في الطيران، فيرجع في أمره إلى العلامة الثانية.

المسألة 25:

لا فرق في ترتب الأحكام المذكورة مع العلامات و اختلاف الفروض بين طير البحر و طير البر كما أشرنا إليه في ما تقدم، و إذا وجدت علامة الحل في طير البحر حكم بحل أكله و ان كان الطير مما يأكل السمك، فلا يكون ذلك موجبا لتحريمه، كما لا تحرم السمكة التي تأكل السمك إذا كانت ذات فلس.

المسألة 26:

بيض الطير يتبع الطير نفسه في الحكم، فالطير الذي يحل أكله للنص على تحليله بالخصوص أو بالعموم يحل أكل بيضه، و الطير الذي يحرم أكله كذلك، يحرم أكل بيضه، و لا يحتاج معه الى وجود علامة الحل أو الحرمة في البيض نفسه.

342

و إذا وجد الإنسان بيضا، و شك في انه مما يحل أو مما يحرم، فالعلامة المائزة فيه هي اختلاف طرفي البيضة و تساويهما، فإذا اختلف طرفا البيضة و تميز رأسها عن طرفها الآخر كبيضة الدجاجة و بيضة البطة و بيضة الإوزة فهي مما يحل أكله، و إذا اتفق طرفاها و تساويا فهي مما يحرم أكله.

المسألة 27:

تقدم في المسألة الرابعة عشرة ان النعامة مما يحل أكله، فهي مما يحل أكل بيضه.

المسألة 28:

اللقلق من الطيور التي لم ينص الشارع على حله أو على حرمته بالخصوص أو بالعموم، فالمرجع في حكمه الى العلامات التي تقدم ذكرها، و قد اختلف الناقلون عن حاله في الطيران من الصفيف و الدفيف أيهما أكثر، و لعله مضطرب الحالات في ذلك فيكثر صفيفه في بعض الأوقات و يكثر دفيفه في أوقات أخرى، و إذا تساوى حاله في الطيران، أو شك و لم يعرف أمره، فالمرجع في حكمه الى وجود الحوصلة فيه أو القانصة أو الصيصية، أو فقدها جميعا، و هي العلامة الثانية، و نقل عن بعض الأعاظم حكمه بحرمة أكله لأن صفيفه أكثر، و الأحوط اجتناب أكله.

المسألة 29:

قد تعرض الحرمة على الحيوان المحلل أكله لطروء بعض الأسباب الآتي ذكرها، فيكون الحيوان محرما بالعارض، و الأسباب التي توجب له الحرمة بالعارض هي: الجلل، و وطء الإنسان له، و تغذي بعض أطفال الحيوان بلبن الخنزيرة حتى يقوى عليه و ينمو و يشتد عليه عظمه و لحمه، فيكون الجلل سببا لتحريم الحيوان الجلال، و يكون وطء الإنسان سببا لتحريم الحيوان الموطوء، و يكون تغذي الحيوان الطفل بلبن الخنزيرة سببا لتحريم الطفل المتغذي و تحريم نسله.

المسألة 30:

الجلل هو أن يغتذي الحيوان بعذرة الإنسان حتى يصدق عرفا انها‌

343

غذاؤه، و لذلك فلا بد في صدق الجلل من أن ينحصر غذاء الحيوان بعذرة الإنسان وحدها، فإذا خلط الحيوان في أكله بينها و بين غيرها، بحيث لم يصدق أنها غذاؤه لم يتحقق الجلل الذي تترتب عليه الأحكام الآتية الا ان يكون أكله من غيرها يسيرا نادرا لا ينافي حكم العرف بأن غذاءه هي العذرة خاصة، فيصدق الجلل و تترتب أحكامه، و لا يتقدر ذلك بمدة معينة، بل المدار ان يأكل منها حتى يتحقق الموضوع المذكور في مقاييس أهل العرف.

المسألة 31:

لا تلحق بعذرة الإنسان عذرة غيره من الحيوان في تحقق الجلل و ترتب أحكامه الخاصة إذا تغذى الحيوان بها و ان كانت نجسة أيضا، و لا يلحق بها سائر النجاسات و المتنجسات.

