كلمة التقوى - ج6

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
588 /
355

المسألة 74:

إذا عجن الطحين بماء متنجس أو خلط بدهن متنجس وجب اجتناب أكله، و لا يطهر بالنار إذا خبز أو عمل منه شي‌ء آخر، و كذلك سائر الفطائر و المعجنات التي تعمل منها المخبوزات و المطعومات الأخرى فلا يحل أكلها إذا تنجست الفطائر بالمباشرة أو تنجس ماؤها أو دهنها.

المسألة 75:

يحرم أكل أي طعام يدخل في تركيبه بعض الأشياء المحرمة بالأصل أو المحرمة بالعارض، و ان كان ذلك الشي‌ء طاهرا غير نجس، كما إذا طبخ معه لحم حيوان لا يحل أكله أو شحمه أو أدخل في تركيبه عظم من حيوان لا يحل أكله و ان كان الحيوان طاهرا مذكى.

المسألة 76:

إذا أخذ الجلاتين من عظم حيوان مذكى، و هو محلل الأكل، كالبقر و الغنم، جاز استعماله و حل أكل الطعام الذي يعمل منه أو يدخل في تركيبه.

المسألة 77:

إذا وجد الجلاتين في يد مسلم أو في سوق المسلمين، و وجد المسلم الذي هو بيده يتصرف فيه تصرفا يدل على التذكية كما قدمنا نظيره في اللحوم و الجلود، حكم بذكاته و حل أكل الطعام المستحضر منه إذا لم تكن يد المسلم مسبوقة بيد كافر، أو علم بأنه غير طاهر، و لا يحل أكله إذا وجد بيد كافر أو كان من عمله.

المسألة 78:

إذا استحضر الجلاتين من مادة صناعية تنوب عن المادة التي تؤخذ من عظم الحيوان جاز استعماله و حل أكل الطعام الذي يعمل منه أو يدخل في تركيبه، إذا لم يعلم بحرمته من ناحية أخرى.

المسألة 79:

ذكرنا في المسألة الثالثة و الستين: ان العظم أحد الأجزاء التي لا تحلها الحياة في حال حياة الحيوان، فإذا أخذ من حيوان ميت غير مذكى،

356

و كان الحيوان طاهر العين في حال حياته، فالعظم المأخوذ منه بعد الموت محكوم بالطهارة و لا ينجس بنجاسة الحيوان بالموت، و ذكرنا في المسألة الحادية و الستين ان العظم مما يحل أكله من الذبيحة إذا كانت محللة الأكل.

و نتيجة لذلك فقد يتوهم أن العظم إذا أخذ من ميتة نجسة غير مذكاة، و كانت ميتة حيوان يحل أكله، ثم طهر عن نجاسته العرضية بملاقاته لحم الميتة، أمكن ان تؤخذ منه مادة الجلاتين و تدخل في تركيب بعض الأطعمة، و يحل الطعام الذي تدخل في تركيبه.

و هذا التوهم فاسد لا يمكن الاعتماد عليه، فالعظم جزء من الميتة فيحرم كما يحرم أكل الميتة، و الأدلة إنما دلت على طهارته لأنه جزء لا تحله الحياة، و لم تدل على إباحة أكله، كما دلت على اباحة شرب اللبن المأخوذ من ضرع الميتة و أكل البيضة و الأنفحة المأخوذتين منها، فيحرم أكل العظم على الأقوى سواء أخذه الإنسان من الميتة مباشرة أم وجده بيد مسلم أو بيد كافر، و مع التنازل عن ذلك، فلا أقل من لزوم الاحتياط بتركه.

المسألة 80:

إذا قطعت من الحيوان قطعة و هو حي قبل أن يذكى بالذبح أو النحر أو الصيد، كما ضربه الإنسان بسلاح فأبان القطعة منه أو عضه سبع فأبانها، لم يحل أكل القطعة المبانة و كانت ميتة نجسة، و كذلك إذا ضرب السمكة فقطع منها قطعة قبل أن يخرج السمكة من الماء حية أو يأخذها و هي حية في خارج الماء، فلا يحل أكل تلك القطعة لأنها ميتة و ان كانت غير نجسة.

و إذا أخرج السمكة من الماء و هي حية أو أخذها و هي حية في خارج الماء تمت ذكاتها بذلك، فإذا قطع منها قطعة بعد ذكاتها و هي لا تزال حية، حل أكل القطعة، و حل أكل السمكة، و كذلك إذا أخذ الجراد و هو حي تمت تذكيته، فإذا قطع من الجرادة قطعة قبل أن تموت حل أكل القطعة و أكل بقية الجرادة.

357

المسألة 81:

يحرم أكل المتنجس ما دام متنجسا، فإذا زالت النجاسة عنه و طهر منها على الوجه المطلوب حل أكله بعد ما كان محرما، فإذا طهر اللحم أو الشحم الذي عرضت له النجاسة فغسل بالماء على الوجه المعتبر جاز أكله و حل كل طعام يوضع بعد ذلك معه، و كذلك سائر المتنجسات، و قد فصلنا أقسام النجاسات و كيفية سرايتها إلى الأشياء، و أنواع المطهرات و كيفيات التطهير بها و جميع ما يتعلق بذلك في كتاب الطهارة.

المسألة 82:

يحرم أكل كل طعام مزج بخمر أو فقاع أو أي مسكر آخر أو أي مخدر من المخدرات، سواء كان المسكر مائعا بالأصالة أم جامدا، فإذا مزج الطعام بخمر أو بمسكر مائع بالأصالة كان الطعام نجسا و حراما و إذا مزج بمسكر أو مخدر جامد بالأصالة، و ظهر أثر الإسكار أو التخدير في الطعام كان الطعام محرما و طاهرا و ان كان الأثر قليلا يسيرا.

المسألة 83:

المدار في نجاسة الطعام و طهارته في المسألة السابقة على كون المسكر الذي مزج به مائعا بالأصالة كما ذكرنا فيكون الطعام نجسا، و ان جففته الصناعة فجعلته حبوبا أو دقيقا، و إذا كان جامدا بالأصالة، فالطعام الممتزج به طاهر و محرم و ان إذابته الصناعة فجعلته مائعا.

المسألة 84:

الأطعمة و المأكولات التي يتولى الكافر عملها و تجهيزها ان كانت مصنوعة من لحم الحيوان أو شحمه أو بقية أجزائه، فهي نجسة و محرمة لا يحل أكلها، سواء كان عمل الكافر لها بمباشرة يده أم بغيرها من المعامل و المصانع الحديثة، و ان كانت مصنوعة من غير الحيوان كالنباتات و المخضرات و الفواكه و المجهزات الأخرى و قد علم بأن الكافر قد باشرها بيده برطوبة مسرية، فهي كذلك نجسة و محرمة، و ان كان تجهيز تلك المعلبات غير الحيوانية بالمعامل و المصانع الحديثة و لم يباشرها الكافر بيده برطوبة فهي طاهرة يحل أكلها ما لم يعلم بمزجها بمحرم أو بنجس،

358

و كذلك إذا شك في أن الكافر باشرها بيده أم جهزها بالمعامل من غير مباشرة فهي طاهرة محللة.

و كذلك التفصيل و الحكم في الأشربة و المعتصرات و السوائل التي يعملها الكافر أو يجهزها للشرب، و في الأدوية التي يحضرها للعلاج أو للتغذية أو التقوية من الجامدات و المائعات.

المسألة 85:

لا يحل للإنسان أكل السموم القاتلة، سواء كانت متخذة من الحيوان أم من النبات أم من أي شي‌ء يوجب الهلاك و العطب للإنسان، و لا يحل أكل أي طعام أو مأكول يورث للإنسان مرضا قاتلا، أو مرضا عسر الزوال، أو يهيج له مرضا ساكنا عسر الزوال، أو يوجب له شللا في بعض أعضائه، أو تعطيلا في بعض أجهزته أو بعض قواه، أو يسبب له حدوث أي ضرر لا يتحمل عادة.

المسألة 86:

لا يجوز للمرأة أن تأكل أو تشرب ما يوجب إجهاض حملها أو يوجب قتل الجنين في بطنها، أو يسبب له تشويها في خلقه، أو فقدا لبعض قواه أو نقصا فيها.

المسألة 87:

لا فرق في التحريم بين ما يعلم ضرره و ما يظن به و ما يحتمل، إذا كان الاحتمال مما يعتد به العقلاء و يخشون من وقوعه، فيحرم أكل ما يؤدي إليه، سواء كان الضرر المعلوم أو المظنون أو المخوف وقوعه عاجلا أم بعد مدة.

المسألة 88:

المدار في الضرر الذي يحرم معه تناول المأكول أو المشروب الذي يوجبه أن يكون مما لا يتحمل بحسب العادة كما ذكرنا، فأكل الطعام و شرب الشراب الذي يسبب العمى و فقد البصر مثلا، أو يسبب حدوث الجنون و فقد العقل أو نقصانه يكون محرما بلا ريب، و المأكول أو المشروب الذي يسبب تناوله فقد حاسة الشم و نقصانه لا يكون له ذلك‌

359

الحكم، فلعله من الضرر الذي لا يعتد به الناس، فلا يكون محرما، و المأكول أو المشروب الذي يوجب فقد قوة الباه يكون من الضرر المعتد به فيحرم أكله و شربه، و خصوصا للمتزوج و في أدوار شبابه، و مثله المأكول أو المشروب الذي تصبح به المرأة عقيما لا تلد، و المأكول أو المشروب الذي يوجب فقد حاسة السمع يكون الحكم فيه مشكلا، و الأحوط لزوما تركه و اجتنابه.

المسألة 89:

يحرم أكل و شرب ما يكون مضرا بالفعل أو مؤديا إلى وقوع الضرر في ما يأتي، إذا كان الضرر لا يتحمل عادة كما ذكرنا، و منه تعاطي المخدرات.

فيحرم تعاطي ذلك بالأكل، و الشرب، و التدخين، و بأي نحو من أنحاء الاستعمال المعروفة عند أهلها و التي يفعل المخدر فيها فعله و يؤثر أثره، و ان كان نافعا قليلا، إذا كان ضرره أكبر من نفعه، سواء كان ضرره آتيا من جهة أصل استعماله و لو قليلا كالمسكرات و المخدرات، من الحشيشة و غيرها، أم كان من جهة زيادة مقدار ما يستعمل منه، أم من جهة إدمانه و المواظبة عليه كالأفيون.

المسألة 90:

يجوز للإنسان أن يأكل أو يشرب أو يستعمل العقاقير و الأدوية و المستحضرات الطبية لمعالجة بعض الأمراض أو لتخفيفها، إذا كان الانتفاع بها غالبيا أو أثبتته التجربة الصحيحة، أو ذكره الحذاق أو الموثوقون من الأطباء و أهل الخبرة بعد تعيين المرض، و ان كان الدواء الذي يستعمله مضرا من بعض النواحي الا أن نفعه أكبر أو أمكن تدارك الضرر باستعمال ما يزيله أو يهون أمره.

المسألة 91:

يجوز للمريض أن يرجع الى الأطباء الحذاق و ذوي الخبرة الموثوقين في علاج مرضه و يتناول الأدوية و العلاج بإرشادهم و فعلهم، و ان كانت الأدوية أو الطريقة التي يتخذونها في علاجه محتملة الخطر أو هي قد‌

360

تؤدي الى الوقوع فيه في بعض الحالات، إذا كان الانتفاع بها غالبيا بحسب معرفتهم و تجاربهم، و خصوصا مع الاطمئنان بالنجاح.

و يجوز له المعالجة عندهم بما هو مضر قطعا، تفاديا عن حدوث ما هو أشد ضررا، و بما هو خطر بالفعل دفعا لما هو أعظم خطرا، فيقطع العضو المتلوث بالداء الخبيث لئلا يسري التلوث الى غيره، و يجري العملية في الأمعاء أو في الدماغ أو في القلب، تحديدا للداء و بتا للخطر المهلك.

و لا بد في مثل هذه الأمور من الاعتماد على الأكفاء الذين يطمئن إليهم و الى طبهم، و يمنع الرجوع الى المدعين الذين لم تثبت كفاءتهم للأمر و مهارتهم فيه، أو المتسرعين المتسامحين في تحصيل النتائج، أو غير المبالين بما يحدث.

المسألة 92:

قد اتضح مما تقدم أن الشي‌ء الذي يكون تحريمه آتيا من جهة ضرره، يكون المدار في الحكم بالتحريم هو المقدار أو المورد الذي يتحقق معه الضرر، فالشي‌ء الذي يحصل الضرر بتناول قليله و كثيره يكون تناوله محرما على الإطلاق من غير فرق بين القليل و الكثير، و إذا كانت الكثرة فيه تضاعف وجود الضرر بحسب مراتب الكثرة، فتناول أي بعض من أبعاض ذلك الشي‌ء يسبب ضررا مستقلا عن غيره، أو توجب شدة الضرر و قوة أثره، تكون الكثرة فيه موجبة كذلك لتضاعف الحكم بالتحريم بحسب مراتب الكثرة و العقاب على كل مرتبة منها، أو تكون موجبة لشدة التحريم بحسب شدة الضرر فيه و شدة العقاب عليها.

