تذكرة الفقهاء - ج12

- العلامة الحلي المزيد...
370 /
155

المطلق، فيجوز له فعله مباشرة و تسبيبا. و الخاصّ هو الذي يشترط عليه العمل مباشرة مدّة معيّنة، فلا يجوز أن يعمل لغير من استأجره إلّا بإذنه.

و (1) لما رواه إسحاق بن عمّار عن الكاظم (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يستأجر الرجل بأجر معلوم فيعينه في صنعته (2) فيعطيه رجل آخر دراهم فيقول: اشتر لي كذا و كذا، فما ربحت فبيني و بينك، قال: «إذا أذن له الذي استأجره فليس به بأس» (3).

و يجوز للمطلق.

و ثمن الكفن حلال، و كذا ماء تغسيل الميّت و اجرة البدرقة.

مسألة 663: يجوز لمن مرّ بشيء من الثمرة في النخل

أو الفواكه الأكل منها إن لم يقصد، بل وقع المرور اتّفاقا. و لا يجوز له الإفساد و لا الأخذ و الخروج به، و لا يحلّ له الأكل أيضا مع القصد. و لو أذن المالك مطلقا، جاز.

روى محمّد بن مروان قال: قلت للصادق (عليه السلام): أمرّ بالثمرة فآخذ (4) منها، قال: «كل و لا تحمل» قلت: فإنّهم قد اشتروها، قال: «كل و لا تحمل» قلت: جعلت فداك إنّ التجّار قد اشتروها و نقدوا أموالهم، قال: «اشتروا ما ليس لهم» (5).

و عن يونس عن بعض رجاله عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن

____________

(1) كذا، و الظاهر زيادة الواو حيث إنّها غير مسبوقة بذكر دليل حتى يتمّ العطف عليه.

(2) كذا في النسخ الخطّيّة و الحجريّة المعتمدة في التحقيق، و في المصدر: «فيبعثه في ضيعته» بدل «فيعينه في صنعته».

(3) التهذيب 6: 381- 382، 1125.

(4) في المصدر: «فآكل» بدل «فآخذ».

(5) التهذيب 6: 383، 1134.

156

الرجل يمرّ بالبستان و قد حيط عليه أو لم يحط، هل يجوز له أن يأكل من ثمره و ليس يحمله على الأكل من ثمره إلّا الشهوة و له ما يغنيه عن الأكل من ثمره؟ و هل له أن يأكل منه من جوع؟ قال: «لا بأس أن يأكل، و لا يحمله و لا يفسده» (1).

و هل حكم الزرع ذلك؟ إشكال أقربه: المنع، لما رواه مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يمرّ على قراح الزرع يأخذ منه السنبلة، قال: «لا» قلت: أيّ شيء سنبلة؟ قال: «لو كان كلّ من يمرّ به يأخذ سنبلة كان لا يبقى منه شيء» (2).

و كذا الخضراوات و البقول.

و لو منعه المالك، فالوجه: أنّه يحرم عليه التناول مطلقا إلّا مع خوف التلف.

مسألة 664: روي أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن بيعتين في بيعة

(3). و فسّر بأمرين:

أحدهما: أن يبيع الشيء بثمن نقدا و بآخر نسيئة. و قد بيّنّا بطلان هذا البيع.

و الثاني: أن يكون المراد به أن يقول: بعتك بكذا على أن تبيعني أنت كذا بكذا.

و الثاني عندنا صحيح، خلافا للشافعي، لأنّه شرط بيع ماله، و ذلك

____________

(1) التهذيب 6: 383- 384، 1135.

(2) التهذيب 6: 385، 1140.

(3) سنن الترمذي 3: 533، 1231، سنن النسائي 7: 296، سنن البيهقي 5: 343، مسند أحمد 2: 366، 6591، و 3: 246، 9795، و 297، 10157، الموطّأ 2:

663، 72.

157

غير واجب بالشرط (1).

و هو ممنوع، لقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (2) و قد تقدّم (3).

مسألة 665: النجش حرام

، لأنّه (عليه السلام) نهى عنه (4)، و هو خديعة، و ليس من أخلاق أهل الدين.

و معناه أن يزيد الرجل في ثمن سلعة لا يريد شراءها ليقتدي به المشترون بمواطاة البائع.

و روي أنّه (عليه السلام) قال: «لا تناجشوا و لا تباغضوا و لا تحاسدوا و لا تدابروا و كونوا عباد اللّه إخوانا» (5).

إذا ثبت هذا، فإذا اشترى (6) المشتري مع النجش، كان البيع صحيحا- و به قال الشافعي (7)- لأصالة صحّة البيع. و قوله تعالى:

____________

(1) مختصر المزني: 88، الحاوي الكبير 5: 341، المهذّب- للشيرازي- 1: 274، الوسيط 3: 72، التهذيب- للبغوي- 3: 537، العزيز شرح الوجيز 4: 104، روضة الطالبين 3: 64، المجموع 9: 338.

(2) التهذيب 7: 371، 1503، الاستبصار 3: 232، 835، الجامع لأحكام القرآن 6:

33.

(3) في ج 10 ص 224 و 250، المسألتان 112 و 118.

(4) صحيح البخاري 3: 91، سنن ابن ماجة 2: 734، 2173، مسند أحمد 2:

171، 5282، و 249، 5828، و 334، 6415.

(5) المعجم الصغير- للطبراني- 2: 89، تاريخ بغداد 2: 273، و بتفاوت في المعجم الأوسط- للطبراني- 7: 157، 7021، و المصنّف- لابن أبي شيبة- 6:

571، 2074، و سنن البيهقي 6: 92، و مسند أحمد 2: 541، 7670.

(6) في «س، ي»: «اشتراه».

(7) الحاوي الكبير 5: 343، المهذّب- للشيرازي- 1: 298، حلية العلماء 4:

306، التهذيب- للبغوي- 3: 538، العزيز شرح الوجيز 4: 131، روضة الطالبين 3: 82، بداية المجتهد 2: 167، المغني 4: 300، الشرح الكبير 4: 88.

158

وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (1) السالم عن معارضة النهي، لأنّه لمعنى في غير البيع، و إنّما هو الخديعة.

و قال مالك: يكون مفسوخا لأجل النهي عنه (2).

و يثبت للمشتري الخيار إذا علم بالنجش، سواء كان ذلك بمواطاة البائع و علمه أو لا إن اشتمل على الغبن، و إلّا فلا.

و قال الشافعي: إذا علم أنّه كان نجشا، فإن لم يكن بمواطاة البائع و علم، فلا خيار. و إن كان، فقولان.

أظهرهما: عدم الخيار، لأنّه ليس فيه أكثر من الغبن، و ذلك لا يوجب (3) الخيار، لأنّ التفريط من المشتري حيث اشترى ما لا يعرف قيمته، فهو بمنزلة من اشترى ما لا يعرف قيمته، و غبنه بائعه.

و نحن لمّا أثبتنا الخيار بالغبن سقط هذا الكلام بالكلّيّة.

و الثاني: أنّه يثبت الخيار- كما قلناه- لأنّه تدليس من جهة البائع، فأشبه التصرية (4).

و لو قال البائع: أعطيت في هذه السلعة كذا و كذا، فصدّقه المشتري فاشتراها بذلك، ثمّ ظهر له كذبه، فإنّ البيع صحيح، و الخيار على هذين

____________

(1) البقرة: 275.

(2) بداية المجتهد 2: 167، حلية العلماء 4: 307، العزيز شرح الوجيز 4: 131، المغني 4: 300، الشرح الكبير 4: 88.

(3) ظاهر الطبعة الحجريّة: «لا يجيز» بدل «لا يوجب». و ظاهر «س، ي»: «لا يعيّن».

و ما أثبتناه من نسخة بدل في هامش الطبعة الحجريّة.

(4) المهذّب- للشيرازي- 1: 298، حلية العلماء 4: 307، التهذيب- للبغوي- 3:

538، العزيز شرح الوجيز 4: 131، روضة الطالبين 3: 82، المغني 4: 301، الشرح الكبير 4: 88.

159

الوجهين (1).

و الأقرب عندي: انتفاء الخيار هنا، لأنّ التفريط من المشتري.

مسألة 666: نهى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) عن بيع البعض على البعض

، فقال:

«لا يبيع (2) بعضكم على بيع بعض» (3).

و معناه أنّ المتبايعين إذا عقدا البيع و هما في مجلس الخيار، فجاء آخر إلى المشتري فقال له: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون ثمنها الذي اشتريت به، أو أنا أبيعك خيرا منها بثمنها، أو عرض عليه سلعة حسب ما ذكره.

و الأقرب: أنّه مكروه.

و قال الشافعي: إنّه محرّم، عملا بظاهر النهي، لأنّ الحديث و إن كان ظاهره ظاهر الخبر إلّا أنّ المراد به النهي. و لأنّه إضرار بالمسلم (4) و إفساد عليه، فكان حراما (5).

و يمنع ذلك.

فإن خالف و فعل ذلك و بائع المشتري، صحّ البيع، لأنّ النهي لمعنى في غير البيع، فأشبه البيع حالة النداء.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 131، روضة الطالبين 3: 82.

(2) كذا، و في بعض المصادر: «لا يبع».

(3) صحيح البخاري 3: 92، صحيح مسلم 3: 1154، 1412، سنن ابن ماجة 2:

733، 2171، سنن الترمذي 3: 587، 1292، سنن النسائي 7: 256، سنن البيهقي 5: 344، مسند أحمد 2: 171، 5282، و 249، 5828.

(4) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «بالمسلمين». و ما أثبتناه يقتضيه السياق.

(5) الحاوي الكبير 5: 343- 344، المهذّب- للشيرازي- 1: 298، الوسيط 3:

65، العزيز شرح الوجيز 4: 130- 131، روضة الطالبين 3: 81، المغني 4:

301، الشرح الكبير 4: 48.

160

و كذا إذا اشترى رجل سلعة بثمن فجاء آخر قبل لزوم العقد، فقال للبائع: أنا أشتريها بأكثر من الثمن الذي اشتراها هذا، فإنّه مكروه عندنا، و حرام عند الشافعي، لأنّه في معنى نهيه (عليه السلام). و لأنّ اللفظ مشتمل عليه، لأنّ اسم البائع يقع عليهما، و لهذا يسمّيان متبايعين. و لأنّه (عليه السلام) نهى عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه (1)، و المشتري في معنى الخاطب (2).

مسألة 667: يكره السوم على سوم المؤمن

، لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال:

«لا يسوم الرجل على سوم أخيه» (3).

فإن وجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع و لم يعقد أو أذن فيه لوكيله، كره السوم.

و قال الشافعي: يحرم، كما تحرم الخطبة (4).

و الأصل عندنا مكروه.

و أمّا إن لم يوجد ذلك و لا ما يدلّ عليه بل سكت و لم (5) يجب إلى البيع، لم يحرم السوم، و به قال الشافعي (6).

و أمّا أن يكون لم يصرّح بالرضا، بل ظهر منه ما يدلّ على الرضا بالبيع، فهو عند الشافعي مبنيّ على القولين في الخطبة.

____________

(1) سنن البيهقي 7: 180، سنن النسائي 7: 258، مسند أحمد 2: 287، 6100.

(2) الحاوي الكبير 5: 344، العزيز شرح الوجيز 4: 130- 131، روضة الطالبين 3: 81، المغني 4: 301، الشرح الكبير 4: 48.

(3) سنن الترمذي 3: 587، 1292، سنن البيهقي 5: 344، شرح معاني الآثار 3: 3.

(4) الحاوي الكبير 5: 344، المهذّب- للشيرازي- 1: 298، الوسيط 3: 65- 66، حلية العلماء 4: 308، التهذيب- للبغوي- 3: 538- 539، العزيز شرح الوجيز 4: 130، روضة الطالبين 3: 80.

(5) في الطبعة الحجريّة: «فلم».

(6) المهذّب- للشيرازي- 1: 298، الوسيط 3: 66، العزيز شرح الوجيز 4: 130، روضة الطالبين 3: 81.

161

قال في القديم: تحرم الخطبة، لعموم النهي.