المسألة 32:

إذا تحققت صفة الجلل في الحيوان حرم أكل لحمه، و حرم شرب لبنه، و حرم- على الأحوط لزوما- أكل بيضه إذا كان مما يبيض، و ترتبت عليه جميع أحكام المحرم بالأصل، على الأحوط فلا تجوز الصلاة في جلده و لا في أجزائه الأخرى إذا ذكي، و لا تصح الصلاة في فضلاته الطاهرة، و قد تقدم في المسألة المائة و التاسعة و العشرين من كتاب الطهارة: الحكم بنجاسة بوله و روثه و نجاسة عرقه إذا كان من الإبل، بل الأحوط الحكم بنجاسة العرق من كل حيوان جلال، و لا ترتفع هذه الأحكام جميعا حتى يستبرأ الحيوان و يرتفع عنه اسم الجلل عرفا.

المسألة 33:

إذا تحققت صفة الجلل في الحيوان حرم أكله و تحققت أحكام الجلل الممكنة فيه من غير فرق بين الحيوان الصغير و الكبير و الطير و السمك، و قد ذكرنا حكم السمك الجلال في المسألة التاسعة.

المسألة 34:

لا يمنع الجلل من أن يذكى الحيوان الجلال كما يذكى غيره من الحيوان القابل للتذكية، فإذا ذبح أو نحر مثلا على الوجه المطلوب طهر‌

344

لحمه و جلده كما يطهر الحيوان المحرم بالأصل إذا ذكي و كان قابلا للتذكية و ان لم يجز أكل لحمه و لا الصلاة في أجزائه كما قلنا.

المسألة 35:

يصح للإنسان أن يشتري الحيوان الجلال أو يتملكه بصيد و نحوه، ثم يستبرئه بعد أن يتملكه فإذا زال عنه اسم الجلل بعد الاستبراء حل له أكله، فيصطاد الطير الجلال أو السمك الجلال، فإذا ملكه و استبرأه كذلك حل أكله و أكل ما يتجدد من بيضه بعد ذلك و لا يحل أكل ما باضه قبل أن يتم الاستبراء.

المسألة 36:

ترتفع أحكام الجلل الآنف ذكرها عن الحيوان الجلال بالاستبراء، و هو منع الحيوان عن أكل العذرة و تغذيته بغيرها مدة يأتي بيانها.

و لا يترك الاحتياط لزوما فيه، فإذا منع الحيوان من التغذي بالعذرة و زال عنه اسم الجلل في نظر أهل العرف قبل أن تنتهي المدة المنصوصة للحيوان فلا بد من الاستمرار على الاستبراء حتى تنتهي المدة المعينة له، و إذا منع من التغذي بالعذرة حتى مضت المدة و لم يزل اسم الجلل عنه في نظر أهل العرف، لم تنتف عنه أحكام الجلل حتى يستمر في الاستبراء الى ان يزول الاسم.

المسألة 37:

المدة المعينة في النصوص لاستبراء الحيوان الجلال، هي أربعون يوما في الإبل، و ثلاثون يوما على الأحوط في البقر، و عشرة أيام في الشاة، و خمسة أيام أو سبعة في البطة و ثلاثة أيام في الدجاجة و يوم و ليلة في السمك.

و قد ذكرنا أن المقصود أن يستبرأ الحيوان المدة المذكورة إذا زال اسم الجلال عنه معها أو زال عنه قبلها، فإذا لم يزل اسم الجلل عنه في المدة فلا بد من الاستمرار على الاستبراء بعدها حتى يزول الاسم.

المسألة 38:

تجب مراعاة المدة المذكورة في الحيوان الذي نص عليه على الوجه‌

345

الذي بيناه من غير فرق بين الكبير من الحيوان و الصغير.

المسألة 39:

إذا كان الحيوان الجلال مما لم تقدر له مدة في استبرائه، وجب أن يستبرأ حتى يزول عنه اسم الجلل و يصدق عليه في نظر أهل العرف ان غذاءه غير العذرة.

المسألة 40:

استبراء الحيوان الجلال أن يمنع من أكل العذرة بحبس أو ربط، و يطعم علفا طاهرا على الأحوط الى أن تنتهي المدة المعينة، فإذا لم يزل عنه اسم الجلال استمر في ذلك الى أن يزول عنه الاسم.

المسألة 41:

إذا استبرئ الحيوان كذلك حل أكل لحمه و حل شرب ما يتجدد بعد الاستبراء من لبنه، و ارتفعت عنه أحكام الجلل الآنف ذكرها أو الإشارة إليها.

