تذكرة الفقهاء - ج12

- العلامة الحلي المزيد...
370 /
205

و أصحّهما: أنّها تثبت لدفع الضرر الذي ينشأ من القسمة من بذل مئونتها، و الحاجة إلى أفراد الحصّة الصائرة إليه بالمرافق الواقعة في حصّة صاحبه، كالمصعد و المبرز و البالوعة و نحوها، و كلّ واحد من الضررين و إن كان حاصلا قبل البيع لكن من رغب من الشريكين في البيع كان من حقّه أن يخلص الشريك ممّا هو فيه ببيعه منه، فإذا لم يفعل، سلّطه الشرع على أخذه. فإن قلنا بالأصحّ، لم تثبت الشفعة فيما لا ينقسم، لأنّه يؤمن فيه من ضرر القسمة. و إن قلنا بالأوّل، ثبتت الشفعة فيه (1).

مسألة 708: المراد من المنقسم ما يتجزّأ

و يكون كلّ واحد من جزأيه منتفعا به من الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة دون غيره، و لا عبرة بإمكان الانتفاع به من وجوه أخر، للتفاوت العظيم بين أجناس المنافع.

و قيل: المنقسم ما لا تنقص قيمته نقصانا فاحشا، فلو كانت قيمة الدار مائة و لو قسّمت عادت قيمة كلّ نصف إلى ثلاثين، لم تقسّم، لما فيها من الضرر (2).

و قيل: إنّه الذي يبقى منتفعا به بعد القسمة بوجه ما، أمّا إذا خرج عن حدّ الانتفاع بالكلّيّة- أمّا لضيق الخطّة و قلّة النصيب، أو لأنّ أجزاءه غير منتفع بها وحدها، كشرب القنا (3)، و مصراعي الباب- فلا ينقسم (4).

مسألة 709: إذا كانت الطاحونة أو الحمّام كبيرين

يمكن إفراد حصّة

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 487.

(2) التهذيب- للبغوي- 4: 340، العزيز شرح الوجيز 5: 487، روضة الطالبين 4: 157.

(3) في «العزيز شرح الوجيز» بدل «كشرب القنا»: «كماء سراب القنا». و لعلّها:

«كأسراب القنا». و السرب: القناة الجوفاء التي يدخل منها الماء الحائط. لسان العرب 1: 466 «سرب».

(4) التهذيب- للبغوي- 4: 340، العزيز شرح الوجيز 5: 487، روضة الطالبين 4:

157- 158.

206

كلّ منهما عن صاحبه من غير تضرّر، أو كان مع البئر أرض تسلم البئر لأحدهما، أو كان في الرحى أربعة أحجار دائرة يمكن أن ينفرد كلّ منهما بحجرين، أو كان الطريق واسعا لا تبطل منفعته بالقسمة، أو كان الحمّام كثير البيوت يمكن جعله حمّامين، أو متّسع البيوت يمكن جعل كلّ بيت بيتين، أو كانت البئر واسعة يمكن أن يبنى فيها فتجعل بئرين لكلّ واحدة بياض يقف فيه المستقي و يلقي فيه ما يخرج منها، تثبت الشفعة في ذلك كلّه.

و لو كان بين اثنين دار ضيّقة لأحدهما عشرها، فإن قلنا بثبوت الشفعة فيما لا يقسم، فأيّهما باع نصيبه فلصاحبه الشفعة. و إن حكمنا بمنعها، فإن باع صاحب العشر نصيبه، لم تثبت لصاحبه الشفعة، لأنّه آمن من أن يطلب مشتريه القسمة، لانتفاء فائدته فيها، و لو طلب لم يجب إليه، لأنّه متعنّت مضيّع لماله، و إذا كان كذلك، فلا يلحقه ضرر القسمة.

فإن باع الآخر، ففي ثبوت الشفعة لصاحب العشر وجهان بناء على أنّ صاحب الأزيد هل يجاب إذا طلب القسمة، لأنّه منتفع بالقسمة؟

و الظاهر عند الشافعي أنّه يجاب (1). و نحن نقول بخلافه.

و لو كان حول البئر بياض و أمكنت القسمة بأن تجعل البئر لواحد و البياض لآخر، أو كان موضع الحجر و الرحى واحدا و له بيت ينتفع به و أمكنت القسمة بأن يجعل موضع الحجر لواحد و البيت لآخر، تثبت الشفعة- و هو أحد قولي الشافعي (2)- و هو مبنيّ على أنّه لا يشترط فيما يصير لكلّ واحد منهما أن يمكن الانتفاع به من الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة.

و لو كان لاثنين مزرعة يمكن قسمتها و بئر يستقى منها باع أحدهما

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 488، روضة الطالبين 4: 158.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 488، روضة الطالبين 4: 158.

207

نصيبه منهما، تثبت للآخر الشفعة فيهما إن انقسمت البئر، أو قلنا بثبوت الشفعة فيما لا ينقسم، و إلّا ثبتت في المزرعة.

و هل تثبت في البئر؟ الأقوى: أنّها تثبت، لأنّها تابعة، كالأشجار، و هو أحد قولي الشافعي (1).

و أصحّهما: المنع، و الفرق بين البئر و الأشجار ظاهر، فإنّ الأشجار ثابتة في محلّ الشفعة، و البئر مباينة عنه (2).

و الفرق لا يخرج البئر عن التبعيّة، و يذكر غيره (3)، كالحائط.

البحث الثاني: في الآخذ.

مسألة 710: أخذ الشفعة يشترط أن يكون شريكا في المشفوع

، فلا تثبت الشفعة بالجوار، و إنّما تثبت بالخلطة إمّا في الملك أو في طريقه أو نهره أو ساقيته، و به قال عبيد اللّه بن الحسن العنبري و سوار القاضي (4).

و وافقنا الشافعي على أنّ الشفعة لا تثبت للجار- و به قال عمر و عثمان و عمر بن عبد العزيز و سليمان بن يسار و سعيد بن المسيّب و يحيى ابن سعد الأنصاري، و من الفقهاء: ربيعة و مالك و الأوزاعي و أحمد و إسحاق و أبو ثور (5)- لما رواه العامّة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «الشفعة فيما

____________

(1) التهذيب- للبغوي- 4: 341، العزيز شرح الوجيز 5: 489، روضة الطالبين 4: 158.

(2) التهذيب- للبغوي- 4: 341، العزيز شرح الوجيز 5: 489، روضة الطالبين 4: 158.

(3) أي: أنّ الذي يذكر في البيع غير البئر.

(4) المغني 5: 461، الشرح الكبير 5: 466- 467، حلية العلماء 5: 267.

(5) المغني 5: 461، الشرح الكبير 5: 466، الوجيز 1: 215، الوسيط 4: 72، حلية العلماء 5: 266، التهذيب- للبغوي- 4: 337، العزيز شرح الوجيز 5: 489، روضة الطالبين 4: 159، بداية المجتهد 2: 256.

208

لم يقسم، فإذا وقعت الحدود و صرّفت (1) الطرق فلا شفعة» (2).

و من طريق الخاصّة: قول الباقر (عليه السلام): «إذا وقعت السهام ارتفعت الشفعة» (3).

و قال الصادق (عليه السلام): «الشفعة لا تكون إلّا لشريك» (4).

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «إذا رفّت الأرف (5) و حدّت الحدود فلا شفعة» (6).

و قال أبو حنيفة و الثوري و ابن شبرمة و ابن أبي ليلى: إنّ الشفعة تثبت بالشركة ثمّ بالشركة في الطريق ثمّ بالجوار (7).

و فصّل أبو حنيفة، فقال: يقدّم الشريك، فإن لم يكن شركة و كان الطريق مشتركا كدرب لا ينفذ، فإنّه تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب الأقرب فالأقرب، و لو لم يأخذ هؤلاء، تثبت للملاصق من درب آخر خاصّة، لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: «الجار أحقّ بسقبه (8)» (9) و قال (عليه السلام): «جار

____________

(1) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «ضربت» بدل «صرّفت». و ما أثبتناه من المصادر. انظر: الهامش التالي.

(2) صحيح البخاري 3: 114، سنن ابن ماجة 2: 835، 2499، سنن أبي داود 3:

285، 3514، سنن البيهقي 6: 102.

(3) الكافي 5: 280، 3، الفقيه 3: 46، 161، التهذيب 7: 163، 724.

(4) التهذيب 7: 164، 725.

(5) الأرفة: الحدّ و معالم الحدود بين الأرضين. الصحاح 4: 1331 «أرف».

(6) الكافي 5: 280، 4، التهذيب 7: 164، 727.

(7) حلية العلماء 5: 266، التهذيب- للبغوي- 4: 339، العزيز شرح الوجيز 5:

489، المغني 5: 461، الشرح الكبير 5: 466.

(8) السّقب: القرب. النهاية- لابن الأثير- 2: 377 «سقب».

(9) صحيح البخاري 3: 115، سنن أبي داود 3: 286، 3516، سنن الترمذي 3:

653، ذيل الحديث 1370.

209

الدار أحقّ بدار جاره أو الأرض» (1) (2).

و الحديث ممنوع، و قد طعن فيه جماعة، لأنّ الحديث الأخير رواه الحسن (3) [عن] (4) سمرة (5)، و قال أصحاب الحديث: لم يرو عنه إلّا حديثا واحدا، و هو حديث العقيقة (6) (7). و «الجار» في الحديث الأوّل يحمل على الشريك.

إذا ثبت هذا، فإنّه لا شفعة للجار، سواء كان ملاصقا أو مقابلا.

و قال أبو حنيفة: للجار الملاصق الشفعة، و للمقابل أيضا إذا لم يكن الطريق بينهما نافذا (8). و عن ابن سريج من الشافعيّة (9) تخريج كمذهب أبي حنيفة.

مسألة 711: قد بيّنّا أنّه لا تثبت الشفعة بالجوار

و لا فيما قسّم و ميّز إلّا أن يكون بينهما شركة في طريق أو نهر أو ساقية بشرط أو يبيع الدار مع الطريق، و البستان مع الشرب أو النهر، لما رواه منصور بن حازم- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن دار فيها دور و طريقهم واحد

____________

(1) سنن أبي داود 3: 286، 3517.

(2) مختصر اختلاف العلماء 4: 239، 1947، حلية العلماء 5: 267، المغني 5:

461، الشرح الكبير 5: 466.

(3) و هو: الحسن البصري. راجع المصادر في الهامش 6.

(4) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «ابن». و ذلك تصحيف.

(5) و هو: سمرة بن جندب. راجع المصادر في الهامش التالي.

(6) سنن الترمذي 4: 101، 1522، سنن البيهقي 9: 303، المستدرك- للحاكم- 4:

237، المعجم الكبير- للطبراني- 7: 242- 243، 6827- 6832، المصنّف- لابن أبي شيبة- 8: 48، 4290، و 14: 122، 18156.

(7) التمهيد 1: 37، الاستذكار 5: 19، 5686، المغني 5: 462، الشرح الكبير 5:

468.

(8) العزيز شرح الوجيز 5: 489.

(9) العزيز شرح الوجيز 5: 489.

210

في عرصة الدار فباع بعضهم منزله من رجل هل لشركائه في الطريق أن يأخذوا بالشفعة؟ فقال: «إن كان باب الدار و ما حول بابها إلى الطريق غير ذلك، فلا شفعة لهم، و إن باع الطريق مع الدار فلهم الشفعة» (1).

و عن منصور بن حازم- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: دار بين قوم اقتسموها فأخذ كلّ واحد منهم قطعة و تركوا بينهم ساحة فيها ممرّهم فجاء رجل فاشترى نصيب بعضهم، إله ذلك؟ قال: «نعم، و لكن يسدّ بابه و يفتح بابا إلى الطريق، أو ينزل من فوق البيت و يسدّ بابه، و إن أراد صاحب الطريق بيعه فإنّهم أحقّ به، و إلّا فهو طريقه يجيء يجلس على ذلك الباب» (2).