و قال في الجديد: لا تحرم، لحديث فاطمة بنت قيس، و قوله [(صلى اللّه عليه و آله)] لها: «انكحي أسامة» و قد خطبها معاوية و أبو جهم (1)، فالبيع مثل ذلك (2).

هذا إذا تساوما بينهما، فأمّا إذا كانت السلعة في النداء، فإنّه يجوز أن يستامها واحد بعد واحد، لأن صاحبها لم يرض بأن يبيعها أو يسومها مع واحد، بل سامها للكلّ و لم يخصّ واحدا.

و أصله أنّ رجلا من الأنصار شكا إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) الشدّة و الجهد، فقال له: «ما بقي لك شيء؟» فقال: بلى قدح و حلس، قال: «فأتني بهما» فأتاه بهما، فقال: «من يبتاعهما؟» فقال رجل: أنا أبتاعهما بدرهم، و قال (3) رجل آخر: عليّ درهمين، فقال النبيّ: «هما لك بالدرهمين» (4).

و لأنّه قد يبيعهما من واحد و يقصد إرفاقه و يخصّصه (5)، فإذا سامها آخر، فسد غرضه، و إذا نادى عليها، فلم يقصد إلّا طلب الثمن، فافترقا.

تذنيب: يكره السوم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لدلالته على شدّة الحرص في طلب الدنيا، لأنّه وقت طلب الرزق من اللّه تعالى.

و لما رواه عليّ بن أسباط رفعه، قال: «نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن السوم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» (6).

____________

(1) صحيح مسلم 2: 1114، 1480، سنن البيهقي 7: 177- 178، 181، 471، شرح معاني الآثار 3: 5 و 6.

(2) الحاوي الكبير 5: 345، العزيز شرح الوجيز 4: 130.

(3) في «س، ي»: «فقال».

(4) سنن ابن ماجة 2: 740، 2198، سنن أبي داود 2: 120، 1641، مسند أحمد 3: 558- 559، 11724 بتفاوت.

(5) في الطبعة الحجريّة: «أو تخصيصه».

(6) الكافي 5: 152، 12.

162

و تكره الزيادة وقت النداء، بل إذا سكت المنادي، زاد، لقول الصادق (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) يقول: إذا نادى المنادي فليس لك أن تزيد، و إنّما يحرّم الزيادة النداء، و يحلّها السكوت» (1).

مسألة 668: لا يجوز للرجل أن يأخذ من ولده البالغ شيئا إلّا بإذنه

- إلّا مع خوف التلف- إن كان غنيّا، أو كان الولد ينفق عليه، لأصالة عصمة مال الغير.

و لو كان الولد صغيرا أو مجنونا، فالولاية للأب، فله الاقتراض مع العسر و اليسر.

و يجوز له أن يشتري من مال ولده الصغير لنفسه بثمن المثل، و يكون موجبا قابلا، و أن يقوّم جاريته عليه، و يطأها حينئذ.

و لو كان الأب معسرا، جاز أن يتناول من مال ولده الموسر قدر مئونة نفسه خاصّة إذا منعه الولد.

روى محمّد بن مسلم- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه، قال: «يأكل منه ما شاء من غير سرف» و قال: «و في كتاب عليّ (عليه السلام) أنّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلّا بإذنه، و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء، و له أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها، و ذكر أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال لرجل: أنت و مالك لأبيك» (2).

و عن الباقر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لرجل: أنت و مالك لأبيك» ثمّ قال الباقر (عليه السلام): «لا نحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه

____________

(1) الكافي 5: 305- 306، 8، و بتفاوت يسير في التهذيب 7: 227- 228، 994.

(2) التهذيب 6: 343، 961، و في الاستبصار 3: 48، 157 عن الإمام الباقر (عليه السلام).

163

ممّا لا بدّ منه، إنّ اللّه عزّ و جلّ لا يحبّ الفساد» (1).

و عن عليّ بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يأكل من مال ولده، قال: «لا، إلّا أن يضطرّ إليه، فليأكل منه بالمعروف، و لا يصلح للولد أن يأخذ من مال والده شيئا إلّا بإذن والده» (2).

مسألة 669: و الولد يحرم عليه مال والده

، فلا يحلّ له أن يأخذ منه شيئا إلّا بإذنه، فلو اضطرّ الولد المعسر إلى النفقة و منعه الأب، كان للولد أن يأخذ قدر مئونته، لأنّه كالدّين على الأب.

و يحرم على الامّ أن تأخذ من مال ولدها شيئا إلّا إذا منعها النفقة الواجبة عليه.

و كذا يحرم على الولد أخذ مال الأمّ إلّا إذا وجب نفقته عليها و منعته.

و ليس لها أن تقترض من مال ولدها الصغير كما سوّغنا ذلك للأب، لأنّ الولاية له دونها، لما رواه- في الحسن- محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل لابنه مال فيحتاج الأب إليه، قال: «يأكل منه، فأمّا الأمّ فلا تأكل منه إلّا قرضا على نفسها» (3).

و يجوز للأب أن يقترض من مال ابنه الصغير و يحجّ عنه، للولاية.

و لما رواه سعيد بن يسار قال: قلت للصادق (عليه السلام): أ يحجّ الرجل من مال ابنه و هو صغير؟ قال: «نعم» قلت: أ يحجّ حجّة الإسلام و ينفق منه؟

قال: «نعم بالمعروف» ثمّ قال: «نعم، يحجّ منه و ينفق منه، إنّ مال الولد

____________

(1) الكافي 5: 135، 3، التهذيب 6: 343، 962، الإستبصار 3: 48، 158.

(2) الكافي 5: 135، 2، التهذيب 6: 344، 963، الاستبصار 3: 48- 49، 159، و فيها: «فيأكل» بدل «فليأكل».

(3) الكافي 5: 135، 1، التهذيب 6: 344، 964، الاستبصار 3: 49، 160.

164

للوالد، و ليس للولد أن ينفق من مال والده إلّا بإذنه» (1).

و سأل ابن سنان- في الصحيح- الصادق (عليه السلام): ما ذا يحلّ للوالد من مال ولده؟ قال: «أمّا إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له أن يأخذ من ماله شيئا، فإن كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له أن يطأها إلّا أن يقوّمها قيمة تصير لولده قيمتها عليه» قال: «و يعلن ذلك .. فإن كان للرجل ولد صغار لهم جارية، فأحبّ أن يفتضّها فليقوّمها على نفسه قيمة ثمّ يصنع بها ما شاء، إن شاء وطئ، و إن شاء باع» (2).

و على هذا تحمل الأحاديث المطلقة.

مسألة 670: لا يحلّ لكلّ من الزوجين أن يأخذ من مال الآخر شيئا

، لأصالة عصمة مال الغير، إلّا بإذنه، فإن سوّغت له ذلك، حلّ.

و لو دفعت إليه مالا و قالت له: اصنع به ما شئت، كره له أن يشتري به جارية و يطأها، لأنّ ذلك يرجع بالغمّ عليها.

روى هشام عن الصادق (عليه السلام) في الرجل تدفع إليه امرأته المال فتقول: اعمل به و اصنع به ما شئت، أ له أن يشتري الجارية ثمّ (3) يطأها؟

قال: «ليس له ذلك» (4) و مقصود الإمام (عليه السلام) الكراهة، لأصالة الإباحة.

روى الحسين بن المنذر قال: قلت للصادق (عليه السلام): دفعت إليّ امرأتي مالا أعمل به، فأشتري من مالها الجارية أطأها؟ قال: فقال: «أرادت أن تقرّ

____________

(1) التهذيب 6: 345، 967، الاستبصار 3: 50، 165.

(2) التهذيب 6: 345، 968، الاستبصار 3: 50، 163.

(3) كلمة «ثمّ» لم ترد في المصدر.

(4) التهذيب 6: 346- 347، 975.

165

عينك و تسخن عينها» (1).

و قد وردت رخصة في أنّ المرأة لها أن تتصدّق بالمأدوم إذا لم تجحف به، إلّا أن يمنعها فيحرم.

قال ابن بكير: سألت الصادق (عليه السلام) عمّا يحلّ للمرأة أن تتصدّق به من مال زوجها بغير إذنه؟ قال: «المأدوم» (2).

و سأل عليّ بن جعفر أخاه (موسى بن جعفر (عليهما السلام)) (3): عن المرأة لها أن تعطي من بيت زوجها بغير إذنه؟ قال: «لا، إلّا أن يحلّلها» (4).

مسألة 671: في الاحتكار قولان لعلمائنا:

التحريم، و هو أصحّ قولي الشافعي (5)، لما رواه العامّة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «لا يحتكر إلّا خاطئ» (6) أي آثم.

و قال (عليه السلام): «الجالب مرزوق، و المحتكر ملعون» (7).

و قال (عليه السلام): «من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد بريء من اللّه و بريء اللّه منه» (8).

____________

(1) التهذيب 6: 347، 976.

(2) الكافي 5: 137 (باب الرجل يأخذ من مال امرأته ..) الحديث 2، التهذيب 6:

346، 973.

(3) بدل ما بين القوسين في «س، ي»: «الكاظم (عليه السلام)fm}~fm

}».

(4) التهذيب 6: 346، 974.

(5) المهذّب- للشيرازي- 1: 299، حلية العلماء 4: 318، العزيز شرح الوجيز 4:

126، روضة الطالبين 3: 78.

(6) صحيح مسلم 3: 1228، 130، سنن ابن ماجة 2: 728، 2154، سنن أبي داود 3: 271، 3447، سنن الترمذي 3: 567، 1267، سنن الدارمي 2: 248.

(7) سنن ابن ماجة 2: 728، 2153، سنن البيهقي 6: 30، سنن الدارمي 2: 249.

(8) المستدرك- للحاكم- 2: 11- 12، مسند أحمد 2: 116، 4865.

166

و من طريق الخاصّة: قول الباقر (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

لا يحتكر الطعام إلّا خاطئ» (1).

و عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): الجالب مرزوق، و المحتكر ملعون» (2).

و قال الصادق (عليه السلام): «الحكرة في الخصب أربعون يوما، و في الشدّة و البلاء ثلاثة أيّام، فما زاد على الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون، و ما زاد في العسرة على ثلاثة أيّام فصاحبه ملعون» (3).

و روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) «من احتكر على المسلمين لم يمت حتى يضربه اللّه بالجذام و الإفلاس» (4).

و الكراهة، للأصل.

و لقول الصادق (عليه السلام): «و إن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فإنّه يكره أن يحتكر الطعام و يترك الناس ليس لهم طعام» (5).

مسألة 672: الاحتكار هو حبس الحنطة و الشعير

و التمر و الزبيب و السمن و الملح بشرطين: الاستبقاء للزيادة، و تعذّر غيره، فلو استبقاها لحاجته أو وجد غيره، لم يمنع.

و قيل: أن يستبقيها في الغلاء ثلاثة أيّام، و في الرخص أربعين

____________

(1) التهذيب 7: 159، 701، الإستبصار 3: 114، 403.

(2) الكافي 5: 165، 7، الفقيه 3: 169، 751، التهذيب 7: 159، 702، الإستبصار 3: 114، 404.

(3) الكافي 5: 165، 7، التهذيب 7: 159، 703، الاستبصار 3: 114، 405.

(4) سنن ابن ماجة 2: 729، 2155، الترغيب و الترهيب 2: 583، 4 بتفاوت.

(5) الكافي 5: 165، 5، التهذيب 7: 160، 708، الاستبصار 3: 115- 116، 411.

167

يوما (1).

و فسّر الشافعيّة الاحتكار: أن يشتري ذو الثروة من الطعام ما لا يحتاج إليه في حال ضيقه و غلاة على الناس فحبسه عنهم (2).

فأمّا إذا اشترى في حال سعته، و حبسه ليزيد نفعه (3)، أو كان له طعام في زرعه فحبسه، جاز ما لم يكن بالناس ضرورة، فأمّا إذا كان بهم ضرورة، وجب عليه بذله لهم لأحيائهم، و به قال الشافعي (4) أيضا.

و لا بأس أن يشتري في وقت الغلاء لنفقة نفسه و عياله ثمّ يفضل شيء فيبيعه في وقت الغلاء.

و لا بأس أن يشتري في وقت الرخص ليربح في وقت الغلاء.