و إذا كان المضر هو تناول الكثير من الشي‌ء، و لا ضرر في أخذ القليل منه، فالمحرم هو الكثير المضر و لا حرمة في أخذ القليل، و إذا كان المضر هو إدمانه و المواظبة عليه كان ذلك هو المحرم و لا تحريم مع التناول من غير إدمان أو اعتياد، و إذا كان المضر هو الجمع بين طعامين مخصوصين أو بين طعام و شراب كذلك كما يدعى في بعض الأطعمة، فالمحرم هو الجمع بين الطعامين المعينين و لا حرمة في تناولهما على الانفراد.

361

و إذا كان الطعام مضرا في حالة دون حالة أو في وقت دون وقت حرم في الحالة و الوقت اللذين يكون فيهما مضرا، و لا يحرم في وقت آخر و لا في حالة اخرى، و هكذا.

المسألة 93:

يحرم أكل الطين، و هو التراب و الماء يختلطان حتى يستولي كل منهما على الآخر و يكونا شيئا واحدا هو الطين، و المرجع فيه الى الصدق العرفي كما هو المرجع في غيره من الموضوعات، و بذلك يفترق عن التراب المبتل بالماء، و عن الماء الملقى فيه مقدار من التراب.

و يحرم أكل الطين سواء زادت فيه نسبة التراب فكان طينا جافا، أم زادت نسبة الماء فكان وحلا، و يحرم أكل المدر و هو الطين اليابس، و يلحق بهما التراب على الأحوط لزوما، فيحرم أكله سواء كان مبتلا أم يابسا.

المسألة 94:

إذا امتزج مع الحنطة أو الشعير أو الحبوب الأخرى بعض التراب وعد مستهلكا فيها في نظر أهل العرف جاز أكله معها، و كذلك إذا اختلط معها بعض المدر الصغار و استهلك بعد الطحن و الخبز فيجوز أكله، و إذا لم يستهلك لكثرته لم يجز أكله.

و كذلك الحكم في ما يوجد على الرطب و التمر و الفواكه و الثمرات و المخضرات من الغبار و التراب، إذا عد مستهلكا عرفا فيجوز للإنسان ان يأكل الفاكهة أو الغلة أو الخضرة أو البقل و ان لم يغسلها عما علق بها و لا يصدق عليه انه أكل الغبار و التراب، إلا إذا كثر و تراكم فكان له وجود مستقل غير مستهلك، فيحرم أكله حين ذلك.

و كذلك الحكم في الطين الذي يمتزج مع الماء في أيام زيادة الماء مثلا و قوة دفعه و لا يخرجه عن الإطلاق فيجوز للإنسان شرب الماء الممزوج به لأنه مستهلك فيه عرفا، و لا يصدق على من شربه انه قد شرب الطين إلا إذا كثر الطين و تراكم فكان له وجود مستقل غير مستهلك، فيحرم شربه كما تقدم في نظيره.

362

المسألة 95:

كما يجوز شرب الماء الممتزج بالطين إذا كان مستهلكا فيه عرفا، فكذلك يجوز أكل الطعام المطبوخ به و أكل الخبز المعجون به، و لا يحرم أكل المطبوخ أو المخبوز به الا إذا استبان وجود الطين فيه بعد الطبخ و الخبز، و لا يخفى ان ذلك يتوقف على خلطه بمقدار من الطين أكثر من المقدار الذي يستبين وجوده في ماء الشرب و لا يستهلك فيه.

المسألة 96:

الأحوط لزوما اجتناب أكل الرمل و الجص و النورة و الإسمنت و الأحجار و فتاتها، و الاحتياط في اجتناب الآجر و فتاته أشد و ألزم و لعل التحريم فيه أقوى فهو طين مطبوخ، و يجوز أكل سائر المعادن الأخرى إذا لم تكن مضرة، فإذا أضرت كانت محرمة الأكل.

المسألة 97:

يستثنى من الحكم بحرمة أكل الطين أكل يسير من طين تربة الحسين (ع) للاستشفاء به من الأمراض مع مراعاة الشرطين الآتي ذكرهما:

الشرط الأول أن يكون المأخوذ من طين التربة بمقدار الحمصة المتوسطة الحجم أو أقل من ذلك، فلا يحل أكل ما يزيد على ذلك في المرة الواحدة.

الشرط الثاني: أن يكون أكل ذلك بقصد الاستشفاء به من مرض معين أو أمراض معينة أو من مطلق الأمراض التي يعانيها و ان لم يعينها، فلا يحل الأكل إذا كان بغير قصد الاستشفاء، و ان قصد به التبرك مثلا، و لا يحل أكلها بغير قصد.

المسألة 98:

تكثر في الأدلة من أحاديث أهل البيت (ع): ان في تربة الحسين (ع) شفاء من كل داء و أمنا من كل خوف، و انها من الأدوية المفردة، و انها لا تمر بداء الا هضمته، و أمثال ذلك من المضامين.

و قد ذكرت في الأحاديث آداب و أدعية و أعمال مخصوصة لأخذ تربة الشفاء، و هي متعددة و متنوعة، و الظاهر من مجموع الأدلة ان المذكورات‌

363

فيها انما هي آداب مخصوصة لكمال العمل و تحقق النتيجة من الشفاء المقصود بتناول التربة الشريفة، و ليست شروطا في إباحة أكل المقدار المذكور من التربة.

و لذلك فيجوز أكلها مع وجود الشرطين الآنف ذكرهما، و ان لم تحصل الأعمال التي ذكرتها الروايات و لم تقرأ الأدعية الواردة فيها.

المسألة 99:

يجوز أكل المقدار المذكور من التربة الشريفة كلما وجدت الحاجة الى الاستشفاء، كما إذا أكلها للاستشفاء من مرض معين، فشفاه اللّه منه، فأراد أكلها ثانيا للشفاء من مرض آخر يعانيه أيضا، و كما إذا تجدد له مرض آخر بعد ذلك و أراد الشفاء منه، و كما إذا أكلها بقصد الشفاء من مرض فلم يشف منه و أراد التكرار مع زيادة في التوسل الى اللّه و إخلاص في التوجه اليه أن يعجل له الشفاء من داية.

المسألة 100:

يختص ذلك بتربة الحسين (ع) دون سائر المعصومين من آبائه و أبنائه (ع) فلا يحل أكل شي‌ء من طين تربهم (صلوات اللّٰه عليهم) بقصد الاستشفاء به من الأمراض، و إذا أراد الإنسان ذلك أمكن له أن يأخذ قليلا من تربة المعصوم الذي أراد الاستشفاء به فيمزجه بماء أو شراب آخر بحيث يعد الطين مستهلكا بهما ثم يشربه بقصد الاستشفاء أو التبرك بذلك الشراب، و كذلك إذا أراد التبرك بتربة الحسين (ع).

المسألة 101:

الظاهر أن الاستشفاء انما يتحقق إذا قصد الإنسان بأكله من التربة الشفاء من مرض موجود بالفعل، سواء عينه بالقصد، أم قصد الشفاء من جميع أمراضه التي يجدها، و لا يشمل الاستشفاء من مرض غير موجود بالفعل و لكنه يخشى حدوثه عليه، فلا يحل له أن يأكل من التربة للاستشفاء منه.

المسألة 102:

تربة الشفاء التي ذكرناها و بينا بعض أحكامها في المسائل المتقدمة هي ما تؤخذ من القبر الشريف أو مما حوله على ما سنذكره في ما يأتي‌

364

بقصد أن تكون شفاء للأمراض، و ليس منها- على الظاهر- التربة المعروفة، التي تؤخذ للسجود عليها في الصلاة أو للتسبيح بها، فلا يعمها حكم تربة الشفاء و لا يحل أكلها على الأحوط إذا لم يكن ذلك هو الأقوى.

نعم يمكن أن يؤخذ منها شي‌ء فيمزج بماء أو بشراب آخر حتى يستهلك فيه، ثم يشرب بقصد الاستشفاء أو التبرك به.

المسألة 103:

المتيقن من المواضع التي تؤخذ منها تربة الشفاء، هو القبر الشريف و ما حوله من المواضع القريبة التي تلحق به عرفا، فإذا أخذت التربة من هذه المواضع جرت عليها الأحكام المتقدمة بلا ريب و صح الأكل منها و الاستشفاء بها.

و قد ورد في بعض الروايات عنهم (ع): يؤخذ طين قبر الحسين (ع) من عند القبر على سبعين ذراعا، و في رواية أخرى: على سبعين باعا، و في بعض الأحاديث عنهم (ع): طين قبر الحسين (ع) فيه شفاء و ان أخذ على رأس ميل، و في بعضها على عشرة أميال، و روى السيد ابن طاوس عنهم (ع) أنه فرسخ في فرسخ، و روي أكثر من ذلك.

و الروايات المذكورة منزلة على مراتب الفضل، فكلما قرب من القبر الشريف كان أفضل، و ما بعد عنه فهو أقل فضلا، و لا يترك الاحتياط في ما خرج عن القبر الشريف و المواضع التي تلحق به عرفا، فإذا أخذت التربة من المواضع التي تخرج عن ذلك، فالأحوط لزوما مزج المقدار الذي يراد الاستشفاء به بالماء أو بشراب آخر حتى يستهلك فيه، ثم يشرب بقصد الشفاء، فيحصل المراد بذلك ان شاء اللّه و العمدة في الباب هو اليقين بلطف اللّه و فضله و التعلق الكامل بعظيم رحمته و الإخلاص في التوجه اليه بصاحب التربة و كبير منزلته أن يجعلها شفاء من كل داء و أمنا من كل خوف.

المسألة 104:

إذا أخذ الإنسان التربة الشريفة من مواضعها المذكورة، بقصد الاستشفاء بها لنفسه و لغيره من المؤمنين صح أخذه لها و ثبت أنها تربة‌

365

شفاء و ثبتت لها أحكامها الآنف ذكرها، سواء عمل الأعمال و الآداب التي وردت في الأخبار عند أخذها أم لم يعمل ذلك، فيجوز أكلها و الاستشفاء بها، و كذلك إذا علم أن الطين المعين قد أخذه صاحبه من المواضع الخاصة بقصد الاستشفاء به، فيثبت بذلك و تترتب عليه أحكامه، و كذلك إذا شهدت به البينة العادلة أو أخبر به صاحب اليد المالك للتربة، فيصدق خبره و تثبت به الأحكام.

و إذا أخبر بذلك عدل واحد، فان حصل للإنسان الاطمئنان بصدق قوله صح له ان يرتب الآثار عليه، و يأكل من التربة، و ان لم يحصل له الاطمئنان لم يجز له الأكل، و إذا أخذ منها قليلا و مزجه بماء أو بشراب حتى استهلك الطين جاز له شربه و الاستشفاء به رجاء، و الأحوط استحبابا أن يفعل كذلك في غير موارد حصول العلم و شهادة البينة.

الفصل الثالث في ما يحل شربه من المائعات و ما يحرم

المسألة 105:

يحرم شرب الخمر بجميع أقسامها و أنواعها التي تتخذ منها، و الحكم بتحريم الخمر ضروري من ضروريات الدين، فمن استحل شربها، و هو ملتفت الى كون تحريمه من الضروريات كان كافرا، لأنه مكذب لرسالة الرسول (ص).

و عن الرسول (ص) ان الخمر رأس كل اثم.

و عن أبي عبد اللّه (ع): الشراب مفتاح كل شر، و مدمن الخمر كعابد الوثن، و ان الخمر رأس كل اثم، و شاربها مكذب بكتاب اللّه، لو صدق كتاب اللّه حرم حرامه.

و عن الإمام أبي جعفر (ع): انها أكبر الكبائر.

و عن الإمام أبي عبد اللّه (ع): انها أم الخبائث، و رأس كل شر، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه فلا يعرف ربه، و لا يترك معصية‌

366

الا ركبها و لا حرمة إلا انتهكها و لا رحما ماسة إلا قطعها، و لا فاحشة إلا أتاها، و السكران زمامه بيد الشيطان، ان أمره أن يسجد للأوثان سجد، و ينقاد حيثما قاده.

المسألة 106:

يحرم شرب كل مسكر، سواء أسكر قليله أم كثيره، و ما أسكر الكثير منه حرم شرب الكثير منه و القليل، حتى الجرعة الواحدة منه، بل حتى القطرة الواحدة، و قد تقدم في كتاب الطهارة ان المسكر المائع بالأصالة أحد أعيان النجاسة، فإذا وقعت القطرة الواحدة منه في إناء أو حب أو حوض، تنجس ما فيه من الماء إذا كان أقل من الكر و لم يجز شربه لنجاسته.

و يحرم شرب الفقاع و هو شراب خاص يتخذ من الشعير، و قد ذكرناه و ذكرنا نجاسته في المسألة المائة و الثالثة و العشرين من كتاب الطهارة، و في بعض الأحاديث عنهم (ع): هي خمرة استصغرها الناس.