و عن منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: دار بين قوم اقتسموها و تركوا بينهم ساحة فيها ممرّهم فجاء رجل فاشترى نصيب بعضهم، إله ذلك؟ قال: «نعم، و لكن يسدّ بابه و يفتح بابا إلى الطريق أو ينزل من فوق البيت، فإن أراد شريكهم أن يبيع منقل قدميه فإنّهم أحقّ به، و إن أراد يجيء حتى يقعد على الباب المسدود الذي باعه لم يكن لهم أن يمنعوه» (3).

مسألة 712: الدار إمّا أن يكون بابها مفتوحا إلى درب نافذ

، أو غير نافذ، فإن كان الأوّل و لا شريك له في الدار، فلا شفعة فيها لأحد و لا في ممرّها، لأنّ هذا الدرب غير مملوك. و إن كان الثاني، فالدرب ملك مشترك بين سكّانه على السويّة. فإن باع نصيبه من الممرّ وحده، فللشركاء الشفعة

____________

(1) التهذيب 7: 165، 731.

(2) الكافي 5: 281، 9، التهذيب 7: 165، 732، الاستبصار 3: 117، 418.

(3) التهذيب 7: 167- 168، 743.

211

إن كان واحدا و أمكن قسمته، و إلّا فلا.

و إن باع الدار بممرّها فللشريك في الممرّ الشفعة في الدار و طريقها.

و قال الشافعي: لا شفعة له في الدار، لأنّه لا شركة [له] (1) فيها، فصار كما لو باع شقصا من عقار مشترك و عقارا غير مشترك (2).

و قال أبو حنيفة (3) كقولنا من إثبات الشفعة.

و إن أرادوا أخذ الممرّ بالشفعة، قال الشافعي: ينظر إن كان للمشتري طريق آخر إلى الدار أو أمكنه فتح باب آخر إلى شارع، فلهم ذلك على المشهور إن كان منقسما، و إلّا فعلى الخلاف في غير المنقسم.

و قال بعض الشافعيّة: إن كان في اتّخاذ الممرّ الحادث عسر أو مئونة لها وقع، وجب أن يكون ثبوت الشفعة على الخلاف الآتي (4).

و إن لم يكن له طريق آخر و لا أمكن اتّخاذه، ففيه وجوه:

أحدها: أنّهم لا يمكّنون منه، لما فيه من الإضرار بالمشتري، و الشفعة شرّعت لدفع الضرر، فلا يزال الضرر بالضرر.

و الثاني: أنّ لهم الأخذ، و المشتري هو المضرّ بنفسه حيث اشترى مثل هذه الدار.

و الثالث: أن يقال لهم: إن أخذتموه على أن تمكّنوا المشتري من المرور، فلكم الأخذ، و إلّا فلا شفعة لكم جمعا بين الحقّين (5).

و الأقرب عندي: أنّ الطريق إن كان ممّا يمكن قسمته و الشريك واحد

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «لهم». و ما أثبتناه يقتضيه السياق.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 490، روضة الطالبين 4: 159.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 490.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 490، روضة الطالبين 4: 159.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 490، روضة الطالبين 4: 159.

212

و بيع مع الدار المختصّة بالبائع صفقة، فللشريك الآخر أخذ الطريق خاصّة إن شاء، و إن شاء أخذ الجميع. و إن لم يمكن قسمته، لم يكن له أخذه خاصّة، بل إمّا أن يأخذ الجميع أو يترك.

و إذا كان في الخان بيوت مشتركة بين مالكين، فالشركة في صحنه كشركة مالكي الدارين في الدرب المنقطع. و كذا الشركة في مسيل ماء الأرض، دون الأرض.

مسألة 713: لا تثبت الشفعة في المقسوم و الجوار بغير الشركة

في الطريق و النهر و الساقية و لا إذا بيعت الدار منفردة عن الطريق، أمّا لو باعها مع الطريق ثمّ حوّل الباب، ثبتت الشفعة.

و لو كانت الشركة في الجدار أو السقف أو غير ما ذكرنا من الحقوق، فلا شفعة، عملا بالأصل.

و لو كانت المزرعة مختصّة و بئرها التي يسقى الزرع منها مشتركة حتى بيعت المزرعة و البئر، ففي ثبوت الشفعة في المزرعة بمجرّد الشركة في البئر إشكال ينشأ: من الاقتصار على مورد النصّ فيما يخالف الأصل، و لا شكّ في مخالفة الشفعة للأصل. و من أنّها مشتركة في مسقى.

و الشافعي ألحق الشركة في البئر بالشركة في الممرّ (1).

مسألة 714: يشترط في الآخذ بالشفعة الإسلام إن كان المشتري مسلما

، و إلّا فلا تثبت الشفعة للذمّيّ على المسلم، و تثبت للمسلم على الذمّي، و للذمّي على مثله، سواء تساويا في الكفر أو اختلفا و لو كان أحدهما حربيّا، ذهب إليه علماؤنا- و به قال الشعبي و أحمد و الحسن بن

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 490، روضة الطالبين 4: 159.

213

صالح بن حي (1)- لأنّه نوع سبيل، و قال اللّه تعالى وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (2).

و لما رواه العامّة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «لا شفعة لذمّيّ على مسلم» (3).

و من طريق الخاصّة: قول الصادق (عليه السلام): «ليس لليهود و النصارى شفعة» (4).

و لأنّه تملّك بغير مملّك، فأشبه الإحياء.

و قال أبو حنيفة و الشافعي و مالك و الأوزاعي و أصحاب أبي حنيفة:

تثبت للذّميّ الشفعة على المسلم، لأنّ الشفعة خيار يثبت لإزالة الضرر عن المال، فاستوى فيه المسلم و الذمّي، كالردّ بالعيب (5).

و يمنع كونها خيارا، و إنّما هو تملّك قهريّ، فلا يثبت للكافر، للآية (6).

____________

(1) المغني 5: 551، الشرح الكبير 5: 543، حلية العلماء 5: 271، العزيز شرح الوجيز 5: 490- 491.

(2) النساء: 141.

(3) لم نقف على نصّ الحديث في المصادر الحديثيّة المتوفّرة لدينا، و قد روى البيهقي في السنن الكبرى 6: 108 عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «لا شفعة للنصراني».

و في ص 109 «ليس لليهودي و النصراني شفعة». و قد أورد الحديث كما في المتن الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 454، المسألة 38 من كتاب الشفعة.

(4) الكافي 5: 281، 6، التهذيب 7: 166، 737.

(5) بدائع الصنائع 5: 16، مختصر اختلاف العلماء 4: 244، 1956، المهذّب- للشيرازي- 1: 385، حلية العلماء 5: 271، التهذيب- للبغوي- 4: 371، العزيز شرح الوجيز 5: 490، روضة الطالبين 4: 159، المدوّنة الكبرى 5: 453، المغني 5: 551، الشرح الكبير 5: 543- 544.

(6) النساء: 141.

214

مسألة 715: تثبت الشفعة للكافر على الكافر و إن اختلفا في الدين

، لعموم الأخبار السالمة عن معارضة تسلّط الكافر على المسلم، و كالردّ بالعيب.

فإن كان الثمن حلالا، تثبت (1) الشفعة.

و إن كان خمرا أو خنزيرا، فإن لم يتقابضاه و ترافعا إلى الحاكم، أبطل البيع، و سقطت الشفعة.

و إن وقع بعد التقابض و الأخذ بالشفعة، لم يردّه و لا الشفعة، و صحّ البيع و الأخذ.

و إن كان بعد التقابض و قبل الأخذ بالشفعة، لم يردّ البيع، لأنّهما تقابضا الثمن، و لم تثبت الشفعة- و به قال الشافعي (2)- لأنّ البيع وقع بثمن حرام، فلم تثبت فيه الشفعة، كما لو كان ثمنه مغصوبا.

و قال أبو حنيفة: تجب الشفعة، بناء على أصله في أنّ الخمر مال لأهل الذمّة (3). و هو غلط.

و لو بيع شقص فارتدّ الشريك، فهو على شفعته إن كانت ردّته عن غير فطرة، و كان المأخوذ منه كافرا. و إن كان عن فطرة أو كان المأخوذ منه مسلما، فلا شفعة.

قال الشافعي: إن قلنا: إنّ الردّة لا تزيل الملك، فهو على شفعته. و إن قلنا: تزيله، فلا شفعة له. فإن عاد إلى الإسلام و عاد ملكه، ففي عود

____________

(1) في «س»: «ثبتت».

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 491، روضة الطالبين 4: 159- 160، بدائع الصنائع 5: 16، المغني 5: 552، الشرح الكبير 5: 545.

(3) بدائع الصنائع 5: 16، المغني 5: 552، الشرح الكبير 5: 545، العزيز شرح الوجيز 5: 491.

215

الشفعة خلاف، و الظاهر: المنع، و إن قلنا بالوقف فمات أو قتل على الردّة، فللإمام أخذه لبيت المال، كما لو اشترى معيبا أو شرط (1) الخيار و ارتدّ و مات، للإمام ردّه. و لو ارتدّ المشتري، فالشفيع على شفعته (2).

تذنيب: و لو اشترى المرتدّ عن فطرة، فلا شفعة، لبطلان البيع، و عن غير فطرة تثبت الشفعة.

مسألة 716: هل تثبت الشفعة للوقوف على المساجد و الربط

و المدارس مثلا؟ كدار (3) يستحقّ رجل نصفها و النصف الآخر ملك المسجد اشتراه متولّي المسجد له، أو وهب منه ليصرفه في عمارته، فباع الرجل نصيبه، ففي جواز أخذ المتولّي بالشفعة نظر.

قال الشافعي: له ذلك مع المصلحة، كما لو كان لبيت المال شريك في دار فباع الشريك نصيبه، للإمام الأخذ بالشفعة (4).

و عندي فيه نظر.

و لو كان نصف الدار وقفا و الآخر طلقا فباع صاحب الطلق نصيبه، فإن أثبتنا للموقوف عليه الملك و كان واحدا، تثبت له الشفعة- على رأي- لرفع ضرر القسمة و ضرر مداخلة الشريك. و إن قلنا بعدم ملك الموقوف عليه أو كان متعدّدا و قلنا: لا شفعة مع التعدّد، فلا شفعة.

و قال الشافعي: إن قلنا: لا يملك الوقف، فلا شفعة. و إن قلنا:

يملك، فيبني على أنّ الملك هل يفرز عن الوقف؟ إن قلنا: نعم، ففي

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «بشرط».

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 491، روضة الطالبين 4: 160.

(3) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة بدل «كدار»: «كذا و». و هو تصحيف.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 491، روضة الطالبين 4: 160.

216

ثبوت الشفعة وجهان:

أحدهما: تثبت لدفع ضرر القسمة، و على هذا فلو كان الوقف على غير معيّن، أخذه المتولّي إن رأى المصلحة.

و أظهرهما: المنع، لأنّ الوقف لا يستحقّ بالشفعة، فينبغي أن لا تستحقّ به الشفعة، و لنقص الملك فيه، فإنّه لا ينفذ تصرّفه فيه، فلا يتسلّط على الأخذ.

و إن قلنا: لا يفرز الملك عن الوقف، فإن منعنا من شفعة ما لا ينقسم، فلا شفعة. و إن أثبتناه، فوجهان (1).

مسألة 717: لا يستحقّ الشريك بالمنفعة شفعة

، فلو كان الشريك لا ملك له في الرقبة بل كان يستحقّ المنافع أمّا موقّتة بالإجارة، أو مؤبّدة بالوصيّة، لم يكن له الأخذ بالشفعة.

و كذا ليس للمتواجرين إذا آجر أحدهم أخذه بالشفعة.

و تثبت الشفعة للمكاتب و إن كان من سيّده، فلو كان السيّد و المكاتب شريكين في الدار، فلكلّ منهما الشفعة على الآخر.

