تذكرة الفقهاء - ج12

- العلامة الحلي المزيد...
370 /
105

و أمّا الشافعي فله قولان:

أحدهما: فسخ العقد بمجرّد التحالف من غير حاجة إلى حكم الحاكم بالفسخ.

و الثاني: أنّه لا ينفسخ إلّا بحكم الحاكم (1).

فعلى الأوّل فإنّهما يترادّان.

و لو تقارّا على أحد اليمينين (2)، لم يعد نافذا، بل لا بدّ من تجديد عقد.

و هل ينفسخ في الحال أو يتبيّن ارتفاعه من أصله؟ للشافعيّة وجهان، أظهرهما: الأوّل، لنفوذ تصرّفات المشتري قبل الاختلاف.

و على هذا فالحاكم يدعوهما بعد التحالف إلى الموافقة، فينظر هل يعطي المشتري ما يقوله البائع من الثمن؟ فإن فعل، اجبر البائع عليه، و إلّا نظر هل يقنع البائع بما يقوله المشتري؟ فإن فعل فذاك، و إلّا فحينئذ يحتاج إلى فسخ العقد.

و من الذي يفسخه؟ وجهان:

أحدهما: الحاكم، لتعذّر إمضائه في الحكم، و كالفسخ في العنّة، لأنّه فسخ مجتهد فيه.

و أظهرهما عندهم: أنّ للمتعاقدين أيضا أن يفسخا، و لأحدهما (3) أن

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 300، حلية العلماء 4: 326، العزيز شرح الوجيز 4:

384، روضة الطالبين 3: 236.

(2) في «س، ي»: «الثمنين».

(3) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «و أحدهما». و ما أثبتناه من «العزيز شرح الوجيز» و «روضة الطالبين».

106

ينفرد به، كالفسخ بالعيب (1).

قال الجويني: إذا قلنا: الحاكم هو الذي يفسخ، فذلك إذا استمرّا على النزاع و لم يفسخا أو التمسا الفسخ، فأمّا إذا أعرضا عن الخصومة و لم يتوافقا على شيء و لا فسخا، ففيه نظر (2).

و إذا فسخ العقد إمّا بفسخهما أو بفسخ الحاكم، وقع الفسخ ظاهرا.

و هل يقع باطنا؟ فيه للشافعيّة (3) ثلاثة أوجه:

أحدها: لا، لأنّ سبب الفسخ تعذّر إمضائه، لعدم الوقوف على الثمن، و أنّه أمر يتعلّق بالظاهر، و العقد وقع صحيحا في نفسه، و إنّما تعذّر إمضاؤه في الظاهر، فكان الفسخ في الظاهر دون الباطن.

و الثاني: أنّه يقع ظاهرا و باطنا، لأنّه فسخ لاستدراك الظلامة، فأشبه الردّ بالعيب.

و الثالث: أنّ البائع إن كان ظالما، فالفسخ يقع ظاهرا لا باطنا، لأنّه يمكنه استيفاء الثمن و تسليم المبيع، فإذا امتنع، كان عاصيا، فلا يقع الفسخ بذلك. و إن كان المشتري ظالما، وقع الفسخ ظاهرا و باطنا، لأنّ البائع لا يصل إلى حقّه من الثمن، فاستحقّ الفسخ، كما لو أفلس المشتري (4).

و هل يجري مثل هذا الخلاف إذا فرّعنا على انفساخ العقد بنفس

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 300، التهذيب- للبغوي- 3: 508، العزيز شرح الوجيز 4: 384، روضة الطالبين 3: 236.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 384، روضة الطالبين 3: 236.

(3) في الطبعة الحجريّة: «للشافعي».

(4) المهذّب- للشيرازي- 1: 300- 301، حلية العلماء 326- 327، العزيز شرح الوجيز 4: 384- 385، روضة الطالبين 3: 236- 237.

107

التحالف أم يجزم بالارتفاع باطنا أيضا؟ اختلفوا فيه (1).

و إذا قلنا بالارتفاع باطنا، ترادّا، و تصرّف كلّ منهما فيما عاد إليه. و إن منعناه، لم يجز لهما التصرّف، لكن لو كان البائع صادقا، فهو ظافر بمال من ظلمه لما استردّ المبيع، فله بيعه بالحاكم في أحد الوجهين، أو بنفسه في أصحّهما عندهم (2)، و استيفاء حقّه من ثمنه.

إذا تقرّر هذا، فكلّ موضع قلنا: إنّ الفسخ يقع ظاهرا و باطنا، فإنّ للبائع التصرّف في المبيع بجميع أنواع التصرّف حتى بالوطي. و إن قلنا:

يقع ظاهرا دون الباطن، فإن كان البائع ظالما، لم يجز له التصرّف في المبيع بوجه، و وجب عليه ردّه على المشتري بالثمن المسمّى، لأنّه لا يجوز له أن يستبيح ملك غيره بظلمه. و إن كان المشتري ظالما، فإنّ البائع قد حصل في يده ملك المشتري، و له عليه الثمن، و هو من غير جنسه، فله أن يبيع جميعه أو مقدار حقّه.

و هل يبيعه بنفسه أو يتولّاه الحاكم؟ وجهان (3):

أحدهما: أنّه يرفعه إلى الحاكم ليبيعه، لأنّ الولاية للحاكم على صاحبه دون هذا البائع.

و الثاني: يبيعه بنفسه- و هو منصوص الشافعي- لأنّه يتعذّر عليه رفعه إلى الحاكم و إثبات حقّه عنده، فجوّز ذلك للضرورة، كما جوّز إمساك ملك المشتري للحاجة.

و عندنا إن تمكّن من الحاكم، وجب، و إلّا تولّاه بنفسه، فإذا باعه فإن

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 385، روضة الطالبين 3: 237.

(2) حلية العلماء 4: 327، العزيز شرح الوجيز 4: 385، روضة الطالبين 3:

237.

(3) حلية العلماء 4: 327، العزيز شرح الوجيز 4: 385، روضة الطالبين 3:

237.

108

كان الثمن وفق حقّه، فقد استوفاه. و إن نقص، فالباقي في ذمّة المشتري.

و إن فضل، فللمشتري. و إن تلف هذا في يده، كان من ضمانه. و إن تحالفا بعد تلف السلعة، وجب ردّ قيمة المبيع.

و متى تعتبر قيمته؟ على وجهين:

أحدهما: أكثر ما كانت من حين القبض.

و الثاني: حال التلف، كالمقبوض على وجه السوم (1).

و هذه الفروع مبنيّة على ما إذا اختلفا في قدر الثمن. و ذكر الجويني عبارة نحو (2) هذه الصورة و غيرها، و هي: أنّ الفسخ إن صدر من المحقّ، فالوجه: تنفيذه باطنا. و إن صدر من المبطل، فالوجه: منعه. و إن صدر منهما جميعا، قال: لا شكّ في الانفساخ، و ليس ذلك موضع الخلاف، و كان كما لو تقايلا. و إذا صدر من المبطل، لم ينفذ باطنا. و طريق الصادق إنشاء الفسخ إن أراد الملك فيما عاد إليه. و إن صدر الفسخ من الحاكم، فالظاهر الانفساخ باطنا لينتفع به المحقّ (3).

و اعلم أنّ هذا لا يتأتى على مذهبنا فيما إذا كان الاختلاف في كمّيّة الثمن، و إنّما يقع فيما إذا اختلفا في تعيين المبيع، كالعبد أو الجارية، أو في تعيين الثمن، كالذهب أو الفضّة، و هنا نقول: إنّ المبطل لا يباح له التصرّف فيما صار إليه، و المحقّ له التصرّف.

مسألة 617: إذا فسخ البيع، كان على المشتري ردّ المبيع

إن كان قائما

____________

(1) الوسيط 3: 216، التهذيب- للبغوي- 3: 509، العزيز شرح الوجيز 4: 385- 386، روضة الطالبين 3: 237.

(2) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «تجري» بدل «نحو». و الصحيح ما أثبتناه.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 385، روضة الطالبين 3: 237، و العبارة فيهما هكذا:

«.. و إذا صدر من المبطل و لم ينفذه باطنا، فطريق الصادق ..».

109

بحاله، لقوله (عليه السلام): «إذا اختلف المتبايعان تحالفا و ترادّا» رواه العامّة (1).

و هذا عندنا صحيح فيما إذا كان الاختلاف في الأعيان المتعدّدة، لا في قدر الثمن، فإذا كان المشتري قد أخذ ما ادّعاه و سقطت دعواه بيمين البائع، وجب عليه ردّ ما أخذه، لظهور بطلان الأخذ بيمين البائع.

و إن تلف في يد المشتري، فعليه قيمته، سواء كانت أكثر من الثمن أو أقلّ.

و هل يعتبر وقت التلف، لأنّ مورد الفسخ العين لو بقيت، و القيمة خلف عنها، فإذا فات الأصل، فحينئذ ينظر إليها، أو يوم القبض، لأنّه وقت دخول المبيع في ضمانه، أو الأقلّ، لأنّها إن كانت يوم العقد أقلّ، فالزيادة حدثت في ملك المشتري، و إن كان يوم القبض أقلّ، فهو يوم دخوله في ضمانه، أو بأعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف، لأنّ يده يد ضمان، فتعيّن أعلى القيم؟

و للشافعيّة هذه الاحتمالات الأربعة أقوال (2) فيما قلناه (3) و فيما إذا اختلفا في قدر الثمن أو الأجل أو الضمين أو غير ذلك (4) على ما تقدّم.

مسألة 618: لو زادت العين في يد المشتري، فإمّا زيادة متّصلة أو منفصلة.

فإن كانت متّصلة، فهي للبائع يردّها المشتري مع العين.

و إن كانت منفصلة، كالولد و الثمرة و الكسب و المهر، فإن قلنا: العقد

____________

(1) الوجيز 1: 153، العزيز شرح الوجيز 4: 385.

(2) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «أقوالا». و الظاهر ما أثبتناه.

(3) في الطبعة الحجريّة: «نقلناه».

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 385- 386، روضة الطالبين 3: 237.

110

يرتفع من أصله- و هو الظاهر عندنا إذا وقع التنازع في تعيين المبيع أو تعيين الثمن أيّ العينين هو؟- فالنماء للبائع، و يجب أقصى القيم لو تلف المبيع.

و إن قلنا: من حينه، فالنماء للمشتري، و عليه القيمة يوم التلف.

و عند الشافعي يتأتّى ذلك في هذه الصورة و فيما إذا اختلفا في قدر الثمن و غيره على ما سلف (1).

و قال بعض الشافعيّة: هذا الخلاف السابق في القيمة متى تعتبر؟ نظرا إلى أنّ العقد يرتفع من أصله أو من حينه؟ إن قلنا بالأوّل، فالواجب أقصى القيم. و إن قلنا بالثاني، اعتبرنا قيمته يوم التلف (2).

مسألة 619: لو اشترى عبدين و تلف أحدهما

ثمّ اختلفا في قدر الثمن، قدّم قول المشتري مع يمينه، كما ذهبنا إليه.

و قال الشافعي: يتحالفان، بناء على أصله (3).

و هل يردّ الباقي؟ فيه الخلاف المذكور في مثله إذا وجد الباقي معيبا.

و إن قلنا: يردّ، فيضمّ قيمة التالف إليه، و في القيمة المعتبرة الوجوه الأربعة (4).

