المبسوط في فقه الإمامية - ج7

- الشيخ الطوسي المزيد...
290 /
103

ضمان الطرف، و له من هذه النفس قطع يمينها، و قد فات بغير اختياره فيكون له دية اليمين، و هو نصف الدية، و عليه دية النفس فيتقاصان بالنصف، و يفضل له عليه نصف الدية يستوفى منه.

و قال بعضهم إذا قطع يساره فسرى إلى نفسه كان المستوفي ليمينه قصاصا فيسقط حقه منها، و يكون عليه كمال الدية، كمن وجب له قطع يد رجل فقطعه ثم عاد فقتله، فان عليه كمال الدية كذلك ههنا.

هذا إذا اتفقا من غير اختلاف، فأما إن قطع يساره ثم اختلفا فقال الباذل بذلتها لتكون بدلا عن يميني، فلي ديتها، و قال القاطع المقتص بل بذلتها مع العلم بأنها لا تكون بدلا عن يمينك فهدرت، فالقول قول الباذل لأن الاختلاف في نيته و إرادته و هو أعلم بها.

فان حلف ثبت أنه بذلها على سبيل العوض، فيكون الحكم على ما مضى، فان نكل رددنا اليمين على المقتص يحلف ما بذلها إلا و هو يعلم أنها لا يكون بدلا عن اليمين، فإذا حلف كانت هدرا، و بقي له القصاص في يمينه.

هذا إذا اختلفا فأما إن اتفقا على قطعها باليمين، مثل أن تراضيا به فقطعت على هذا لم يكن بدلا عن يمينه، لأن ما لا يقع قصاصا عن الشيء، لم يقع قصاصا عنه بالتراضي، كما لو قتل عبده عبدا لرجل فقال له السيد اقتلني بعبدك أو اقتل عبدي الآخر بعبدك ففعل لم يقع القصاص موقعه.

فإذا تقرر هذا فلا قود على المقتص في اليسار، لأنه بذلها لتكون بدلا عن اليمين، و كان شبهة في سقوط القصاص عنه، و عليه دية هذه اليسار لأنه بذلها على سبيل العوض، فإذا لم يسلم ما في مقابلها رجع إلى بدلها كما قلنا في المبيع و الثمن.

فإذا ثبت أن على المقتص دية يساره فهل له قطع يمين الباذل أم لا؟ قال بعضهم:

ليس له قطعها لأن رضاه بقطع اليسار مكان اليمين عفو منه عن اليمين، فلهذا سقط القصاص عنها. و قال آخرون: لا يسقط، و له قطع يمينه، لأنه أخذ اليسار بدلا عن

104

اليمين، فإذا لم يصح أخذها عن اليمين و اليمين قائمة، كان له الرجوع إلى عين ماله كرجل باع عبدا بثمن معين فتلف الثمن قبل القبض، رجع سيد العبد إلى عين ماله حين لم يسلم له الثمن، كذلك ههنا يرجع المقتص إلى ما وجب له، و هو قطع اليمين.

فمن قال لا يسقط القصاص عن يمينه قال له على المقتص دية يساره، و للمقتص قطع اليمين، فان سرى قطع اليسار إلى النفس أو اندملت كان الحكم على ما مضى، و من قال ليس له قطع يمينه فله ديتها، و عليه دية يسار الباذل، فان كانت الديتان سواء تقاصا، و إن اختلفا مثل أن كان أحدهما رجلا و الآخر امرأة تقاصا فيما اتفقا، و رجع صاحب الفضل بالفضل.

هذا الكلام فيه إذا كانا عاقلين فأما إن كان أحدهما مجنونا نظرت، فان كان الجاني عاقلا ثم جن قبل القصاص عنه، و المجني عليه المقتص عاقل، فقال له العاقل أخرج يمينك لأقطعها فأخرجها فقطعها فقد استوفى حقه من المجنون، لأنه قبض ما كان واجبا عليه، فوقع الاستيفاء موقعه لا ببذل المجنون، فهو كما لو وثب على حقه من القصاص و استوفاه وقع موقعه، و لا يراعى جهة المقتص منه كذلك ههنا.

و إن قال لهذا المجنون أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها نظرت في المقتص فان كان جاهلا بأنها يسار المجنون فلا قود عليه شبهة، و عليه دية يسار المجنون، و ان كان عالما بأنها يساره فعليه القود في يساره، لأن المجنون لا يصح منه البذل، فهو كما لو قطع يساره كرها، فقد وجب عليه للمجنون قطع اليسار، و له قطع يمين المجنون.

فان كانت بالضد و هو أن جن المجني عليه و الجاني عاقل، فقال له المجنون أخرج يسارك فأخرجها له فقطعها المجنون هدرت، و لا ضمان عليه، سواء اعتقد أنه يستوفيها بدلا عن يمينه أو لم يعتقد ذلك، لأن من بذل يده للمجنون يقطعها فقطعها فهو الذي أبطل حق نفسه، كما لو بذل له ثوبا فخرقه، و إن قال له المجنون أخرج يمينك فأخرجها فقطعها المجنون ذهبت هدرا أيضا لأنه لا استيفاء للمجنون، فيكون كأنها سقطت بآكلة، فيكون للمجنون ديتها.

105

فأما إن وثب المجنون فقطع يمين الجاني فهل يكون قصاصا أم لا؟ قال بعضهم:

يكون قصاصا لأن المجنون إذا كان له حق معين فأتلفه كان بمنزلة الاستيفاء، كما لو كان له وديعة عند غيره فهجم عليها فأتلفها، فلا ضمان على المودع، و قال بعضهم و هو الأقوى: إنه لا يكون ما فعله استيفاء لحقه و لا يكون قصاصا، لأن المجنون لا يصح منه استيفاء حقه بحال.

و يفارق الوديعة لأنه إذا أتلفها فلا ضمان على المودع، لأنها تلفت بغير جناية و لا تفريط كان منه، فهو كما لو أتلفها غير المجنون، فلهذا سقط عنه الضمان و ليس كذلك ههنا لأن الضمان لا يسقط عنه بذهاب يمينه، و إن كان هلاكها بغير تفريط كان منه. فبان الفصل بينهما.

فمن قال قد استوفا حقه فلا كلام و من قال ما استوفا حقه كان حقه مضمونا لأن إتلاف المجنون يقع مضمونا فقد ذهبت يمين الجاني بقطع المجنون، فوجبت ديتها بقطعه، و للمجنون دية هذه اليمين.

و من قال عمد المجنون عمد، فدية اليمين عنده عليه، و له ديتها يتقاصان، و من قال عمدة في حكم الخطأ قال دية يمين الجاني على عاقلة المجنون، و لهذا المجنون دية هذه اليمين على الجاني يستوفى المجنون دية يمينه من الجاني، و يستوفى الجاني دية يمينه من عاقلة المجنون.

إذا قطع يدي رجل و رجليه فالظاهر أن عليه ديتين

دية في اليدين، و دية في الرجلين، فان مات بعد الاندمال استقرت الديتان على الجاني، و إن سرى القطع إلى نفسه فعليه دية واحدة، لأن أرش الجناية يدخل في بدل النفس.

فإذا ثبت هذا فقطع يدي رجل و رجليه، ثم مات المجني عليه ثم اختلفا فقال الولي مات بعد الاندمال فعليك أيها الجاني كمال الديتين، و قال الجاني مات بالسراية من القطع، و ليس على إلا دية واحدة، قال بعضهم القول قول الولي- و صورة المسئلة أن المجني عليه مات بعد القطع بمدة يمكن اندمال القطع فيها، فعلى هذا يكون القول قول الولي لأن الظاهر أنه قد وجب على الجاني ديتان

106

بدليل أن للولي المطالبة بهما قبل الاندمال على قول بعضهم، فإذا كان الظاهر هذا احتمل أن يكون القول قول الجاني أنه ما اندمل، و احتمل أن يكون القول قول الولي أنه قد اندمل، فتقابلا، و كان الظاهر وجوب الديتين، فلا نسقطهما بأمر محتمل.

و إن كان بين الموت و القطع مدة لا يمكن الاندمال فيها، مثل أن يكون مات بعد يوم أو خمسة، فالقول قول الجاني ههنا، لأن الظاهر معه، لأنه لا يمكن الاندمال في هذه المدة، و يكون القول قوله مع يمينه أنه مات من سراية القطع، لجواز أن يكون الموت بحادث غير القطع، مثل أن لدغته حية أو عقرب.

هذا إذا اتفقا على المدة، فأما إن اختلفا فيها، فقال الجاني مات قبل أن تمضي مدة يندمل في مثلها، و قال الولي بل مضت مدة يندمل في مثلها، فالقول قول الجاني لأن الأصل بقاء المدة حتى يعلم انقضاؤها، و بقاء الجناية و السراية حتى يعلم برؤها.

فإن كانت المسئلة بالضد من هذا، فقطع يد رجل فمات المقطوع ثم اختلفا فقال الجاني مات بعد الاندمال فعلى نصف الدية، و قال الولي بل قبل الاندمال فعليك كمال الدية، لم يخل من أحد أمرين إما أن تمضي مدة يندمل في مثلها، أولا تمضي، فان كان هذا بعد مضى مدة يندمل في مثلها، فالقول قول الجاني لأن الظاهر معه، و هو أن الواجب نصف الدية، و الولي يدعي دية كاملة، و الأصل براءة ذمته، فكان القول قوله.

و إن كان قبل أن تمضي مدة يمكن الاندمال فيها، فالقول قول الولي لأن الظاهر معه، و أن الاندمال لم يحصل، فكان القول قول الولي.

و إن اختلفا في المدة فقال الجاني قد مضت مدة يندمل في مثلها، و قال الولي ما مضت، فالقول قول الولي لأن الأصل أنها ما مضت فالولي في هذه كالجاني في تلك.

فرع: رجل قطع يدي رجل و رجليه و اختلفا

فقال القاطع: مات من السراية فعلى دية واحدة، و قال الولي مات من غير السراية و هو أنه شرب سما فمات أو قال قتل

107

فعليك كمال الديتين، فليس بينهما ههنا خلاف في مدة، و إنما الخلاف فيما مات المجني عليه منه، فمع كل واحد منهما ظاهر يدل على ما يدعيه: مع المجني عليه ظاهر لأن الأصل أنه ما شرب السم، و مع الولي ظاهر و هو أن الأصل وجوب الديتين على القاطع.

و قال بعضهم يحتمل وجهين أحدهما أن القول قول الولي لأن الظاهر وجوب الديتين و هو يدعى ما يسقطهما، فكان القول قول الولي كما إذا أوضحه موضحتين ثم انخرق ما بينهما و صارت واحدة، ثم اختلفا، فقال الجاني انخرق ما بينهما بالسراية فعلى دية موضحة واحدة، و قال المجني عليه أنا خرقت بينهما فعليك دية موضحتين، فالقول قول المجني عليه و لا فصل بينهما.

و يحتمل أن يكون القول قول الجاني لأن الأصل أن المجني عليه ما شرب السم، فقد ثبت أن كل واحد منهما معه ظاهر يدل على ما يدعيه و يجري مجرى مسئلة الملفوف في الكساء: إذا قطعه قاطع بنصفين ثم اختلفا فقال القاطع كان ميتا حين القطع، و قال الولي كان حيا حين القطع، فإنه يقول بعضهم: القول قول القاطع لأن الأصل براءة ذمته، و قال غيره القول قول الولي لأن الأصل بقاء الحيوة كذلك ههنا.

إذا وجب القصاص على إنسان و أراد أن يقتص منه

، فإن الإمام يحضر عند الاستيفاء عدلين متيقظين فطنين احتياطا للمقتص منه، لئلا يدعى من له الحق أنه ما استوفاه، و أنه هلك بغير قصاص، و ليتأمل الآلة، فيكون صارما غير مسموم، لأنه إن كان مسموما هراه.

فإن حضر العدلان و استوفى بحضرتهما فلا كلام، و إن استوفى حقه بغير محضر منهما، فان استوفاه بصارم غير مسموم فقد استوفى حقه، و لا شيء عليه، لأنه استوفى حقه على واجبة، و إن استوفى بسيف كال فقد أساء لأنه عذبه و لا شيء عليه، لأنه ما استوفى أكثر من حقه، و إن استوفاه بصارم مسموم فقد استوفا حقه، و عليه التعزير

108

لأنه بمنزلة جناية عليه حينئذ بعد استيفاء القصاص، فهو كما لو قتله ثم عاد فقطعه أو حرقه فانا نعزره كذلك ههنا.

فأما إن كان في طرف فالحكم على ما مضى فان استوفى القطع بصارم غير مسموم فلا كلام، و إن كان بسيف كال فقد أساء و لا شيء عليه، و إن كان بسيف مسموم فمات فقد مات عن سراية مضمونة، فهو كما لو قطع يد مرتد ثم أسلم فجرحه مسلم ثم مات أو قطع يد رجل ثم قطع آخر رجله ظلما ثم سرى إلى نفسه فكل هذا سواء، فما قابل المضمون ضمن، و ما قابل غيره هدر، فيكون عليه نصف الدية و عليه التعزير.

يعطى الذي يقيم الحدود و يقتص للناس من بيت المال أرزاقهم

، عندنا و عند جماعة، و إن لم يكن بيت مال أو كان موجودا لكن هناك ما هو أهم منه كسد الثغور و تقوية المقاتلة كانت الأجرة على المقتص منه عند قوم، و قال آخرون اجرة القصاص على المقتص المستوفي دون المستوفي منه و هو الأقوى.

إذا قطع يد عبد ففيه نصف قيمته و يستوفيها

و يمسك العبد مولاه، و قال بعضهم على الجاني نصف قيمته، و يكون السيد بالخيار بين إمساكه و يستوفي نصف قيمته، و بين أن يسلم العبد إلى الجاني و يطالبه بكمال قيمته، و إن قطع يدي عبد أو رجليه كان عليه كمال قيمته، و يسلم العبد عندنا و عند جماعة يمسكه مولاه.

إذا قطع رجل يد عبد و الآخر يده الأخرى

كان عليهما كمال قيمته، على كل واحد منهما نصفه، و تمسك المولى العبد ههنا بلا خلاف و في الأول خلاف، و فيهم من سوى بين المسئلتين فجعل العبد بين الجانبين و هو الأقوى.

109

فصل في عفو المجني عليه بموت

يمكن فرض المسئلة إذا قطع يده أو رجله أو قلع عينه ثم عفا عنه، لكنا نفرضها فيما إذا قطع إصبعه عمدا فإنه أوضح و أوسع للتفريع،

فإذا قطع إصبعه عمدا ثم عفا المجني عليه

لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يندمل الإصبع، أو يسرى إلى الكف أو إلى النفس.