و المأذون له في التجارة إذا اشترى شقصا ثمّ باع الشريك نصيبه، كان له الأخذ بالشفعة، إلّا أن يمنعه السيّد أو يعفو عن الشفعة، و له العفو و إن كان مديونا معسرا و كان في الأخذ غبطة، كما أنّ له منعه من جميع الاعتياضات في المستقبل.

و لو أراد السيّد أخذه بنفسه، كان له ذلك، لأنّ أخذ العبد أخذ له في الحقيقة.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 491.

217

و للشفيع الأخذ بنفسه و بوكيله، فلا تعتبر الشركة في مباشر الأخذ، بل فيمن له الأخذ.

البحث الثالث: في المأخوذ منه.

مسألة 718: إنّما تؤخذ الشفعة من المشتري الذي تجدّد ملكه بعد ملك الآخذ

، فلو اشترى اثنان دفعة واحدة، لم يكن لأحدهما على الآخر شفعة، لعدم الأولويّة و عدم إمكان الشركة (1).

و هل يشترط لزوم البيع؟ [فيه] نظر أقربه: عدم الاشتراط، فلو باع الشقص بخيار لهما أو للبائع، تثبت (2) الشفعة، و لا يسقط خيار البائع.

و قال الشافعي: يشترط اللزوم من طرف البائع، فلا تثبت مع بقاء مدّة الخيار له.

أمّا على قول: إنّ الملك لا ينتقل إلى المشتري في مدّة الخيار:

فظاهر.

و أمّا على قول الانتقال: فلأنّ في أخذه إبطال خيار البائع، و لا سبيل للشفيع إلى الإضرار بالبائع و إبطال حقّه (3).

و عن بعض الشافعيّة احتمال ثبوت الشفعة (4).

و على ما قلناه لا يتأتّى المنع، لأنّا لا نسقط حقّ البائع من الخيار، بل يأخذ الشفيع على حدّ أخذ المشتري.

____________

(1) أي: الشركة في الشفعة.

(2) في «س»: «ثبتت».

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 492، روضة الطالبين 4: 160- 161.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 493، روضة الطالبين 4: 161.

218

و أمّا إن كان الخيار للمشتري وحده، يبنى عندهم على الأقوال في انتقال الملك، فإن قلنا: إنّ الملك لا ينتقل إلّا بانقطاع الخيار، أو قلنا: هو مراعى، تثبت الشفعة، لعدم العلم بانتقال الملك إلى المشتري، فيستحقّ فيه الشفعة عليه.

و إن قلنا: إنّه ينتقل بنفس العقد، نقل المزني عن الشافعي أنّها تثبت- و هو مذهبنا، و به قال أبو حنيفة- لأنّه قد انتقل الملك إلى المشتري، و لا حقّ فيه إلّا له، و الشفيع مسلّط عليه بعد لزوم الملك و استقراره، فقبله أولى، و إنّما ثبت له خيار الفسخ، و ذلك لا يمنع من الأخذ بالشفعة، كما لو وجد به عيبا يثبت (1) له الخيار، و كان للشفيع أخذه.

و نقل الربيع عن الشافعي أيضا أنّه لا شفعة- و به قال مالك و أحمد- لأنّ المشتري لم يرض بالتزام العقد، و في أخذ الشفيع الشقص التزام له و إيجاب للعهدة عليه، فلم يكن له ذلك، كما لو كان الخيار للبائع، بخلاف الردّ بالعيب، لأنّه إنّما يثبت (2) له الردّ لأجل الظلامة، و ذلك يزول بأخذ الشفيع.

و نقل الجويني في المسألة طريقين:

إحداهما: ثبوت القولين هكذا، لكن كلاهما مخرّج (3) من أنّ المشتري إذا اطّلع على عيب بالشقص و أراد ردّه و أراد الشفيع أخذه بالشفعة، فعلى قول للشفيع قطع خيار المشتري في الصورتين. و على قول لا يمكّن منه.

____________

(1) في «س، ي»: «ثبت».

(2) في «س»: «ثبت».

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «مخرّجان». و الظاهر ما أثبتناه.

219

و الثاني: القطع بأنّه لا يأخذه إلى أن يلزم العقد. و الفرق بين الردّ بالعيب و بينه أنّ الأخذ بالشفعة يفتقر إلى استقرار العقد و تمامه (1).

و نقل بعض الشافعيّة فيما إذا قلنا: إنّه بعد للبائع أو موقوف وجها أنّ للشفيع أخذ الشقص، لانقطاع سلطنة البائع بلزوم العقد من جهته (2).

و الأصحّ عندهم: المنع، لأنّ ملك البائع غير زائل على تقدير أنّ الملك للبائع [و] (3) غير معلوم الزوال على تقدير الوقف. و على الأوّل إذا أخذه الشفيع تبيّنّا أنّ المشتري ملك قبل أخذه، و انقطع الخيار (4).

مسألة 719: لو باع أحد الشريكين حصّته بشرط الخيار ثمّ باع الثاني نصيبه

بغير خيار في زمن خيار الأوّل و قلنا: إنّ الشفعة لا تثبت مع الخيار- كما هو مذهب الشافعي (5)- فلا شفعة في المبيع أوّلا للبائع الثاني، سواء علم به أو لا، لزوال ملكه، و لا للمشتري منه و إن تقدّم ملكه على ملك المشتري الأوّل إذا قلنا: إنّه لا يملك في زمن الخيار، لأنّ سبب الشفعة البيع، و هو سابق على ملكه.

و أمّا الشفعة في المبيع ثانيا فموقوفة إن توقّفنا في الملك على الإجازة أو الفسخ، و للبائع الأوّل إن أبقينا الملك له، و للمشتري منه إن أثبتنا الملك له.

و لو فسخ البيع قبل العلم بالشفعة، بطلت شفعته إن قلنا: إنّ خيار الفسخ يرفع العقد من أصله. و إن قلنا: يرفعه من حين وقوع الفسخ، فهو

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 493، المغني 5: 471، الشرح الكبير 5: 534.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 493.

(3) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر لأجل السياق.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 493.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 493، روضة الطالبين 4: 160.

220

كما لو باع ملكه قبل العلم بالشفعة. و إن أخذه بالشفعة ثمّ فسخ البيع، فالحكم في الشفعة كالحكم في الزوائد الحادثة في زمن الخيار.

مسألة 720: إذا اشترى شقصا فوجد به عيبا

، فإن كان المشتري و الشفيع معا عالمين به، لم يكن للشفيع ردّه لو أخذه من المشتري، و لم يكن للمشتري ردّه لو لم يكن الشفيع أخذه، بل يثبت (1) للمشتري الأرش.

و لو لم يعلما معا بالعيب، كان للشفيع ردّه على المشتري، و للمشتري ردّه على البائع.

و إن علم به المشتري خاصّة دون الشفيع، كان للشفيع ردّه بالعيب على المشتري، و لم يكن للمشتري ردّه على البائع.

و إن كان الشفيع عالما به دون المشتري، لم يكن للشفيع ردّه على المشتري، و يثبت للمشتري الأرش.

و قال بعض الشافعيّة: إنّه استدرك ظلامته، فلم يكن له الرجوع بالأرش (2).

و قال بعضهم: إنّه لم ييأس من الردّ (3).

فإن رجع إلى المشتري ببيع أو إرث أو غير ذلك، فهل له ردّه؟ مبنيّ على التعليلين، إن قلنا: إنّه لا يرجع، لأنّه استدرك ظلامته، لم يكن له ردّه.

و إن قلنا بالآخر، فله ردّه.

____________

(1) في «س، ي»: «ثبت».

(2) لم نعثر عليه في مظانّه.

(3) لم نعثر عليه في مظانّه.

221

و إذا لم يكن المشتري عالما بالعيب و أراد (1) ردّه و أراد الشفيع أخذه و رضي بكونه معيبا، فللشافعي قولان:

أحدهما: أنّ الشفيع أولى بالإجابة، لأنّه حقّ سابق على حقّ المشتري، فإنّه ثابت بالبيع. و لأنّ الغرض للمشتري استدراك الظلامة و الوصول إلى الثمن، و هذا الغرض يحصل بأخذ الشفيع، و لأنّا لو قدّمنا المشتري، بطل حقّ الشفيع بالكلّيّة، و لو قدّمنا الشفيع، حصل للمشتري مثل الثمن أو قيمته.

و هذا أقوى عندي و هو قول أكثرهم.

و الثاني: أنّ المشتري أولى، لأنّ الشفيع إنّما يأخذ إذا استقرّ العقد و سلم عن الردّ. و لأنّه قد يريد استرداد عين ماله و دفع عهدة الشقص عنه (2).

مسألة 721: لو ردّه المشتري بالعيب قبل علم الشفيع و مطالبته ثمّ علم و جاء يطلب الشفعة

، فإن قلنا: إنّ المشتري أولى عند اجتماعهما- كما هو أحد قولي الشافعي (3)- فلا يجاب الشفيع.

و إن قلنا: الشفيع أولى، فللشافعي وجهان:

أظهرهما: أنّه يجاب و يفسخ الردّ، أو نقول: تبيّنّا أنّ الردّ كان باطلا.

و هو الأقوى عندي.

و الثاني: لا يجاب، لتقدّم الردّ (4).

و هذا الخلاف في أنّ الشفيع أولى أو المشتري جار فيما إذا اشترى

____________

(1) في «س، ي»: «فأراد».

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 494، روضة الطالبين 4: 161.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 494، روضة الطالبين 4: 161.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 494، روضة الطالبين 4: 161- 162.

222

شقصا بعبد ثمّ وجد البائع بالعبد عيبا فأراد ردّه و استرداد الشقص، و أراد الشفيع أخذه بالشفعة، و سيأتي (1)، و فيما إذا اشترى شقصا بعبد و قبض الشقص قبل تسليم العبد، فتلف العبد في يده، تبطل شفعة الشفيع في وجه، و يتمكّن من الأخذ في الثاني (2)، كما لو تلف بعد أخذ الشفيع، فإنّ الشفعة لا تبطل، بل على الشفيع قيمة العبد للمشتري، و على المشتري قيمة الشقص للبائع.

و لو كان الثمن معيّنا و تلف قبل القبض، بطل البيع و الشفعة.

مسألة 722: لا تثبت الشفعة في عقد غير البيع

، سواء كان عقد معاوضة كالهبة المعوّض عنها، و الإجارة و النكاح و غيرها من جميع العقود عند علمائنا أجمع، فلو تزوّج امرأة و أصدقها شقصا، لم تثبت الشفعة عند علمائنا- و به قال أبو حنيفة (3)- للأصل الدالّ على أصالة عصمة مال الغير، و أنّه لا يحلّ أخذه منه إلّا عن طيبة نفس، خرج ما اتّفقنا على إثبات الشفعة فيه، للنصوص، فيبقى الباقي على أصله.

و ما رواه- في الصحيح (4)- أبو بصير عن الباقر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة على بيت في دار له و في تلك الدار شركاء، قال: «جائز له و لها، و لا شفعة لأحد من الشركاء عليها» (5).

____________

(1) في ص 277، المسألة 754.

(2) أي: في الوجه الثاني.

(3) بدائع الصنائع 5: 10- 11، مختصر اختلاف العلماء 4: 244، 1954، الحاوي الكبير 7: 249، بداية المجتهد 2: 259، العزيز شرح الوجيز 5: 497، المغني 5: 469، الشرح الكبير 5: 464- 465.

(4) جملة «في الصحيح» لم ترد في «س، ي».

(5) الفقيه 3: 47، 165، التهذيب 7: 167، 742.

223

و قول الصادق (عليه السلام): «الشفعة في البيوع» (1).

و لأنّ البضع ليس بمال، و إذا ملك الشقص بغير مال، لا تثبت فيه الشفعة، كالهبة.

و قال الشافعي و مالك: تثبت الشفعة (2). ثمّ اختلفا، فقال الشافعي:

يأخذه الشفيع بمهر مثل الزوجة (3).