اعترض: بأنّه لم كان الأصحّ هنا غير الأصحّ في القيمة المعتبرة لمعرفة الأرش؟

أجيب: يجوز أن يكون السبب فيه أنّ النظر إلى القيمة ثمّ ليس ليغرم، و لكن ليعرف منها الأرش الذي هو جزء من الثمن، و كذلك

____________

(1) في ذيل المسألة السابقة.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 386.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 386، روضة الطالبين 3: 237.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 386، روضة الطالبين 3: 237.

111

العوض (1) فيما إذا تلف أحد العبدين و وجدنا عيبا بالباقي و جوّزنا إفراده بالردّ، يوزّع (2) الثمن على قيمة التالف و الباقي، و هاهنا المغروم القيمة، فكان النظر إلى حالة الإتلاف أليق (3).

و لو كان المبيع قائما إلّا أنّه قد تعيّب، ردّه مع الأرش، و هو قدر ما نقص من القيمة، لأنّ الكلّ مضمون على المشتري بالقيمة، فيكون البعض مضمونا ببعض القيمة.

أمّا المبيع لو تعيّب في يد البائع و أفضى الأمر إلى الأرش، وجب جزء من الثمن، لأنّ الكلّ مضمون على البائع بالثمن، فكذا البعض.

و هذا أصل مطّرد في المسائل أنّ كلّ موضع لو تلف الكلّ، كان مضمونا على الشخص بالقيمة، فإذا تلف البعض، كان مضمونا عليه ببعض القيمة، كالمغصوب و غيره، إلّا في صورة واحدة، و هي: ما إذا عجّل زكاته ثمّ تلف ماله قبل الحول و كان ما عجّل تالفا، يغرم المسكين القيمة، و لو تعيّب، ففي الأرش وجهان للشافعيّة (4).

تذنيب: لو اختلفا في القيمة الواجبة عليه أو الأرش، قدّم قول المشتري مع اليمين، لأنّه الغارم.

مسألة 620: التلف قد يكون حقيقيّا

، كما لو هلكت العين، و قد يكون حكميّا، كما لو أعتق المشتري أو وقف أو باع أو وهب و أقبض و تعوّض،

____________

(1) في «س» و الطبعة الحجريّة: «الفرض» و في «ي»: «العرض» بدل «العوض». و ما أثبتناه من المصدر.

(2) في «س» و الطبعة الحجريّة: «بالردّ توزيع» و في «ي»: «بالردّ و توزيع». و ما أثبتناه من المصدر.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 386.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 386، روضة الطالبين 3: 238.

112

و هنا يكون للبائع انتزاع العين، و يحكم ببطلان هذه العقود، و هو قول بعض الشافعية (1).

و قال بعضهم: إنّ هذه التصرّفات بمنزلة الإتلاف، فتجب القيمة، و تبقى هذه التصرّفات على الصحّة (2). و ليس جيّدا.

و التعيّب أيضا قد يكون حقيقيّا، كما لو تلف جزء من المبيع أو نقصت صفة من صفاته، و قد يكون حكميّا، كما لو زوّج الجارية المبيعة أو العبد المبيع، فعندنا يبطل النكاح إن لم يجز البائع، و هو أحد قولي الشافعيّة (3).

و قال بعضهم: على المشتري ما بين قيمتها مزوّجة و خليّة، و تعود إلى البائع و النكاح بحاله (4).

مسألة 621: لو كان العبد المبيع قد أبق من يد المشتري

، كان عليه قيمته للبائع إذا حلف أنّه لم يبعه، لتعذّر الوصول إليه.

و قال الشافعي: إذا تحالفا، لم يمتنع الفسخ، فإنّ الإباق لا يزيد على التلف، و يغرم المشتري القيمة (5) كما قلناه.

و لو كاتبه المشتري كتابة صحيحة، كان للبائع فسخها.

و قال الشافعي: يتمّ مكاتبا، ثمّ يغرّم المشتري القيمة، كالإباق (6).

و لو رهنه، كان للبائع انتزاعه و قال الشافعي: تخيّر البائع بين أخذ القيمة و الصبر إلى انفكاك

____________

(1) التهذيب- للبغوي- 3: 509، العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3:

238.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3: 238.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3: 238.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3: 238.

(5) العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3: 238.

(6) العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3: 238.

113

الرهن (1).

و لو آجره، كان للبائع أخذه و فسخ الإجارة.

و قال الشافعي: يبنى على أنّ بيع المستأجر هل يجوز؟ إن قلنا: لا، فهو كما لو رهنه. و إن قلنا: نعم، فللبائع أخذه، لكنّه يترك عند المستأجر إلى انقضاء المدّة، و الأجرة المسمّاة للمشتري، و عليه للبائع أجرة المثل للمدّة الباقية. و إن كان قد آجره من البائع، فله أخذه لا محالة.

و في انفساخ الإجارة وجهان، كما لو باع الدار المستأجرة من المستأجر إن قلنا: لا ينفسخ، فعلى البائع المسمّى للمشتري، و على المشتري أجرة مثل المدّة الباقية للبائع.

و إذا غرم القيمة في هذه الصورة ثمّ ارتفع السبب الحائل و أمكن الردّ، هل تستردّ القيمة و تردّ العين؟ يبنى ذلك على أنّه قبل ارتفاع الحائل ملك من هو؟ (2).

أمّا الآبق ففيه وجهان:

أحدهما: أنّه يبقى للمشتري، و الفسخ لا يرد على الآبق، و إنّما هو وارد على القيمة.

و أصحّهما عندنا و عندهم (3) أنّه في إباقه ملك البائع، و الفسخ وارد عليه، و إنّما وجبت القيمة، للحيلولة.

و أمّا المرهون و المكاتب ففيهما طريقان:

____________

(1) التهذيب- للبغوي- 3: 509، العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3:

238.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3: 238- 239.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3: 239.

114

أحدهما: طرد الوجهين.

و أظهرهما عندهم: القطع ببقاء الملك للمشتري، كما أنّ المشتري إذا أفلس بالثمن و العبد آبق، يجوز للبائع الفسخ و الرجوع إليه. و لو كان مرهونا أو مكاتبا، ليس له ذلك (1).

و الوجه عندنا بطلان الكتابة و الرهن كما قلنا.

و أمّا المكتري إذا منعنا بيعه، فهو كالمرهون و المكاتب، أو كالآبق، لأنّ حقّ المكري لا يتعلّق بمورد البيع و الفسخ، و هو الرقبة؟ فيه للشافعيّة احتمالات (2).

قال الجويني: و إذا قلنا ببقاء الملك للمشتري، فالفسخ وارد على القيمة، كما في صورة التلف، فلا ردّ و لا استرداد. و إذا قلنا بانقلابه إلى البائع، ثبت الردّ و الاسترداد عند ارتفاع الحيلولة (3).

مسألة 622: لو اختلف المتبايعان، فادّعى أحدهما حرّيّة العبد المبيع و أنكر الآخر

، فالقول قول المنكر مع يمينه.

قال الشافعي: إذا حلف كلّ منهما، فبعد التحالف أو قبله لم يحكم بحرّيّة العبد المبيع إن لم يكن الأمر كما قال، فلا يعتق العبد في الحال، لأنّه ملك المشتري، و هو صادق بزعمه (4).

ثمّ إن فسخ العقد أو عاد العبد إلى البائع بسبب آخر، عتق عليه، لأنّ المشتري كاذب بزعمه، و العبد قد عتق عليه، فهو بمنزلة من أقرّ بحرّيّة العبد ثمّ اشتراه، و لا يعتق في الباطن إن كان البائع كاذبا، و يعتق على

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3: 239.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3: 239.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 387، روضة الطالبين 3: 239.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 388، روضة الطالبين 3: 239.

115

المشتري إن كان صادقا، و ولاء هذا العبد موقوف لا يدّعيه البائع و لا المشتري.

و لو صدّق المشتري البائع، حكم بعتقه عليه، و يرد الفسخ إن تفاسخا، كما لو ردّ العبد بعيب ثمّ قال: كنت أعتقته، يرد الفسخ، و يحكم بعتقه.

و لو صدّق البائع المشتري، نظر إن حلف البائع بالحرّيّة أوّلا ثمّ المشتري، فإذا صدّقه البائع عقيب يمينه ثمّ عاد العبد إليه، لم يعتق، لأنّه لم يكذّب المشتري بعد ما حلف بالحرّيّة حتى يجعل مقرّا بعتقه. و إن حلف المشتري بحرّيّته أوّلا ثمّ حلف البائع و صدّقه، عتق إذا عاد إليه، لأنّ حلفه بعد حلف المشتري تكذيب له و إقرار بالحرّيّة عليه.

و لو كان المبيع بعض العبد، فإذا عاد إلى ملك البائع، عتق ذلك القدر عليه، و لم يقوّم عليه الباقي، لأنّه لم يحصل العتق بمباشرته (1)، بل بإقراره على غيره، فصار كما لو خلّف ابنين و عبدا، و قال أحدهما: إنّ أبي أعتق هذا العبد، و أنكره الآخر، فعتق (2) نصيب المقرّ، و لا يقوّم عليه الباقي.

مسألة 623: لو كان المبيع جارية و وطئها المشتري ثمّ اختلفا في قدر الثمن

، حلف المشتري، عندنا إن كانت السلعة تالفة. و إن كانت باقية، حلف البائع.

و عند الشافعي يتحالفان، ثمّ إن كانت ثيّبا، فلا أرش عليه مع ردّها.

و إن كانت بكرا، ردّها مع أرش البكارة، لأنّه نقصان جزء (3).

____________

(1) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «لمباشرته». و الظاهر ما أثبتناه.

(2) كذا، و الظاهر: «فيعتق».

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 388، روضة الطالبين 3: 240.

116

و لو ترافعا إلى مجلس الحكم و لم يتحالفا بعد، فأصحّ وجهي الشافعيّة: أنّ للمشتري وطء الجارية، لبقاء ملكه (1). و بعد التحالف و قبل الفسخ وجهان مرتّبان (2)، و أولى بالتحريم، لإشرافه على الزوال (3).

مسألة 624: لو جرى البيع بين الوكيلين و اختلفا

، للشافعي في تحالفهما وجهان، وجه المنع: أنّ غرض اليمين ليخاف الظالم فيقرّ، و إقرار الوكيل على موكّله غير مقبول (4).

و لو تقايل المتبايعان أو ردّ المشتري المبيع بالعيب بعد قبض البائع الثمن و اختلفا في قدر الثمن، فالقول قول البائع مع يمينه- قاله الشافعي (5)- لأنّ العقد قد ارتفع، و المشتري يدّعي زيادة، و الأصل عدمها.

مسألة 625: لو ادّعى الفسخ قبل التفرّق و أنكر الآخر

، قدّم قول المنكر مع اليمين، لأصالة البقاء.

و لو قلنا بالتحالف فيما إذا اختلفا في قدر الثمن فاختلفا في قيمة السلعة التالفة، رجع إلى قيمة مثلها موصوفا بصفاتها، فإن اختلفا في الصفة، قدّم قول المشتري، لأصالة براءته.

و لو تقايلا البيع أو ردّ بعيب بعد قبض الثمن ثمّ اختلفا في قدره، قدّم قول البائع مع يمينه، لأنّه منكر لما يدّعيه المشتري بعد الفسخ (6).

و لو قال: بعتك و أنا صبي، فقال: بل كنت بالغا، قدّم قول مدّعي الصحّة.

و يحتمل تقديم قول البائع، لأصالة البقاء.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 388، روضة الطالبين 3: 240.