و لا بأس أن يمسك غلّة ضيعته ليبيع في وقت الغلاء، و لكنّ الأولى أن يبيع ما فضل عن كفايته.

و هل يكره إمساكه؟ للشافعيّة وجهان (5).

و تحريم الاحتكار مختصّ بالأقوات، و منها: التمر و الزبيب، و لا يعمّ جميع الأطعمة، قاله الشافعي (6).

و قال الصادق (عليه السلام): «الحكرة في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن» (7).

____________

(1) القائل بذلك من أصحابنا الإماميّة هو الشيخ الطوسي في النهاية: 374- 375.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 126، روضة الطالبين 3: 78.

(3) في «س» و الطبعة الحجريّة: «ليريد منعه». و في «ي»: «ليزيد منعه». و الظاهر ما أثبتناه.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 126، روضة الطالبين 3: 78.

(5) العزيز شرح الوجيز 4: 126، روضة الطالبين 3: 78- 79.

(6) العزيز شرح الوجيز 4: 126، روضة الطالبين 3: 79.

(7) الكافي 5: 164، 1، التهذيب 7: 159، 704، الاستبصار 3: 114، 406.

168

و سأل الحلبي الصادق (عليه السلام): عن الزيت، فقال: «إذا كان عند غيرك فلا بأس بإمساكه» (1).

و قال الصادق (عليه السلام): «الحكرة أن يشتري طعاما ليس في المصر غيره فيحتكره، فإن كان في المصر طعام أو يباع غيره فلا بأس أن يلتمس بسلعته الفضل» (2).

مسألة 673: يجبر الإمام أو نائبه المحتكر على البيع.

و هل يسعّر عليه؟ قولان لعلمائنا، المشهور: العدم، لما رواه العامّة أنّ السعر غلا على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقالوا: يا رسول اللّه سعّر لنا، فقال: «إنّ اللّه هو المسعّر القابض الباسط، و إنّي لأرجو أن ألقى ربّي و ليس أحد (3) منكم يطلبني بمظلمة بدم و لا مال» (4).

و من طريق الخاصّة: قول الصادق (عليه السلام): «فقد الطعام على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فأتى المسلمون فقالوا: يا رسول اللّه فقد الطعام و لم يبق منه شيء إلّا عند فلان، فمره يبع، قال: فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال:

يا فلان إنّ المسلمين ذكروا أنّ الطعام قد فقد إلّا شيئا عندك، فأخرجه و بعه كيف شئت و لا تحبسه» (5) ففوّض السعر إليه.

و عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) قال: «إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مرّ بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق و حيث تنظر

____________

(1) الكافي 5: 164- 165، 3، التهذيب 7: 160، 706، الإستبصار 3:

115، 409.

(2) الكافي 5: 164- 165، 3، التهذيب 7: 160، 706، الإستبصار 3:

115، 409.

(3) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «لأحد». و ما أثبتناه من المصادر.

(4) سنن ابن ماجة 2: 741، 2200، سنن أبي داود 3: 272، 3451، سنن الدارمي 2: 249، مسند أحمد 3: 629، 12181، العزيز شرح الوجيز 4: 127.

(5) الكافي 5: 164، 2، التهذيب 7: 159، 705، الإستبصار 3: 114، 407.

169

الأبصار إليها، فقيل لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لو قوّمت عليهم، فغضب (عليه السلام) حتى عرف الغضب من وجهه، فقال: أنا أقوّم عليهم!؟ إنّما السعر إلى اللّه يرفعه إذا شاء، و يخفضه إذا شاء» (1).

إذا ثبت هذا، فإنّه لا يجوز أن يسعّر حالة الرخص عندنا و عند الشافعي (2).

و أمّا حالة الغلاء فكذلك عندنا.

و للشافعي وجهان:

أحدهما: يجوز له أن يسعّر- و به قال مالك- رفقا بالضعفاء.

و أصحّهما: أنّه لا يجوز تمكينا للناس من التصرّف في أموالهم.

و لأنّهم قد يمتنعون بسبب ذلك عن البيع، فيشتدّ الأمر (3).

و قال بعض الشافعيّة: إن كان الطعام يجلب إلى البلدة، فالتسعير حرام. و إن كان يزرع بها و يكون عند التناه (4) فيها، فلا يحرم (5).

و حيث جوّزنا التسعير فإنّما هو في الأطعمة خاصّة دون سائر الأقمشة و العقارات.

و يلحق بها علف الدوابّ، و هو أظهر وجهي الشافعيّة (6).

و إذا قلنا بالتسعير فسعّر الإمام فخالف واحد، عزّر، و صحّ البيع.

____________

(1) التهذيب 7: 161- 162، 713، الاستبصار 3: 114- 115، 408.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 127، روضة الطالبين 3: 79.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 127، روضة الطالبين 3: 79.

(4) في «العزيز شرح الوجيز»: «الغلاء» بدل «التناه». و في «ي»: «التناء». و الظاهر أنّ كلمة «التناه» مأخوذة من ناه الشيء ينوه: ارتفع و علا. انظر: لسان العرب 13:

550 «نوه».

(5) العزيز شرح الوجيز 4: 127، روضة الطالبين 3: 79.

(6) العزيز شرح الوجيز 4: 127، روضة الطالبين 3: 79.

170

و للشافعي في صحّته قولان (1).

مسألة 674: تلقّي الركبان منهيّ عنه إجماعا.

و هل هو حرام أو مكروه؟ الأقرب: الثاني، لأنّ العامّة روت أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: «لا تتلقّوا الركبان للبيع» (2).

و من طريق الخاصّة: قول الباقر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

لا يتلقّى أحدكم تجارة خارجا من المصر، و لا يبيع حاضر لباد، و المسلمون يرزق اللّه بعضهم من بعض» (3).

و صورته أن ترد طائفة إلى بلد بقماش ليبيعوا فيه، فيخرج الإنسان يتلقّاهم فيشتريه منهم قبل قدوم البلد و معرفة سعره. فإن اشترى منهم من غير معرفة منهم بسعر البلد، صحّ البيع، لأنّ النهي لا يعود إلى معنى في البيع، و إنّما يعود إلى ضرب من الخديعة و الإضرار، لأنّ في الحديث «فإن تلقّاه متلقّ فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا قدم السوق» (4) فأثبت البيع مع ذلك.

إذا ثبت هذا، فإنّه لا خيار لهم قبل أن يقدموا البلد و يعرفوا السعر، و بعده يثبت لهم الخيار مع الغبن، سواء أخبر كاذبا أو لم يخبر. و لو انتفى الغبن، فلا خيار.

و قال الشافعي: إذا كان الشراء بسعر البلد أو زائدا، ففي ثبوت الخيار (5) وجهان:

أحدهما: يثبت، لظاهر الخبر.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 127، روضة الطالبين 3: 79.

(2) سنن البيهقي 5: 348، مسند أحمد 3: 294، 10138.

(3) الكافي 5: 168 (باب التلقّي) الحديث 1، التهذيب 7: 158، 697.

(4) صحيح مسلم 3: 1157، 17، سنن البيهقي 5: 348.

(5) في «س»: «ثبوته» بدل «ثبوت الخيار».

171

و أصحّهما: العدم، لأنّه لم يوجد تغرير و خيانة (1).

و لا فرق بين أن يكون مشتريا منهم أو بائعا عليهم.

و لو ابتدأ الباعة و التمسوا منه الشراء مع علم منهم بسعر البلد أو غير علم، فالأقرب: ثبوت الخيار مع الغبن كما قلنا.

و للشافعي (2) القولان السابقان.

و لو خرج اتّفاقا لا بقصد التلقّي، بل خرج لشغل (3) آخر من اصطياد و غيره فرآهم مقبلين فاشترى منهم شيئا، لم يكن قد فعل مكروها.

و للشافعيّة وجهان:

أحدهما: أنّه يعصي، لشمول المعنى.

و الثاني: لا يعصي، لأنّه لم يتلقّ.

و الأظهر عندهم: الأوّل (4).

فعلى الثاني لا خيار لهم و إن كانوا مغبونين، عند الشافعي (5).

و عندنا يثبت الخيار للمغبون مطلقا.

و قال بعض الشافعيّة: إن أخبر بالسعر كاذبا، ثبت (6) الخيار.

و حيث ثبت الخيار فهو على الفور، كخيار العيب.

و للشافعي قولان، هذا أحدهما، و هو أصحّهما. و الثاني: أنّه يمتدّ ثلاثة أيّام، كخيار التصرية (7).

و لو تلقّى الركبان و باع منهم ما يقصدون شراءه في البلد، فهو

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 129، روضة الطالبين 3: 80.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 129، روضة الطالبين 3: 80.

(3) في «س» و الطبعة الحجريّة: «بشغل».

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 129، روضة الطالبين 3: 80.

(5) العزيز شرح الوجيز 4: 129، روضة الطالبين 3: 80.

(6) في الطبعة الحجريّة: «يثبت».

(7) العزيز شرح الوجيز 4: 129، روضة الطالبين 3: 80.

172

كالتلقّي.

و للشافعي وجهان:

أحدهما: لا يثبت فيه حكمه، لأنّ النهي ورد عن الشراء.

و الثاني: نعم، لما فيه من الاستبداد بالرفق الحاصل منهم (1).

و قال مالك: البيع باطل (2).

و حدّ التلقّي عندنا أربعة فراسخ، فإن زاد على ذلك، لم يكره و لم يكن تلقّيا، بل كان تجارة و جلبا، لما رواه منهال عن الصادق (عليه السلام) قال: قال: «لا تلقّ فإنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله نهى عن التلقّي» قلت: و ما حدّ التلقّي؟ قال: «ما دون غدوة أو روحة» قلت: و كم الغدوة و الروحة؟ قال:

«أربعة فراسخ» قال ابن أبي عمير: و ما فوق ذلك فليس بتلقّ (3).

مسألة 675: يكره أن يبيع حاضر لباد

فيكون الحاضر وكيلا للبادي.

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «لا يبيع حاضر لباد» (4).

و صورته أن يجلب أهل البادية متاعا إلى بلد أو قرية فيجيء إليه الحاضر في البلد فيقول: لا تبعه فأنا أبيعه لك بعد أيّام بأكثر من ثمنه الآن.

و ليس محرّما، للأصل.

و قال الشافعي: إنّه محرّم، للنهي (5).

و يحصل له الإثم بشروط أربعة:

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 129، روضة الطالبين 3: 80.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 129.

(3) الكافي 5: 169، 4، التهذيب 7: 158، 699.

(4) صحيح مسلم 3: 1155، 11، سنن ابن ماجة 2: 734، 2176، سنن الترمذي 3:

525، 1222، سنن النسائي 7: 256، سنن البيهقي 5: 346.

(5) الحاوي الكبير 5: 347، العزيز شرح الوجيز 4: 127، روضة الطالبين 3: 79.

173

أ- أن يكون البدوي يريد البيع.

ب- أن يريد بيعه في الحال.

ج- أن يكون بالناس حاجة إلى المتاع و هم في ضيق.

د- أن يكون الحاضر استدعى منه ذلك.

روى ابن عباس أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: «لا يبيع حاضر لباد» قال طاوس:

و كيف لا يبيع؟ فقال: لا يكون له سمسارا (1).

و الأصل في المنع أنّ فيه إدخال الضرر على أهل الحضر و تضييقا عليهم، فلهذا نهي عنه.

فإن لم توجد هذه الشرائط أو شرط منها، جاز ذلك، لأنّه إذا لم يكن بأهل البلد حاجة، فلا ضرر في تأخير بيع ذلك.

و كذا إذا لم يرد صاحبه بيعه أو لم يرد بيعه في الحال، فإنّه يجوز للحضري أن يتولّى له البيع.

و لو وجدت الشرائط و خالف الحاضر و باع، صحّ البيع، لأنّ النهي لا لمعنى يعود إلى البيع.