و قال مالك: بقيمة الشقص، لأنّه عقد معاوضة، فجاز أن تثبت الشفعة في الأرض المملوكة به، كالبيع (4) (5).

و يمنع صلاحيّة عقد المعاوضة للعلّيّة، بل العلّة عقد خاصّ، و هو البيع.

قال مالك: و لو أوجبنا مهر المثل، لقوّمنا البضع على الأجانب، و لأضررنا (6) بالشفيع، لأنّه قد يتفاوت مهر المثل مع المسمّى، لأنّ المهر قد يسامح فيه في العادة، بخلاف البيع (7) (8).

____________

(1) الكافي 5: 281، 5، التهذيب 7: 164، 728.

(2) حلية العلماء 5: 384، الحاوي الكبير 7: 249، العزيز شرح الوجيز 5: 497، روضة الطالبين 4: 162، المنتقى- للباجي- 6: 207، المغني 5: 469، الشرح الكبير 5: 465.

(3) المهذّب- للشيرازي- 1: 386، الحاوي الكبير 7: 250، مختصر اختلاف العلماء 4: 244، 1954، المغني 5: 469، المنتقى- للباجي- 6: 208.

(4) في الطبعة الحجريّة: «كالمبيع».

(5) المنتقى- للباجي- 6: 208، الحاوي الكبير 7: 250، مختصر اختلاف العلماء 4: 244، 1954.

(6) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة بدل «لأضررنا»: «لأضربنا». و الصحيح ما أثبتناه من المصدر.

(7) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة بدل «البيع»: «البضع». و ما أثبتناه من المصدر.

(8) انظر: المغني 5: 469، و الشرح الكبير 5: 465.

224

قالت الشافعيّة: إنّ المرأة ملكت الشقص القابل للشفعة ببدل ليس له مثل، فوجب الرجوع إلى قيمته في الأخذ بالشفعة، كما لو باع سلعة لا مثل لها (1).

و لا يمتنع تقويم البضع على الأجنبيّ بسبب، كما نقوّمه (2) على المرضعة و شاهدي الطلاق إذا رجعا. و المسامحة لا اعتبار بها، و الظاهر أنّ العوض يكون عوض المثل.

مسألة 723: إذا أصدقها شقصا ثمّ طلّقها قبل الدخول

، فلا شفعة عندنا.

و قال الشافعي: تثبت الشفعة (3).

فعلى قوله لا يخلو إمّا أن يكون قد طلّقها بعد ما أخذ الشفيع الشقص أو بعد عفوه قبل علمه.

فإن طلّقها بعد ما أخذ، رجع الزوج إلى قيمة الصداق، لزوال ملكها عن الصداق، كما لو باعته ثمّ طلّقها، و يكون له قيمة نصف الصداق أقلّ ما كان من حين العقد إلى حين القبض.

و إن طلّقها بعد عفو الشفيع، رجع في نصف الشقص، لأنّ حقّ الشفيع قد سقط، و الشقص في يدها نصفه، و تعلّق حقّ الشفيع قبل سقوطه لا يمنع من الرجوع بعد سقوطه، ألا ترى أنّه لو باعته ثمّ اشترته ثمّ طلّقها الزوج، فإنّه يرجع في نصفه.

____________

(1) انظر: المغني 5: 469.

(2) في «ي»: «يقوّم» بدل «نقوّمه».

(3) مختصر المزني: 120، الحاوي الكبير 7: 251، العزيز شرح الوجيز 5: 494، روضة الطالبين 4: 162.

225

و إن طلّقها قبل أن يعلم الشفيع ثمّ علم و جاء يريد أخذه بالشفعة، فله أخذ نصفه.

و أمّا النصف الآخر فهل الزوج أولى به أو الشفيع؟ وجهان للشافعيّة:

أحدهما: أنّ الشفيع أولى، لأنّ حقّه أسبق، فإنّ حقّ الزوج ثبت بالطلاق.

و الثاني: الزوج أولى، لأنّ حقّه ثبت بالنصّ.

و الأوّل أصحّ عندهم، لأنّ حقّ الشفعة في الجملة ثبت أيضا بالإجماع، كما أنّ حقّ الزوج ثبت بالنصّ في الجملة (1).

و هذا عندنا ساقط، إذ لا شفعة هنا.

مسألة 724: لو اشترى شقصا و أفلس بالثمن و أراد البائع الرجوع في الشقص

و طلبه الشفيع، فالأقوى عندي: تقديم حقّ الشفيع، و يؤخذ منه الثمن و يدفع إلى البائع، لأنّ حقّه ثبت بالعقد، و حقّ البائع ثبت بالإفلاس، و العقد أسبق، و أسبق الحقّين أولى بالرعاية. و لأنّ منع الشفيع يقتضي إبطال حقّه بالكلّيّة، و إذا قدّمناه، لا يبطل حقّ البائع، بل ينتقل إلى البدل. و لأنّ حقّ الشفيع أقوى من حقّ البائع، فإنّ الشفيع يبطل تصرّف المشتري و يأخذ الشقص، و البائع لا يبطل تصرّف المشتري عند إفلاسه، و هذا وجه للشافعي (2).

و له وجهان آخران:

أحدهما: تقديم حقّ البائع، لاستناد حقّه إلى ملك سابق. و لأنّ البائع

____________

(1) الحاوي الكبير 7: 252، العزيز شرح الوجيز 5: 495، روضة الطالبين 4:

162.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 495، روضة الطالبين 4: 162.

226

لم يرض بزوال الشقص إلّا على أن يسلم له الثمن، فإذا لم يسلم، وجب أن لا يؤخذ منه.

و الآخر: الشفيع أولى، و يكون الثمن أسوة الغرماء، لأنّ حقّ البائع إذا انتقل عن العين إلى الذمّة، التحق بسائر الغرماء.

و قيل: يقدّم البائع بالثمن رعاية للجانبين.

و الثالث (1): إن كان البائع سلّم الشقص ثمّ أفلس المشتري، لم يكن أولى بالثمن، لرضاه بذمّة المشتري. و إن لم يسلّمه، فهو أولى بالثمن (2).

و هذا الخلاف بين الشافعيّة ثابت في الزوج إذا طلّق قبل الدخول أو ارتدّ و المهر الشقص (3).

و قال بعض الشافعيّة: إنّ الشفيع أولى من الزوج، و البائع أولى من الشفيع في الإفلاس، لأنّ الثابت للزوج بالطلاق الملك، و الشفيع يثبت له ولاية التملّك، لكنّ الشفيع أسبق حقّا، فهو أولى بالتقديم (4).

هذا إن اجتمع الشفيع مع الزوج أو البائع، أمّا لو أخذ الشفيع الشقص من يد الزوجة ثمّ طلّق الزوج، أو من يد المشتري ثمّ أفلس، فلا رجوع للزوج و للبائع بحال، لكنّ البائع يرجع إلى الثمن، و الزوج إلى القيمة في مالها، كما لو زال الملك ببيع و شبهه.

و لو طلّقها قبل علم الشفيع و أخذ النصف، فلا شفعة عندنا.

و قال الشافعي: إذا جاء الشفيع، ففي استرداده ما أخذ الزوج وجهان،

____________

(1) أي الوجه الثالث للشافعيّة أيضا.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 495، روضة الطالبين 4: 162.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 495، روضة الطالبين 4: 162.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 495.

227

كما إذا جاء بعد الردّ بالعيب (1).

و حكى الجويني طريقة قاطعة بالمنع، لأنّ المهر يشطر بالطلاق من غير اختيار، فيبعد نقضه. فإن قلنا: يستردّه، أخذه و ما بقي في يدها، و إلّا أخذ ما في يدها، و دفع إليها نصف مهر المثل (2).

و لو كان للشقص الممهور شفيعان و طلبا و أخذ أحدهما نصفه و طلّقها قبل أن يأخذ الآخر، لم يأخذ الزوج النصف الحاصل في يد الشفيع.

و هل هو أولى في النصف الآخر أم الشفيع؟ فيه ما سبق من الخلاف.

و يجري فيما إذا أخذ أحد الشفيعين من يد المشتري ثمّ أفلس، فإن قلنا: الشفيع أولى، ضارب البائع مع الغرماء بالثمن.

و إن قلنا: البائع أولى، فإن شاء أخذ النصف الثاني و ضارب مع الغرماء بنصف الثمن، و إلّا تركه و ضارب بجميع الثمن.

مسألة 725: قد بيّنّا أنّ الشفعة إنّما تثبت بالبيع خاصّة.

و قال الشافعي: تثبت بكلّ عقد معاوضة (3).

و وافقنا (4) على ما إذا ملك من غير معاوضة، فلا شفعة عليه، كالإرث و الهبة و الوصيّة.

أمّا الإرث: فلأنّ الوارث يملك بغير اختياره، بخلاف المشتري المالك باختياره، فإنّه بدخوله على الشريك سلّط الشريك عليه دفعا للتضرّر به، و قد كان من حقّه أن لا يدخل عليه.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 496، روضة الطالبين 4: 163.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 496، روضة الطالبين 4: 163.

(3) حلية العلماء 5: 270، العزيز شرح الوجيز 5: 496، روضة الطالبين 4:

163.

(4) حلية العلماء 5: 270، العزيز شرح الوجيز 5: 496، روضة الطالبين 4:

163.

228

و أمّا الهبة و الوصيّة: فلأنّ المتّهب و الموصى له تقلّدا المنّة من الواهب و الموصي حيث قبلا تبرّعهما، و لو أخذ الشفيع، لأخذ عن استحقاق و تسلّط، فلا يكون متقلّدا للمنّة، و وضع الشفعة على أن يأخذ الشفيع بما أخذ به المتملّك.

أمّا لو شرط في الهبة الثواب أو قلنا: إنّها تقتضي الثواب مع الإطلاق، فلا شفعة فيها أيضا عندنا.

و قال الشافعي: إن كان العوض معلوما، صحّت الهبة، و كانت بيعا، و تثبت فيه الشفعة، سواء تقابضا أو لم يتقابضا- و به قال زفر- لأنّه ملك بعوض، فلم يفتقر إلى التقابض، كالبيع (1).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: لا تثبت حتى يتقابضا، لأنّ الهبة لا تلزم إلّا بالقبض، فهو بمنزلة بيع الخيار (2).

و أجاب الشافعيّة بأنّه لا يصحّ ما قالوه من اعتبار لفظ الهبة، لأنّ العوض يصرفها عن مقتضاها، و تصير عبارة عن البيع، و خاصّة عندهم ينعقد بها النكاح، و لا يفتقر النكاح إلى القبض (3).

فأمّا إذا كانت بغير شرط العوض، فكذلك مبنيّ على القولين في اقتضائها الثواب.

و كلّ موضع قلنا: تقتضي الثواب تثبت الشفعة فيها بمثل الثواب إن كان مثليّا، و إلّا القيمة. و كلّ موضع قلنا: لا تقتضيه، لم تثبت الشفعة و لو

____________

(1) المغني 5: 468، الشرح الكبير 5: 464، مختصر اختلاف العلماء 4:

245، 1958، بدائع الصنائع 5: 11.

(2) بدائع الصنائع 5: 11، مختصر اختلاف العلماء 4: 245، 1958، المغني 5:

468، الشرح الكبير 5: 464.

(3) انظر: المغني 5: 468- 469، و الشرح الكبير 5: 464.

229

أثابه الموهوب له.

و قال ابن أبي ليلى: تثبت الشفعة فيها بقيمة الشقص- و هو إحدى الروايتين عن مالك- لأنّ الشفعة تثبت لإزالة الضرر بالاشتراك، و ذلك موجود في الهبة (1).

قالت الشافعيّة: إنّه يملكها بغير بدل، فأشبه الميراث (2). و أمّا الضرر فلا يزال بضرر، و في أخذ الهبة ضرر، لأنّه لا عوض فيها، و إذا أخذها بغير عوض، أبطل غرض (3) الواهب و المتّهب معا.