المسألة 42:

السبب الثاني من أسباب تحريم أكل الحيوان المحلل: أن يطأه انسان، فإذا وطأ الإنسان حيوانا مما يحل أكله، حرم بالوطء أكل لحمه و لحم نسله على المالك و الواطئ و على غيرهما من الناس، و حرم عليهم شرب ألبانهما مما يتجدد بعد الوطء من النسل و اللبن، و لا يحرم ولده و لا لبنه المتقدم على الوطء، من غير فرق بين أن يكون الإنسان الواطئ كبيرا و صغيرا على الأحوط، و عاقلا و مجنونا، و عالما و جاهلا، و مختارا في فعله و مكرها، و سواء أنزل الواطئ أم لم ينزل، و سواء كان وطؤه للحيوان قبلا أم دبرا، و سواء كان الحيوان الموطوء ذكرا أم أنثى، و صغيرا أم كبيرا.

المسألة 43:

إذا وطأ الإنسان بهيمة أنثى و كانت حاملا، قد تكون جنينها قبل وطء الإنسان لها، لم يحرم بالوطء أكل هذا الحمل، و لم تشمله أحكام وطء الإنسان و لا تشمل نسله الذي يتولد منه.

346

المسألة 44:

إذا كان الحيوان مذبوحا أو منحورا قد تمت تذكيته، فوطأه الإنسان لم يحرم بذلك لحمه و لا اللبن الموجود في الضرع إذا كانت أنثى و لا الجنين الذي في بطنها إذا ذكي أو كانت ذكاة أمه ذكاة له.

المسألة 45:

لا يعم الحكم بالتحريم الحيوان الموطوء إذا كان من غير ذوات الأربع، و ان كان الأحوط استحبابا اجتناب أكله و أكل بيضه الذي يتجدد بعد الوطء.

المسألة 46:

إذا كان الحيوان الذي وطأه الإنسان مما يقصد أكل لحمه كالغنم و البقر و الإبل و نحوها من الحيوانات و ان كانت وحشية قد تأهلت، وجب أن يذبح الحيوان أو ينحر، ثم يحرق بعد موته، و يغرم الواطئ قيمة الحيوان لمالكه، إذا كان الواطئ غير المالك.

و إذا كان الحيوان الموطوء مما يطلب ظهره للحمل أو الركوب عليه و لم يعتد أكله كالفرس و البغل و الحمار، أخرج الحيوان الى بلد آخر غير البلد الذي وطئ فيه و بيع في ذلك البلد، و غرم الواطئ قيمته للمالك إذا كان غير الواطئ، و إذا بيع الحيوان في البلد الآخر دفع ثمنه للواطي على الأقرب.

المسألة 47:

إذا وطأ الإنسان الحيوان ثم اشتبه الحيوان الموطوء بغيره أخرج بالقرعة و أجري الحكم المذكور على ما عينته القرعة، و إذا تعدد الحيوان الذي اشتبه الموطوء به، قسمت الحيوانات المشتبه بها الى نصفين و أقرع بينهما، فإذا خرجت القرعة على أحدهما قسم الى نصفين كذلك و أقرع بينهما، و هكذا حتى يتعين واحد و يجرى عليه الحكم.

المسألة 48:

ظاهر وجوب إحراق الحيوان بعد ذبحه و موته الذي دلت عليه الأدلة في المسألة عدم جواز الانتفاع بجلد الحيوان الموطوء بعد تذكيته، و لا‌

347

بصوفه و لا بشعره أو وبره و لا بشي‌ء من اجزائه كالإنفحة و شبهها، فلا يجوز شي‌ء من ذلك على الأقوى.

المسألة 49:

الأحوط لزوما حرمة شرب اللبن الموجود في ضرع الحيوانة الأنثى في حال وطئها، و لعله الأقوى، فإنه من الانتفاع بالحيوان الموطوء و قد تقدم أن الأقوى حرمته.

المسألة 50:

لا يجري الحكم بوجوب الإحراق بعد الذبح على نسل الحيوان الموطوء الذي يتولد منه بعد الوطء و ان حرم أكل لحمه و شرب لبنه كما ذكرنا في ما تقدم.

المسألة 51:

السبب الثالث من أسباب تحريم أكل الحيوان المحلل: أن يرضع الجدي لبن خنزيرة حتى يقوى و ينبت لحمه و يشتد عظمه على رضاعه منها، و الجدي هو ولد المعز في سنته الأولى، و المراد ان يغتذي برضاعه من لبنها في أيام رضاعه المتعارفة لمثله سواء كان في السنة الأولى أم بعدها، فإذا رضع كذلك حرم أكل لحمه و حرم أكل نسله و حرم شرب لبنه و ألبان نسله سواء كان المرتضع أنثى أم ذكرا.

