كلمة التقوى - ج6

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
588 /
405

و هي اليمين الغموس، و فسرت اليمين الغموس أيضا في أحاديث المعصومين (ع) بأن يحلف الرجل على حق امرئ مسلم على حبس ماله، و قال في بعضها: هي أن يحلف الرجل على مال امرئ مسلم أو على حقه ظلما، و لا منافاة بين التفسيرين، فاليمين الغموس شاملة لكل منهما.

المسألة الخامسة:

لا حرمة و لا اثم على الشخص في أن يحلف باللّٰه لتأكيد خبره إذا كان صادقا فيه سواء كان خبره عن الماضي أو عن الحاضر أو عن الآتي، نعم يكره له ذلك، و قد تكرر النهي في النصوص عن ان يحلف الإنسان باللّه لا صادقا و لا كاذبا، و فسر به قوله تعالى وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ.

المسألة السادسة:

يحرم الاستخفاف باليمين و ان كان الحالف صادقا في ما حلف عليه فالحرمة فيها من حيث الاستخفاف بها لا من حيث الصدق و الكذب في القول، و الاستخفاف هو ان لا يبالي بيمينه في أي موضع أتى بها، فيأثم لأنه استخف بيمينه و يستحق العقوبة على ذلك.

المسألة السابعة:

يحرم على الإنسان أن يقول: اللّه يعلم كذا و يعني أن اللّٰه يعلم صحة ما يقول، إذا كان كاذبا في اخباره، ففي الحديث عن أبي عبد اللّه (ع):

من قال: اللّه يعلم في ما لا يعلم اهتز لذلك عرشه إعظاما له، و عنه (ع):

إذا قال العبد: علم اللّه و كان كاذبا، قال اللّه عز و جل: أما وجدت أحدا تكذب عليه غيري.

المسألة الثامنة:

و منها يمين العقد، و هي أن يحلف الإنسان يمينا ليعقد بها على نفسه التزاما بفعل شي‌ء من الأشياء أو بتركه، فيقول و اللّه لأصومن غدا، أو لأتصدقن بخمسة دنانير، أو يقول: و اللّه لا أدخن التتن مدة شهر أو لا أدخن ما حييت، فإذا اجتمعت الشروط الآتي بيانها في المسائل المقبلة، انعقدت يمينه و وجب عليه الوفاء بها و حرم عليه أن يخالف‌

406

التزامه، و إذا حنث في يمينه فخالفها وجبت عليه كفارة اليمين، و سيأتي ذكرها.

المسألة التاسعة:

يشترط في انعقاد اليمين أن ينشئها بالتلفظ بها، فلا تنعقد بالإشارة مع التمكن من النطق بها، و لا يبعد عدم انعقادها بالكتابة مع القدرة على التكلم أيضا، و لا يشترط في انعقادها أن ينشئها باللغة العربية، فإذا أنشأ الحالف يمينه بلغة أخرى ترادف صيغة اليمين في اللغة العربية صحت يمينه إذا كانت بقية الشرائط مجتمعة و وجب عليه الوفاء بها و لزمته أحكامها، و خصوصا إذا كانت الترجمة في متعلقات اليمين.

المسألة العاشرة:

تكفي الإشارة المفهمة في إنشاء اليمين إذا كان الحالف ممن يتعذر عليه النطق بها كالأخرس و شبهه، و تكفيه الكتابة كذلك إذا كتب صيغة اليمين بقصد إنشاء الحلف بكتابته، فتنعقد يمينه بالإشارة و الكتابة و يجب عليه البر بها و تلزمه الكفارة بمخالفتها.

المسألة 11:

تنعقد اليمين إذا حلف الإنسان بالذات المقدسة، فذكر الاسم العلم المختص به سبحانه، فقال: و اللّه، أو عينه بذكر الأوصاف و الأفعال التي تختص به و لا يشاركه فيها غيره، فقال مثلا: و الذي بيده أزمة الأمور، أو من بيده مقادير الأشياء أو قال: و الذي خلق الموت و الحياة، أو و رب العالمين، أو ذكر بعض أسمائه التي لا تطلق على غيره، فقال:

و الرحمن، أو و الحي الذي لا يموت، أو الأول ليس قبله شي‌ء و أمثال ذلك.

المسألة 12:

تنعقد اليمين على الأقوى بذكر الأوصاف و الأفعال التي تنصرف اليه سبحانه عند إطلاقها و ان كانت في أصلها مشتركة بينه و بين غيره، كالرب، و البارئ و الخالق، و الرازق و الرحيم و القاهر، و المدرك، و المنتقم، بل و تنعقد اليمين بالصفات المشتركة بينه و بين غيره إذا قصد بها الحلف‌

407

باللّه سبحانه، و ان كانت مما لا ينصرف إطلاقها إليه، كالموجود و القادر، و الهادي و السميع و البصير، و الطالب و الغالب، و الحكيم و الحليم، فالمدار في انعقاد اليمين على أن تكون الصفة المحلوف بها من صفاته سبحانه، و أن يقصد الحالف بها القسم باللّه سبحانه.

المسألة 13:

تنعقد اليمين بكل ما يصدق عليه عرفا أنه يقسم باللّه لا بغيره، كما إذا قال الحالف: و حق اللّٰه أو و جلال اللّه، أو و عظمته، أو و كبريائه، و تنعقد كذلك إذا قال: و قدرة اللّه أو و علم اللّه إذا كان المراد أنه يقسم باللّٰه القادر العالم.

المسألة 14:

تنعقد اليمين إذا أنشأ الحالف يمينه بحروف القسم المعروفة، و هي الواو و الباء و التاء فقال: و اللّه، أو قال: باللّه أو تاللّه لأتصدقن بكذا، و تنعقد اليمين أيضا إذا قال: أقسمت باللّه أو حلفت باللّه أو أقسم أو أحلف باللّه، و من الواضح أن الباء في هذه الأمثلة للتعدية أو الاستعانة، لا للقسم، و لا تنعقد اليمين بقول: أقسمت أو حلفت أو أقسم أو أحلف و لا يذكر المحلوف به، و تنعقد اليمين إذا قال: أشهد باللّه و قصد بذلك الحلف به تعالى.

المسألة 15:

لا تنعقد اليمين بغير اللّه سبحانه، كما إذا حلف بالنبي (ص)، أو بالأئمة (ع)، أو بالكعبة، أو بالقرآن، أو بالأنبياء، أو المرسلين، أو بكتب اللّه المنزلة، أو بالملائكة، فلا تجب على الحالف الكفارة إذا حنث في يمينه بأحد المذكورات و أمثالها.

المسألة 16:

يجوز على الأقوى للإنسان أن يحلف بغير اللّٰه من الأمور المعظمة ليؤكد بها قوله إذا كان صادقا، فيحلف بالإسلام أو بالرسول أو بأحد المذكورات في المسألة المتقدمة ليصدق بها قوله، و ان لم تجب عليه الكفارة إذا حنث في يمينه كما ذكرنا، و لا يجوز له أن يحلف بها كاذبا، فيأثم بذلك إذا‌

408

كان المحلوف به من الأمور التي يجب تعظيمها في الإسلام، أو التي تحرم الاستهانة بها، و يكون آثما للكذب و آثما للحلف بها على الكذب.

المسألة 17:

لا تنعقد اليمين بالطلاق أو بالعتق أو بالصدقة بما يملك إذا فعل أمرا معينا، أو إذا هو لم يفعله، فإذا قال: زوجتي طالق أو قال:

زوجاتي طوالق ان فعلت هذا الشي‌ء، أو ان لم أفعله، لم يترتب على حلفه هذا أي أثر، فلا تبين منه زوجته أو زوجاته إذا قال ذلك، أو حنث في يمينه، و لا تلزمه كفارة بالمخالفة، و لا اثم عليه في هذا القول، و مثله ما إذا حلف بتحريم زوجته عليه أو بالمظاهرة منها إذا هو فعل شيئا أو ترك فعله، فلا تنعقد يمينه و لا يكون لها أثر.

و كذلك الحكم إذا قال: عبدي حر أو عبيدي أحرار إن فعلت الشي‌ء أو ان لم أفعله، أو قال: مالي المعين صدقة أو جميع ما أملكه صدقة، أو هدي لبيت اللّه ان فعلت الشي‌ء أو ان لم أفعله، فلا يكون لقوله هذا أي أثر كما ذكرنا في الحلف بالطلاق.

المسألة 18:

يحرم على الشخص أن يحلف بالبراءة من اللّه، أو بالبراءة من رسوله (ص)، أو من دين الإسلام، أو من الأئمة الطاهرين (ع)، فيقول في يمينه: برئت من اللّٰه ان أنا فعلت هذا الشي‌ء أو ان أنا لم أفعله، أو يقول: برئت من محمد (ص) أو من دينه أو من الأئمة المعصومين (ع) ان كان مني ذلك، و يأثم الحالف بذلك، سواء كان صادقا في خبره الذي حلف عليه أم كاذبا، و سواء حنث في يمينه أم لا، ففي الفقيه عن الرسول (ص): من بري‌ء من اللّٰه صادقا كان أو كاذبا فقد بري‌ء من اللّه. و روى المشايخ الثلاثة عنه (ص) انه سمع رجلا يقول: أنا بري‌ء من دين محمد (ص)، فقال له: ويلك إذا برئت من دين محمد فعلى دين من تكون؟ قال: فما كلمه رسول اللّه (ص) حتى مات، و في رواية يونس بن ظبيان: يا يونس لا تحلف بالبراءة منا، فان من حلف بالبراءة منا صادقا كان أو كاذبا، فقد بري‌ء منا.

409

و كذلك الحكم إذا قال في يمينه: هو يهودي أو نصراني ان فعل كذا أو ان لم يفعله، فيأثم في يمينه و ليس له أثر غير ذلك، و لا ينعقد حلفه و ان كان صادقا في ما حلف عليه، و لا تلزمه الكفارة إذا حنث به.

المسألة 19:

إذا حلف الإنسان بالبراءة من اللّه أو من رسوله أو من دينه أو من الأئمة ثم حنث في يمينه، فلا يترك الاحتياط بأن يكفر عن ذلك بإطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من الطعام و يستغفر اللّه سبحانه.

المسألة 20:

إذا قال الرجل في يمينه: و اللّٰه لأصومن غدا أو لأتصدقن بمبلغ كذا ان شاء اللّه، و قصد بذلك تعليق يمينه على مشيئة اللّه سبحانه، لم تنعقد يمينه، فلا يجب عليه الوفاء بها و لا تجب عليه كفارة إذا حنث بها، سواء كان ما حلف عليه فعل واجب أو ترك حرام أو غيرهما من الأفعال و التروك.

و إذا قصد بقوله: (ان شاء اللّه) مجرد التبرك بالكلمة و لم يرد تعليق اليمين على المشيئة صحت يمينه و انعقدت إذا كانت شروط انعقاد اليمين مجتمعة و لزمته الكفارة إذا خالفها.

المسألة 21:

إذا علق الحالف يمينه على مشيئة أحد من الناس، فقال: و اللّه لأصومن غدا أو لأتصدقن بكذا إذا شاء لي أخي زيد ذلك، كان انعقاد يمينه منوطا بمشيئة أخيه، فإذا علم ان أخاه قد شاء له ذلك انعقدت يمينه و لزمه البر بها و وجبت عليه الكفارة إذا خالفها، و إذا قال أخوه: لم أشأ ذلك أو قال: قد شئت ان لا تفعل لم تنعقد يمينه. و كذلك إذا لم يعلم حال أخيه أنه شاء له ذلك أو لم يشأ، فلا تنعقد يمينه.

و مثله في الحكم: ما إذا علق يمينه على وجود شي‌ء آخر غير المشيئة، فقال: و اللّٰه لأفعلن كذا ان رجع ولدي من سفره مثلا، كان انعقاد يمينه منوطا بحصول الأمر الذي علق اليمين عليه، فإذا رجع ولده من سفره‌

410

في المثال انعقدت يمينه و لزمه الوفاء بها، و ان لم يرجع لم تنعقد و لم يجب الوفاء بها.

المسألة 22:

يشترط في انعقاد اليمين: أن يكون الحالف مكلفا، و لذلك فلا بد من أن يكون بالغا فلا تنعقد يمينه إذا كان صغيرا و ان كان مميزا أو كان مراهقا، و لا بد فيه من أن يكون عاقلا، فلا تنعقد يمينه إذا كان مجنونا مطبقا أو كان جنونه أدوارا و قد أوقع الحلف في دور جنونه، و إذا كان جنونه أدوارا و أوقع حلفه في دور إفاقته انعقدت يمينه و لزم الوفاء بها إذا كان وقت الوفاء في دور الإفاقة أيضا، فإذا قال المجنون الأدواري في دور إفاقته: و اللّٰه لأصومن غدا، فان كان في اليوم الذي عينه للصوم مفيقا أيضا، وجب عليه صومه و إذا لم يصمه لزمته كفارة اليمين، و ان اتفق اليوم المعين في دور جنونه سقط عنه وجوب صومه و لم تجب عليه الكفارة.

المسألة 23:

يشترط في انعقاد اليمين: أن يكون الحالف مختارا، فلا تنعقد يمينه إذا أوقع اليمين مكرها عليها أو مجبرا من أحد، و أن يكون قاصدا، فلا تنعقد يمينه إذا أوقعها هازلا غير جاد في حلفه أو أوقعها سكران أو غاضبا غضبا يسلبه القصد.