(2) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «قريبان» بدل «مرتّبان». و ما أثبتناه من المصدر.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 388، روضة الطالبين 3: 240.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 388، روضة الطالبين 3: 240.

(5) العزيز شرح الوجيز 4: 389، روضة الطالبين 3: 240.

(6) مرّ هذا الفرع في ذيل المسألة 624.

117

و لو قال: بعت و أنا مجنون، و لم يعلم له سبقه، قدّم قول المشتري مع يمينه، و إلّا فكالصبي.

خاتمة تشتمل على الإقالة:

مسألة 626: الإقالة بعد البيع جائزة

بل تستحبّ إذا ندم أحد المتعاقدين على البيع.

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «من أقال أخاه المسلم صفقة يكرهها أقاله اللّه عثرته يوم القيامة» (1).

إذا عرفت هذا، فالإقالة أن يقول المتبايعان: تقايلنا، أو: تفاسخنا، أو يقول أحدهما: أقلتك، فيقبل الآخر.

و لو تقايلا بلفظ البيع، فإن قصدا الإقالة المحضة، لم يلحقها لواحق البيع حيث لم يقصداه.

مسألة 627: الإقالة فسخ للعقد الأوّل

، و ليست بيعا عندنا- و هو أصحّ قولي الشافعي (2)- لأنّها لو كانت بيعا لصحّت مع غير البائع و بغير الثمن الأوّل.

و قال في القديم: إنّها بيع- و به قال مالك- لأنّها نقل ملك بعوض بإيجاب و قبول، فأشبهت التولية (3).

____________

(1) شرح السنّة- للبغوي- 5: 120، 2117، العزيز شرح الوجيز 4: 280.

(2) الوسيط 3: 140، الوجيز 1: 145، العزيز شرح الوجيز 4: 281، حلية العلماء 4: 385، التهذيب- للبغوي- 3: 493، روضة الطالبين 3: 153، المجموع 9:

200، المغني 4: 244، الشرح الكبير 4: 132.

(3) الوسيط 3: 140، حلية العلماء 4: 386، التهذيب- للبغوي- 3: 393، العزيز شرح الوجيز 4: 281، روضة الطالبين 3: 153، مختصر اختلاف العلماء 3:

103، 1179، المغني 4: 244، الشرح الكبير 4: 132.

118

و المشابهة لا تستلزم الاتّحاد، و تعارض بما تقدّم، و بأنّ المبيع رجع إليه بلفظ لا ينعقد به البيع ابتداء، فلم يكن بيعا، كالردّ بالعيب.

إذا عرفت هذا، فالإقالة إذا ذكرت بلفظ الإقالة، فيه الخلاف السابق، أمّا إذا ذكرت بلفظ الفسخ، فلا خلاف في أنّها فسخ، و ليست بيعا، قاله بعض الشافعيّة (1).

مسألة 628: و الإقالة فسخ في حقّ المتعاقدين و غيرهما، للأصل.

و لأنّ الصيغة ليست لفظ بيع. و لأنّ ما كان فسخا في حقّ المتعاقدين كان فسخا في حقّ غيرهما، كالردّ بالعيب.

و قال أبو حنيفة: إنّها فسخ في حقّ المتعاقدين، و هي بمنزلة البيع في حقّ غيرهما، فيثبت فيها الشفعة للشفيع، لأنّ الإقالة نقل ملك بعوض هو مال، فيثبت فيه الشفعة، كالبيع (2).

و نمنع كونها نقل ملك، بل إعادة للملك الأوّل، فبها يعود الملك الأوّل إذا فسخ العقد.

و قال أبو يوسف: هي بيع بعد القبض، و فسخ قبله، إلّا في العقار، فإنّها بيع فيه قبل القبض و بعده (3).

مسألة 629: لا تثبت الشفعة عندنا بالإقالة

و إن أتى بها قاصدا لها بلفظ البيع، لأنّ القصد المعنى.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 281، روضة الطالبين 3: 153.

(2) الهداية- للمرغيناني- 3: 54- 55، الاختيار لتعليل المختار 2: 16، تحفة الفقهاء 2: 110- 111، بدائع الصنائع 5: 306 و 308، حلية العلماء 4: 385، العزيز شرح الوجيز 4: 282، المغني 4: 244، الشرح الكبير 4: 132.

(3) حلية العلماء 4: 386.

119

و قال أبو حنيفة: يثبت فيها الشفعة و إن كان بلفظ الإقالة (1).

و لو تقايلا في الصرف، لم يجب التقابض في المجلس، لأنّها ليست بيعا. و من جعلها بيعا أوجب التقابض فيه.

و تجوز الإقالة قبل قبض المبيع، لأنّها ليست بيعا. و من جعلها بيعا منع.

و تجوز في السّلم قبل القبض إن كانت فسخا، و إن كانت بيعا، فلا.

و لا تجوز الإقالة بعد تلف المبيع إن كانت بيعا، و تجوز إن كانت فسخا.

و للشافعيّة على تقدير كونها فسخا وجهان:

أحدهما: المنع، كالردّ بالعيب.

و أصحّهما عندهم: الجواز، كالفسخ بالتحالف، فعلى هذا يردّ المشتري على البائع مثل المبيع إن كان مثليّا، و قيمته إن كان متقوّما (2).

مسألة 630: يشترط في الإقالة عدم الزيادة في الثمن

و النقصان فيه لا قدرا و لا وصفا، فلو أقاله بأكثر أو أقلّ، فسدت الإقالة، و كان المبيع باقيا على ملك المشتري- و به قال الشافعي (3)- لأنها فسخ في الحقيقة، و مقتضاه عود كلّ عوض إلى مالكه، و ليست من الألفاظ الناقلة، كالبيع و شبهه بحيث يحصل ملك الزيادة بها.

____________

(1) تحفة الفقهاء 2: 110- 111، بدائع الصنائع 5: 308، الاختيار لتعليل المختار 2: 17، حلية العلماء 4: 385، العزيز شرح الوجيز 4: 282.

(2) التهذيب- للبغوي- 3: 493- 494، العزيز شرح الوجيز 4: 282، روضة الطالبين 3: 154.

(3) حلية العلماء 4: 386، التهذيب- للبغوي- 3: 491، العزيز شرح الوجيز 4:

282، روضة الطالبين 3: 154.

120

و قال أبو حنيفة: تصحّ الإقالة، و يبطل الشرط، و يجب ردّ الثمن، لأنّ الإقالة تصحّ بغير ذكر بدل، فإذا ذكره فاسدا، لم تبطل، كالنكاح (1).

و نحن نقول: إنّه أسقط حقّه من المبيع بشرط أن يحصل له العوض الذي شرطه، فإذا لم يسلم له الذي شرطه و لا بذل له، لم يزل ملكه عنه، بخلاف النكاح، فإنّه يثبت فيه عوض آخر. و لأنّ شرط الزيادة يخرج الإقالة عن موضوعها، فلم تصحّ، بخلاف النكاح.

مسألة 631: تصحّ الإقالة في بعض المسلم فيه

- و به قال عطاء و طاوس و عمرو بن دينار و الحكم بن عيينة، و إليه ذهب أبو حنيفة و الشافعي و الثوري، و روي عن عبد اللّه بن عباس أنّه قال: لا بأس به (2)- و هو المعروف، لأنّ الإقالة مستحبّة، و هي من المعروف، و كلّ معروف جاز في جميع العوض جاز في بعضه، كالإبراء و الإنظار.

و قال مالك و ربيعة و الليث بن سعد و ابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك.

و كرهه أحمد و إسحاق، و رواه ابن المنذر عن ابن عمر و الحسن و ابن سيرين و النخعي، لأنّه إذا أقاله في بعضه فقد صار بيعا و سلفا، و قد نهى النبيّ (عليه السلام) عن البيع و السلف (3). [و] (4) لأنّه إذا أقاله في بعضه و ردّ بعض

____________

(1) تحفة الفقهاء 2: 111، الهداية- للمرغيناني- 3: 55، الاختيار لتعليل المختار 2: 16، حلية العلماء 4: 386، التهذيب- للبغوي- 3: 492.

(2) المغني و الشرح الكبير 4: 372، مختصر اختلاف العلماء 3: 26، 1096، حلية العلماء 4: 387، التهذيب- للبغوي- 3: 493، العزيز شرح الوجيز 4: 283، روضة الطالبين 3: 155، بداية المجتهد 2: 206.

(3) سنن البيهقي 5: 348، شرح معاني الآثار 4: 46.

(4) زيادة يقتضيها السياق.

121

رأس المال، يصير في معنى القرض، لأنّه ردّ مثله، و يصير الباقي بيعا (1).

و هو منقوض بالرجوع بأرش العيب، فإنّه في معنى ما ذكروه.

و كذلك ينتقض باليسير، فانّ بعضهم كان يسلّم جواز الإقالة في اليسير منه.

على أنّا نمنع من كونه قرضا. و ردّ المثل لا يوجب كونه قرضا، و إلّا لزم أن يكون البيع إذا أقيل منه قرضا، لوجوب ردّ المثل، و ليس كذلك.

سلّمنا، لكن نمنع استحالة اجتماعهما في البيع، لكن منع الاجتماع إنّما يكون إذا كان شرطا في البيع، و أمّا لو أسلفه شيئا و باعه شيئا، جاز إذا لم يشترط أحدهما في الآخر عندهم (2).

مسألة 632: لو اشترى عبدين و تلف أحدهما، صحّت الإقالة عندنا

، لأنّها فسخ.

و من قال: إنّها بيع فوجهان في الإقالة في التالف بالترتيب، إذ القائم تصادفه الإقالة فيستتبع التالف (3).

و إذا تقايلا و المبيع في يد المشتري، نفذ تصرّف البائع فيه، لأنّها فسخ.

و من جعلها بيعا منع، إذ لا يصحّ التصرّف في المبيع قبل قبضه.

و لو تلف في يده، انفسخت الإقالة عند من قال: إنّها بيع، و بقي البيع كما كان.

____________

(1) بداية المجتهد 2: 206، المغني و الشرح الكبير 4: 372، حلية العلماء 4:

387، التهذيب- للبغوي- 3: 493، مختصر اختلاف العلماء 3: 26، 1096.

(2) لم نعثر عليه في مظانّه.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 282، روضة الطالبين 3: 154.

122

و من قال: إنّها فسخ صحّت الإقالة، و كان على المشتري الضمان، لأنّه مقبوض على حكم العوض، كالمأخوذ قرضا و سوما. و الواجب فيه إن كان متقوّما أقلّ القيمتين من يوم العقد و القبض.

و لو تعيّب في يده، فإن كانت بيعا، تخيّر البائع بين إجازة الإقالة مجّانا، و بين أن يفسخ و يأخذ الثمن. و إن كانت فسخا، غرم أرش العيب.

و لو استعمله بعد الإقالة، فإن جعلناها بيعا، فهو كالمبيع يستعمله البائع. و إن جعلناها فسخا، فعليه الأجرة.

و لو عرف البائع بالمبيع عيبا كان قد حدث في يد المشتري قبل الإقالة، فلا ردّ له إن كانت فسخا. و إن كانت بيعا، فله ردّه (1).

و يجوز للمشتري حبس المبيع لاسترداد الثمن على القولين.

و لا يشترط [ذكر] (2) الثمن في الإقالة.

و لو أقاله على أن ينظره بالثمن أو على أن يأخذ الصحاح عوض المكسّرة، لم يجز.