فان اندملت و قد قال عفوت عن عقلها و قودها فلا قصاص عليه في الإصبع، لأنه عفا عنه، و كان واجبا حين العفو، و أما دية الإصبع فقد صح العفو عنها أيضا، و قال بعضهم لا يصح العفو، و الأول هو الصحيح.

و لا فصل فيه إذا اندملت بين أن يقول عفوت عن عقلها أو قودها، أو يزيد فيقول و ما يحدث فيها، أو لا يزيد عليه، لأنه لا زيادة بعد الاندمال.

و إن قال: عفوت عن الجناية و لم يزد على هذا، كان عفوا عن القود دون العقل لأنه ما عفى عن المال.

فان اختلفا فقال المجني عليه عفوت عن الجناية فقط و قال الجاني عفوت عن القود و العقل، فالقول قول المجني عليه، لأنهما يختلفان في إرادته فكان صاحبها أعلم بذلك.

هذا إذا اندملت، و أما إذا سرت إلى الكف و اندملت فلا قود في الإصبع الذي باشر قطعها لأنه قد عفا عنه، و لا عقل في الإصبع، لأنه قد عفى عنه أيضا و أما الكف بعد الإصبع فلا قود فيها لأنه لا قصاص في الأطراف بالسراية و يجب على الجاني دية ما بعد الإصبع، و هو أربع أصابع أربعون من الإبل، و يكون الكف تبعا للأصابع و سواء قال عفوت عن عقلها و قودها و ما يحدث فيها، أو لم يقل: و ما يحدث منها،

110

لأن الحادث ههنا وجوب دية ما بعد الإصبع فهو عفو و إبراء عما لم يجب فلا يصح العفو عنه.

فأما إذا سرا إلى نفسه فالقود في النفس لا يجب لأنه عفا عن القود في الإصبع، و إذا سقط فيها سقط في الكل لأن القصاص لا يتبعض، و هذا القصاص يسقط عن النفس سواء قلنا تصح الوصية من القاتل أولا نقول، لأن القولين معا فيما كان مالا.

فأما القصاص فإنه يصح لأنه ليس بمال بدليل أنه قد يعفو عن القود من لا يصح أن يعفو عن المال، و هو المحجور عليه لسفه، فلو كان القصاص مالا ما صح عفو السفيه عنه و الذي رواه أصحابنا أنه إذا جنى عليه فعفا المجني عليه عنها ثم سرا إلى نفسه كان لأوليائه القود إذا ردوا دية ما عفى عنه على أولياء المقتص منه، فان لم يردوا لم يكن لهم القود.

فأما دية النفس فلا يخلو إما أن يقول عفوت عنها

و ما يحدث من عقلها أو لا يقول عما يحدث من عقلها، فان قال و ما يحدث منها من عقلها، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بلفظ الوصية أو بلفظ العفو و الإبراء.

فإن كان بلفظ الوصية فهذه وصية لقاتل، و هل يصح الوصية له أم لا؟ قال قوم: لا يصح لقوله (عليه السلام) ليس لقاتل شيء، و قال آخرون يصح الوصية له لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) إن الله أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، دل على أنها لغير وارث، و هذا غير وارث، و الذي يقتضيه مذهبنا أنها تصح للقاتل لأنه لا مانع منه.

فمن قال لا يصح الوصية للقاتل، قال: تكون الدية ميراثا، و من قال يصح كانت الدية كلها له، إن خرجت من الثلث، و إن لم يخرج منه كان له منها بقدر الثلث.

و أما إن كان بلفظ العفو و الإبراء فهل الإبراء و العفو من المريض وصية أم لا؟ قال قوم هو وصية لأنه يعتبر من الثلث، و قال آخرون هو إسقاط و إبراء، و ليس بوصية لأن الوصية نقل ملك فيما يأتي، و الإبراء و العفو إسقاط في الحال، فلهذا لم يكن العفو كالوصية، و عندنا أنه ليس بوصية و هل يعتبر من الثلث؟ لأصحابنا فيه روايتان قد مضتا.

111

فمن قال عفوه كالوصية فالحكم فيه كما لو كان بلفظ الوصية، و قد مضى، و من قال هو إبراء و ليس بوصية فعلى هذا صح الإبراء عما وجب له، و هو دية الأصابع و لم يصح فيما عداه، و لأنه إبراء عما لم يجب و الإبراء عما لم يجب لا يصح.

فأما إن قال عفوت عن الجناية و قودها و عقلها، و لم يقل و ما يحدث منها، قال بعضهم لا قصاص في النفس لأنه عفا عن البعض فيسقط، و أما دية النفس فباقية بحالها لأنه ما أوصى بها و لا عفا.

و أما دية الإصبع وحدها ينظر فيه فان كانت بلفظ الوصية فهل يصح أم لا؟

فمن قال الوصية للقاتل يصح، صح له دية الإصبع، و من قال لا يصح له لم يصح دية الإصبع، فإن كان ذلك بلفظ العفو و الإبراء فمن قال هو كالوصية فالحكم على ما مضى، و من قال إسقاط صح الإبراء عن عقل الإصبع بكل حال، لأنه عفى عما وجب له عليه.

إذا جنى عبد على حر جناية يتعلق أرشها برقبته

، كأنها موضحة فتعلق برقبته أرش موضحة، ثم إن المجني عليه أبرء، ففيه ثلاث مسائل إن أبرء العبد فقال أبرأتك أيها العبد عنها لم يصح، لأنه إبراء من لا حق له عليه، و إن أبرء السيد برأ و سقط عن رقبة العبد، لأنها و إن كانت متعلقة برقبة العبد، فالعبد يعود على السيد فلهذا صح، و إن عفا مطلقا فقال عفوت عن أرش هذه الجناية صح، و كان راجعا إلى سيده، و هذه وصية لغير القاتل فصحت.

و إذا قتل حر حرا خطأ لم يخل من أمرين

إما أن يثبت هذا عليه بالبينة أو باعترافه، فان كان ثبوتها عليه بالبينة، فالدية على عاقلته، و فيه المسائل الثلاث إن أبرء الجاني لم يصح الإبراء، لأنه إبراء من لا حق له عليه، و إن أبرء العاقلة صح، و إن أطلق فقال عفوت عن أرش هذه الجناية و أبرأت عن أرشها صح، و إن كان راجعا إلى العاقلة و هي وصية لغير القاتل فيصح.

و إن كان ثبوت القتل باعترافه فالدية في ذمته، و فيها ثلاث مسائل:

112

إن أبرء العاقلة لم يصح لأنه لا حق له عليهم، و إن أبرء القاتل فقال أبرأتك عنها أو أطلق فقال أسقطت عقل هذه الجناية، كانت هذه وصية للقاتل، و هل يصح؟

على قولين، و قلنا إن عندنا يصح.

ذمي قتل مسلما خطأ فإن كان ثبوته بالبينة كانت الدية على عاقلته

و فيه المسائل الثلاث و روى أصحابنا أن عاقلته الامام، و إن كان باعترافه فالدية في ذمته، و فيه المسائل الثلاث، فان كانت أبرء له فهي وصية للقاتل، فيكون على ما مضى من الخلاف.

و لا فصل بين الذمي و المسلم في هذا، لكن هناك فصل يخالف المسلم فيه، و هو أن المسلم إن كان له عاقلة فالدية على عاقلته، و إن لم يكن له عاقلة ففي بيت المال، و الذمي إذا لم يكن له عاقلة فالدية في ذمته دون بيت المال عندهم، و قد قلنا ما عندنا فيه.

و فصلوا بينهما بأن المسلم عصبة المسلم، بدليل أنهم يرثونه إذا لم يكن له وارث، فلهذا عقلوا عنه، و ليس كذلك الذمي لأنه إذا لم يكن له وارث نقل ما له إلى بيت المال فيئا لا ميراثا، و عندنا لا فرق بينهما في أن كل واحد منهما إذا لم يكن له وارث كان ميراثه للإمام، فلهذا عقل عنه.

إذا جنى عبد على حر جناية لها أرش مقدر

، و نفرضها في الموضحة لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون عمدا أو خطأ، فإن كانت خطأ تعلق برقبة العبد خمس من الإبل أخماسا، فإن اشتراه المجني عليه من سيده بما تعلق له برقبته من الإبل فهل يصح أولا؟ قال قوم يصح، و قال بعضهم لا يصح، لأن الثمن مجهول بدليل أن الإبل و إن كانت معلومة العدد و السن فإنها مجهولة النوع و اللون، بدلالة أنه لو أسلم إليه في خمس من الإبل على هذا القدر من الصفة لم يصح، فإذا كان مجهولا كان باطلا، و من قال يصح و هو الأقوى، قال: لأنه حق و هو مال مستقر يملك المطالبة به، فيصح أن يكون ثمنا في البيع كالدين المعلوم.

فمن قال البيع باطل فلا كلام، و من قال: صحيح ملك المجني عليه العبد،

113

و سقط الأرش عن رقبته، فإن أصاب المشتري بالعبد عيبا كان له رده، فإذا رده عاد الأرش إلى رقبته، فان كانت الجناية عمدا تعلق برقبته القود في الموضحة، فإن قال المجني عليه لسيده بعني هذا العبد بأرش هذه الجناية كان يجب هذا عفوا عن القصاص و ثبوت الأرش في رقبته، و جعله ثمنا له، فيسقط القصاص و يثبت الأرش في رقبته و هل يصح أن يكون ثمنا يملكه به من سيده؟ على ما مضى إذا كانت خطأ.

كل جرح إذا اندمل وجب فيه القصاص إذا سرى إلى النفس وجب فيه القصاص

عند بعضهم، مثل أن قطع يده أو رجله أو قلع عينه أو أوضحه فله القطع في الجرح و القتل و فيه خلاف، و قد بينا فيما مضى أن الذي يقتضيه مذهبنا أنه ليس له إلا القتل و أما قصاص الطرف، فإنه يدخل في قصاص البدن.

فأما إن قطع يده ثم قتله فكذلك، له القصاص في الطرف و النفس

، و هو الأقوى عندي، و قال بعضهم لا قصاص في الطرف هيهنا أيضا.

فمن قال له القطع و القتل بعده قال هو بالخيار بين أن يقتل و لا يقطع، و قد ترك بعض حقه، و بين أن يقطع و يعفو عن القتل، فإذا فعل هذا لم يجب عليه دية اليد التي قطعها، و قال بعضهم إذا عفا بعد قطع اليد فعليه دية اليد التي قطعها.

114

كتاب الديات

قال الله تعالى «وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلّا خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلّا أَنْ يَصَّدَّقُوا، فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» (1).

فذكر الله تعالى في الآية ديتين و ثلاث كفارات، ذكر الدية و الكفارة بقتل المؤمن في دار الإسلام فقال «وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ».

و ذكر الكفارة دون الدية بقتل المؤمن في دار الحرب في صف المشركين إذا حضر معهم الصف فقتله مسلم ففيه الكفارة دون الدية، فقال «فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» لأن قوله «وَ إِنْ كانَ» كناية عن المؤمن الذي تقدم ذكره، و قوله «مِنْ قَوْمٍ» معناه في قوم لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض.

ثم ذكر الدية و الكفارة بقتل المؤمن في دار المعاهدين فقال «وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» و عند المخالف أن ذلك كناية عن الذمي في دار الإسلام، و ما قلنا أليق بسياق الآية، لأن الكنايات في «كان» كلها عن المؤمن، فلا ينبغي أن يصرفها إلى غيره بلا دليل.

و روى مالك عن عبد الله ابن أبى بكر بن أبى حزم عن أبيه عن جده أنه قال: كان في الكتاب الذي كتبه رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن: و في النفس مائة من الإبل، و عليه أيضا إجماع الأمة و إن اختلفوا في تفصيلها.

____________

(1) النساء 92.

115

فصل في أقسام القتل و ما يجب به من الديات

القتل على ثلاثة أضرب:

عمد محض، و هو أن يكون عامدا إلى قتله بآلة يقتل غالبا كالسيف و السكين و اللت و الحجر الثقيل عامدا في قصده، و هو أن يقصد قتله بذلك، فمتى كان عامدا في قصده عامدا في فعله فهو العمد المحض، و الثاني خطأ محض و هو ما لم يشبه شيئا من العمد، بأن يكون مخطئا في فعله مخطئا في قصده، مثل أن رمى طائرا فأصاب إنسانا فقد أخطأ في الأمرين معا.

الثالث عمد الخطأ أو شبه العمد، و المعنى واحد، و هو أن يكون عامدا في فعله خطئا في قصده، فأما عامدا في فعله: فهو أن يعمد إلى ضربه لكنه بآلة لا يقتل غالبا كالسوط و العصا الخفيفة، و الخطأ في القصد أن يكون قصده تأديبه و زجره و تعليمه لكنه مات منه، فهو عامد في فعله مخطئ في قصده.

و أما الديات فتنقسم ثلاثة أقسام أيضا بانقسام القتل:

مغلظة في السن و الصفة و الاستيفاء: فالسن ثلاثون حقة، و ثلاثون جذعة، و أربعون خلفة، و الصفة أن يكون الأربعون حوامل، و الاستيفاء أن يكون حالة في مال القاتل، و هي كل دية وجبت بالعمد المحض، غير أن عندنا أنها كلها مسان من الإبل و تؤخذ من ماله خاصة في سنة، و قال بعضهم تؤخذ في ثلث سنين.

الثانية مخففة من ثلثة أوجه: السن و الصفة و الاستيفاء فالسن عشرون بنت مخاض و عشرون ابن لبون ذكرا، و عشرون بنت لبون، و عشرون حقة و عشرون جذعة، و الصفة لا يطلب منه حوامل، و الاستيفاء أن يكون مؤجلة ثلاث سنين على العاقلة، و هي كل دية وجبت بالخطإ المحض.

الثالثة مغلظة من وجه مخففة من وجه فالتغليظ بالسن و الصفة على ما قلناه في العمد و التخفيف في الأجل عندنا تؤخذ في سنتين من ماله خاصة، و عند بعضهم على العاقلة

116

في ثلاث سنين، مثل الخطأ المحض و فيه خلاف.