و كذلك الحكم- على الأحوط لزوما- في الحمل و هو ولد الشاة بل و في كل حيوان رضيع محلل الأكل فإذا رضع من لبن الخنزيرة حتى نمى و نبت عليه لحمه و اشتد عظمه وجب اجتناب أكل لحمه و لحوم نسله و ألبانهما.

المسألة 52:

لا تلحق الكلبة بالخنزيرة في الحكم، فإذا ارتضع الحيوان الصغير من لبنها حتى نمى و اشتد على رضاعه منها لحمه و عظمه لم يحرم أكله.

و يشكل الحكم إذا سقي الحيوان الرضيع لبن الخنزيرة سقيا من غير رضاع حتى نمى و اشتد على ذلك، فلا يترك الاحتياط باجتنابه، و كذلك إذا ارتضع من لبنها بعد ما كبر و فطم من رضاع أمه حتى حصل الشرط‌

348

فلا يترك الاحتياط باجتنابه، و ان كان الأظهر عدم التحريم في الصورتين.

المسألة 53:

إذا رضع الحيوان الصغير من لبن الخنزيرة و لم يشتد على رضاعه منها لحمه و عظمه، كره أكل لحمه، فإذا استبرئ من ذلك سبعة أيام، فمنع من رضاع الخنزيرة و أرضع من لبن شاة أو معز مثلا في تلك المدة زالت الكراهة عن أكله، و ان كان قد استغنى عن الرضاع أطعم في أيام الاستبراء علفا طاهرا فتزول الكراهة عنه بذلك.

المسألة 54:

لا يحرم الحيوان الصغير إذا رضع من لبن امرأة كافرة حتى نمى و اشتد لحمه و عظمه على رضاعه منها، و أولى من ذلك، ما إذا رضع من لبن امرأة مسلمة حتى حصل الشرط أو سقي من اللبن بغير رضاع فلا يحرم أكل لحمه، بل يكون أكله مكروها في الصورتين الأولتين، و لا دليل على الكراهة في الصورة الأخيرة.

المسألة 55:

إذا شرب الحيوان الذي يحل أكله خمرا فسكر، و ذبح في حال سكره لم يحرم بذلك أكل لحمه، و الأحوط وجوب غسل لحمه قبل أكله، و لا يجوز أكل ما في جوفه من أمعاء و شحوم و كرش و قلب و كبد و رئة و كليتين و غير ذلك و ان غسله.

المسألة 56:

إذا شرب الحيوان بولا نجسا أو تناول بعض النجاسات الأخرى ثم ذبح بعد تناوله إياها لم يحرم أكل لحمه، و لا يحتاج الى غسل اللحم قبل الأكل إذا لم تكن عين النجاسة موجودة، و يجوز أكل ما في جوف الحيوان، و الأحوط لزوم غسل ما في الجوف قبل أكله.

المسألة 57:

تحرم من الحيوان الذي يحل أكله أربعة عشر شيئا، فلا يجوز أكلها و ان ذكي الحيوان بالذبح أو النحر، و تسمى هذه الأشياء محرمات الذبيحة و هي‌

349

(1) الفرث (2) الدم (3) الطحال (4) القضيب (5) الأنثيان (6) المثانة، و هي الموضع الذي يتجمع فيه بول الحيوان قبل خروجه، (7) النخاع، و هو خيط أبيض يمتد من رقبة الحيوان في وسط فقرات ظهره إلى أصل ذنبه، (8) الغدد، و هي عقد مدورة الشكل غالبا تتكون في جسد الحيوان، و لا تنحصر في موضع منه، (9) المرارة (10) المشيمة، و هي كيس أو نحوه يكون موضعا للجنين أيام حمله، أو هي قرينته التي تخرج معه في الولادة، فيجب الاجتناب عنهما، (11) العلباوان، و هما عصبتان صفراوان عريضتان تمتدان في الظهر من رقبة الحيوان الى ذنبه (12) خرزة الدماغ، و هي- على ما قالوا- حبة بقدر الحمصة تكون في وسط الدماغ و لونها يميل إلى الغبرة، و يخالف لون باقي الدماغ الموجود في الجمجمة، (13) الحدقة، و هي السواد الذي يكون في العين لا مجموعها، (14) الفرج من الحيوانة الأنثى ظاهره و باطنه.