و عن الشافعي قول آخر: إنّه إذا شرط الثواب، أو قلنا: إنّها تقتضيه، لا يؤخذ- كمذهبنا- لأنّه ليس المقصود منه المعاوضة.

و على قول الأخذ ففي أخذه قبل قبض الموهوب وجهان:

أظهرهما: الأخذ، لأنّه صار بيعا.

و الثاني: لا، لأنّ الهبة لا تتمّ إلّا بالقبض، و هذا هو الخلاف في أنّ الاعتبار باللفظ أم بالمعنى؟ (4)

مسألة 726: لو كان بين اثنين دار

، فادّعى أجنبيّ ما في يد أحدهما، فصالحه المتشبّث عليه، فلا شفعة عندنا، لأنّها تتبع البيع، و الصلح عقد مستقلّ بنفسه مغاير للبيع.

و قال الشافعي: إن صالحه بعد إقراره له به، صحّ الصلح، و تثبت

____________

(1) المغني 5: 468، الشرح الكبير 5: 463.

(2) المهذّب- للشيرازي- 1: 384، و انظر: المغني 5: 468، و الشرح الكبير 5:

463.

(3) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «عوض» بدل «غرض». و الظاهر ما أثبتناه.

(4) التهذيب- للبغوي- 4: 344، العزيز شرح الوجيز 5: 497، روضة الطالبين 4:

163.

230

الشفعة للشريك، لأنّ الصلح عنده بيع. و إن (1) أنكره و صالح، لم يصحّ الصلح عنده بناء على مذهبه من أنّ الصلح لا يصحّ عن الإنكار (2).

و كذا لو ادّعى رجل على أحد الشريكين في الدار ألفا، فصالحه منها على نصف الدار الذي له، فلا شفعة عندنا.

و قال الشافعي: إن كان مع الإقرار بالألف، صحّ الصلح، و كان للشفيع أخذه بالألف. و إن كان الصلح مع الإنكار، لم يصحّ الصلح، و لم تجب الشفعة (3).

مسألة 727: لو اشترى شقصا فعفا الشريك عن الشفعة ثمّ تقايلا

، لم تثبت الشفعة بالإقالة عندنا على ما تقدّم (4) من أنّ الشفعة تتبع البيع، و أنّ الإقالة ليست بيعا.

و قال الشافعي: إن قلنا: إنّ الإقالة فسخ لا بيع، فلا شفعة، كما لا يأخذ بالردّ بالعيب، لأنّ الفسوخ و إن اشتملت على ترادّ العوضين فلا تعطى أحكام المعاوضات، أ لا ترى أنّه يتعيّن فيها العوض الأوّل. و إن قلنا: إنّها بيع، فله الشفعة و أخذه من البائع (5).

و قال أبو حنيفة: تثبت الشفعة بالإقالة، و بالردّ بالعيب بالتراضي (6)، لأنّه نقل الملك بالتراضي، فأشبه البيع (7).

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «فإن» بدل «و إن».

(2) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 449- 450، المسألة 30.

(3) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 450، المسألة 31.

(4) في ص 222، المسألة 722، و في ص 117، المسألة 627.

(5) حلية العلماء 5: 295، العزيز شرح الوجيز 5: 497، روضة الطالبين 4: 163.

(6) في «س» و الطبعة الحجريّة: «و بالتراضي».

(7) حلية العلماء 5: 295، العزيز شرح الوجيز 5: 498، المغني 5: 470، الشرح الكبير 5: 465.

231

و لو تقايلا قبل علم الشريك بالبيع، كان له الأخذ بالشفعة و فسخ الإقالة، لسبق حقّه على الإقالة.

و قال الشافعي: إن قلنا: إنّ الإقالة بيع، فالشفيع بالخيار [بين] (1) أن يأخذ بها و بين أن يبطلها حتى يعود الشقص إلى المشتري، فيأخذ منه. و إن جعلناها فسخا، فهو كطلب الشفعة بعد الردّ بالعيب (2).

أمّا لو باع المشتري، فللشريك هنا الخيار بين الأخذ من الأوّل و فسخ البيع الثاني، و بين الأخذ من الثاني.

مسألة 728: لو جعل الشقص اجرة في إجارة، أو جعلا في جعالة

، أو أصدقها شقصا أو متّعها به أو خالعها على شقص، أو صالح عليه عن (3) مال أو دم أو جراحة عن إقرار أو (4) إنكار أو جعله المكاتب عوض نجومه، لم تثبت الشفعة في شيء من ذلك عندنا، بل إنّما تثبت الشفعة في الشراء لا غير، و به قال أبو حنيفة، و هو رواية عن أحمد (5)، و قد تقدّم (6) بيانه.

و لو أقرضه شقصا، صحّ القرض، و به قال الشافعي (7).

و ليس للشفيع أخذه بالشفعة عندنا.

و قال الشافعي: له الأخذ (8).

____________

(1) ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 497، روضة الطالبين 4: 163.

(3) في الطبعة الحجريّة: «من» بدل «عن».

(4) في «س، ي»: «و» بدل «أو».

(5) بدائع الصنائع 5: 10- 11، مختصر اختلاف العلماء 4: 244، 1954، حلية العلماء 5: 270، التهذيب- للبغوي- 4: 343، العزيز شرح الوجيز 5: 497، بداية المجتهد 2: 259، المغني 5: 469، الشرح الكبير 5: 464- 465.

(6) في ص 222، المسألة 722.

(7) العزيز شرح الوجيز 5: 497، روضة الطالبين 4: 163- 164.

(8) العزيز شرح الوجيز 5: 497، روضة الطالبين 4: 164.

232

و الجعالة لا تثبت بها الشفعة، كما قلنا.

و عند الشافعي تثبت بعد العمل، لأنّ الملك حينئذ يحصل للعامل (1).

أمّا لو اشترى بالشقص شيئا أو جعله رأس مال السّلم، فالأقرب:

ثبوت الشفعة، لصدق البائع على المشتري.

و لو بذل المكاتب شقصا عوضا عن بعض النجوم ثمّ عجز و رقّ، فلا شفعة عندنا.

و أمّا عند الشافعي ففي بطلان الشفعة وجهان ينظر في أحدهما إلى أنّه كان عوضا أو لا، و في الثاني إلى خروجه أخيرا عن العوضيّة، و هذا أظهر عندهم (2).

و يشبه هذا الخلاف خلافهم فيما إذا كان الثمن عينا و تلف قبل القبض (3).

و لو قال لمستولدته: إن خدمت أولادي شهرا، فلك هذا الشقص، فخدمتهم، استحقّت الشقص عند الشافعي. و في ثبوت الشفعة وجهان:

أحدهما: تثبت، لأنّها ملكته بالخدمة، فكان كالمملوك بالإجارة و سائر المعاوضات.

و أظهرهما: المنع، لأنّه وصيّة معتبرة من الثلث كسائر الوصايا، و ذكر الخدمة شرط داخل على الوصيّة (4).

مسألة 729: لوليّ الصبي و المجنون أن يأخذ لهما بالشفعة ما بيع في شركتهما

مع الغبطة لهما، عند علمائنا أجمع- و به قال الشافعي

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 497، روضة الطالبين 4: 164.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 497، روضة الطالبين 4: 164.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 497.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 498، روضة الطالبين 4: 164.

233

و أبو حنيفة (1)- لأنّه خيار جعل لإزالة الضرر عن المال، فملكه الوليّ في حقّ الصبي و المجنون، كخيار الردّ بالعيب. و للعمومات الدالّة على ثبوت الشفعة للشريك، فيدخلان فيه، و كلّ حقّ هو لهما فإنّما يتولّاه الوليّ.

و لما رواه الخاصّة عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

وصيّ اليتيم بمنزلة أبيه يأخذ له الشفعة إذا كان [له] (2) رغبة فيه» (3).

و قال ابن أبي ليلى: لا شفعة فيه، لأنّ الوليّ لا يثبت له الأخذ بالشفعة، لأنّه لا يملك العفو، و من لا يملك العفو لا يملك الأخذ، و لا يمكن الانتظار بها، لأنّ في ذلك إضرارا بالمشتري، فبطلت (4).

و قال الأوزاعي: تثبت الشفعة، و ليس للوليّ أن يأخذ بها، و يتأخّر ذلك إلى زوال الحجر عن مستحقّها، لأنّ خيار القصاص ثبت للصبي و لا يستوفيه الوليّ، كذلك الشفعة (5).

و الجواب: لا نسلّم أنّه ليس له العفو، بل له ذلك مع المصلحة.

سلّمنا، لكنّ العفو إسقاط حقّه، و الأخذ استيفاء حقّه، و هذا فرق، كما يملك قبض حقوقه و لا يملك إسقاط شيء منها.

و خيار القصاص ثابت للوليّ مع المصلحة.

سلّمنا، لكنّ القصد التشفّي، و ذلك لا تدخله النيابة، و الغرض

____________

(1) الحاوي الكبير 7: 276، المهذّب- للشيرازي- 1: 336، الوسيط 4: 377، التهذيب- للبغوي- 4: 369، العزيز شرح الوجيز 5: 81، روضة الطالبين 3: 424، بدائع الصنائع 5: 16، مختصر اختلاف العلماء 4: 244، 1955، فتاوى قاضى خان (بهامش الفتاوى الهنديّة) 3: 536، المغني 5: 496، الشرح الكبير 5: 486- 487.

(2) ما بين المعقوفين من المصدر.

(3) الكافي 5: 281، 6، التهذيب 7: 166، 737.

(4) الحاوي الكبير 7: 276، مختصر اختلاف العلماء 4: 244، 1955، المغني 5:

495، الشرح الكبير 5: 485.

(5) المغني 5: 495 و 496، الشرح الكبير 5: 487.

234

بالشفعة إزالة الضرر عن المال، و هو ممّا تدخله (1) النيابة.

مسألة 730: إنّما يأخذ الوليّ لهما إذا كان الأخذ مصلحة

بأن يكون قد بيع بأقلّ من ثمن مثله، أو تزيد قيمة الملك بأخذه، أو يكون له مال يحتاج أن يشترى به العقار، فيأخذه بثمن المثل.

و إن كان الحظّ في الأخذ فترك، لم يصحّ الترك، و لم تسقط الشفعة، و كان للصبي و المجنون بعد الكمال أخذ الشقص- و به قال محمد و زفر (2)- لأنّه إسقاط حقّ للمولّى عليه، لا حظّ له في إسقاطه، فلم يسقط، كالإبراء و إسقاط خيار الردّ بالعيب.

و قال أبو حنيفة: إذا عفا، سقطت، لأنّ من ملك الأخذ ملك العفو، كالمالك (3).

و الفرق: أنّ المالك يملك الإبراء و التبرّع، بخلاف الوليّ، فبطل القياس.

و إن كان الحظّ في الترك- بأن يكون قد اشترى بأكثر من ثمن المثل أو لم يكن للصبي مال يشتري به فاستقرض له و رهن ماله و أخذ الشقص- لم يصحّ أخذه، فإن أخذه، لم يصحّ، و لم يملكه الصبي بهذا الأخذ، بل يكون باقيا على ملك المشتري، و لا يقع للوليّ.

و كذا لو اشترى بأكثر من ثمن المثل، لم يصحّ، و لا يقع له إن سمّى الشراء للطفل. و لو أطلق، وقع له، بخلاف الأخذ بالشفعة، لأنّ الشفعة تؤخذ بحقّ الشركة، و ذلك مختصّ بالصبي، و لهذا لو أراد الوليّ الأخذ لنفسه، لم يصحّ، بخلاف الشراء.

____________

(1) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «يدخل» بدل «تدخله». و الصحيح ما أثبتناه.

(2) المغني 5: 495، الشرح الكبير 5: 486.

(3) المغني 5: 496، الشرح الكبير 5: 486.