و يجوز للورثة الإقالة بعد موت المتبايعين.

و تجوز الإقالة في بعض المبيع- كما تقدّم- إذا لم تستلزم الجهالة.

قال الجويني: لو اشترى عبدين و تقايلا في أحدهما، لم تجز على قول [إنّها] (3) بيع، للجهل بحصّة كلّ واحد منهما (4).

و تجوز الإقالة في بعض المسلم فيه، لكن لو أقاله في البعض ليعجّل

____________

(1) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «ردّها». و الصحيح ما أثبتناه.

(2) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «فك». و الظاهر ما أثبتناه.

(3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «إنّه». و الظاهر ما أثبتناه.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 282- 283، روضة الطالبين 3: 154- 155.

123

الباقي أو عجّل المسلم إليه البعض ليقيله في الباقي، فهي فاسدة.

نعم، لو قال للمسلم إليه: عجّل لي حقّي، و أخذ دون ما استحقّه بطيبة من نفسه، كان جائزا، لأنّه نوع صلح و تراض، و هو جائز.

و قال الشافعي: لا يجوز (1).

مسألة 633: لا تسقط اجرة الدلّال و الوزّان و الناقد بعد هذه الأفعال بالإقالة

، لأنّ سبب الاستحقاق ثابت، فلا يبطل بالطارئ.

و لو اختلفا في قيمة التالف من العبدين، فالقول قول من ينكر الزيادة مع اليمين.

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

124

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

125

المقصد الثامن: في اللواحق

و فيه فصلان:

الأوّل: في أنواع المكاسب.

مسألة 634: طلب الرزق للمحتاج واجب،

و إذا لم يكن له وجه التحصيل إلّا من المعيشة، وجب عليه.

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «ملعون من ألقى كلّه على الناس» (1).

و هو أفضل من التخلّي للعبادة.

روى عليّ بن عبد العزيز عن الصادق (عليه السلام) قال: «ما فعل عمر بن مسلم؟» قال: جعلت فداك أقبل على العبادة و ترك التجارة، فقال: «ويحه أما علم أنّ تارك الطلب لا يستجاب له، إنّ قوما من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لمّا نزلت وَ مَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ (2) أغلقوا الأبواب و أقبلوا على العبادة، و قالوا: قد كفينا، فبلغ ذلك النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، فأرسل إليهم فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا:

يا رسول اللّه تكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال: إنّه من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب» (3).

و سأل عمر بن زيد الصادق (عليه السلام): رجل قال: لأقعدنّ في بيتي

____________

(1) الكافي 5: 72، 7، التهذيب 7: 327، 902.

(2) الطلاق: 2 و 3.

(3) الكافي 5: 84، 5، الفقيه 3: 119- 120، 509، التهذيب 6: 323، 885.

126

و لأصلّينّ و لأصومنّ و لأعبدنّ ربّي عزّ و جلّ، فأمّا رزقي فسيأتيني، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم» (1).

و سأل العلاء بن كامل الصادق (عليه السلام) أن يدعو له اللّه تعالى أن يرزقه في دعة، فقال: «لا أدعو لك، اطلب كما أمرك اللّه» (2).

و سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل، فقيل: أصابته حاجة، قال: «فما يصنع اليوم؟» قيل (3): في البيت يعبد ربّه عزّ و جلّ، قال: «فمن أين قوته؟» قيل: من عند بعض إخوانه، فقال الصادق (عليه السلام): «و اللّه للذي (4) يقوته أشدّ عبادة منه» (5).

و قال الباقر (عليه السلام): «من طلب الدنيا استعفافا عن الناس و سعيا على أهله و تعطّفا على جاره لقي اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر» (6).

مسألة 635: و في طلب الرزق ثواب عظيم.

قال اللّه تعالى فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ (7).

و قال الباقر (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): العبادة سبعون جزءا أفضلها طلب الحلال» (8).

____________

(1) الكافي 5: 77، 1، التهذيب 6: 323، 887.

(2) الكافي 5: 78، 3، التهذيب 6: 324، 888.

(3) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «قال» بدل «قيل». و ما أثبتناه من المصدر.

(4) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «باللّه الذي». و ما أثبتناه من المصدر.

(5) الكافي 5: 78، 4، التهذيب 6: 324، 889.

(6) الكافي 5: 78، 5، التهذيب 6: 324، 890.

(7) الملك: 15.

(8) الكافي 5: 78، 6، التهذيب 6: 324، 891.

127

و قال الصادق (عليه السلام): «يا هشام إن رأيت الصفّين قد التقيا فلا تدع طلب الرزق في ذلك اليوم» (1).

و قال الصادق (عليه السلام): «إنّ محمّد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أنّ عليّ بن الحسين (عليهما السلام) يدع خلفا أفضل من عليّ بن الحسين حتى رأيت ابنه محمّد بن عليّ (عليهما السلام) فأردت أن أعظه فوعظني، فقال له أصحابه: بأيّ شيء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة، فلقيني أبو جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) و كان رجلا بادنا ثقيلا و هو متّكئ على غلامين أسودين أو موليين، فقلت في نفسي: سبحان اللّه شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، أما لأعظنّه، فدنوت منه فسلّمت عليه، فردّ عليّ بنهر و هو يتصابّ عرقا، فقلت:

أصلحك اللّه شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، أ رأيت لو جاء أجلك و أنت على هذه الحال ما كنت تصنع؟

فقال (عليه السلام): لو جاءني الموت و أنا على هذه الحال جاءني و أنا في طاعة من طاعات اللّه عزّ و جلّ، أكف بها نفسي و عيالي عنك و عن الناس، و إنّما كنت أخاف أن لو جاءني (2) الموت و أنا على معصية من معاصي اللّه عزّ و جلّ، فقلت: صدقت يرحمك اللّه، أردت أن أعظك فوعظتني» (3).

و أعتق أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ألف مملوك من كدّ يده (4).

____________

(1) الكافي 5: 78، 7، التهذيب 6: 324، 892.

(2) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «جاء» بدل «جاءني». و ما أثبتناه من المصدر.

(3) الكافي 5: 73- 74، 1، التهذيب 6: 325، 894.

(4) الكافي 5: 74، 4، التهذيب 6: 325- 326، 895.

128

و قال الصادق (عليه السلام): «أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود (عليه السلام) أنّك نعم العبد لو لا أنّك تأكل من بيت المال و لا تعمل بيدك شيئا» قال: «فبكى داود (عليه السلام) أربعين صباحا، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى الحديد أن لن لعبدي داود، فألان اللّه تعالى له الحديد، فكان يعمل كلّ يوم درعا فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة و ستّين درعا، فباعها بثلاثمائة و ستّين ألفا، و استغنى عن بيت المال» (1).

و قال محمّد بن عذافر عن أبيه، قال: أعطى أبو عبد اللّه (عليه السلام) أبي ألفا و سبعمائة دينار، فقال له: «اتّجر لي بها» ثمّ قال: «أما إنّه ليس لي رغبة في ربحها و إن كان الربح مرغوبا فيه، و لكن أحببت أن يراني اللّه عزّ و جلّ متعرّضا لفوائده» قال: فربحت فيها مائة دينار، ثمّ لقيته فقلت: قد ربحت لك فيها مائة دينار، قال: ففرح أبو عبد اللّه (عليه السلام) بذلك فرحا شديدا، ثمّ قال: «أثبتها لي في رأس مالي» (2).

و قال الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً (3): «رضوان اللّه و الجنّة في الآخرة، و المعاش و حسن الخلق في الدنيا» (4).

و قال رجل للصادق (عليه السلام): و اللّه إنّا لنطلب الدنيا و نحبّ أن نؤتى بها، فقال: «تحبّ أن تصنع بها ما ذا؟» قال: أعود بها على نفسي و عيالي و أصل منها و أتصدّق و أحجّ و أعتمر، فقال الصادق (عليه السلام): «ليس هذا طلب الدنيا،

____________

(1) التهذيب 5: 326، 896.

(2) الكافي 5: 76، 12، التهذيب 6: 326- 327، 898.

(3) البقرة: 201.

(4) الكافي 5: 71، 2، التهذيب 6: 327، 900.

129

هذا طلب الآخرة» (1).

و قال معاذ بن كثير- صاحب الأكسية- للصادق (عليه السلام): قد هممت أن أدع السوق و في يدي شيء، قال: «إذن يسقط رأيك، و لا يستعان بك على شيء» (2).

مسألة 636: و لا ينبغي الإكثار في ذلك

، بل ينبغي الاقتصار على ما يموّن نفسه و عياله و جيرانه و يتصدّق به.

قال الباقر (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في حجّة الوداع: ألا إنّ الروح الأمين نفث في روعي أنّه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتّقوا اللّه عزّ و جلّ، و أجملوا في الطلب، و لا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية اللّه، فإنّ اللّه تعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالا، و لم يقسّمها حراما، فمن اتّقى اللّه عزّ و جلّ و صبر أتاه اللّه برزقه من حلّه، و من هتك حجاب الستر و عجّل فأخذه من غير حلّه قصّ به من رزقه الحلال، و حوسب عليه يوم القيامة» (3).

و قال الصادق (عليه السلام): «ليكن طلبك المعيشة فوق كسب المضيّع و دون طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئنّ إليها، و لكن أنزل نفسك (4) من ذلك بمنزلة النصف (5) المتعفّف، ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف، و تكتسب ما لا بدّ للمؤمن منه، إنّ الذين أعطوا المال ثمّ لم يشكروا لا مال

____________

(1) الكافي 5: 72، 10 بتفاوت يسير فيه، التهذيب 6: 327- 328، 903.

(2) الكافي 5: 149، 10، التهذيب 6: 329، 908.

(3) الكافي 5: 80، 1، التهذيب 6: 321، 880.

(4) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «و لكن اترك لنفسك». و ما أثبتناه من المصدر.

(5) في الكافي و «ي»: «المنصف» بدل «النصف». و النصف: العدل. القاموس المحيط 3: 200.

130

لهم» (1).

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «منهومان لا يشبعان: منهوم دنيا، و منهوم علم، فمن اقتصر من الدنيا على ما أحلّ اللّه له سلم، و من تناولها من غير حلّها هلك إلّا أن يتوب و يراجع، و من أخذ العلم من أهله و عمل به نجا، و من أراد به الدنيا فهي حظّه» (2).

و قال الصادق (عليه السلام): «ما أعطى اللّه عبدا ثلاثين ألفا و هو يريد به خيرا» و قال: «ما جمع رجل قطّ عشرة آلاف درهم من حلّ (3) و قد يجمعها لأقوام، إذا اعطي القوت و رزق العمل، فقد جمع اللّه له الدنيا و الآخرة» (4).

مسألة 637: فقد ثبت من هذا أنّ التكسّب واجب

إذا احتاج إليه الإنسان لقوت نفسه و قوت من تجب نفقته عليه، و لا وجه له سواه، و أمّا إذا قصد التوسعة على العيال و نفع المحاويج و إعانة من لا تجب عليه نفقته مع حصول قدر الحاجة بغيره، فإنّه مندوب إليه، لما تقدّم من الأحاديث.

و أمّا ما يقصد به الزيادة في المال لا غير مع الغناء عنه، فإنّه مباح.

