الاطفال ومشاعر الخوف والقلق

- د. علي القائمي المزيد...
245 /
55

في هذا البحث المختصر ، بل سنطرح في ما يلي بعضها مع الاشارة الى انه حتى المخاوف التي لا مبرر لها لا تخلو من سبب وان كان خفياً عن الانظار في الظاهر :

1 ـ السبب الاساسي للخوف هو الشعور بالخطر عليه او على الآخرين. الشعور بالخطر على المال والمنال والنفس والاعتبار والبلد والكرامة والحرية والشهرة والاستقلال و ... الخ.

2 ـ يرى البعض ان السبب الاساسي هو الشعور بالتهديد نتيجة اضطراب التوازن والذي يحصل إثر تغيير الوضع حيث ينزعج الطفل ويشعر بالتهديد.

3 ـ التهديدات في فترة الطفولة هي سبب اساسي للخوف. يقوم الأب او الأم احياناً بتخويف الطفل من أحد الاشخاص فيما لو فعل فعلاً ما ، مما يسبب لدى الطفل خوفاً مستمراً.

4 ـ تعتبر البيئة التي يعيش فيها الاطفال سبباً لكثير من الخلل وتمهد لكثير من ابتلاءاتهم. وبشكل عام ، هناك علاقة بين خوف الأبوين والأبناء ، وأغلبه يتأصل فيهم من هذه الناحية ، وقد تدخل جوانب أخرى في هذا الأمر ، كالشرطية.

56

الفصل الثامن العوامل التي تضاعف الخوف

المقدمة :

ثمة عوامل تؤثر في اشتداد الخوف وتحوله لدى الطفل الى كابوس في بعض الحالات ؛ وهي عوامل عديدة وكثيرة ، نشير في ما يلي إلى بعضها :

1 ـ المشاهدات : يشتد خوف الطفل حينما يواجه مشهداً مفزعاً. فالطفل يخاف اذا كانت أمه مريضة وجاء الطبيب وزرقها أبرة ، وتشتد درجة الخوف لدى الطفل الذي يخاف من الموت والقبر عندما يشاهد دفن احد الاشخاص ، خاصة دفن شهيد ، أو يرى بدناً مجروحاً. وقد يتبدل هذا الخوف الى كابوس والى أحلام مفزعة.

2 ـ السماع : من عوامل اشتداد الخوف لدى الطفل هو ذكر القصص المثيرة للخوف ، وكذلك طرح الوقائع التي تحدث عن التجارب اليومية. فقد تذكرون لعوائلكم او اصدقائكم واقعة مثيرة للخوف ، وتظهر مرارة الامر على وجوهكم اثناء التكلم عنها ، فيصير هذا الامر سبباً في اشتداد الخوف. ويشتد خوف الطفل أحياناً اذا سمع قصة في الاذاعة فيها مسألة يخاف منها الطفل.

57

3 ـ التجارب المرة : قد يخاف الطفل من القطة ، الا أنكم افهمتموه بعدة ادلة ان القطة حيوان أليف رغم انها ضربته سابقاً بمخالبها وذاق ألم ذلك ، فتقنعوه ان تلك الحادثة وقعت لمرة واحدة وان القطة حيوان محبوب و ... الخ.

في هذه الحالة يتقبل الطفل لمس القطة وألفتها ، لكنه اذا هاجمه هذا الحيوان مرة أخرى وضربه بمخالبه ، فمن الطبيعي ان يشتد خوفه وشعوره بالخطر.

4 ـ انواع الاحتقار والسخرية : احياناً يسخر الآباء والامهات من الاطفال ويحتقرونهم بدلا من التعرف على سبب الخوف وإزالته من الاساس ، وهذا الامر لايصلح الاطفال بل يؤدي الى شعورهم بالحقارة والى اشتداد مخاوف اخرى لديهم.

ان من الخطأ السخرية بالطفل من اجل تشجيعه ، او تحقيره بجمل غير مناسبة بسبب خوفه ؛ فالاحتقار والسخرية لاتزيل الخوف بل يتجذر اكثر ويتأصل في داخل الطفل.

5 ـ السلوك الساذج : قد يخاف الطفل من شيء فيضعه الأب او الأم امام شيء مخيف فجأة من اجل ازالة خوفه.فمثلاً قد يخاف من البحر ومن موجه فيحضنه الأب ويتقدم به بحجة ما يتركه في وسط الماء من اجل ازالة خوفه.

نعم ان هذه الطريقة قد تؤثر بصورة ايجابية في حالات نادرة الا انها قد تؤدي الى حصول سكتة قلبية نتيجة الخوف. ونحن نعرف حالات وضع فيها الاطفال ليلا في دهليز واغلق الباب عليهم كي يزيلوا عنهم حالة الخوف من الظلام وبعد ساعة دخلوا فوجدوهم موتى ، وهذا تحذير للوالدين والمربين.

6 ـ القدوة السيئة : اذا كان الأب الام أسوة غير مناسبة في الخوف او الجرأة

58

فان الطفل سيتعلم ذلك ، ولا يستطيع الآباء والامهات شديدو الخوف الحيلولة دون خوف الطفل بل على العكس يضاعفون من خوفه.

فالام التي تخاف من الصرصر ، والاب الذي يفر من الفأرة لايتمكنان ان يكون اسوة في الجرأة والشجاعة للابناء. فهذا الابن سيتخذ موقفاً أشد وينظر الى الخوف بتفكير اكثر اذا كان لديه خوف قليل بعد رؤيته لذلك الوضع ، سيظن ان من حقه ان يخاف لأن اباه وامه يخافان وهما في ذلك السن.

7 ـ الضغوط والتهديدات : ان انواع التخويف وممارسة الضغوط على الطفل وتطبيق البرامج الانضباطية الصعبة على الاطفال تترك على كثير منهم آثاراً سلبية في مجال الخوف ؛ فالطفل شديد الخوف يشتد خوفه من تطبيق البرامج الانضباطية الصعبة ، ويترسخ شعوره بالصغر ويشتد خوفه على نفسه.

ان الاطفال شديدي الخوف بحاجة الى الملاحظة اكثر من اي شخص آخر ، لا الى ممارسة الضغط والتهديدات ، ويجب ان ينتبه الآباء والامهات والمعلمون وخاصة معلمو الصفوف الاولى والثانية ، الى هذه الناحية اكثر ، ويسعوا خاصة في الاشهر الاولى من السنة الدراسية الى تلطيف اجواء الصف ليصبح مثل محيط العائلة.

8 ـ الصداقات غير السليمة : انكم تعلمون ان المخاوف تسري ، وان الصداقات غير السليمة مهمة ومصيرية في هذا المجال ، فاذا كان ابناؤكم شديدي الخوف فيجب ان لا يصادقوا ولايرافقوا اشخاصاً شديدي الخوف.

ان كثيراً من الاطفال ذوي الخوف الشديد يسعون الى اختيار اصدقاء من نوعهم ، فهم لايرغبون ان يصادقوا اشخاصاً لايخافون من اجل ان لا يسبب ذلك ألما جديدا لهم ، وفي النتيجة يشتد خوفهم في ظل الصداقات خاصة اثناء تبادل الكلام ، يجب ان لايشاهدوا المناظر التي تثير خوف بقية الاطفال ، فاذا

59

كان الطفل يخاف من زرق الأبرة فيجب ان لايكون حاضرا عندما يزرق الاطفال الآخرون الذين يصرخون من الابرة ، لأن العواطف تسري.

9 ـ المراقبة الشديدة : المراقبات الشديدة تجذر الخوف. فهناك بعض الامهات يحاولن مرافقة اطفالهن خطوة خطوة لانهن ، يقلقن عليهم ويعلمن انهم شديدو الخوف.

هذا النوع من المواقف يؤدي بالطفل ان يرى نفسه محقاً في الخوف ، وتكثر حساسيته بالنسبة الى موضوع الخوف ، ويتخيل ان مراقبة الام بهذا المقدار تعني بالتأكيد وجود مسألة ما ، فيتضاعف شعوره بالخطر ، ويشتد خوفه.