235

و في النكاح لو تزوّج لغيره بغير إذنه، لم يقع للعاقد، لأنّه يفتقر إلى ذكر الزوجين، بخلاف البيع، لأنّ عقد النكاح اختصّ بالمعقود له، و الشراء لا يحتاج إلى ذكر المشتري له.

مسألة 731: العفو كالترك ليس للوليّ العفو عن الشفعة

مع الحظّ بالأخذ و لا تركها كما بيّنّا.

و لو كان الحظّ في الترك فترك، سقطت الشفعة، و إذا زال الحجر عن المحجور عليه، لم يكن له المطالبة بها- و به قال الشافعي (1)- لأنّ الوليّ يتبع الحظّ و المصلحة للمولّى عليه، فله الأخذ إذا كان فيه حظّ، فإذا كان الحظّ في العفو، وجب أن يصحّ، كما يصحّ الأخذ، و لهذا يصحّ من الوليّ الردّ بالعيب، و إذا بلغ، لم يكن له الاعتراض، كذا هنا.

و قال بعض (2) الشافعيّة: ليس للوليّ أن يعفو، و إنّما يترك الأخذ إذا لم يكن حظّا، فإذا زال الحجر، كان المحجور عليه بالخيار. و جعله قولا ثانيا للشافعي- و به قال زفر و محمد بن الحسن الشيباني (3)- لأنّ المستحقّ للشفعة له أخذها، سواء كان له فيها حظّ أو لم يكن، و إنّما يعتبر الحظّ في حقّ المولّى [عليه] (4)، و إذا زال عنه الحجر، كان له الأخذ.

مسألة 732: لو باع الوصي أو الوليّ شقصا للطفل و طفل آخر- هو وليّه أيضا- شريك

، كان له الأخذ بالشفعة للآخر، لأنّ الأوّل قد يحتاج إلى البيع، و الثاني إلى الأخذ.

و لو كان الوليّ هو الشريك، فالأقرب: أنّ له الأخذ، لأنّه حقّ ثبت له على المشتري بعد تمام العقد و انقطاع ملك الطفل، و هو أحد وجهي

____________

(1) حلية العلماء 5: 313.

(2) حلية العلماء 5: 313.

(3) انظر: بدائع الصنائع 5: 16، و حلية العلماء 5: 312.

(4) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.

236

الشافعيّة. و الثاني- و هو الأصحّ عندهم-: أنّه ليس له أخذه بالشفعة، لأنّه لو مكّن منه، لم يؤمن أن يترك النظر و الاستقصاء للصبي، و يسامح في البيع ليأخذ بالشفعة بالثمن البخس، كما أنّه لا يمكّن من بيع ماله من نفسه (1).

و لو رفع ذلك إلى الحاكم فباعه، أخذه الوصيّ، لزوال التهمة.

و لو كان البائع الأب أو الجدّ له، جاز له الأخذ- و به قال الشافعي (2)- لأنّه يجوز أن يبيع من نفسه. و لأنّ ولايتهما أقوى، و كذا شفقتهما.

و لو اشترى شقصا للطفل و هو شريك في العقار، فله الأخذ بالشفعة، لثبوت السبب السالم عن معارضة التهمة، إذ لا يزيد في الثمن ليأخذ به، و هو أحد قولي الشافعي.

و في الثاني: أنّه ليس له الأخذ، لأنّه يلزم الصبي العهدة و لا منفعة له فيه (3).

و ليس بجيّد، لأنّ له أن يشتري للصبي و أن يشتري منه.

و لو وكّل الشريك شريكه في البيع فباع، فله الأخذ بالشفعة- و هو أحد قولي الشافعيّة، و قال بعضهم: إنّه قول الأكثر (4)- لأنّ الموكّل ناظر لنفسه، يعترض و يستدرك إن وقف على تقصير الوكيل، و الصبي عاجز عن ذلك، فيصان حقّه عن الضياع.

و قال بعضهم: ليس له الأخذ، للتهمة (5).

و لو وكّل إنسان أحد الشريكين ليشتري الشقص من الآخر، فاشتراه، فله الأخذ.

و هنا إشكال، و هو إن رضي الشريك بالبيع، تبطل شفعته، و في هذه الصور كيف تتحقّق الشفعة مع قصد البيع و رضاه حيث كان وكيلا باختياره!؟

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 499، روضة الطالبين 4: 164.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 499، روضة الطالبين 4: 164.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 499، روضة الطالبين 4: 164.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 499، روضة الطالبين 4: 164.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 499، روضة الطالبين 4: 164.

237

و قال أبو حنيفة: في الوكيل و الوصي معا تثبت الشفعة في الشراء، و لا تثبت في البيع (1).

و لو وكّل الشريك شريكه ببيع نصف نصيبه، أو أذن له في بيع نصيبه أو بعض نصيبه مع نصيب الموكّل إن شاء، فباع نصف نصيب الموكّل مع نصف نصيبه صفقة واحدة، فللموكّل أخذ نصيب الوكيل بالشفعة.

و هل للوكيل أخذ نصيب الموكّل؟ للشافعي (2) الوجهان السابقان.

مسألة 733: إنّه سيأتي (3) الخلاف في أنّ الشفعة هل تثبت مع الكثرة أم لا

؟ فإن قلنا به لو كان ملك بين ثلاثة فباع أحدهم نصيبه من أحد الآخرين، فالشفعة بين المشتري و الشريك الآخر يشتركان في المبيع- و به قال أبو حنيفة و مالك و المزني و الشافعي في أصحّ الوجهين (4)- لاستوائهما في الشركة و سبب الشفعة، كما لو كان المشتري غيره.

و قال بعض الشافعيّة: إنّ الشريك الثالث منفرد بالشفعة، و لا حقّ فيه للمشتري- و هو محكيّ عن الحسن البصري و عثمان البتّي- لأنّ الشفعة تستحقّ على المشتري، فلا يجوز أن يستحقّها المشتري على نفسه (5).

و ليس بصحيح، لأنّا لا نقول: تجب له الشفعة، بل لا يستحقّ عليه

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 499.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 499، روضة الطالبين 4: 165.

(3) لم نعثر على الخلاف فيما يأتي من مسائل الشفعة، و قد تقدّم في ص 201- 202، المسألة 706.

(4) المغني 5: 525، الشرح الكبير 5: 495، المهذّب- للشيرازي- 1: 388، التهذيب- للبغوي- 4: 374، العزيز شرح الوجيز 5: 499- 500، روضة الطالبين 4: 165.

(5) المهذّب- للشيرازي- 1: 388، التهذيب- للبغوي- 4: 374، العزيز شرح الوجيز 5: 500، روضة الطالبين 4: 165، المغني 5: 525، الشرح الكبير 5:

495.

238

في نصف النصيب، لأنّه أولى من الشريك الآخر، و لا بعد في استحقاق الإنسان على نفسه لأجل تعلّق حقّ الغرماء، كالعبد المرهون إذا جنى على عبد آخر لسيّده، فإنّه يثبت للسيّد على العبد أرش الجناية لأجل تعلّق حقّ الغير به، و لو لم يكن مرهونا، ما تعلّق به، فعلى هذا يكون الثالث بالخيار بين أن يترك جميع المبيع، أو يأخذ الجميع، و على الأوّل يتخيّر بين أن يأخذ نصف المبيع أو يترك.

فإن قال المشتري: خذ الكلّ أو اترك الكلّ و قد تركت أنا حقّي، لم تلزمه الإجابة، و لم يصح إسقاط المشتري الشفعة، لأنّ ملكه مستقرّ على النصف بالشراء، فأشبه ما إذا كان للشقص شفيعان: حاضر و غائب، فأخذ الحاضر الجميع، ثمّ عاد الغائب، له أن يأخذ نصفه، و ليس للحاضر أن يقول: اترك الكلّ أو خذ الكلّ و أنا تركت حقّي، و لا نظر إلى تبعّض الصفقة عليه، فإنّه لزم من دخوله في هذا العقد.

و عن بعض الشافعيّة وجه: أنّه إذا ترك فيه المشتري حقّه، وجب على الآخر أخذ الكلّ أو ترك الكلّ، كما إذا باع من أجنبيّ و له شفيعان، فترك أحدهما حقّه، يأخذ الآخر الكلّ أو يترك الكلّ، إلّا أنّ هذا الترك سابق على اختيار التملّك هناك، و فيما نحن فيه اختيار (1) التملّك بالشراء، فلم يؤثّر الإعراض بعده (2).

و لو كان بين اثنين دار فباع أحدهما نصف نصيبه من ثالث ثمّ باع النصف الثاني من ذلك الثالث، فعلى أحد قولي الشافعيّة حكمه حكم ما لو

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «اختار».

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 500، روضة الطالبين 4: 165.

239

باع النصف الثاني من أجنبيّ. و على الآخر: لا شفعة للمشتري، و للشفيع الخيار بين أن يأخذ الكلّ أو يأخذ أحد النصفين دون الآخر (1).

مسألة 734: تبرّعات المريض عندنا من الثلث

، فلو باع المريض شقصا من دار و له شفيع، فإمّا أن يبيع بثمن المثل أو بدونه، فإن باع بثمن المثل، لزم البيع، و ثبتت فيه الشفعة، سواء كان المشتري و الشفيع وارثين أو أحدهما أو غير وارثين- و به قال الشافعي (2)- لأنّ البيع بثمن المثل لا اعتراض فيه، و إنّما يعترض على المريض في التبرّع، و به قال أبو يوسف و محمد (3) أيضا.

و قال أبو حنيفة: لا يصحّ بيعه من وارثه، لأنّه محجور عليه في حقّه، فصار كبيع الصبي (4).

و هو غلط، لأنّه محجور عليه في التبرّع في حقّه، كما يحجر عليه في حقّ الأجنبيّ في الثلث، و يصحّ أن يبيع منه بثمن مثله مطلقا، كذا هنا.

و إن باع بدون ثمن المثل، فلا يخلو إمّا أن يكون المشتري و الشفيع أجنبيّين أو وارثين أو المشتري وارثا و الشفيع أجنبيّا أو بالعكس.

فإن كانا أجنبيّين، فإن احتمل الثلث المحاباة، صحّ البيع، و أخذ الشقص بالشفعة، و لا (5) إشكال، لأنّ المحاباة وقعت في البيع، فإذا وقع البيع مسترخصا، لم يسقط حقّ الشفعة، و لم يجز أن يأخذه بأكثر من الثمن.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 500، روضة الطالبين 4: 165.

(2) حلية العلماء 5: 280، المغني 5: 472، الشرح الكبير 5: 535.

(3) حلية العلماء 5: 280، المغني 5: 472، الشرح الكبير 5: 535.

(4) حلية العلماء 5: 280، المغني 5: 472، الشرح الكبير 5: 535.

(5) في «ي» و الطبعة الحجريّة: «فلا» بدل «و لا».

240

و إن لم يحتمله، كما لو باع شقصا مستوعبا يساوي ألفين بألف، فإن ردّه الورثة، بطل البيع في بعض المحاباة، و هو ما زاد على الثلث. و في صحّة البيع في الباقي للشافعيّة طريقان:

أحدهما: التخريج على الخلاف في تفريق الصفقة.

و الثاني: القطع بالصحّة (1).

و هو مذهبنا، لكنّ المشتري بالخيار، لتبعّض الصفقة عليه، فإن اختار الشفيع أن يأخذه، لم يكن للمشتري الردّ. و إن لم يرض الشفيع بالأخذ، فللمشتري الخيار بين أخذ الباقي و بين الردّ.

و على الصحّة ففيما يصحّ البيع؟ للشافعيّة قولان:

أحدهما: أنّه يصحّ في قدر الثلث و القدر الذي يوازي الثمن بجميع الثمن.

و الثاني: أنّه لا يسقط من المبيع شيء إلّا و يسقط ما يقابله من الثمن (2).

و هذا الأخير هو الأقوى عندي، و قد تقدّم (3) بيانه.

فإن قلنا بالأوّل، صحّ البيع- في الصورة المفروضة- في خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن. و إن قلنا بالثاني، دارت المسألة.