و قد يكون مكروها إذا اشتمل على وجه نهي الشارع عنه نهي تنزيه، كالصرف، فإنّه لا يسلم من الربا، و بيع الأكفان، فإنّه يتمنّى موت الأحياء، و الرقيق و اتّخاذ الذبح و النحر صنعة، لما في ذلك من سلب الرحمة من القلب، و قد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «من قسا قلبه بعد من رحمة ربّه» (5).

____________

(1) الكافي 5: 81، 8، التهذيب 6: 322، 882.

(2) الكافي 1: 36، 1، التهذيب 6: 328، 906.

(3) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «عشرة ألف من حلّ». و ما أثبتناه من المصدر.

(4) التهذيب 6: 328، 907.

(5) وجدنا الحديث من دون «رحمه» في الكافي 3: 199، 5، و التهذيب 1:

319، 928 عن الإمام الصادق (عليه السلام).

131

قال إسحاق بن عمّار: دخلت على الصادق (عليه السلام) فخبّرته أنّه ولد لي غلام، فقال: «ألا سمّيته محمّدا؟» قال: قد فعلت، فقال: «لا تضرب محمّدا و لا تشتمه، جعله اللّه قرّة عين لك في حياتك و خلف صدق من بعدك» قلت: جعلت فداك فأيّ الأعمال (1) أضعه؟ قال: «إذا عدلته [عن] (2) خمسة أشياء فضعه حيث شئت، لا تسلّمه صيرفيّا، فإنّ الصيرفيّ لا يسلم من الربا، و لا تسلّمه بيّاع الأكفان، فإنّ صاحب الأكفان يسرّه الوباء إذا كان، و لا تسلّمه بيّاع طعام، فإنّه لا يسلم من الاحتكار، و لا تسلّمه جزّارا فإنّ الجزّار تسلب [منه] (3) الرحمة، و لا تسلّمه نخّاسا، فإنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال: شرّ الناس من باع الناس» (4).

و قال الكاظم (عليه السلام): «جاء رجل إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: يا رسول اللّه قد علّمت ابني هذا الكتابة ففي أيّ شيء أسلمه؟ فقال: أسلمه- للّه أبوك- و لا تسلّمه في خمسة أشياء: لا تسلّمه سبّاء (5) و لا صائغا و لا قصّابا و لا حنّاطا و لا نخّاسا قال: فقلت: يا رسول اللّه ما السبّاء؟ فقال: الذي يبيع الأكفان و يتمنّى موت أمّتي، و للمولود من أمّتي أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس، و أمّا الصائغ فإنّه يعالج زين أمّتي، و أمّا القصّاب فإنّه يذبح حتى تذهب الرحمة من قلبه، و أمّا الحنّاط فإنّه يحتكر الطعام على أمّتي، و لأن يلقى اللّه العبد سارقا أحبّ إليّ من أن يلقاه قد احتكر طعاما أربعين يوما، و أمّا النخّاس فإنّه أتاني جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد إنّ شرّ أمّتك الذين

____________

(1) في المصدر: «في أيّ الأعمال».

(2) ما بين المعقوفين من المصدر.

(3) ما بين المعقوفين من التهذيب.

(4) التهذيب 6: 361- 362، 1037، الإستبصار 3: 62- 63، 208.

(5) في النهاية- لابن الأثير- 2: 430: «سيّاء» بالياء المثنّاة التحتانيّة.

132

يبيعون الناس» (1).

مسألة 638: و يكره اتّخاذ الحياكة و النساجة صنعة

، لما فيهما من الضعة و الرذالة.

قال اللّه تعالى في قصّة نوح (عليه السلام) قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (2).

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) للأشعث بن قيس: «حائك بن حائك، منافق بن كافر» (3).

قيل: إنّه كان ينسج الإبراد (4).

و قيل: إنّ قومه كانوا كذلك (5).

و قال أبو إسماعيل الصيقل الرازي (6): دخلت على الصادق (عليه السلام) و معي ثوبان، فقال لي: «يا أبا إسماعيل تجيئني من قبلكم أثواب كثيرة و ليس يجيئني مثل هذين الثوبين اللّذين تحملهما أنت» فقلت: جعلت فداك تغزلهما أمّ إسماعيل و أنسجهما أنا، فقال لي: «حائك؟» قلت: نعم، قال: «لا تكن حائكا» قلت: فما أكون؟ قال: «كن صيقلا» و كان معي مائتا دينار (7) فاشتريت بها سيوفا و مرايا عتقا و قدمت بها الريّ، و بعتها بربح

____________

(1) الفقيه 3: 96، 369، التهذيب 6: 362، 1038، الاستبصار 3: 63، 209.

(2) الشعراء: 111.

(3) نهج البلاغة- بشرح محمّد عبده- 1: 51- 52، 18.

(4) شرح نهج البلاغة- لابن ميثم البحراني- 1: 324، حدائق الحقائق 1: 212.

(5) انظر: شرح نهج البلاغة- لابن أبي الحديد- 1: 297.

(6) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «المرادي» بدل «الرازي». و ما أثبتناه من المصدر.

(7) في المصدر: «درهم» بدل «دينار».

133

كثير (1).

مسألة 639: يكره كسب الحجّام مع الشرط.

قال الصادق (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّي أعطيت خالتي غلاما و نهيتها أن تجعله قصّابا أو حجّاما أو صائغا» (2).

و سأل أبو بصير الباقر (عليه السلام) عن كسب الحجّام، فقال: «لا بأس به إذا لم يشارط» (3).

إذا ثبت هذا، فإنّ الأجرة ليست حراما، للأصل.

و قال الباقر (عليه السلام): «احتجم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، حجمه مولى لبني بياضة و أعطاه (4)، و لو كان حراما، ما أعطاه، فلمّا فرغ قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

أين الدم؟ قال: شربته يا رسول اللّه، فقال: ما كان ينبغي لك أن تفعل، و قد جعله اللّه عزّ و جلّ حجابا لك من النار، فلا تعد» (5).

تذنيب: إذا شارط، كره له الكسب مع الشرط، و لم يكره الشرط لمن يشارطه.

قال زرارة: سألت الباقر (عليه السلام) عن كسب الحجّام، فقال: «مكروه له أن يشارط، و لا بأس عليك أن تشارطه و تماكسه، و إنّما يكره له، و لا بأس (6) عليك» (7).

____________

(1) الكافي 5: 115، 6، التهذيب 6: 363- 364، 1042، الإستبصار 3: 64، 213.

(2) الكافي 5: 114، 5، التهذيب 6: 363، 1041، الإستبصار 3: 64، 212.

(3) الكافي 5: 115، 1، التهذيب 6: 354، 1008، الإستبصار 3: 58، 190.

(4) في التهذيب: «و أعطاه الأجر».

(5) الكافي 5: 116، 3، الفقيه 3: 97، 372، التهذيب 6: 355، 1010، الإستبصار 3: 59، 192.

(6) في «س، ي»: «فلا بأس». و ما أثبتناه من المصدر.

(7) الكافي 5: 116، 4، التهذيب 6: 355، 1011، الاستبصار 3: 59، 193.

134

و قال الصادق (عليه السلام): «إنّ رجلا سأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن كسب الحجّام، فقال: لك ناضح؟ فقال له: نعم، فقال: اعلفه إيّاه و لا تأكله» (1).

و هذا يدلّ على حكمين: الكراهة حيث نهاه عن أكله، و على الإباحة حيث أمره أن (2) يعلف الناضح به.

و كذا القابلة كسبها مكروه مع الشرط، و لا معه طلق.

مسألة 640: لا بأس بأجر النائحة بالحقّ

، و يكره مع الشرط، و يحرم بالباطل.

قال حنان بن سدير: كانت امرأة معنا في الحيّ و لها جارية نائحة فجاءت إلى أبي، فقالت: يا عمّ أنت تعلم معيشتي من اللّه و هذه الجارية النائحة، و قد أحببت أن تسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك، فإن كان حلالا، و إلّا بعتها و أكلت من ثمنها حتى يأتي اللّه عزّ و جلّ بالفرج، فقال لها أبي:

و اللّه إنّي لأعظّم أبا عبد اللّه (عليه السلام) أن أسأله عن هذه المسألة، قال: فلمّا قدمنا عليه أخبرته أنا بذلك، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أ تشارط؟» قلت: و اللّه ما أدري أ تشارط أم لا، قال: «قل لها: لا تشارط و تقبل كلّما أعطيت» (3).

و قال الصادق (عليه السلام): «لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميّت» (4).

مسألة 641: يكره اجرة الضراب، لأنّه في معنى بيع عسيب الفحل.

و يكره إنزاء الحمير على الخيل، لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) نهى أن ينزى حمار على

____________

(1) التهذيب 6: 356، 1014، الإستبصار 3: 60، 196.

(2) في «س، ي»: «بأن».

(3) الكافي 5: 117- 118، 3، التهذيب 6: 358، 1026، الاستبصار 3: 60- 61، 200.

(4) الفقيه 3: 98، 376، التهذيب 6: 359، 1028، الاستبصار 3: 60، 199.

135

عتيق، رواه السكوني عن الصادق (1) (عليه السلام). و في السند ضعف.

و ليس محرّما، للأصل.

و لما رواه هشام بن إبراهيم عن الرضا (عليه السلام)، قال: سألته عن الحمير تنزيها على الرّمك (2) لتنتج البغال أ يحلّ ذلك؟ قال: «نعم، أنزها» (3).

و لا تنافي بين الروايتين، لأنّ الإمام (عليه السلام) سئل عن الحلّ، فأجاب بثبوته، و قوله: «أنزها» على سبيل الإباحة، و النهي الوارد عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) إنّما هو على سبيل التنزيه.

مسألة 642: كسب الصبيان و من لا يجتنب (4) المحارم مكروه

، لعدم تحفّظهم من المحارم، و عدم الوثوق بإباحة ما حصّلوه.

و كذا تكره الصياغة و القصابة، و قد تقدّم بيانه في الرواية (5).

و يكره ركوب البحر للتجارة، لرواية محمّد بن مسلم عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) أنّهما كرها ركوب البحر للتجارة (6).

و لو حصل الخوف- كما في وقت اضطرابه و تكاثر الأهوية المختلفة- فإنّه يكون حراما.

قال الباقر (عليه السلام) في ركوب البحر للتجارة: «يغرّر الرجل بدينه» (7).

____________

(1) التهذيب 6: 377- 378، 1105، الاستبصار 3: 57، 184.

(2) الرّمكة: البرذونة التي تتّخذ للنسل. و الجمع: رمك. لسان العرب 10: 434 «رمك».

(3) التهذيب 6: 384، 1137، الإستبصار 3: 57، 185.

(4) في «س، ي»: «لا يتجنّب».

(5) و هي حديث الإمام الكاظم (عليه السلام)، المتقدّم في ص 131.

(6) الكافي 5: 256، 1، التهذيب 6: 388، 1158.

(7) الكافي 5: 257، 4، التهذيب 6: 388، 1159.

136

و سأل معلّى بن خنيس الصادق (عليه السلام): عن الرجل يسافر فيركب البحر، فقال: «إنّ أبي كان يقول: إنّه يضرّ بدينك هو ذا الناس يصيبون أرزاقهم و معايشهم» (1).

مسألة 643: يجوز أخذ الأجرة على تعليم الحكم و الآداب و الأشعار

، و يكره على تعليم القرآن، لأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) جاءه رجل فقال:

يا أمير المؤمنين و اللّه إنّي لأحبّك للّه، فقال له: «و لكنّي أبغضك للّه» قال:

و لم؟ قال: «لأنّك تبغي في الأذان، و تأخذ على تعليم القرآن أجرا، و سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظّه يوم القيامة» (2).