و قال بعضهم: القتل ضربان عمد محض، و خطأ محض، و عمد الخطأ لا يعرفه و قال شبه العمد عمد يوجب القود، و قسم الدية ثلاثة أقسام: مغلظة و هو ما وجب بالعمد إلا أنه قسمها أرباعا، و قد روي ذلك في أخبارنا، و مخففة و هي الواجبة بالخطإ و الثالث ما وجب بقتل الوالد ولده حذفا بالسيف، و فيه دية مغلظة ثلاثون حقة و ثلاثون جذعة و أربعون خلفة: الخلفة هي الحامل و قيل ان التي يتبعها ولدها، و المعتبر الحامل في الدية و لا يختص بسن، و قال بعضهم يكون ثنايا.

و متى أحضر الإبل و اختلف ولى الدم و صاحب الإبل في كونها حوامل رجع إلى أهل الخبرة فعمل على ما يقولونه و متى أحضرها حوامل فأزلقت يعنى أسقطت قبل الإقباض، كان عليه بدلها حوامل، و إن أزلقت بعد الإقباض فلا شيء عليه.

قد ذكرنا أن القتل ثلاثة أقسام: عمد محض، و خطأ محض، و خطأ شبه العمد، فهكذا الجناية على الأطراف ينقسم هذه الأقسام إذا جنى على رأسه أو على طرفه فأوضحه فإن كان عامدا في فعله و قصده، و هو أن ضربه عمدا بآلة يوضح غالبا فهو عمد محض، و إن كان مخطئا في فعله و قصده فهو خطأ محض، و إن كان عامدا في فعله مخطئا في قصده، مثل أن عمد بحجر لا يوضح غالبا فكان موضحة فهو عمد الخطأ.

فلا تفترق النفس و الأطراف في أقسام الجناية عليهما، و إنما يفترقان في فصل و هو أنه قد يكون في الأطراف عمدا، و في النفس عمد الخطأ، و هو إذا ضربه بحجر يوضح غالبا و لا يقتل غالبا فيكون في الموضحة عمدا محضا، و في النفس عمد الخطأ.

قد ذكرنا أن الدية تغلظ في العمد المحض و عمد الخطأ، و تخفف في الخطأ المحض، فهذه مخففة أبدا إلا في ثلثة مواضع: المكان و الزمان و الرحم.

أما المكان فالحرم، و الزمان فالأشهر الحرم، و الرحم بأن يقتل ذا رحم بالنسب كالأبوين و الإخوة و الأخوات و أولادهم و فيه خلاف.

117

و فيمن غلظ من لا يغلظ بالزيادة في الدية، و إنما يغلظ بأسنان الإبل، و عندنا أنها تغلظ بأن يوجب دية و ثلث، و قطع الأطراف يغلظ أيضا بالزمان و المكان و الرحم عنده، و لم يذكر أصحابنا التغليظ إلا في النفس.

إذا قتل أو قطع طرفا في الحرم استقيد منه بلا خلاف، و إن قطع في الحل أو قتل ثم لجأ إلى الحرم، فقال بعضهم: يستقاد فيه، و عندنا لا يستقاد فيه، بل يضيق عليه في المطعم و المشرب حتى يخرج فيستقاد منه، و به قال قوم في النفس دون الطرف فأما إذا دخل الكعبة أو المسجد الحرام فلا خلاف أنه لا يقتل فيهما حتى يخرج.

الدية إذا كانت على العاقلة لم يخل العاقلة من أحد أمرين إما أن يكون من أهل الإبل أو من غير أهلها، فإن كان من أهل الإبل كالعرب و غيرهم ممن يقتنون الإبل و يتمولونها كلفناهم الواجب عليهم من إبلهم، و لا ننظر إلى إبل البلد، فان كانت إبلهم عرابا كلفناهم فيها، و إن كانت إبل البلد بخاتيا، و إن كانت إبلهم بخاتيا كان لهم أن يعطوا منها و إن كانت إبل البلد عرابا، فان كانت إبلهم أدون من إبل البلد و أعطوا من إبل البلد قبل منهم.

فإذا تقرر هذا نظرت، فان كانت إبل العاقلة كلها نوعا واحدا كان الواجب عليهم منه، و إن اختلفت أنواعه أخذنا من كل واحد منهم من نوع إبله لأنها بمنزلة الزكاة.

فأما أن يكون العاقلة من غير أهل الإبل، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بالبلد إبل أولا يكون، فان كان في البلد إبل كلفوا من إبل البلد، فان لم يكن في البلد إبل كلفوا من إبل أقرب البلدان إلى هذا البلد، كما نقول في زكاة الفطرة يخرج من غالب قوت البلد، فان لم يكن فيه غالب قوت كلف من قوت أقرب البلدان بهذا المكان.

و عندنا، إن كانت العاقلة من غير أهل البلد أخذ منهم ما هم من أهله، لأن الدية عندنا أما مائة من الإبل أخماسا أو أرباعا، و روي ذلك أجمع، أو مائتان من

118

البقر، أو ألف من الغنم، أو ألف دينار، أو عشرة ألف درهم، أو مائتا حلة. و كل واحد من هذه الأجناس الستة أصل في نفسه، و ليس بعضها بدلا عن بعض.

هذا إذا كانت على العاقلة فأما إن كانت على القاتل، و هو إذا قتل عمدا أو اعترف بالخطإ أو كان شبيه العمد فالحكم فيه كالحكم في العاقلة سواء عندنا و عندهم و قد مضى شرحه، و إن كانت إبله نوعا واحدا أخذنا و إن كانت أنواعا إن شاء أعطى نوعا واحدا، و إن شاء من كلها بالحصة.

و إن كانت له إبل من غير إبل البلد، فأراد أن يعدل عن إبله إلى إبل البلد، فان كانت دون إبله لم يكن له، و إن كانت فوقها فقد تطوع بالفضل، و هكذا لو طلب الولي غير إبله، و كانت أعلى من إبله لم يكن له، و هكذا في القيمة إن طلب الولي القيمة و أبى القاتل إلا الإبل أو بذل القاتل القيمة فأبى الولي إلا الإبل لم يكن له عندهم، لأن الواجب الإبل فلا يعدل عن الواجب بغير تراض، كما لو أتلف على رجل طعاما فعليه مثله، و لا يعدل عن المثل بغير تراض.

و الذي يقتضيه مذهبنا أنه إذا كان من أهل الإبل فبذل القيمة قيمة مثله كان له ذلك، و إن قلنا ليس له ذلك كان أحوط، فأما إن كان من أهلها فطلب الولي منه القيمة، لم يكن له ذلك، فأما إن كانت إبله مراضا أو نحافا أو جربة لم يقبل منه إلا السمينة.

قد قلنا إنه إذا كان من أهل الإبل فالأحوط أن لا يعدل عنها مع وجودها لقوله (عليه السلام) و في النفس مائة من الإبل فإن أعوزت الإبل بأن لا توجد إبل أو توجد بأكثر من ثمن مثلها، قال قوم ينتقل إلى قيمة الإبل حين القبض ألف دينار أو اثنى عشر ألف درهم، فالدية على هذا الإبل، و القيمة بدل عنها لا عن النفس.

و قال بعضهم ينتقل إلى أحد أصلين ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم كل واحد منهما بدل عن النفس لا عن الإبل، فيكون الدية ثلثة أصول: مائة من الإبل أو ألف- دينار أو اثنى عشر ألف درهم، كل واحد منها بدل عن النفس إلا أن للإبل مزية و هو

119

أنها متى وجدت لم يعدل عنها.

و قد قلنا إن عندنا ستة أصول كل واحد أصل في نفسه، و ليس بعضها بدلا عن بعض، بل كل واحد منها بدل عن النفس، و هي مائة من الإبل أو ألف دينار، أو عشرة ألف درهم أو مائتا بقرة، أو ألف شاة من الغنم، أو مائتا حلة، و كل من كان من أهل واحد من ذلك أخذ ذلك منه مع الوجود، فإذا لم يوجد أخذ أحد الأجناس الأخر و سواء كانت بقيمة الإبل أو دونها أو فوقها.

[دية الموضحة]

في الموضحة خمس من الإبل

سواء كانت في الرأس أو على الوجه أو على الأنف و فيه خلاف، و المعتبر الاسم صغرت الموضحة أو كبرت، لأنها لو كانت مثل غرز إبرة أو نقر في طول الرأس كله فالمقدر لا يختلف بالصغر و الكبر، لظاهر الخبر، لأنه (عليه السلام) قال في الموضحة خمس من الإبل، و لم يفصل.

و لا فصل بين أن يكثر شينها أو يقل لما مضى و لا فرق بين أن يكون في مؤخر رأسه أو مقدمة، لظاهر الخبر، و لا فرق بين أن يكون على الجبهة أو على الجبين أو تحت الشعر لا يرى أو يكون مشاهدا، الباب واحد.

إذا أوضحه موضحتين ففي كل واحد منهما خمس من الإبل

، لقوله في الموضحة خمس من الإبل، و لقوله و في المواضح خمس خمس.

فان عاد الجاني فخرق ما بينهما حتى صارتا واحدة ففيها أرش واحد لأنه صيرهما واحدة بفعله كما لو أوضحه ابتداء منه لأن فعل الواحد يبنى بعضه على بعض بدليل أنه لو قطع يده و رجله ثم عاد فقتله فالدية واحدة لأن الجاني واحد.

فان كانت بحالها و لم يخرق بينهما، لكن سرت الموضحة فذهب ما بينهما، ففي الكل أرش موضحة واحدة، لأن السراية من فعل الجاني سرت.

120

فأما إن جنى أجنبي فشق ما بينهما ففي الكل أرش ثلاث مواضح: اثنتان من الأول، و الثالثة من الثاني، لأن فعل الاثنين لا يبنى بعضه على بعض، فأما إن شق ما بينهما المجني عليه فالفعل هدر، و على الجاني أرش موضحتين، كما لو قطع رجل يديه ثم قتل هو نفسه، فان فعله هدر و على الجاني دية اليدين.

فان اختلفا فقال الجاني أنا شققت ما بينهما فعلى موضحة واحدة

، و قال المجني عليه بل أنا فعلت ذلك، فعليك أرش موضحتين، فالقول قول المجني عليه، لأن الظاهر أرش موضحتين، فلا يقبل قول الجاني في إسقاط ذلك، و هذا يدل على أنه إذا قطع يدي رجل و رجليه و مضت مدة يندمل فيها ثم مات فقال الجاني مات بالسراية فعلى دية واحدة، و قال الولي مات بغير سراية، وجب أن يكون القول قول الولي لأن الظاهر وجوب ديتين حتى يعلم غيره.

فان شجه فكان بعضها موضحة

و بعضها سمحاقا و بعضها متلاحمة، و بعضها خارصة فالكل موضحة واحدة لأنها لو كانت كلها موضحة لم تزد على أرش موضحة.

فان مد السكين إلى قفاه فأوضح الرأس و القفا

، ففي موضحة الرأس مقدر، و في الزيادة إلى القفا حكومة، لأنهما عضوان محلهما مختلف، فان مد السكين إلى جبهته فأوضح الرأس و الجبهة معا قال قوم هما موضحتان، لأنهما عضوان، و قال آخرون موضحة واحدة لأنه إيضاح واحد في محل الإيضاح، و هو الأقوى، و الأول قوي.

فإن أوضحه موضحتين فعليه أرشهما، فإن عاد الجاني فأخذ السكين فنقب من أحدهما إلى الأخرى فجعلهما واحدة في الباطن اثنتين في الظاهر، قال قوم هما موضحتان اعتبارا بالظاهر، كما لو شجه هاشمتين في الظاهر دون الباطن، فإنهما هاشمتان، و قال آخرون موضحة واحدة اعتبارا بالباطن.

هذا كله في الشجاج في الرأس و الوجه فأما إذا جرحه على الأعضاء في محل ينتهي إلى عظم كالساعد و العضد و الساق و الفخذ ففيها القصاص، و أما الأرش ففيها

121

حكومة عندهم، و ليس فيها مقدر و عندنا فيها مقدر و هو نصف عشر دية ذلك العضو.

[دية الهاشمة]

الهاشمة هي التي تزيد على الإيضاح حتى تهشم العظم،

و فيها عشر من الإبل عندنا و عند جماعة، ثم ينظر فان كانت خطأ فهي أخماس عندهم، و عندنا أرباع، كما قلنا في دية النفس، و إن كانت عمد الخطأ ففيها عشر أثلاثا بلا خلاف، و في عمد الخطأ عليه فيما له و في الخطاء على العاقلة و عندهم الجميع على العاقلة.

و إن كانت عمدا محضا ففي الإيضاح القصاص

، و لا قصاص فيما زاد عليه من الهشم و غيره بلا خلاف، و يكون المجني عليه بالخيار بين أن يعفو عن القصاص على مال، فيكون له على الجاني عشر مغلظة حالة، و بين أن يقتص من الموضحة و يأخذ لأجل الهشم خمسا.

فان كان بعضها هشما و بعضها إيضاحا و بعضها سمحاقا و بعضها متلاحمة، و بعضها باضعة، فالكل هاشمة واحدة، لأنها لو كانت بطونها هشما كان الكل هاشمة كما قلنا في الموضحة.

فإن كان هناك هشم من غير شق لحم و لا جرح، قال قوم فيها حكومة لأنه كسر عظم فأشبه عظم الساعد و الساق.

و قال قوم فيها خمس من الإبل لأنه لو أوضح من غير كسر كان فيها خمس و لو أوضح و كسر كان فيها عشر فوجب إذا كان هناك هشم من غير إيضاح أن يكون فيها خمس، و يفارق كسر الساعد و الساق، لأنه لو كان هناك إيضاح من غير كسر لم يكن فيها مقدر، فكذلك في كسر العظم من هذا المكان، و الذي يقتضي مذهبنا أن نقول إن فيها عشرا من الإبل لتناول الاسم له.

فإن أوضحه في موضعين و هشم العظم في كل واحدة منهما، غير أنه اتصل الهشم في الباطن فصارت هاشمة واحدة، و ظاهرهما بينهما لحم و جلد قائم فهما هاشمتان.

122

[دية المنقلة]

فأما المنقلة و يقال لها المنقولة، ففيها خمس عشرة من الإبل بلا خلاف لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال و في المنقلة خمس عشرة، و لا قصاص فيها بلا خلاف، و المجني عليه بالخيار بين أن يعفو عن قود الإيضاح منها و يأخذ كمال ديتها خمس عشرة، و بين أن يقتص في الموضحة و يأخذ منه ما زاد عليها عشرا من الإبل على ما قلناه في الهاشمة.