و طريقه أن نقول: صحّ البيع في شيء من الشقص بنصف شيء، يبقى مع الورثة ألفان يعادل شيئا و نصفا و الشيء من شيء و نصف ثلثاه، فعلمنا صحّة البيع في ثلثي الشقص، و قيمته ألف و ثلاثمائة و ثلاثة و ثلاثون و ثلث بثلثي الثمن، و هو نصف هذا، فتكون المحاباة بستّمائة و ستّة و ستّين

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 501، روضة الطالبين 4: 166.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 501، روضة الطالبين 4: 166.

(3) في ص 24، المسألة 560.

241

و ثلثين، يبقي للورثة ثلث الشقص و ثلثا الثمن و هما ألف و ثلاثمائة و ثلاثة و ثلاثون و ثلث، و ذلك ضعف المحاباة.

و على القولين (1) للمشتري الخيار حيث لم يسلم له جميع المثمن (2). فإن اختار، أخذ الشفيع خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن على الأوّل، و ثلثيه بثلثي الثمن على الثاني.

و لو فسخ المشتري قبل طلب الشفيع، لم تبطل الشفعة عندنا.

و للشافعي قولان (3).

و لو أجاز الورثة، صحّ البيع في الجميع.

ثمّ إن قلنا: إنّ إجازتهم تنفيذ لما فعله المورّث، أخذ الشفيع الكلّ بكلّ الثمن. و إن قلنا: إنّها ابتداء عطيّة منهم، لم يأخذ الشفيع القدر النافذ بإجازتهم، و أخذ القدر المستثنى عن إجازتهم. و فيه القولان المذكوران عند الردّ.

و إن كانا وارثين أو كان المشتري وارثا، فهي محاباة للوارث، و هي عندنا صحيحة، فالحكم فيه كما في الأجنبيّ.

أمّا الجمهور: فإنّهم منعوا من المحاباة للوارث، فتكون المحاباة مردودة (4).

ثمّ للشافعي قولان، فإن لم يفرّق الصفقة، بطل البيع في الجميع. و إن قال بالتفريق، فإن قال في القسم الأوّل على ما سبق من التصوير: إنّ البيع

____________

(1) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «التفريق» بدل «القولين». و الظاهر ما أثبتناه.

(2) في جميع النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «الثمن» بدل «المثمن». و الصحيح ما أثبتناه.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 501، روضة الطالبين 4: 166.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 502، روضة الطالبين 4: 166، بدائع الصنائع 5: 14، المغني 5: 472، الشرح الكبير 5: 535.

242

يصحّ في خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن، فهنا في مثل تلك الصورة يصحّ البيع في نصفه بجميع الثمن. و إن قلنا هناك: يصحّ في ثلثيه بثلثي الثمن، فهنا يبطل البيع في الكلّ، لأنّ البيع لا يبطل في شيء إلّا و يسقط بقدره من الثمن، فما من جزء يصحّ فيه البيع إلّا و يكون بعضه محاباة، و هي مردودة.

و فيه كلامان:

أحدهما: أنّ المفهوم من هذا التوجيه شيوع المعاوضة و المحاباة في جميع الشقص، و ذلك لا يمنع تخصيص قدر المحاباة بالإبطال، كما أنّه لم يمنع في القسم الأوّل تخصيص ما وراء القدر المحتمل من المحاباة بالإبطال.

و الثاني: أنّ الوصيّة للوارث- عندهم (1)- موقوفة على إجازة باقي الورثة على رأي، كما أنّ الوصيّة بما زاد على الثلث موقوفة على إجازة الورثة على رأي، فلنفرّق هنا أيضا بين الإجازة و الردّ، كما في الأوّل.

إذا عرفت هذا و قلنا بالأوّل، تخيّر المشتري بين أن يأخذ النصف بكلّ و بين أن يفسخ، لأنّ الصفقة تفرّقت عليه، و يكون للشفيع أن يأخذ ذلك و إن كان وارثا، لأنّه لا محاباة فيه.

و إن أراد المشتري الردّ و أراد الشفيع الأخذ، كان حقّ الشفيع مقدّما، لأنّه لا ضرر على المشتري، و جرى مجرى المبيع المعيب إذا رضيه الشفيع لم يكن للمشتري ردّه.

و إن كان الشفيع وارثا دون المشتري، فعندنا يصحّ البيع فيما يحتمل

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 502.

243

الثلث، و يكون للشفيع أخذه بالشفعة.

و قالت الشافعيّة: إن احتمل الثلث المحاباة أو لم يحتمل و صحّحنا البيع في بعض المحاباة في القسم الأوّل و مكّنّا الشفيع من أخذه، ففيه وجوه:

أ- أنّه يصحّ البيع في الجميع، و لا يأخذه الوارث بالشفعة، و هو مذهب أصحاب أبي حنيفة.

أمّا صحّة البيع: فلأنّ المشتري أجنبيّ.

و أمّا بطلان الشفعة: فلأنّها لو ثبتت، لكان المريض قد نفع وارثه بالمحاباة، لأنّ الشفعة تستحقّ بالبيع، فقد تعذّرت الشفعة، فلم نعد ذلك بإبطال البيع، لأنّها فرع عليه، و إذا بطل بطلت، فلم تبطل لأجلها- و هو أصحّ الوجوه عندهم- لأنّا إذا أثبتنا الشفعة، فقد جعلنا للوارث سبيلا إلى إثبات حقّ له في المحاباة. و يفارق الوصيّة ممّن له عليه دين، لأنّ استحقاقه للآخر إنّما هو بدينه، لا من جهة الوصيّة، و هذا استحقاقه حصل بالبيع، فافترقا.

ب- أنّه يصحّ البيع و يأخذه الوارث بالشفعة، لأنّ محاباة البائع مع المشتري، و هو أجنبيّ عنه، و الشفيع يتملّك على (1) المشتري، و لا محاباة معه من المريض.

ج- أنّه لا يصحّ البيع أصلا، لأنّه لو صحّ لتقابلت فيه أحكام متناقضة، لأنّا إن لم نثبت الشفعة، أضررنا بالشفيع، و إن أثبتناها، أوصلنا إليه المحاباة.

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «مع» بدل «على». و ما أثبتناه من «العزيز شرح الوجيز».

244

د- يصحّ البيع في الجميع و يأخذ الشفيع ما يقابل الثمن منه، و يبقى الباقي للمشتري مجّانا، لأنّ المحاباة تصحّ مع الأجنبيّ دون الوارث، و يجعل كأنّه باع بعض الشقص منه و وهب بعضه، فيأخذ المبيع دون الموهوب.

هأنّه لا يصحّ البيع إلّا في القدر الموازي للثمن، لأنّه لو صحّ في الكلّ فإن أخذه الشفيع، وصلت إليه المحاباة، و إن أخذ ما وراء قدر المحاباة، كان إلزاما بجميع الثمن ببعض المبيع، و هو على خلاف وضع الشفعة (1).

و يضعّف بأنّ صحّة البيع لا تقف على اختيار الشفيع للشفعة.

و قد يقال في العبارة عن هذا الوجه: إن ترك الشفيع الشفعة، صحّت المحاباة مع المشتري، و إلّا فهو كما لو كان المشتري وارثا، فلا تصحّ المحاباة.

و وجه ترتيب هذه الأقوال أن يقال: في صحّة البيع وجهان، إن صحّ فيصحّ في الجميع أو فيما وراء قدر المحاباة؟ وجهان، إن صحّ في الجميع فيأخذ الجميع بالشفعة أو ما وراء قدر المحاباة أو لا يأخذ شيئا؟ ثلاثة أوجه (2).

و هذا- عندنا- كلّه ساقط.

مسألة 735: من شرط الشفعة: تقدّم ملك الآخذ على ملك المأخوذ منه

على ما سبق، فلو كان في يد اثنين ملك اشترياه بعقدين و ادّعى كلّ

____________

(1) الوسيط 4: 78- 79، التهذيب- للبغوي- 4: 367- 368، العزيز شرح الوجيز 5: 502- 503، روضة الطالبين 4: 167.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 503.

245

منهما سبق عقده على عقد صاحبه، و أنّه يستحقّ الشفعة عليه، فمن أقام البيّنة منهما على دعواه حكم له بها، و سقطت دعوى الآخر.

و لو أقاما بيّنتين على السبق- بأن شهدت بيّنة هذا بسبق عقده على عقد صاحبه، و شهدت بيّنة صاحبه بسبق عقده على العقد الأوّل، أو شهدت إحداهما لأحدهما أنّه اشترى يوم السبت و صاحبه اشترى يوم الأحد، و شهدت الأخرى للآخر أنّه اشترى يوم السبت و الآخر يوم الأحد- تعارضتا، و ينبغي أن يحكم لأكثرهما عددا و عدالة، فإن تساويا، احتمل القرعة، لأنّه أمر مشكل، و كلّ أمر مشكل ففيه القرعة، و القسمة بينهما.

و للشافعي هنا قولان:

أحدهما: تساقط البيّنتين كأنّه لا بيّنة لواحد منهما.

و الثاني: أنّهما تستعملان، و في كيفيّته أقوال:

أحدها: القرعة، فعلى هذا من خرجت قرعته أخذ نصيب الآخر بالشفعة.

و الثاني: القسمة، و لا فائدة لها إلّا مع تفاوت الشركة، فيكون التنصيف تعبّدا (1).

و الثالث: الوقف، و على هذا يوقف حقّ التملّك إلى أن يظهر الحال (2).

و من الشافعيّة من لا يجري قول الوقف هنا، لانتفاء معناه مع كون الملك في يدهما (3).

____________

(1) كذا، و في المصدر: «مقيّدا» بدل «تعبّدا».

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 503- 504، روضة الطالبين 4: 167- 168.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 504، روضة الطالبين 4: 168.

246

و لو عيّنت كلّ واحدة من البيّنتين وقتا واحدا، فلا تنافي بينهما، لاحتمال وقوع العقدين معا، و لا شفعة لواحد منهما، لأنّا تبيّنّا وقوع العقدين دفعة.

و للشافعيّة وجه: أنّهما تسقطان، لأنّ كلّ واحدة منهما لم تتعرّض لمقصود مقيمها فكأنّه لا بيّنة (1).

البحث الرابع: في كيفيّة الأخذ بالشفعة.

مسألة 736: يملك الشفيع الأخذ بالعقد

إمّا بالفعل بأن يأخذ الحصّة و يدفع الثمن إلى المشتري، أو يرضى بالصبر فيملكه حينئذ، و إمّا باللفظ، كقوله: أخذته، أو: تملّكه، أو: اخترت الأخذ، و ما أشبه ذلك، عملا بالأصل من عدم اشتراط اللفظ.

و قال بعض الشافعيّة: لا بدّ من لفظ، ك«تملّكت» و ما تقدّم، و إلّا فهو من باب المعاطاة (2).

و هو ممنوع، لأنّ المعاطاة تتوقّف على رضاهما، و لا يتوقّف الأخذ بالشفعة على رضا المشتري.

و لا يكفي أن يقول: لي حقّ الشفعة و أنا مطالب بها، عنده (3)، لأنّ المطالبة رغبة في الملك، و الملك (4) لا يحصل بالرغبة المجرّدة (5).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 504، روضة الطالبين 4: 168.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 505، روضة الطالبين 4: 168.

(3) أي: عند البعض من الشافعيّة، المتقدّم قوله آنفا.

(4) في جميع النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «فالملك». و ما أثبتناه من «العزيز شرح الوجيز».

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 505، روضة الطالبين 4: 168.

247

و قال بعضهم (1) بقولنا.

و لا يملك الشفيع بمجرّد اللفظ، بل يعتبر مع ذلك أحد أمور:

إمّا أن يسلّم العوض إلى المشتري، فيملك به إن تسلّمه، و إلّا خلّى بينه و بينه، أو رفع الأمر إلى الحاكم حتى يلزمه التسليم.