المسألة 107:

يحرم كل مسكر من غير فرق بين أن يكون مائعا بالأصالة أو جامدا، و سواء كان جامدا بالأصالة فأذيب و عمل شرابا أم كان مائعا فجفف و جعل حبوبا أو دقيقا أو غيرهما، و المسكر المائع بالأصالة نجس و محرم و ان جفف صناعيا، و المسكر الجامد بالأصالة محرم و لكنه طاهر و ان اذيب صناعيا.

المسألة 108:

إذا أدخلت الصناعة بعض المسكرات المائعة بالأصالة في تركيب بعض الأشربة أو استعملته وسيلة في اذابة بعض الجامدات من أجزائه كان الشراب المعمول محرما و نجسا، سواء ظهرت فيه صفة الإسكار بالفعل أم لم تظهر. و إذا أدخلت فيه بعض المسكرات الجامدة بالأصالة كان الشراب المعمول طاهرا، فان ظهرت فيه صفة الإسكار بالفعل كان شربه محرما، و ان لم يكن مسكرا بالفعل حل شربه.

المسألة 109:

يثبت الفرض الذي تقدم ذكره بالعلم به، و بشهادة البينة العادلة بحصوله،

367

و بقول الموثوقين من أهل الخبرة بأن ذلك الشراب أو العصير يحتوي تركيبه على الكحول المسكر، فيثبت بذلك تحريم شربه على الوجه الذي بيناه. و لا عبرة بمجرد قول البعض إذا لم يكن عن خبرة أو شهادة تعتمد على الحس و التجربة، و لا يثبت التحريم بذلك.

المسألة 110:

إذا كان الكحول مسكرا بالفعل، فهو نجس، و هو محرم: لإسكاره و لنجاسته، و كذلك الحكم فيه إذا كان مأخوذا من المسكر بالفعل، و كان أخذه منه بغير التصعيد، فيكون نجسا و محرما و ان لم يكن هو مسكرا بالفعل.

و إذا أخذ من المسكر بالفعل بنحو التصعيد و لم يكن المأخوذ مسكرا بالفعل فهو محكوم بالطهارة، و يحرم شربه إذا كان مضرا أو قاتلا كما هو المعروف.

و نتيجة لما ذكرناه، فما علم بعدم اسكاره بالفعل من أفراد الكحول و لم يكن مأخوذا من كحول غيره، فهو محكوم بالطهارة، و كذلك ما علم بأنه غير مسكر بالفعل، و قد أخذ من كحول غير مسكر، فهو محكوم بالطهارة، و كذلك ما شك في أنه منهما أو من غيرهما، و ما علم بأنه مأخوذ من المسكر بالفعل و كان أخذه منه بنحو التصعيد، فيكون طاهرا إذا لم يكن مسكرا بالفعل، فهو طاهر في جميع هذه الفروض، و يحرم شربه إذا كان مضرا أو قاتلا، و هذا هو المعروف عنه بين الناس.

المسألة 111:

إذا انقلبت الخمر خلا فذهب إسكارها و لم يبق منه أثر، و تغير طعمها الى طعم الخل، وعدها الموثوقون من أهل الخبرة خلا بعد أن كانت خمرا، طهرت بعد النجاسة، و حل أكلها و شربها بعد الحرمة، سواء كان انقلابها الى الخل بسبب تغير في صفات نفس المادة أم كان بسبب تغير بعض الحالات المحيطة بها، أم كان الانقلاب بسبب مؤثرات أخرى أدخلها الإنسان في المادة.

المسألة 112:

إذا أضاف الإنسان إلى الخمر خليطا آخر لتنقلب بسببه خلا، كما‌

368

إذا مزجها بمقدار من الخل أو بمؤثر آخر، فان كان الخليط الذي مزجه مع الخمر مستهلكا فيها بحيث عد الجميع خمرا و ليس للخليط وجود مستقل فيها، ثم انقلب الجميع بعد ذلك خلا، طهر الجميع بسبب الانقلاب من النجاسة و حل شربه بعد التحريم. و إذا كان للخليط الذي أضافه الى الخمر وجود مستقل و لم يستهلك فيها، ثم انقلب الجميع بعد ذلك خلا، أشكل الحكم بطهارته و اباحته، و الأحوط الاجتناب عنه و ان كان الأقوى طهارته بذلك و إباحته.

المسألة 113:

انقلاب الخمر بنفسها خلا من غير علاج و مزاولة عمل من الأمور المعروفة و المتعارفة في صناعة الخمر القديمة، فتترتب عليه أحكامه التي ذكرناها، و اما في المصنوعات الحديثة المعمولة في المصانع الحديثة و المبنية على قواعد الكيمياء الجديدة، فقد يكون من العسر أو من الممتنع تحقق هذا الفرض فيها.

و من الممكن أن يتحقق الفرض الثاني فيها، فتنقلب الخمر خلا بالمعالجة و بإضافة بعض العناصر المؤثرة إليها، فإذا كان الخليط الذي يضم إليها مستهلكا فيها و ليس له وجود مستقل قبل الانقلاب، حكم على الجميع بالطهارة و الإباحة إذا انقلب خلا، و إذا كان الخليط غير مستهلك ثم انقلب الجميع خلا فالأحوط الاجتناب عنه و ان كان الأقوى الطهارة و الإباحة كما قلنا في المسألة السابقة.

المسألة 114:

إذا وقعت في الخمر نجاسة أخرى و ان كانت قليلة مستهلكة كقطرات من البول أو الدم، بل و ان لم تكن للنجاسة عين و مثال ذلك أن يباشر الخمر كافر بيده أو يلاقيها بعض أجزاء الميتة أو يشرب منها كلب أو خنزير، ثم انقلبت الخمر خلا، لم تطهر الخمر بذلك على الأحوط، بل و ان لقيت شيئا متنجسا، كما إذا وضعت في إناء قد تنجس بنجاسة أخرى فلا تطهر بعد ذلك بانقلابها خلا.

المسألة 115:

إذا اعتصر الإنسان العنب و غلى عصيره بالنار حرم شربه و لا يكون‌

369

بذلك نجسا، فإذا ذهب ثلثاه بالغليان بالنار، حل شربه بعد ذلك، سواء استمر بالغليان الأول حتى ذهب الثلثان أم تعدد غليانه مرة بعد مرة حتى ذهب ثلثاه، فيحل شربه و ان غلى بعد ذلك أو ذهب أكثر من ثلثيه.

المسألة 116:

إذا نش العصير العنبي بنفسه أو بسبب آخر غير النار، أو غلى كذلك، فالأحوط لزوما الحكم بنجاسته، و لا يطهر من النجاسة إلا بانقلابه خلا، على الوجه الذي تقدم ذكره في انقلاب الخمر خلا و إذا طهر بذلك حل شربه و ان لم يذهب ثلثاه.

المسألة 117:

إذا غلى العصير العنبي بالنار و لم يذهب ثلثاه، ثم نش بعد ذلك أو غلى بغير النار حكم بنجاسته على الأحوط، و لم يطهر من النجاسة و لم يحل شربه بذهاب ثلثيه، فإذا انقلب خلا طهر و حل شربه و ان لم يذهب ثلثاه، و الأحوط استحبابا اجتناب شربه حتى يذهب ثلثاه بالغليان بالنار.

المسألة 118:

إذا غلى عصير الزبيب بالنار لم ينجس بذلك و لم يحرم على الأقوى، و ان لم يذهب ثلثاه، و إذا نش أو غلى بغير النار، فالأحوط لزوما الحكم بنجاسته، و لم يطهر الا بانقلابه خلا، فإذا انقلب خلا، طهر من النجاسة و حل شربه و ان لم يذهب ثلثاه.

المسألة 119:

لا يحرم و لا ينجس عصير التمر و ان غلى، سواء كان غليانه بنفسه أم بالشمس أم بالنار أم بسبب آخر فيجوز أكله و ان لم يذهب ثلثاه.

المسألة 120:

لا يحرم و لا ينجس ما في جوف حبة العنب من الماء إذا غلى بالنار أو بغيرها، و كذلك ما في حبه الزبيب و الكشمش إذا اتفق ذلك فيها، على أن حصول العلم بغليان ما في جوف الحبة متعذر غالبا و خصوصا في الزبيب.

370

المسألة 121:

الزبيب هو العنب بعد أن يجف ماؤه، و من المعلوم أنه إذا اعتصر بعد جفافه لم تخرج منه عصارة كما هو المعروف من معنى العصير، فالمراد من العصير الزبيبي أن ينقع الزبيب في الماء حتى يكتسب الماء حلاوة الزبيب، ثم يعتصر الزبيب و الماء، و تؤخذ العصارة، أو يدق الزبيب وحده أو يمرس باليد أو الآلة، ثم يغمر بالماء و تستخرج العصارة من الجميع، و على أي حال فحكمه هو ما ذكرناه في المسألة المائة و الثامنة عشرة.

المسألة 122:

إذا جعل الزبيب أو الكشمش في المرق ثم طبخ الجميع لم ينجس الزبيب و الكشمش و لا المرق و لم يحرم أكلهما كما ذكرنا في المسألة المائة و العشرين، و ان انتفخ الحب بسبب البخار، و كذلك إذا وضع في المأكولات الأخرى كالمحشى و الكبة و غيرهما فلا حرمة و لا نجاسة على الأقوى.

المسألة 123:

إذا غلى العصير العنبي بالنار حرم أكله و شربه كما ذكرنا في المسألة المائة و الخامسة عشرة و لا يكون حلالا الا بذهاب ثلثيه بالغليان بالنار، و لا يكفي أن يذهب ثلثاه بغير غليان، و لا يكفي أن يذهب ثلثاه بالغليان بغير النار.

و لا يكفي- على الأحوط- أن يذهب بعض الثلثين بنفس غليانه بالنار، ثم يذهب بقية الثلثين بالحرارة الباقية فيه بعد سكون الغليان و رفعه عن النار.

المسألة 124:

إذا أضيف إلى العصير مقدار من الماء ثم غلي بالنار فلا يحل أكله أو شربه حتى يذهب ثلثا العصير نفسه، و لا يكفي أن يذهب ثلثا المجموع من العصير و الماء، فإذا كان العصير عشرة أرطال و أضيف إليه عشرون رطلا من الماء لم يكف في حله أن يذهب منه بالغليان عشرون‌

371

رطلا و تبقى عشرة أرطال، بل لا يحل حتى يكون الباقي منه ثلث العشرة، و هي مقدار نفس العصير.

المسألة 125:

إذا غلى العصير بالنار فأصبح دبسا غليظا قبل أن يذهب ثلثاه، لم يحل أكله بذلك حتى يذهب بقية ثلثيه بالغليان، فإذا أضيف إليه مقدار من الماء ليغلي معه فلا بد و أن يغلي حتى يبقى ثلث العصير وحده، و لا يكفي أن يذهب ثلثا المجموع منه و من الماء كما قلنا.

المسألة 126:

إذا طبخ العصير العنبي بالنار و لم يذهب ثلثاه بالغليان، ثم أضاف إليه مقدارا آخر من العصير غير المغلي، لم يحل أكله و لا شربه حتى يغلي الجميع بالنار الى أن يذهب الثلثان من مجموع ما بقي من العصير الأول و ما أضافه اليه من العصير الثاني، و لا يحتسب المقدار الذي ذهب بالغليان قبل اضافة الثاني.

فإذا كان العصير الأول عشرة أرطال، و ذهب بالغليان منه رطل واحد، ثم أضاف إليه تسعة أرطال أخرى، فقد أصبح المجموع ثمانية عشر رطلا، و لا يحل أكله و شربه حتى يطبخ بالنار و يذهب منه اثنا عشر رطلا، و يبقى منه ستة أرطال، و لا يحسب الرطل الواحد الذي ذهب بالغليان الأول.

و أحوط من ذلك أن يغلي كل واحد من العصيرين مستقلا عن الآخر، فيغلي الأول حتى يتم ذهاب ثلثيه و لا يضيف اليه العصير الآخر، و يغلي الثاني منفردا عن الأول حتى يذهب ثلثاه، ثم يجمع بينهما إذا شاء.

المسألة 127:

إذا غلى عصير العنب بنفسه أو بوسيلة أخرى غير النار كالشمس أو حرارة الهواء و شبههما أو نش كذلك فقد تقدم أن الأحوط لزوما الحكم بنجاسته و حرمته، و لا يحكم بطهارته و اباحته حتى ينقلب خلا و هذا هو حكمه في هذا الحال سواء أضيف إليه ماء أو عصير آخر مطبوخ أو غير مطبوخ أم لم يضف إليه شي‌ء فإذا انقلب الجميع خلا طهر الجميع‌

372

و حل شربه، و يطهر معه ما يكون فيه بحسب العادة من حبات عنب أو طين قليل أو ثفل أو رواسب يتعارف وجودها فيه و لا ينفك عنها غالبا.

و هذا هو الحكم أيضا في عصير الزبيب إذا نش أو غلى بغير النار و قد ذكرناه في المسألة المائة و الثامنة عشرة.