10 ـ عوامل اخرى : توجد عوامل كثيرة يمكن الاشارة اليها في هذا الصدد ، منها اقتران واقعة مفزعة مع تفكير الطفل الهلع بالخوف ومشاهدة منظر قتل في التلفزيون ، ومشاهدة نموذج لتلك القضية في الشارع ، وخوف الطفل من القطة التي عضته ، واقتران ذلك مع الكلب الذي هجم عليه وعضه ايضا ، وخوفه من الماء ووقوعه في الحوض ، وتعرضه الى الاختناق ، وخوفه من الانسان الأعمى والاعرج ، وصفعه للطفل ، وعامل الشرطية وعامل التعميم و ... الخ والتي تثير كل منها مشكلة له بشكل ما و تعمل على مضاعفة خوفه.

60

-

61

الباب الرابع

المخاوف الشديدة والعوامل المؤثرة في ذلك

62

في هذا الباب لدينا بحث عن المخاوف التي انتابت عدداً اكثر من الاشخاص ، وخاصة هناك خوف خاص لدى الاطفال يسمى بالعصاب ، والعوامل المؤثرة في مقدار الخوف وشدته وضعفه.

وفصل آخر تحت عنوان : من هم الاشخاص الذين لديهم خوف اشد والغرض هو معرفة اي الاشخاص ينتابهم خوف اشد في الظروف المتساوية ، وسنتحدث في هذا البحث عن 12 مجموعة كالاشخاص المرتبطين ، والمشاهدين لأزمة ، والذين ليس لديهم دين والمنحرفين و ... الخ.

وثمة فصل آخر حول عصاب الاطفال ، حيث نبحث عن ماهية مرض العصاب وما هي صوره وخصائصه ، ونبحث علائم ذلك لدى الاطفال ، ونشرح خطره على هذه المجموعة ، وفي الختام نسعى الى التحدث عن سبب ذلك.

يدور الفصل الاخير في هذا الباب حول العوامل المؤثرة في الخوف ، ويبدو كأن بعض بحوثه مذكورة في الفصل الاول من ذلك ولكنا اضطررنا الى تكرار قسم منه لأن هدفنا هو تقديم بحث كامل ، لكل موضوع على حده.

ومن بين العوامل سنشير الى عامل السن ، الذكاء ، الجنس ، التجربة ، نوع التربية وشخصية الافراد.

63

الفصل التاسع من هم الاشخاص الاكثر خوفا

المقدمة :

الغرض من هذا البحث هو دراسة من هم الاشخاص الذين ينتابهم خوف اشد في ظروف متساوية من حيث السن والجنس.

هذا الأمر بحاجة الى دارسة وتحقيق واسع وشامل ، وليس لدينا الآن مجال لطرح تلك الجوانب وما يمكن الاشارة اليه في هذا الصدد باختصار هو :

1 ـ من حيث الجنس : تخاف البنات اكثر من البنين لأنهن اكثر عاطفية وهو امر ينطبق على جميع مراحل العمر وفي جميع السنين. وبشكل عام إن الرجال اقل خوفاً من النساء ، ولعل وضع عملهم ومهنهم يوجب هذا الوضع ، بمعنى انهم مضطرون ومجبرون على مواجهة بعض المشاهد حتى يسهل عليهم الحصول على المعاش وهو عامل للفرار من الخوف ، وطبقاً للتحقيقات التي اجراها ( فينكر ) اتضح ان الاناث اكثر خوفاً من الذكور في الحياة الجماعية.

64

2 ـ من الناحية العاطفية : الاطفال الذين انتابهم خوف وفشل في الجانب العاطفي يخافون أشد من بقية الاطفال الذين نموا في ظروف عاطفية عادية. فالطفل الذي يشاهد قضية نزاع الأبوين فيتعرض للأذى إثر ذلك ثم يصل امرهما الى الطلاق ، يصاب باليأس والانحراف ؛ وهو امر يؤدي الى اشتداد خوفه من الامر الذي كان يخاف منه.

3 ـ من حيث الارتباط والتعلق : ان الاطفال الذين لديهم ارتباط عاطفي اشد يخافون اشد من بقية الاطفال ، هناك أطفال اعتادوا على الدلال من كثرة ما رأوا من محبة ودلال واصبحوا كالغصن الطري ينكسر بسرعة على اثر كثرة الماء. هؤلاء ادى ارتباطهم الشديد الى فقدانهم القدرة على الحركة ولم يعد بامكانهم ان يقفوا على اقدامهم ، ومن الطبيعي في هذه الحالة ان لا يتمكنوا من الحركة ومواجهة الخطر او احراز اي شيء من التقدم.

4 ـ من حيث السلامة والمرض : بعض الاطفال مرضى دائماً لاسباب وراثية اوحياتية ويقضون اغلب اوقاتهم في البيت وفي الفراش ولم تتوفر لهم اية تجربة لمواجهة البيئة.

هؤلاء لديهم خوف اشد من بقية الاشخاص حيث أثر المرض والرقود في جرأتهم واصبح خوفهم اشد وقابليتهم على الاستجابة للخطر اكثر.

5 ـ من حيث الحساسيات : الاطفال العاطفيين لديهم خوف اشد من بقية الاطفال. وقد تنتج هذه الحساسية بسبب جوانب مرضية في الشخص او نوع تربيته. وفي كل الاحوال يبدو وكأنهم ينتظرون حادثة وينهارون بأقل حادثة ويفقدون القدرة على المقابلة امام الخطر.

6 ـ من حيث الوعي : أثبتت الدراسات ان الاشخاص الأعلم في مسألة

65

يخافون اقل من الذين يجهلون تلك المسألة. اما الخوف العقلائي لدى الأشخاص العالمين فهو اشد مما لدى الاشخاص الجاهلين ، لان الجاهل لا يستطيع معرفة نتيجة واقعة ما ويتقدم بالا خوف وبصورة طبيعية ، الا ان الجهل بشكل عام هو من عوامل الخوف. فعندما لانعرف أمراً نتحسس ونهرب منه.

7 ـ من حيث الذكاء : أثبتت التجارب والبحوث ان الاطفال الاكثر ذكاء اشد خوفاً من الاطفال الأقل ذكاء فنحن نعرف اشخاصاً قليلي الذكاء ولديهم ضعف ذهني ويبدو وكأنهم لايخافون ابدا. وهذا الامر ناتج عن انهم لايعرفون نتيجة الامر فالاشخاص الاذكياء اشد خوفا لأنهم يدركون نتائج أمر ما وعاقبته اكثر من غيرهم. ان الاشخاص الاكثر ذكاء يفهمون اكثر ويصبحون محافظين اكثر.

8 ـ من حيث السن : قد يخف او يشتد خوف الاطفال بما يناسب السن ، كما ان خوفهم يختلف أيضاً باختلاف السن فالاطفال في الرابعة والخامسة اشد خوفا من الاطفال الأصغر سنا. ولعل ذلك ناتج عن انهم اكثر بحثاً واقوى في امكانية التخيل. كما ان الخوف من الموت لدى الاطفال في سن الثامنة اشد مما لدى الاطفال في السنين الاخرى حتى ان سن الثامنة يسمى بسن الخوف من الموت. ان الاطفال يمكنهم نسيان الخوف بسرعة ، وعندما يلعبون مع الآخرين ينسون انفسهم ، وتزول مسألة الخوف لديهم ، في حين ان الاشخاص الاكبر سنا لديهم خوف ثابت لأنهم يعرفون الحقائق بشكل اكثر وافضل.

9 ـ المتأثرون : يخاف الاشخاص المتأثرون بمشكلة والمشاهدون المصيبة اكثر من بقية الأشخاص. من الطبيعي ان خوف الاشخاص الذين يواجهون مصاعب وعناء في حياتهم اليومية بصورة دائمة ، والذين شاهدوا موت ابيهم ذات يوم أو موت امهم في يوم آخر ، والذين انفصلت عنهم عمتهم او خالتهم

66

بسبب الهجرة مثلاً بعد ان كانوا مسرورين بهن ، والذين كانت لديهم رغبة في الألفة مع زوج الام او زوجة الأب ولكن حصل العكس ، اشد من خوف بقية الاشخاص العاديين.