[دية المأمومة و الدامغة]

فأما المأمونة فهي التي تبلغ أم الرأس، و أم الرأس الخريطة التي فيها الدماغ لأن الدماغ في خريطة من جلد رقيق، و الدامغة تزيد على المأمومة بأن يخرق الخريطة و اتصل إلى جوف الدماغ، و الواجب فيهما سواء ثلث الدية بلا خلاف، لقوله (عليه السلام) في المأمومة ثلث الدية، و المجني عليه بالخيار بين أن يعفو عن قود الموضحة و يأخذ كمال ديتها ثلث الدية، و بين أن يقتص من الجاني موضحة و يأخذ ما بقي إلى المأمومة ثمانية و عشرين بعيرا و ثلث بعير.

فإن أوضحه واحد ثم زاد آخر هشما ثم زاد آخر فجعلها منقلة ثم زاد آخر فجعلها مأمومة، فعلى الأول ما بين الموضحة و الهاشمة خمس، و على الثاني ما بين الهاشمة و المنقلة خمس، و على الثالث ما بين المنقلة و المأمومة ثمانية عشر و ثلث.

[دية الخارصة و الباضعة.]

ما دون الموضحة عندنا فيه مقدر: الخارصة، و هي الدامية فيها بعير و في الباضعة بعيران، و في المتلاحمة ثلثة أبعرة، و في السمحاق أربعة أبعر، و من خالف جعلوها خمسة: جعلوا الدامية غير الخارصة، و فيهم من جعلها ستة زاد بعد الدامية الدامغة.

123

و أيها كان فلا قصاص في شيء منها عندهم و فيها حكومة لا يبلغ أرش المقدر في الموضحة و الاعتبار فيها بالشين فكلما كان الشين أكثر كانت الحكومة أكثر.

و قال بعضهم هذا إذا لم يعلم قدرها من الموضحة، فأما إن علم قدرها منها و ذلك يعلم بأحد أمرين: إما أن يكون إلى جنب موضحة فيعرف عمقها و عمق الموضحة فيعلم قدرها أو يكون هذه الشجة في شق الموضحة يمد حد السكين في اللحم فيبضعه فيعرف قدر ذلك.

فإذا علمنا بالمساحة نصفا أوجبنا فيه ذلك أو ما زاد أو نقص بحسابه، فان تحقق النصف و شك في الزيادة رجع إلى التقويم، فإن بان بالتقويم النصف فلا كلام و إن بان دون النصف أخذ النصف و علم غلط المقوم، و إن كان أكثر من النصف بالتقويم أوجب الأكثر، لأن ذلك الشك في الزيادة قد ظهر بالتقويم.

كما يقال فيه إذا قطع لسانه اعتبر بالمساحة، فإن كان قطع نصفه أوجب نصف الدية، و ما زاد أو نقص بحسابه، فان علم النصف و شك في الزيادة اعتبر بالحروف، فإن بان أنه قد ذهب نصفها فلا كلام، و إن كان قد ذهب دون النصف أخذ نصف الدية و تركت الحروف، و إن كان قد ذهب من الحروف أكثر أوجب بقدر الحروف، لأنا تبينا بها أن الزيادة على النصف التي شككنا فيها قد ذهب بالشك، فلهذا أوجبنا أكثر من النصف.

قد قلنا ما عندنا في الجراح و أما اللسان فالاعتبار عندنا بالحروف لا غير على ما سيجيء بيانه.

و كل شجة فيما عدا الرأس و الوجه ففيها الحكومة، و إذا انتهت الشجة إلى العظم في عضو كالعضد و الساعد و الفخذ ففيه القود، و في الموضحة فيها عندنا نصف عشر دية ذلك العضو، و عندهم فيه حكومة، و فيما عداه مقدر ذكرنا شرحه في تهذيب الأحكام.

124

[دية الجائفة]

و أما الجائفة ففيها ثلث الدية بلا خلاف، لقوله (عليه السلام): في الجائفة ثلث الدية، و الجائفة هي التي تخرق إلى الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو ثغرة نحر أو من جنب أو من غيره، فكل هذا جائفة، فأما إن جرح موضعا ثم مده إلى محل الجائفة فأجافه مثل أن يجرح فخذه و لم يزل يمد السكين حتى وصلت إلى محل الجائفة فأجافه أو قطع كتفه و لم يزل حتى مد السكين فأجافه، فعليه ثلث الدية، و حكومة فيما جنى على غير محلها كما لو أوضحه ثم مد السكين إلى قفاه، فعليه دية موضحة و حكومة في الزيادة إلى القفا.

فان أجافه رجل و جاء آخر فأدخل السكين في نفس هذه الجائفة، ففيها خمس مسائل:

إحداها إن لم يجرح شيئا و لم يحصل بها جناية فعليه التعزير، لأنه آذاه و لا أرش، لأنه ما جرحه.

الثانية وسعها من باطن دون الظاهر، أو من ظاهر دون الباطن فعليه حكومة لأنها جراحة هي دون الجائفة.

الثالثة وسعها من ظاهر و باطن معا، فهذه جائفة لأنه لو انفرد بهذا القدر كان جائفة.

الرابعة أدخل السكين فلم يؤثر في الثقب شيئا لكنه طعن عضوا من الأعضاء الشريفة كالكبد و الطحال فعليه حكومة لأنه لا مقدر فيها.

الخامسة كانت الجائفة واسعة، فأبان حشوته، فالأول جارح عليه ثلث الدية و الثاني قاتل عليه كمال الدية.

فإن خيط جائفته ثم جاء آخر ففتقها ففيه ثلاث مسائل نظرت، فان كان قبل الاندمال فلا ضمان عليه، و عليه التعزير لأنه ما جرحه و إنما آذاه، و إن كان قد التحم بعضها من داخل أو خارج ففتق ما التحم، ففيها حكومة لأنه بعض جائفة.

125

الثالثة اندملت ثم جاء ففتقها فهي جائفة فعليه ثلث الدية، فإن أجافه جائفتين جميعا من ظاهر إلى داخل فعليه ثلثا الدية.

فأما إن جرحه فأجافه و أطلعها من ظهره، قال قوم هما جائفتان، و منهم من قال: جائفة واحدة، و هو الأقوى، لأن الجائفة ما نفذت إلى الجوف من ظاهر.

فان جرحه في وجنتيه فشق الجلد و اللحم و كسر العظم، و دخل إلى جوف الفم، قال قوم هي جائفة فيها ثلث الدية، لأنها وصلت إلى جوف الفم، و قال آخرون ليست جائفة لأن الجائفة أن يصل إلى جوف يكون منه التلف غالبا، و هذا معدوم فعلى هذا تكون هاشمة، و ما زاد عليها إلى الفم حكومة، و عندنا فيه مقدر ذكرناه في النهاية و غيره.

[دية الأذنين]

الأذنان فيهما الدية و يجب بقطع اشرافهما و هو الأذن و المعروف الجلد القائم بين العذار و البياض التي حولها، و في كل واحدة منهما نصف الدية لقوله (عليه السلام) في كتاب عمرو بن حزم و في الأذنين الدية.

فإن قطع بعض الأذن ففيها بحساب ذلك من الدية سواء قطع من أعلاها أو من أسفلها، فان جنى عليهما فشلتا و استحشفتا، قال قوم فيهما الدية، و قال آخرون: فيهما حكومة، و عندنا فيهما ثلثا الدية.

فإن قطعهما قاطع بعد الشلل فمن قال إذا شلتا فيهما الدية، قال إذا قطعتا بعد هذا ففيها حكومة، و من قال ففي شللهما حكومة، قال ففي قطعهما بعد الشلل الدية كما لو جنى على عضو فيها حكومة ثم قطعه قاطع، فعلى القاطع القود، و عندنا يجب على من قطعهما بعد الشلل ثلث الدية لا تمام الدية.

[دية السمع]

و في السمع الدية بلا خلاف لقوله (عليه السلام) و في السمع الدية، فإذا ثبت ذلك فقال المجني عليه ذهب سمعي بفعل الجاني فان صدقه، قال قوم يسئل أهل الخبرة، فإن قالوا قد أسند الصمم و أيس منه أخذ منه الدية في الحال، و إن قالوا إنه يصبر

126

إلى مدة فإن عاد سمعه و إلا فقد استقر صبرنا إلى ذلك الوقت، فان لم يعد فقد استقرت الدية و إن كذبه الجاني فقال ما ذهب سمعه صيح به عند غفلاته و تأمل عند صوت الرعد، فان ظهر أنه قد سمع فالقول قول الجاني، لأن الظاهر معه، و يلزمه اليمين لجواز أن يكون ما شوهد منه اتفاقا، فيحلف ليزول الاحتمال، و إن لم يحس بشيء أصلا فالقول قول المجني عليه، لأن الجناية قد حصلت و الظاهر أنه صادق لأنه لو لم يفزع عند الصوت و لا يمكن إقامة البينة عليه، فالقول قوله مع يمينه، لجواز أن يكون ما سمع على سبيل الاحتراز و التجلد فحلفناه ليزول الاشكال.

فأما إن ذهب سمع إحداهما ففيها نصف الدية، فإن ذكر أنه قد نقص سمعه فلا سبيل إلى معرفة صدقه بحال و يكون المرجع فيه إليه أن يحلف أنه قد نقص ثم الحاكم يجتهد في إيجاب حكومة فيه بقدر ما نقص، فان ذكر أنه نقص سمع إحداهما سددناها و أطلقنا الصحيحة و أقمنا رجلا يكلمه و يحدثه و هو يتباعد عنه إلى حيث يقول إنه لا يسمع ما يقول، فإذا قال هذا أعيد عليه الصوت و الكلام، فإنه يبين كذبه.

فإذا عرفنا مدى صوته سددنا الصحيحة و أطلقنا العليلة، و لا يزال يكلمه حتى ينتهي إلى حيث يقول إنه لا يسمع، فإذا قال هذا أعيد عليه الكلام ليظهر صدقه، فإذا عرفنا هذا مسحنا المسافتين معا، و نظرنا ما بينهما، فأوجبنا عليه بالحصة من الدية و هذا مثل ما رواه أصحابنا من اعتبار الخرس من أربع جوانب.

فاما إن قطع اذنيه فذهب سمعه كله فعليه ديتان: دية في الأذنين، و دية في السمع.

[دية العقل]

في العقل الدية بلا خلاف لقوله (عليه السلام) في كتاب عمرو بن حزم و في العقل الدية و روى جابر عنه (عليه السلام) مثله، فإذا ثبت ذلك، فان ذهب عقله كله ففيه الدية و إن ذهب بعضه: فان كان مقدرا و إنما يعرف هذا بأن يجن يوما و يفيق يوما فيعلم أن نصفه قد ذهب أو يجن يوما و يفيق يومين، أو يجن يومين و يفيق يوما، فإذا كان معروفا بالزمان أوجبنا من الدية بحسابه، و إن كان الذاهب من عقله غير مقدر،

127

مثل أن صار يخاف من غير خوف، و يفزع من الصياح، و يستوحش في غير موضعه، فهذا مدهوش لا يعلم قدر ما زال من عقله، فالواجب فيه أرش الجناية على ما يراه الحاكم و متى جنى عليه جناية ذهب بها عقله لم يخل الجناية من أحد أمرين إما أن يكون فيها أرش أولا أرش فيها، فان لم يكن فيها أرش كاللطمة و اللكمة و دق الرأس بما لا يشج و لا يكسر شيئا فليس في شيء من هذا أرش، و إنما عليه التعزير فيعزر و عليه دية العقل كاملة.

و إن كانت الجناية لها أرش قال قوم لا يدخل أرشها في دية العقل، سواء كان أرشها دون دية العقل، كالموضحة و المنقلة و المأمومة و غيرها، أو كان مثل دية العقل أو أكثر، كما لو قطع يديه و رجليه و قلع عينيه، فإنه يجب عليه في الجناية ما يجب فيها لو انفردت، و دية العقل واجبة مع ذلك و هذا هو مذهبنا.

و قال بعضهم إن كان أرش الجناية دون دية العقل، دخل في دية العقل كالموضحة و الجائفة و المأمومة، و كسر الساعد و العضد و نحو هذا، و إن كان أرش الجناية أكثر من دية العقل دخلت دية العقل فيه كما لو قطع يديه و رجليه فذهب عقله، و جملته أن الأقل منها يدخل في الأكثر و إذا ثبت أن دية الأطراف لا يدخل في ديته، فإنه لا قصاص فيه لأن محله مختلف فيه، منهم من قال محله الدماغ، و منهم من قال القلب، و منهم من قال بينهما، فإذا كان كذلك لا يمكن القود.

[دية العينين]

و في العينين الدية لقوله (عليه السلام)

و في العينين الدية و في إحداهما نصف الدية بلا خلاف، و إذا جنى عليه جناية فذهب بها ضوء عينيه فعليه الدية لما رواه معاذ أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: و في البصر الدية فإذا ثبت أن فيهما و في ضوئهما الدية فلا فصل بين أن يكونا صغيرتين أو كبيرتين، مليحتين أو قبيحتين، عمشاوين أو صحيحتين.

و متى جنى عليه جناية فادعى المجني عليه أنه قد ذهب ضوؤه

مثل أن لطمه أو أوضحه أو دق رأسه، فذكر أن ضوءه ذهب أريتا رجلين عدلين من أهل الخبرة بذلك إن كانت الجناية عمدا أو رجلا و امرأتين إذا كانت خطأ، فإن زعموا أن البصر بحاله سقط قوله، و إن قالوا قد ذهب بصره قيل فهل يرجى عوده؟ نظرت، فان قالوا

128

لا يرجى فقد استقر القصاص أو الدية.

و إن قالوا يرجى عوده لكنه لا نحده غير أنا لا نأيس من عوده إلا بموته فعليه القود أو الدية، لأنه قد علق بمدة يفضي إلى سقوط الضمان و إن قالوا يرجى إلى سنة و لا يرجى بعدها، أمهلناه لأنه لا يموت بالتأخير إلى مدة معلومة، فإن انتهت المدة و لم يعد استقر القصاص أو الدية.

فان مات قبل انتهاء المدة استقر القصاص أو الدية لأنه قد تحقق عدم البصر فان اختلفا فقال الجاني بصره عاد قبل وفاته، و قال وليه لم يعد، فالقول قول الولي لأن الأصل أنه ما عاد حتى يعلم عوده.

فان كانت بحالها و لم يمت في المدة لكن جاء أجنبي فقلع العين كان على الأول القود أو الدية، و على الثاني حكومة، و عندنا عليه ثلث دية العين لأن الأول ذهب بالضوء، و الثاني قلع عينا لا ضوء لها فهي كعين الأعمى، فإن اختلف الجانيان فقال الأول عاد ضوؤهما فلا شيء على لأنك قلعتها بعد عوده، و قال الثاني ما كان عاد فلا قود على و لا دية، فالقول قول الثاني مع يمينه.