المسألة 128:

الظاهر انه لا فرق في الحكم بين النار التي تتولد من طاقة الكهرباء و سواها، فإذا طبخ العصير على آلة كهربائية تولد النار كان له الحكم الذي ذكرناه للمغلي على النار فلا يحل أكله و شربه حتى يذهب ثلثاه بالغليان بالنار و لا يجري فيه حكم المغلي بغير النار، و كذلك في عصير الزبيب.

المسألة 129:

إذا جعلت في عصير العنب بعض قطع الفاكهة كالسفرجل و التفاح و شبه ذلك ثم طبخ العصير و ما معه بالنار حرم شربه و أكل ما فيه، فإذا غلى الجميع حتى ذهب ثلثا العصير بالغليان حل شربه و أكله و أكل ما فيه، و المراد ان يذهب الثلثان من العصير حتى ما في جوف قطع الفاكهة منه.

و إذا نش العصير أو غلى بغير النار حكم عليه و على ما فيه بالنجاسة و الحرمة على الأحوط، و إذا انقلب العصير خلا لم يطهر ما فيه من قطع الفاكهة، فلا يطهر العصير نفسه أيضا لملاقاته المتنجس.

و إذا أخرجت القطع المتنجسة جميعا عن العصير قبل انقلابه ثم انقلب العصير وحده بعد ذلك خلا حكم عليه بالطهارة و الإباحة.

المسألة 130:

إذا غلى عصير العنب بالنار حرم شربه و أكله حتى يذهب ثلثاه بالغليان كما ذكرناه أكثر من مرة، و يثبت ذهاب الثلثين منه بالعلم بذلك، و بشهادة البينة العادلة به، فإذا علم الرجل بأن العصير قد ذهب منه ثلثاه بالغليان أو شهدت به البينة جاز له شربه و أكله و إطعامه للآخرين و ترتيب الآثار الأخرى على حله.

373

و كذلك إذا أخبره صاحب اليد على العصير بذلك، و كان المخبر مسلما و لا يستحل العصير المطبوخ قبل ذهاب ثلثيه، فيقبل قوله و يصح له ان يرتب الآثار على صدقه.

و يشكل الاكتفاء بمجرد كونه صاحب يد إذا هو لم يخبر بذهاب الثلثين، فلا يصح له أخذ العصير منه و ترتيب آثار الحل عليه على الأحوط، و ان كان مسلما و ممن يعتقد بحرمة العصير المطبوخ قبل ذهاب ثلثيه.

و يشكل الاعتماد على قوله إذا أخبر بحلية العصير المطبوخ أو بذهاب ثلثيه إذا كان ممن يختلف معه في الاجتهاد أو التقليد فهو يكتفي في حل العصير بصيرورته دبسا عن ذهاب الثلثين، فالأحوط الاجتناب في هذه الصورة و خصوصا مع التهمة، فلا يعتمد على قوله.

المسألة 131:

إذا علم الرجل بإسكار العصير أو شهدت له البينة بذلك أو ثبت بقول أهل الخبرة حكم بنجاسته و حرمته، و لم يطهر و لم يحل شربه حتى ينقلب خلا، و لا فرق في هذا الحكم بين عصير العنب و الزبيب و التمر و غيرها من أقسام العصير، و لا فرق بين أن يكون ذلك قبل الطبخ أو بعده.

المسألة 132:

يحل شرب عصير العنب إذا لم تحدث فيه حالة النشيش أو الغليان، و لم يك مسكرا و لا ممزوجا بمسكر أو بمحرم آخر، و كذلك في عصير الزبيب، و قد ذكرنا الحكم في عصير التمر في المسألة المائة و التاسعة عشرة.

المسألة 133:

يجوز شرب جميع ما يعتصر من الفواكه الأخرى و المخضرات و النباتات و جميع الأشربة التي تستحضر منها أو من غيرها أو تصعد منها أو من غيرها، إذا لم تكن مسكرة أو ممزوجة بمسكر أو بمحرم آخر أو مأخوذة من مسكر أو محرم بغير التصعيد و لم تكن مضرة، و كذلك الحكم في المياه الغازية المتداولة في هذه الأزمان.

374

المسألة 134:

يحل شرب المياه المعدنية التي تنفجر بها بعض العيون و تعلق بها رائحة بعض المعادن أو بعض طعومها كماء الكبريت و نحوه، و إذا كانت مضرة حرمت للضرر.

المسألة 135:

يجوز أكل ربوب الثمار و الفواكه، و هي ما يخثر من عصيرها مثل رب الرمان و رب التفاح و التوت و غيرها، و يجوز أكل المربيات، و هي ما يطبخ من قطع الفواكه و الثمار مع السكر، مثل مربى السفرجل و مربى الخوخ و التين و غيرها، و لا يمنع من أكلها أن يشم منها رائحة المسكر، ما لم تكن مسكرة بالفعل أو تمزج به أو بمحرم آخر.

المسألة 136:

قد يعلق بالماء من رواسب قاع النهر أو قاع الهور و الآجام، من طين متغير الرائحة أو نبات متعفن، أو تجمع في السمك و بيوضه و صغاره من محلل و محرم، و من بعض الحشرات، فلا يحرم بذلك شرب الماء و ان تغيرت بسبب ذلك رائحته أو لونه، و إذا كان مضرا حرم شربه لضرره.

المسألة 137:

لا يجوز للإنسان أن يأكل أو يشرب من طعام الغير و شرابه إلا بإذنه أو رضاه، من غير فرق بين المسلم و الكافر إذا كان ممن يحترم الإسلام ماله كالذمي و المعاهد.

المسألة 138:

يجوز للإنسان إذا مر في طريقه بنخل مثمر أو بشجر مثمر للغير ان يأكل من الثمر بمقدار شبعه، من غير فارق بين ان يأكل من النخلة أو الشجرة نفسها أو مما تساقط منها، و سواء كان مضطرا إلى الأكل منه أم لا، شريطة ان لا يفسد الثمر أو الأغصان أو الأرض، أو يفسد شيئا من ممتلكات صاحب المال، و لا يجوز له ان يحمل معه شيئا من الثمرة و ان كان قليلا.

و يختص هذا الحكم بثمرة النخيل و الشجر، فلا يجوز ذلك في الخضر و المزروعات الأخرى على الأحوط لزوما، و لا يتعدى الحكم بالجواز الى‌

375

النخيل و الشجر النادر الذي يعتز المالك بثمرته، فلا يحل التناول منه على الأحوط بل على الأقوى. و قد ذكرنا تفصيل ذلك و الأحكام التي تتعلق به في المسألة الأربعمائة و الحادية و الأربعين من كتاب التجارة و ما بعدها فلتراجع.

المسألة 139:

يجوز للإنسان أن يأكل من البيوت الخاصة التي ذكرتها الآية الحادية و الستون من سورة النور من غير حاجة الى الاذن من أهل هذه البيوت و إحراز الرضا منهم، و الآية الكريمة المشار إليها، هي قوله تعالى:

(لَيْسَ عَلَى الْأَعْمىٰ حَرَجٌ، ..، وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ، أَوْ بُيُوتِ آبٰائِكُمْ، أَوْ بُيُوتِ أُمَّهٰاتِكُمْ، أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰانِكُمْ، أَوْ بُيُوتِ أَخَوٰاتِكُمْ، أَوْ بُيُوتِ أَعْمٰامِكُمْ، أَوْ بُيُوتِ عَمّٰاتِكُمْ، أَوْ بُيُوتِ أَخْوٰالِكُمْ، أَوْ بُيُوتِ خٰالٰاتِكُمْ، أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ، أَوْ صَدِيقِكُمْ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً.).

فيجوز للإنسان أن يأكل من هذه البيوت المذكورة و يجوز له أن يشرب منها و لا يتوقف حل أكله و شربه منها على إذن أربابها و إحراز رضاهم، بل يحل له ذلك في حال الاختيار منه و ان لم يك مضطرا، و في حال الشك في رضاهم و عدمه، الا أن يعلم بعدم الرضا منهم أو يظن بذلك، فلا يجوز له الأكل حين ذلك.

و المراد بما ملكتم مفاتحه بيت موكل الإنسان الذي فوض إليه أمر بيته و ادارة شؤون البيت و حفظه، و في عطف هذه البيوت في الآية الكريمة على بيت الإنسان نفسه دلالة عميقة على قوة الصلة و شدة الارتباط بين الإنسان و أرحامه الذين ذكرتهم الآية، و بينه و بين صديقه حين تكون صداقتهما صادقة قائمة على الحب في اللّٰه و الولاية فيه، و هذا هو الذي يريده الإسلام للأصدقاء في المجتمع المسلم، و بينه و بين من ملكه مفاتح بيته و ائتمنه على حفظه و إدارته و هي صداقة و معاملة تقومان على الصدق و الولاية في اللّه. و كذلك في قوله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً، فيصح له أن يأكل من البيت مع صاحب البيت أو منفردا عنه أو مع عدم حضوره بلا حرج و لا جناح‌

376

و في ذلك من الدلالة على عمق الصلة التي ينطبع عليها المجتمع المسلم.

نعم لا يتناول الإذن بالأكل أو الشرب من هذه البيوت: أن يأكل الإنسان ما يعتز به صاحب البيت أو يحتفظ به لبعض الخاصة من الضيوف مثلا و ذوي المنزلة الذين يعتني بتكريمهم، فلا يجوز له أن يأكل منه الا بإذن صاحب البيت و رضاه، و لا يتعدى الاذن الى غير البيوت كالمحلات و الدكاكين و البساتين، فلا يأكل منها الا بإذن صاحبها و لا يجوز له أن يشتري من السوق مثلا بعض الأشياء ليأكلها في البيت و يدفع صاحب البيت ثمنها، أو يؤخذ الثمن من البيت، فلا يحل ذلك بغير اذن، و لا يتجاوز الاذن نفس الإنسان، فلا يجوز له ان يطعم ضيوفه الخاصين به مثلا من تلك البيوت بغير إذن.

المسألة 140:

يجوز للزوجة أن تأكل من بيت زوجها من غير اذنه، و لعلها داخلة في قوله تعالى أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ، فان بيت الزوج هو بيت الزوجة، فيجوز لها أن تأكل منه و تشرب كما تقدم و يجوز لها أن تتصدق منه و في ذلك فروض و تفصيل يتعرض لها في فصل النفقات من كتاب النكاح، و إذا كان للزوج بيتان أو أكثر و كانت الزوجة في أحد بيوته جاز لها الأكل و الشرب منه كما تقدم، و هل لها أن تأكل و تشرب من بيوته الأخرى بغير اذنه؟

فيه تأمل و لا بد من مراعاة الاحتياط.

و يجوز للأب و الأم أن يأكلا من بيت ولدهما على النهج الذي ذكرناه في بقية الأرحام، و الأكل و الشرب من البيوت التي ذكرتها الآية الكريمة انما هو حق شرعي أنساني للشخص في هذه البيوت و ليس من النفقة و لذلك فلم يختص بمن تلزم نفقته و لم يشترط بشروطها، فيجوز للإنسان و ان كان غنيا أن يأكل من هذه البيوت و ان كان صاحب البيت فقيرا، و لعل ذلك يكون أبلغ في أحكام الصلة و توثيقها حين تنقى الضمائر.

المسألة 141:

إذا اضطر الإنسان إلى أكل أي محرم من المحرمات أو الى شربه، جاز‌

377

له تناول ذلك المحرم للضرورة إذا لم يكن الإنسان باغيا و لا عاديا، و لا اثم عليه في تناوله، و سيأتي توضيح جميع مقاطع المسألة.

المسألة 142:

الاضطرار للمحرم ان يتوقف على أكله أو على شربه حفظ نفس الإنسان من التلف و الهلاك المتيقن، أو المظنون أو المحتمل، احتمالا يعتد به الناس العقلاء و يحذرونه و يتفادون عن وقوعه، أو يكون عدم أكل ذلك المحرم أو شربه سببا لحدوث مرض مهلك أو شديد لا يتحمل عادة، و يكون حدوث المرض متيقنا أو مظنونا أو محتملا احتمالا يحذر العقلاء من وقوعه، و يسعون للتخلص و النجاة منه.

أو يكون ترك أكل المحرم أو ترك شربه سببا لطروء ضعف شديد يؤدي الى التلف أو الى مرض لا يتحمل عادة أما قطعا أو ظنا أو احتمالا يخاف منه على نحو ما تقدم، أو يكون الضعف المذكور موجبا للتخلف في السفر عن رفقته فيكون موجبا للعطب المقطوع به أو المخوف وقوعه.

المسألة 143:

من الاضطرار المبيح لتناول المحرم: أن تخاف المرأة الحامل إذا هي لم تأكل الشي‌ء المحرم أو لم تشربه على جنينها من الموت أو السقوط، يقينا أو ظنا أو احتمالا يخشى وقوعه، و من الاضطرار: أن تخاف المرأة المرضعة إذا هي تركت أكل المحرم أو شربه ان ينقطع لبنها فيكون ذلك سببا لهلاك طفلها.