10 ـ أصحاب الأزمات : من كانت حياتهم متأزمة دائماً ، يخافون اكثر من بقية الاشخاص فمن الطبيعي ان الاشخاص الذين عاشوا ظروف الحرب وكان الموت يهددهم في كل لحظة ، يخافون اكثر. وكذلك الشخص الذي يخشى الحركة والتمرد ، والشخص الذي يشهد قضية في كل يوم وينتظر حدثا في كل لحظة ؛ من الطبيعي ان يخاف اشد من بقية الاشخاص.

ويقل الخوف من هذه المسائل كلما تقدم الشخص في السن وبدأ يألف القضايا والحوادث ( مثل الاطفال الفلسطينيين او الاطفال في المناطق الحربية في ايران ).

11 ـ الملحدون الذين لادين لهم : أثبتت البحوث ان الملحدين الذين ليس لديهم اتصال بالقدرة الالهية اللامتناهية ويرون أنفسهم لوحدهم ، بلا ناصر ، أمام مشاكل الحياة ، هم اشد خوفا من سائر الاشخاص. ويقول ( جان بول سارتر ) الفيلسوف الفرنسي : ان الالحاد هو أحد اسباب الخوف.

ولعل تبرير ذلك هو ان المتدينين يلجأون الى الله في حالات الضيق والضعف وفي ما يواجههم من مشاكل الحياة ، ويعلمون انه ارحم الراحمين ، ولديه قدرة لا نهائية ، ويعمل ما يشاء متى ما اراد.

اما الشخص الذي لا دين له ، فليس لديه هذا الملاذ والامل.

12 ـ المنحرفون : واخيرا هناك اشخاص مصابون بشكل من الانحرافات في الحياة ، سواء انحرافات ناتجة عن مرض نفسي او خلل عصبي وانزعاج

67

حياتي او انحرافات سلوكية. ان الشخص حاد المزاج والمصاب بالعصيان والطغيان واللجاجة ، يبدو من الناحية العلمية انه لا يخاف ومتهور ، الا انه اشد خوفاً من الشخص العادي. وتلك الحدة والعصيان هي نوع من السبق للتغلب على الخوف. ان هؤلاء يرون انفسهم اضعف وليس لديهم تحمل للفشل والحرمان وينتابهم شعور بالدمار اذا حصلت لهم مشكلة ، ولهذا يتصرفون بشكل غير مناسب للمحافظة على انفسهم.

68

الفصل العاشر مرض العصاب لدى الاطفال

ما هو العصاب ؟

الفوبي ( العصاب او الرهاب ) من ناحية اللغة يعني الفرار ؛ الخوف المفاجيء ، الخوف بدون سبب او الخوف الوهمي ؛ وهو اسم اله الخوف في الاساطير اليونانية. العصاب من الناحية العلمية هو نوع خاص من الخوف الشديد وعلى اثره يخاف الانسان بشدة من الاشياء ومن الظروف غير المناسبة ويهيج على اثره وقد يصاب بخطر.

يتحول هذا الخوف الدائم والشديد احيانا الى مرض مزمن ، فيخاف الانسان من المكان المرتفع والاماكن المفتوحة والمغلقة والدم والألم ويصبح مريضاً وبلا جرأة. وقد اعتبر ذلك النوع من الاوهام مرتبطاً بالمراحل الاولية للحياة ، ولا يمكن ازالته عادة بالدليل والتوضيح وتصعب ـ نسبياً ـ السيطرة الارادية عليه.

خصائص مرض العصاب :

العصاب هو وهم بسيط أو معقد الا انه بلا مبرر وله علاقة بتجربة غير موفقة في السنوات الاولى من الحياة ، كما لو رأى الشخص فأرة ميتة وهو في سن الطفولة فيخاف منها ويبقى على هذا لخوف.

69

خصائصه على ضوء تحقيقات ( ماركيز ) :

1 ـ انه نوع خاص من الخوف.

2 ـ لايمكن ازالته بالدليل والتوضيح.

3 ـ انواع الالحاح تؤدي الى اقرار وضع مفزع.

4 ـ معدلة اكثر من الحاجة والحد الطبيعي.

5 ـ لاتؤثر فيه التحكمات الرسمية والاخلاقية.

6 ـ قد يترك آثاراً سلبية في كثير من الحالات.

هذا وقد اثبتت بحوث اخرى ان العصاب :

غالباً ما يتعرض له الاطفال ، ويشتد في الليل خاصة ، ويمهد لأخطار كثيرة وقد تنتاب الطفل اوهام في اليقظة تارة ، وفي النوم تارة اخرى ، فيصرخ متألماً ، وقد يشعر الطفل بتعب غير اعتيادي بعد تغلب العصاب ورؤية الكوابيس المرعبة ، فيظهر عرق بارد على جبينه ويشعر بتعب عادي.

أشكاله :

ثمة اشكال مختلفة للعصاب هي :

الخوف من الاماكن المرتفعة ، الخوف من الاماكن المفتوحة ، الخوف من الالم بلا مبرر ، الخوف من الاماكن المغلقة ، من الدم والجرح والجراحة ، من الماء ، من التلوث ، من الظلام ، من السم ، من الحيوانات ، من الاماكن الضيقة ، من المرض ، من الجراثيم ، من الاصابة بالسل ، من امراض مثل السفليس ، من الاماكن المزدحمة ، من الازدحام ، من السفر ، من الهجوم ، من مسخ الشخصية و ... الخ.

يرى الاطفال المصابون بالعصاب الاماكن المظلمة وكأنها تعج بكائنات عجيبة وغريبة ، وذلك لان قوة تخيلهم قوية جدا. ونوع الاحلام التي يراها

70

الطفل تكون مرة على شكل كلب يلاحقه ، ومرة لص يحاول خنقه ، وتارة يرى نفسه وكأنه على وشك السقوط من مرتفع ، واخرى يرى انه يصطدم بسيارة أو دراجة نارية.

للمخاوف صورة معقدة وهي ـ كما يعتقد علماء النفس ـ مركبة من الامور التي يراها الطفل اثناء النهار وتظهر في الاحلام ليلا ، وهذا النوع من الخوف يشاهد كثيراً لدى الاطفال من ذوي الاعمار التي تتراوح بين ( 4 ـ 6 ) سنوات حيث ان قدرة تخيلهم أقوى ، وهناك صورة اخرى لهذه المخاوف لدى الاشخاص الأكبر سنا ، أغلبها الخوف من التلوث والخوف من الاصابة بالامراض الخطيرة.

علائمه :

ـ يمكن معرفته الكابوس لدى الاطفال والاشخاص عن طريق العلائم.

ـ وثمة حاجة الى بحث أوسع لدراسة جوانبه وحالاته لدى الاشخاص ، وما يمكن الاشارة اليه في هذا البحث المختصر هو :

ـ يرى الطفل حلما احيانا ويستيقظ من شدة الخوف ، ويتصور ان امامه عفريتاً يقترب منه ، او يرى في المنام تمساحاً ويتصوره في اليقظة أيضاً ، وهو امر ناتج عن قوة خيال الطفل طبعاً. وقد يقع بصره في تلك الحالة على نقطة ثابة ويرى بعض الاشباح.

ـ بعض الاطفال يرى في المنام ان شخصاً خطيراً يصرخ بوجهه ، وبعد اليقظة يبقى صوت الصراخ في أذنه حتى دقائق.

ـ يخشى احياناً من النوم ، خوفاً من ان يرى حلماً مزعجاً ، لهذا يتذرع بالحجج الواهية ليلصق بحضن الام ويكون الى جانبها.

71

ـ مرة يخاف من اللص في ان يخطفه ، لهذا يفتش الغرفة قبل النوم ، يفتش زوايا الغرفة ، وتحت السرير خشية ان يكون هناك شخص مختف فيها.

ـ يرى في النوم احياناً شيئاً مفزعاً ، فيستيقظ نتيجة الخوف وينام مرة ثانية ويرى ذلك الحلم المفزع ، ويتكرر هذا الامر حتى الصباح عدة مرات.