المسألة 58:

مما يقطع به وجود الرجيع و الدم و الفرج و الحدق في مطلق الطير من محرمات الذبيحة، و مما يقطع به أيضا وجود القضيب و البيضتين و المرارة و النخاع في كبار الطير و متوسطها، كالدجاجة و شبهها و اما المثانة و المشيمة فيقطع بعدمهما فيه لأن الطير لا يبول و لا يلد ما عدا الخفاش، فيجب الاجتناب عن المذكورات أولا التي يقطع بوجودها و يشك في وجود باقي المحرمات فيه، فلا يجب الاجتناب عنه.

المسألة 59:

تحرم الأشياء الآنف ذكرها من الحيوان الذي يذبح أو ينحر خاصة، فلا يحرم شي‌ء منها في السمك و لا في الجراد إذا علم وجوده فيهما، و الأحوط لزوما اجتناب أكل الدم في السمك، و الرجيع فيهما.

المسألة 60:

يكره أكل الكليتين من الحيوان المذبوح أو المنحور، و أذني القلب، و هما زائدتان تكونان في أعلى القلب، و يكره أكل العروق و الأوداج.

المسألة 61:

يحل أكل كل شي‌ء من الذبيحة غير ما تقدم ذكره، فيحل أكل اللحم‌

350

و الشحم، و القلب، و الرئة، و الكبد، و الأمعاء و الكرش، و الغضاريف، و يحل أكل الجلد و العظم على الأظهر، و الأحوط استحبابا اجتناب أكلهما، و يتأكد الاحتياط باجتناب إهاب الذبيحة الذي يسلخ و لا يعتاد أكله، و لا بأس بأكل جلد الرأس و جلود الدجاج و الطيور.

المسألة 62:

يجوز أكل اللحم المحلل نيا، و مطبوخا بالماء، و مطبوخا بالدهن أو بالمائعات المحللة الأخرى و مشويا، و ان غلبت عليه النار فاحترق ما لم يكن مضرا، أو يعد من الخبائث، فيحرم لذلك.

المسألة 63:

تعرضنا في المسألة التسعين من كتاب الطهارة لحكم الأجزاء التي لا تحلها الحياة في حال الحياة إذا أخذت من حيوان طاهر العين، كالقرن و العظم، و السن و الظفر، و الحافر، و الظلف و المخلب، و المنقار، و الشعر و الصوف، و الوبر و الريش، و البيضة إذا اكتست قشرها الأعلى و ان لم يتصلب بعد، و كاللبن في ضرع الحيوانة الأنثى، و الأنفحة التي تخرج من بطن الجدي أو السخل قبل أن يتغذى بالأكل، فهي جميعا محكومة بالطهارة، و ان أخذت من الحيوان بعد موته، و لا تسري إليها نجاسة الميتة، و لا يكون حكمها حكم أجزاء الميتة التي تحلها الحياة، و قد فصلنا حكمها هناك، فليرجع إليها من أراد.

و الأجزاء المذكورة كما هي طاهرة فهي محللة إذا كانت محللة في الأصل، فيجوز أكل البيضة إذا كانت من طير يحل أكله، و يجوز شرب اللبن إذا كان من حيوان يحل أكله، و يجوز أكل الأنفحة إذا أخرجت من بطن سخل أو جدي محلل الأكل و جعلت في اللبن فصار جبنا، فيجوز أكل الجبن و معه أجزاء الأنفحة المذكورة، و قد بينا في المسألة المشار إليها ان الأحوط الاقتصار في الانفحة على المادة الصفراء التي يستحيل إليها اللبن الذي يرتضعه الحيوان قبل أن يأكل، و لا يعم الكرش نفسه.

و قد اشترطنا في طهارة الأجزاء المذكورة أن لا تصيبها نجاسة عرضية برطوبة الميتة نفسها حين إخراجها منها فإذا أصابتها نجاسة عرضية‌

351

بسبب ذلك أو بسبب آخر فلا بد من تطهيرها إذا أمكن التطهير، و هذا الشرط كما هو شرط في الطهارة، فهو شرط في الحل، و هو واضح.