و من الضرورة المبيحة للمحرم: أن يخشى المريض إذا هو ترك أكل المحرم أو شربه ان تطول مدة مرضه الذي لا يتحمل عادة أو يعسر علاجه على النحو المتقدم في نظائره، فيباح للإنسان أن يتناول المحرم في الصور المفروضة في هذه المسألة و في سابقتها.

المسألة 144:

من الضرورة: أن يكره ظالم إنسانا على أكل المحرم أو على شربه و يتوعده إذا هو خالف و لم يفعل أن يوقعه في المحذور في نفسه أو في نفس محترمة أخرى، أو في عرضه أو في عرض محترم، أو في ماله‌

378

أو في مال محترم يكون فوته موجبا للوقوع في الحرج، و من الضرورة:

أن يتقي الرجل من أحد تقية تسبب له نظير ما تقدم ذكره في الإكراه، فيباح له تناول المحرم.

المسألة 145:

إذا توقف حفظ نفس الإنسان أو سلامة حياته عن التلف أو عن القتل على أكل محرم أو على شربه، وجب عليه أكله و شربه و لم يجز له التنزه عنه في هذه الصورة، و لا فرق في هذا الحكم بين الخمر و غيرها من المشروبات المحرمة، و لا بين الطين و غيره من المأكولات المحرمة، فإذا عطش الرجل و خاف الهلاك من العطش و لم يجد غير الخمر، وجب عليه شربه، و إذا جاع حتى خشي الموت من شدة الجوع و لم يجد ما يأكله غير الطين وجب عليه أكله و لم يجز له التنزه عنهما.

المسألة 146:

يشترط في إباحة أكل المحرم للإنسان و شربه عند الاضطرار اليه أن لا يكون باغيا و لا عاديا، و الباغي هو الذي يخرج على الإمام الحق العادل، و من يخرج الى الصيد بطرا و لهوا، و العادي هو قاطع الطريق، و قد يلحق به السارق، فإذا اضطر الرجل الى تناول المحرم و كان باغيا أو عاديا لم يجز له التناول منه و يكون آثما عاصيا في تناوله، و ان أجاز له العقل أن يتناول منه تقديما لأخف المحذورين على أشدهما، و لكن العقاب الشرعي لا يسقط عنه بذلك، على اشكال في الخارج عن طاعة الإمام في ذلك فهو ممن يباح قتله، فلا يجوز حفظ نفسه عقلا.

المسألة 147:

إذا اضطر الإنسان إلى أكل محرم أو الى شربه وجب عليه أن يتناول المقدار الذي ترتفع به الضرورة خاصة و لا يحل له أن يزيد على ذلك، فإذا عطش حتى خشي الهلاك من العطش جاز له أن يشرب من المحرم ما ترتفع به شدة عطشه عنه و ينجيه من الهلاك و لا تباح له الزيادة عليه، و إذا جاع حتى خاف الموت من الجوع حل له أن يأكل من المحرم الذي يجده ما يسد به رمقه و يحفظه من الموت جوعا، و لا يزد على ذلك.

379

و إذا اضطر الى أكثر من ذلك جازت له الزيادة بمقدار ما تحتمه الضرورة، و لا يتجاوز أقل ما تتأدى به الضرورة.

المسألة 148:

لا يجوز للمريض أن يتداوى بالمأكولات أو المشروبات المحرمة أو الممزوجة بالمحرم إذا وجد الدواء المحلل و لم ينحصر علاج مرضه بالمحرم، و إذا انحصر علاجه بشرب المحرم أو أكله و لم يوجد له دواء محلل التناول جاز للمريض تناول المحرم و التداوي به، و المدار في الانحصار و عدم الانحصار هو حكم الأطباء الحذاق الثقات، و قول أهل الخبرة الموثوقين بعد تعيين المرض، و المدار أيضا هو الانحصار و عدم الانحصار في ما يوجد بأيدي الناس من العلاجات و الأدوية، فقد لا يوجد للمرض دواء آخر في بلد و يوجد له في بلد آخر، فإذا لم يمكن جلب الدواء من بلده الى بلد المريض كان دواؤه منحصرا في المحرم.

المسألة 149:

الظاهر انه يجوز للمريض الشديد المرض ان يتداوى عنه بتناول الخمر أو المسكر، إذا علم بأن مرضه و ان كان شديدا أو مهلكا، الا أنه قابل للعلاج، فهو مهلك أو شديد إذا لم يعالج، و قابل للبرء إذا عولج، و علم كذلك بأن علاجه من المرض ينحصر بتناول المسكر و لا دواء له غيره، فإذا علم المريض بذلك من قول حذاق الأطباء أو أهل الخبرة الموثوقين، جاز له التداوي به.

غير أن هذا الفرض بعيد التحقق جدا في هذه الأزمنة، فإن انحصار العلاج بالمسكر وحده بعد تقدم الطب و توفر وسائل العلاج في غاية البعد إذا لم يكن ممتنعا، فيجب التثبت و الفحص و التوقي بما يستطاع، و إذا ثبت انحصار الدواء به جاز تناوله.

المسألة 150:

إذا اضطر الإنسان إلى الأكل أو الشرب من مال غيره لسد رمقه بحيث لم يجد ما يأكل أو يشرب غير ذلك المال، و الصور التي يحتمل فرضها في المسألة ثلاثة.

380

الصورة الأولى: أن يكون صاحب المال حاضرا، و أن يكون مضطرا أيضا الى أكل ذلك المال أو الى شربه، و مثال ذلك أن يكون الرجلان معا في مفازة و لا يجدان فيها ما يأكلان أو يشربان غير ذلك المال الذي يملكه أحدهما.

و الظاهر في هذه الصورة انه يجب على مالك المال أن يختص به لنفسه و لسد ضرورته، و لا يجوز له بذله للمضطر الآخر بعد ان كان و هو مالك المال مضطرا كاضطراره، و لا يكون هذا من موارد الإيثار على نفسه، و لا يحق للمضطر الآخر أن يقهره و يأخذ المال منه، و إذا قهره و أخذ المال منه كان آثما و ضامنا، و ان كان مضطرا.

المسألة 151:

الصورة الثانية: أن يكون صاحب المال حاضرا و غير مضطر إلى أكل المال أو شربه، و الأحوط لزوما في هذا الفرض أن يبذل المالك ماله للمضطر، و لا يتعين عليه أن يكون البذل مجانا من غير عوض بل يصح له أن يشترط عليه دفع العوض.

و إذا امتنع المالك عن بذل المال للمضطر بعوض و بغير عوض جاز له قهره على البذل، و لا يجوز له ان يقهره على البذل بدون عوض.

و إذا بذل المالك للمضطر المال و اشترط عليه دفع العوض و قدره له صح له ذلك، سواء كان العوض الذي قدره أقل من ثمن المثل أم مساويا له أم زائدا عليه، إذا لم تكن الزيادة موجبة للحرج على المضطر، و إذا بذل المالك المال للمضطر و اشترط عليه العوض و لم يقدره بمقدار، أخذ المضطر المال و وجب عليه دفع قيمة المال إذا كان قيميا و دفع مثله إذا كان مثليا.

و إذا اشترط العوض و تعين القدر بأحد الوجوه المتقدمة و طالب المالك المضطر و كان قادرا على دفعه وجب عليه الدفع، و إذا كان غير قادر بقي في الذمة و توقع حصول الميسرة، و إذا كان المال مثليا و كانت له قيمة في حال الاضطرار كالماء في المفازة ثم سقطت قيمته عند وجود المثل كالماء بعد الوصول الى النهر و مجاري العيون، كان الحكم في‌

381

الفرض هو ما بيناه في المسألة الثانية و الأربعين من كتاب الغصب فليرجع الى ما فصلناه فيها.

المسألة 152:

الصورة الثالثة: أن يكون صاحب المال غائبا حال اضطرار المضطر إلى الأكل من ماله، و الحكم في هذه الصورة انه يجوز للمضطر أن يأكل أو يشرب من المال ما يسد به رمقه لا أكثر، و يجب عليه ان يقدر العوض تقديرا صحيحا و يجعله في ذمته بدلا عما تناول من المال، و لا يجوز له أن يجعل العوض أقل من ثمن المثل.

و لا يترك الاحتياط بأن يراجع الحاكم الشرعي في ذلك مع الإمكان، و إذا لم يمكنه ذلك رجع به الى عدول المؤمنين.

المسألة 153:

يحرم الأكل على مائدة يشرب عليها الخمر أو يشرب عليها شي‌ء من المسكرات أو الفقاع، بل الأحوط لزوما عدم الجلوس على المائدة و ان لم يأكل منها شيئا.

المسألة 154:

يحرم الأكل و الجلوس على مائدة يرتكب عليها شي‌ء من معاصي اللّه إذا كان في ترك الأكل و في ترك الجلوس عليها نهي عن المنكر، و يحرم الأكل و الجلوس عليها إذا كان في الجلوس مع أصحابها و في الأكل من مائدتهم تشجيع لهم على ارتكاب المآثم أو تهوين لأمر المنكر عندهم أو إغراء لآخرين بالاقتداء بهم.

الفصل الرابع في خصائص بعض المطعومات و المشروبات

المسألة 155:

ينبغي إكرام الخبز سواء كان من الحنطة أم الشعير، ففي الحديث عن الإمام أبي عبد اللّه (ع) قال قال النبي (ص): أكرموا الخبز، فإنه قد عمل فيه ما بين العرش إلى الأرض و الأرض و ما فيها من كثير من خلقها.

382

و عنه (ص): انه قال: أكرموا الخبز، قيل يا رسول اللّٰه و ما إكرامه؟

قال: إذا وضع لا ينتظر به غيره، الى ان قال: و من كرامته أن لا يوطأ، و لا يقطع، و المراد أن لا يقطع بالسكين، و قد تكرر في الروايات النهي عن ذلك و هي دالة على كراهة ذلك.

و يكره وضع الرغيف تحت القصعة، و تحرم اهانة الخبز و دوسه بالأرجل بقصدها، بل تحرم اهانة غيره مما أنعم اللّٰه به على الناس من المطعومات و الأحاديث به كثيرة و دلالتها عليه واضحة.

المسألة 156:

عن أبي عبد اللّه (ع) انه قال: في التمرة و الكسرة تكون في الأرض مطروحة فيأخذها إنسان و يأكلها لا تستقر في جوفه حتى تجب له الجنة، و عنه (ع): قال رسول اللّه (ص): من وجد تمرة أو كسرة ملقاة فأكلها لم تستقر في جوفه حتى يغفر اللّٰه له، و عنه (ع): قال دخل رسول اللّه (ص) على بعض أزواجه فرأى كسرة كاد أن يطأها، فأخذها و أكلها و قال: يا فلانة أكرمي جوار نعم اللّٰه عليك فإنها لم تنفر عن قوم فكادت تعود إليهم.

المسألة 157:

في الرواية: كان علي بن الحسين (ع) يحب أن يرى الرجل تمريا، لحب رسول اللّه (ص) التمر، و عن أبي عبد اللّه (ع): ما قدم الى رسول (ص) طعام فيه تمر الا بدأ بالتمر.

و عنه (ص): انه قال لعلي (ع): انه ليعجبني الرجل أن يكون تمريا.

و في المرفوعة: من أكل التمر على شهوة رسول اللّه (ص) إياه لم يضره.

و عن علي (ع) قال: خالفوا أصحاب المسكر و كلوا التمر فان فيه شفاء من الأدواء.

المسألة 158:

في بعض الأحاديث عن أبي عبد اللّه (ع) قال: خمسة من فاكهة الجنة في الدنيا: الرمان الملاسي، و التفاح الشيقان، و السفرجل، و العنب الرازقي، و الرطب المشان.

383

و عن أبي جعفر (ع): قال: أربعة نزلت من الجنة، العنب الرازقي، و الرطب المشان، و الرمان الملاسي، و التفاح الشيقان.

و عن أبي عبد اللّه (ع) قال: يا أهل الكوفة لقد فضلتم الناس في المطعم بثلاث: سمككم هذا البناني، و عنبكم هذا الرازقي، و رطبكم هذا المشان.

المسألة 159:

ورد عن الامام جعفر بن محمد (ع) قال: شكا نبي من الأنبياء الى اللّه عز و جل الغم، فأمره عز و جل بأكل العنب. و قال (ع): ان نوحا شكا الى اللّه الغم، فأوحى اللّه اليه: كل العنب فإنه يذهب بالغم.

المسألة 160:

عنه (ع) قال: الزبيب يشد العصب و يذهب بالنصب و يطيب النفس.

و عن الإمام أبي الحسن الرضا (ع) عن آبائه عن النبي (ص) عليكم بالزبيب فإنه يكشف المرة و يذهب بالبلغم و يشد العصب و يذهب بالإعياء، و يحسن الخلق و يطيب النفس و يذهب بالغم.

المسألة 161:

عن أبي عبد اللّه (ع): عليكم بالرمان فإنه لم يأكله جائع إلا أجزأه و لا شبعان الا امرأه.

و عنه (ع): من أكل الرمان طرد عنه شيطان الوسوسة.

و عن النبي (ص): الرمان سيد الفاكهة.

و عن أبي عبد اللّه (ع) قال: كلوا الرمان بشحمه فإنه يدبغ المعدة و يزيد في الذهن.