و شرط بعض الشافعيّة أن يكون الحاضر عالما بورود النهي فيه، و هذا شرط يعمّ جميع المناهي. و أن يظهر من ذلك المتاع سعة في البلد، فإن لم تظهر إمّا لكبر البلد و قلّة ذلك الطعام أو لعموم وجوده و رخص السعر، ففيه عندهم وجهان، أوفقهما لمطلق الخبر: أنّه يحرم. و الثاني: لا، لأنّ المعنى المحرّم تفويت الرزق، و الربح على الناس، و هذا المعنى لم يوجد هنا. و أن يكون المتاع المجلوب إليه ممّا تعمّ الحاجة إليه، كالصوف و الأقط

____________

(1) صحيح البخاري 3: 94، صحيح مسلم 3: 1157، 1521، سنن أبي داود 3:

269، 3439، سنن البيهقي 5: 346.

174

و سائر أطعمة القرى، و أمّا ما لا يحتاج إليه إلّا نادرا فلا يدخل تحت النهي (1).

و لو استشار البدوي بالحضري فيما فيه حظّه، قال بعض الشافعيّة: إذا كان الرشد في الادّخار و البيع على التدريج، وجب عليه إرشاده إليه بذلا للنصيحة (2).

و قال بعضهم: لا يرشده إليه توسّعا على الناس (3).

مسألة 676: روى العامّة أنّه قد نهى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) عن بيع العربان

(4). و يقال: عربون، و أربان و أربون. و العامّة يقولون: ربون.

و هو أن يشتري السلعة فيدفع درهما أو دينارا على أنّه إن أخذ السلعة، كان المدفوع من الثمن. و إن لم يدفع الثمن و ردّ السلعة، لم يسترجع ذلك المدفوع- و به قال الشافعي (5)- للنهي الذي رواه العامّة.

و من طريق الخاصّة: قول الصادق (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يجوز بيع العربون إلّا أن يكون نقدا من الثمن» (6).

و قال أحمد: لا بأس به، لما روي أنّ نافع بن عبد الحارث اشترى لعمر دار السجن من صفوان، فإن رضي عمر، و إلّا له كذا و كذا. و ضعّف

____________

(1) الحاوي الكبير 5: 347- 348، العزيز شرح الوجيز 4: 127- 128، روضة الطالبين 3: 79.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 128، روضة الطالبين 3: 79- 80.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 128، روضة الطالبين 3: 79- 80.

(4) سنن ابن ماجة 2: 738، 2192، سنن أبي داود 3: 283، 3502، سنن البيهقي 5: 342.

(5) حلية العلماء 4: 313، العزيز شرح الوجيز 4: 134، المغني 4: 313، الشرح الكبير 4: 66.

(6) الكافي 5: 233 (باب العربون) الحديث 1، التهذيب 7: 234، 1021.

175

حديث النهي (1).

قالت الشافعيّة: إنّه ليس بصحيح، لأنّه شرط أن يكون للبائع شيء بغير عوض، فهو كما لو شرط للأجنبيّ (2).

و يفسّر العربون أيضا بأن يدفع دراهم إلى صانع ليعمل له شيئا من خاتم يصوغه أو خفّ يخرزه أو ثوب ينسجه على أنّه إن رضيه بالمدفوع في الثمن، و إلّا لم يستردّه منه. و هما (3) متقاربان.

مسألة 677: بيع التلجئة باطل عندنا

، و هو أن يتّفقا على أن يظهرا العقد خوفا من ظالم من غير بيع، و يتواطؤ على الاعتراف بالبيع، أو لغير ذلك- و به قال أحمد و أبو يوسف و محمّد (4)- لأنّ الأصل بقاء الملك على صاحبه، و لم يوجد ما يخرجه عن أصالته. و لأنّهما لم يقصدا البيع، فلا يصحّ منهما، كالهازلين.

و قال أبو حنيفة و الشافعي: هو صحيح، لأنّ البيع تمّ بأركانه و شروطه خالية عن مقارنة مفسد، فصحّ، كما لو اتّفقا على شرط فاسد ثمّ عقدا البيع بغير شرط (5).

و نمنع تماميّة البيع.

و لو تبايعا بعد ذلك بعقد صحيح، صحّ البيع إن لم يوقعاه قاصدين لما تقدّم من المواطاة، لأصالة الصحّة، و عدم صلاحية سبق المواطاة للمانعيّة.

و كذا لو اتّفقا على أن يتبايعا بألف و يظهرا ألفين فتبايعا بألفين، فإنّ

____________

(1) المغني 4: 313، الشرح الكبير 4: 66، حلية العلماء 4: 313، المجموع 9: 335.

(2) المغني 4: 313، الشرح الكبير 4: 66.

(3) أي: هذا التفسير و التفسير المتقدّم في صدر المسألة.

(4) المغني 4: 302، الشرح الكبير 4: 49، بدائع الصنائع 5: 176، المجموع 9: 334.

(5) المغني 4: 302، الشرح الكبير 4: 49، بدائع الصنائع 5: 176، المجموع 9: 334.

176

البيع لازم، و الاتّفاق السابق لا يؤثّر، قاله الشافعي، و رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة (1).

و روى محمّد عن أبي حنيفة أنّه لا يصحّ البيع إلّا على أن يتّفقا على أنّ الثمن ألف درهم و يتبايعاه بمائة دينار، فيكون الثمن مائة دينار استحسانا- و إليه ذهب أبو يوسف و محمّد- لأنّه إذا تقدّم الاتّفاق، صارا كالهازلين بالعقد، فلم يصحّ العقد (2).

قالت الشافعيّة: الشرط السابق لحالة العقد لا يؤثّر فيه، كما لو اتّفقا على شرط فاسد ثمّ عقدا العقد، فإنّه لا يثبت فيه (3).

مسألة 678: قد ذكرنا أنّ التجارة مستحبّة.

قال الصادق (عليه السلام): «ترك التجارة ينقص العقل» (4).

و قال الصادق (عليه السلام) لمعاذ في حديث: «اسع على عيالك، و إيّاك أن يكونوا هم السعاة عليك» (5).

إذا ثبت هذا، فينبغي لمن أراد التجارة أن يبدأ أوّلا فيتفقّه.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من اتّجر بغير علم ارتطم في الربا ثمّ ارتطم» (6).

و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول على المنبر: «يا معشر التجّار الفقه ثمّ المتجر، الفقه ثمّ المتجر، و اللّه للربا في هذه الأمّة أخفى من دبيب النملة على الصفا، شوبوا أيمانكم بالصدقة (7)، التاجر فاجر، و الفاجر في النار إلّا

____________

(1) المجموع 9: 334.

(2) المجموع 9: 334.

(3) المجموع 9: 334.

(4) الكافي 5: 148، 1، التهذيب 7: 2، 1.

(5) الكافي 5: 148- 149، 6، التهذيب 7: 2- 3، 3.

(6) الكافي 5: 154، 23، الفقيه 3: 120، 513، التهذيب 7: 5، 14.

(7) في الكافي «بالصدق».

177

من أخذ الحقّ و أعطى الحقّ» (1).

«و كان عليّ (عليه السلام) بالكوفة يغتدي كلّ يوم بكرة من القصر يطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا و معه الدرّة على عاتقه .. فيقف على أهل كلّ سوق فينادي: يا معشر التجّار اتّقوا اللّه عزّ و جلّ، فإذا سمعوا صوته ألقوا ما في أيديهم و أرعوا إليه بقلوبهم و سمعوا بآذانهم، فيقول: قدّموا الاستخارة، و تبرّكوا بالسهولة، و اقتربوا من المتبايعين، و تزيّنوا بالحلم، و تناهوا عن اليمين، و جانبوا الكذب، و تجافوا عن الظلم، و أنصفوا المظلومين، و لا تقربوا الربا، و أوفوا الكيل و الميزان، وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ، وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، فيطوف في جميع الأسواق بالكوفة ثمّ يرجع فيقعد للناس» (2).

مسألة 679: يكره الحلف على البيع

، و كتمان العيب، و مدح البائع، و ذمّ المشتري، و المبادرة إلى السوق أوّلا، لما فيه من شدّة الحرص في الدنيا.

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «من باع و اشترى فليحفظ خمس خصال، و إلّا فلا يشتر و لا يبع: الربا، و الحلف، و كتمان العيب، و الحمد إذا باع، و الذمّ إذا اشترى» (3).

و قال الكاظم (عليه السلام): «ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم، أحدهم: رجل اتّخذ اللّه عزّ و جلّ بضاعة لا يشتري إلّا بيمين و لا يبيع إلّا بيمين» (4).

____________

(1) الكافي 5: 150، 1، الفقيه 3: 121، 519، التهذيب 7: 6، 16.

(2) الكافي 5: 151، 3، بتفاوت يسير في بعض الألفاظ، التهذيب 7: 6، 17.

(3) التهذيب 7: 6، 18، و في الكافي 5: 150- 151، 2، و الفقيه 3: 120- 121، 515 بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.

(4) الكافي 5: 162، 3، التهذيب 7: 13، 56.

178

و قال الصادق (عليه السلام): «إيّاكم و الحلف، فإنّه يمحق البركة، و ينفق السلعة» (1).

و تكره معاملة ذوي العاهات.

قال الصادق (عليه السلام): «لا تعامل ذا عاهة فإنّهم أظلم شيء» (2).

و كذا تكره مخالطة السفلة و المحارفين و الأكراد، و لا يعامل إلّا من نشأ في خير.

قال الصادق (عليه السلام): «إيّاكم و مخالطة السفلة فإنّ السفلة لا يؤول إلى خير» (3).

و قال الصادق (عليه السلام): «لا تشتر من محارف، فإنّ حرفته لا بركة فيها» (4).

و سأل أبو الربيع الشامي الصادق (عليه السلام)، فقلت: إنّ عندنا قوما من الأكراد و إنّهم لا يزالون يجيئون بالبيع فنخالطهم و نبايعهم، فقال:

«يا أبا الربيع لا تخالطوهم، فإنّ الأكراد حيّ من أحياء الجنّ كشف اللّه عنهم الغطاء، فلا تخالطوهم» (5).

و قال الصادق (عليه السلام): «لا تخالطوا و لا تعاملوا إلّا من نشأ في الخير» (6).

و استقرض قهرمان لأبي عبد اللّه (عليه السلام) من رجل طعاما للصادق (عليه السلام)، فألحّ في التقاضي، فقال له الصادق (عليه السلام): «ألم أنهك أن تستقرض ممّن

____________

(1) التهذيب 7: 13، 57.

(2) الكافي 5: 158، 3، التهذيب 7: 11، 40.

(3) الكافي 5: 158، 7، التهذيب 7: 10، 38.

(4) التهذيب 7: 11، 41.

(5) الكافي 5: 158، 2، التهذيب 7: 11، 42.

(6) الكافي 5: 158، 5، الفقيه 3: 100، 388، التهذيب 7: 10، 36.

179

لم يكن له فكان» (1).

مسألة 680: يستحبّ إنظار المعسر، و إقالة النادم

، لأنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لم يأذن لحكيم بن حزام في تجارة حتى ضمن له إقالة النادم و إنظار المعسر و أخذ الحقّ وافيا أو غير واف (2).

و عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا يكون الوفاء حتى يرجّح» (3).

و قال: «لا يكون الوفاء حتى يميل الميزان» (4).

و لا ينبغي أن يتعرّض للكيل أو الوزن (5) إلّا من يعرفهما حذرا من أخذ مال الغير.

مسألة 681: لا يبيع المبيع في المواضع المظلمة

التي لا يظهر فيها المبيع ظهورا بيّنا، حذرا من الغشّ.

قال هشام بن الحكم: كنت أبيع السابري في الظلال، فمرّ بي الكاظم (عليه السلام) فقال: «يا هشام إنّ البيع في الظلال غشّ، و الغشّ لا يحلّ» (6).

و يحرم أن يزيّن المتاع بأن يظهر جيّده و يكتم رديئه.

قال الباقر (عليه السلام): «مرّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في سوق المدينة بطعام، فقال لصاحبه: ما أرى طعامك إلّا طيبا، و سأل عن سعره، فأوحى اللّه تعالى [إليه] (7) أن يدير يده في الطعام، ففعل فأخرج طعاما رديئا، فقال لصاحبه:

____________

(1) الكافي 5: 158، 4، التهذيب 7: 10، 39.

(2) الكافي 5: 151، 4، التهذيب 7: 5، 15.

(3) الكافي 5: 160 (باب الوفاء و البخس) الحديث 5، التهذيب 7: 11، 43.