المسألة 24:

تصح اليمين من الكافر كما تصح من المسلم و تنعقد منه و تترتب عليها آثارها، فإذا كان منكرا في الدعوى و استحلف لإنكاره قبلت يمينه و حكم الحاكم الشرعي بموجبها، و لا فرق بين الدعوى و غيرها في صحة يمينه و انعقادها، و لا فرق كذلك بين أصناف الكفار في الحكم المذكور.

المسألة 25:

لا تنعقد يمين الولد إذا منعه أبوه عن الحلف و كان منع أبيه سابقا على إيقاع يمينه، و لا تنعقد يمين الزوجة إذا منعها زوجها عن الحلف، و كان منعه سابقا على يمينها كذلك، حتى إذا كان المحلوف عليه فعل واجب أو ترك حرام، فلا تنعقد يمينهما مع سبق المنع، حتى في هذه‌

411

الصورة، و لا يسقط عن الولد و لا عن الزوجة فعل الواجب و ترك الحرام بذلك و ان لم تنعقد يمينهما.

و إذا حلف الولد أو حلفت الزوجة مع عدم سبق المنع، انعقدت يمينهما على الأقوى، و جاز للأب أن يحل يمين الولد، و جاز للزوج أن يحل يمين الزوجة، و يرتفع بذلك أثر اليمين، فلا يجب على الولد و لا على الزوجة الوفاء بيمينهما بعد حلها و لا تجب عليهما الكفارة بالمخالفة.

المسألة 26:

يشكل الحكم بإلحاق الأم بالأب في الحكم المتقدم ذكره في المسألة الخامسة و العشرين، نعم إذا كان الشي‌ء مباحا متساوي الطرفين و نهت الأم ولدها عن اليمين على فعله أو على تركه قبل ان يحلف عليه، فالظاهر عدم انعقاد يمين الولد إذا حلف بعد نهي أمه عنه، فإنه يصبح مرجوحا، و كذلك إذا نهته عن الفعل أو الترك بعد ان أقسم عليه، فينحل يمينه أيضا، فإن متعلق يمينه يصبح مرجوحا بعد نهي الأم عنه، و سيأتي بيان هذا في المسألة الثلاثين و ما بعدها.

المسألة 27:

لا تنعقد يمين العبد المملوك إلا بإذن مالكه، و ان لم يمنعه المالك عن الحلف قبل ذلك فلا تصح يمينه إذا حلف بغير اذنه و ان كان المحلوف عليه فعل واجب أو ترك حرام، و يجب على المملوك فعل الواجب و ترك الحرام و ان لم يأذن له مولاه بذلك و لم ينعقد يمينه عليهما.

المسألة 28:

إذا حلف الإنسان على فعل واجب أو على ترك محرم، انعقدت يمينه بلا ريب، و وجب عليه امتثال الواجب من حيث الوفاء باليمين، و وجب عليه امتثاله من حيث انه واجب في أصل الشرع، و إذا تركه استحق العقوبة على تركه من الناحيتين، و لزمته الكفارة لحنثه باليمين، و كذلك الحكم في ترك المحرم.

و إذا حلف على فعل شي‌ء مستحب أو على ترك شي‌ء مكروه في الشريعة، انعقدت يمينه كذلك، و وجب عليه فعل المستحب وفاء باليمين، و إذا‌

412

تركه أثم لمخالفة اليمين و لزمته الكفارة للحنث، و كذلك في ترك المكروه.

المسألة 29:

إذا حلف الإنسان على ترك واجب أو على فعل محرم لم تنعقد يمينه بلا ريب، و كذلك إذا حلف على ترك مستحب أو على فعل أمر مكروه في الشريعة، فلا تنعقد يمينه، فإنه حلف على أمر مرجوح في الإسلام.

المسألة 30:

إذا حلف على فعل أمر مباح فعله في الإسلام، بحيث لا رجحان لفعله على تركه و لا لتركه على فعله في حكم الشريعة، و لكن فعل ذلك الأمر المباح كان راجحا لبعض الغايات و المنافع الدنيوية التي تتطلبها مقاصد الإنسان في هذه الحياة، انعقدت يمينه على فعل ذلك المباح للرجحان الدنيوي المذكور، و كذلك إذا حلف على ترك المباح و كان تركه راجحا لبعض الغايات و المرجحات الدنيوية التي يقصدها العقلاء كما تقدم في نظيره، فتنعقد يمين الحالف على تركه للرجحان المذكور، و لا تنعقد اليمين إذا تعلقت بالطرف المرجوح في كلا الفرضين.

المسألة 31:

إذا حلف الإنسان على فعل شي‌ء مباح في الإسلام لا رجحان في الشريعة لفعله و لا لتركه- كما ذكرناه في المسألة المتقدمة- أو حلف على تركه، و كان فعل ذلك الشي‌ء و تركه متساويين في الغايات و المنافع الدنيوية أيضا فلا رجحان لفعله و لا لتركه، انعقدت يمينه على الأحوط، بل لا يخلو ذلك عن قوة، فيلزمه العمل بها إذا حلف على الفعل أو على الترك و تلزمه الكفارة إذا خالف اليمين.

المسألة 32:

إذا حلف الرجل على فعل شي‌ء مباح في الشريعة و كان راجحا بحسب المنافع و الموازين العقلائية في الدنيا انعقد الحلف كما ذكرنا في المسألة الثلاثين، فإذا تغيرت الوجوه المرجحة لفعل ذلك الشي‌ء فأصبح مرجوحا بعد ذلك، انحلت يمين الحالف فلا يجب عليه الوفاء بها و لا تجب عليه كفارة اليمين إذا خالفها، و إذا تغيرت الوجوه مرة أخرى و عاد الى الرجحان لم تعد اليمين بعد ان انحلت.

413

المسألة 33:

يشترط في انعقاد اليمين: أن يكون الحالف قادرا على الشي‌ء المحلوف عليه، فإذا حلف على فعل الشي‌ء في وقت معين وجب أن يكون مقدورا عليه في ذلك الوقت و لا تنعقد اليمين بغير ذلك و إذا حلف على فعل الشي‌ء من غير تعيين للوقت وجب أن يكون مقدورا عليه في الجملة، و لا تنعقد اليمين إذا كان الشي‌ء غير مقدور عليه مطلقا.

المسألة 34:

إذا حلف الرجل على فعل شي‌ء، و كان الشي‌ء مقدورا عليه حين الحلف، ثم عجز الحالف عنه بعد اليمين انحلت اليمين إذا كان العجز مستمرا الى انقضاء الوقت المحلوف عليه، و إذا كان مستمرا أبدا في ما لم يكن له وقت معين.

المسألة 35:

لا تنعقد اليمين إذا كان الفعل أو الترك المحلوف عليه مما يوجب العسر أو الحرج على الحالف، و إذا كان الشي‌ء ميسورا حين الحلف، ثم لزم منه العسر أو الحرج بعد اليمين انحلت يمين الحالف إذا كان العسر و الحرج مستمرا في جميع الوقت، أو أبدا على حسب ما بيناه في اشتراط القدرة.

المسألة 36:

إذا اجتمعت الشروط التي ذكرناها و التي أشرنا إليها في المسائل المتقدمة لانعقاد اليمين، و حلف الحالف على الفعل أو على الترك، انعقدت يمينه و وجب عليه البر باليمين و لم تجز له مخالفتها، و إذا خالفها وجبت عليه الكفارة الآتي ذكرها.

المسألة 37:

الحنث في اليمين هو مخالفتها عامدا، فلا حنث و لا كفارة إذا خالف اليمين جاهلا بالموضوع أو ناسيا له، كما إذا حلف أن يصوم يوما معينا، و اعتقد مخطئا انه حلف أن يصوم يوما غير معين و بعد مضي الوقت المعين علم أنه حلف على صومه، و كما إذا نسي صوم ذلك اليوم أو نسي يمينه حتى مضى الوقت و تذكر بعد ذلك، فلا كفارة عليه. و لا حنث و لا كفارة إذا خالف يمينه مضطرا أو مكرها على المخالفة.

414

و أما إذا خالف اليمين جاهلا بالحكم أو ناسيا له فيشكل الحكم في الصورتين، و لا بد فيهما من مراعاة الاحتياط.

المسألة 38:

إذا حلف الرجل أن يأتي بفعل معين- كصلاة جعفر مثلا- كان معنى ذلك: ان يوجد طبيعة هذه الصلاة المخصوصة و لو مرة واحدة، فإذا حلف على فعلها في وقت معين، فقال: و اللّه لأصلين صلاة جعفر في يوم الجمعة، وجب عليه أن يأتي بالصلاة المخصوصة في اليوم المعين، فإذا صلاها كذلك مرة واحدة فقد و في بيمينه و لم يجب عليه تكرارها و ان وسع الوقت، و إذا تركها عامدا حتى انقضى يوم الجمعة حنث بيمينه و لزمته الكفارة.

و إذا قال: و اللّٰه لأصلين صلاة جعفر في شهر رجب، وجب عليه أن يأتي بها في الشهر المعين و لو مرة واحدة، فإذا صلاها كذلك فقد وفى بيمينه و لم يجب عليه التكرار، و إذا تركها في جميع الشهر حتى انقضى حنث بيمينه و لزمته الكفارة، و لا يكفيه ان يصليها في غير يوم الجمعة في المثال الأول، و في غير شهر رجب في المثال الثاني.

و إذا قال: و اللّٰه لأصلين صلاة جعفر، و لم يعين لها وقتا مخصوصا، وجب عليه ان يأتي بالصلاة مرة واحدة في أي وقت شاء، و إذا صلاها كذلك فقد وفى بيمينه، و لم يجب عليه التكرار، و لا تجب عليه المبادرة إلى الإتيان بها، بل يجوز له تأخيرها حتى يظن حصول العجز عن الوفاء، أو يظن عروض الموت فتلزمه المبادرة حين ذلك، و لا يحصل الحنث في هذه الصورة حتى يترك الصلاة المحلوف عليها أبدا فلا يأتي بها، فإذا تركها حتى عجز عن الوفاء، أو حتى عرض له أحد الموانع من الامتثال وجبت عليه الكفارة.

المسألة 39:

إذا حلف الرجل أن يترك فعل شي‌ء معين- كأكل الثوم و التدخين-، كان معنى ذلك أن يترك إيجاد طبيعة ذلك الفعل المحلوف على تركه، فإذا قال: و اللّه لا آكل الثوم في يوم الجمعة، وجب عليه ان يترك أكله في جميع ذلك اليوم، فإذا تركه كذلك فقد وفى بيمينه، و إذا تركه في‌

415

عامة اليوم و أكله في بعضه و لو مرة واحدة، فقد حنث بيمينه، و لزمته الكفارة، و كذلك إذا قال: و اللّه لا آكل الثوم في شهر رمضان، وجب عليه ان يدع أكله في جميع الشهر، و لا يحصل البر باليمين الا بذلك، و إذا أكله في أثناء الشهر و لو مرة واحدة حصل الحنث بذلك و لزمته الكفارة.

و إذا قال: و اللّٰه لا آكل الثوم و لم يذكر وقتا معينا، وجب عليه ترك أكله أبدا ما دام حيا، و لا يفي بيمينه الا بذلك، و إذا أكله في عمره و لو مرة واحدة حصل منه الحنث و لزمته الكفارة.

المسألة 40:

إذا حلف الرجل أن يأتي بالفعل المعين على الوجه الذي ذكرناه في المسألة الثامنة و الثلاثين كان وفاؤه باليمين أن يوجد ذلك الفعل و لو مرة واحدة كما ذكرنا، و كان حنثه باليمين ان يترك ذلك الفعل فلا يوجده حتى مرة واحدة، و نتيجة لذلك فلا يكون لليمين الا وفاء واحد، و لا يكون لها الا حنث واحد، و لا تجب إلا كفارة واحدة، سواء كان الفعل المحلوف عليه مقيدا بوقت معين أم كان مطلقا ليس له وقت معلوم، فلا يحنث بترك الفعل في أول الوقت إذا أتى به في آخره أو في وسطه، و لا يحنث بترك الفعل في أول حياته إذا أتى به في آخرها أو في وسطها، و هكذا.

و إذا حلف أن يترك الفعل المعين على الوجه الذي بيناه في المسألة التاسعة و الثلاثين، كان وفاؤه باليمين بأن يترك الفعل في جميع الوقت إذا كان الحلف مؤقتا، و في جميع العمر إذا كان غير مؤقت، فلا يوجده حتى مرة واحدة. و كان حنثه باليمين: أن يوجد الفعل و لو مرة واحدة، و نتيجة لذلك: فلا يكون لليمين الا وفاء واحد، و لا يكون لها الا حنث واحد و لا تجب عليه الا كفارة واحدة في جميع صور المسألة، فإذا أتى بالفعل أول مرة حصل الحنث باليمين و وجبت الكفارة و سقطت اليمين بذلك، فإذا أتى بالفعل بعد ذلك مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر لم يكن حنثا و لم تجب الكفارة مرة أخرى لسقوط اليمين، و ذلك واضح و انما نذكره للتنبيه.

416

المسألة 41:

إذا حلف الإنسان أن يصلي صلاة جعفر في كل يوم جمعة مثلا أو أن يصوم في كل يوم خميس، أو أن يصلي النافلة اليومية في كل يوم من شهر رجب، أو أن يصليها في كل يوم ما دام حيا، كانت يمينه بمنزلة أيمان متعددة بعدد الافعال و الأيام المحلوف عليها، و لكل واحدة من هذه الأيمان وفاء و حنث خاص بها، فيجب على ذلك الإنسان أن يأتي بالفعل المحلوف عليه في كل يوم من الأيام المعينة أو المطلقة و يحرم عليه ترك الفعل فيه، و يكون إتيانه بالفعل في يوم وفاء لليمين في ذلك اليوم، و يكون ترك الفعل في يوم حنثا باليمين في ذلك اليوم.