المسألة 162:

عن أحدهم (ع): كل التفاح فإنه يطفئ الحرارة، و يبرد الجوف، و يذهب بالحمى.

و عن الامام الصادق (ع): لو يعلم الناس ما في التفاح ما داووا مرضاهم الا به. و عنه (ع): أطعموا محموميكم التفاح، فما من شي‌ء أنفع من التفاح.

384

المسألة 163:

عن أبي إبراهيم (ع): ان رسول اللّه (ص) قال لجعفر، يا جعفر، كل السفرجل فإنه يقوي القلب و يشجع الجبان، و في الخصال: أكل السفرجل قوة للقلب الضعيف و يطيب المعدة و يزيد في قوة الفؤاد و يشجع الجبان و يحسن الجلد.

و عن أبي عبد اللّه (ع): السفرجل يذهب بهم الحزين كما تذهب اليد بعرق الجبين.

و عن الرسول (ص): عليكم بالسفرجل فإنه يجلو القلب و يذهب بطخاء الصدر.

و عن أحدهم (ع): عليكم بالسفرجل فكلوه فإنه يزيد في العقل و المروة.

المسألة 164:

عن أبي الحسن الرضا (ع): التين يذهب بالبخر و يشد العظم، و ينبت الشعر و يذهب بالداء و لا يحتاج معه الى دواء، و قال (ع):

التين أشبه شي‌ء بنبات الجنة.

المسألة 165:

عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) قال: كان في ما أوصى به آدم ولده هبة اللّٰه ان قال له: كل الزيتون فإنه من شجرة مباركة.

و عن أبي عبد اللّه (ع): أنه ذكر عنده الزيتون فقال رجل: انه يجلب الرياح، فقال: لا و لكن يطرد الرياح، و عنه (ع): الزيتون يزيد في الماء.

المسألة 166:

عن أبي عبد اللّه (ع): كلوا الكمثرى فإنه يجلو القلب و يسكن أوجاع الجوف باذن اللّه.

و عنه (ع) الكمثرى يدبغ المعدة و يقويها، و هو و السفرجل سواء، و هو على الشبع أنفع منه على الريق.

385

المسألة 167:

عن إبراهيم بن عمر اليماني، قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): انهم يزعمون ان الأترج على الريق أجود ما يكون، فقال أبو عبد اللّه (ع):

ان كان قبل الطعام خيرا، فبعد الطعام خير و خير.

و عنه (ع): كلوا الأترج بعد الطعام، فان آل محمد يفعلون ذلك.

و عن أبي الحسن الرضا (ع): ان رسول اللّه (ص) كان يعجبه النظر إلى الأترج الأخضر و التفاح الأحمر.

المسألة 168:

ورد عن الإمام أبي عبد اللّه (ع): كلوا البطيخ فان فيه عشر خصال مجتمعة، هو شحمة الأرض لاداء فيه و لا غائلة، و هو طعام و شراب، و هو فاكهة، و هو ريحان، و هو أشنان، و هو أدام، و يزيد في الباه، و يغسل المثانة و يدر البول.

و عن أبي الحسن الأول (ع): قال أكل رسول اللّه (ص) البطيخ بالسكر، و أكل البطيخ بالرطب.

و عن أبي عبد اللّه (ع): كان النبي (ص) يعجبه الرطب بالخربز.

(و هو البطيخ، أو هو نوع منه).

و في العيون عن الرضا (ع) قال: أتي النبي (ص) ببطيخ و رطب فأكل منهما و قال: هذان الأطيبان.

المسألة 169:

تولد مع الزمان مئات الأجناس و الأنواع و الأصناف من الفواكه، مختلفة الطعوم و الاشكال و العطور و المنافع، و متشابهاتها، و قد عرفها الإنسان و جربها، و أفاد منها، و دله الطب الحديث و بعض العلوم الأخرى على الكثير الجم من فوائدها و منافعها، و كلها من الحلال الطيب الذي خلقه اللّه للناس من هذه الأرض، و الطيبات من الرزق التي أخرجها لعباده.

و الإنسان في هذه الأبواب و أمثالها لا يبتغي تعريفا بالنعمة، بقدر ما يبتغي تنبيها على حق المنعم، و التفاتا واعيا الى وجوب شكره و أداء‌

386

حقه، فالإنسان لربه جحود كنود، و منه سبحانه الدلالة لمعرفة النعمة و الهداية لعرفان الحق، و العون و التمكين من أداء الواجب.

المسألة 170:

في الحديث عن حنان، قال: كنت مع أبي عبد اللّه (ع) على المائدة، فمال على البقل، و امتنعت انا منه لعلة كانت بي، فالتفت الي فقال:

يا حنان اما علمت ان أمير المؤمنين (ع) لم يؤت بطبق الا و عليه بقل؟، قلت: و لم؟، قال: لأن قلوب المؤمنين خضرة فهي تحن الى شكلها.

و قد ورد عن أبي عبد اللّه (ع): الهندباء سيد البقول.

و عنه (ع) قال: بقلة رسول اللّه (ص) الهندباء، و بقلة أمير المؤمنين (ع) الباذروج (و هي الريحان) و بقلة فاطمة الفرفخ، و عنه (ع) عن الرسول (ص): عليكم بالفرفخ و هي المكيسة فإذا كان شي‌ء يزيد في العقل فهي.

و عنه (ع) قال: ذكر البقول عند رسول اللّه (ص) فقال: سنام البقول و رأسها الكراث و فضله على البقول كفضل الخبز على سائر الأشياء، و هي بقلتي و بقلة الأنبياء قبلي و انا أحبه.

و عنه (ع) عن رسول اللّه (ص): عليكم بالكرفس فإنه طعام الياس و اليسع و يوشع بن نون.

و عنه (ع) قال: عليكم بالخس فإنه يصفي الدم.

و عنه (ع): الفجل أصوله تقطع البلغم و لبه يهضم، و ورقه يحدر البول حدرا.

و عنه (ع): البصل يذهب بالنصب و يشد العصب و يزيد في الخطى و يزيد في الماء و يذهب بالحمى، و في رواية أخرى انه ذكر البصل فقال (ع): يطيب النكهة و يذهب بالبلغم و يزيد في الجماع.

المسألة 171:

عن أبي عبد اللّه (ع) عن آبائه (ع): كان النبي (ص) يحب من الشراب اللبن. و عنه (ع) قال: اللبن طعام المرسلين. و عنه (ع): كان النبي (ص) إذا شرب اللبن قال: اللهم بارك لنا فيه و زدنا منه.

387

و عنه (ع): ان رجلا قال له: اني أجد الضعف في بدني فقال: عليك باللبن فإنه ينبت اللحم و يشد العظم.

و عن الإمام أبي جعفر (ع): لم يكن رسول اللّه (ص) يأكل طعاما و لا يشرب شرابا الا قال: اللهم بارك لنا فيه و أبدلنا به خيرا منه، الا اللبن، فإنه كان يقول: اللهم بارك لنا فيه، و زدنا منه، و الحديث الشريف واضح الدلالة على أن اللبن غذاء كامل كما يقول العلم الحديث، و لذلك فهو (ص) يطلب من اللّه المزيد منه، و لا يطلب غذاءا خيرا منه، و عن أبي عبد اللّه (ع): اللبن الحليب لمن تغير عليه ماء الظهر، و عن أبي الحسن (ع): من تغير له ماء الظهر، فإنه ينفع له اللبن الحليب و العسل.

المسألة 172:

روي عن الرسول (ص): كلوا الزيت و ادهنوا به فإنه من شجرة مباركة، و عن أمير المؤمنين (ع): ادهنوا بالزيت و ائتدموا به فإنه دهنة الأخيار و أدام المصطفين، سبحت بالقدس مرتين، بوركت مقبلة و بوركت مدبرة، لا يضر معها داء، و عن أبي عبد اللّه (ع) قال: الزيت طعام الأتقياء.

المسألة 173:

ورد عن أبي عبد اللّه (ع): كان رسول اللّه (ص) يعجبه العسل، و ورد عنه (ع) ما استشفى الناس بمثل العسل، و عن أمير المؤمنين: لعق العسل شفاء من كل داء، قال اللّه عز و جل يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهٰا شَرٰابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰانُهُ فِيهِ شِفٰاءٌ لِلنّٰاسِ، و هو مع قراءة القرآن و مضغ اللبان يذهب البلغم.

المسألة 174:

الحسو، و هو يتخذ عادة من دقيق بعض الحبوب، من جنس واحد منها أو أكثر، مع الدهن و التوابل، يطبخ بالماء حتى يكون طعاما رقيقا، و قد يحلى بالسكر أو بالعسل و نحوهما، و قد يطبخ باللبن أو يجعل فيه، و يسمى التلبين و التلبينية، ثم يحتسى.

و قد ورد عن النبي (ص): لو أغنى من الموت شي‌ء لأغنت التلبينة،

388

فقيل: يا رسول اللّه (ص) و ما التلبينة؟ قال: الحسو باللبن، الحسو باللبن كررها ثلاثا. و عن أبي عبد اللّه (ع): ان التلبين يجلو القلب الحزين كما تجلو الأصابع العرق من الجبين.

المسألة 175:

قد يستعمل في المصانع الحديثة بعض الكحول في اذابة بعض الجوامد و يتخذ منه شراب معين و يعلم ذلك بقول الخبراء من أهل التحليل أو بقول الأطباء الموثوقين من أهل المعرفة بذلك، و قد يعترف به أصحاب المعامل و الشركات أنفسهم عند ما يريدون ان يذكروا للناس بعض المعلومات عن مصنوعاتهم للدعاية أو لغير ذلك.

فإذا كان النوع المستعمل في اذابة ذلك الشي‌ء الجامد من الكحول المسكر بالفعل، كان الشراب المستحضر منه نجسا و محرما، و إذا كان من الكحول غير المسكر، فالشراب المتخذ منه لا يكون نجسا و لا محرما، فان الكحول غير المسكر انما يكون محرما إذا كان ساما أو مضرا، و من الواضح أن المقدار الذي تستعمله الشركات و المصانع في اذابة الشي‌ء الجامد لتجعله شرابا مرغوبا للناس لا يكون ساما و لا مضرا، و لذلك فلا يكون الشراب المتخذ منه محرما، إلا إذا تولدت فيه صفة الإسكار بالفعل بسبب وجود تلك النسبة من الكحول فيه، فإذا أسكر كان محرما و نجسا.

و كذلك الحكم إذا لم يعلم ان الكحول المستعمل في صناعته من أي النوعين، فلا يكون الشراب نجسا و لا محرما إلا إذا أسكر بالفعل، و إذا لم يثبت استعمال الكحول في صناعته، فالشراب طاهر و محلل ظاهرا حتى يثبت اسكاره بالفعل.

المسألة 176:

يستحب أن تغسل الفاكهة و الثمرة قبل أن تؤكل، ففي الرواية عن أبي عبد اللّه (ع): ان لكل ثمرة سما، فإذا أتيتم بها فأمسوها الماء و أغمسوها في الماء، يعني اغسلوها، و عنه (ع) انه كان يكره تقشير الثمرة.

389

و الروايتان المذكورتان علمان من أعلام الإمامة، و الخلافة الحقة للنبوة، فالإمام الصادق (ع) في الرواية الأولى يعني بالسم في الثمرة ما يعلق بها من جراثيم الهواء و الحشرات المختلفة التي تقع على الثمرة قبل ان تقطف، و لذلك فيستحب غسلها و تنقيتها من هذه السموم، و هذه حقيقة كشف عنها العلم الحديث بعد عدة قرون من حياته (ع) و لم تكن معلومة قبل ذلك.

و هو (ع): في الرواية الثانية يكره تقشير الثمرة كالتفاح و التين و الخوخ و السفرجل، لأن القشر هو الموضع الذي تتركز و تكثر فيه العناصر النافعة في الثمرة، و التي تستفيدها من أشعة الشمس و غيرها من مصادر الفيتامين و غيره من عناصر الغذاء، و هذه حقيقة ثانية دل عليها العلم بعد أن تقدمت كشوفه و نظرياته و لم تكن معروفة كذلك.

الفصل الخامس في آداب الأكل و آداب المائدة

المسألة 177:

يستحب غسل اليدين معا قبل الابتداء بالأكل، سواء كان الأكل بواحدة منهما كما هو الغالب أم كان باليدين معا، كما في بعض المآكل التي يحتاج فيه الى مباشرتهما معا، بل و ان كان الأكل بغير اليد كالملعقة و الشوكة، و سواء كان الطعام جامدا أم مائعا، كالحسو و الأمراق و شبهها.

و إذا كان الآكلون جماعة على مائدة واحدة، استحب أن يبدأ بصاحب الطعام فيغسل يديه أولا، ثم يغسل من بعده من يكون على يمينه ثم من يليه مرتبا حتى يختتم الدور بمن يكون على يسار صاحب الطعام.

و إذا لم يكن الطعام من واحد معين كما إذا كانوا مشتركين في الطعام بينهم، أو لم يكن صاحب الطعام حاضرا أو كان صائما مثلا بدئ بالغسل بمن يكون على يمين الباب، و الأمر سهل بعد أن كان ذلك من الآداب المستحبة.