(4) الكافي 5: 159، 1، التهذيب 7: 11، 44.

(5) في «ي»: «للكيل و الوزن». و في الطبعة الحجريّة: «الكيل و الوزن».

(6) الكافي 5: 160- 161، 6، التهذيب 7: 13، 54.

(7) ما بين المعقوفين من المصدر.

180

ما أراك إلّا قد جمعت خيانة و غشّا للمسلمين» (1).

مسألة 682: إذا قال له إنسان: اشتر لي، فلا يعطه (2) من عنده

و إن كان الذي عنده أجود، لأنّه إنّما أمره بالشراء، و هو ظاهر في الشراء من الغير.

قال الصادق (عليه السلام): «إذا قال لك الرجل: اشتر لي، فلا تعطه من عندك و إن كان الذي عندك خيرا منه» (3).

و سأل إسحاق الصادق (عليه السلام): عن الرجل يبعث إلى الرجل فيقول له:

ابتع لي ثوبا، فيطلب في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده، قال: «لا يقربن هذا و لا يدنس نفسه، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (4) و إن كان عنده خيرا ممّا يجد له في السوق فلا يعطيه من عنده» (5).

مسألة 683: إذا قال التاجر لغيره: هلمّ أحسن إليك

، باعه من غير ربح استحبابا.

قال الصادق (عليه السلام): «إذا قال الرجل للرجل: هلمّ أحسن بيعك، يحرم عليه الربح» (6).

و يكره الربح على المؤمن، فإن فعل فلا يكثر منه.

قال الصادق (عليه السلام): «ربح المؤمن على المؤمن ربا إلّا أن يشتري بأكثر

____________

(1) الكافي 5: 161، 7، التهذيب 7: 13، 55.

(2) في الطبعة الحجريّة: «فلا يعطيه».

(3) الكافي 5: 151- 152، 6، التهذيب 6: 352، 998، و 7: 6- 7، 19.

(4) الأحزاب: 72.

(5) التهذيب 6: 352، 999.

(6) الكافي 5: 152، 9، الفقيه 3: 173، 774، التهذيب 7: 7، 21.

181

من مائة درهم فاربح عليه قوت يومك، أو يشتريه للتجارة فاربحوا عليهم و ارفقوا بهم» (1).

و ينبغي أن يكون الساكت عنده بمنزلة المماكس، و الجاهل بمنزلة البصير المذاق.

قال قيس: قلت للباقر (عليه السلام): إنّ عامّة من يأتيني إخواني فحدّ لي من معاملتهم ما لا أجوزه إلى غيره، فقال: «إن ولّيت أخاك فحسن، و إلّا فبع بيع البصير المذاق» (2).

و عن الصادق (عليه السلام) في رجل عنده بيع و سعّره سعرا معلوما، فمن سكت عنه ممّن يشتري منه باعه بذلك السعر، و من ماكسه فأبى أن يبتاع منه زاده» قال: «لو كان يزيد الرجلين و الثلاثة لم يكن بذلك بأس، فأمّا أن يفعله لمن أبى عليه و يماكسه (3) و يمنعه من لا يفعل فلا يعجبني إلّا أن يبيعه بيعا واحدا» (4).

مسألة 684: يستحبّ إذا دخل السوق الدعاء

و سؤال اللّه تعالى أن يبارك له فيما يشتريه و يخير له فيما يبيعه، و التكبير و الشهادتان عند الشراء.

قال الصادق (عليه السلام): «إذا دخلت سوقك فقل: اللّهمّ إنّي أسألك من خيرها و خير أهلها، و أعوذ بك من شرّها و شرّ أهلها، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أظلم أو أظلم أو أبغي أو يبغى عليّ أو أعتدي أو يعتدى عليّ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من شرّ إبليس و جنوده و شرّ فسقة العرب و العجم، و حسبي اللّه

____________

(1) الكافي 5: 154، 22، التهذيب 7: 7، 23، الاستبصار 3: 69، 232.

(2) التهذيب 7: 7، 24، و في الكافي 5: 153- 154، 19 عن ميسّر عن الإمام الصادق (عليه السلام).

(3) في المصدر: «كايسه» بدل «ماكسه».

(4) الكافي 5: 152، 10، التهذيب 7: 8، 25.

182

الذي لا إله إلّا هو عليه توكّلت، و هو ربّ العرش العظيم» (1).

و إذا اشترى المتاع، قال ما روي عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا اشتريت شيئا من متاع أو غيره فكبّر، ثمّ قل: اللّهمّ إنّي اشتريته ألتمس فيه من فضلك، فاجعل فيه فضلا، اللّهمّ إنّي اشتريته ألتمس فيه رزقك، فاجعل لي فيه رزقا، ثمّ أعد على (2) كلّ واحدة ثلاث مرّات» (3).

قال الصادق (عليه السلام): «و إذا أراد أن يشتري شيئا قال: يا حيّ يا قيّوم يا دائم يا رءوف يا رحيم، أسألك بعزّتك و قدرتك و ما أحاط به علمك أن تقسم لي من التجارة اليوم أعظمها رزقا و أوسعها فضلا و خيرها عاقبة فإنّه لا خير فيما لا عاقبة له» قال الصادق (عليه السلام): «إذا اشتريت دابّة أو رأسا فقل:

اللّهمّ ارزقني أطولها حياة و أكثرها منفعة و خيرها عاقبة» (4).

مسألة 685: ينبغي له إذا بورك له في شيء من أنواع التجارة

أو الصناعة أن يلتزم به. و إذا تعسّر عليه فيه رزقه، تحوّل إلى غيره.

قال الصادق (عليه السلام): «إذا رزقت في (5) شيء فالزمه» (6).

و قال الصادق (عليه السلام): «إذا نظر الرجل في تجارة فلم ير فيها شيئا فليتحوّل إلى غيرها» (7).

____________

(1) الكافي 5: 156، 2، التهذيب 7: 9، 32.

(2) كلمة «على» لم ترد في الكافي.

(3) الكافي 5: 156، 1، التهذيب 7: 9، 33.

(4) الكافي 5: 157، 3، التهذيب 7: 9- 10، 34.

(5) في الفقيه و التهذيب: «من» بدل «في».

(6) الكافي 5: 168 (باب لزوم ما ينفع من المعاملات) الحديث 3، الفقيه 3:

104، 423، التهذيب 7: 14، 60.

(7) الكافي 5: 168، 2، التهذيب 7: 14، 59.

183

و ينبغي له التساهل و الرفق في الأشياء.

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «بارك اللّه على سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء» (1).

مسألة 686: يجوز لوليّ اليتيم الناظر في أمره المصلح لماله أن يتناول اجرة المثل

، لأنّه عمل يستحقّ عليه أجرة، فيساوي (2) اليتيم غيره.

و سأل هشام بن الحكم الصادق (عليه السلام) فيمن تولّى مال اليتيم ماله أن يأكل منه؟ قال: «ينظر إلى ما كان غيره يقوم به من الأجر لهم فليأكل بقدر ذلك» (3).

و يستحبّ له التعفّف مع الغنى، قال اللّه تعالى وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ (4).

مسألة 687: يجوز أن يواجر الإنسان نفسه.

سأل ابن سنان الكاظم (عليه السلام) عن الإجارة، فقال: «صالح لا بأس به إذا نصح قدر طاقته، فقد آجر موسى (عليه السلام) نفسه و اشترط فقال: إن شئت ثماني و إن شئت عشرا، و أنزل اللّه عزّ و جلّ فيه أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ (5)» (6).

قال الشيخ (رحمه اللّه): لا ينافي هذا ما رواه الساباطي عن الصادق (عليه السلام)،

____________

(1) التهذيب 7: 18، 79.

(2) في «ي» و ظاهر «س»: «فساوى».

(3) التهذيب 6: 343، 960.

(4) النساء: 60.

(5) القصص: 27.

(6) الكافي 5: 90، 2، الفقيه 3: 106، 442، التهذيب 6: 353، 1003، الاستبصار 3: 55، 178.

184

قال: قلت له: الرجل يتّجر فإن هو آجر نفسه اعطي ما يصيب في تجارته، فقال: «لا يواجر نفسه، و لكن يسترزق اللّه عزّ و جلّ و يتّجر فإنّه إذا آجر نفسه حظر على نفسه الرزق» (1) لأنّه محمول على الكراهة، لعدم الوثوق بالنصح (2).

و أقول: لا استبعاد في نهيه عن الإجارة للإرشاد، فإنّ التجارة أولى، لما فيها من توسعة الرزق، و قد نبّه (عليه السلام) في الخبر عليه. و لأنّه قد روي «أنّ الرزق قسّم عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منها (3) في التجارة، و الباقي في سائر الأجزاء (4)» (5).

مسألة 688: يحرم بيع السلاح لأعداء الدين في وقت الحرب

، و لا بأس به في الهدنة.

قال هند السرّاج: قلت للباقر (عليه السلام): أصلحك اللّه ما تقول إنّي كنت أحمل السلاح إلى أهل الشام فأبيعهم فلمّا عرّفني اللّه هذا الأمر ضقت بذلك و قلت: لا أحمل إلى أعداء اللّه، فقال: «احمل إليهم فإنّ اللّه عزّ و جلّ يدفع بهم عدوّنا و عدوّكم- يعني الروم- فإذا كانت الحرب بيننا فمن حمل إلى عدوّنا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك» (6).

____________

(1) التهذيب 6: 353، 1002، الاستبصار 3: 55، 177.

(2) التهذيب 6: 353، ذيل الحديث 1003، الاستبصار 3: 55، ذيل الحديث 178.

(3) في «س، ي»: «منه».

(4) كذا قوله: «في سائر الأجزاء». و نصّ الرواية في المصدر هكذا: «الرزق عشرة أجزاء، تسعة أجزاء في التجارة و واحدة في غيرها».

(5) الكافي 5: 318- 319، 59، الفقيه 3: 120، 510.

(6) الكافي 5: 112، 2، التهذيب 6: 353، 1004، الاستبصار 3: 58، 189.

185

و قال حكم السرّاج للصادق (عليه السلام): ما ترى فيما يحمل إلى الشام من السروج و أداتها؟ فقال: «لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، إنّكم في هدنة، فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السلاح و السروج» (1).

و قال السرّاد للصادق (عليه السلام): إنّي أبيع السلاح، قال: «لا تبعه في فتنة» (2).

و يجوز بيع ما يكنّ من النبل لأعداء الدين، لأنّ محمّد بن قيس سأل الصادق (عليه السلام) عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح؟ فقال:

«بعهما ما يكنّهما، الدرع و الخفّين و نحو هذا» (3).

مسألة 689: يجوز الأجر على الختان و خفض الجواري.

قال الصادق (عليه السلام): «لمّا هاجرن النساء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) هاجرت فيهنّ امرأة يقال لها: أمّ حبيب و كانت خافضة تخفض الجواري، فلمّا رآها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال لها: يا أمّ حبيب، العمل الذي كان في يدك هو في يدك اليوم؟ قالت: نعم يا رسول اللّه إلّا أن يكون حراما فتنهاني عنه، قال:

لا، بل حلال فادني منّي حتى أعلّمك، فدنت منه، فقال: يا أمّ حبيب إذا أنت فعلت فلا تنهكي، أي لا تستأصلي، و أشمّي فإنّه أشرق للوجه و أحظى عند الزوج».

قال: «و كانت لأمّ حبيب أخت يقال لها: أمّ عطيّة ماشطة، فلمّا

____________

(1) التهذيب 6: 354، 1005، الاستبصار 3: 57، 187، و في الكافي 5: 112، 1 بتفاوت يسير.

(2) الكافي 5: 113، 4، التهذيب 6: 354، 1007، الإستبصار 3: 57، 186.

(3) الكافي 5: 113، 3، التهذيب 6: 354، 1006، الاستبصار 3: 57- 58، 188.

186

انصرفت أمّ حبيب إلى أختها أخبرتها بما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فأقبلت أمّ عطيّة إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فأخبرته بما قالت لها أختها، فقال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

ادني منّي يا أمّ عطيّة إذا أنت قيّنت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة، فإنّ الخرقة تذهب بماء الوجه» (1).

مسألة 690: يكره كسب الإماء و الصبيان.