و نتيجة لذلك فيتعدد الوفاء بعدد ما يأتي بالفعل فيه من الأيام أو المرات، و يتعدد الحنث و المخالفة بعدد ما يترك الفعل فيه من الأيام أو المرات، و تتعدد الكفارة بعدد مرات الحنث و المخالفة.

و إذا حلف أن يترك أكل الثوم في كل يوم جمعة، أو يترك أكله في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، أو يترك التدخين في جميع أيام حياته ما دام موجودا، كانت يمينه بمنزلة ايمان متعددة بعدد الأيام و الأوقات التي حلف على ترك الفعل فيها، و يكون ترك الشي‌ء المحلوف عليه في أي يوم أو وقت، وفاء باليمين المتعلقة بالترك في ذلك اليوم أو الوقت، و يكون الإتيان بالفعل في يوم أو وقت منها حنثا باليمين في ذلك اليوم أو الوقت، و تتعدد الكفارة بعدد ما حنث فيه من المرات.

المسألة 42:

إذا حنث الحالف بيمينه فخالف ما حلف عليه عامدا تخير بين أن يعتق رقبة أو يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم، فان لم يتمكن من الإتيان بواحدة من هذه الخصال الثلاث وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة، و لا فرق في الحكم بين ان يكون الحالف ذكرا أم أنثى أم خنثى، و قد تقدم لزوم الاحتياط بالتكفير مع المخالفة إذا كان جاهلا بالحكم أو ناسيا له، ذكرنا هذا في المسألة السابعة و الثلاثين.

417

المسألة 43:

يجب ان يكون المملوك الذي يعتق رقبته في الكفارة مسلما، فلا يكفيه عتق الكافر، و لا يكفيه عتق الناصب و الغالي و الخارجي، و الأحوط أن يكون مؤمنا بالمعنى الأخص، و سيأتي ان شاء اللّه تعالى بيان بقية الشروط في الكفارة و سائر أحكامها في كتاب الكفارات.

المسألة 44:

لا تجب الكفارة على الحالف قبل أن يتحقق منه الحنث و المخالفة بالفعل و ان كان عازما على ذلك و جازما به، فلا يجزيه دفع الكفارة قبل الحنث، و إذا دفعها كذلك ثم حنث بيمينه وجب عليه أن يعيدها، و إذا اعتقد أنه حنث بيمينه فأتى بالكفارة، ثم تذكر أنه لم يحنث بعد لم تكفه الكفارة التي دفعها فإذا حنث وجب عليه التكفير.

المسألة 45:

إذا شك الحالف بعد انتهاء الوقت المعين: انه أتى بالفعل المحلوف عليه في الوقت أم لم يأت به، بنى على الصحة و لم يجب عليه التكفير، و إذا تذكر أنه لم يأت بالفعل في الوقت حتى خرج، فان كان عامدا وجبت عليه الكفارة، و ان كان ناسيا لم تجب عليه، و إذا طالت به المدة فنسي هل كان عامدا بتركه أم ناسيا لم يجب عليه شي‌ء.

المسألة 46:

إذا كان الحلف غير موقت بوقت معين، ثم شك الحالف في انه أتى بالفعل المحلوف عليه فوفى بيمينه أم لم يف بها، وجب عليه أن يأتي بالفعل و يفي بيمينه، و إذا ترك الفعل و لم يأت به كان حانثا بيمينه، و وجبت عليه الكفارة.

المسألة 47:

يحصل الحنث بالمخالفة عامدا، سواء كانت بفعله أم بفعل غيره إذا كان مختارا في ذلك، فإذا حلف لبعض الجهات المرجحة ان لا يدخل بلدا معينا، ثم ركب سفينة أو سيارة باختياره فحملته الى البلد الذي حلف على عدم دخوله، حصل الحنث بذلك و لزمته الكفارة.

418

المسألة 48:

يجوز للإنسان أن يحلف يمينا يدفع بها مظلمة ظالم عن نفسه أو عن غيره من المؤمنين، سواء كان صادقا في يمينه أم كاذبا، إذا توقف دفع المظلمة على الحلف، و هذا إذا لم تمكنه التورية أو لم يكن ملتفتا إليها أو كان لا يحسنها.

و إذا توقفت نجاة الإنسان من الهلاك و شبهه في نفسه أو في عرضه أو نجاة مؤمن آخر في نفسه أو في عرضه، على ان يحلف يمينا وجب عليه الحلف و ان كان كاذبا مع عدم إمكان التورية كما ذكرنا.

المسألة 49:

إذا كان الشخص ممن يلتفت الى التورية و يحسنها و يمكنه التخلص من المحذور بها، فالأحوط له لزوما أن يوري بلفظه و لا يرتكب الكذب مع الإمكان، إذا لم يكن ذلك هو الأقوى.

و التورية هي: أن يأتي بلفظ له معنى ظاهر يحمل عليه في العرف، و له معنى آخر بعيد لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة، فيقصد المعنى البعيد من غير أن ينصب القرينة المفهمة.

المسألة 50:

إذا حلف الإنسان أن يفعل شيئا أو أن لا يفعله، فمقتضى ظاهر القول أن يتولى الحالف بنفسه فعل الشي‌ء أو ترك فعله، فإذا قال:

و اللّٰه لأصومن أو لأصلين أو لأعطين زيدا عشرة دنانير، وجب عليه أن يتولى الصوم أو الصلاة أو الإعطاء بنفسه، و لا تكفيه الاستنابة أو الإجارة أو التوكيل في الوفاء باليمين، و إذا استناب في الفعل المحلوف عليه أو وكل غيره في الإتيان به و لم يقم به بنفسه كان حانثا بيمينه و لزمته الكفارة و كذلك إذا قال: و اللّه لا أفعل وجب عليه أن يترك الفعل بنفسه و لا يكفيه ترك نائبه أو وكيله أو أجيره، إلا إذا دلت القرائن العامة أو الخاصة على أن المراد ما يعم فعل النائب و الوكيل، كما إذا قال: و اللّه لأبيعن داري أو لأزوجن ولدي فيكفيه بيع الوكيل للدار، و تزويجه للولد، أو قال: و اللّه لا أبيع الدار أو لا أقفها، فيحنث‌

419

إذا أمر وكيله ببيع الدار أو وقفها، إلا إذا قصد في يمينه أن يفعل ذلك أو لا يفعله بنحو المباشرة، فيتبع قصده.

المسألة 51:

لا تنعقد يمين في معصية من معاصي اللّه كبيرة أو صغيرة، كما إذا حلف الرجل على أن يحرم على نفسه شيئا أحله اللّٰه له، أو يحلل لنفسه شيئا حرمه اللّه عليه، أو حلف على أن يقطع رحما أو ذا قرابة، أو أخا مؤمنا، فلا يكلمه أو لا يدخل داره، أو لا يجيب دعوته، أو لا يؤاكله، أو لا يجتمع معه في بيت، و شبه ذلك من معاصي اللّه و محرماته، فلا تنعقد يمين الحالف، و لا حكم لها و لا كفارة على الحنث فيها، بل هي من خطوات الشيطان فيجب تركها و التوبة منها و عدم العودة إليها، و قد تكرر في النصوص و تكثر فيها قول الرسول (ص): لا يمين في قطيعة.

و عن أبي عبد اللّٰه (ع): لا تجوز يمين في تحليل حرام و لا تحريم حلال و لا قطيعة رحم.

و عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجل جعل عليه أيمانا أن يمشي إلى الكعبة أو صدقة أو عتقا أو نذرا أو هديا ان هو كلم أباه أو أمه أو أخاه، أو ذا رحم، أو قطع قرابة، أو مأثم يقيم عليه، أو أمر لا يصلح له فعله، فقال (ع): كتاب اللّٰه قبل اليمين، و لا يمين في معصية.

و عن محمد بن مسلم: أن امرأة من آل المختار حلفت على أختها أو ذات قرابة لها و قالت: ادني يا فلانة فكلي معي، فقالت لا، فحلفت و جعلت عليها المشي إلى بيت اللّه الحرام و عتق ما تملك، و ان لا يظلها و إياها سقف بيت أبدا و لا تأكل معها على خوان أبدا، فقالت الأخرى مثل ذلك، فحمل عمر بن حنظلة الى أبي جعفر (ع) مقالتهما، فقال (ع): أنا قاض في ذا: قل لها: فلتأكل و ليظلها و إياها سقف بيت و لا تمشي و لا تعتق، و لتتق اللّه ربها و لا تعد الى ذلك، فان هذا من خطوات الشيطان.

420

الفصل الثاني في النذر

المسألة 52:

قالوا: النذر هو أن يلتزم الإنسان للّه سبحانه بفعل شي‌ء أو بتركه على وجه يكون التزامه منشأ بالصيغة المعينة، و هي قوله: للّه علي أو ما بمعناها، لا بمجرد النية القلبية.

و الظاهر: أن النذر هو أن يملك اللّه سبحانه على نفسه أن يفعل له ذلك الفعل أو يتركه على الوجه المذكور، و التمليك الذي ذكرناه هو مفاد لام الملك في قول الناذر في صيغة النذر: للّٰه علي أن أصوم أو أن أصلي أو أن أتصدق، أو للّٰه علي أن لا أفعل كذا، فالنذر تمليك اللّه الفعل أو الترك على نفسه، و ليس هو مطلق الالتزام له بذلك و ان اشترطوا فيه أن يكون إنشاؤه بالصيغة.

المسألة 53:

قد استبان مما تقدم أنه لا بد في النذر من الصيغة المعينة الدالة على إنشاء تمليك اللّه للفعل أو الترك المنذور، و الظاهر أن صيغة النذر لا تختص بكلمة للّه علي، فيكفي الناذر أن يأتي بأي صفة أو اسم يدل على الذات المقدسة و يكون مفاد الصيغة إنشاء التمليك له سبحانه، فيقول مثلا: للرحمن الرحيم أو للحي القيوم علي أن أفعل أو أن لا أفعل.

المسألة 54:

لا يكفي في الصيغة أن يقول الناذر: علي أن أصوم غدا مثلا، أو أصلي صلاة جعفر أو صلاة النافلة فلا ينعقد نذره إذا قال ذلك، و ان قصد في قلبه معنى (للّه) أو (للرحمن الرحيم) أو غير ذلك مما يدل على الذات المقدسة.

المسألة 55:

يشكل الحكم بانعقاد النذر إذا أتى بما يرادف كلمة (للّه علي) أو ما بمعناها في لغة أخرى غير العربية، و ان كان الناذر لا يحسن العربية،

421

و يشكل الحكم إذا قال: نذرت للّه ان أصوم كذا، أو قال: للّه علي نذر صوم، فيكون المجعول للّه سبحانه على نفسه هو نذر الصوم لا تمليك الصوم.

المسألة 56:

يشترط في صحة النذر أن يكون الناذر بالغا، فلا ينعقد نذر الصبي و ان كان مميزا أو بلغ عشر سنين، أو كان مراهقا على الأقوى، و يشترط فيه أن يكون عاقلا، فلا ينعقد نذر المجنون إذا كان جنونه مطبقا، أو كان جنونه أدوارا و كان نذره في حال جنونه، و ينعقد نذره إذا نذر في حال إفاقته و كان الوفاء بالفعل المنذور في دور إفاقته أيضا، و إذا كان الفعل المنذور موقتا و اتفق وقته في حال جنون الناذر سقط عنه الوجوب، و قد سبق نظيره في اليمين.

المسألة 57:

يشترط في الناذر أن يكون مختارا، فلا يصح نذره إذا كان مجبرا من أحد أو مكرها على نذره، و يشترط أن يكون قاصدا، فلا ينعقد نذر الهازل و الساهي و لا السكران و لا الغضبان إذا كان غضبه شديدا يرتفع معه القصد.

المسألة 58:

يشترط في صحة النذر أن يكون الناذر غير محجور في متعلق نذره، فلا يصح نذر السفيه إذا نذر مالا أو فعلا يتعلق به سفهه، سواء كان المال المنذور عينا أو في ذمته، و لا ينعقد نذر المفلس إذا تعلق النذر بأمواله المحجورة و التي تعلق بها حق الغرماء.

المسألة 59:

لا يصح نذر العبد المملوك إلا بإذن سيده، سواء تعلق نذره بفعل من أفعاله أم بشي‌ء من أمواله و سواء كان المالك قد منعه من النذر قبل أن ينذر أم لا، و ان كان المنذور فعل واجب أو ترك حرام، فلا ينعقد نذره في جميع ذلك إلا بالاذن، و يجب عليه فعل الواجب و ترك المحرم و ان لم يأذن له مولاه بهما و لم ينعقد نذره فيهما، بل و ان نهاه عنهما.

422

المسألة 60:

يشترط في صحة نذر المرأة إذن زوجها، فلا ينعقد نذرها بغير اذنه، و ان تعلق النذر بمالها أو بفعلها، سواء سبقها الزوج فمنعها من النذر قبل أن تنذر أم لا، و سواء كان النذر الذي تنذره مما يمنع الزوج عن الاستمتاع بها كالصوم و الحج و العمرة و الاعتكاف أم لا.

المسألة 61:

إذا أذن الزوج لزوجته فنذرت، صح نذرها و وجب عليها الوفاء به و لم يجز للزوج الرجوع بالإذن أو حل النذر، و ليس له أن يمنعها عن الوفاء به و ان كان مما يمنعه عن الاستمتاع بزوجته.