المسألة 64:

ذكرنا في مبحث النجاسات من كتاب الطهارة: أن بول كل حيوان لا يؤكل لحمه نجس عينا إذا كانت للحيوان نفس سائلة، سواء كان مما يحرم أكله بالأصل كالمسوخ و السباع و الحشرات، أم كان مما يحرم أكله بالعارض كالحيوان الجلال و موطوء الإنسان، و لذلك فلا ريب في حرمة شربه.

و يحرم كذلك شرب بول ما يؤكل لحمه على الأحوط لزوما، كالغنم و البقر و بقية الحيوانات التي يؤكل لحمها من الوحوش و غيرها، فلا يجوز شرب بولها و ان كان طاهرا غير نجس.

و يجوز شرب أبوال الإبل للاستشفاء به من بعض الأمراض، و لا يلحق به غيره من بول الأنعام الأخرى.

المسألة 65:

يحرم رجيع كل حيوان، سواء كان الحيوان مما يحرم أكله أم كان مما يحل، و الظاهر أن التحريم لا يتناول فضلات الدود التي تتكون في جوف بعض الفاكهة و المخضرات و تلتصق به فضلاتها، و لا يتناول ما في جوف السمك و الجراد من فضلاتهما إذا كان غير متميز و أكل معهما، و إذا كان متميزا، فالأحوط لزوم اجتنابه.

المسألة 66:

يحرم أكل الدم من كل حيوان له نفس سائلة، سواء كان الحيوان مما يحرم أكله أم مما يحل، حتى الدم و العلقة التي تتخلق في البيضة، فيجب اجتنابهما.

و يستثنى من ذلك الدم الذي يتخلف في الحيوان المأكول لحمه إذا ذكي و خرج بالذبح أو النحر ما يتعارف خروجه من الدم و بقي الباقي منه، فيكون المتخلف منه في جوف الذبيحة طاهرا، و يكون المتخلف في اللحم و الذي يعد جزءا منه حلالا تابعا للحم في جواز أكله معه، من غير‌

352

فرق بين ما يتخلف منه في اللحم أو في القلب أو في الكبد، و إذا اجتمع الدم و كان له وجود غير تابع لها و لا يعد جزءا منها كان محرما.

المسألة 67:

دم الحيوان الذي ليست له نفس سائلة طاهر ليس بنجس كما أوضحناه في مبحث الدم من كتاب الطهارة، و كذلك دم الحيوان الذي يشك في ان له نفسا سائلة أم لا، كالحية و التمساح، فهو طاهر ليس بنجس، و لا ريب في حرمة أكله إذا كان من حيوان يحرم أكله كالحيات و الحشرات المحرمة التي يكون فيها دم و لكنه لا يسيل بقوة عند الذبح و كدم السمك الذي يحرم أكله كالجري و الزمير.

و إذا كان الحيوان مما يحل أكله كالسمك المحلل، فالظاهر جواز أكل دمه مع لحمه إذا عد تابعا للحم و جزءا منه، و إذا اجتمع دمه و كان وجوده متميزا و ليس تابعا للحم و لا جزءا منه، أشكل الحكم بحل أكله فلا بد من تركه على الأحوط لزوما.

المسألة 68:

اللبن تابع في الحكم للحيوان الذي يتكون منه، فيحل شربه إذا كان الحيوان محلل الأكل و يحرم شربه إذا كان الحيوان الذي يتكون منه محرم الأكل، و قد سبق الحكم بوجوب الاجتناب عن شرب لبن الحيوان الجلال و لبن الحيوان الذي يطأه إنسان و ألبان نسله و وجوب الاجتناب عن لبن الحيوان الذي يتغذى في رضاعه بلبن الخنزيرة حتى يشتد عليه و ينمو، و عن البان نسله.

و يجوز شرب لبن الحيوان الذي يحل أكل لحمه، سواء كان أهليا أم وحشيا، و سواء كان الحيوان حيا أم مذكى و أخرج اللبن من ضرعه بعد تذكيته، و قد ذكرنا في المسألة الثالثة و الستين جواز شرب اللبن الذي يخرج من ضرع الميتة إذا كانت مما يحل أكله لو كان مذكى، و يجوز شرب لبن الفرس و البغلة و الأتان، و ان كره أكل لحمها، و لم تثبت الكراهة في شرب لبنها.