390

و يستحب ان لا يمسح الغاسل يده بالمنديل بعد غسلها قبل الطعام، فعن أبي عبد اللّه (ع): إذا غسلت يدك للطعام فلا تمسح يدك بالمنديل، فلا تزال البركة في الطعام ما دامت النداوة في اليد.

المسألة 178:

تستحب التسمية عند الشروع في الأكل، ففي الحديث عن الصادق (ع) ان الرجل المسلم إذا أراد أن يطعم الطعام فأهوى بيده و قال:

بسم اللّه و الحمد للّه رب العالمين، غفر اللّٰه عز و جل له من قبل أن تصير اللقمة الى فيه، و عن أمير المؤمنين (ع): من ذكر اسم اللّه على الطعام لم يسأل عن نعيم ذلك أبدا.

المسألة 179:

يستحب التحميد للّٰه عند الفراغ من الأكل، و في الحديث عن الإمام أبي الحسن (ع) انه قال و قد أتي بالطعام: الحمد للّه الذي جعل لكل شي‌ء حدا، فقيل له ما حد هذا الطعام؟ فقال (ع) حده إذا وضع ان تسمي عليه و إذا رفع ان تحمد اللّه عليه، و الأحاديث في ذلك كثيرة جدا.

و عن داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث التسمية على الطعام، قال: قلت له: فان نسيت أن أسمي قال (ع): تقول بسم اللّٰه على أوله و آخره، و عنه (ع): إذا حضرت المائدة فسمى رجل منهم أجزأ عنهم أجمعين، بل ورد استحباب التسمية على كل إناء و على كل لون، و عن علي (ع) انه قال: ما أتخمت قط، لأني ما رفعت لقمة إلى فمي إلا سميت.

المسألة 180:

يستحب أن يكون الأكل و الشرب باليمين، فان اليمين هي المجعولة لمهمات الأمور و الأعمال، و عن سماعة ابن مهران عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سألته عن الرجل يأكل بشماله و يشرب بها؟، فقال (ع): لا يأكل بشماله و لا يشرب بشماله، و لا يتناول بها شيئا، و عنه (ع) قال: لا تأكل باليسرى و أنت تستطيع.

المسألة 181:

يستحب أن يكون صاحب الطعام أول من يبدأ بالأكل و آخر من يرفع‌

391

يده عنه، ففي الحديث كان رسول اللّه (ص) إذا أكل مع القوم طعاما، كان أول من يضع يده و آخر من يرفعها، ليأكل القوم.

المسألة 182:

يستحب أن يبدأ الآكل بأكل الملح قبل الطعام و يختم به، ففي الحديث، قال رسول اللّه (ص) لعلي (ع): افتتح طعامك بالملح و اختم به، فان من افتتح طعامه بالملح و ختم به عوفي من اثنين و سبعين نوعا من أنواع البلاء، و عن أمير المؤمنين (ع): ابدؤوا بالملح في أول طعامكم فلو يعلم الناس ما في الملح لاختاروه على الدرياق المجرب.

المسألة 183:

يستحب للإنسان أن يأكل بثلاث أصابع أو بأكثر من ذلك، و لا يأكل بإصبعين فقد روي عن أبي عبد اللّه (ع) أنه كان يجلس جلسة العبد و يضع يده على الأرض، و يأكل بثلاث أصابع و كان رسول اللّه (ص) يأكل هكذا، ليس كما يفعل الجبارون يأكل أحدهم بإصبعيه، و في كتاب مكارم الأخلاق عنه (ص): ان الأكل بإصبعين هو أكل الشيطان.

و في المرفوعة كان أمير المؤمنين (ع) يستاك عرضا و يأكل هرثا، و الهرث أن يأكل بأصابعه جميعا.

المسألة 184:

يستحب للإنسان حين يكون مع غيره على مائدة أن يأكل مما يليه من الطعام و لا يأخذ مما يلي غيره، فعن الرسول (ص): إذا أكل أحدكم فليأكل مما يليه، و في حديث أبي عبد اللّه (ع): و يأكل كل انسان مما يليه و لا يتناول من قدام الآخر شيئا.

المسألة 185:

يستحب للآكل تصغير اللقمة، و إجادة المضغ، ففي وصية النبي (ص) لعلي (ع) قال: يا علي اثنتا عشرة خصلة ينبغي للرجل المسلم أن يتعلمها على المائدة، الى ان قال (ص): و اما السنة فالجلوس على الرجل اليسرى و الأكل بثلاث أصابع و أن يأكل مما يليه، و مص الأصابع، و اما الأدب فتصغير اللقمة و المضغ الشديد، و قلة النظر في وجوه الناس و غسل اليدين، و قريب من ذلك ما روي عن الامام الحسن بن علي السبط (ع).

392

المسألة 186:

تستحب اطالة الجلوس على المائدة و إطالة مدة الأكل، ففي الرواية عن أبي عبد اللّه (ع): ما عذب اللّه عز و جل قوما و هم يأكلون، ان اللّه عز و جل أكرم من أن يرزقهم شيئا ثم يعذبهم عليه حتى يفرغوا منه، و في وصية علي لكميل بن زياد: يا كميل إذا أنت أكلت فطول أكلك يستوف من معك و ترزق منه غيرك، يا كميل إذا استويت على طعامك فاحمد اللّه على ما رزقك، و ارفع بذلك صوتك ليحمده سواك فيعظم بذلك أجرك، يا كميل لا توقر معدتك طعاما، و دع فيها للماء موضعا و للريح مجالا.

المسألة 187:

يستحب لعق الأصابع و مصها و غسل اليدين بعد الفراغ من الأكل، فقد ورد عن النبي (ص) انه كان إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه في فيه و مصها، و ورد ذلك أيضا عن خلفائه المعصومين (ع)، و ورد عن أمير المؤمنين (ع): غسل اليدين قبل الطعام و بعده زيادة في العمر و إماطة للغمر عن الثياب، و يجلو البصر، و عن أبي عبد اللّه (ع):

اغسلوا أيديكم قبل الطعام و بعده فإنه ينفي الفقر و يزيد في العمر.

المسألة 188:

و من الآداب المستحبة مسح اليدين بالمنديل بعد غسلهما من الطعام، و الخلال من الطعام و أن يلتقط الإنسان ما يسقط من الخوان و الطبق و يأكله، فقد ورد: انه شفاء من كل داء باذن اللّه لمن أراد ان يستشفي به، و ورد: انه ينفي الفقر و يكثر الولد.

و إذا كانت المائدة في صحراء أو شبهها استحب أن يترك ما يسقط من الخوان ليأكله الطير و غيره من الحيوان.

المسألة 189:

روي عن الرسول (ص) أنه قال: تخللوا فإنه ينقي الفم و مصلحة للثة، و في حديثه (ص) لجعفر بن أبي طالب: تخلل فان الخلال يجلب الرزق.

و كان (ص) يتخلل بكل ما أصاب ما خلا الخوص و القصب، و نهى (ص) عن التخلل بالرمان و الآس و القصب و عن الصادق (ع): لا تخللوا‌

393

بعود الريحان و لا بقضيب الرمان، و عن علي (ع): التخلل بالطرفاء يورث الفقر.

المسألة 190:

يستحب للإنسان أن يجيد الأكل في منزل أخيه، و ينبسط معه حتى ترتفع الحشمة بينهما، و الروايات الآمرة بذلك كثيرة، منها ما روي عن هشام بن سالم قال: دخلنا مع ابن أبي يعفور على أبي عبد اللّه (ع) و نحن جماعة، فدعا بالغداء فتغدينا و تغدى معنا، و كنت أحدث القوم سنا، فجعلت أحصر (يعني أضيق من الحياء لأكلي معهم) و انا آكل، فقال (ع) لي: كل، اما علمت أنه يعرف مودة الرجل لأخيه بأكله من طعامه.

و منها: ما روي عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: أكلنا مع أبي عبد اللّه (ع) فأتينا بقصعة من أرز، فجعلنا نعذر (اي نقلل الأكل)، فقال (ع): ما صنعتم شيئا، ان أشدكم حبا لنا أحسنكم أكلا عندنا، قال عبد الرحمن فرفعت كفيحة منه (هكذا في بعض النسخ، و لعل فيها تحريفا، و المراد انه رفع جانبا من الأرز ليأكله من باب المطايبة و الانبساط) فقال (ع): الآن، ثم قال: ان رسول اللّه (ص) اهدي له قصعة أرز من ناحية الأنصار، فدعا سلمان و المقداد و أبا ذر رحمهم اللّه فجعلوا يعذرون في الأكل فقال: ما صنعتم شيئا، أشدكم حبا لنا أحسنكم أكلا عندنا، فجعلوا يأكلون أكلا جيدا.

المسألة 191:

روي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الامام الرضا (ع) انه قال: إذا أكلت فاستلق على قفاك وضع رجلك اليمنى على اليسرى، و روي عنه (ع) أنه إذا تغدى فعل كذلك.

المسألة 192:

يكره أكل الطعام الحار فيترك حتى يمكن أكله، فعن أبي عبد اللّه (ع): الطعام الحار غير ذي بركة، و عنه (ع) قال: أتي النبي (ص) بطعام حار، فقال: ان اللّه لم يطعمنا النار، نحوه حتى يبرد، فترك حتى برد. و عنه (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): أقروا الحار حتى‌

394

يبرد فان رسول اللّه (ص) قرب اليه طعام حار فقال أقروه حتى يمكن، ما كان اللّه ليطعمنا نارا، و البركة في البارد.

المسألة 193:

يكره النفخ في الطعام و الشراب، فعن النبي (ص) انه نهى ان ينفخ في طعام أو شراب و أن ينفخ في موضع السجود، و عن أبي عبد اللّه (ع):

انما يكره ذلك إذا كان معه غيره كراهية ان يعافه.

المسألة 194:

يكره أنهاك العظم و هو ان يؤكل جميع ما عليه من لحم حتى لا يبقى عليه شي‌ء، فعن الامام علي بن الحسين (ع): لا تنهكوا العظام فان للجن فيها نصيبا، فان فعلتم ذهب من البيت ما هو خير من ذلك.

و يكره ان يقطع اللحم على المائدة بالسكين، فان الرسول (ص) نهى عن ذلك، و يكره قطع الخبز بالسكين كما تقدم.

المسألة 195:

يكره الأكل على الشبع، فقد ورد أنه يورث البرص، و انه من الأشياء التي تذهب ضياعا.

و يكره التملي من الطعام، و كثرة الأكل، و النواهي عن ذلك كثيرة، و عن الإمام أبي الحسن (ع): ان اللّه يبغض البطن الذي لا يشبع، و يقول (ع) في حديث آخر: لو أن الناس قصدوا في المطعم لاستقامت أبدانهم.

المسألة 196:

يكره أن ترمى الفاكهة قبل أن يستقصى أكلها، ففي الرواية عن ياسر خادم الامام أبي الحسن موسى (ع): قال: أكل الغلمان يوما فاكهة، فلم يستقصوا أكلها و رموا بها، فقال أبو الحسن (ع):

سبحان اللّه ان كنتم استغنيتم فان ناسا لم يستغنوا أطعموه من يحتاج إليه.

المسألة 197:

يستحب أن يكون شرب الإنسان للماء مصا و لا يعبه عبا، فعن أبي‌

395

عبد اللّه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص) مصوا الماء مصا و لا تعبوه عبا، فإنه يوجد منه الكباد، (و الكباد بضم الكاف داء الكبد).

المسألة 198:

يستحب أن يكون شرب الماء بثلاثة أنفاس و يكره أن يكون بنفس واحد، ففي الحديث عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول:

ثلاثة أنفاس أفضل في الشرب من نفس واحد، و كان يكره أن يتشبه بالهيم، و قال: الهيم النيب، و روي مثله عن الحلبي.

المسألة 199:

يستحب للإنسان أن يشرب الماء قائما إذا أراد شربه في النهار، و يكره ذلك في الليل، ففي الرواية عن أبي عبد اللّه (ع): شرب الماء من قيام بالنهار أقوى و أصح للبدن، و في المرفوعة عنه (ع): شرب الماء من قيام بالنهار يمرئ الطعام و شرب الماء بالليل من قيام يورث الماء الأصفر.

المسألة 200:

ينبغي الإقلال من شرب الماء الا عند الحاجة فعن أبي عبد اللّه (ع):

من أقل شرب الماء صح بدنه، و عنه (ع): لا يشرب أحدكم الماء حتى يشتهيه فإذا اشتهاه فليقل منه، و عنه (ع): لا تكثر من شرب الماء فإنه مادة كل داء، و عن أحدهم (ع): لو ان الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم، و قال (ع): شرب الماء على أثر الدسم يهيج الداء.