قال الصادق (عليه السلام): «نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن كسب الإماء فإنّها إن لم تجده زنت إلّا أمة قد عرفت بصنعة يد، و نهى عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة فإنّه إن لم يجد سرق» (2).

و يكره للصانع سهر الليل كلّه في عمل صنعته، لما فيه من كثرة الحرص على الدنيا و ترك الالتفات إلى أمور الآخرة.

قال الصادق (عليه السلام): «من بات ساهرا في كسب و لم يعط العين حظّها من النوم فكسبه ذلك حرام» (3).

و قال الصادق (عليه السلام): «الصنّاع إذا سهروا الليل كلّه فهو سحت» (4).

و هو محمول على الكراهة الشديدة، أو على التحريم إذا منع من الواجبات أو منع القسم بين الزوجات.

مسألة 691: يجوز بيع عظام الفيل و اتّخاذ الأمشاط و غيرها منها

، لأنّها طاهرة ينتفع بها، فجاز بيعها، للمقتضي للجواز، السالم عن المانع.

و لأنّ عبد الحميد بن سعد سأل الكاظم (عليه السلام) عن عظام الفيل يحلّ بيعه

____________

(1) الكافي 5: 118، 1، التهذيب 6: 360- 361، 1035.

(2) الكافي 5: 128، 8، التهذيب 6: 367، 1057.

(3) الكافي 5: 127، 6، التهذيب 6: 367، 1059.

(4) الكافي 5: 127، 7، التهذيب 6: 367، 1058.

187

أو شراؤه للذي يجعل منه الأمشاط؟ فقال: «لا بأس قد كان لأبي منه مشط أو أمشاط» (1).

و كذا يجوز بيع الفهود و سباع الطير.

سأل عيص بن القاسم- في الصحيح- الصادق (عليه السلام) عن الفهود و سباع الطير هل يلتمس التجارة فيها؟ قال: «نعم» (2).

أمّا القرد فقد روي النهي عن بيعه.

قال الصادق (عليه السلام): «إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن القرد أن يشترى أو يباع» (3).

و في الطريق قول، فالأولى الكراهة.

و دخل إلى الصادق (عليه السلام) رجل فقال له: إنّي سرّاج أبيع جلود النمر، فقال: «مدبوغة هي؟» قال: نعم، قال: «ليس به بأس» (4).

مسألة 692: لا بأس بأخذ الهديّة.

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «الهديّة على ثلاثة وجوه: هديّة مكافأة، و هديّة مصانعة، و هديّة للّه عزّ و جلّ» (5).

و روى إسحاق بن عمّار قال: قلت له: الرجل الفقير يهدي الهديّة يتعرّض لما عندي فآخذها و لا أعطيه شيئا أ تحلّ لي؟ قال: «نعم، هي لك حلال و لكن لا تدع أن تعطيه» (6).

____________

(1) الكافي 5: 226، 1، التهذيب 6: 373، 1083.

(2) الكافي 5: 226، 4، التهذيب 6: 373، 1085.

(3) الكافي 5: 227، 7، التهذيب 6: 374، 1086، و 7: 134، 594.

(4) الكافي 5: 227، 9، التهذيب 7: 135، 595.

(5) الكافي 5: 141، 1، التهذيب 6: 378، 1107.

(6) الكافي 5: 143، 6، الفقيه 3: 192، 872، التهذيب 6: 379، 1112.

188

و قال محمّد بن مسلم: «جلساء الرجل شركاؤه في الهديّة» (1).

و هي مستحبّة مرغّب فيها، لما فيها من التودّد.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لأن أهدي لأخي المسلم هديّة تنفعه أحبّ إليّ من أن أتصدّق بمثلها» (2).

و قبولها مستحبّ، اقتداء برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فإنّه قال: «لو اهدي إليّ كراع لقبلت» (3).

و لو أهدي إليه هديّة طلبا لثوابها فلم يثبه، كان له الرجوع فيها إذا كانت العين باقية، لما رواه عيسى بن أعين قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن رجل أهدى إلى رجل هديّة و هو يرجو ثوابها فلم يثبه صاحبها حتى هلك و أصاب الرجل هديّته بعينها، أ له أن يرتجعها إن قدر على ذلك؟ قال:

«لا بأس أن يأخذه» (4).

مسألة 693: لا يجوز عمل التماثيل و الصور المجسّمة.

و لا بأس بها فيما يوطأ بالأرجل، كالفراش و شبهه، لما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّما (5) نبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل و نفرشها، قال:

«لا بأس بما يبسط منها و يفرش و يوطأ، و إنّما يكره منها ما نصب على الحائط و على السرير» (6).

مسألة 694: يجوز لمن أمره غيره بشراء شيء أن يأخذ منه

على ذلك

____________

(1) الكافي 5: 143، 10، التهذيب 6: 379، 1113.

(2) الكافي 5: 144، 12، التهذيب 6: 380، 1115.

(3) الكافي 5: 141، 2، التهذيب 6: 378، 1108.

(4) الفقيه 3: 192، 871، التهذيب 6: 380، 1116.

(5) كذا في المصدر و الطبعة الحجريّة، و في «س، ي»: «إنّا» بدل «إنّما».

(6) التهذيب 6: 381، 1122.

189

الجعل، لأنّه فعل مباح.

و لما رواه ابن سنان عن الصادق (عليه السلام)، قال: سأله أبي و أنا حاضر، فقال: ربما أمرنا الرجل يشتري لنا الأرض أو الدار أو الغلام أو الخادم و نجعل له جعلا، فقال الصادق (عليه السلام): «لا بأس به» (1).

مسألة 695: لا بأس بالزراعة، بل هي مستحبّة.

روى سيابة أنّ رجلا سأل الصادق (عليه السلام): أسمع قوما يقولون: إنّ الزراعة مكروهة، فقال: «ازرعوا و اغرسوا، فلا و اللّه ما عمل الناس عملا أحلّ و لا أطيب منه، و اللّه لنزرعنّ الزرع و لنغرسنّ (2) غرس النخل بعد خروج الدجّال» (3).

و سأل هارون بن يزيد الواسطي الباقر (عليه السلام) (4) عن الفلّاحين، فقال:

«هم الزارعون كنوز اللّه في أرضه، و ما في الأعمال شيء أحبّ إلى اللّه من الزراعة، و ما بعث اللّه نبيّا إلّا زارعا، إلّا إدريس (عليه السلام) فإنّه كان خيّاطا» (5).

مسألة 696: يجوز أخذ أجر البذرقة من القوافل إذا رضوا بذلك

، و إلّا حرم.

كتب محمّد بن الحسن الصفّار إليه: رجل يبذرق القوافل من غير أمر السلطان في موضع مخيف، و يشارطونه على شيء مسمّى أن يأخذ منهم إذا صاروا إلى الأمن، هل يحلّ له أن يأخذ منهم؟ فوقّع (عليه السلام) «إذا واجر (6)

____________

(1) التهذيب 6: 381، 1124.

(2) في «ي» و الطبعة الحجريّة و الكافي: «ليزرعنّ .. ليغرسنّ».

(3) الكافي 5: 260، 3، التهذيب 6: 384- 385، 1139.

(4) كذا في «س، ي» و الطبعة الحجريّة. و في المصدر: «يزيد بن هارون الواسطي عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)».

(5) التهذيب 6: 384، 1138.

(6) في المصدر: «آجر».

190

نفسه بشيء معروف أخذ حقّه إن شاء اللّه» (1).

مسألة 697: يكره بيع العقار إلّا لضرورة.

قال أبان بن عثمان: دعاني الصادق (عليه السلام) فقال: «باع فلان أرضه؟» فقلت: نعم، فقال: «مكتوب في التوراة أنّه من باع أرضا أو ماء و لم يضعه في أرض و ماء ذهب ثمنه محقا» (2).

و قال الصادق (عليه السلام): «مشتري العقدة مرزوق و بائعها ممحوق» (3).

و قال مسمع للصادق (عليه السلام): إنّ لي أرضا تطلب منّي و يرغّبوني، فقال لي: «يا أبا سيّار أ ما علمت أنّه من باع الماء و الطين و لم يجعل ماله في الماء و الطين ذهب ماله هباء» قلت: جعلت فداك إنّي أبيع بالثمن الكثير فأشتري ما هو أوسع ممّا بعت، فقال: «لا بأس» (4).

مسألة 698: يكره الاستحطاط من الثمن بعد العقد

، لأنّه قد صار ملكا للبائع بالعقد، فيندرج تحت قوله تعالى وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ (5).

و روى إبراهيم الكرخي عن الصادق (عليه السلام)، قال: اشتريت للصادق (عليه السلام) جارية فلمّا ذهبت أنقدهم قلت: أستحطّهم، قال: «لا، إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن الاستحطاط بعد الصفقة» (6).

____________

(1) التهذيب 6: 385، 1141.

(2) الكافي 5: 91، 3، التهذيب 6: 387- 388، 1155.

(3) الكافي 5: 92، 4، التهذيب 6: 388، 1156.

(4) التهذيب 6: 388، 1157، و بتفاوت في الكافي 5: 92، 8.

(5) هود: 85.

(6) الكافي 5: 286 (باب الاستحطاط بعد الصفقة) الحديث 1، التهذيب 7:

233، 1017، الاستبصار 3: 73، 243.

191

قال الشيخ: إنّه محمول على الكراهة (1)، لما روى معلّى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يشتري المتاع ثمّ يستوضع، قال:

«لا بأس به» و أمرني فكلّمت له رجلا في ذلك (2).

و عن يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يستوهب من الرجل الشيء بعد ما يشتري فيهب له، أ يصلح له؟ قال: «نعم» (3).

و كذا في الإجارة. روى عليّ أبو الأكراد عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّي أتقبّل العمل فيه الصناعة و فيه النقش فأشارط النقاش على شيء فيما بيني و بينه العشرة أزواج بخمسة دراهم أو العشرين بعشرة، فإذا بلغ الحساب قلت له: أحسن، فأستوضعه من الشرط الذي شارطته عليه، قال:

«بطيب نفسه؟» قلت: نعم، قال: «لا بأس» (4).

مسألة 699: أصل الأشياء الإباحة إلّا أن يعلم التحريم في بعضها.

روي عن الصادق (عليه السلام)- في الصحيح- قال: «كلّ شيء يكون منه حرام و حلال فهو حلال لك أبدا حتى تعرف أنّه حرام بعينه فتدعه» (5).

و قال (عليه السلام): «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك و لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير

____________

(1) التهذيب 7: 233، ذيل الحديث 1017، الاستبصار 3: 74، ذيل الحديث 245.

(2) التهذيب 7: 233، 1018، الاستبصار 3: 73، 244.

(3) التهذيب 7: 233- 234، 1019، الاستبصار 3: 74، 245.

(4) التهذيب 7: 234، 1020.

(5) الكافي 5: 313، 39، التهذيب 7: 226، 988.

192

ذلك أو تقوم به البيّنة» (1).

مسألة 700: لا ينبغي التهوين في تحصيل قليل الرزق

، فإنّ علي بن بلال روى عن الحسين الجمّال قال: شهدت إسحاق بن عمّار و قد شدّ كيسه و هو يريد أن يقوم فجاء إنسان يطلب دراهم بدينار، فحلّ الكيس و أعطاه دراهم بدينار، فقلت له: سبحان اللّه ما كان فضل هذا الدينار، فقال إسحاق بن عمّار: ما فعلت هذا رغبة في الدينار، و لكن سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: «من استقلّ قليل الرزق حرم الكثير» (2).

مسألة 701: ينبغي الاقتصاد في المعيشة و ترك الإسراف.

قال الباقر (عليه السلام): «من علامات المؤمن ثلاث: حسن التقدير في المعيشة، و الصبر على النائبة، و التفقّه في الدين» و قال: «ما خير في رجل لا يقتصد في معيشته ما يصلح [لا] (3) لدنياه و لا لآخرته» (4).

و قال الصادق (عليه السلام) في قوله عزّ و جلّ وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ (5) قال: «ضمّ يده» فقال: «هكذا» وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ (6) قال: «و بسط راحته» و قال: «هكذا» (7).