المسألة 62:

لا يشترط في صحة نذر الولد اذن أبيه، فإذا نذر بغير اذنه انعقد نذره و لم يجز للأب ان يحل نذره أو يمنعه من الوفاء به.

و إذا نهاه الأب عن إيقاع النذر قبل أن ينذر لم يجز للولد النذر، فإذا نذر بعد النهي لم ينعقد و لم يجب عليه الوفاء به، و إذا نهاه عن النذر بعد أن نذر، ففي صحته اشكال، و كذلك الأم على الأحوط.

المسألة 63:

لا يجوز النذر لغير اللّٰه سبحانه من رسول أو نبي أو ولي أو ملك أو عبد صالح، و لا يجوز للكعبة و المشاهد و المساجد و المعابد و سائر الأمكنة المحترمة في الإسلام، و قد تقدم ان النذر هو تمليك للّه سبحانه ينشئه الإنسان على نفسه بصيغة النذر كما هو المختار في معنى النذر، أو هو التزام له سبحانه يعقده الإنسان على نفسه بالصيغة المعينة كما هو القول المشهور.

و النذر نحو من أنحاء العبادة، و من أجل ذلك فلا بد فيه من القربة كما سنذكره ان شاء اللّه و نوضح المعنى المراد منه، و لذلك كله فلا يجوز النذر لغير اللّه تعالى.

و الأنبياء و الأولياء و الصلحاء و المعابد و المشاهد و المساجد و سائر المخلوقات المكرمة انما هي وجوه من القربات التي يتقرب بتكريمها الى‌

423

اللّه، فيصح للعبد أن ينذر شيئا للّه و يملكه على نفسه، على أن يصرف المنذور في بعض هذه الوجوه المقربة إليه تعالى على وجه الخصوص، فينذر النذر للّه على أن يصرف في شؤون الكعبة المكرمة أو شؤون النبي أو الولي أو المشهد أو المسجد.

و الفارق كبير و واضح جدا بين أن ينذر الإنسان للّه وحده متقربا اليه و يعين في نذره صرف ما نذره للّه في بعض هذه الوجوه المقربة الى اللّه فيصلي الركعات المنذورة للّه أو يصوم الأيام المنذورة له و يجعلها هدية أو يجعل ثوابها للرسول أو للإمام أو للولي الصالح أو الشهيد الكريم، و يصرف المال المنذور لله في بعض شؤونهم أو في شؤون الأمكنة المحترمة في الإسلام، و هذا هو ما يفعله خاصة الشيعة و عامتهم حتى الجهلة منهم بالأحكام، و هذا ما يقصدونه في نذورهم حتى من يغلط منهم في التعبير، و بين أن ينذرها للنبي أو الولي أو المعبد أو المشهد أنفسها، فلا ينعقد النذر و لا يجوز لأنه لغير اللّه، و هذا ما تصرح كتب علماء الشيعة بعدم جوازه.

المسألة 64:

ما ينذره الشخص للّٰه على نفسه قد يجعل وجوبه عليه معلقا على حصول نعمة أو شي‌ء يرغب في حصوله، فيقصد في صيغته أن يكون النذر شكرا للّه على إيتائه تلك النعمة، و مثال ذلك أن يقول: ان رزقني اللّه ولدا ذكرا، أو ان وفقني لحج بيته الحرام في هذا العام: ان أصوم كذا يوما، أو أن أتصدق بكذا دينارا شكرا له على تفضله.

و قد يجعل وجوب الفعل أو الترك المنذور عليه معلقا على نجاته من أمر يخشى حلوله عليه، فيقصد أن يكون النذر شكرا للّه على دفعه تلك البلية عنه أو توسلا اليه بذلك أن يكشف ذلك الضر عنه، و مثال ذلك ان يقول: ان كشف اللّه هذه الكربة أو شفاني من هذا المرض أو أنجاني من هذه البلية فلله علي أن اعتمر في شهر رجب أو أن أزور الحسين في عرفة.

و قد يجد الإنسان نفسه مدفوعا بدافع أو أكثر إلى ارتكاب أمر و هو لا يرغب في حصوله منه، فيجعل على نفسه نذرا ان هو عمل ذلك العمل‌

424

أو ركبه، ليكون ترتب هذا الجزاء زاجرا له عن الوقوع فيه أو زاجرا له عن تركه، فيقول مثلا: ان شربت الدخان أو ان ارتكبت الغيبة، فلله علي ان أتصدق بمائة دينار أو أن أصوم شهرا متتابعا، أو يقول:

ان تركت صلاة الجماعة أو ان تركت الصلاة في أول وقتها فلله علي أن أحج أو أن اعتمر أو أن أزور ماشيا، و يسمى القسم الأول و القسم الثاني نذر شكر، و نذر بر، و يسمى القسم الثالث نذر زجر.

و قد يجعل الإنسان وجوب الفعل أو الترك المنذور عليه مطلقا غير معلق على حصول شي‌ء أو على عدم حصوله، فيقول: للّه علي أن أتصدق بعشرة دنانير، أو أن أصلي النافلة اليومية أو ان أصوم كل أربعاء من رجب و كل خميس من شعبان، و يسمى هذا القسم الرابع نذر التبرع.

المسألة 65:

يشترط في صحة نذر الشكر أن يكون الأمر الذي علق الناذر عليه وجوب الفعل على نفسه مما تصح مقابلته بالشكر، فإذا كان من فعل اللّه سبحانه فلا بد و أن يكون مما يصح سؤاله من اللّٰه و تمنى وقوعه منه، كما ذكرناه في مثال ذلك، و كما إذا قال: ان أهلك اللّٰه عدوي الجائر، أو ان بسط اللّٰه الأمن و الدعة في البلاد، أو ان شفى اللّه مريضي، أو أن عافى أخي المؤمن فلانا من بليته و أنجاه من كربته فلله علي أن أصوم أو أتصدق بكذا، فينعقد نذره و يلزمه الوفاء به، و لا يجوز أن يعلق نذره و شكره على حدوث أمر لا يصح طلبه من اللّٰه و لا يتمنى وقوعه منه، فيقول: إن أهلك اللّه فلانا و يقصد بذلك مؤمنا صالحا، أو ان وقعت النكبة على أهل بلد مؤمنين أو على أسره مسلمة، أو ان نصر اللّه عدو المسلمين أو ان شفاه من مرضه فلله علي أن أصوم أو أن أتصدق، و يقصد بذلك الشكر على ذلك، فلا يجوز له ذلك و لا ينعقد نذره.

و إذا كان الأمر الذي علق الناذر عليه نذره و شكره من فعل نفسه، وجب أن يكون من الطاعات التي يشكر اللّه لتوفيقه إياه لفعلها، أو من المعاصي أو المكروهات التي يشكر اللّه لإعانته على تركها و هجرها، فيقول مثلا: ان حججت في هذا العام أو إن زرت قبر الرسول (ص)، أو ان صمت شهر رمضان، فلله علي أن أختم القرآن كذا مرة، شكرا‌

425

للّه على ذلك، أو يقول: ان تركت المعصية المعينة أو المكروهات المعينة، فلله علي أن أتقرب اليه بإطعام عشرين مسكينا شكرا له على عونه.

و لا يصح أن يجعل نذره شكرا للّه على ترك طاعة واجبة أو مستحبة أو على فعل محرم كبير أو صغير أو على مكروه فلا ينعقد نذره إذا قصد ذلك.

و إذا كان الأمر الذي علق عليه النذر من فعل ناس آخرين وجب أن يكون مما ينتفع به الناذر في دينه أو في دنياه و لو على نحو العموم و أن يكون مما يصح أن يشكر اللّه عليه، فيقول مثلا: ان قدم ولدي من السفر، أو ان صلح عمله و ترك الموبقات، أو ان أقبل الناس على الطاعة و تركوا المعصية، أو ان أصلح فلان أمر عياله و كان ذلك مما يهمه، فلله علي ان أتصدق بكذا شكرا للّه على ذلك، فيصح نذره بذلك و ينعقد.

و لا يصح نذره و شكره إذا قال مثلا: ان واظب زيد على منكراته و استمر على معصيته فلله علي أن أتقرب الى اللّه بكذا فلا ينعقد نذره.

المسألة 66:

لا يتصور أن يكون النذر نذر زجر إلا إذا كان الأمر الذي علق عليه النذر أمرا اختياريا للناذر سواء كان فعلا أم تركا، فان زجر الإنسان نفسه عن شي‌ء انما يصح إذا كان الإنسان مختارا في فعل ذلك الشي‌ء و تركه، و يشترط في صحة هذا القسم من النذر أن يكون الفعل أو الترك الذي علق النذر عليه مما يصح المنع عنه شرعا، فيقول مثلا:

ان عملت الخطيئة المعينة، أو ان ارتكبت حراما، أو ان فعلت مكروها في يوم الجمعة أو في شهر رمضان، فلله علي ان أعتق رقبة، بقصد زجر نفسه عن ارتكاب ذلك. أو يقول: ان تركت الصلاة، أو ان تركت الصيام في شهر رمضان، أو تركت واجبا فلله علي أن أحج أو أن اعتمر ماشيا، أو يقول: ان تركت النافلة اليومية، أو ان تركت صلاة جعفر في يوم الجمعة فلله علي أن أتصدق بمائة دينار بقصد منع نفسه عن ترك هذه الطاعات، فيصح نذره و يجب عليه الوفاء به.

و لا يصح له ان يزجر نفسه عن فعل واجب أو مستحب أو عن ترك‌

426

محرم أو مكروه، فإذا نذر بهذا القصد لم ينعقد نذره، و لم يجب عليه الوفاء به.

المسألة 67:

يصح نذر التبرع على الأحوط بل على الأقوى، و نذر التبرع كما ذكرنا في المسألة الرابعة و الستين هو النذر الذي يوجبه الإنسان على نفسه مطلقا غير معلق على حصول شي‌ء، فيقول: للّه علي أن أصلي النافلة اليومية في شهر رمضان أو يقول: للّه علي أن أصلي صلاة جعفر في كل جمعة، فيجب عليه الوفاء به إذا اجتمعت فيه شروط الانعقاد.

المسألة 68:

إذا كان النذر معلقا على حصول شي‌ء و كان الشي‌ء الذي علق عليه النذر عملا اختياريا للناذر، أمكن أن يكون النذر نذر شكر، و ان يكون نذر زجر، و الفارق بينهما هو قصد الناذر، فإذا قال القائل: ان صمت شهر رمضان في هذا العام، فلله علي أن أتصدق بمائتي دينار، و قصد بذلك أن دفع الصدقة المنذورة شكر للّه على توفيقه للصيام في الشهر كان نذر شكر فينعقد و يلزم الوفاء به، و إذا قال ذلك، و قصد به أن تكون الصدقة المذكورة غرامة تزجره عن الإتيان بالصوم كان نذر زجر فلا ينعقد و لا يجب البر به.

و كذلك إذا قال: ان عملت محرما في يومي هذا أو في شهري هذا فلله علي أن أدفع لأخي زيد مائة دينار، فإن أراد بذلك زجر نفسه عن الوقوع في العمل المحرم في المدة المعينة صح نذره و انعقد، و ان قصد به الشكر لتهيئة أسباب العمل المحرم له حتى عمله كان نذر شكر و لم ينعقد.

المسألة 69:

يشترط في انعقاد النذر أن يكون الفعل أو الترك المنذور مقدورا للناذر، فلا ينعقد النذر إذا كان متعلقة غير مقدور له، من غير فرق بين أن يكون نذر شكر أو نذر زجر أو يكون مطلقا غير معلق على حصول شي‌ء، و المدار أن يكون المتعلق مقدورا له حين الوفاء به لا حين إنشاء صيغة النذر، فإذا نذر أن يتصدق بمن من العنب إذا نمت مزرعته‌

427

فأنتجت عنبا في وقت حاصلها صح نذره و انعقد و ان كان غير قادر على دفع الصدقة المنذورة حين النذر لعدم وجود العنب في ذلك الحين.

المسألة 70:

إذا نذر المكلف نذرا و عين له وقتا، و كان قادرا على فعل الشي‌ء حين النذر ثم عجز عنه عند حضور وقت الوفاء به انحل نذره و سقط عنه الوجوب و لم تجب عليه الكفارة، و مثال ذلك ان يقول: للّه علي أن أتصدق بمائة دينار في أول شهر رمضان و هو قادر على ذلك في حال النذر، ثم أعسر في هلال الشهر و لم يتمكن من دفع الصدقة في وقتها، فينحل النذر لعدم القدرة و يسقط عن الناذر وجوب التصدق. و كذلك الحكم إذا نذر نذرا مطلقا لم يعين له وقتا ثم عجز عن أدائه عجزا مطلقا فينحل نذره و يسقط وجوب الوفاء به.

و يستثنى من ذلك ما إذا نذر صوما و عجز عنه، فالأحوط لزوما ان يتصدق عن كل يوم من الأيام المنذور صومها بمد من الحنطة، و في بعض النصوص أن يعطي من يصوم عنه كل يوم مدين.

المسألة 71:

انما ينحل النذر و يسقط وجوب الفعل المنذور عن الناذر إذا عجز عن الفعل و استمر به العجز، فإذا عجز عنه أولا ثم تجددت له القدرة على فعله وجب عليه الوفاء به إذا كان الوقت باقيا أو كان النذر مطلقا.