و عن إسحاق بن عمّار عن الكاظم (عليه السلام)، قال: قلت: إنّ لنا جارا يكتب و قد سألني أن أسألك عن عمله، فقال: «مره إذا دفع إليه الغلام أن يقول لأهله: إنّي إنّما أعلّمه الكتاب و الحساب و أتّجر عليه بتعليم القرآن، حتى يطيب له كسبه» (3).

و عن حسان المعلّم قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن التعليم، فقال:

«لا تأخذ على التعليم أجرا» قلت: الشعر و الرسائل و ما أشبه ذلك أشارط عليه؟ قال: «نعم، بعد أن يكون الصبيان عندك سواء في التعليم لا تفضّل بعضهم على بعض» (4).

____________

(1) الكافي 5: 257، 5، التهذيب 6: 388، 1160.

(2) التهذيب 6: 376، 1099.

(3) التهذيب 6: 364، 1044، الإستبصار 3: 66، 217.

(4) الكافي 5: 121 (باب كسب المعلّم) الحديث 1، التهذيب 6: 364، 1045، الاستبصار 3: 65، 214.

137

و سأل الفضل بن أبي قرّة الصادق (عليه السلام): إنّ هؤلاء يقولون: إنّ كسب المعلّم سحت، فقال: «كذبوا أعداء اللّه، إنّما أرادوا أن لا يعلّموا القرآن، و لو أنّ المعلّم أعطاه رجل دية ولده كان للمعلّم مباحا» (1).

قال الشيخ (رحمه اللّه): لا تنافي بين هذين الخبرين، لأنّ الخبر الأوّل محمول على أنّه لا يجوز له أن يشارط في تعليم القرآن أجرا معلوما، و الثاني على أنّه إن اهدي إليه شيء و أكرم بتحفة، جاز له أخذه، لرواية جرّاح المدائني عن الصادق (عليه السلام) قال: «المعلّم لا يعلّم بالأجر، و يقبل الهديّة إذا اهدي إليه» (2).

قال قتيبة الأعشى للصادق (عليه السلام): إنّي أقرأ القرآن فتهدي إليّ الهديّة فأقبلها؟ قال: «لا» قال: قلت: إن لم أشارطه؟ قال: «أ رأيت لو لم تقرأه أ كان يهدى لك؟» قال: قلت: لا، قال: «فلا تقبله» (3).

و هو محمول على الكراهة، جمعا بين الأدلّة.

مسألة 644: و يكره خصا الحيوان

، لما فيه من الإيلام، و معاملة الظالمين، لعدم تحرّزهم عن المحرّمات.

و كذا تكره معاملة السفلة و الأدنين و المحارفين، لأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «شاركوا من أقبل عليه الرزق فإنّه أجلب للرزق» (4).

____________

(1) الكافي 5: 121 (باب كسب المعلّم) الحديث 2، الفقيه 3: 99، 384، التهذيب 6: 365، 1046، الاستبصار 3: 65، 216.

(2) التهذيب 6: 365، و الحديث رقم 1047.

(3) التهذيب 6: 365، 1048، الاستبصار 3: 66، 219.

(4) نهج البلاغة- بشرح محمّد عبده- 3: 204، 230 بتفاوت في بعض الألفاظ.

138

و كذا تكره معاملة ذوي العاهات و الأكراد و مجالستهم و مناكحتهم، لما روي من أنّهم حيّ من الجنّ (1).

و كذا تكره معاملة أهل الذمّة.

مسألة 645: من التجارة ما هو حرام

، و هو أقسام:

الأوّل: كلّ نجس لا يقبل التطهير، سواء كانت نجاسته ذاتيّة، كالخمر و النبيذ و الفقّاع و الميتة و الدم و أبوال ما لا يؤكل لحمه و أرواثه و الكلب و الخنزير و أجزائهما، أو عرضيّة، كالمائعات النجسة التي لا تقبل التطهير، إلّا الدهن النجس بالعرض لفائدة الاستصباح تحت السماء خاصّة، لا تحت الأظلّة، لأنّ البخار الصاعد بالاشتعال لا بدّ أن يستصحب شيئا من أجزاء الدهن.

و لو كانت نجاسة الدهن ذاتيّة- كالألية المقطوعة من الميتة أو الحيّة- لم يجز الاستصباح بها تحت السماء أيضا.

و الماء النجس يجوز بيعه، لقبوله التطهير.

و أبوال ما يؤكل لحمه و إن كانت طاهرة إلّا أنّ بيعها حرام، لاستخباثها، إلّا بول الإبل للاستشفاء بها.

و يجوز بيع كلب الصيد و الزرع و الماشية و الحائط، و إجارتها و اقتناؤها و إن هلكت الماشية، و تربيتها.

و يحرم اقتناء الأعيان النجسة إلّا لفائدة، كالكلب و السرجين لتربية الزرع، و الخمر للتخليل.

و يحرم أيضا اقتناء المؤذيات، كالحيّات و العقارب و السباع.

____________

(1) الكافي 5: 158، 2، الفقيه 3: 100، 390، التهذيب 7: 11، 42.

139

الثاني: كلّ ما يكون المقصود منه حراما، كآلات اللهو، كالعود، و آلات القمار، كالنرد و الشطرنج، و هياكل العبادة، كالصنم، و بيع السلاح لأعداء الدين و إن كانوا مسلمين، لما فيه من الإعانة على الظلم، و إجارة السفن و المساكن للمحرّمات، و بيع العنب ليعمل خمرا، و الخشب ليعمل صنما و آلة قمار، و يكره بيعهما على من يعمل ذلك من غير شرط، و التوكيل في بيع الخمر و إن كان الوكيل ذمّيّا.

و ليس للمسلم منع الذمّي المستأجر داره من بيع الخمر فيها سرّا. و لو آجره لذلك، حرم.

و لو آجر دابّة لحمل خمر، جاز إن كان للتخليل و الإراقة، و إلّا فلا.

و لا بأس ببيع ما يكنّ من آلة السلاح على أعداء الدين و إن كان وقت الحرب.

الثالث: بيع ما لا ينتفع به، كالحشرات، مثل: الفأر و الحيّات و الخنافس و العقارب و السباع ممّا لا يصلح للصيد، كالأسد و الذئب و الرّخم و الحدأة و الغراب و بيوضها، و المسوخ البرّيّة، كالقرد و إن قصد به حفظ المتاع، و الدبّ، أو بحريّة، كالجرّي و السلاحف و التمساح.

و لو قيل بجواز [بيع] (1) السباع كلّها، لفائدة الانتفاع بجلودها، كان حسنا.

و يجوز بيع الفيل و الهرّ، و ما يصلح للصيد، كالفهد، و بيع دود القزّ و النحل مع المشاهدة و إمكان التسليم.

و كذا يجوز بيع عامّ الوجود، كالماء و التراب و الحجارة.

____________

(1) الزيادة يقتضيها السياق.

140

و يحرم بيع الترياق، لاشتماله على الخمر و لحوم الأفاعي. و لا يجوز شربه للتداوي إلّا مع خوف التلف، و السمّ من الحشائش.

و النبات يجوز بيعه إن كان ممّا ينتفع به، كالسقمونيا، و إلّا فلا.

و الأقرب: المنع من بيع لبن الآدميّات.

و لو باعه دارا لا طريق لها مع علم المشتري، جاز، و مع جهله يتخيّر.

الرابع: ما نصّ الشارع على تحريمه عينا، كعمل الصّور المجسّمة، و الغناء و تعليمه و استماعه، و أجر المغنّية.

قال الصادق (عليه السلام) و قد سأله رجل عن بيع الجواري المغنّيات، فقال:

«شراؤهنّ حرام، و بيعهنّ حرام، و تعليمهنّ كفر، و استماعهنّ نفاق» (1).

و قال الصادق (عليه السلام): «المغنّية ملعونة، ملعون من أكل كسبها» (2).

و أوصى إسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنّيات أن يبعن و يحمل ثمنهنّ إلى أبي الحسن (عليه السلام)، قال إبراهيم بن أبي البلاد: فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم، و حملت الثمن إليه، فقلت له: إنّ مولى لك يقال له:

إسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنّيات و حمل الثمن إليك، و قد بعتهنّ و هذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم، فقال: «لا حاجة لي فيه، إنّ هذا سحت، و تعليمهنّ كفر، و الاستماع منهنّ نفاق، و ثمنهنّ سحت» (3).

أمّا المغنّية في الأعراس فقد ورد رخصة بجواز كسبها إذا لم تتكلّم بالباطل و لم تلعب بالملاهي و لم يدخل الرجال عليها.

____________

(1) الكافي 5: 120، 5، التهذيب 6: 356، 1018، الإستبصار 3: 61، 201.

(2) الكافي 5: 120، 6، التهذيب 6: 357، 1020، الإستبصار 3: 61، 203.

(3) الكافي 5: 120، 7، التهذيب 6: 357، 1021، الاستبصار 3: 61، 204.

141

روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس و ليست بالتي يدخل عليها الرجال» (1).

إذا ثبت هذا، فإن أدخلت الرجال أو غنّت بالكذب، كان حراما، لما تقدّم.

و لما رواه أبو بصير عن الباقر (عليه السلام)، قال: سألته عن كسب المغنّيات، فقال: «التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس، و هو قول اللّه عزّ و جلّ وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ (2)» (3).

مسألة 646: القمار حرام

و تعلّمه و استعماله و أخذ الكسب به حتى لعب الصبيان بالجوز و الخاتم.

قال اللّه تعالى وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ (4) و قال تعالى:

وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ (5).

قال الباقر (عليه السلام): «لمّا أنزل اللّه تعالى على رسوله إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ (6) قيل:

يا رسول اللّه ما الميسر؟ قال: كلّ ما يقمروا به حتى الكعاب و الجوز، فقيل: و ما الأنصاب؟ قال: ما ذبحوا لآلهتهم، قيل: و الأزلام؟ قال: قداحهم

____________

(1) الكافي 5: 120، 3، الفقيه 3: 98، 376، التهذيب 6: 357، 1022، الإستبصار 3: 62، 205.

(2) سورة لقمان: 6.

(3) الكافي 5: 119، 1، التهذيب 6: 358، 1024، الإستبصار 3: 62، 207.

(4) المائدة: 3.

(5) المائدة: 90.

(6) المائدة: 90.

142

التي كانوا يستقسمون بها» (1).

و سأل إسحاق بن عمّار الصادق (عليه السلام): الصبيان يلعبون بالجوز و البيض و يقامرون، فقال: «لا تأكل منه فإنّه حرام» (2).

و كان الصادق (عليه السلام) ينهى عن الجوز يجيء به الصبيان من القمار أن يؤكل، و قال: «هو سحت» (3).

مسألة 647: الغشّ و التدليس محرّمان

، كشوب اللبن بالماء، و تدليس الماشطة، و تزيين الرجل بالحرام.

قال الصادق (عليه السلام): «ليس منّا من غشّنا» (4).

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لرجل يبيع التمر: «يا فلان أما علمت أنّه ليس من المسلمين من غشّهم» (5).

و نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن يشاب اللبن بالماء للبيع (6).

و لا بأس بكسب الماشطة إذا لم تفعل التدليس.

قال [عليّ] (7): سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك و قد دخلها تضيّق، قال: «لا بأس، و لكن لا تصل الشعر بالشعر» (8).