و قال الصادق (عليه السلام): «ثلاثة من السعادة: الزوجة الموافقة (8)، و الأولاد البارّون، و الرجل يرزق معيشته ببلده يغدو إليه و يروح» (9).

____________

(1) الكافي 5: 313- 314، 40، التهذيب 7: 226، 989.

(2) الكافي 5: 311، 30، التهذيب 7: 227، 993.

(3) ما بين المعقوفين من المصدر.

(4) التهذيب 7: 236، 1028.

(5) الإسراء: 29.

(6) الإسراء: 29.

(7) التهذيب 7: 236، 1031.

(8) في المصدر: «المؤاتية» بدل «الموافقة».

(9) التهذيب 7: 236، 1032، و في الكافي 5: 258 (باب أنّ من السعادة ..) الحديث 2 بتفاوت يسير.

193

الفصل الثاني: في الشفعة

الشفعة مأخوذة من قولك: شفعت كذا بكذا، إذا جعلته شفعا به كأنّ الشفيع يجعل نصيبه شفعا بنصيب صاحبه.

و أصلها التقوية و الإعانة، و منه الشفاعة و الشفيع، لأنّ كلّ واحد من الموترين (1) يتقوّى بالآخر.

و في الشرع عبارة عن استحقاق الشريك انتزاع حصّة شريكه، المنتقلة عنه بالبيع، أو حقّ تملّك قهري يثبت (2) للشريك القديم على الحادث، و ليست بيعا، فلا يثبت فيها خيار المجلس.

و لا بدّ في الشفعة من مشفوع- و هو المأخوذ بالشفعة، و هو محلّها- و من آخذ له، و من مأخوذ منه، فهنا مباحث:

البحث الأوّل: المحلّ.

محلّ الشفعة كلّ عقار ثابت مشترك بين اثنين قابل للقسمة.

و اعلم أنّ أعيان الأموال على أقسام ثلاثة:

الأوّل: الأراضي.

و تثبت فيها الشفعة أيّ أرض كانت بلا خلاف- إلّا من الأصمّ (3)- لما رواه العامّة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «الشفعة فيما

____________

(1) كذا في «س، ي» و الطبعة الحجريّة.

(2) في «س، ي»: «ثبت».

(3) حلية العلماء 5: 263، المغني و الشرح الكبير 5: 460.

194

لم يقسم، فإذا وقعت (1) الحدود فلا شفعة» (2).

و من طريق الخاصّة: قول الصادق (عليه السلام): «الشفعة لا تكون إلّا لشريك» (3).

احتجّ الأصمّ على قوله بنفي الشفعة في كلّ شيء: بأنّ في إثباتها إضرارا بأرباب الأملاك، فإنّه إذا علم المشتري أنّه يؤخذ منه ما يبتاعه، لم يبتعه، و يتقاعد الشريك بالشريك، و يستضرّ المالك (4).

و هو غلط، لما تقدّم من الأخبار. و ما ذكره غلط، لأنّا نشاهد البيع يقع كثيرا و لا يمتنع المشتري- باعتبار استحقاق الشفعة- من الشراء. و أيضا فإنّ له مدفعا إذا علم التضرّر بذلك بأن يقاسم الشريك، فتسقط الشفعة إذا باع بعد القسمة.

و تثبت الشفعة في الأراضي سواء بيعت وحدها أو مع شيء من المنقولات، و يوزّع الثمن عليهما بالنسبة، و يأخذ الشفيع الشقص بالقسط.

الثاني: المنقولات

، كالأقمشة و الأمتعة و الحيوانات، و فيها لعلمائنا قولان:

أحدهما- و هو المشهور-: أنّه لا شفعة فيها- و به قال الشافعي (5)-

____________

(1) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «وضعت» بدل «وقعت». و ما أثبتناه هو الموافق لما في المصادر، و كذا تأتي الرواية أيضا بعنوان «وقعت» في ص 207- 208.

(2) الموطّأ 2: 713، 1، التمهيد 7: 37- 44، سنن أبي داود 3: 285، 3514، سنن البيهقي 6: 103 و 105، معرفة السنن و الآثار 8: 308، 11986.

(3) التهذيب 7: 164، 725.

(4) المغني و الشرح الكبير 5: 460.

(5) المهذّب- للشيرازي- 1: 383، التنبيه في الفقه الشافعي: 116، الوجيز 1:

215، الوسيط 4: 69، حلية العلماء 5: 263، التهذيب- للبغوي- 4: 337، العزيز شرح الوجيز 5: 482 و 483، روضة الطالبين 4: 155، منهاج الطالبين:

151.

195

لما رواه العامّة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: «لا شفعة إلّا في ربع أو حائط» (1).

و من طريق الخاصّة: قول الصادق (عليه السلام): «قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن، ثمّ قال: لا ضرر و لا إضرار» (2).

و قول الصادق (عليه السلام): «ليس في الحيوان شفعة» (3).

و لأنّ الأصل عدم الشفعة، ثبت في الأراضي بالإجماع، فيبقى الباقي على المنع.

و الثاني لعلمائنا: تثبت الشفعة في كلّ المنقولات- و به قال مالك في إحدى الروايات عنه (4)- لما رواه العامّة أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: «الشفعة في كلّ شيء» (5).

و من طريق الخاصّة: رواية يونس عن بعض رجاله عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الشفعة لمن هي؟ و في أيّ شيء هي؟ و لمن تصلح؟ و هل تكون في الحيوان شفعة؟ و كيف هي؟ فقال: «الشفعة جائزة في كلّ شيء من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشيء بين شريكين لا غيرهما، فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحقّ به من غيره، و إن زاد على

____________

(1) نصب الراية 4: 178 نقلا عن البزار في مسنده.

(2) الكافي 5: 280، 4، الفقيه 3: 45، 154، التهذيب 7: 164، 727.

(3) التهذيب 7: 165، 733، الإستبصار 3: 117- 118، 419.

(4) حلية العلماء 5: 263- 264، العزيز شرح الوجيز 5: 483، المغني 5: 464، الشرح الكبير 5: 472.

(5) سنن الترمذي 3: 654، 1371، سنن البيهقي 6: 109، المعجم الكبير- للطبراني- 11: 123، 11244، شرح معاني الآثار 4: 125.

196

الاثنين فلا شفعة لأحد منهم» (1).

و لأنّ الشفعة تثبت لأجل ضرر القسمة، و ذلك حاصل فيما ينقل.

و الجواب: أنّ خبر العامّة و خبر الخاصّة معا مرسلان، و أخبارنا أشهر، فيتعيّن العمل بها و طرح أخبارهم. و الضرر بالقسمة إنّما هو لما يحتاج إليه من إحداث المرافق، و ذلك يختصّ بالأرض دون غيرها، فافترقا.

و قد وردت رواية تقتضي ثبوت الشفعة في المملوك دون باقي الحيوانات:

روى الحلبي- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال في المملوك بين شركاء فيبيع أحدهم نصيبه، فيقول صاحبه: أنا أحقّ به، إله ذلك؟

قال: «نعم إذا كان واحدا» فقيل: في الحيوان شفعة؟ فقال: «لا» (2).

و عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت للصادق (عليه السلام): المملوك يكون بين شركاء فباع أحدهم نصيبه، فقال أحدهم: أنا أحقّ به، إله ذلك؟ قال: «نعم إذا كان واحدا» (3).

و عن مالك رواية اخرى: أنّ الشفعة تثبت في السفن خاصّة (4).

الثالث: الأعيان التي كانت منقولة في الأصل ثمّ أثبتت في الأرض للدوام

، كالحيطان و الأشجار، و إن بيعت منفردة، فلا شفعة فيها على المختار، لأنّها في حكم المنقولات، و كانت في الأصل منقولة، و ستنتهي

____________

(1) الكافي 5: 281، 8، التهذيب 7: 164- 165، 730، الإستبصار 3: 116، 413.

(2) الكافي 5: 210، 5، التهذيب 7: 166، 735، الاستبصار 3: 116، 415.

(3) التهذيب 7: 165- 166، 734، الإستبصار 1: 116، 414.

(4) حلية العلماء 5: 263- 264، العزيز شرح الوجيز 5: 483، بدائع الصنائع 5:

12.

197

إليه و إن طال أمدها، و ليس معها ما تجعل تابعة له، و به قال الشافعي (1).

و حكى بعض أصحابه قولا آخر: أنّه تثبت فيها الشفعة كثبوتها في الأرض (2).

و لو بيعت الأرض وحدها، ثبتت الشفعة فيها، و يكون الشفيع معه كالمشتري.

و إن بيعت الأبنية و الأشجار مع الأرض، ثبتت الشفعة فيها تبعا للأرض، لأنّ في بعض أخبار العامّة لفظ «الرّبع» (3) و هو يتناول الأبنية، و في بعض أخبار الخاصّة: «و المساكن» (4) و هو يتناول الأبنية أيضا، و في بعضها:

«الدار» (5) و هو يتناول الجدران و السقوف و الأبواب.

مسألة 702: الأثمار على الأشجار

- سواء كانت مؤبّرة أو لا- إذا بيعت معها و مع الأرض، لا تثبت فيها الشفعة- و به قال الشافعي (6)- و كذا إذا شرط إدخال الثمرة في البيع، لأنّها لا تدوم في الأرض.

و كذا الزروع الثابتة في الأرض، لأنّ ما لا يدخل في بيع الأرض بالإطلاق لا يثبت له حكم الشفعة، كالفدان (7) الذي يعمل فيها، و عكسه

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 484، روضة الطالبين 4: 156.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 484.

(3) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في ص 195، الهامش (1).

(4) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في ص 195، الهامش (2).

(5) راجع: الكافي 5: 280، 2، و التهذيب 7: 165، 731، و الاستبصار 3:

117، 417.

(6) المهذّب- للشيرازي- 1: 384، حلية العلماء 5: 265، التهذيب- للبغوي- 4:

344، العزيز شرح الوجيز 5: 484، روضة الطالبين 4: 156، مختصر اختلاف العلماء 4: 249، 1967، المغني 5: 464، الشرح الكبير 5: 471.

(7) الفدان: الذي يجمع أداة الثورين في القران للحرث. لسان العرب 13: 321 «فدن».

198

البناء و الشجر.

و قال الشيخ و أبو حنيفة و مالك: تدخل الثمار و الزروع مع أصولها و مع الأرض التي نبت الزرع بها (1)، لأنّها متّصلة بما فيه الشفعة، فتثبت الشفعة فيها، كالبناء و الغراس (2).

و يمنع الاتّصال، بل هي بمنزلة الوتد المثبت في الحائط.

و في الدولاب الغرّاف و الناعورة نظر من حيث عدم جريان العادة بنقله، فكان كالبناء.

و الأقرب: عدم الدخول.

و لا تدخل الحبال التي تركب عليها الدلاء.

مسألة 703: قد بيّنّا أنّه لا تثبت الشفعة في المنقولات

، و لا فرق بين أن تباع منفردة أو مع الأرض التي تثبت فيها الشفعة، بل يأخذ الشفيع الشقص من الأرض خاصّة بحصّته من الثمن.

و عن مالك رواية ثالثة أنّها: إن بيعت وحدها، فلا شفعة فيها. و إن بيعت مع الأرض، ففيها الشفعة، لئلّا تتفرّق الصفقة (3).

و الجواب: المعارضة بالنصوص.

و لو كانت الثمرة غير مؤبّرة، دخلت في المبيع شرعا، و لا يأخذها الشفيع، لأنّها منقولة. و لأنّ المؤبّرة لا تدخل في الشفعة فكذا غيرها، و هو

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «يثبت الزرع فيها» بدل «نبت الزرع بها».

(2) الخلاف 3: 440، المسألة 15، المبسوط- للطوسي- 3: 119، المبسوط- للسرخسي- 14: 134، بدائع الصنائع 5: 27- 28، مختصر اختلاف العلماء 4: 249، 1967، المدوّنة الكبرى 5: 427، حلية العلماء 5: 265، العزيز شرح الوجيز 5: 484، المغني 5: 464، الشرح الكبير 5: 471.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 483.

199

أحد قولي الشافعي. و الآخر: أنّها تدخل في الشفعة، لدخولها في مطلق البيع (1).