ـ تكون المخاوف لديهم شديدة وعلى شكل كابوس.

ـ يصل خوفهم في حالات كثيرة الى درجة انهم لايتجرؤون على ذكره باللسان.

ـ مع علمهم ان عامل الخوف ليس له وجود في الخارج الا انهم لايستطيعون التغلب على الخوف.

ـ لا يستطيع هؤلاء الاطفال ان يتذكروا في الظروف العادية ما رأوه في النوم.

ـ يسيطر عليهم الخوف المقرون بالخجل ، وفي بعض الحالات يقرن هذا الامر بالاضطراب او الشعور بالذنب.

ـ يزول اساس الخوف من خلال التذكير به او التحدث عنه.

يبحث الاطفال عن ذريعة لاثبات صحة خوفهم ويحاولون اظهاره وكأنه حقيقة لاشك فيها.

ـ يحاول المصاب بالعصاب تعميم خوفه ، فهو في البداية يخشى من القطة مثلا ، ولكنه يعممه الى اشياء اخرى في ما بعد.

ـ يتخذ الخوف وسيلة في بعض الايحان لاستقطاب اهتمام الآخرين.

ـ قد تمتد نوبة وجوده لدى الاطفال من عدة دقائق الى ساعة واحدة ، ثم يهدأ.

ـ يظهر عادة بعد بداية النوم بثلاث ساعات ، ويحصل في ساعة محددة غالباً.

ـ يصل الى حده الاقصى في سن 4 ـ 6 ويكون الاضطراب على أشده في هذا السن.

ـ يصرح بخوفه قبل النوم أحيانا ويقول : اخاف من شخص مختف في الغرفة او من صرصر تحت السرير ، او يقول لاتطفئ المصباح و ... الخ.

72

خطر العصاب :

من الطبيعي ان تتجسد في العصاب الاعراض الموجود في بقية المخاوف ، وله نفس مخاطرها ولكن من اهم الاخطار التي يمكن ذكرها في هذا الاطار هو خطر الانصهار الداخلي وفقدان الجرأة والقدرة على العمل. ان مشاعر الضعف عند هؤلاء الاشخاص شديدة بشكل استثنائي ، إذ يجب ان يحملوا مشقة وعناء كثيراً.

ويصاحب رد فعل العصاب وجود كثير من الامراض النفسية ، ولهذا يساعد فهم مبدأ ذلك كثيراً في معرفة وعلاج الكثير من الامراض. هذا الخوف يجب ان لايصبح مزمناً لان امكانية علاجه في تلك الحالة تتضاءل جداً وينغلق طريق النجاة بوجه الشخص الى حد كبير.

يتحول الكابوس الى عامل لقبول الجوانب الانفعالية ويشتد ارتباطه بالام او بقية الاقرباء بحيث لايتحرك من مكانه ولايقدر على القيام بأي نشاط حتى في النهار.

ويحول الخوف من النوم دون نومه واستقراره. وقد يتمخض عنه قلة النوم ، والنوم القلق يعد منشأ لكثير من الاضطرابات النفسية ، وقد يؤدي العصاب احياناً الى الاضطراب ، وهو خطر جديد آخر.

الجذور والمنشأ :

طرحت آراء مختلفة حول ماهية جذور العصاب ، ويمكن ادراج بعضها في اطار ثلاثة عوامل مهمة هي :

1 ـ الخوف الشديد والمفاجيء في وقت سابق لايتذكر الطفل شيئاً منه ، ويتمركز هذا الامر في ضمير اللاشعور لدى الطفل.

73

2 ـ رد فعل شرطي سابق في وقت وظروف كانت مرعبة للطفل ، وقد زال الشرط وبقيت آثاره وجوانبه التعميمية.

3 ـ الايحاء الخارجي او علامة خوف عامة او تعارض شديد ، وسببه مجهول عند الطفل أيضاً. ومن الممكن ان يكتبه بشكل من الاشكال.

وثمة اسباب اخرى في هذا المجال ، اهمها : انواع التعلق المفرط ، الاتصال المفرط ، القلق العاطفي ، انعدام الاستقرار النفسي ، العجز عن الدفاع ، فقدان الحيوية في النشاط ، الضعف البدني و ... الخ ، والافضل ان نسمي هذه العوامل ، عوامل مساعدة ونعتبرها من المسائل التي تزيد ذلك.

74

الفصل الحادي عشر العوامل المؤثرة في الخوف :

تمهيد :

هناك عوامل مؤثرة في خوف الطفل من حيث الشدة والضعف ، وكذلك النوع والكيفية ، يحتاج شرحها وبحثها من كل الجوانب الى تفصيل اكثر ، وسنتناول بعض الجوانب باختصار.

في البداية لابد من الاشارة الى ان الناس يتباينون فيما بينهم من جهات مختلفة. ودائرة هذا التفاوت وتوعه وكيفيته وأساسه في موضوع علم النفس واسعة جداً وشاملة للنواحي الظاهرة والباطنية ، الفردية والجماعية وكافة أبعاد الانسان.ومن الطبيعي في هذه الحالة ان يختلف الخوف لدى الاشخاص من النواحي المختلفة ، وهذه الاختلافات ترتبط بما يلي :

1 ـ سن الاشخاص : لاشك انه كلما كان السن أقل كان الخوف اشد. ومسألة الخوف لدى الاطفال في سن ( 3 ـ 5 ) هي اكثر من سائر سني عمر الطفل ، وذلك لأن قوة التخيل شديدة ، باستثناء حالات خاصة.

ويتفاوت نوع الخوف باختلاف السنين. فالاطفال الصغار يخافون من مجموعة اشياء وظواهر الاكبر وصولاً الى البالغين يخافون من اشياء وظواهر اخرى. وبعض المخاوف التي تحصل في مرحلة الطفولة تزول في سنين الفتوة وتظهر بدلاً عنها مخاوف جديدة.

2 ـ الذكاء : أثبتت البحوث العلمية ان هناك ارتباطاً بين المخاوف وذكاء

75

الاشخاص ، فالاشخاص الاذكياء يخافون عادة اكثر من الاشخاص قليلي الذكاء. ويرى العلماء ان النضج العقلي يجب ان يرفع الخوف ، ولكن الحقيقة هي انهم يحاولون مواجهة المسائل بتحفظ اكثر ، وهذا التحفظ يصبح في النهاية سبباً في خوفهم أكثر فأكثر ، هؤلاء أشد خوفاً لأنهم يدركون بشكل اسرع وافضل احتمال وقوع الخطر ويدركون عواقبه بصورة أفضل وأكثر ، اوانهم ينسجون خيالات الخوف في الذهن بشكل اكثر ، وبعد ان يكبر الاشخاص قليلو الذكاء يصبحون طبيعين ويسخرون من مخاوفهم السابقة في الماضي.

3 ـ الجنس : ثمة ارتباط بين المخاوف والجنس. وقد ثبت من خلال التحقيقات والاختبارات ان الخوف لدى الفتيات أشد مما لدى الفتيان. وهذا الامر ينطبق على النساء أيضاً ، أي ان النساء يخفن اكثر من الرجال ، ولعل هذا يرتبط بجانبهن العاطفي ورقتهن.

كما ان الخوف يختلف من حيث النوع لدى البنين والبنات ، فالبنات مثلاً يخفن اشد من الاولاد من الحضور في التجمعات ومن الذهاب الى المدرسة ، ولعل ذلك ناتج من شدة استياء البنت من الانفصال عن الام ، وكذلك ارتباطها غير العادي بالعائلة.

ويجب عدم نسيان عامل التقليد في هذا المجال. كما ان الخوف يستمر لدى البنات اكثر مما لدى البنين.

4 ـ التجربة : أثبتت البحوث ان الخوف لدى الاشخاص ذوي التجربة الاقل في الحياة هو أشد مما لدى غيرهم. من الطبيعي ان الاطفال من اهل الصحراء والتجول والطبيعة والجبال او الذين تستوجب حياتهم العادية ان يسيروا في الظلام ، اكثر جرأة وشهامة من الذين لايعيشون هذه الظروف.