____________

(1) الكافي 5: 122- 123، 2، الفقيه 3: 97، 374، التهذيب 6: 371، 1075، بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.

(2) الكافي 5: 124، 10، التهذيب 6: 370، 1069.

(3) الكافي 5: 123، 6، التهذيب 6: 370، 1070.

(4) الكافي 5: 160، 1، التهذيب 7: 12، 48.

(5) الكافي 5: 160، 2، التهذيب 7: 12، 49.

(6) الكافي 5: 160، 5، الفقيه 3: 173، 771، التهذيب 7: 13، 53.

(7) بدل ما بين المعقوفين في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «سماعة». و لقد ورد في المصدر لفظ «سماعة» في الحديث السابق بسطر واحد. و ما أثبتناه من المصدر.

(8) التهذيب 6: 359، 1030، و فيه: «و قد دخلها ضيق ..».

143

و إذا لم يحصل تدليس بالوصل، لم يكن به بأس.

سئل [الباقر] (1) (عليه السلام) عن القرامل التي يضعها النساء في رءوسهن يصلنه بشعورهنّ، فقال: «لا بأس به على المرأة ما تزيّنت به لزوجها» فقيل له: بلغنا أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لعن الواصلة و الموصولة، فقال: «ليس هناك، إنّما لعن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) [الواصلة] (2) التي تزني في شبابها، فإذا كبرت قادت النساء إلى الرجال، فتلك الواصلة و الموصولة» (3).

مسألة 648: و تحرم معونة الظالمين على الظلم.

قال ابن أبي يعفور: كنت عند الصادق (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من أصحابنا، فقال له: أصلحك اللّه إنّه ربما أصاب الرجل منّا الضيق أو (4) الشدّة فيدعى إلى البناء يبنيه، أو النهر يكريه، أو المسنّاة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال الصادق (عليه السلام): «ما أحبّ أنّي (5) عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء و إنّ لي ما بين لابتيها لا و لا مدّة بقلم، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم اللّه بين العباد» (6).

مسألة 649: يحرم حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض أو الحجّة

و تعلّمها، و نسخ التوراة و الإنجيل، لأنّهما منسوخان محرّفان، و تعليمهما و تعلّمهما حرام، و أخذ الأجرة على ذلك.

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «الصادق». و ما أثبتناه هو الموافق لما في المصدر، و فيه: «أبو جعفر».

(2) ما بين المعقوفين من المصدر.

(3) الكافي 5: 119، 3، التهذيب 6: 360، 1032.

(4) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «و الشدّة .. إن عقدت». و ما أثبتناه كما في المصدر.

(5) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «و الشدّة .. إن عقدت». و ما أثبتناه كما في المصدر.

(6) الكافي 5: 107، 7، التهذيب 6: 331، 919.

144

و كذا يحرم هجاء المؤمنين و الغيبة.

قال اللّه تعالى وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً (1).

و يحرم سبّ المؤمنين و الكذب عليهم و النميمة (2) و مدح من يستحقّ الذمّ و بالعكس، و التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة، بلا خلاف في ذلك كلّه.

مسألة 650: تعلّم السحر و تعليمه حرام.

و هو كلام يتكلّم به أو يكتبه أو (3) رقية أو يعمل شيئا [يؤثّر] (4) في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة.

و هل له حقيقة؟ قال الشيخ: لا، و إنّما هو تخييل (5).

و على كلّ تقدير لو استحلّه قتل.

و يجوز حلّ السحر بشيء من القرآن أو الذكر و الأقسام، لا بشيء منه.

روى إبراهيم بن هاشم قال: حدّثني شيخ من أصحابنا الكوفيّين، قال: دخل عيسى بن سيفي (6) على الصادق (عليه السلام)- و كان ساحرا يأتيه الناس

____________

(1) الحجرات: 12.

(2) في الطبعة الحجريّة: «التهمة» بدل «النميمة».

(3) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «و» بدل «أو». و الظاهر ما أثبتناه.

(4) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.

(5) الخلاف 5: 327- 328، المسألة 14 من كتاب كفّارة القتل، المبسوط- للطوسي- 7: 260.

(6) في الكافي: «شفقي» بدل «سيفي». و في التهذيب- تحقيق السيّد حسن الخرسان- و كذا الفقيه: «شقفي». و في التهذيب- تحقيق علي أكبر الغفاري- كما في المتن.

145

و يأخذ على ذلك الأجر- فقال له: جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السحر و كنت آخذ عليه الأجرة و كان معاشي، و قد حججت و منّ اللّه عليّ بلقائك و قد تبت إلى اللّه تعالى، فهل لي في شيء منه مخرج؟ قال: فقال:

الصادق (عليه السلام): «حلّ و لا تعقد» (1).

و كذا يحرم تعلّم الكهانة و تعليمها، و الكاهن هو الذي له رئيّ (2) من الجنّ يأتيه بالأخبار. و يقتل ما لم يتب.

و التنجيم حرام، و كذا تعلّم النجوم مع اعتقاد تأثيرها في عالم العنصريّات على ما يقوله الفلاسفة.

و الشعبذة حرام. و هي الحركات السريعة جدّا بحيث يخفى على الحسّ الفرق بين الشيء و شبهه لسرعة (3) انتقاله من الشيء إلى شبهه.

و القيافة حرام عندنا.

مسألة 651: يحرم بيع المصحف

، لما فيه من الابتذال له و انتفاء التعظيم، بل ينبغي أن يبيع الجلد و الورق.

قال سماعة: سألته عن بيع المصاحف و شرائها، فقال: «لا تشتر كتاب اللّه، و لكن اشتر الحديد و الجلود (4) و الدفّتين (5)، و قل: أشتري هذا منك بكذا و كذا» (6).

____________

(1) الكافي 5: 115، 7، التهذيب 6: 364، 1043، و انظر: الفقيه 3: 110، 463.

(2) يقال للتابع من الجنّ: رئيّ، بوزن كميّ، سمّي به لأنّه يتراءى لمتبوعه. النهاية- لابن الأثير- 2: 178 «رأي».

(3) في الطبعة الحجريّة: «بسرعة».

(4) في المصدر: «و الورق» بدل «و الجلود».

(5) في الطبعة الحجريّة: «و الدفين». و في «س، ي»: «و الدفتر». و ما أثبتناه من المصدر.

(6) الكافي 5: 121 (باب بيع المصاحف) الحديث 2.

146

و سأل جرّاح المدائني الصادق (عليه السلام): عن بيع المصاحف، فقال (1):

«لا تبع الكتاب و لا تشتره، و بع الورق و الأديم و الحديد» (2).

و لا بأس بأخذ الأجرة على كتبة القرآن.

قال الصادق (عليه السلام) و قد سأله روح بن عبد الرحيم (3)، فقال له: ما ترى أن أعطي على كتابته أجرا؟ قال: «لا بأس» (4).

مسألة 652: يحرم تعشير المصاحف بالذهب و زخرفتها.

قال سماعة: سألته عن رجل يعشّر المصاحف بالذهب، فقال:

«لا يصلح» فقال: إنّها معيشتي، فقال: «إنّك إن تركته للّه جعل اللّه لك مخرجا» (5).

و الأولى عندي الكراهة دون التحريم، عملا بالأصل، و استضعافا للرواية، لأنّها غير مستندة إلى إمام، و الرواة ضعفاء.

و يكره كتبة القرآن بالذهب.

قال محمّد الورّاق (6): عرضت على الصادق (عليه السلام) كتابا فيه قرآن مختّم معشّر بالذهب، و كتب في آخره سورة بالذهب، فأريته إيّاه، فلم يعب منه شيئا إلّا كتابة القرآن بالذهب، فإنّه قال: «لا يعجبني أن يكتب القرآن إلّا بالسواد كما كتب أوّل مرّة» (7).

____________

(1) في «س، ي»: «قال».

(2) التهذيب 6: 366، 1051.

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «عبد الرحمن». و ما أثبتناه من المصدر.

(4) الكافي 5: 121- 122، 3، التهذيب 6: 366، 1053.

(5) التهذيب 6: 366، 1055.

(6) في الكافي: «محمّد بن الورّاق».

(7) الكافي 2: 460، 8، التهذيب 6: 367، 1056.

147

مسألة 653: السرقة و الخيانة حرام بالنصّ و الإجماع

، و كذا بيعهما.

و لو وجد عنده سرقة، ضمنها، إلّا أن يقيم البيّنة بشرائها، فيرجع على بائعها مع جهله.

روى جرّاح عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا يصلح شراء السرقة و الخيانة إذا عرفت» (1).

و قال الصادق (عليه السلام): «من اشترى سرقة و هو يعلم فقد شرك في عارها و إثمها» (2).

و قال الصادق (عليه السلام) في الرجل يوجد عنده سرقة، فقال: «هو غارم إذا لم يأت على بائعها بشهود (3)» (4).

و لو اشترى بمال السرقة جارية أو ضيعة، فإن كان بالعين، بطل البيع، و إلّا حلّ له وطؤ الجارية، و عليه وزر المال.

روى السكوني عن الصادق عن الباقر عن آبائه (عليهم السلام) «لو أنّ رجلا سرق ألف درهم فاشترى بها جارية أو أصدقها امرأة فإنّ الزوجة (5) له حلال، و عليه تبعة المال» (6).

و لو حجّ به مع وجوب الحجّ بدونه، برئت ذمّته إلّا في الهدي.

و لو طاف أو سعى في الثوب المغصوب أو على الدابّة المغصوبة،

____________

(1) الكافي 5: 228، 4، التهذيب 6: 374، 1089.

(2) الكافي 5: 229، 6، التهذيب 6: 374، 1090.

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «شهود». و في التهذيب: «شهودا». و ما أثبتناه من الكافي.

(4) الكافي 5: 229، 7، التهذيب 6: 374، 1091.

(5) في المصدر: «الفرج» بدل «الزوجة».

(6) التهذيب 6: 386، 1147، و 8: 215، 767.

148

بطل.

مسألة 654: التطفيف في الكيل و الوزن حرام بالنصّ

و الإجماع.

قال اللّه تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (1).

و يحرم الرشا في الحكم و إن حكم على باذله بحقّ أو باطل.

الخامس: ما يجب على الإنسان فعله يحرم أخذ الأجر عليه، كتغسيل الموتى و تكفينهم و دفنهم.

نعم، لو أخذ الأجر على المستحبّ منها (2)، فالأقرب: الجواز.

و تحرم الأجرة على الأذان، و قد سبق (3)، و على القضاء، لأنّه واجب.

و يجوز أخذ الرزق عليهما من بيت المال.

و يجوز أخذ الأجرة على عقد النكاح و الخطبة في الإملاك (4).

و يحرم الأجر على الإمامة و الشهادة و قيامها.

مسألة 655: لو دفع إنسان إلى غيره مالا ليصرفه في المحاويج

أو في قبيل و كان هو منهم، فإن عيّن، اقتصر على ما عيّنه، و لا يجوز له إعطاء غيرهم، فإن فعل، ضمن.

و إن أطلق، فالأقرب: تحريم أخذه منه، لأنّ الظاهر أنّ الشخص هنا لا يتولّى طرفي القبض و الإقباض.

و لما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج عن الصادق (عليه السلام) في رجل أعطاه

____________

(1) المطفّفين: 1- 3.

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «منهما» بدل «منها». و الصحيح ما أثبتناه.