المسألة 72:

يشترط في الشي‌ء المنذور فعله أو تركه أن يكون طاعة يتقرب بها الى اللّه سبحانه من الواجبات أو المندوبات، كالصلاة و الصيام و الحج و الاعتمار و الاعتكاف و الزيارة و الصدقة و العتق، أو من الأمور المحبوبة له سبحانه، و التي أمر بها أو حثت الشريعة على فعلها كعيادة المرضى و صلة الأرحام و البر بالإخوان و زيارتهم و اعانة المحتاجين و تجهيز الموتى و تشييع الجنائز و ترك المحرمات و المكروهات.

المسألة 73:

ينعقد نذر الفعل المباح إذا طرأ عليه عنوان أوجب رجحانه شرعا‌

428

كأكل الفاكهة إذا أوجب أكلها سرعة شفاء المريض من مرضه أو تقدم صحته في أدوار نقاهته أو قوته في أدوار ضعفه، و كتناول الطعام المباح حين تكون فيه اجابة لدعوة مؤمن أو صلة لرحم أو بر بأبوين، أو قصد به الآكل أن يتقوى به على طاعة.

و ينعقد نذر تركه حين يكون تركه راجحا على فعله كما إذا كان أكل الشي‌ء المباح سببا للضرر أو كان مظنة لذلك، و كما إذا نهاه أحد الأبوين عن الشي‌ء المباح لبعض الدواعي التي تبعثه على الشفقة فقال له: لا تدخل دار فلان أو لا تأكل طعامه. فيحرم عليه فعل ما نهاه عنه، فإذا نذر تركه انعقد النذر و وجب عليه الترك من كلتا الناحيتين.

و لا ينعقد نذر فعله إذا كان الفعل مرجوحا لبعض الجهات المذكورة أو غيرها، و لا ينعقد نذر تركه إذا كان الترك مرجوحا كذلك، و لا ينعقد نذر فعله و لا تركه إذا كانا متساويين، فلا رجحان لفعله و لا لتركه.

المسألة 74:

إذا نذر المكلف صلاة أو صياما أو صدقة و حدد لها في نذره وقتا معينا وجب عليه أن يأتي بالفعل المنذور في الوقت المعين، و لم يجزه أن يأتي بالفعل في غير ذلك الوقت.

فإذا قال: للّه علي أن أصلي ركعتين قبل طلوع الشمس من يوم الخميس، أو قال: للّه علي أن أصوم يوم الخميس لم يكفه في الوفاء بنذره أن يصلي الركعتين في غير الوقت المحدد من يوم الخميس، أو يصوم غير الخميس من الأيام، و إذا لم يأت بالصلاة و الصوم في الوقت الذي عينه عامدا حنث في نذره و وجبت عليه الكفارة، و ان أتى بالفعل في وقت آخر قبل الوقت المعين أو بعده.

المسألة 75:

إذا نذر المكلف أن يصلي ركعتين أو أكثر، أو أن يصلي صلاة جعفر في مكان ترجح الصلاة فيه على غيره، انعقد نذره و وجب عليه أن يأتي بالصلاة المنذورة في المكان الذي عينه، و لم يكفه أن يصليها في غير ذلك‌

429

المكان و ان كان مساويا له في الرجحان أو أفضل.

فإذا نذر الصلاة في مسجد سوق أو في مسجد قبيلة مثلا وجب عليه أن يأتي بالصلاة المنذورة فيه، و إذا تركها عامدا و لم يصلها فيه حنث في نذره و لزمته الكفارة، و ان صلاها في مسجد جامع أو في أحد المساجد المعظمة أو أحد المشاهد المشرفة.

المسألة 76:

إذا نذر الرجل الصلاة في موضع ليس فيه أي رجحان على غيره من الأمكنة كالصلاة في البلد، أو في المأتم أو في المجلس أو في بيت فلان، أشكل الحكم بانعقاد نذره، و الأحوط انعقاد نذره إذا تعلق بمجموع القيد و المقيد، فكان المنذور هي الصلاة في المكان المعين، فيلزم الوفاء به على الأحوط في هذه الصورة.

المسألة 77:

إذا نذر الإنسان أن يوقع صلاته المفروضة أو صيامه الواجب في بلده أو في مجلسه أو في بيته مثلا، فلم ينذر الصلاة و لا الصيام و لكنه نذر ان يكون إتيانه بهما في الموضع الخاص الذي لا رجحان فيه و لا مرجوحية، فالظاهر عدم انعقاد النذر و عدم وجوب الوفاء به، و كذلك الحكم إذا نذر أن يوقع نوافله المندوبة من الصلاة و الصيام في ذلك الموضع الذي لا رجحان فيه فلا ينعقد نذره.

و إذا طرأ للموضع ما يوجب رجحانه ككونه أبعد عن الشك أو أقرب لحصول الاطمئنان أو اضمن لتحصيل التوجه و الإخلاص في العبادة انعقد النذر و لزم الوفاء به.

المسألة 78:

إذا نذر المكلف أن يصوم و لم يعين عددا، أجزأه في الوفاء بنذره أن يصوم يوما واحدا من الأيام التي يصح صومها، و لم يجز أن يأتي ببعض الأفراد التي حرمها الإسلام كصوم الصمت و صوم الوصال و صوم بعض اليوم، و الصوم عن بعض المفطرات دون بعض.

430

و إذا نذر أن يصلي و لم يعين عددا من الركعات و لا كيفية معينة، كفاه أن يصلي ركعتين على الكيفية الثابتة في الشريعة، بل و يكفيه أن يأتي بمفردة الوتر، و لا يكفيه أن يصلي ركعة واحدة بغير كيفية صلاة الوتر، و لا يكفيه و لا يصح له أن يأتي بصلاة على كيفية غير ثابتة في الشرع كصلاة بغير تكبيرة إحرام أو بغير ركوع أو بسجدة واحدة أو بغير سجود.

و إذا نذر صدقة مطلقة أجزأه أن يدفع للفقير أدنى ما يقال له صدقة في نظر أهل العرف.

و إذا نذر قربة أو عبادة كفاه أن يصوم يوما أو يصلي أو يتصدق على بعض الوجوه الصحيحة التي تقدم ذكرها أو يأتي بأي قربة أو عبادة صحيحة أخرى.

المسألة 79:

إذا نذر أن يصلي عشر ركعات أو عشرين ركعة أو أكثر وجب أن يفرد كل ركعتين منها بتسليم، على النحو الثابت في صلوات النوافل الا أن ينذر كيفية شرعية خاصة كما إذا نذر صلاة الأعرابي، و قد ذكرنا هذا في فصل أعداد الصلاة من الجزء الثاني من الرسالة.

المسألة 80:

إذا نذر أن يصوم خمسة أيام أو عشرة أيام أو أكثر متتابعة وجب أن يأتي بها متتابعة كما عين، فلا يجزيه أن يصومها متفرقة أو يفرق بعضها، و إذا نذر أن يصومها متفرقة وجب أن يصومها متفرقة كما عين كذلك و إذا نذر أن يصوم الأيام و لم يشترط ان يكون صومها متتابعا أو متفرقا تخير في الوفاء بين الأمرين.

و كذلك الحكم إذا نذر أن يصوم سنة مطلقة و لم يشترط التتابع أو التفريق، فيكفيه أن يصوم اثني عشر شهرا متتابعة أو متفرقة الشهور أو الأيام، و لا يدخل فيها شهر رمضان إذا كان المراد أن يصوم سنة تامة فلا بد من أن يصوم اثني عشر شهرا غيره و غير العيدين و أيام التشريق إذا كان بمنى.

431

المسألة 81:

إذا نذر أن يصوم شهرا هلاليا، وجب عليه أن يصوم ما بين الهلالين و أن يأتي بالصوم متتابعا حتى يهل الهلال الثاني، و يكفيه صوم ما بين الهلالين و ان كان ناقصا، و كذلك إذا نذر أن يصوم شهرا معينا من الأشهر القمرية المعروفة كشهر رجب أو شهر شعبان مثلا.

و إذا نذر أن يصوم شهرا مطلقا و لم يقيده بالهلالي، لم يجب عليه أن يتابع في صومه، و إذا ابتدأ بصوم الشهر المنذور من الهلال كفاه ان يتم صومه الى الهلال الثاني و ان كان ناقصا في العدد، و إذا شرع في صومه في أثناء الشهر وجب عليه أن يكمله ثلاثين يوما على الأقوى، و كذلك إذا فرق الأيام و لم يتابع صومه فلا بد من ان يكمله ثلاثين يوما و ان شرع في صومه من الهلال.

المسألة 82:

إذا نذر الرجل ان يصوم سنة متتابعة من السنين المتعارفة في الدوران لم يدخل فيها صوم العيدين، فيجب عليه الإفطار فيهما، و لا يضر إفطاره فيهما بالتتابع المنذور و يجب عليه قضاؤهما على الأحوط.

و إذا عرض له في أثناء السنة مرض أو طرأ للمرأة حيض أو نفاس، وجب الإفطار و لم يضر إفطاره بالتتابع، و يجب عليه قضاء ما أفطره على الأقوى، و كذلك إذا اضطر الى السفر في أثناء السنة و كان اضطراره بنحو القهر الذي يخرج به عن كونه مختارا، فيجب عليه الإفطار و القضاء و لم يضر إفطاره في هذا السفر بتتابع النذر، و مثال هذا الاضطرار ان يسافر به ظالم متغلب فيقطع به المسافة مقسورا على أمره و يجب عليه الإفطار لذلك.

و إذا لم يبلغ اضطراره الى السفر هذه المرتبة أشكل الحكم بأن إفطاره فيه لا يقطع التتابع.

و إذا سافر في أثناء سنته مختارا و أفطر انقطع تتابع صومه بلا ريب، بل يشكل الحكم بجواز السفر له إذا كان موجبا للإفطار و قطع التتابع.

432

المسألة 83:

إذا نذر الرجل ان يصوم سنة متتابعة كما هو الفرض المتقدم دخل شهر رمضان في نذره، فيكون صومه واجبا بالأصل و واجبا بالنذر فلا ينقطع به التتابع، فإذا أفطر فيه عامدا لزمته كفارة الحنث بالنذر و كفارة الإفطار في شهر رمضان و انقطع بذلك تتابع صوم النذر، و إذا نذر صوم سنة متتابعة غير شهر رمضان لم ينقطع تتابعه بصيام شهر رمضان في الأثناء.

المسألة 84:

إذا نذر الرجل أن يصوم سنة معينة فقال: للّه علي أن أصوم هذه السنة مثلا، أو قال: للّه علي أن أصوم سنة ألف و أربعمائة و عشر من الهجرة، انعقد نذره و وجب عليه صوم السنة المعينة كلها، و لم يدخل فيها صوم يومي العيدين منها، فلا يجوز له صومهما، و الأحوط قضاؤهما، و لا يدخل فيها صوم أيام التشريق الثلاثة إذا كان بمنى سواء كان ناسكا أم غير ناسك، فلا يجوز له صومها، و الأحوط له قضاؤها بعد السنة، و أيام التشريق هي الأيام الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر من شهر ذي الحجة، و يجب عليه صومها إذا كان بغير منى. و يدخل في نذره شهر رمضان فيكون صومه واجبا من الناحيتين فإذا أفطر فيه لزمته كفارة الإفطار و كفارة خلف النذر.

و إذا أفطر من السنة المنذورة أياما عامدا غير الأيام التي تقدم ذكرها و لم يكن قد اشترط التتابع في صومه بنى على الصوم و أتم السنة ثم قضى الأيام التي أفطرها و وجبت عليه الكفارة بعدد الأيام.

و إذا كان قد اشترط التتابع في صوم السنة المعينة بطل التتابع و أشكل الحكم، و الأحوط أن يتابع في صوم ما بقي من أيام السنة الى ان تتم، و يصل بها قضاء الأيام التي أفطرها و قضاء ما بطل تتابعه من الأيام التي صامها قبل ذلك و أبطل تتابعها بإفطاره، و يأتي بالجميع متتابعا، و عليه الكفارة لإخلاله بالتتابع.

المسألة 85:

إذا نذر المكلف صوم يوم معين من الشهر أو من الأسبوع، و أفطر‌

433

ذلك اليوم وجب عليه قضاء صومه و إذا كان عامدا من غير عذر وجبت عليه الكفارة.

المسألة 86:

إذا نذر المكلف صوم يوم معين لم يحرم عليه السفر فيه و ان كان السفر غير ضروري له، فإذا سافر فيه أفطر و وجب عليه قضاء صومه و لم تجب عليه الكفارة.

المسألة 87:

إذا نذر المكلف ان يصوم كل يوم خميس في سنته أو ما دام حيا، و اتفق يوم الخميس مع أحد العيدين وجب عليه إفطار ذلك اليوم و لزمه قضاؤه على الأحوط، و إذا مرض الناذر في يوم الخميس أو سافر، أو حاضت المرأة أو تنفست فيه لزم الإفطار كذلك، و وجب عليه قضاء اليوم على الأقوى و لا كفارة عليه في الجميع.

المسألة 88:

إذا نذر الإنسان أن يصوم كل يوم خميس، ثم وجب عليه أن يصوم صوما يجب فيه التتابع كما إذا نذر صوما متتابعا عشرة أيام أو شهرا أو شهرين، أو وجبت عليه كفارة فيها صوم متتابع، فإذا أراد أن يأتي بالصوم المتتابع وجب عليه أن يصوم كل خميس من تلك الأيام وفاء بنذره السابق المتعلق به، و لا يكون ذلك مخلا بتتابع صومه الذي وجب عليه للكفارة أو للنذر اللاحق.