المسألة 69:

يجوز شرب لبن المرأة في الرضاع و ما يشبه الرضاع كما إذا سقي‌

353

الطفل من لبنها في إناء و شبهه و ان زادت أيام الرضيع على الحولين، و يشكل الحكم بجواز شرب لبنها لغير الطفل، و خصوصا للإنسان إذا راهق أو بلغ أو تجاوز ذلك، و لا يترك الاحتياط باجتنابه اختيارا، و كذلك الحكم في شرب المرأة لبن نفسها أو لبن غيرها من النساء.

المسألة 70:

إذا شك في لحم موجود انه قد ذكي أم لا، فان قامت على التذكية امارة، كما إذا وجده في يد مسلم مقرونة بتصرف منه يدل على تذكية الحيوان، أو وجده في سوق المسلمين مقترنا بمثل ذلك من التصرف، أو وجده مطروحا في أرض المسلمين، و عليه أثر يدل على ذلك، حكم بتذكية اللحم، و الا وجب اجتنابه، و تلاحظ المسألة المائة و التاسعة و الخمسون و ما بعدها من كتاب الصيد و الذباحة في توضيح المقصود من ذلك.

و إذا شك في حل ذلك اللحم و حرمته، فان وجده في يد مسلم، و أخبره المسلم صاحب اليد بأنه من المحلل صدق قوله و جاز له أكل اللحم، و الا أشكل الحكم فيه، و في المسألة تفصيل لا يتسع الحال لبيانه.

المسألة 71:

لا ريب في جواز أن يبتلع الإنسان ريقه و ان كثر، و يجوز له كذلك أن يمص ريق ولده أو غيره من الأطفال مثلا، و أن يمص ريق زوجته و نحوها.

و يحرم عليه تناول البلغم و النخامة، و هي الخلط الذي يخرجه من الصدر، و النخاعة و هي ما ينزل من الرأس بعد انفصال جميع ذلك عن الفم، و أولى منه بالتحريم ما إذا كان ذلك من غيره، و يحرم عليه كذلك تناول البلغم و النخامة و النخاعة من فم غيره قبل ان تنفصل عنه، و يحرم تناول القيح و الأوساخ و غيرها من الخبائث منه و من غيره.

354

الفصل الثاني في ما يحل أكله من الجامدات و ما لا يحل

المسألة 72:

ما يحل أكله من الأشياء الجامدة غير الحيوان كثير جدا، لا يمكن حصره و لا ضبط عدده، فالغلات جميعا، و جميع أجناس الحبوب و الأبزرة و أنواع الفواكه، و فصائل البطيخ و ما يشبهه، و أنواع الخضر و أصنافها، و أجناس النباتات و المزروعات مما يؤكل نفسه و ما يؤكل ثمره، و ما يتجدد مع الزمان و مع التجربة و مع التركيب و التهجين من أنواع و أصناف و فصائل جديدة، و ما تنتجه الصناعات المختلفة من أدقة و مجففات و تجميد للمائع و تمويع للجامد، و من مربيات و مركبات و معمولات و مستحضرات، و أمثال ذلك من الطيبات التي يحل أكلها إذا خلا تركيبها عما يمنع الشرع من تناوله، و نقى عملها و تحضيرها مما يوجب التلوث و التنجس.

فالمهم بيان ما يحظر من المآكل و ما يوجب المنع من الأكل إذا دخل في تركيب المطعوم أو عرض في عمله و تحضيره.

المسألة 73:

يحرم أكل أعيان النجاسات جميعا، و قد سبق في كتاب الطهارة ذكرها و ذكر عددها و بيان أحكامها، و مر في الفصل الأول من هذا الكتاب بعض الأحكام التي تتعلق بأكل الميتة، و البول و العذرة و الدم من النجاسات.

و يحرم أكل المتنجسات و هي الأشياء التي طرأت لها النجاسة بالعرض و التلوث، و يحرم أكل كل طعام يدخل أحد أعيان النجاسات في تركيبه، فلا يحل أكل الجبن مثلا إذا أدخل بعض شحوم الحيوان غير المذكى في تركيبه و لا يحل أكل أي شي‌ء يكون فيه لحم ذلك الحيوان أو شي‌ء من أجزائه التي تحلها الحياة في حال حياة الحيوان، و يحرم أكل كل طعام يدخل في تركيبه شي‌ء متنجس أو تعرض له النجاسة في أثناء عمله، و من ذلك ان يباشره كافر برطوبة مسرية، أو تباشره يد معلومة التلوث بالنجاسة بمثل تلك الرطوبة، أو يطبخ في إناء نجس أو يطبخ بماء متنجس أو بدهن متنجس.