(3) في ج 3 ص 81، المسألة 184.

(4) الإملاك: التزويج. الصحاح 4: 1610 «ملك».

149

رجل مالا ليقسمه في المساكين و له عيال محتاجون، أ يعطيهم منه من غير أن يستأذن (1) صاحبه؟ قال: «نعم» (2).

و قال بعض علمائنا: يجوز له أن يأخذ مثل ما يعطي غيره، و لا يفضّل نفسه عليهم (3).

و هو عندي جيّد إن علم بقرينة الحال تسويغ ذلك.

إذا عرفت هذا، فإن كان الأمر بالدفع إلى قوم معيّنين، لم تشترط عدالة المأمور، و إلّا اشترطت.

مسألة 656: يجوز أكل ما ينثر في الأعراس

مع علم الإباحة إمّا لفظا أو بشاهد الحال. و يكره انتهابه.

فإن لم يعلم قصد الإباحة، حرم، لأنّ الأصل عصمة مال المسلم.

قال إسحاق بن عمّار: قلت للصادق (عليه السلام): الإملاك يكون و العرس فينثر على القوم، فقال: «حرام، و لكن كل ما أعطوك منه» (4).

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا بأس بنثر الجوز و السّكّر» (5).

و عن الكاظم (عليه السلام)، قال: سألته عن النثار من السّكّر و اللوز و أشباهه أ يحلّ أكله؟ قال: «يكره أكل ما انتهب» (6).

مسألة 657: الولاية من قبل العادل مستحبّة.

و قد تجب إذا ألزمه بها، أو كان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يتمّ إلّا بولايته.

____________

(1) في المصدر: «يستأمر» بدل «يستأذن».

(2) التهذيب 6: 352- 353، 1001.

(3) المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 2: 12.

(4) التهذيب 6: 370، 1071، الاستبصار 3: 66، 220.

(5) التهذيب 6: 370، 1073، الإستبصار 3: 66- 67، 222.

(6) الكافي 5: 123، 7، التهذيب 6: 370، 1072.

150

و تحرم من الجائر، إلّا مع التمكّن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، أو مع الإكراه بالخوف على النفس أو المال أو الأهل أو بعض المؤمنين، فيجوز حينئذ اعتماد ما يأمره إلّا القتل الظلم، فإنّه لا يجوز له فعله و إن قتل.

و لو خاف ضررا يسيرا بترك الولاية، استحبّ له تحمّله، و كرهت له الولاية.

روى عمّار قال: سئل الصادق (عليه السلام): عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: «لا، إلّا أن لا يقدر على شيء [و لا] (1) يأكل و لا يشرب و لا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت» (2).

و عن الوليد بن صبيح قال: دخلت على الصادق (عليه السلام) فاستقبلني زرارة خارجا من عنده، فقال لي الصادق (عليه السلام): «يا وليد أما تعجب من زرارة سألني عن أعمال هؤلاء أيّ شيء كان يريد؟ [أ يريد] (3) أن أقول له:

لا، فيروي ذلك عليّ؟» ثمّ قال: «يا وليد متى كانت الشيعة تسأل عن أعمالهم؟ إنّما كانت الشيعة تقول: يؤكل من طعامهم، و يشرب من شرابهم، و يستظلّ بظلّهم، متى كانت الشيعة تسأل عن هذا؟» (4).

و روى حمّاد عن حميد قال: قلت للصادق (عليه السلام): إنّي (5) ولّيت عملا

____________

(1) ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) التهذيب 6: 330، 915.

(3) ما بين المعقوفين من الكافي.

(4) الكافي 5: 105، 2، التهذيب 6: 330- 331، 917.

(5) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «أن» بدل «إنّي». و ما أثبتناه كما في المصدر.

151

فهل لي من ذلك مخرج؟ فقال: «ما أكثر من طلب [من] (1) ذلك المخرج فعسر عليه» قلت: فما ترى؟ قال: «أرى أن تتّقي اللّه عزّ و جلّ و لا تعود» (2).

و كان النجاشي- و هو رجل من الدهاقين- عاملا على الأهواز و فارس، فقال بعض أهل عمله للصادق (عليه السلام): إنّ في ديوان النجاشي عليّ خراجا و هو ممّن يدين بطاعتك، فإن رأيت أن تكتب إليه كتابا، قال:

فكتب إليه كتابا: بسم اللّه الرحمن الرحيم، سرّ أخاك يسرّك اللّه» فلمّا ورد عليه الكتاب و هو في مجلسه و خلا ناوله الكتاب و قال: هذا كتاب الصادق (عليه السلام)، فقبّله و وضعه على عينيه و قال: ما حاجتك؟ فقال: عليّ خراج في ديوانك، قال له: كم هو؟ قال: عشرة آلاف درهم، قال: فدعا كاتبه فأمره بأدائها عنه، ثمّ أخرج مثله فأمره أن يثبتها له لقابل، ثمّ قال: هل سررتك؟ قال: نعم، قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى، فقال: هل سررتك؟ فقال: نعم، جعلت فداك، قال: فأمر له بمركب ثمّ أمر له بجارية و غلام و تخت ثياب في كلّ ذلك يقول: هل سررتك؟ فكلّما قال: نعم، زاده حتى فرغ قال له: احمل فرش هذا البيت الذي كنت جالسا فيه حين دفعت إليّ كتاب مولاي فيه، و ارفع إليّ جميع حوائجك، قال: ففعل، و خرج الرجل فصار إلى الصادق (عليه السلام) بعد ذلك، فحدّثه بالحديث على جهته، فجعل يستبشر بما فعله، قال له الرجل: يا بن رسول اللّه فإنّه قد سرّك ما فعل بي؟ قال: «إي و اللّه لقد سرّ اللّه و رسوله» (3).

____________

(1) ما بين المعقوفين من التهذيب. و في الكافي: «من طلب المخرج من ذلك».

(2) الكافي 5: 109، 15، التهذيب 6: 332، 922.

(3) الكافي 2: 152 (باب إدخال السرور على المؤمنين) الحديث 9، التهذيب 6:

333- 334، 925.

152

مسألة 658: جوائز الجائر إن علمت حراما لغصب و ظلم و شبهه حرم أخذها

، فإن أخذها، وجب عليه ردّها على المالك إن عرفه. و إن لم يعرفه، تصدّق بها عنه و يضمن، أو احتفظها أمانة في يده، أو دفعها إلى الحاكم. و لا يجوز له إعادتها إلى الظالم، فإن أعادها، ضمن، إلّا أن يقهره الظالم على أخذها، فيزول التحريم.

أمّا الضمان فإن كان قد قبضها اختيارا، لم يزل عنه بأخذ الظالم لها كرها. و إن كان قد قبضها مكرها، زال الضمان أيضا.

و إن لم يعلم تحريمها، كانت حلالا بناء على الأصل.

قال محمّد بن مسلم و زرارة: سمعناه يقول: «جوائز العمّال ليس بها بأس» (1).

و قال الباقر (عليه السلام): «إنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) كانا يقبلان جوائز معاوية» (2).

و لو علم أنّ العامل يظلم و لم يعلم أنّ المبيع بعينه ظلم، جاز شراؤه.

قال معاوية بن وهب: قلت للصادق (عليه السلام): أشتري من العامل الشيء و أنا أعلم أنّه يظلم، فقال: «اشتر منه» (3).

قال أبو المغراء: سأل رجل الصادق (عليه السلام) و أنا عنده، فقال:

أصلحك اللّه أمرّ بالعامل فيجيزني بالدراهم آخذها؟ قال: «نعم» قلت:

و أحجّ بها؟ قال: «نعم» (4).

____________

(1) التهذيب 6: 336، 931.

(2) التهذيب 6: 337، 935.

(3) التهذيب 6: 338، 938.

(4) الفقيه 3: 108، 450، التهذيب 6: 338، 942.

153

مسألة 659: ما يأخذ الجائر من الغلّات باسم المقاسمة

، و من الأموال باسم الخراج عن حقّ الأرض، و من الأنعام باسم الزكاة يجوز شراؤه و اتّهابه، و لا تجب إعادته على أصحابه و إن عرفوا، لأنّ هذا مال لا يملكه الزارع و صاحب الأنعام و الأرض، فإنّه حقّ للّه أخذه غير مستحقّه، فبرئت ذمّته، و جاز شراؤه.

و لأنّ أبا عبيدة سأل الباقر (عليه السلام): عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة و غنمها و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم، فقال: «ما الإبل و الغنم إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه» قيل له: فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا (1)، نقول: بعناها، فيبيعناها، فما ترى في شرائها منه؟ قال: «إن كان قد أخذها و عزلها فلا بأس» قيل له: فما ترى في الحنطة و الشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا و يأخذ حظّه فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: «إن كان قبضه بكيل و أنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه بغير كيل» (2).

روى عبد الرحمن بن الحجّاج- في الصحيح- عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: قال لي: «ما لك لا تدخل مع عليّ في شراء الطعام؟ إنّي أظنّك ضيّقا» قال: قلت: نعم، فإن شئت وسّعت عليّ، قال: «اشتره» (3).

مسألة 660: إذا كان له مال حلال و حرام، وجب عليه تمييزه منه

، و دفع الحرام إلى أربابه، فإن امتزجا، أخرج بقدر الحرام، فإن جهل أربابه،

____________

(1) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «أغنيائنا» بدل «أغنامنا». و ما أثبتناه من المصدر.

(2) الكافي 5: 228، 2، التهذيب 6: 375، 1094.

(3) التهذيب 6: 336، 932.

154

تصدّق به عنهم، فإن جهل المقدار، صالح أربابه عليه، فإن جهل أربابه و مقداره، أخرج خمسه، و حلّ له الباقي.

قال الصادق (عليه السلام): «أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: إنّي كسبت مالا أغمضت في مطالبه حلالا و حراما و قد أردت التوبة و لا أدري الحلال منه و الحرام و قد اختلط عليّ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تصدّق بخمس مالك، فإنّ اللّه عزّ و جلّ رضي من الأشياء بالخمس، و سائر المال لك» (1).

مسألة 661: تكره معاملة من لا يتحفّظ من الحرام

، فإن دفع إليه من الحرام، لم يجز له أخذه و لا شراؤه، فإن أخذه، ردّه على صاحبه. و إن بايعه بمال يعلم أنّه حلال، جاز. و إن اشتبه، كان مكروها.

قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): «الحلال بيّن، و الحرام بيّن، و بين ذلك أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه، و من وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا إنّ لكلّ ملك حمى، و حمى اللّه محارمه» (2).

و روى الحسن بن عليّ (عليهما السلام) عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه كان يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (3).

مسألة 662: الأجير إمّا عامّ أو خاصّ

، فالعامّ هو الذي يستأجر للعمل

____________

(1) الكافي 5: 125، 5، التهذيب 6: 368- 369، 1065.

(2) صحيح البخاري 1: 20، صحيح مسلم 3: 1219، 1599، سنن الترمذي 3:

511، 1205، سنن الدارمي 2: 245، سنن البيهقي 5: 264 باختلاف في بعض الألفاظ.

(3) سنن الترمذي 4: 668، 2518، سنن النسائي 8: 327- 328، سنن البيهقي 5:

335، مسند أحمد 1: 329، 1724، المستدرك- للحاكم- 2: 13، المعجم الكبير- للطبراني- 3: 75، 2708، شرح السنّة- للبغوي- 5: 13، 2032.