فان قال المجني عليه صدق الأول قد كان عاد بصري، قلنا له فقد أبرأت الأول عن الضمان، و شهادتك لا يقبل على الثاني، لأنك تريد أن يلزمه القود لك أو الدية بقولك، فلهذا لم يقبل قوله.

إذا جنى عليه فنقص بصره

، فان ذكر أنه قد نقص بصره في العينين معا لم يمكن معرفة قدره و لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا من جهته، فكان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف قضى له الحاكم بقدر ما يؤدى اجتهاده إليه، و روى في أخبارنا أن عينيه تقاسان إلى عين من هو في سنه و يستظهر عليه بالأيمان.

فأما إذا نقص ضوء إحداهما أمكن اعتباره بالمسافة، و هو أن يعصب العليلة و يطلق الصحيحة و ينصب له شخص على نشز أو تل أو ربوة أو في مستو من الأرض فكلما ذكر أنه يبصره فلا يزال يباعد عليه حتى ينتهى مدى بصره فإذا قال: قد انتهى، غير ما عليه لون الشخص حتى يعلم صدقه من كذبه، لأن قصده أن يبعد المدى فإنه

129

كلما بعد و قصر مدى البصر العليلة، كان أكثر لحقه، فلهذا غيرنا الشخص.

فإذا عرفنا قدر المسافة ذرعا عصبنا الصحيحة، و أطلقنا العليلة و نصبنا له شخصا و لا يزال يتباعد عنه حتى يقول لا أبصره بعد هذا، و قصده ههنا تقليل المسافة ليكثر حقه فإذا فعل هذا أدرنا بالشخص من ناحية إلى ناحية و كلفناه أن ينظر إليه، فإن اتفقت المسافتان علم صدقه، و إن اختلفتا علم كذبه، فلا يزال معه حتى يسكن النفس إلى صدقة، فيمسح المسافة ههنا، و ينظر ما بين المسافتين، فيؤخذ بالحصة من الدية مثل السمع سواء.

و إن زعم أهل الخبرة و الطب أن بصره يقل إذا بعدت المسافة، و يكثر إذا قربت، و أمكن هذا في المذارعة عملت عليه، بيانه أن يقال الرجل يبصر إلى مائة ذراع، و هذا منتهى بصره، فإذا أراد أن يبصر على مائتي ذراع احتاج إلى ضعفي ذلك البصر لبعده، فعلى هذا إذا أبصر بالصحيحة إلى مائتي ذراع و البصر بالعليلة إلى مائة علمنا أنه قد نقص ثلثا ضوئها لأنها لا يستدرك المائة التي بعد هذه المائة إلا بضعفي بصره، فيعلم أنه قد نقص ثلثا ضوئها، فنوجب ثلثي الدية، و هذا عندي أنه لا يضبط.

فان قلع عينا فيها بياض على بياضها أو سوادها

أو على الناظر غير أنه لا يحجز البصر، و عين الجاني ليس ذلك عليها قلعناها بها لأن هذا لا يغير حكمها، فهو كالثؤلول على اليد، و يد الجاني لا شيء عليها فإنها يقطع بها، فان نقص بصره بهذا البياض وضوؤهما فان عرف لذلك قدر أوجبت الدية بالحصة فيها، و أما القصاص فلا يجب لأنه لا يؤخذ السليمة الصحيحة بالناقصة و إن لم يعرف قدر نقصان الضوء ففيها حكومة و إن جنى عليها فبدرت أو شخصت أو احولت ففيها حكومة لأنه شين.

إذا قلع عينه فقال المجني عليه كانت بصيرة و قال الجاني كانت عمياء

، فان لم يسلم له الجاني ذلك، بل قال ولد اعمى فالقول قول الجاني مع يمينه، لأن هذا مما لا يتعذر على المجني عليه إقامة البينة به، فان هذا لا يخفى على أهله و عشيرته و جيرانه و معامليه.

130

و إن سلم أنه كان يبصر بها لكنه خالفه فقال ذهبت ثم جنيت عليها قال قوم القول قول المجني عليه لأن الأصل السلامة حتى يعلم غيرها و قال آخرون الأصل براءة ذمة الجاني فالقول قوله مع يمينه و هما جميعا قويان و الأول أقوى فأما الكلام فيما يصح تحمل الشهادة عليه أنه كان يبصر فهو أن يتبع الشخص بصره، و يتوقى بعينه ما يتوقى البصير في طرفه و نحوه، و يشاهد بتجنب البئر في طرفه و غيرها، و يعدل في العطفات خلف من يطلبه فإذا شاهدوه هكذا فقد تحملوا الشهادة على أنه بصير لأن هذه أفعال البصير، و هكذا الشهادة على صحة اليدين فهو أن يشاهد ببطش بهما بصنعة يعملها أو كتابة و نحو ذلك.

فإذا عرف هذا عرف السلامة و يصح أن يشهد لليدين بالصحة و كذلك الصبي و المعتوه متى علم أنه صحيح فهو على الصحة حتى يعلم غيرها، و لا فرق بين الصغير و الكبير في هذا الباب أكثر من المنازعة بين الجاني و بين وليه إذا كان مولى عليه، و بينه و بين المجني عليه إذا كان رشيدا و إذا توجهت اليمين على الرشيد حلف، و إذا توجهت على المولى عليه لم يحلف و لا وليه و ترك حتى إذا بلغ الصبي و عقل المجنون حلف.

[دية الأجفان]

في الأربعة أجفان الدية كاملة و في كل واحدة منهما مائتان و خمسون دينارا و روى أصحابنا أن في السفلى ثلث ديتها، و في العليا ثلثاها و قال بعضهم فيها الحكومة و متى قلعت الأجفان و العينان معا ففي الكل ديتان، فان جنى على إحداهما فأعدم إنباتها ففيها حكومة عند بعضهم و قال قوم فيها الدية و هو الذي يقتضيه مذهبنا.

فإن أتلف الشعر و الأجفان، قال قوم فيه دية فقط و الشعر تبع، كما لو قطع اليد و عليها شعر، و قال آخرون في الأجفان دية و حكومة في الشعر لأن شعر العينين فيها جمال و منفعة، و شعر اليد لإجمال فيه و لا منفعة، و يقتضي مذهبنا أن فيها ديتين.

131

[دية الأنف]

و في الأنف الدية بلا خلاف

لقوله (عليه السلام) و في الأنف الدية و في الأنف إذا أوعى جذعا مائة من الإبل، و معنى أوعى استوعب و عن على (عليه السلام) في الأنف مائة من الإبل، فإذا ثبت أن فيه الدية فإنما الدية في المارن و هو ما لان منه و هو دون قصبة الأنف و ذلك المنخران و الحاجز إلى القصبة.

فإن كان قطع كل المارن ففيه الدية كاملة

و إن قطع بعضه ففيه بالحصة مساحة كما قلنا في الأذن فإن شق الحاجز بين المنخرين ففيه حكومة سواء اندمل أو بقي منفرجا غير أنه إذا كان منفرجا فالحكومة فيه أكثر منه إذا كان ملتحما.

فان قطع إحدى المنخرين

قال قوم فيه ثلث الدية لأن هناك حاجزا و منخرين فإذا قطع منخرا واحدا ففيه ثلث الدية و قال بعضهم فيه نصف الدية و هو مذهبنا لأنه ذهب بنصف المنفعة و نصف الجمال.

فان قطع المارن و أبانه

فإعادة المجني عليه و الدم جار فالتزق و التحم فعلى الجاني كمال الدية، لأنه لا يقر على هذا فالإمام يجبره على قلعه لأنه ميتة لا يصح صلوته معه.

فأما إن لم يبن المارن لكنه تعلق بجلده، فإعادة و الدم جار فالتزق فلا دية لأنه ما أبانه و عليه حكومة لأنها جناية اندملت و لا مقدر فيها فان قطع الأنف و القصب معا فعليه دية و حكومة في القصبة و هكذا لو قطع المارن و ألحم الذي تحته إلى الشفة ففيه دية و حكومة في الزيادة.

فان جنى على أنفه فصار أشل

قال قوم فيه الدية كاملة، و قال آخرون: فيه حكومة و عندنا فيه ثلثا الدية، فأما إن جنى على أنفه فصار معوجا ففيه حكومة كما لو جنى على إصبعه فأعوجت.

إذا جنى على أنفه فذهب شمه ففيه الدية بلا خلاف

لقوله (عليه السلام) في الشم الدية فإن اختلف هو و الجاني فقال ذهب شمي و قال الجاني ما ذهب و هو بحاله اغتفل

132

بالروائح الطيبة و المنتنة من خلفه فان هش الطيب و تنكر المنتنة علمنا أنه كذب، و كان القول قول الجاني، و إن لم يتغير لذلك فالقول قوله مع يمينه، و له الدية.

فإن ادعى نقص شمه كان القول قوله لأنه لا يتوصل إليه إلا من جهته، فالجناية قد حصلت فالقول قوله، و الحاكم يوجب فيه بقدر ما يؤدى إليه اجتهاده من الحكومة فإن أخذ دية الشم ثم عاد شمه رد الدية لأنا تبينا أنه ما زال شمه و إنما حال دونه حائل ثم ذهب الحائل.

فإن قطع أنفه فذهب شمه ففيه ديتان

كما لو قطع أذنه فذهب سمعه، فإذا أخذنا دية الشم ثم إن المجني عليه وضع يده على أنفه فستره فقال الجاني قد عاد شمه و لولا هذا ما وضع يده على أنفه فالقول قول المجني عليه لأنه قد يضع يده على أنفه حكا و عبثا و امتخاطا و سترا من الحر و البرد و غير ذلك و قد يضع لما قال الجاني فإذا احتمل هذا سقط قول الجاني، و كان القول قول المجني عليه إنه ما عاد.

[دية الشفتين]

في الشفتين الدية كاملة و في السفلى عندنا ثلثا الدية و في العليا ثلث الدية، و به قال بعض الصحابة، و قال المخالف بينهما نصفين، و سواء كانتا غليظتين أو دقيقتين أو طويلتين أو قصيرتين لا يختلف الحكم فيه.

فأما إن جنى عليها جان فيبستا حتى صارتا مقلصتين لا تنطبقان على الأسنان أو استرختا فصارتا لا يتقلصان عن الأسنان إذا كشر أو ضحك ففيهما الدية لأنهما في حكم المتلفتين، و لا يبقى فيهما منفعة بجمال، فان لم تيبسا بكل حال لكن تقلصتا بعض التقلص ففيه الحكومة و قال بعضهم فيه الدية بالحصة و الأول أقوى لأن هذا يتعذر الوصول إليه.

فإن شق الشفة فاندمل ملتاما أو غير ملتام ففيه حكومة إلا أنه إذا لم يندمل ملتاما كانت الحكومة أكثر، و قد روى أصحابنا فيه المقدر في الحالين، و في كل جرح في

133

سائر الأعضاء سواء اندمل على صحة أو على فساد و شرحه طويل ذكرناه في تهذيب الاحكام.

و حد الشفة السفلى عرضا ما تجافا عن الأسنان و اللثة فيما ارتفع عن جلد الذقن و حد عرض العليا ما تجافى عن الأسنان و اللثة إلى اتصاله بالمنخرين و الحاجز بينهما و الطول حد طول الفم إلى جانبيه، و ليست حاشية الشدقين منهما، فان قطع بعضهما ففيها الدية بحسابه على ما قلناه في الأذنين يعتبر بالمساحة.

و في الشفتين القود إذا قطعهما متعمدا بلا خلاف لأن لهما حدا ينتهى إليه و قال بعضهم لا قصاص فيهما لأنه قطع لحم من لحم من غير مفصل.

[دية اللسان]

في اللسان الدية كاملة بلا خلاف

لقوله (عليه السلام) و في اللسان الدية، فان جنى على لسانه فذهب نطقه ففيه كمال الدية فإن ذهب ذوقه ففيه الدية،

و إذا جنى على لسانه فذهب بعض كلامه

فالصحيح عندنا و عندهم أنه يعتبر بحروف المعجم كلها و هي ثمانية و عشرون حرفا، و لم يعد لا فيها لأنه قد ذكر فيها بالألف و اللام، فان كان النصف منها ففيه نصف الدية و ما زاد أو نقص فبحسابه.

و قال بعضهم الاعتبار بالحروف اللثية دون الحلقية و الشفوية، فان الحاء و الخاء من حروف الحلق، و الباء و الواو و ألفا من الحروف الشفوية لا حظ للسان فيها فلا يعتد عليه بما لم يذهب به و الأول أصح لأن هذه الحروف و إن لم يكن من حروف اللسان فإنه لا ينتفع بها إلا مع وجود اللسان.

فعلى قول من اعتبر حروف اللسان فقط إن كان نصفها ففيها كمال الدية، و على قول من اعتبر الكل نصف الدية، فإذا ذهب بحرف واحد فمن اعتبر الكل قال فيه جزء من ثمانية و عشرين جزءا من الدية، سواء كان حرفا خف على اللسان و قل هجاؤه، أو ثقل على اللسان و كثر هجاؤه كالسين و الشين، و الصاد و التاء و الثاء لأن كل ما فيه مقدر لم يختلف المقدر باختلاف قدره كالأصابع.

134

و إذا جنى عليه فذهب من الحروف حرف يزول معه الكلمة بزواله

مثل أن أعدم الحاء فصار محمد ممد، و مكان أحمد أمد، فعليه دية الحاء وحدها و لا دية عليه في حروف باقي الكلمة و إن كان قد ذهب معناها لانه ما أتلفها و إن كان قد ذهب منفعة غيره.

ألا ترى أنه لو قصم ظهره فشلت رجلاه فعليه ديتان دية في الظهر و دية في الرجلين، و عندنا ثلثاهما و لو ذهب مشيه مع سلامة الرجلين لم يكن عليه إلا دية الظهر وحده.

و إذا ذهب من كل كلمة حرف فقام غيره مقامه

فصار يقول مكان محمد مخمد، فجعل مكان الحاء خاء فعليه دية الحاء وحدها، لأنها ما أذهب غيرها فان جنى عليه بعد الأول جان آخر فذهبت الخاء التي كان يأتي بها مكان الحاء لم يجب عليه إلا دية الخاء وحدها، لأنها أصلية في نفسها، و إن وقعت مكان غيرها.