والاطفال القرويون يلاحقون الكلاب والثعالب وحتى الذئاب ؛ وهم بالطبع اشجع من اطفال المدينة الذين يرتجفون عند رؤية صرصر أو فأرة ، ويفرون اذا رأوا ثعلباً.

76

5 ـ نوع التربية : توجد عوائل شجاعة وطبيعية من ناحية الخوف ... يحافظون على رزانتهم في مواجهة مصاعب ومشاكل الحياة. واذا وقعت حادثة يحاولون ان يكونوا جريئين وأن لا ينهاروا أمامها ومن الطبيعي ان يكسب ابناؤهم هذه الصلابة من والديهم ، وهناك احتمال قوي ان يحافظوا على هذا الوضع.

وبالعكس فالآباء والامهات الذين يخافون بشدة وينتابهم الهلع عند رؤية نزاع وصراخ بين قطتين مثلاً ، لا يستطيعون تربية ابناء شجعان. ان الاطفال يتعلمون اخلاق وسلوك ابويهم عادة ويعملون على تنمية ما أخذوه عنهم.

وقد تكون اساليب التربية والانضباط خشنة ومزعجة ؛ ونحن نعرف آباء يضربون اطفالهم بقسوة الى حد تحطيم شخصية الطفل وجرأته. ويصبح الابناء في ظل هذه التربية شديدي الخوف الى درجة لايتمكنون حتى من الدفاع عن انفسهم وشخصياتهم في ما بعد.

6 ـ شخصية الاطفال : يؤثر كما اونقص شخصية الاطفال ، وسلامتهم او مرضهم في ايجاد الخوف لديهم. فهناك اطفال مرضى دائماً ويتعرضون الى زرق الأبر واستعمال الادوية وتحمل العناء والمشقة و ... الخ. طبيعي انهم ينتابهم الخوف والانزعاج اكثر من غيرهم. وهناك اطفال لديهم امراض وخلل نفسي شديد ومضطربون ومنزعجون حتى ان بعضهم مصاب بالهواجس والاضطراب وسائر الاضطرابات الشائعة ؛ فيمهد هذا الامر لمخاوف شديدة وانزعاجات كثيرة.

وهناك ارتباط أيضاً بين مقدار الخوف ونوعه وكيفيته ، وبين عوامل أخرى كالقوة البدنية والنضج الذهني ونوع القيم والامور الاجتماعية والجوانب الثقافية ونوع الصداقة ونوع الصداقة ونوع مايكتسب من وسائل الاعلام الاجتماعية وقوة الارادة و ... الخ نترك شرحها وتوضيحها مراعاة للاختصار.

77

الباب الخامس

فوائد واضرار الخوف

78

-

79

ان الخوف ليس امراً سيئاً دائماً على خلاف ما يتصوره عامة الناس. فهو قد يكون مفيداً في بعض الحالات ، ولكنه يذكر بسوء نظراً لتغلب أضراره على فوائده. في هذا الباب سنبحث فوائد الخوف ومضاره ، وندرس ضرورة علاجه.

وهناك فصل حول فوائد الخوف ، حيث سنتناول بعد المقدمة فوائده ومزاياه في المجال الشخصي والاجتماعي والديني والاقتضادي وحتى السياسي وبشكل مختصر.

اما الفصل الثاني فيدور حول اخطاره ونسعى في ذلك الى دراسة النواحي البدنية والنفسية والاقتصادية والعاطفية والاخلاقية ونشير الى اضرارها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. ونتطرق في الفصل الثالث الى الضرورات المتعلقة باصلاحه ونحاول بحث مختلف جوانبه مع مراعاة الاختصار.

80

الفصل الثاني عشر فوائد واهمية الخوف

المقدمة :

حين يطرح موضوع الخوف في مكان ما ، تثار ازاءه وجهات النظر السلبية ، ويتصور الجميع ـ غالباً ـ ان الخوف امر ضار وخطير. ولو تعمقنا جيداً لادركنا ان فيه فوائد الى جانب مافيه من أضرار ـ ومن غير الممكن ، ولا من المصلحة ، ان نرغب في خلو الحياة من الخوف مطلقاً ، لان الفرد والمجتمع والاخلاق والسياسة والثقافة ستتعرض الى اخطار عديدة. لابد من وجود الخوف ، ولكن الكلام هو في المقدار الذي ينبغي منه ، ولاشك ان الكلام هنا هو عن الخوف المعقول وليس الخطير.

وتجدر الاشارة الى ان الخوف لايتعارض من الشجاعة ، ويمكن ان يكون الشخص شجاعاً مع وجود الخوف ، بمعنى ان يخاف من العوامل الخطيرة والحقيقية ، ولا يخاف من العوامل غير الحقيقية والوهمية

81

عدم الخوف :

قد يدعي بعض الاشخاص في مجتمع ما الشجاعة وعدم الخوف من اي شيء وهو ادعاء لامعنى له برأينا ، إذ لايمكن العثور في العالم على انسان لا يخاف من شيء ، فهناك عوامل كثيرة تؤدي الى خوف الانسان ، عوامل وهمية وعوامل حقيقية.

البعض يخاف من الموت ، وبعض آخر من الوحدة وقسم من القانون والشرطة ، ومجموعة من المرض ومن فقدان المهنة والمنصب والمقام ومن انتهاك الكرامة ، ومن العذاب الالهي ومن الانتقام وعقوبة المجتمع و ... الخ ؛ ومن الضروري حصول بعضها كي تمثل عامل سيطرة نضج الانسان.

نعم قد لايخاف بعض الاشخاص من اي شيء ولكن هؤلاء اما مجانين او مصابون بخلل نفسي او لديهم تخلف ذهني او نقص حسي أو ... الخ ، وبعبارة أكثر صراحة ان فقدان الاشخاص للخوف هو دليل على التخلف الذهني والنقص الحسي و ... الخ.

وبشكل عام ، لايدل الخوف على الضعف وفقدان الشخصية دائماً ، بل يدل في حالات كثيرة على العقل والشعور ويعبر عن سعة ادراك الاشخاص وفهمهم. ومن الطبيعي ان يتجنبو العقل العمل المثير للخوف ، ويجب عدم لومهم في هذا الامر.

وجود الخوف :

الحياة غير ممكنة بدون الخوف حسب رأينا ، وقد تكون ذات طابع منهك.

82

ومن الضروري وجود خوف معقول لدى الاشخاص ؛ لانه اذا زال الخوف تماماً هجم الغرور وخداع النفس والانانية عليهم واصابهم الكبر والغرور.

ويمكن الاشارة الى جوانب عديدة حول فوائد وضرورة الخوف ، هذه بعضها :

1 ـ الجانب الشخصي : يصان الشخص من اخطار واضرار كثيرة نتيجة الخوف. ولو لم يكن لدى الاشخاص خوف لما سعوا الى المحافظة على انفسهم من الخطر. ان سعينا للابتعاد عن الاخطار المختلفة والاضرار والامراض هو احد اسباب بقائنا احياء وسالمين.

ان من صالحنا الفرار من الذئب والابتعاد عن الجراثيم والتلوث ، وتبقى نفوسنا في امان حينما نفر من الشخص الثمل الذي يحمل سكينا بيده ، ومن اجل ان نكون في أمن وسلامة لانعرض ابداننا الى الامراض المختلفة والبرد والحر الشديد.

2 ـ الجانب الاجتماعي : الخوف هو من عوامل المحافظة على سلامة وأمن المجتمع ؛ فليس جميع افراد المجتمع كالملائكة يعرفون واجباتهم ، فلولا الخوف من المراجع القانونية لقام كثير من الاشخاص بالجريمة والمنكرات والفساد ، في بعض الموارد نحتاج الى إشاعة الخوف من القانون بين الناس كي يعلموا انهم يعاقبون اذا خالفوا المعايير. ثمة اناس كثيرون يتجاوزون حدودهم ويؤذون الآخرين من اجل تنظيم حياتهم. ان الخوف في الجانب الاجتماعي يجب ان يحصل كي تنظم العلاقات بين الاشخاص. ويعرفون الحق ويكلفون في ذلك الاطار.