المسألة 89:

إذا نذر الإنسان صوما و اشترط في صيغة النذر أن يأتي بالصوم في السفر و الحضر، صح نذره و شرطه، فيصح منه الصوم و ان كان مسافرا، و يتعين عليه إذا كان مؤقتا و اتفق سفره في الوقت فيجب عليه الصوم و يجزيه، سواء كان الصوم المنذور متتابعا أم لا.

المسألة 90:

إذا نذر الإنسان أن يزور الرسول (ص) أو يزور أحد الأئمة المعصومين (ع) انعقد نذره و وجب عليه البر به، و يكفي في الوفاء‌

434

بنذره مع الإطلاق أن يحضر عند المزور و يسلم عليه، و لا يجب عليه أن يأتي بشي‌ء من الآداب و المستحبات المأثورة في الزيارة كالغسل و الصلاة و غيرهما، و إذا ذكر ذلك في صيغة النذر أو ذكر شيئا منه لزمه الإتيان به.

و إذا نذر أن يزور اماما معينا، تعينت عليه زيارة ذلك الامام و لم تجزه عنها زيارة غيره من الأئمة (ع) فإذا ترك زيارته عامدا مع القدرة حنث في نذره و وجبت عليه كفارة النذر، و إذا نذر زيارته في وقت معين، وجبت عليه زيارته في ذلك الوقت، فإذا تركها عامدا مع القدرة حنث في نذره و وجبت عليه الكفارة، و لم يجزه أن يزور ذلك الإمام في وقت آخر، و يشكل الحكم بوجوب القضاء و ان كان أحوط.

المسألة 91:

إذا نذر الإنسان أن يزور اماما معينا ثم عجز عن زيارته انحل نذره و سقط عنه الوجوب، و لم تجب عليه الكفارة، و لم تجب عليه زيارة إمام آخر بدلا عنه.

المسألة 92:

إذا نذر الرجل أن يحج ماشيا و كان قادرا على ذلك و آمنا من الضرر بفعله، انعقد نذره و وجب عليه، فإذا تركه، أو حج راكبا أو مشى في بعض الطريق و ركب في بعضه، و كان وقت الحج المنذور معينا و فات الوقت بذلك، حنث بنذره و وجبت عليه الكفارة، بل و لا يترك الاحتياط بالقضاء، فيحج ماشيا بعد الوقت.

و كذلك إذا كان النذر مطلقا لم يعين له وقت، و ترك المشي في ذلك العام مع قدرته عليه ثم عجز عن المشي في بقية السنين، فيحنث بنذره و تلزمه الكفارة، و إذا كان النذر مطلقا و هو قادر على المشي في بقية السنين وجب عليه أن يفي بنذره فيحج ماشيا.

و كذلك الحكم إذا نذر أن يزور الرسول (ص) ماشيا، أو نذر أن يزور أحد الأئمة (ع) ماشيا، فينعقد نذره و يلزمه الوفاء مع القدرة و الأمن من الضرر، و يجري فيه التفصيل المذكور في الحج.

435

المسألة 93:

إذا نذر المكلف الحج أو الزيارة ماشيا و هو قادر على ذلك، ثم عجز عن الإتيان بما نذره عجزا تاما انحل نذره و سقط عنه الوجوب، و إذا عجز عن المشي في بعض الطريق دون بعض، و كان نذره مؤقتا، مشى من الطريق ما يستطيع مشيه و ركب في الباقي على الأحوط، إذا لم يكن ذلك هو الأقوى، و كذلك الحكم إذا كان نذره مطلقا غير مؤقت بسنة معينة و كان عجزه بعد الشروع في الذهاب فيمشي من الطريق ما أمكنه و يركب في الباقي.

و إذا كان نذره مطلقا و كان عجزه قبل الشروع في الذهاب صنع كذلك على الأحوط ثم أعاد الحج ماشيا إذا تمكن منه بعد ذلك في السنين الآتية.

و إذا كان نذره مطلقا فعجز كذلك و لم يحج في تلك السنة ثم تجددت له القدرة على المشي في السنين الأخرى وجب عليه الوفاء بنذره.

المسألة 94:

إذا نذر أن يتصدق بشي‌ء معين خارجي، وجب عليه أن يتصدق بعين ذلك الشي‌ء الذي تعلق به النذر إذا كان موجودا، و مثال ذلك أن يقول:

للّه علي أن أتصدق بهذه الوزنة المعينة من الحنطة أو بهذا الثوب المعين أو بهذه القطعة المعلومة من الفراش، فيلزمه أن يدفع للمستحق نفس العين المنذورة و لا يجزيه أن يدفع وزنة أخرى من الحنطة بدلا عنها أو يتصدق بقيمة الثوب أو الفراش المعين من الدراهم أو الدنانير.

و إذا تلفت العين التي نذر التصدق بها و لم يكن الناذر هو المتلف لها انحل نذره و لم يجب عليه دفع بدلها و لا دفع الكفارة، و إذا كان الناذر هو الذي أتلف العين المنذورة كان ضامنا لها، فتجب عليه الصدقة بمثلها إذا كانت مثلية، و بقيمتها إذا كانت قيمية على الأحوط، و يلزمه دفع الكفارة على الأقوى.

المسألة 95:

إذا نذر الرجل أن يتصدق على شخص معين، فقال: للّه علي ان أتصدق على زيد مثلا بمائة دينار، وجب على الناذر ذلك، فلا تكفيه الصدقة على غير الشخص الذي عينه و ان كان قريبا له، أو كان أفقر منه أو‌

436

كانت الصدقة عليه أفضل، و لا يتعين على الشخص المنذور له أن يقبل الصدقة المنذورة و يجوز له أن يمتنع من قبولها، و إذا هو امتنع و لم يقبلها انحل نذر الناذر لتعذر حصول الفعل المنذور عليه، و سقط عنه وجوبه، و هذا إذا استمر المنذور له على امتناعه من قبول الصدقة كما سيأتي بيانه في المسألة السابعة و التسعين.

المسألة 96:

إذا قبل الفقير المنذور له تصدق الناذر عليه، ثم أبرأ ذمته من الصدقة قبل أن يقبضها منه لم تبرأ ذمة الناذر من الصدقة و لم يسقط عنه الوجوب بإبرائه.

و إذا دفع الناذر الصدقة إلى المستحق و قبضها منه ملكها بالقبض و برئت ذمة الناذر و جاز للمستحق أن يهبها له أو يدفعها له مكافأة على عمل، و نحوه و ان كره للناذر أن يأخذها منه.

المسألة 97:

إذا نذر الناذر أن يتصدق على شخص معين، و امتنع المنذور له عن قبولها، ثم عاد فقبلها بعد امتناعه، فالظاهر وجوب التصدق عليه إذا كان النذر مطلقا و لم يكن للصدقة المنذورة وقت معين، أو كانت مؤقتة و كان الوقت لا يزال باقيا.

و إذا كانت الصدقة المنذورة مؤقتة و قد انقضى وقتها قبل أن يعود الفقير فيقبل التصدق، انحل النذر و لم يجب على الناذر التصدق بها عليه.

المسألة 98:

إذا كانت الصدقة المنذورة عينا شخصية و امتنع المنذور له عن قبولها، جاز للناذر أن يتلف العين بعد امتناع الفقير عنها، و لا يكون على الناذر ضمان بإتلافها و لا تجب عليه كفارة، و ان قبل المنذور له بعد التلف.

المسألة 99:

إذا نذر المكلف أن يتصدق بعين مشخصة أو بمبلغ من المال في ذمته، ثم مات قبل أن يفي بنذره وجب أن تخرج الصدقة المنذورة من أصل‌

437

تركته، و كذلك الحكم في كل نذر يتعلق بالمال، كما إذا نذر أن يفي دين زيد من ماله، أو نذر أن يدفع له مبلغا من المال يحج به أو يعتمر أو يزور، أو نذر أن يصل أباه أو أخاه أو أحد أرحامه بمقدار من المال، فإذا مات الناذر قبل أن يفي بالنذر اخرج المال المنذور من أصل تركته لا من الثلث.

المسألة 100:

إذا نذر المكلف أن يتصدق على زيد بمبلغ من المال أو بعين مخصوصة ثم مات الشخص المنذور له قبل أن يتصدق الناذر عليه بالعين أو المبلغ المنذور، أشكل الحكم فيه، فلا يترك الاحتياط بقيام وارثه مقامه إذا كان مستحقا، و إذا لم يكن له وارث أو كان لا يستحق الصدقة أو امتنع من قبولها فالظاهر سقوط النذر بالصدقة لتعذر الوفاء بها.

المسألة 101:

إذا نذر أن يهب أو يهدي الى فلان شيئا معينا أو مبلغا من المال ثم مات المنذور له قبل أن يفي الناذر له بنذره سقط النذر و لم يجب الوفاء به. و إذا مات الناذر قبل أن يهب، فالأحوط ان يتولى وصيه أو وارثه ذلك، فيهب المال للمنذور له و يخرجه من أصل تركة الميت.

المسألة 102:

ما ينذر لأحد المشاهد الشريفة يختص به و لا يجوز صرفه في غيره من المشاهد و ان كان أعظم قدرا منه أو أكثر حاجة، فيصرف في مصالح المشهد المنذور له، كتعميره إذا احتاج الى التعمير و إصلاح بنائه إذا احتاج الى الإصلاح و انارته، و تجهيزه بوسائل التهوية و التبريد و التدفئة و تبريد الماء، و تعمير أماكن التطهير و الوضوء في المشهد و ترميمها، و اعانة خدام المشهد الصالحين و القائمين بشؤونه، و ما يشبه ذلك أو يتصل به من الحاجات و المقاصد اللائقة به.

المسألة 103:

ما ينذر للرسول (ص) أو لأمير المؤمنين (ع) أو لأحد المعصومين (ع) أو للعباس (ع) أو لغيرهم من الذرية الطيبة و الذوات الطاهرة، يصرف في سبل الخير و القربات، فيعان به المحتاجون من أهل العلم على تحصيل‌

438

غاياتهم من طلب العلم و نشر الإسلام، و ينفق على المحتاجين من ذرية الرسول (ص)، و يتصدق به على الفقراء من المؤمنين، و يعان به المحتاجون من الزوار، و يصح صرفه في بناء المساجد و مساكن الفقراء و الأيتام و نحو ذلك، و يقصد بجميع ذلك عود ثواب الخيرات و المبرات الى المنذور له منهم (ع).

و الأحوط استحبابا تخصيصه بالمحتاجين من المجاورين من أهل العلم و من الذرية و الفقراء و خدمة المشهد.

المسألة 104:

إذا نذر الناذر لأحدهم (ع) و قصد بنذره ان يصرف المال المنذور في إقامة مآتمهم (ع)، و عزائهم أو ذكري وفياتهم، أو في الإطعام فيها و القيام ببعض شؤونها وجب صرفه في الجهة المذكورة و لا يصرف في النواحي الأخرى، و إذا عينه لمأتم امام خاص أو شهيد أو ولي معين تعين للجهة التي حددها الناذر، و كذلك إذا كان نذره لجهة خاصة أخرى كالمواليد و الإطعام أو الإنفاق في أيام الزيارات المخصوصة لهم فيختص بالجهة المعينة.

المسألة 105:

إذا نذر الرجل الصدقة بشاة معينة أو بشاة مطلقة ثم عينها للوفاء بنذره تبعها نماؤها المتصل من سمن جثتها و كبرها و صوفها، و كذلك إذا نذر الصدقة ببقرة أو ماعز و عينها، و لا يترك الاحتياط في النتاج و اللبن إذا لم يكن للناذر قصد معين و لم يكن عرف متبع أو قرينة دالة، و يتبع قصده إذا علم، ثم يرجع الى العرف أو القرينة إذا دلا على شي‌ء، و كذلك إذا نذر الشاة أو البقرة أو الماعز لمشهد أو مأتم و شبههما.

المسألة 106:

إذا نذر الرجل أن يتصدق بجميع ما يملك وجب عليه ذلك و لزمه الخروج منه و الصدقة به، فإذا ضاق الأمر عليه لكثرة عياله أو لضعفه عن الكسب أو لعدم توفر أسبابه، قوم جميع ما يملك على نفسه تقويما صحيحا عادلا، و ضبطه و ضبط قيمته ضبطا كاملا، و جعل قيمة جميع ذلك دينا في ذمته و دونه في دفاتر تثبت الحق، و أشهد عليه من يوثق‌

439

به و يعتمد عليه، ثم تصرف في أعيان المال و الممتلكات الموجودة كيفما أراد من أنحاء التكسب بها و الصرف على نفسه و على عياله و شؤونه، و بدأ بإخراج الصدقة المقدرة و الثابتة في ذمته شيئا فشيئا و أولا فأولا، و أحصى ما يدفعه من ذلك للفقراء و المساكين و اليتامى و ذوي الحاجة من أرحامه و غيرهم في دفاتر تبين ذلك و تحصيه، و يسقطه من دينه حتى يفي جميع ما في ذمته.

و إذا مرض و ظن الموت و قد بقي من دينه شي‌ء وجب عليه أن يوصي الى من يعتمد عليه بإخراجه من أصل تركته و اشهد على ذلك.

و إذا نذر أن يجعل جميع ما يملكه في سبيل اللّه أو في سبيل الخير و ضاق الأمر عليه كذلك، فعل كما تقدم ثم وفى الديون شيئا فشيئا كما وصفنا و أنفقها في مطلق سبيل اللّه و ما يقرب اليه، و يدخل في ذلك بناء المساجد و القناطر و الملاجئ و غيرها من القربات حتى يتم الوفاء، و لا يختص بالتصدق كما في الفرض السابق.