فان جنى عليه و كان سريع الكلام فزادت السرعة أو ثقيل الكلام فزاد ثقلا

أو كان لا يفصح بقلب الراء عينا لكنه يأتي بها مضطربة، فزاد الاضطراب حتى صارت عينا صحيحة أو كان يأتي بالراء صحيحة فغيرها تغييرا و لم يذهب بها جملة، ففي كل هذا حكومة لأنه أدخل نقصا فيها و لم يذهب بأصلها.

فإن قطع بعض اللسان نظرت

فان قطع ربعه فذهب ربع الكلام أو نصفه فذهب نصف الكلام، ففيه من الدية بحساب ذلك لأنه وافق القطع و الكلام معا

فإذا قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام أو نصف اللسان فذهب ربع الكلام

كان فيه نصف الدية بلا خلاف و اختلفوا في تعليله منهم من قال الجناية إذا كانت على عضو ذي منفعة أوجبت الدية في أغلظ الأمرين، فإن كانت دية المنفعة أكثر أوجبتها و إن كانت دية ما أتلف أكثر أوجبتها:

فإن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام أوجبت نصف الدية

لأن دية المنفعة أكثر. و لو قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه أوجبت نصف الدية اعتبارا بالقدر المقطوع لأن المنافع أقل. و قال بعضهم إن قطع ربع لسانه و ذهب نصف كلامه أوجبت

135

نصف الدية اعتبارا باللسان، و ذلك أنه قد قطع الربع و شل ربع آخر بعد قطعه، لأنا اعتبرنا ذلك بالحروف، فوجدناها نصف الكلام، فعلمنا أنه قطع الربع و شل الربع الآخر، فأوجبنا نصف الدية ربعها بقطع ربعه، و ربعها بشلل ربعه، فإذا ثبت هذا بانت فائدة الخلاف في التفريع.

و إذا قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام أخذ منه نصف الدية

، فإن جاء آخر فقطع ما بقي منه و هو ثلاثة أرباعه فمن قال الاعتبار بأغلظ الأمرين، قال عليه ثلثة أرباع الدية، و من قال: الاعتبار بالمساحة، قال عليه نصف الدية في النصف الصحيح و حكومة فيما بقي و هو ربع لسانه، فانا حكمنا بأن ربعه أشل.

و أما إن قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه

ثم جاء آخر فقطع ما بقي، فمن قال بأغلظ الأمرين قال عليه ثلثة أرباع الدية لأنه قد ذهب ثلثة أرباع الكلام، و من قال بالقول الآخر قال: عليه نصف الدية.

إذا قطع لسان صبي

فإن كان قد بلغ حدا ينطق بكلمة بعد كلمة، مثل قوله بابا و ماما و نحوه، فقد علم أنه لسان ناطق، فان قطع قاطع فعليه الدية كلها كلسان الكبير الناطق، و إن كان طفلا لا نطق له بحال كمن له شهر و شهران فكان يحرك لسانه لبكاء أو لغيره فما تغير باللسان ففيه الدية، لأن الظاهر أنه لسان ناطق فان أماراته لا يخفى.

فان بلغ حدا ينطق فلم ينطق فقطع لسانه ففيه حكومة لأن الظاهر أنه لا نطق له، فهو كلسان الأخرس غير أن عندنا فيه ثلث دية اللسان الصحيحة كالأخرس، فان ترعرع الغلام و اشتد فتكلم ببعض الكلام، بان لنا أنه لسان ناطق، و إن تأخر نطقه لعلة نعتبره بالحروف، فينظركم قدر ما ذهب منها، فان كان الذاهب ثلثها فله ثلث الدية، و قد قبض الحكومة من هذا الثلث، فيعطى معه كمال ثلث الدية.

في لسان الأخرس عندنا ثلث الدية

، و عندهم فيه حكومة:

إذا قطع لسانه ثم اختلفا فقال الجاني لم يزل أبكم لا يقدر على الكلام، و قال المجني عليه بل كنت ناطقا، فلم يسلم أصل السلامة فالقول قول الجاني مع يمينه،

136

لأنه لا يتعذر إقامة البينة عليه، لأنه من الأعضاء الظاهرة، و إن سلم له السلامة في الأصل فادعى أنه أخرس حين القطع، قال قوم القول قول المجني عليه لأن الأصل السلامة، و قال آخرون القول قول الجاني، لأن الأصل براءة ذمته، و الأول أقوى.

فإن قطع لسان ناطق فأخذت منه الدية

، ثم نبت و تكلم به، فهل عليه رد الدية أم لا؟ قال قوم يرد، و قال آخرون لا يرد كاختلافهم في سن المثغر و الأقوى ههنا أنه لا يرد، لأن عود اللسان بعيد في العادة، فإذا عاد علمنا أنه هبة من الله مجددة، و ليس كذلك السن لأن الظاهر في العادة أنها يعود، ألا ترى أن الشيخ قد يذهب أسنانه فإذا كبر فضلا ينبت أسنانه.

فأما إن جنى على لسانه فذهب كلامه و اللسان صحيح بحاله

، أخذنا الدية منه فان عاد و تكلم رد الدية لأنه لما نطق بعد أن لم ينطق، علمنا أن كلامه ما كان ذهب إذ لو كان ذاهبا ما عاد، لأن انقطاعه بالشلل و الشلل لا يزول، و ليس كذلك إذا نبت لسانه لأنا نعلم أنه هبة مجددة من الله تعالى، فلهذا لم يرد الدية.

إذا خلق للسان طرفان فقطع أحدهما

، فإن ذهب كل الكلام ففيه كمال الدية و إن ذهب نصف الكلام ففيه نصف الدية، لأن الظاهر أن هذا هو اللسان، فان قطع أحدهما فلم يذهب من الكلام شيء نظرت، فان كان مخرج الطرفين سواء، لا يرجح أحدهما على الآخر أوجبنا فيه ما يخصه من الدية من كل اللسان لأن الكل لسان واحد غير أنه مشقوق، و إن كان مخرجهما مختلفا كان أحد الطرفين كان في جانب، ففيه حكومة كالإصبع الواحدة إلا أنه لا يبلغ بهذه الحكومة بقدر قياس اللسان لأنها زيادة فلا يوجب فيها ما يوجب في الأصل فإن كان قطع الطرفين معا فذهب الكلام، فان كان الطرفان سواء فلا كلام، و إن كان أحدهما في حكم الزائد أوجبت الحكومة في الزائد و الدية جميعا، كما لو قطع إصبعا عليها إصبع زائدة.

137

[دية الأسنان]

الأسنان و الأضراس كلها سواء

، و الثنايا و الرباعيات في كل واحدة خمس من الإبل عند بعضهم و فيه خلاف، و عندنا في جميعها الدية كاملة، في اثني عشر المقاديم ستمائة دينار خمسون خمسون، و في ستة عشر في مواخير الفم أربعمائة في كل واحدة خمسة و عشرون دينارا.

فإذا قلع السن بسنخها

، فالسن ما شاهدته زائدا عن اللثة، و السنخ أصلها المدفون في اللثة، فإذا قلعها من أصلها ففيها خمس من الإبل، لأن أصلها كأصل الإصبع، فإن قطع منها ظاهرها كله دون سخنها، ففيها دية سن كما لو قطع إصبعا من أصلها الذي هو الكف، و إن جاء آخر فقطع سنخها كان فيه حكومة كما لو قطع رجل إصبع رجل ثم جاء آخر فقطع أصلها إلى الكوع، كان على قاطعها دية إصبع و على قاطع ما تحتها حكومة.

فإن قطع بعض الظاهر منها ففيه الدية بالحصة

فإن كان النصف فنصف دية السن و ما زاد أو نقص بحسابه، فان جاء آخر، فقلع ما بقي من الظاهر و كل سنخها قال قوم يجب من الدية بقدر ما بقي من الظاهر، و حكومة في سنخها، لأن ما بقي من الظاهر ليس فيه كمال دية السن.

و قال بعضهم لهذا تفصيل إن قطع نصف الظاهر منها طولا و بقي نصف الظاهر و كل سنخها، فإذا قلعها قالع بسنخها بعد هذا كان عليه نصف الدية، يتبعه ما تحته من السنخ و حكومة فيما بقي من السنخ و هو القدر الذي ما كان عليه شيء من الظاهر كما لو قطع رجل إصبع رجل فجاء الآخر فقطع الأخرى مع ما تحتها من الكف ما كان تحت تلك المقطوعتين، فإنه يجب فيه دية إصبع يتبعها ما تحتها و حكومة في أصل الأخرى.

فأما إن كان قطع نصفها عرضا

كأنه قطعها فذهب نصفها مع كمال العرض، ففيها نصف

138

الدية فإن جاء آخر فقلع ما بقي مع السنخ كان عليه بالحصة مما بقي من الظاهر من الدية يتبعها ما تحتها من السنخ كما لو قطع من إصبع أنملتين فجاء آخر فقطع ما بقي منها و هو أنملة مع سنخ الإصبع، فإن الباقي يتبع تلك الأنملة.

إذا اختلف المجني عليه و الجاني الثاني

، فقال الجاني قطع الأول نصفها و قال المجني عليه بل قطع الأول ربعها، فالقول قول المجني عليه، لأن الأصل أنه لا قطع حتى يعلم ما قدر القطع.

إذا انكشف اللثة عن سنخ السن لعلة ثم جنى عليها جان

فقطع بعضها نظرت إلى ما كان ظاهرا منها قبل زوال اللثة فاعتبرته و أوجبت فيه بالحصة من الدية، فإن اختلفا في قدر الظاهر و لم يعلم قدره، فالقول قول الجاني لأن الأصل براءة ذمته، فأما سن المثغر يقال في اللغة ثغر الغلام فهو مثغور إذ أسقطت سن اللبن منه و اثغر و اثغر إذا نبت بعد سقوطها، و يقال ثغرت الرجل إذا كسرت سنة.

فإذا ثبت هذا فإذا قلع سن إنسان لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون سن صغير لم يسقط بعد أو سن كبير، فان كان سن صغير لم يسقط بعد و هو سن اللبن فالذي رواه أصحابنا أن في كل سن بعيرا و لم يفصلوا، و قال المخالف لا تؤخذ الدية في الحال لأن الغالب أنها تعود، فإذا وقعت لم يخل من أحد أمرين إما أن لا يعود أو يعود، فان لم يعد و هو أن سقطت أخواتها و نبتت و لم تعد هي، أخذنا الدية لأنا تحققنا أنه قد أعدم إنباتها، فهو كما لو قلع سن الكبير فلم يعد.

و أما إن عادت مع أخواتها نظرت، فان عادت مثل أخواتها في القدر و القوة و النقاء فلا دية عليه، لأن هذه تلك، لكن عليه حكومة أم لا، قال بعضهم لا حكومة عليه لأنه ما جرحه، و قال آخرون فيه حكومة و هو الأقوى، لأنه لا ينفك قلعها عن جرح.

فان عادت ناقصة القدر فكانت أقصر من أخواتها فعليه بقدر ما قصرت عن أخواتها بالحصة من الدية، لأن هذا النقصان في الظاهر من ذلك القلع، فهو كما لو كسر

139

هذا القدر منها.

فان عادت بطول أخواتها إلا أنها عادت شاختين مثل أن حصل فيها ثلمة في الوسط فعليه بقدر تلك الثلمة من الدية، كما لو كسر من سنه ذلك القدر.

فان عادت في قدر أخواتها و قوتهن لكنها متغيرة إلى خضرة أو سواد ففيها حكومة لأجل الشين، فان عادت مثل أخواتها بكل حال إلا أنها لم تعد في صف الأسنان بل مالت إلى داخل الفم أو خارجه، ففيها حكومة لأجل الشين.

فان عادت مثل أخواتها بكل حال إلا أنه نبت معها سن زائدة من داخل الفم أو خارجه فلا شيء عليه، لأن تلك الزيادة لم تنبت من قلع السن.

فأما الكبير و هو المثغر. و هو من سقطت عنه سن اللبن و عادت سن الكبر، فقلعها قالع فعليه الدية في الحال، لأن الغالب أنها لا تعود، فإذا أخذت منه الدية لم يخل من أحد أمرين إما أن لا تعود أو تعود، فان لم تعد فقد استقرت له الدية، و إن عادت السن فهل ترد الدية أم لا؟ قال قوم ترد لأنها سن عادت بعد أن تلفت كالصغر، و قال آخرون لا ترد و هو الأقوى، لأن الغالب أنها لا تعود، فان عادت علمنا أنها هبة مجددة.

إذا اضطربت سنه لمرض أو كبر فقلعها قالع

قال قوم فيها حكومة لأنها نقصت عن الأسنان في المنافع، و قال آخرون و هو الصحيح عندنا فيها دية سن كاملة، و لا فصل بين أن يكون ربطها بالذهب أو الفضة أو لم يربطها الباب واحد.

إذا جنى عليها جان فنفضت يعنى تحركت من أصلها

فطالت عن الأسنان مضطربة سئل أهل الخبرة، فإن قالوا إنها يستقر أمرها بذهاب أو ثبوت إلى سنة صبر سنة فان ذهبت و سقطت ففيها الدية، لأنها ندرت بجنايته، و إن عادت كالتي كانت فلا دية فيها، فان قلعها قالع ففيها كمال الدية، و على الأول حكومة لأجل تلك الجناية التي نفضت بها.

إذا نفضت سنه بالجناية سئل المجني عليه

فان قال عادت كالتي كانت، فان قلعها

140

قالع بعد هذا كان عليه كمال الدية لأنها سن صحيحة صحت بعد علة و على الأول حكومة، و إن قال المجني عليه: عادت ضعيفة فعلى الأول حكومة.

و الثاني قال قوم عليه دية و قال آخرون عليه حكومة كما لو ضعفت بالكبر و المرض الباب واحد لما مضى و إنما يفترقان في فصل و هو أن الحكومة في هذه أقل من الحكومة في التي اضطربت بالكبر و المرض، لأن هذه قد أخذ فيها حكومة مرة فقلت الحكومة الثانية، و في المرض لم يأخذ الحكومة.

إذا جنى عليها فندرت أعنى سقطت ثم أعادها في مغرزها

بحرارة دمها فثبتت ثم قلعها بعد هذا قالع فلا شيء عليه، لأنه كان عليه قلعها و إلا أجبره السلطان على قلعها لأنها ميتة ألصقها ببدنه، فلا تصح صلوته معها، مثل الاذن، و عندنا لا يجب ذلك لأن العظم عندنا لا ينجس بالموت، و يفارق الاذن لأنها تنجس لأن الإذن فيها حيوة و لا حيوة في السن، لكن عليه حكومة، و الأول عليه ديتها لأنه قلعها.