3 ـ الجانب الديني : نعم ؛ لابد من وجود أشخاص كعلي (عليه السلام) ممن يعبدون ، الله لأنه اهل للعبادة ، الى جانب الذين يعبدون الله نتيجة الخوف من جهنم او الطمع بالجنة ، وعلى حد تعبير امير المؤمنين (عليه السلام) : عبادة العبيد وعبادة التجار.

83

ان الخوف من الله واحكامه وسننه ، والخوف من عذاب وحساب الله ، والخوف من العقوبة والانتقام الالهي ، يؤدي إلى أن يسيطر الأشخاص على أنفسهم ويقل اتجاههم نحو الذنب والفساد.

يقول الامام علي (عليه السلام) : الخوف سجن النفس عن الذنوب ورادعها عن المعاصي (1).

كما قال (عليه السلام) : عند الخوف يحسن العمل (2) فوجود هذا الخوف هو لصالح الشخص.

4 ـ الجانب الاقتصادي : الخوف من الفقر عامل يدفع الانسان الى العمل وبذل الجهد ويمهد لحياة سليمة وهادئة. وقد لا يعمل الجميع كما يجب ، اذا لم يكن هناك خوف من الفقر والمعاناة والجوع ويقبلون بعناء النشاط ، وهو من عوامل نمو وإعمار المجتمع والبلد.

ان الحرص على جمع المال والخوف من الفقر في المستقبل البعيد يدفع الاشخاص الى العمل حتى أكثر من الحد المتعارف وتحمل المشاق الكثيرة. وهذا العمل وان كان ليس لصالح الانسان كثيراً لأنه يحول دون بناء نفسه ، الا انه يؤدي بشكل عام الى دخل اكثر واعمار المجتمع. فالخوف يؤدي في الحقيقة الى تقدم المجتمع.

5 ـ الجانب السياسي : الخوف امر مهم وبناء في هذا الجانب أيضاً ، سواء في المجال الوطني أوفي المجال الدولي ، ففي المجال الوطني يؤدي الخوف من العواقب والسجن الى عدم وقوف الاشخاص ضد قانون المجتمع ونظامه ، وعدم تهيئة الارضية للمفاسد والمخالفات والانحراف.

____________

1 ـ غرر الحكم.

2 ـ البحار : ج 78 / ص 90.

84

والخوف ضروري في المجال الدولي كذلك ، فوجود قوات مهمة واسلحة وجنود وقوات مقاتلة يؤدي الى عدم طمع العدو في الهجوم.

ولابد من الاشارة الى فوائد اخرى في هذا الاطار ، منها عامل ايجاد قوة نفسية لدى الاشخاص ، ويوجب الفرار من الذنب ، والمحافظة على سلامة الوجود وصيانة وبقاء النفس واستمرار النسل والحصول على الفوز والحيلولة دون المشاكسات ويؤدي الى نمو وتقدم الدراسة و ... الخ

85

الفصل الثالث عشر أخطار و اضرار الخوف

المقدمة :

قلنا ان المخاوف تكون في بعض الحالات خطيرة وضارة ، وقد اعتبر بعض العلماء ان الخوف هو اكبر عدو للبشر في هذا المجال لانه يسبب مشاكل كثيرة للناس ، الا ان هذا لايمنع وجود بعض المخاوف المفيدة والبناءة ، وقد يكون الخوف الذي اعتبر مفيداً ، ضاراً للبعض وعاملاً في اصفرار الوجه ونحول الجسم وتدهور الصحة.

ان دائرة هذه الاضرار واسعة جداً ويمكن تقسيم بعضها الى خمسة أقسام :

1 ـ الاضرار الشخصية :

تجب هنا الاشارة الى الاضرار التي تواجه الشخص شديد الخوف وتؤثر على بدنه ونفسه وعاطفته. ومن اهم هذه الاضرار :

86

أ ـ في الناحية البدنية : يؤدي الخوف الى الاضرار التالية :

1 ـ يخرج دورة الدم من حالتها الطبيعية ويؤدي الى بطئها عادة.

2 ـ يعيق جهاز الهضم عن القيام بوظيفته العادية.

3 ـ يسمم دم الانسان في حالات كثيرة.

4 ـ يتوقف الطفل عن الحركة والسعي ويقلل نسبة النمو.

5 ـ يؤدي الى اضطراب في النوم فتنجم عن ذلك اضرار اخرى.

6 ـ يعيق الانسان عن الدفاع عن نفسه ، إذ يصرف طاقة اكبر فتضعف قوى الانسان الفعالة.

7 ـ تشل الخلايا العصبية نتيجة ذلك في بعض الحالات.

8 ـ الخوف ينهك الانسان لانه يستلزم طاقة اكثر في الدفاع.

9 ـ واخيرا يؤدي الخوف ـ اذا اصبح شديداً ـ الى العجز ، وقد يؤدي الى الجلطة ، ويسلب من الانسان السرور والبهجة. فالوجوه العابسة وكثرة الشيب والنظرات الذاوية ناتجة في اكثر الأوقات من شدة الخوف.

ويمكن في هذا الصدد ذكر أنواع كثيرة من البؤس والشقاء.

ب ـ من الناحية النفسية : تنتج عن الخوف آثار واضرار خطيرة من الناحية النفسية وثمة امور كثيرة جديرة بالاشارة في هذا الصدد منها :

1 ـ تحديد افق الإدراكات وإثارة الاضطراب في النفس.

2 ـ تحديد التفكير والتعقل وعرقلة النظرة المستقبلية.

3 ـ زوال الجرأة والشجاعة ، وهو اساس لكثير من انواع الاضطراب.

4 ـ غلبة اليأس الى درجة يبدو وكأنه مستعد للموت.

87

5 ـ حصول نوع من الاضطراب النفسي حتى يصل حداً يتصور نفسه وكأنه أسير مصفد بالاغلال.

6 ـ غلبة الاوهام وخاصة الاوهام البصرية حتى يتصور احياناً ان عفريتاً امامه ، او يترآى له في الاجواء المعتمة انه يرى شيئاً ما امام ناظريه.

7 ـ فقدان التوازن النفسي الى درجة القيام بتصرفات طفولية وقد يصاب بالجنون.

8 ـ واخيراً حصول التشتت النفسي وزوال إمكانية اكتساب المعرفة.

ج ـ من الناحية الذهنية : قد يسبب الخوف في هذا الاطار الاضرار التالية :

ـ ضعف الذاكرة الى حد لايتمكن حتى من حفظ عبارة او رقم هاتف.

ـ غلبة النسيان حتى انه ينسى ماكان يعرفه نتيجة للخوف من الامتحان او من الوقوف بين يدي المعلم.

ـ شدة قوة التخيل وغلبة نسج الخيال على الشخص المريض.

ـ يظهر نقص في الذكاء في بعض الحالات الى درجة ان الطفل يبدو عليه الكسل في الصف والمدرسة.

ـ تدني النشاط الذهني بحيث يشعر بالتعب عند أدنى مطالعة.

ـ فقدان التداعي والتذكر الى درجة لا يستفيد منها في المسائل المختلفة.

ـ واخيراً فقدان القابلية على حل المصاعب والالغاز والكلمات المتقاطعة والربط بين مختلف المواضيع.

د ـ من الناحية العاطفية : للمخاوف اضرار من الناحية العاطفية يتلخص بعضها في ما يلي :

ـ تمهد المخاوف الشديدة للاضطراب وتظهر آثار ذلك على الوجوه.

88

ـ يؤدي الخوف في بعض الحالات الى البكاء والتأوه والأنين وهي من سمات اهتزاز الشخصية.

ـ يقترن الخوف بعدم الاستقرار وحدة المزاج الى درجة سلب الهدوء من الانسان وهذه أيضاً تنطوي على مصاعب اخرى.

ـ ينتج عن الخوف احياناً خجل شديد قد يتمخض عنه شلل النشاطات الحيوية.

ـ يتعرض المبتلون بالخوف غالباً الى اليأس وفقدان الشعور بالكفاءة واللياقة.