المسألة 107:

إذا نذر الإنسان الفعل و جعل له وقتا مخصوصا، فقال: للّه علي ان أصوم أول أربعاء من شهر رجب مثلا، أو قال: للّه علي أن أتصدق بعشرين دينارا في أول جمعة من شهر شعبان، وجب عليه أن يأتي بالصوم أو بالصدقة في وقتهما الذي عينه، و إذا ترك الفعل عامدا حتى انقضى الوقت حنث بنذره و لزمته كفارة خلف النذر، و كذلك إذا نذر ترك الفعل و جعل له وقتا معينا، فالوفاء بالنذر هو أن يترك الفعل في جميع الوقت، و الحنث بالنذر هو أن يأتي بالفعل عامدا و لو مرة واحدة، فيكون للنذر في كلتا الحالتين وفاء واحد في البر به و يكون له حنث واحد في مخالفته، لأن النذر قد تعلق بصرف وجود الفعل في الحالة الأولى، و بصرف تركه في الحالة الثانية، فلا يتكرر، و قد مر نظيره في اليمين كما ذكرناه في المسألة الثامنة و الثلاثين و المسألة التاسعة و الثلاثين.

المسألة 108:

إذا نذر الإنسان ان يأتي بالفعل و لم يجعل له وقتا مخصوصا، فقال‌

440

للّه علي أن أصوم يوما، أو أن أتصدق بمبلغ كذا، وجب عليه أن يأتي بالفعل في مدة حياته و لو مرة واحدة و يتحقق بذلك وفاؤه بالنذر و إذا ترك الفعل عامدا فلم يأت به في مدة عمره حتى مرة واحدة تحقق الحنث و سقط النذر و لزمته الكفارة. و إذا نذر أن يترك الفعل و لم يجعل له وقتا معينا، فقال: للّه علي أن لا أنطق بالباطل أو قال: للّه علي أن لا أتفوه بالكذب، وجب عليه ان يترك ذلك مدة حياته و لا يحصل الوفاء بالنذر الا بذلك، فإذا أتى بالفعل المنذور تركه و لو مرة واحدة تحقق الحنث و سقط النذر و لزمته الكفارة فيكون للنذر كما في المسألة المتقدمة وفاء واحد و حنث واحد في كلتا الحالتين نظير ما تقدم في اليمين في المسألتين الآنف ذكرهما.

المسألة 109:

إذا نذر الإنسان الفعل و كان مقصده في نذره أن يأتي بالفعل المنذور في طبيعته السارية في أفراده، فقال: للّه علي أن أصلي النافلة اليومية في كل يوم، أو قال: للّٰه علي أن أصلي صلاة جعفر في كل يوم جمعة، انعقد نذره كما أراد، و انحل نذره الى نذور متعددة، فتكون صلاة النافلة اليومية في كل يوم من أيام حياة الناذر متعلقا لنذر مستقل يجب الوفاء به، و تجب الكفارة بمخالفته و الحنث به، و تكون صلاة جعفر في كل يوم جمعة في المثال الثاني متعلقا لنذر مستقل كذلك، فلكل فرد من أفراد الفعل المنذور نذر يختص به، و يكون الإتيان بالفعل في أي وقت من الأوقات المعينة برا بنذره الخاص به، و يكون تركه في ذلك الوقت حنثا بنذره و موجبا للكفارة لمخالفته، و موجبا للقضاء على الأقوى إذا كان الفعل المنذور صوما، و على الأحوط لزوما إذا كان المنذور صلاة أو غيرها.

و كذلك الحكم إذا نذر ترك الفعل، و كان المقصود ترك الفعل في كل وقت من الأوقات على نحو الانحلال و الاستقلال فقال: للّٰه علي ان لا أكذب أبدا، فإذا كذب في الساعة الأولى عامدا حنث بنذره فيها و وجبت عليه الكفارة، و ان أطاع و لم يكذب في الساعة الثانية، و كذلك‌

441

العكس، فلكل فرد نذره الخاص به و لكل نذر بره و حنثه، كما تقدم في اليمين.

المسألة 110:

يشترط في صحة النذر نية القربة، و المراد بها أن ينشئ الناذر تمليك الفعل أو الترك على نفسه للّه وحده، كما هو المختار و قد سبق منا بيان ذلك مفصلا في أول الفصل، أو أن ينشئ التزامه و تعهده بالفعل أو الترك له وحده، كما هو القول المشهور، و نتيجة لذلك فلا بد و ان يكون الوفاء بالنذر هو الإتيان بالفعل أو الترك مبنيا على ذلك.

المسألة 111:

إذا نذر الرجل أن يوجد الفعل نذرا مطلقا و لم يعين له وقتا كما ذكرنا في المسألة المائة و الثامنة و لم يكن على نحو الانحلال، جاز له أن يؤخر الفعل الى أن يظن الوفاة، أو يظن فوت الواجب، أو يلزم من التأخير التهاون بأمر اللّه، فيتضيق وقته حين ذلك و يجب الإتيان به، و إذا نذر ترك الفعل كذلك وجب عليه الترك من حين انعقاد النذر الى آخر الحياة، و إذا أتى بالفعل المنذور تركه و لو مرة واحدة تحقق الحنث و سقط بذلك النذر كما ذكرنا في المسألة المائة و الثامنة.

و انما يسقط النذر بالحنث إذا كان المقصود بالنذر إيجاد صرف الفعل، و لا يسقط النذر إذا كان على نحو الانحلال كما ذكرنا في المسألة المائة و التاسعة.

المسألة 112:

الحنث بالنذر كالحنث باليمين سواء بسواء، فلا يحصل الا بتعمد المخالفة كما ذكرناه في المسألة السابعة و الثلاثين، فلا يحنث الناذر إذا خالف النذر جاهلا بالموضوع أو ناسيا له، و مثال ذلك: ان ينذر الرجل أن يصوم يوما معينا، ثم يعتقد انه نذر صوم غير معين، فيؤخر الصوم حتى يمضي الوقت المعين فيتذكر انه نذر صوم اليوم المعلوم و قد أخره خطأ، أو ينسى صوم ذلك اليوم، أو ينسى انه نذر صومه ثم يتذكر بعد أن ينقضي الوقت، فلا تجب عليه كفارة الحنث، و لا تجب عليه الكفارة إذا خالف نذره مضطرا أو مجبرا أو مكرها على المخالفة.

442

و إذا خالف النذر جاهلا بالحكم أو ناسيا له، فلا بد من الاحتياط، و قد سبق ذكر جميع ذلك في اليمين.

المسألة 113:

إذا خالف النذر جاهلا بالموضوع أو ناسيا له أو مضطرا، أو مجبرا أو مكرها على المخالفة لم يسقط بذلك نذره، فإذا كان النذر مؤقتا و قد بقي مقدار من الوقت، أو كان مطلقا ليس له وقت معين وجب عليه الوفاء بالنذر في بقية الوقت في الأول و في بقية العمر في الثاني.

المسألة 114:

إذا حنث بنذره فترك الفعل المنذور عامدا حتى انقضى الوقت وجب عليه القضاء إذا كان الفعل المنذور صوما على الأقوى، و وجب القضاء على الأحوط لزوما إذا كان الفعل صلاة أو صدقة أو غيرهما من القربات، و قد أشرنا الى هذا في المسألة المائة و التاسعة، و كذلك إذا كان جاهلا بالحكم أو ناسيا له.

و إذا خالف نذره ناسيا للموضوع أو جاهلا به فالأحوط القضاء في الجميع، و لا تجب الكفارة كما سبق بيانه.

المسألة 115:

إذا علق الإنسان نذره على حصول شي‌ء، فقال: للّه علي أن أصوم أو أن أتصدق إن رزقني اللّٰه ولدا ذكرا، ثم استبان له ان اللّٰه قد رزقه ولدا قبل نذره، لم يجب عليه الوفاء بنذره، و كذلك إذا نذر ان شفى اللّه زيدا أو ان قدم من سفره سالما، فاستبان له ان الشرط قد حصل قبل النذر، فلا يجب عليه البر به، و كذلك إذا شك في ان الشرط حصل قبل إنشاء النذر أو بعده، فلا يجب عليه الوفاء به.

المسألة 116:

الأقوى ان الكفارة في مخالفة النذر هي الكفارة في مخالفة اليمين، فيتخير الناذر إذا حنث بنذره عامدا بين أن يعتق رقبة أو يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم، فان لم يقدر على أن يأتي بإحدى هذه الخصال الثلاث وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة، و يأتي ان شاء اللّٰه في كتاب الكفارات بيانها و بيان أحكامها.

443

الفصل الثالث في العهد

المسألة 117:

الظاهر أن المراد بالعهد ها هنا ميثاق يقطعه الإنسان على نفسه للّه على فعل شي‌ء أو على تركه، و ينشئه بصيغة مخصوصة، فهو ليس من اليمين و ليس من النذر و ان أشبههما في بعض الآثار و بعض الأحكام.

المسألة 118:

لا ينعقد العهد حتى ينشئه الإنسان بقوله: عاهدت اللّه على أن أفعل كذا أو على أن لا أفعل، أو يقول: علي عهد اللّٰه أن أفعله أو ان لا أفعله، و هو من هذه الجهة يشبه النذر في الحاجة الى إنشائه بصيغة مخصوصة.

فلا يجب الوفاء بالعهد إذا لم ينشئه بالقول المذكور و ان قصد في ضميره العهد على الفعل أو على الترك و لا تحرم عليه المخالفة و ان كان عامدا و لا تلزمه الكفارة، و ان كان الأحوط له استحبابا أن لا يخالف ما نواه.

المسألة 119:

العهد كالنذر، فقد ينشئه الإنسان معلقا على حصول شرط معين، فيقول: عاهدت اللّٰه ان رزقني ولدا ذكرا، أو ان شفاني من هذا المرض أن أتصدق بمائة دينار، أو أن أذبح شاة أو بقرة و أطعمها للفقراء أو للمؤمنين، أو يقول: علي عهد اللّٰه أن دفع عني هذه البلية أن أصلي نافلة شهر رمضان أو أن أصوم شهر رجب، فينعقد عهده كما اشترط، فإذا حصل الأمر الذي علق عليه وجوب الفعل وجب عليه أن يفي بالعهد و حرمت عليه مخالفته و لزمته الكفارة إذا حنث فخالف عامدا.

و قد ينشئ العهد مطلقا غير مشروط بشي‌ء، فينعقد كذلك و يجب عليه البر به مطلقا، و هو أيضا قد يجعله موقتا بوقت خاص فيلزمه الوفاء به في ذلك الوقت، و قد يجعله مطلقا غير موقت فيجب عليه البر به‌

444

كذلك، و هو في جميع ذلك كالنذر في الفروض و الأحكام و لا موجب للإطالة بالتكرار.

المسألة 120:

يشترط في المعاهد أن تجتمع فيه جميع الشروط التي ثبت اشتراطها في الناذر أو كان الاحتياط باشتراطها لزوميا، فلا بد و أن يكون مكلفا، و لا بد و أن يكون قاصدا و لا بد و ان يكون مختارا و لا بد و أن يكون نافذ التصرف غير محجور في متعلق عهده الى غير ذلك مما تقدم اشتراطه في الناذر.

المسألة 121:

يشترط في الأمر الذي يعلق عليه العهد جميع ما اشترطناه في الأمر الذي يعلق عليه النذر و تراجع المسائل المتعلقة بذلك من فصل النذر لتطبيق أحكامها في شروط العهد.

المسألة 122:

لا يختص العهد بالموارد التي يكون متعلقة فيها فعلا أو تركا، بل يجري كذلك إذا كان متعلقة صفة يستطيع الإنسان أن يكتسبها بإرادته و اختياره و لو بطول المران، فإذا قال الرجل: عاهدت اللّٰه على أن أكون عادلا، أو على أن أكون صادقا في جميع أقوالي و أفعالي، أو قال: علي عهد اللّٰه أن لا أكون خائنا، أو أن لا أكون فاسقا، انعقد عهده و وجب عليه الوفاء به، و حرم عليه الحنث، و إذا حنث بعهده لزمته الكفارة، و الظاهر أن ذلك يجري في النذر و اليمين أيضا.

المسألة 123:

ينعقد العهد إذا تعلق بفعل واجب أو بترك محرم، و ينعقد إذا تعلق بفعل مندوب أو بترك مكروه، و ينعقد إذا تعلق بفعل مباح و كان فعله راجحا على تركه لجهة شرعية أو لجهة دنيوية أوجبت رجحانه، و ينعقد إذا تعلق بترك شي‌ء مباح، و كان تركه راجحا على فعله لجهة شرعية أو لجهة دنيوية أوجبت رجحانه، و ينعقد على الأحوط إذا تعلق بفعل مباح أو بتركه و كان متساوي الطرفين في الدين و الدنيا فلا رجحان‌

445

للفعل و لا للترك و قد تقدم تفصيل ذلك في متعلق اليمين، فليراجع ما حررناه هناك.

المسألة 124:

لا ينعقد العهد إذا تعلق بترك واجب أو مستحب أو بفعل محرم أو مكروه، و لا ينعقد إذا تعلق بفعل شي‌ء مرجوح يرجح تركه على فعله لأمر ديني أو دنيوي، و لا ينعقد إذا تعلق بترك شي‌ء يرجح فعله على تركه لأمر ديني أو دنيوي كذلك.

المسألة 125:

إذا تعلق العهد بأمر مباح لا رجحان لفعله و لا لتركه، أو تعلق بأمر راجح لبعض الجهات، فانعقد العهد كما تقدم، ثم تغيرت الحال قبل الوفاء بالعهد فأصبح فعله مرجوحا لبعض النواحي الطارئة انحل العهد و لم يجب الوفاء به و قد سبق جميع ذلك في فصل اليمين.