إذا ندرت سنه فغرز في مغرزها عظما ظاهرا

قام مقامها كسن الحيوان الذكي الذي يؤكل لحمه أو كانت من ذهب أو فضة فإذا ثبتت ثم قلعها قالع قال قوم لا شيء عليه فيها لأنه ما أعدم سنا، و قال آخرون عليه حكومة لأنه أعدم الجمال و المنفعة بقلع ما هو ظاهر منها، فهو كالسن الأصلي و الأول أقوى لأن الأصل براءة الذمة.

قد ذكرنا إذا قلع سن الصبي الذي لم يثغر أنه لا دية عليه في الحال، و يصبر إلى وقت عود مثلها، و فرعنا عليها: فان مات في أثناء المدة نظرت فان مات قبل أن ينبت شيء منها بحال قال قوم عليه الدية، لأن القلع معلوم متحقق و العود متوهم، و قال آخرون لا تجب الدية و هو الأقوى، لأن العادة أنها تعود لو لم يمت.

فأما إن مات بعد أن نبت شيء منها لكنه دون طول الأسنان، قال قوم عليه بقدر ما بقي من تمام طولها، و قال آخرون لا شيء عليه لأن الموت هو الذي قطع الطول و التمام و هو الأقوى، و لأن الأصل براءة الذمة.

فإن قلع الأسنان كلها

، و عددها التي يقسم عليها الدية عندنا ثمانية و عشرون

141

سنا و عندهم اثنان و ثلاثون سنا، فإنه يعد الأسنان فيها: فان قلع واحدة بعد واحدة ففي كل واحدة ما ذكرناه، و عندنا لا فرق بين أن يقلعها واحدة بعد واحدة أو يقلعها موضعا واحدا.

و عندهم إذا قلع واحدة بعد واحدة ففي كل واحدة خمس من الإبل للخبر، و إن قلعها دفعة واحدة و إنما يتصور بأن يتساقط بالسراية عن جناية، قال قوم في كل واحدة خمس من الإبل، يكون في الجميع مائة و ستون، و قال بعضهم فيها دية واحدة مثل ما قلناه لكنه لا يفضل بعضها على بعض.

[دية اللحيين]

في اللحيين الدية

و هو إذا قلعها من صبي قبل نبات الأسنان فيها أو ممن لا أسنان له و هو كبير، و هما اللذان مجتمع رأسهما الذقن و الرأسان الآخران في أصول الأذنين، لأنهما من تمام الخلقة، و فيهما الجمال و المنفعة، فإن قلعهما مع الأسنان ففي الأسنان ما ذكرناه، و فيهما الدية لا يدخل ما يجب في إحداهما في الأخرى لأن لكل واحد منهما دية تخصه، فالأسنان لا يدخل فيهما اللحيان، و اللحيان لا يدخل فيهما الأسنان، و قد يتفرد اللحيان عن الأسنان في الصبي و الكبير.

إذا ضرب سن الرجل فلم يتغير منها إلا لونها.

فان كان التغير مع بقاء قوتها و منافعها ففيها حكومة، و قد روى أصحابنا فيها مقدرا ذكرناه في النهاية، فإن كان خضرة دون السواد ففيها حكومة، و إن صارت صفراء ففيها حكومة دون الخضرة، لأن السن يصفر من غير علة، فإن قلعها قالع بعد هذا فعليه الدية لأنها سن بحالها و إنما لحقها شين فهو كالإصبع إذا لحقها شين فقطعت، فان فيها ديتها.

فان ذهب مع هذا التغيير بعض منافعها كأنها ضعفت عن القوة التي كانت عليها في عض المأكول و نحو ذلك، ففيها حكومة لأجل الشين و الضعف معا فان ذهب مع هذا التغير كل منافعها حتى لا يقوى على أن يعض بها شيئا، فهذه بمنزلة اليد الشلاء

142

فعليه الدية لأن كل ما كان في إتلافه الدية كان في الشلل منه الدية، فإن قلعها قالع بعد ذلك فعليه حكومة، فإن نبت أسنان الصبي سودا ثم ثغر ثم نبتت سوداء فقلعها قالع فعليه الدية لأن هذا السواد ليس بمرض و لا عيب، و إنما هو خلقة.

فأما إن نبتت أسنانه بيضا ثم ثغر ثم نبتت سوداء، فان قال أهل الخبرة ليس هذا السواد لعلة و لا مرض، فمتى قلعها قالع فعليه الدية، و إن قالوا هو لعلة و مرض فعلى قالعها حكومة، لأنها ليست بصحيحة.

فإن نبتت الأسنان على قدر واحد و طول واحد العليا و السفلى سواء كانت العليا طوالا و السفلى قصارا، أو كانت السفلى طوالا و العليا قصارا، أو كانتا جميعا قصارا الباب واحد، في الكل الدية، فإن اختلف النوع الواحد و هو الثنايا و الرباعيات فكانت إحدى الثنيتين أقصر من الأخرى أو إحدى الرباعيتين أقصر من الأخرى، نقصت عن الجاني من ديتها بقدر ما قصرت عن قرينتها و لأن العادة أن كل نوع منها ينقص طوله، بل تكون الثنايا في العادة أطول من الرباعيات فاعتبرت عادة الباقي منها، فما قصرت عن قريبته في العادة نقصانا ظاهرا نقص عن الجاني بقدر ذلك من الدية، و يقوى في نفسي أنه لا ينقص لأنه لا دليل عليه.

و لو ذهبت حدة السن بكلال لا كسر

، ففيها ديتها تامة إذا قلعت، لأن هذا الكلل لا يقصر شيئا من طرفها، لأن سن الصبي تنبت حادة و على طول الوقت يلحقها كلل، فتذهب حدتها، فهذه التي لا ينقص شيء من أرشها فأما إن ذهب منها ما جاوز حد الكلال، نقص الجاني من ديتها بقدر ما ذهب منها، فان السن قد يقصر طولها على تطاول الوقت، فيكون كأنه كسر بعضها.

143

[دية اليدين]

في اليدين الدية بلا خلاف لقوله (عليه السلام)

و في اليدين الدية و لقوله: و في اليد خمسون من الإبل، و في كل واحدة منهما نصف الدية، فإذا ثبت أن فيها نصف الدية فإن اليد التي يجب هذا فيها هي الكف إلى الكوع و هو أن يقلعها من المفصل الذي بينها و بين الذراع، فان قطع أكثر من ذلك كان فيها دية و حكومة بقدر ما يقطع.

فان كان من نصف الذراع أو المرفق أو العضد أو المنكب

ففي الزيادة حكومة، و كلما كانت الزيادة أكثر كانت الحكومة أكثر، و عندنا أن جميع ذلك فيه مقدر ذكرناه في تهذيب الأحكام و قال بعضهم إن اليد التي يجب فيها نصف الدية أن يقطعها من المنكب، و متى ضرب يده فشلت عندنا فيها ثلثا الدية و عندهم فيه الدية كاملة.

و أما الأصابع إذا قطعها وحدها دون الكف ففيها نصف الدية

، و الواجب فيها بالسوية كل إصبع عشر من الإبل، و روى أكثر أصحابنا أن في الإبهام ثلث الدية، و في الأربع ثلثي دية اليد، و روي عن بعض الصحابة المفاضلة بين الأصابع ذكرناه في الخلاف.

فأما الأنامل ففي كل أنملة من الأصابع ثلث دية الإصبع

إلا الإبهام فان في كل أنملة منها نصف ديتها، لأن لها أنملتين و فيها خلاف.

[دية الرجلين]

و الحكم في الرجلين على ما مضى في اليدين

، ففيهما الدية بلا خلاف، و في واحدة منهما نصف الدية، و حد ما يجب فيه نصف الدية أن يقطع من مفصل الساق و القدم و هو الذي يقطع من الساق عندهم، فان قطعها من نصف الساق ففيها دية رجل و حكومة.

فإن قطعها من الركبة فكذلك و إن قطعها من الفخذ كذلك إلا أنه كلما قطع معها أكثر كانت الحكومة أكثر، و عندنا في جميع ذلك مقدر مثل ما قلناه في اليد ذكرناه في الكتاب المقدم ذكره.

فان جنى عليها فشلت ففيها ثلثا ديتها

و عندهم كمال الدية، و الخلاف في أصابع

144

الرجلين كالخلاف في أصابع اليدين في كل واحدة عشر من الإبل، يتساوى فيه عندهم و عندنا في الإبهام ثلث دية الرجل، و في كل أنملة ثلث دية الإصبع إلا الإبهام، فإن لها مفصلين ففي كل واحدة منها نصف ديتها.

الأعرج معروف فالأعسم قال قوم هو الأعسر

، و قال آخرون هو من في رسغه ميل يعنى اعوجاج عند الكوع، فإذا قطع قاطع رجل الأعرج و يد الأعسم ففي كل واحدة منهما نصف الدية، لظاهر الخبر، لأنه لم يفصل.

فأما إن جنى على يده فكسرها ثم جبرت فانجبرت مستقيمة ففيها حكومة عندهم و عندنا فيه مقدر، و إن انجبرت عثماء فكذلك أيضا إلا أن الحكومة فيه إذا انجبرت عثماء أكثر مما فيها إذا انجبرت مستقيمة.

فان انجبرت عثماء فقال الجاني أنا أكسرها و أجبرها مستقيمة، لم يكن له ذلك لأنها جناية قد استقر أرشها، فعليه حكومة عندهم، و عندنا مقدر، فان بادر فكسرها ثم جبرها مستقيمة لم يسقط عنه تلك الحكومة، لأنه بمنزلة جرح استقر أرشه فإذا ثبت أنه لا يرد من الحكومة شيئا، فإن عليه في الكسر الثاني حكومة عندهم، و عندنا مقدر آخر.

إذا خلق لرجل يدان على كوع أو يدان و ذراعان على مرفق

أو يدان و ذراعان و عضدان على منكب، نظرت، فان كان يبطش بإحداهما دون الأخرى، فالباطشة هي الأصل، و الأخرى زائدة، فإن كانتا باطشتين لكن إحداهما أكثر بطشا فهي الأصل و الضعيفة زائدة، و سواء كانت التي هي أبطش على سمت الخلقة أو مائلة عن سمتها.

فان كانتا في البطش سواء و إحداهما على غير سمت الخلقة، فالأصلية هي التي على سمت الخلقة، فإن كانتا سواء و إحداهما ناقصة فالكاملة أصلية و الناقصة زائدة، فإن كانتا سواء و إحداهما زائدة إصبع لم يرجح بالزيادة في هذا الفصل، فكل موضع حكمنا بأنها أصلية ففيها القود في العمد، و الدية في الخطاء، و في الأخرى حكومة.

فإن كانتا سواء بكل حال في الخلقة و سمت الخلقة و البطش و التمام، فهما يد

145

و زيادة، فإن قطعهما قاطع فعليه القود و حكومة في العمد و دية و حكومة في الخطاء و عندنا في الزائدة ثلث الدية.

فإن قطع إحداهما فلا قود، لكن فيها نصف دية و حكومة، لأنه قطع نصف يد و زيادة، قال بعضهم في إحداهما حكومة فإن قطع إصبعا من إحداهما ففيها نصف دية إصبع خمس من الإبل، و حكومة على ما فصلناه إذا قطع إحداهما و في أناملها كذلك نصف دية أنملة و حكومة.

هذا إذا جنى على اليدين، فأما إن جنى ذو اليدين فقطع يدا لرجل، فلا قود عليه في إحداهما لأنا لا نعرف الأصلية و لا قود عليه فيها، لأنها يد و زيادة، فلا يأخذ الفضل قودا.

هذا الكلام في اليدين

فأما إذا خلق له قدمان على ساق، أو قدمان و ساقان على ركبة

، أو قدمان و ساقان و فخذان على ورك، فالحكم على ما فصلناه في اليدين.

و في الرجلين تفصيل

و هو أنك تنظر فان كانت إحداهما أطول فكانت يمشى عليها و لا يمكنه المشي على القصيرة، لأن الطويلة تمنع وصولها إلى الأرض، فإذا قطع قاطع الطويلة نظرت، فان لم يقدر على المشي على القصيرة فعليه القود أو الدية في التي قطعها، لأنها أصلية و إن قدر أن يمشى على القصيرة، فعليه حكومة في الطويلة، لأنا تبينا أن القصيرة هي الأصلية و إنما لم يقدر أن يمشى عليها لطول الزائدة.

فإن قطعت القصيرة بعد الطويلة، ففيها القود أو الدية فإن جنى على الطويلة فشلت ففيها الدية في الحال كاملا عندهم، و عندنا ثلثاها، لأن الظاهر أنها أصلية و لا يمكن الصبر ههنا، لينظر هل يمشى على القصيرة أم لا، لأن الشلاء تمنعها أن تصل إلى الأرض.

فإن قطع قاطع الطويلة الشلاء فعليه حكومة عندهم و عندنا ثلث الدية، ثم ينظر فيه، فان لم يقدر على أن يمشى على القصيرة فقد استقر الحكم على ما مضى، و إن قدر أن يمشى على القصيرة تبينا أنها الأصلية و الطويلة زائدة، و قد أخذ صاحبها

146

دية الأصلية، و إنما له الحكومة فيرد الدية على الجاني إلا قدر ما يجب فيها من الحكومة.

[دية الأليتين]

في الأليتين الدية

لأنهما من تمام الخلقة، و فيهما الجمال و المنفعة، و في إحداهما نصف الدية، فإن جرح إحداهما و لم ينته إلى العظم فلا قود، لأنه شق لحم و فيه حكومة، فأما المرأة ففيهما ديتها لما مضى، و الأليتان الماكمتان و هو ما علا و أشرف على الظهر، و عن استواء الفخذين، فان الظهر مسطوح من الكتفين إلى الأليتين، و الفخذان مستويان إلى الأليتين و ينبغي أن يكون فيهما القود إذا أخذهما إلى العظم الذي تحتهما لا يفضل يمين على يسار في الدية بلا خلاف، و إن كانت المنفعة باليمين أكثر.

و من قطعت يده في الجهاد فنبتت له اخرى

كان فيها نصف الدية عند جميع الفقهاء إلا الأوزاعي فإنه قال: فيها دية اليدين، و إن صح التقدير، فالأول أصح لظاهر الخبر.

في عين الأعور إذا كان خلقة الدية كاملة

أو يأخذ إحدى عيني الجاني و نصف الدية، و إن كانت قلعت فاستحق ديتها أو اقتص منها كان فيها نصف الدية، و عند المخالف فيها قصاص عين واحدة أو نصف الدية، و لم يفصلوا، و منهم من قال فيها الدية كاملة.