ـ قد يتبع العوامل التي تسبب الخوف ، كرهاً في نفس الشخص لتلك العوامل والمسببات.

ـ يقترن الخوف احياناً بالاستياء من النفس ومن الآخرين ، حتى انه يضجر من نفسه ويحقد عليها او يشعر بالذنب في بعض الحالات.

ـ واخيراً إن الخوف هو من عوامل الحيرة والحذر الذي لامبرر له ، وتزايد القلق والشعور بقلة الامان وسلب امكانية الدفاع من الانسان.

هـ ـ من الناحية الاخلاقية : الخوف من عوامل السقوط والانحراف الاخلاقي ، فكثير من الاشخاص استسلموا للذلة والمهانة بسبب الخوف. فقد يطلب من شخص اعطاء البيعة او التوقيع على امر غير مشروع فينصاع للأمر صاغراً لكي لايقع في المشقة والعناء.

ـ يكذب الانسان نتيجة الخوف.

ـ تؤدي المخاوف غير العقلانية بالانسان الى بعض الممارسات العابثة.

ـ يحول الخوف دون اصدار الاحكام العقلانية.

ـ يؤدي الى فشل المساعي التي يبذلها في العمل ، أو لغرض اكتساب السمعة.

ـ يحطم مقاومة الانسان.

ـ التكلم بكلام مبهم نتيجة الخوف.

89

الخروج بالآراء والاحكام عن مسارها الصحيح.

ـ الخوف يضعف السجايا الاخلاقية.

ـ يسلب من الانسان روح الانفاق والايثار.

ـ يسلب الانسان الرغبة في النزوع الى الحقيقة.

ـ وأخيراً فان سوء الظن والرغبات المكبوتة واختيار الهدف السلبي والفرار من الحقائق وانكار المرضو الانحدار في مهاوي السقوط الاخلاقي و...الخ كلها ناتجة عن الخوف. ولابد من الاقرار بهذه الحقيقة وهي ان الانسان شديد الخوف يرتكب اخطاء دائماً ، وهو على استعداد لتقبل أي تلوث وانحراف.

2 ـ الضرر الاجتماعي :

ـ اذا اشتدت المخاوف تؤدي الى اضرار اجتماعية منها :

ـ التشكيك بالعلاقات الانسانية والصداقة

ـ يقترن السلوك والتصرفت بسوء الظن والشك والتردد غالباً.

ـ في حالة حصول ادنى ضرر يبحث الاشخاص عن ملاذ كالطبيب والعلاج.

ـ يحصل اختلال في اداء الواجبات الاجتماعية نتيجة الخوف ولايتمكن الانسان من التفكير الا بنفسه.

ـ يحول الخوف دون حصول التفاهم.

ـ يرى الناس انفسهم مضطرين في حالات كثيرة إلى الرضوخ للطلبات غير المشروعة.

وأخيراً تتعرض الاخلاق الاجتماعية الى التفسخ.

90

3 ـ الضرر السياسي

يمكن تشبيه الخوف هذا في الجانب ، بحجر العثرة الذي يعترض طريق الانسان ويحول دون تقدمه في المجال السياسي وبلوغه الهدف المنشود. اذ يفقد الانسان الحرية ويفرض عليه الذلة والرهبة ويدفعه الى نسيان الحق والصلابة والاذعان لكل من هب ودب.

إن الانسان الذي تعتريه المخاوف الشديدة يتبع اي شخص لديه قوة اكثر وان كان ظالماً ، ويضحي بشرفه وعزته الرجولية او الانسانية ويوقع نفسه في مواقع غير انسانية.

كذلك اذا وقعت حرب وجهاد فانه يفرمن هذه المسؤولية العظيمة نتيجة الخوف على النفس او يفر من عدوه فيجلب على نفسه العار والذلة.

كذلك يضطر الى ان يلوذ بالآخرين في مجال الدفاع لانه اعتاد ذلك.

4 ـ من الناحية الاقتصادية :

الخوف عدو خطير في مجال الاقتصاد والعمل والانتاج والنشاط. ويفقد الشخص المعرض للخوف امكانية العمل وحتى انه يعجز عن النشاط اليومي ، ولايتمكن ان يستقر في مكان ويمارس العمل والسعي ، فيفشل في مشروع العمل والنشاط والتخطيط.

ويشغل الخوف اوقات يقظتنا في أغلب الحالات ويمنعنا من النشاط ويقلل عملنا ، وتتهيأ الأرضية ليقلص العمل في ادنى مدة ، وتمتد دائرة ذلك الى بقية جوانب الحياة.

91

5 ـ من الناحية الثقافية :

الخوف هو من العوامل الخطيرة على ثقافة الفرد والمجتمع بالمعنى العام للكلمة. فانى للشخص شديد الخوف ، البحث والالتزام بفلسفة واضحة عن الحياة ومسائلها ؟ فهو عاجز عن التفكير بحرية وغير قادر على البحث عن العلم والفكر ؟ ان الالتزام بالاوهام والخرافات لايبقي له فكراً صحيحاً.

ان الشخص شديد الخوف لايستطيع التفكير بوضوح من الناحية الكفرية والفلسفية الا بصعوبة. وهو بعيد ومنعزل عن الادب ولافي الاستفادة من فنون العمل الادبي ، وكلامه لايتعدى حدود رفع الحاجة الضرورية. وتسير الكتابة والشعرعنده نحو الانحطاط.

تتكون بينه وبين الخوف علاقة ألفة بمرور الزمن ، وتوجد بين الخوف والخرافة رابطة ألفة اخرى ـ الى حد يجيز لنا القول بان الخرافة هي خوف متبلور يتجسد في الانسان ويحوله تدريجياً الى إنسان ممسوخ.

ومع اننا نقر بصحة الخوف المعقول ، الا اننا نفر من المخاوف التي لا معنى لها ونحن على ثقة ان من نتائج الخوف ما يلي :

الاسراف في نشاط الذهن ، وعجز البدن عن النشاط والسرور ، وزوال الحركة والجهد ، وتحول سلوك الشخص الى سلوك طفولي ، حتى انه يدفع الانسان الى التظاهر بالشجاعة فقط.

الخوف يدفع الانسان في بعض الحالات الى العصبية ، ويحفزه للتشبث بالطبيب والحقنة والدواء حتى يتحول الى تعذيب مؤلم للشخص.

92

الفصل الرابع عشر ضرورة الاصلاح

ـ المحافظة على الوجود وصيانته من الخطر.

ـ المواجهة والدفاع عن النفس امام العدو.

ـ المحافظة على الذات في المجتمع الانساني.

ـ انه من الدوافع لاداء الواجبات.

ـ انقاذ المال والأمن من الاخطار العديدة التي تعترض حياة الانسان نعم ان كثيرا من الاشخاص لا يقدرون الواجب كما ينبغي ، وليس لديهم ضمير حي يحفزهم على اداء الواجبات. ويفيد الخوف في توعية هؤلاء بواجبهم.

زوال المخاوف :

ان اغلب المخاوف قابلة للزوال وخاصة التي تنشأ في فترة الطفولة ، ويتحقق ذلك من خلال :

ـ نضج العقل والتفكير لدى الاطفال.

ـ مرور الزمن واكتساب التجارب.

93

ـ زوال المثيرات المرعبة.

ـ ارتفاع مستوى الادراك والوعي عند الاشخاص.

واخيراً اصلاح الحياة ، وهو عامل مهم لزوال الخوف ، وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها وهي ان طبيعة الحياة توجب على الناس ممارسة واجباتهم والمجازفة بتحمل الكثير من المسؤوليات والمهام الصعبة ، واذا وقف الخوف مانعاً في طريقهم فلا بد لهم ان يتجاهلوه ويتقدموا ، بجرأة وقوة ، وهذا عامل مهم في زوال الخوف.

ضرورة اصلاحه :

ومع ذلك يجب اصلاح المخاوف الخطيرة والتي لا معنى لها ، ويجب النظر الى هذا الامر بجدية في فترة الطفولة حيث قد يكون خطيراً عليهم في الحاضر والمستقبل.