و على هذا فلو لم يتّفق الأخذ حتى تأبّرت، فوجهان للشافعيّة:

أظهرهما: الأخذ، لأنّ حقّه تعلّق بها، و زيادتها كالزيادة الحاصلة في الشجرة.

و الثاني: المنع، لخروجها عن كونها تابعة للنخل.

و على هذا فبم يأخذ الأرض و النخيل؟ وجهان:

أشبههما: بحصّتهما من الثمن كما في المؤبّرة، و هو مذهبنا.

و الثاني: بجميع الثمن تنزيلا له منزلة عيب يحدث بالشقص (2).

و لو كانت النخيل حائلة عند البيع ثمّ حدثت الثمرة قبل أخذ الشفيع، فإن كانت مؤبّرة، لم يأخذها. و إن كانت غير مؤبّرة، فعلى قولين (3).

و عندنا لا يأخذها، لاختصاص الأخذ عندنا بالبيع، و الشفعة ليست بيعا.

و إذا بقيت الثمرة للمشتري، فعلى الشفيع إبقاؤها إلى الإدراك مجّانا.

و هذا إذا بيعت الأشجار مع الأرض أو مع البياض الذي يتخلّلها، أمّا إذا بيعت الأشجار و مغارسها لا غير، فوجهان للشافعي، و كذا لو باع الجدار مع الأسّ:

أحدهما: أنّه تثبت الشفعة، لأنّها أصل ثابت.

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 384، حلية العلماء 5: 265، العزيز شرح الوجيز 5:

484، روضة الطالبين 4: 156.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 484، روضة الطالبين 4: 156.

(3) التهذيب- للبغوي- 4: 344- 345، العزيز شرح الوجيز 5: 485، روضة الطالبين 3: 156.

200

و أشبههما: المنع، لأنّ الأرض هنا تابعة، و المتبوع منقول (1).

و عندنا أنّ قبل القسمة تثبت الشفعة، و إلّا فلا.

مسألة 704: لو باع شقصا فيه زرع لا يجزّ مرارا و أدخله في البيع

، أخذ الشفيع الشقص بحصّته من الثمن دون الزرع، و به قال الشافعي (2)، خلافا لأبي حنيفة و مالك (3)، و قد سبق (4).

و إن كان ممّا يجزّ مرارا، فالجزّة الظاهرة التي لا تدخل في البيع المطلق كالثمار المؤبّرة، و الأصول كالأشجار، قاله الشافعي (5).

و عندنا أنّه لا يدخل في الشفعة أيضا و لا في البيع على ما تقدّم (6).

أمّا ما يدخل تحت مطلق بيع الدار من الأبواب و الرفوف و المسامير فالأقرب: أنّه يؤخذ بالشفعة تبعا، كالأبنية.

و لو باع شقصا من طاحونة، لم يدخل شيء من الأحجار فيها على ما تقدّم (7).

و قال الشافعي: يؤخذ التحتاني (8) إن قلنا بدخوله في البيع، و في الفوقاني وجهان (9).

____________

(1) الوسيط 4: 70، العزيز شرح الوجيز 5: 485، روضة الطالبين 4: 156.

(2) التهذيب- للبغوي- 4: 345، العزيز شرح الوجيز 5: 485، روضة الطالبين 4:

156.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 485.

(4) في ص 197- 198، المسألة 702.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 485، روضة الطالبين 4: 156.

(6) في ص 47، المسألة 572.

(7) في ص 59، ضمن المسألة 576، القسم الثالث.

(8) أي: الحجر التحتاني.

(9) التهذيب- للبغوي- 4: 345، العزيز شرح الوجيز 5: 485، روضة الطالبين 4:

157.

201

مسألة 705: شرطنا في محلّ الشفعة من العقار كونه ثابتا.

و احترزنا بالثابت عمّا إذا كان بين اثنين غرفة عالية أو حجرة معلّقة على سقف لأحدهما أو لغيرهما، فإذا باع [أحدهما] (1) نصيبه، فلا شفعة لشريكه، لأنّه لا أرض لها و لا ثبات فأشبهت المنقولات.

و لو كان السقف لهما و بيع معها، فالأقرب: أنّه لا شفعة لشريكه أيضا، لأنّ الأرض التي لهما لا ثبات لها، و ما لا ثبات له في نفسه لا يعدّ (2) ثباتا لما هو عليه، و هو أحد وجهي الشافعيّة (3).

و الثاني: أنّ الشفعة تثبت، للاشتراك بينهما أرضا و جدرانا (4).

و ليس بجيّد، لأنّ ما هو أرضهما لا ثبات له.

و لو كان السفل بين اثنين و العلوّ لأحدهما فباع صاحب العلوّ العلوّ و نصيبه من السفل، كان للشفيع أخذ السفل لا غير، لأنّ الشفعة لا تثبت في الأرض إلّا إذا كانت مشتركة، فكذلك ما فيها من الأبنية، و لا شركة بينهما في العلوّ، و هو قول بعض الشافعيّة (5).

و قال بعضهم: إنّ الشريك يأخذ السفل و نصف العلوّ بالشفعة، لأنّ الأرض مشتركة بينهما، و ما فيها تابع لها، ألا ترى أنّه يتبعها في بيع الأرض عند الإطلاق، فكذلك في الشفعة (6). و ليس بشيء.

و لو كانت بينهما أرض مشتركة، و فيها أشجار لأحدهما، فباع صاحب الأشجار الأشجار و نصيبه من الأرض، ففيه الخلاف المذكور.

مسألة 706: يشترط كون المبيع مشتركا بين اثنين لا أزيد

، فلو تعدّد

____________

(1) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.

(2) كذا، و الظاهر: «لا يفيد» بدل «لا يعدّ».

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 486، روضة الطالبين 4: 157.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 486، روضة الطالبين 4: 157.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 486، روضة الطالبين 4: 157.

(6) العزيز شرح الوجيز 5: 486، روضة الطالبين 4: 157.

202

الشركاء و زادوا على اثنين، فلا شفعة عند أكثر علمائنا (1)، خلافا للعامّة.

لنا: الأصل عدم الشفعة، أثبتناها في الاثنين، دفعا لضرورة الشركة، و هذا المعنى منتف في حقّ الزائد على الاثنين، فيبقى على أصالة العدم.

و ما رواه العامّة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) «أنّه قضى بالشفعة في كلّ مشترك (2) لم يقسم ربع أو حائط لا يحلّ له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، و إن شاء ترك، فإن باعه و لم يؤذنه فهو أحقّ به» (3) و هو يدلّ على الاقتصار على الواحد.

و من طريق الخاصّة: رواية عبد اللّه بن سنان- الصحيحة- عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا تكون الشفعة إلّا لشريكين ما لم يتقاسما، فإذا صاروا ثلاثة، فليس لواحد منهم شفعة» (4).

و في رواية يونس- السابقة (5)- عن الصادق (عليه السلام): «و إن زاد على الاثنين فلا شفعة لأحد منهم».

و قال بعض (6) علمائنا- و هو قول الجمهور كافّة-: إنّها تثبت مع الكثرة، لما رواه السكوني عن الصادق عن الباقر عن آبائه عن عليّ (عليهم السلام) قال: «الشفعة على عدد الرجال» (7).

____________

(1) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 618، و الشيخ الطوسي في النهاية: 424، و سلّار في المراسم: 183، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 361.

(2) كذا في «س، ي» و الطبعة الحجريّة، و في المصدر: «شركة» بدل «مشترك».

(3) صحيح مسلم 3: 1229، 134، سنن النسائي 7: 320.

(4) الكافي 5: 281، 7، التهذيب 7: 164، 729، الإستبصار 3: 116، 412.

(5) في ص 195- 196.

(6) الشيخ الصدوق في الفقيه 3: 46، ذيل الحديث 162.

(7) التهذيب 7: 166، 736، الاستبصار 3: 116- 117، 416.

203

و الطريق ضعيف لا يعوّل عليه.

إذا ثبت هذا، فالقائلون بثبوت الشفعة مع الكثرة اختلفوا، فقال بعضهم: إنّها على عدد الرءوس (1). و قال بعضهم: إنّها على عدد الأنصباء (2).

مسألة 707: شرطنا في المأخوذ أن كان ممّا يقبل القسمة

، كالبساتين و الدور المتّسعة و غيرها، لأنّ ما لا يقبل القسمة- كالحمّام و الدار الضيّقة و العضائد الضيّقة و ما أشبه ذلك- لا تثبت فيه الشفعة عند أكثر علمائنا (3)- و به قال عثمان و ربيعة و الشافعي و مالك في إحدى الروايتين (4)- لأنّ الشفعة تضرّ بالبائع، لأنّه لا يمكنه أن يخلص نصيبه بالقسمة، و قد يمتنع المشتري لأجل الشفيع، و لا يمكنه القسمة، فيسقط حقّ الشفعة، فلهذا لم تجب الشفعة.

____________

(1) الهداية- للمرغيناني- 4: 25، مختصر اختلاف العلماء 4: 248، 1965، الوسيط 4: 94، حلية العلماء 5: 292، التهذيب- للبغوي- 4: 361، العزيز شرح الوجيز 5: 527، روضة الطالبين 4: 182، المغني 5: 523، الشرح الكبير 5: 490.

(2) الهداية- للمرغيناني- 4: 25، مختصر اختلاف العلماء 4: 248، 1965، الوسيط 4: 94، حلية العلماء 5: 292، التهذيب- للبغوي- 4: 362، العزيز شرح الوجيز 5: 527، روضة الطالبين 3: 182، المغني 5: 523، الشرح الكبير 5: 490.

(3) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 441، المسألة 16، و سلّار في المراسم: 183، و المحقّق الحلّي في المختصر النافع: 257.

(4) المغني 5: 465 و 466، الشرح الكبير 5: 468 و 469، معالم السنن- للخطّابي- 5: 172، المهذّب- للشيرازي- 1: 384، الوجيز 1: 215، حلية العلماء 5: 268، التهذيب- للبغوي- 4: 340، العزيز شرح الوجيز 5: 488، روضة الطالبين 4: 157 و 158، و في الخلاف- للشيخ الطوسي- 3: 441، المسألة 16 حكاية قول عثمان أيضا.

204

و لما رواه السكوني عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

لا شفعة في سفينة و لا في نهر و لا في طريق» (1).

و قال بعض (2) علمائنا: تثبت فيه الشفعة- و به قال الثوري و مالك في الرواية الأخرى، و أبو حنيفة و أصحابه، و أبو العباس بن سريج من الشافعيّة، و نقله قولا آخر للشافعي (3)- لعموم قول الصادق (عليه السلام): «الشفعة جائزة في كلّ شيء» (4).

و لأنّ الشفعة تثبت لأجل الضرر بالمشاركة، و الضرر في هذا النوع أكثر، لأنّه يتأبّد ضرره.

و الرواية مقطوعة السند.

و أصل اختلاف الشافعيّة هنا مبنيّ على علّة ثبوت الشفعة في المنقسم (5) إن قلنا: إنّها تثبت لدفع ضرر الشركة فيما يتأبّد و يدوم، كتضيّق المداخل، و التأذّي بحرفة (6) الشريك أو أخلاقه (7) أو كثرة الداخلين عليه، و ما أشبه ذلك.

____________

(1) الكافي 5: 282، 11، التهذيب 7: 166، 738، الاستبصار 3: 118، 420.

(2) كالسيّد المرتضى في الانتصار: 215، و ابن إدريس في السرائر 2: 389.

(3) المغني 5: 465- 466، الشرح الكبير 5: 469، معالم السنن- للخطّابي- 5:

172، الهداية- للمرغيناني- 4: 34، المهذّب- للشيرازي- 1: 384، حلية العلماء 5: 268، التهذيب- للبغوي- 4: 340، العزيز شرح الوجيز 5: 487، روضة الطالبين 4: 157.

(4) الكافي 5: 281، 8، التهذيب 7: 164، 730، الإستبصار 3: 116، 413.

(5) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «التقسيم» بدل «المنقسم». و الصحيح ما أثبتناه.

(6) في الطبعة الحجريّة: «بخراءة» بدل «بحرفة» و لها وجه، و في «س، ي» بدلهما:

«بجزية». و هي تصحيف ما أثبتناه من المصدر.

(7) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «اختلافه» بدل «أخلاقه». و ما أثبتناه من المصدر.