فأما إن قلع الأعور عينا واحدة من عين ذي العينين

فذو العينين عندنا بالخيار بين أن يقلع عين الأعور أو يعفو على مال و له نصف الدية، لأنه دية عينه التي قلعت و قال بعضهم له أن يقلعها أو يعفو و له ألف دينار دية عين الأعور عنده.

147

[دية الصلب]

إذا كسر صلبه فعليه الدية

، و لا تؤخذ الدية في الحال بل يصبر فان ذهب مشيه ففيه الدية لقوله (عليه السلام) و في الصلب الدية فإذا صبرنا و ذهب مشيه ففيه الدية، فأما إن صار يمشى على عكاظ بيديه أو بإحداهما ففيه الحكومة، و عندنا فيه مقدر ذكرناه في الموضع المقدم ذكره و إن لم يحتج إلى عكاظ لكنه يمشى راكعا ففيه دون ذلك، و عندنا فيه مقدر، فان اعتدل صلبه و مشى بغير عكاز ففيه حكومة دون ما مضى.

فأما إن ذهب جماعه فان كان معه علامة تدل على صدقه، فالقول قول المجني عليه مع يمينه في ذهاب جماعه، و إن لم يكن معه و شهد بينتان من أهل العلم أن مثل هذا قد يذهب به الجماع، فالقول قول المجني عليه، لأن الظاهر معه، و هذا لا يتوصل إليه إلا من جهته، فإذا حلف فله كمال الدية و لا حكومة لأنه ما جنى على الذكر، و إنما الحاصل من جنايته إعدام منفعة الظهر مع سلامة العضو، فهو كما لو جنى على يده فشلت وحدها أو على عينيه فذهب ضوؤهما ففيهما الدية لأنه أتلف منافعها.

فان شل ذكره بذلك ففيه دية في الذكر و حكومة في كسر الصلب لأنه أبطل منفعة الذكر بمعنى حل في نفس الذكر و ذاته، و كسر الصلب، فلهذا كان عليه الحكومة و الدية كما لو كسر ظهره فشلت رجلاه، فان فيه دية و حكومة، و يفارق هذا إذا ذهب جماعه و الذكر سليم لأنه ما حل في الذكر فساد و إنما تعطل الجماع لمعنى في غيره فلهذا لم يجب مع الدية حكومة فبان الفصل بينهما.

إن كسر صلبه فذهب مشيه و جماعه معا

، قال قوم فيه دية واحدة، و قال آخرون فيه ديتان، و هو مذهبنا.

إن جنى على رقبته فان اعوجت حتى صار كالملتفت

و لم تعد إلى ما كان، ففيه حكومة، فإن صار بحيث لا يقدر أن يلتفت أصلا أو يلتفت بشدة أو صار يبلع الريق و المأكول بشدة ففي كل هذا حكومة عندهم، و قد روى أصحابنا أنه إذا صار أصور فيه الدية، فإن صيره بحيث لا يزدرد شيئا، فان مات فعليه القود، و إن عاش قالوا

148

لا شيء عليه، و ينبغي أن يقول إن عليه حكومة.

[دية المرأة]

دية المرء على النصف من دية الرجل إجماعا إلا ابن علية و الأصم فإنهما قالا هما سواء، فأما أرش الجنايات المقدرة فالمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية عندنا، و فيه خلاف كثير ذكرناه في الخلاف.

[دية الثديين]

في ثديي المرأة ديتها لأنهما من أصل الخلقة

، و فيهما الجمال و المنفعة، و في كل واحد منهما نصف ديتها، فان جنى عليهما فشلا ففيهما الدية، فان لم يشلا لكنهما استرخيا ففيهما حكومة، لاعدام الجمال و الاسترخاء.

فان كان فيهما لبن فانقطع فحكومة، و إن لم يكن فيهما لبن فعاد وقت نزول اللبن فيهما و لم ينزل فان قال أهل الخبرة إنما لا ينزل للجناية ففيها حكومة، و إن قالوا قد ينقطع بجناية و غير جناية فحكومة.

و وقت نزوله في العادة الحامل لأربعين يوما فإذا وضعت فشرب اللبأ منها لم يدر منها لبن حتى يمضى ثلاث أو مدة النفاس ثم يدر لبنها، فإذا لم يعاود في وقت عوده في العادة حينئذ سئل أهل الخبرة، و يكون على ما مضى.

فان قطع الثديين مع شيء من جلد الصدر ففيها دية و حكومة في الجلدة

، فإن قطعهما مع شيء من جلد الصدر فأجافه فيهما فدية و حكومة في الجلدة، و أرش الجائفتين مع ذلك.

إذا قطع من الثديين الحلمتين

و هما اللذان كهيئة الذر في رأس الثدي يلتقمهما الطفل، ففيهما الدية، لأنهما من تمام الخلقة، و فيهما الجمال و المنفعة، فأما حلمتا الرجل قال قوم فيهما الحكومة، و قال آخرون فيهما الدية، و هو مذهبنا.

149

[دية الأسكتين]

الأسكتان و الشفران عبارة عن شيء واحد

، و هو اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم، و هما عند أهل اللغة عبارة عن شيئين، قال بعضهم: الأسكتان هو اللحم المحيط بشق الفرج، و الشفران حاشيتا الأسكتين كما أن للعينين جفنين ينطبقان عليهما، و شفرهما هي الحاشية التي تنبت فيها أهداب العين، فالإسكتان كالأجفان و الشفران كشفري العين.

فإذا ثبت هذا فمتى جنى عليهما جان فقطع ذلك منها فعليه ديتها، فان اندمل المكان فخرجت في موضع الاندمال فعلى الجاني الحكومة، لأنه جناية على لحم، فان جنى عليهما فشلتا ففيهما الدية، و على مذهبنا ينبغي أن يكون ثلثا الدية، و لا فصل بين أن يكونا غليظتين أو دقيقتين، قصيرتين أو طويلتين، لأن الاعتبار بالاسم.

الرتق انسداد في داخل الفرج، و القرن عظم داخل الفرج يمنع الجماع

، فإذا قطع شفرتها ففيها ديتها، لأن العيب داخل الفرج فهما بمنزلة شفتي الأخرس، و لو كان أخرس كان في شفتيه الدية، و المخفوضة و غيرها سواء، فان قطع الركب معهما ففي الركب حكومة و الركب هو الجلد الثاني فوق الفرج، و هو منها بمنزلة شفرة الرجل، و فيه حكومة.

[دية الإفضاء]

الإفضاء أن يجعل مدخل الذكر و هو مخرج المني و الحيض و الولد و مخرج البول واحدا

، فان مدخل الذكر و مخرج الولد واحد و هو أسفل الفرج، و مخرج البول من ثقبة كالاحليل في أعلى الفرج، و بين المسلكين حاجز دقيق، و الإفضاء إزالة ذلك الحاجز، و قال كثير من أهل العلم الإفضاء أن يجعل مخرج الغائط و مدخل الذكر واحدا، و هذا غلط، لأن ما بينهما حاجز غليظ قوى.

ثم الفقهاء فرعوا على الإفضاء إذا كان البول مستمسكا و غير مستمسك و إنما يصح

150

هذا التفريع على ما قلناه من رفع الحاجز الذي بين مخرج البول و مدخل الذكر، و على ما قالوه فلا صنع لمخرج البول ههنا.

فإذا تقررت صورة الإفضاء

فإذا أفضى الرجل امرأة لم يخل من ثلاثة أحوال

إما أن تكون زوجته أو أجنبية مكرهة أو موطوءة بشبهة فإن كانت زوجته استقر المسمى بالتقاء الختانين إن كان لها مهر مسمى، و إن كانت مفوضة استقر لها مهر مثلها، و إذا أفضاها بعد هذا فعليه الدية بالإفضاء.

ثم ينظر فان كان البول مستمسكا فلا زيادة على الدية، و إن كان مسترسلا ففيه حكومة بعد الدية، و قال بعضهم الإفضاء غير مضمون على زوجها، و إنما يستقر بالوطي المهر فقط، و عندنا أنه إن وطئها قبل تسع سنين كان مضمونا بالدية، و يلزمه مع ذلك النفقة عليها حتى تموت، و إن كان الإفضاء بعد تسع سنين لم يكن مضمونا.

و لا فصل في ذلك بين أن تكون المرأة بكرا أو ثيبا فان كانت ثيبا فالمهر و الدية و الحكومة على ما فصلناه، و كذلك إن كانت بكرا، و يسقط إزالة البكارة لأن إزالتها مستحق و إن كانت مكرهة فعليه الحد لأنه زان و لا حد عليها لأنها مكرهة، و لها المهر و عليه الدية بالإفضاء، ثم ينظر فان كان البول مستمسكا فلا زيادة على الدية، و إن كان مسترسلا ففيه حكومة و عليه الحد و أما المهر فلا يجب لوجوب الحد.

و أما الإفضاء فينظر فان كان البول مستمسكا ففيه ثلث الدية، و إن كان مسترسلا فعليه الدية، و لا حكومة، و هو مذهبنا الأول غير أنه لا يجب بها المهر لأنه زنا.

فإذا ثبت هذا نظرت فان كانت ثيبا فلا كلام، و إن كانت بكرا وجب المهر و الدية، و قال قوم لا يجب أرش البكارة فإنه يدخل في دية الإفضاء، و منهم من قال يجب أرش البكارة و هو مذهبنا، لأنه لا دليل على دخوله في أرش الإفضاء.

فإذا ثبت وجوب الدية بالإفضاء، نظرت فان وجبت عن عمد فهي مغلظة حالة في ماله، و إنما يكون عمدا محضا إذا كانت صغيرة و بدنه كبير، و يعلم أن مثلها لا يطيق ذلك، فمتى فعل ذلك فقد أفضاها عمدا محضا، فالدية مغلظة حالة في ماله و إن وجبت عن عمد الخطاء فالدية مغلظة مؤجلة عندنا في ماله، و عندهم على العاقلة، و

151

عمد الخطاء أن تكون كبيرة قد تفضي مثلها و قد لا تفضي، فإذا وجد الإفضاء علمنا أنه عامد في فعله مخطئ في قصده، فلهذا كان عمد الخطاء.

و أحال بعضهم أن يتصور في الإفضاء خطاء محض و قال بعض المتأخرين و هو جيد أنه قد يتصور الخطاء المحض و هو إذا كان له زوجة قد وطئها، و يعلم أن وطيه لا يفضيها بعد هذا، فأصاب على فراشه امرأة فأفضاها يعتقدها زوجته، فإنه خطاء محض كما لو رمى حربيا فوقع على مسلم فقتله كان خطاء محضا بلا إشكال.

فأما إذا وطئها بشبهة فأفضاها

مثل أن كان النكاح فاسدا أو وجد على فراشه امرأة يظنها زوجته فوطئها فأفضاها فالحد لا يجب للشبهة، و المهر يجب للدخول، و يجب الدية للإفضاء، فإن كان البول مستمسكا فالدية بلا حكومة، و إن كان مسترسلا فعليه حكومة.

و قال بعضهم لا حد كما قلنا، و أما المهر فينظر في الإفضاء، فإن كان البول مستمسكا ففيه ثلث الدية، و يجب المهر معه، و إن كان مسترسلا وجبت الدية و لم يجب المهر بل يدخل في الدية.

[دية الذكر]

في الذكر بلا خلاف الدية

لقوله (عليه السلام) و في الذكر الدية، و سواء كان طويلا أو قصيرا، غليظا أو دقيقا، و الشاب و الشيخ و الطفل الصغير سواء في ذلك.

فان جنى عليه فصار أشل ففيه الدية

، لأن كل عضو كان في إتلافه الدية كان في شلله الدية، فإن قطعه قاطع بعد هذا ففيه حكومة، و عندنا يلزمه ثلثا الدية، و من قطعه بعد ذلك فعليه ثلث الدية، فإن جنى عليه فعاب و صار به دمل أو برص أو جراح أو تغوص رأسه ففيه حكومة، فإن قطع قاطع هذا المعيب ففيه كمال الدية كما لو قطع اليد العثماء.

فان قطع بعضه طولا

مثل أن يشقه باثنين فعليه ما يخصه من الدية، فإن قطع الحشفة وحدها ففيها كمال الدية لأن الجمال و المنفعة بها كالإصبع في اليد، فان قطع

152

قاطع ما بقي ففيه حكومة، كما لو قطع الكف بلا أصابع عليها.

فان قطع منه قطعة دون الحشفة نظرت

، فان كان البول يخرج من مكان الجرح وجب عليه أكثر الأمرين من الحكومة أو بقدره من الدية، أيهما كان أكثر.

فإن جنى عليه فأجافه و اندمل ففيه حكومة لأنه جوف لا يخاف منه التلف غالبا و إن قطع بعض الحشفة فعليه ما يخصه من الدية و في اعتبارها قال قوم من كل الذكر لأنها منه، و قال آخرون من الحشفة، لأن الدية تجب بها، و كان الاعتبار بها دون غيرها و هو الأقوى، فإن قطع قاطع الحشفة و بعض قصبة الذكر ففيه كمال الدية كما لو قطع مع الأصابع شيئا من الكف.

فان جنى على ذكره فذكر أنه قد ذهب جماعه و العضو صحيح بحاله

، لم تجب الدية، لأن ذهاب الجماع عيب في غيره، و إلا فإنما هو مجرى و طريق.

[دية الخصيتين]

في الخصيتين الدية

لقوله (عليه السلام) و في الخصيتين الدية و في كل واحدة منهما نصف الدية، و في بعض رواياتنا أن في اليسرى ثلثي الدية و في اليمنى ثلثه، لأن الولد يكون من اليسرى، فإذا ثبت أن في الذكر الدية، و في الخصيتين الدية، فإن قطعهما قاطع أو قطع الذكر ثم قطع الخصيتين ففيهما ديتان، و كذلك إن قطع الخصيتين أولا ثم الذكر، عندنا و عند جماعة.

و قال بعضهم في الخصيتين الدية و في الذكر حكومة لأن الخصيتين إذا قطعتا ذهبت منفعة الذكر، فان الولد لا يخلق من مائه، فهو كالشلل.

كل عضو فيه مقدر إذا جنى عليه فذهب منفعته

أو لم يكن في الأصل فيه منفعة و إنما فيه جمال الحظوة فقط كالعين القائمة، و هي التي في صورة البصيرة غير أنه لا يبصر بها، و اليد الشلاء و الرجل الشلاء كذلك هي في صورة الصحيحة، غير أنه لا يبطش بها، و كذلك لسان الأخرس في صورة لسان الناطق غير أنه لا ينطق به، و كذلك