المسألة 126:

إذا انعقد عهد الرجل في المسألة المتقدمة، و لكنه تسامح في الوفاء بعهده حتى تغيرت الحال و أصبح متعلق العهد مرجوحا، لم ينحل عهده في هذه الصورة على الأحوط و خصوصا إذا طالت المدة و هو يتسامح في الوفاء، فلا ينحل عهده و يلزمه الوفاء به على الأحوط ان لم يكن ذلك هو الأقوى.

المسألة 127:

إذا خالف الإنسان عهده عامدا كما تقدم في فصل النذر و فصل اليمين، حنث في عهده و وجبت عليه الكفارة، و كفارة الحنث بالعهد نظير كفارة الإفطار في شهر رمضان على الأقوى، فيجب على الحانث أن يعتق رقبة أو يطعم ستين مسكينا أو يصوم شهرين متتابعين، و سيأتي ان شاء اللّه تعالى ذكرها و ذكر تفاصيل أحكامها في كتاب الكفارات.

446

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

447

كتاب الكفارات

448

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

449

كتاب الكفارات و فيه فصلان:

الفصل الأول في أقسام الكفارات

المسألة الأولى:

لم يتعرض الفقهاء (قدس اللّٰه أرواحهم) الطيبة في هذا الكتاب لذكر كفارات الإحرام بالحج أو بالعمرة، و هم يذكرونها مفصلة في كتاب الحج، و يكتفون بذلك عن ذكرها هنا مرة أخرى، و لهم بذلك وجهة نظرهم، و لعل الوجه ان كفارات الإحرام كثيرة و مفصلة، و لها أحكام خاصة بها كثيرة، و لا بد من ذكرها جميعا في كتاب الحج لأنه مورد الحاجة فيكون ذلك مغنيا عن إعادتها في كتاب الكفارات، و قد ذكر الكثير منها و من غيرها في كتاب الصوم، و الأمر في التوجيه سهل.

المسألة الثانية:

الكفارات واجبات خاصة تجب على المكلف عند حدوث بعض الطواري ذنب أو غيره، و ليس المراد من هذا القول تعريف الكفارة بذلك، بل المراد الإشارة إلى معناها على وجه إجمالي مقدمة لذكر الأقسام و الأحكام، و هي على أقسام أربعة نذكرها في المسائل الآتية:

المسألة الثالثة:

القسم الأول من الكفارات: ما تكون فيه خصال الكفارة مترتبة، فلا يجزي الإتيان بالخصلة اللاحقة إلا بعد العجز عن الإتيان بالخصلة السابقة عليها، و هي ثلاث كفارات:

(الأولى) كفارة الظهار (و الثانية) كفارة القتل خطأ، فإذا ظاهر‌

450

الرجل من زوجته ثم أراد العود الى مقاربتها و إذا قتل مؤمنا خطأ، وجب عليه دفع الكفارة.

و الكفارة في كل واحد من الموردين: أن يعتق رقبة مؤمنة، فإذا هو عجز عن تحرير الرقبة و لم يقدر وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإذا عجز عن صيامهما و لم يستطع وجب عليه أن يطعم ستين مسكينا.

(الثالثة): كفارة من أفطر في قضاء صوم شهر رمضان بعد الزوال، فإذا صام المكلف قضاء عما فاته من شهر رمضان و أفطر بعد زوال الشمس من يومه عامدا، وجب عليه أن يطعم عشرة مساكين، فإذا عجز عن إطعامهم وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، و لا يجب التتابع فيها على الأقوى و ان كان ذلك أحوط استحبابا.

المسألة الرابعة:

إذا اشترك رجلان أو أكثر في قتل رجل واحد أو امرأة خطأ، وجب على كل واحد منهم ان يدفع كفارة تامة عن نفسه، و لا يجزيهم دفع كفارة واحدة مشتركة، و لا ينوي كل واحد منهم التكفير عن الجميع.

المسألة الخامسة:

القسم الثاني من الكفارات: ما يكون المكلف فيه مخيرا بين الخصال الواجبة، فأي الخصال أتى بها أجزأته و أبرأت ذمته من الواجب، و هي أربع كفارات.

(الأولى): كفارة من أفطر في صوم شهر رمضان، فتناول أحد المفطرات المحللة عامدا من غير عذر مسوغ لذلك.

(الثانية): كفارة من حنث بعهده و تعمد مخالفته كما ذكرناه في آخر فصل العهد.

(الثالثة): كفارة المرأة إذا جزت شعرها في المصاب.

(الرابعة): كفارة من جامع و هو معتكف فأفسد اعتكافه بذلك.

و الكفارة في كل واحدة من هذه الأربع أن يتخير المكلف بين أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فتكفيه آية‌

451

واحدة أتى بها من هذه الخصال الثلاثة و تبرأ بها ذمته من الكفارة الواجبة عليه.

المسألة السادسة:

جز المرأة شعر رأسها أن تقصه و تقطعه، سواء استأصلته أم لم تستأصله، و سواء جزت جميع الشعر أم جزت بعضه بحيث يصدق عند أهل العرف أنها قد جزت شعرها، و المراد هنا: أن تجزه في المصاب حزنا، فتجب عليها الكفارة لذلك، و لا تجب الكفارة إذا قصت شعرها لغير ذلك من الغايات كما إذا قصته للعلاج أو للتجميل.

و يلحق بجز شعرها في الحكم حلقه، فإذا حلقته في المصاب حزنا وجبت عليها الكفارة الآنف ذكرها، و الأحوط لزوم الكفارة أيضا إذا أحرقته لذلك.

المسألة السابعة:

لا فرق في الحكم بالتحريم و وجوب الكفارة الآنف ذكرها إذا جزت المرأة شعرها في المصاب بين مصاب زوجها و أبيها و ولدها و غيرهم و لا بين القريب منها في النسب و البعيد.

المسألة الثامنة:

تجب الكفارة على من جامع و هو معتكف فأفسد اعتكافه بذلك، سواء كان جماعه ليلا أم نهارا، و إذا جامع نهارا فان كان معتكفا في شهر رمضان لزمته كفارة الإفطار في شهر رمضان مضافا الى كفارة الاعتكاف الآنف ذكرها، و ان كان معتكفا و هو صائم قضاء شهر رمضان لزمته مع كفارة الاعتكاف كفارة الإفطار في قضاء شهر رمضان و قد ذكرناها في المسألة الثالثة، و ان كان معتكفا في صوم منذور، فعليه كفارة الاعتكاف و كفارة مخالفة الصوم المنذور، و إذا نذر الاعتكاف في أيام معينة و جامع في أثناء اعتكافه وجبت عليه كفارة الاعتكاف و كفارة خلف النذر سواء كان جماعه ليلا أم نهارا و ان كان صائما في نهاره صوما مندوبا أو مستأجرا عليه.

452

المسألة التاسعة:

لا فرق في الحكم بوجوب كفارة الاعتكاف بين أن يكون الجماع الذي أفسد به اعتكافه محللا أو محرما، كما إذا جامع زوجته في حيضها أو زنى بغيرها أو لاط، و إذا كان في شهر رمضان و أفطر على محرم لزمته كفارة الجمع لذلك كما سنذكره، مضافا الى كفارة الاعتكاف، و بعض الفروض المذكورة نادرة و غريبة، و لكن مداخل الشيطان كثيرة و قريبة، بل و واقعة. و لا حول و لا قوة إلا باللّه.

المسألة العاشرة:

إذا أفسد المكلف اعتكافه بارتكاب بعض محرمات الاعتكاف غير الجماع، فلا يترك الاحتياط بالإتيان بكفارة الاعتكاف و ان كان اعتكافه مندوبا، كما إذا أفسده في اليومين الأولين، و يراجع ما علقناه على الاعتكاف من كتاب العروة الوثقى.

المسألة 11:

إذا جامع المرأة زوجها و هي معتكفة باذنه و كانت مختارة في الجماع فسد اعتكافها و وجبت عليها كفارة الاعتكاف سواء كان الجماع ليلا أم نهارا، و أمكن أن تجري فيها جميع الفروض التي ذكرناها في المسألة الثامنة و تلحقها أحكامها، و إذا كان الرجل معتكفا أيضا لزمت كل واحد منهما كفارته و أحكامه.

المسألة 12:

إذا أكره المرأة زوجها على الجماع و هي معتكفة لم تجب عليها كفارة إفساد الاعتكاف سواء كان الزوج معتكفا أيضا أم لا، و سواء كان الجماع ليلا أم نهارا، و في فساد اعتكافها بذلك اشكال، و لا يترك الاحتياط بأن تتم الاعتكاف إذا كان واجبا، و لا يترك الاحتياط بقضائه إذا كان مما يقضى كما إذا كان منذورا أو مستأجرا عليه، و كان النذر أو الاستيجار عليه باذن الزوج.

المسألة 13:

إذا أكره المرأة زوجها فجامعها و هما معتكفان صائمان في شهر رمضان وجبت على الزوج كفارة إفطاره في شهر رمضان، و وجبت عليه كفارة‌

453

أخرى لإفساده اعتكافه، و وجبت عليه كفارة ثالثة يدفعها عن زوجته لاكراهها على الإفطار، و لا يجب عليه أن يدفع عنها كفارة اعتكافها، و لا تجب على المرأة كفارة الاعتكاف لأنها مكرهة كما تقدم، و لا يتحمل كفارة الاعتكاف عنها كذلك إذا جامعها مكرها لها و هي معتكفة و هو غير معتكف.

و إذا أكرهها على الجماع و هما معتكفان في غير شهر رمضان لم يتحمل عن المرأة شيئا من كفارة الصوم و لا كفارة الاعتكاف، و تلزمه كفارة اعتكافه، و تلزمه كفارة صومه إذا كان مما تجب فيه الكفارة، و الظاهر عدم الفرق في جميع الأحكام الآنف ذكرها للزوجة بين الدائمة و المتمتع بها.

المسألة 14:

القسم الثالث من الكفارات: ما يجتمع فيه الأمران المتقدم ذكرهما، فالكفارة مخيرة في بعض الخصال و مترتبة في بعضها و هي خمس كفارات.

(الأولى): كفارة خلف اليمين، و منها كفارة الإيلاء من الزوجة.

(الثانية): كفارة خلف النذر على الأقوى.

(الثالثة): كفارة نتف المرأة شعر رأسها في المصاب.

(الرابعة): كفارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتى تدميه.

(الخامسة): كفارة شق الرجل ثوبه لموت ولده أو زوجته.

فيتخير المكلف في كل واحدة من هذه الكفارات بين أن يعتق رقبة و أن يطعم عشرة مساكين و أن يكسوهم، فإذا عجز عن هذه الخصال الثلاث و لم يقدر على الإتيان بواحدة منها وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة. فلا يكفيه أن يصوم الأيام الثلاثة إذا قدر على واحدة من الخصال الأولى.

المسألة 15:

يلاحظ في اليمين و النذر ما فصلناه فيهما و في شرائط انعقادهما و الحنث بهما في فصل اليمين و فصل النذر من الكتاب السابق، و قد‌

454

ذكر بعض الفقهاء (قدس سرهم) ان الكفارة في مخالفة النذر نظير الكفارة في إفطار شهر رمضان، فالمكلف بها يتخير بين ان يعتق رقبة و يصوم شهرين متتابعين و يطعم ستين مسكينا، و ما ذكرناه هو الأقوى.

المسألة 16:

الإيلاء من الزوجة أن يحلف الرجل يمينا أن لا يطأها أبدا، أو أن لا يطأها مدة تزيد على أربعة أشهر و يقصد بذلك الإضرار بها، فإذا هي لم تصبر و رفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي أجله أربعة أشهر لينظر في أمر نفسه فلعله يرتدع و يكفر عن حلفه و يؤدي حق زوجته، فان هو لم يفعل ذلك أجبره الحاكم و ضيق عليه حتى يختار أحد الأمرين، فأما أن يكفر عن يمينه و يرجع فيؤدي حق زوجته الذي حلف على تركه و اما أن يطلقها و يخلي سبيلها، فالكفارة في الإيلاء هي كفارة اليمين و ان اختلف الإيلاء عن اليمين في جهات تذكر في مبحث الإيلاء.

المسألة 17:

نتف المرأة شعرها هو أن تقلعه من أصوله، و المراد هنا أن تقلع شعر رأسها بكفها أو بأصابعها حزنا من شدة وقع المصيبة عليها، سواء قلعت جميع شعر رأسها أو بعضه بحيث يصدق أنها نتفت شعرها في المصاب كما تقدم في جز الشعر، فتجب عليها الكفارة بذلك، و لا تجب الكفارة إذا نتفت شعرها في غير مصاب، من غضب و نحوه.

و خدش الوجه هو أن تخمش وجهها بيديها أو بأظفارها حتى تؤثر فيه جرحا أو ندبا، و يكفي في وجوب الكفارة على المرأة أن تخدش بعض الوجه في المصيبة بحيث يصدق عليها انها خدشت وجهها حتى أدمته، و لا تجب الكفارة عليها إذا خدشت بعض أعضائها غير الوجه و ان أدمته في المصاب أو خدشت وجهها في غير المصاب.

المسألة 18:

تجب الكفارة على الرجل إذا شق ثوبه لموت زوجته أو لموت ولده، سواء شق جميع الثوب أو شق بعضه بحيث يصدق عليه أنه قد شق ثوبه، و لا تجب عليه الكفارة إذا شق ثوبه لموت أبيه أو أخيه أو غيرهما‌