المسألة 201:

يستحب التسمية في أول الشرب و التحميد في آخره، فعن أمير المؤمنين (ع): من ذكر اسم اللّه على طعام أو شراب في أوله و حمد اللّه في آخره لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام أبدا، و عن أبي عبد اللّه (ع) قال: إذا شرب أحدكم الماء فقال بسم اللّه، ثم قطعه فقال: الحمد للّه، ثم شرب فقال:

بسم اللّه، ثم قطعه فقال: الحمد للّه، ثم شرب فقال: بسم اللّه، ثم قطعه فقال الحمد للّه، سبح ذلك الماء له ما دام في بطنه الى ان يخرج.

المسألة 202:

يستحب للإنسان بعد شربه الماء، أن يذكر الحسين (ع) و يلعن‌

396

قاتله، و الروايات الدالة على استحباب ذلك و التأكيد عليه كثيرة معروفة، و الثواب عليه عظيم كبير.

المسألة 203:

يستحب سقي المؤمنين الماء حيث يوجد الماء و حيث لا يوجد، فعن الرسول (ص): من سقى مؤمنا شربة من الماء من حيث يقدر على الماء أعطاه اللّٰه بكل شربة سبعين ألف حسنة، و ان سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكأنما أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل، و عن علي بن الحسين (ع): من أطعم مؤمنا من جوع أطعمه اللّه من ثمار الجنة، و من سقى مؤمنا من ظمأ سقاه اللّٰه من الرحيق المختوم.

المسألة 204:

من المستحبات التي تكثر الحث و التأكيد عليها إطعام الطعام، ففي الرواية عن معمر بن خلاد قال: رأيت أبا الحسن الرضا (ع) يأكل، فتلا هذه الآية: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ، إلى آخرها ثم قال: علم اللّٰه ان ليس كل أحد يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم سبيلا إلى الجنة بإطعام الطعام، و عن أبي عبد اللّه (ع) قال: من الايمان حسن الخلق، و إطعام الطعام، و عن أبي جعفر (ع) ان اللّه يحب إطعام الطعام و إفشاء السلام، و عن الرسول (ص) قال: خيركم من أطعم الطعام و أفشى السلام و صلى و الناس نيام، و عن أبي عبد اللّه (ع) قال: جمع رسول اللّه (ص) بني عبد المطلب، فقال يا بني عبد المطلب: أطعموا الطعام و أطيبوا الكلام و أفشوا السلام و صلوا الأرحام و تهجدوا و الناس نيام تدخلوا الجنة بسلام، و عن علي بن الحسين (ع): من أطعم مؤمنا أطعمه اللّه من ثمار الجنة، و عن أبي جعفر (ع): لئن أطعم ثلاثة من المسلمين أحب الي من عتق نسمة و نسمة حتى بلغ سبعا، و إطعام مسلم يعدل نسمة.

و عن حسين بن نعيم الصحاف، قال: قال أبو عبد اللّه (ع): أ تحب إخوانك يا حسين؟ قلت: نعم، قال: و تنفع فقراءهم؟ قلت نعم، قال:

أما انه يحق عليك أن تحب من أحب اللّه، أما انك لا تنفع منهم أحدا حتى تحبه، أ تدعوهم الى منزلك؟ قلت: ما آكل الا و معي منهم الرجلان‌

397

و الثلاثة و الأقل و الأكثر، فقال أبو عبد اللّه (ع): أما أن فضلهم عليك أعظم من فضلك عليهم، فقلت: جعلت فداك أطعمهم طعامي و أوطئهم رحلي و يكون فضلهم علي أعظم؟، قال: نعم، انهم إذا دخلوا منزلك دخلوا بمغفرتك و مغفرة عيالك، و إذا خرجوا من منزلك خرجوا بذنوبك و ذنوب عيالك.

المسألة 205:

يستحب للمؤمن أن يجيب دعوة أخيه المؤمن إذا دعاه الى منزله، و أن يأكل عنده، فعن أبي عبد اللّه (ع): ان من حق المسلم على المسلم ان يجيبه إذا دعاه، و عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): أوصي الشاهد من أمتي و الغائب أن يجيب دعوة المسلم و لو على خمسة أميال، فإن ذلك من الدين، و عن أبي الحسن الرضا (ع): السخي يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه، و البخيل لا يأكل من طعام الناس لئلا يأكلوا من طعامه، و عن أبي جعفر (ع) كان رسول اللّه (ص) يجيب الدعوة.

المسألة 206:

يستحب إكرام الضيف، ففي الحديث عن أبي عبد اللّه (ع) قال:

مما علم رسول اللّه (ص) فاطمة (ع) ان قال: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليكرم ضيفه، و عنه (ص): ان من حق الضيف أن يكرم و أن يعد له الخلال، و عنه (ص) انه قال: من أفضل الأعمال عند اللّه إبراد الاكباد الحارة و إشباع الاكباد الجائعة، و الذي نفس محمد بيده لا يؤمن بي عبد يبيت شبعان و أخوه- أو قال: جاره- المسلم جائع، و عنه (ص): إطعام إذا جمع اربع خصال فقد تم، إذا كان من حلال، و كثرت الأيدي عليه، و سمي في أوله، و حمد اللّه في آخره.

المسألة 207:

من آداب الضيافة انه تستحب اعانة الضيف في نزوله عند الإنسان و تكره إعانته على ارتحاله عنه ففي الحديث عن ميسرة عن أبي جعفر (ع) انه قال: من التضعيف ترك المكافاة، و من الجفاء استخدام الضيف،

398

فإذا نزل بكم الضيف فأعينوه، و إذا ارتحل فلا تعينوه فإنه من النذالة، و زودوه و طيبوا زاده فإنه من السخاء.

و روي عن ابن أبي يعفور، قال: رأيت لأبي عبد اللّه (ع) ضيفا، فقام يوما في بعض الحوائج، فنهاه عن ذلك و قام (ع) بنفسه الى تلك الحاجة، و قال: نهى رسول اللّه (ص) ان يستخدم الضيف، و عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): إذا دخل الرجل بلدة فهو ضيف على من بها من اخوانه و أهل دينه حتى يرحل عنهم.

المسألة 208:

يستحب للإنسان أن يجتمع مع أهله و عياله على أكل الطعام إذا لم ينزل به ضيف ففي الحديث عن أبي عبد اللّه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): ما من رجل يجمع عياله و يضع مائدته بين يديه و يسمى و يسمون في أول طعامهم و يحمدون في آخره فترفع المائدة حتى يغفر لهم، و في مكارم الأخلاق: كان النبي (ص) يأكل كل الأصناف من الطعام، و كان يأكل ما أحل اللّه له مع أهله و خدمه إذا أكلوا، و مع من يدعوه من المسلمين على الأرض و على ما أكلوا عليه و ما أكلوا، الا أن ينزل بهم ضيف فيأكل مع ضيفه.

المسألة 209:

يستحب للإنسان أن يشرب من سؤر أخيه المؤمن، ففي الرواية عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (ع): في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء، و في الخصال عن علي (ع) قال: سؤر المؤمن شفاء، و في مرفوعة محمد بن إسماعيل: من شرب سؤر المؤمن تبركا به خلق اللّه بينهما ملكا يستغفر لهما حتى تقوم الساعة.

المسألة 210:

يكره للشخص أن يشرب من الإناء أو القدح من موضع كسره أو ثلمة إذا كان مكسورا أو مثلوما و من موضع عروته إذا كانت له عروة، ففي رواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): لا تشربوا الماء من ثلمة الإناء و لا من عروته، و عن أبي عبد اللّه (ع) قال قال أبي (ع): و لا تشرب من اذن الكوز، و لا من كسر ان كان‌

399

فيه فإنه مشرب الشياطين، و عن النبي (ص): و لا يشربن أحدكم الماء من عند عروة الإناء فإنه مجتمع الوسخ.

المسألة 211:

يكره لمن يأكل الثوم أو البصل أو الكراث أن يدخل الى المسجد و في فمه رائحتها، ففي الحديث عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال:

سألته عن أكل الثوم، فقال: انما نهى عنه رسول اللّه (ص) لريحه، فقال: من أكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقرب مسجدنا، و اما من أكله و لم يأت المسجد فلا بأس، و عن أبي عبد اللّه (ع): انه سئل عن أكل الثوم و البصل و الكراث، فقال: لا بأس بأكله نيا و في القدور، و لا بأس بأن يتداوى بالثوم، و لكن من أكل ذلك فلا يخرج الى المسجد، و عن الحسن الزيات قال: لما قضيت نسكي مررت بالمدينة فسألت عن أبي جعفر (ع) فقالوا: هو بينبع، فأتيت ينبع فقال لي: يا حسن أتيتني إلى ها هنا؟ قلت: نعم، كرهت أن أخرج و لا أراك، فقال: اني أكلت من هذه البقلة- يعني الثوم- فأردت أن أتنحى عن مسجد رسول اللّه (ص)، و عن أبي عبد اللّه (ع): انه كان يعجبه الكراث و كان إذا أراد أن يأكله خرج من المدينة إلى العريض.

400

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

401

كتاب اليمين و النذر و العهد

402

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

403

كتاب اليمين و النذر و العهد و فيه عدة فصول:

الفصل الأول في الأيمان

المسألة الأولى:

الأيمان جمع يمين، و يطلق عليه الحلف و القسم أيضا، و اليمين مؤنثة سماعا، و الحلف و القسم مذكران، و اليمين تقع على عدة وجوه:

فمنها يمين اللغو، و هي ما يجرى على الألسنة من صورة القسم لمجرد الاعتياد من غير أن يقصد المتكلم بها يمينا، فإذا سأله أحد مثلا: هل جاء ولدك من السفر؟، قال له: اي و اللّه انه قدم ليلة أمس، أو قال:

لا و اللّٰه انه لم يجي‌ء بعد، و إذا سأله: هل رأيت زيدا في هذا اليوم؟

قال: اي و اللّه لقد خرجت صباحا فصادفته، أو قال: لا و اللّٰه اني لم أره.

و لا حكم لهذه اليمين و لا مؤاخذة على مخالفتها و لا كفارة، كما يقول (سبحانه) (لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ) و قد فسرت في أحاديث أهل البيت (ع) بأنها قول لا و اللّه، و بلى و اللّه و لا يعقد على شي‌ء، بل و منها كل يمين يقولها القائل بلسانه بغير قصد و لا نية، فلا تكون شيئا و لا تكون عليها مؤاخذة.

المسألة الثانية:

و منها يمين المناشدة، و هي يمين تقترن بالطلب من الغير يبعثه المناشد بها أن يستجيب لطلبه ليفعل شيئا أو يترك فعله، فيقول له أقسم باللّه عليك، أو أنشدك اللّه أن تعطيني- مثلا- مائة دينار قرضا إلى مدة شهر، أو أن تزوجني ابنتك فلانة، أو أن لا تطالبني بدينك إلى مدة شهرين.

404

و لا ريب في أن هذه اليمين لا تنعقد، لأنها تتعلق بفعل الغير لا بفعل المناشد نفسه، فلا تجب على ذلك الغير الاستجابة لطلبه، و لا كفارة عليه إذا خالف و لم يستجب له، و لا اثم على القائل بإحلافه الغير على اجابة طلبه و إنجاح مقصده و هذا النوع من اليمين كثير الورود و الاستعمال في الأدعية المأثورة و غير المأثورة، فهي توسل و استشفاع الى اللّه سبحانه أن يجيب دعوة الداعي بحرمة الشي‌ء الذي أقسم به عليه، فيقول الداعي: الهي أسألك بكتابك الكريم و بنبيك العظيم ان تستجيب لي دعوتي.

المسألة الثالثة:

و منها اليمين التي يوقعها الحالف لتأكيد خبره عن حدوث شي‌ء ماض، أو أمر حاضر، أو شي‌ء يأتي في ما بعد، أو لتأكيد خبره بعدم حدوثه، فيقول: و اللّٰه ان زيدا قد قدم من سفره بالأمس، أو انه وصل الآن، أو أنه يأتي غدا، أو يقول: و اللّه انه لم يأت، أو أنه لا يأتي.

و أثر هذه اليمين هو اثم الحالف إذا كان كاذبا في خبره، سواء كان اخباره عن أمر ماض أو أمر حاضر أو مستقبل، و لا كفارة عليه في مخالفة يمينه للواقع، بل و لا كفارة عليه في المخالفة و ان كان ما أخبر به مستحيل الوقوع، و لا اثر له سوى الإثم كما في الصور المتقدمة، فيكون في جميع الصور مأثوما من حيث الكذب و مأثوما من حيث اليمين على الكذب.

المسألة الرابعة:

اليمين الكاذبة أو اليمين الفاجرة محرمة شديدة التحريم، و هي- كما ذكرنا- أن يكذب الرجل و يحلف باللّه على الكذب في جميع الصور المتقدم ذكرها، و هي إحدى كبائر المعاصي و سريعة العقوبة و قد ورد في الحديث عن الرسول (ص): إياكم و اليمين الفاجرة فإنها تدع الديار من أهلها بلاقع (يعني خالية مقفرة)، و عن أئمة الهدى (ع): ان اليمين الكاذبة و قطيعة الرحم ليذران الديار بلاقع من أهلها و تثقلان الرحم، و ان ثقل الرحم انقطاع النسل.