ان كثيراً من المخاوف في فترة الطفولة ترافق الانسان وتنمو وتتسع بالتدريج وهذا خطر يفرض على الأبوين الحذر منه.

يجب الاسراع بابعاد الخوف من ذهن الطفل ، والا فيصبح طبعاً ثابتاً لديه ، ويمهد لظهور بعض المضاعفات ، وهناك مخاوف تتحول الى كابوس دائم يقتل الانسان وينهك قواه أو تستمر معه حتى فترة الشباب وسنين الكبر.

امكانية الاصلاح والعلاج :

يمكن السيطرة على المخاوف العصبية وغيرها ، كما ان بعضها قابل للعلاج تماماً حيث ان المخاوف في فترة الطفولة تعالج بسرعة .. ومع تقدم العمر والنمو

94

التدريجي يصعب علاجها اذا ثبت الخوف في النفوس. ان الجزء الاكبر من المخاوف الضارة التي تعكر صفو حياة الانسان قابلة للعلاج ويمكن التخلص منها ، وهذا لا يعني عدم امكانية الاصلاح والعلاج لدى الكبار ، بل يعني صعوبة هذا الامر.

قلنا انه يجب الاسراع بالعلاج ، خاصة لان المخاوف في فترة الطفولة تعم وتمهد لمخاوف اخرى وتسلب من الانسان لذة الحياة كما ان اتساعها يؤدي الى اضطرابات شديدة وتدفع الانسان احياناً الى تضخيم كل حادثة صغيرة والخوف منها. ان ما نطرحه بشأن اصلاح الخوف هو الخوف الذي لا يفيدنا وجوده ، والهدف هو ان يكون لدينا محرك مثير للنشاط بدلاً من الخوف.

95

الباب السادس

علاج الخوف

96

-

97

نتناول في هذا الباب ثلاثة فصول :

نبحث في الفصل الاول مايجب عمله في طريق الاصلاح والعلاج ، وفيه يدور الكلام حول معرفة الاساس والدرجة والسن ، والقيام بازالته.

وفي فصل آخر نطرح طرق العلاج ونحاول تقديم حوالي عشرين طريقة على الاقل ، وعدد الطرق هو اكثر من هذا بالطبع. وسنطرح جزءاً منه باختصار.

والفصل الثالث ينظوي تحت عنوان ( قواعد في العلاج ) حيث نسعى لتقديم عدة قواعد مثل قاعدة الملاطفة وقاعدة الهدوء وقاعدة الحماية والاطمئنان والأمن والعمل والحياة الجماعية والتدريج والاسراع ...

98

-

99

الفصل الخامس عشر في طريق العلاج

المقدمة :

الغرض من هذا البحث هو طرح قواعد في اطار تهذيب الخوف كي تكون مقدمة لطرق علاجه ، ولاشك ان الاجراءات لا يمكن ان تصل الى نتيجة واضحة وبناءة بدون الاطلاع على هذه القواعد. اما في مجال الاصلاح والعلاج :

1 ـ معرفة الاساس : يجب ـ اولاً ـ العمل على معرفة الاساس حتى تحدد عوامله واسبابه تماماً. اذ يجب ان يتضح مم يخاف ولماذا يخاف ، هل هو خوف على النفس ام خوف على الكرامة والمكانة ؟

كما يجب ان يتضح نوع الخوف ، وهل هو فطري ام اكتسابي ؟ معقول ام غير معقول ؟ ظاهر ام خفي في اغلب الحالات ؟ عادي ام مرضي ؟ هل يذكر الطفل سبباً مقبولا لذلك ، ويعتبره عاملاً لتهديده ام انها مجرد اوهام ؟ وما الذي دفعه ؟ فهو يخاف احياناً من مناظر وأصوات مجهولة وتارة يخاف من حركة شيء و ... وطبيعي ان لكل واحدة من الحالات الآنفة طريقة خاصة في المعالجة.

100

2 ـ درجته : يجب معرفة مرحلة الخوف لدى الطفل ، فتارة يكون الطفل شديد الخوف ، الا انه لايعاني من مشقة ، فحياته عادية نسبياً حيث يعيش في عائلة محافظة ورؤوفة وهو محبوب من قبل الآخرين. وتارة يسلب الخوف من الطفل نومه وراحته ، ويصبح من شدة الخوف متعلقاً بغيره تماماً بحيث لا يستطيع القيام بأي عمل. فلا يستطيع الذهاب لوحده الى ساحة البيت ولا الحضور في وسط الناس في المدرسة ولايتمكن ان يستقر ويهدأ في الغرفة. يعيش دائماً في بؤس وشقاء. ومن الطبيعي انه يجب مكافحة هذا الخوف بسرعة وانقاذه من تلك الهواجس.

3 ـ ازالته : يجب السعي في هذه المرحلة لازالة اساس الخوف أو جعل الطفل في وضع يتمكن من تحمل الحياة والسيطرة على خوفه.

ويمكن رفع المخاوف ـ او السيطرة عليها على الاقل ـ وذلك على ضوء بعض الامكانات ، وعلى اساس اختيار بعض الطرق التي سنتناولها باهتمام في الفصل اللاحق.

ان لكل نوع من انواع الخوف طريقة علاج ومراقبة ، ويجب ان يهتم المربي بذلك ، وفي حالة الضرورة لابد من الاستعانة بالطبيب والاخصائي ، وسنطرح بحثاً تفصليا في هذا المجال.

4 ـ البديل : من الضروري في المرحلة اللاحقة رفع الخوف وإحلال الجرأة و الشجاعة محله. ان التغطية على الخوف لاتحل المشكلة بل ويجب الاهتمام بأصل المشكلة كي ترتفع ، وتزول تجارب الطفولة بسرعة. والطفل يمتاز عادة بالمرونة والقابلية على التغير بسرعة.

الاسلام يريد « المؤمن الاصلب من الجيل » حسب تعبير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فاذا استطعنا ازالة الخوف تمكنا ـ من خلال بعض الطرق ـ ان نبني من هؤلاء

101

الاشخاص ابطالا يقومون بأعمال تحير العقول. وقد رأينا امثلة ذلك في الحياة اليومية ، وهناك امثلة في التاريخ. وعندما يأمر الاسلام بمكافحة الخوف فذلك يعني ان المسألة ممكنة.

5 ـ استمرار المكافحة : قد تترسخ المخاوف لدى الاشخاص ، ويصبح علاجها واستئصالها شبه مستحيل في تلك الحالة. واذا تمكنا من علاج الخوف فيجب ان لا نرضى ونقتنع بهذا القدر لان حالاته قد تعود الى الاشخاص مجدداً ، فكثير من العادات والتصرفات في فترة الطفولة تعود وتجلب لهم العناء.

نعم ، يزول الألم بعد علاج الخوف. ان الخوف من الطبيب يزول في الظاهر ويتجرأ الطفل ، الا ان تلك الحالة قد تعود الى الاطفال بأدنى تجربة مرة ويشتد خوفه ، فاستخدام بعض الفنون والاساليب يزيل خوف الطفل من القطة ويألفها لفترة من الزمن ، ولكن خوفه يتزامن مع الغضب وعدم الاهتمام بارشاد الام والاب اذا ضربته القطة بمخالبها مرة ثانية وجرحت يده. وسنبحث هذا في فصل آخر.

102

-

103

الفصل السادس عشر طرق العلاج

المقدمة :

ذكرنا انه يجب السيطرة على الخوف واستئصاله عند الامكان ، ومن الافضل الاسراع في هذا العمل. كما يجب القيام بهذه المراقبة كي لايشتد الخوف ويسيطر على الاشخاص ، وفي تلك الحالة تتعرض سعادة الانسان الى الاهتزاز.

نحن مكلفون بحكم الدين والعقل ببناء انفسنا ومجتمعنا ، وأن نستفيد من امكانات الحياة ومن المصادر الموجودة على الارض والتي خلقها الله للبشر ، ولا يتأتى لنا استغلالها الا بعد ان نشمر عن السواعد وندخل ميدان الحياة بجرأة. ومن الضروري توفر محيط عاطفي سليم للحصول على السعادة.

104

-