و [إمّا] (2) أن يسلّم المشتري الشقص، و يرضى بكون الثمن في ذمّته.

و لو كان المبيع دارا عليها صفائح من أحد النقدين و الثمن من الآخر، وجب التقابض فيما قابله خاصّة.

و لو رضي بكون الثمن في ذمّته و لم يسلّم الشقص، حصل الملك عندنا- و هو أحد وجهي الشافعيّة- لأنّه معاوضة، و الملك في المعاوضات لا يتوقّف على القبض.

و الثاني لهم: لا يحصل الملك، و قول المشتري ما لم يتّصل به القبض في حكم الوعد.

و إمّا أن يحضر في مجلس القاضي، و يثبت حقّه في الشفعة، و يختار التملّك و يقضي القاضي له بالشفعة- و هو أصحّ وجهي الشافعيّة- لأنّ الشرع نزّل الشفيع منزلة المشتري حتى كأنّ العقد له، إلّا أنّه مخيّر بين الأخذ و الترك، فإذا طلب و تأكّد طلبه بالقضاء، وجب أن يحكم له بالملك.

و الثاني لهم: لا يحصل الملك، و يستمرّ ملك المشتري إلى أن يصل إليه عوضه، أو يرضى بتأخيره.

و إمّا أن يشهد عدلان على الطلب و اختيار الشفعة، فإن لم نثبت

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 505، روضة الطالبين 4: 168.

(2) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

248

الملك بحكم القاضي، فهنا أولى، فإن (1) أثبتناه، فوجهان لهم، لقوّة قضاء القاضي (2).

و هذا كلّه غير معتبر عندنا.

مسألة 737: لا يشترط في تملّك الشفيع بالشفعة

حكم الحاكم و لا حضور الثمن أيضا و لا حضور المشتري و رضاه، عند علمائنا- و به قال الشافعي (3)- لأنّ حكم الشفعة يثبت بالنصّ و الإجماع، فيستغني عن حكم الحاكم، كمدّة الإيلاء و الردّ بالعيب. و لأنّه تملّك بعوض، فلا يفتقر إلى إحضار العوض، كالبيع، و لا إحضار المشتري و رضاه به، كالردّ بالعيب.

و قال أبو حنيفة: يعتبر حضور المشتري أو حكم الحاكم، و لا يحكم الحاكم إلّا إذا أحضر الثمن (4).

و عن الصعلوكي أنّ حضور المأخوذ منه أو وكيله شرط (5). و هو ممنوع.

و إذا ملك الشفيع بغير تسليم الثمن- بل إمّا بتسليم المشتري الشقص و يرضى بكون الثمن في ذمّته، أو بحضوره في مجلس القاضي و إثبات حقّه في الشفعة و يختار الملك فيقضي له القاضي- لم يكن له أن يتسلّم الشقص حتى يؤدّي الثمن إلى المشتري و إن سلّمه المشتري قبل أداء الثمن، و لا يلزمه أن يؤخّر حقّه بأن أخّر البائع حقّه.

مسألة 738: يجب على الشفيع دفع الثمن معجّلا

، فإن تعذّر تعجيله

____________

(1) الظاهر: «و إن».

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 505، روضة الطالبين 4: 169.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 504، روضة الطالبين 4: 168.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 504.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 505، روضة الطالبين 4: 168.

249

أو ادّعى غيبته، أجّل ثلاثة أيّام لإحضاره، لأنّ تحصيله في الحال يتعذّر في غالب العادات، فلو شرط إحضاره في الحال، أدّى إلى إسقاط الشفعة، و ذلك إضرار بالشفيع، فإن أحضر الثمن في مدّة الثلاثة، فهو أحقّ، و إلّا بطلت شفعته بعدها.

و لو ذكر أنّ الثمن في بلد آخر، أجّل بقدر وصوله من ذلك البلد و ثلاثة أيّام بعده ما لم يتضرّر المشتري.

و لو هرب الشفيع بعد الأخذ، كان للحاكم فسخ الأخذ، و ردّه إلى المشتري و إن لم يكن له ذلك في البيع لو هرب المشتري أو أخّر الدفع، لأنّ البيع حصل باختيارهما، فلهذا لم يكن للحاكم فسخه عليهما، و هنا أخذه الشفيع بغير اختيار المشتري لإزالة الضرر عن نفسه، فإذا اشتمل على إضرار بالمشتري، منعه الحاكم و ردّه.

و لو هرب قبل الأخذ، فلا شفعة له، و كذا العاجز عن الثمن.

و قال بعض الشافعيّة: إذا قصّر في الأداء، بطل حقّه من الشفعة. و إن لم يوجد، رفع إلى الحاكم (و فسخ منه) (1) (2).

و المعتمد: الأوّل، لما قلناه.

و لما روى عليّ بن مهزيار أنّه سأل الجواد (عليه السلام): عن رجل طلب شفعة أرض، فذهب على أن يحضر المال فلم ينضّ، فكيف يصنع صاحب الأرض إن أراد بيعها أ يبيعها أو ينتظر مجيء شريكه صاحب الشفعة؟ قال: «إن كان معه بالمصر فلينتظر به ثلاثة أيّام، فإن أتاه بالمال

____________

(1) ورد ما بين القوسين سهوا في النسخ الخطّيّة و الحجريّة بعد تمام الرواية الآتية في نفس المسألة. و موضعه هنا تتمّة لقول بعض الشافعيّة كما في «العزيز شرح الوجيز» و «روضة الطالبين».

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 506، روضة الطالبين 4: 169.

250

و إلّا فليبع و بطلت شفعته في الأرض، و إن طلب الأجل إلى أن يحمل المال من بلد إلى آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الرجل إلى تلك البلدة و ينصرف و زيادة ثلاثة أيّام إذا قدم، فإن وافاه، و إلّا فلا شفعة له» (1).

مسألة 739: و لا يثبت في الشفعة خيار المجلس عند علمائنا

، للأصل الدالّ على عدمه.

و لدلالة قوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (2) على اختصاص الخيار بالبيع، لأنّه وصف علّق عليه حكم، فينتفي بانتفائه.

و لأنّ الخيار لا يثبت للمشتري، لأنّه يؤخذ الملك منه قهرا، و لا للآخذ، لأنّ له العفو و الإسقاط.

نعم، لو أخذ و ثبت الملك له، لم يكن له الخيار في الفسخ، للأصل.

و للشافعي قولان:

أظهرهما: ثبوت الخيار- و قد تقدّم (3)- بأن يترك بعد ما أخذ، أو يأخذ بعد ما ترك ما دام في المجلس، لأنّ ذلك معاوضة، فكان في أخذها و تركها خيار المجلس، كالبيع (4).

و له قول آخر: إنّه يسقط، لأنّ الشفعة حقّ له ثبت، فإذا أخّره أو تركه، سقط، كغيره من الحقوق (5).

فعلى قوله بالخيار يمتدّ إلى مفارقة المجلس.

____________

(1) التهذيب 7: 167، 739.

(2) صحيح البخاري 3: 84، صحيح مسلم 3: 1164، 1532، سنن الترمذي 3:

547، 1245، سنن الدارمي 2: 25.

(3) في ج 11 ص 15، ضمن المسألة 227.

(4) الوسيط 4: 81، العزيز 4: 172، و 5: 506، روضة الطالبين 4: 169.

(5) العزيز شرح الوجيز 4: 172، و 5: 506، روضة الطالبين 4: 169، المجموع 9: 177.

251

و هل ينقطع بأن يفارقه المشتري؟ وجهان: المنع، لأنّه لا حظّ له في الخيار، فلا اعتبار بمفارقته. و الانقطاع، لحصول التفريق (1).

مسألة 740: يجوز للمشتري التصرّف في الشقص قبل أن يأخذه الشفيع

و قبل علمه بالبيع، فإذا تصرّف، صحّ تصرّفه، لأنّ ملكه بالعقد إجماعا، و فائدة الملك استباحة وجوه الانتفاعات، و صحّ قبض المشتري له، و لم يبق إلّا أنّ الشفيع ملك عليه أن يملك، و ذلك لا يمنع تصرّفه، كما لو كان الثمن معيبا فتصرّف المشتري في المبيع.

و كذا الموهوب له إذا كان الواهب ممّن له الرجوع فيها، فإنّ تصرّفه يصحّ و إن ملك الواهب [الرجوع] (2) فيها.

إذا ثبت هذا، فإنّ تصرّفه إن كان ممّا تجب به الشفعة- كالبيع خاصّة عندنا، و كلّ معاوضة عند الشافعي (3)، كجعله عوض الصداق أو الخلع أو غير ذلك من المعاوضات- تخيّر الشفيع إن شاء فسخ تصرّفه و أخذ بالثمن الأوّل، لأنّ حقّه أسبق، و سببه متقدّم، فإنّ الشفعة وجبت له قبل تصرّف المشتري. و إن شاء أمضى تصرّفه، و أخذ بالشفعة من المشتري الثاني، لأنّ هذا التصرّف يثبت الشفعة، فلو باعه المشتري بعشرة بعشرين فباعه الآخر بثلاثين، فإن أخذ من الأوّل، دفع عشرة، و رجع الثالث على الثاني بثلاثين، و الثاني على الأوّل بعشرين، لأنّ الشقص يؤخذ من الثالث و قد انفسخ عقده، و كذا الثاني. و لو أخذ من الثاني، صحّ، و دفع عشرين، و بطل

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 506، روضة الطالبين 4: 169.

(2) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.

(3) المهذّب- للشيرازي- 1: 389، العزيز شرح الوجيز 5: 521، روضة الطالبين 4: 179.

252

الثالث، فيرجع بثلاثين. و لو أخذ من الثالث، صحّت العقود، و دفع ثلاثين.

و إن كان تصرّفه لا تثبت به الشفعة كالهبة و الوقف و جعله مسجدا، فإنّ للشفيع إبطال ذلك التصرّف، و يأخذ بالثمن الأوّل، و يكون الثمن للمشتري، و به قال الشافعي (1).

و قال مالك: إنّه يكون الثمن للموهوب له (2).

و هو غلط، لأنّ الشفيع أبطل الهبة، و أخذ الشقص بحكم العقد الأوّل، و لو لم يكن وهب كان الثمن له، كذا بعد الهبة المفسوخة.

و كذا للشفيع فسخ الوقف و كونه مسجدا أو غير ذلك من أنواع التصرّفات، و به قال أكثر الشافعيّة (3).

و قال بعضهم: إنّ الوقف يبطل الشفعة، لأنّ الشفعة إنّما تثبت في المملوك و قد خرج من أن يكون مملوكا (4).

و هو غلط، لأنّ ذلك الاستحقاق سابق و الوقف متأخّر، فلا يبطل السابق، و لا يمتنع أن يبطل الوقف لأجل حقّ الغير، كما لو وقف المريض أملاكه أو أعتق عبيده و عليه دين مستوعب، فإنّ العتق و الوقف صحيحان، و إذا مات، فسخا لحقّ الغرماء، كذا هنا.

مسألة 741: إذا ملك الشفيع، امتنع تصرّف المشتري.

و لو طلب الشفيع و لم يثبت الملك بعد، لم يمنع الشريك من التصرّف، لبقائه في ملكه.

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 389، الوسيط 4: 91، العزيز شرح الوجيز 5: 521، روضة الطالبين 4: 178- 179، المغني 5: 490، الشرح الكبير 5: 505.

(2) المغني 5: 491، الشرح الكبير 5: 506.

(3) التهذيب- للبغوي- 4: 365، العزيز شرح الوجيز 5: 521، روضة الطالبين 4:

179.

(4) المغني 5: 490، الشرح الكبير 5: 505.

253

و يحتمل قويّا المنع، لتعلّق حقّ الشفيع به و تأكّده بالطلب.

و كلاهما للشافعيّة (1) أيضا.

و لو تصرّف الشفيع قبل القبض بعد أن سلّم الثمن إلى المشتري، نفذ.

و للشافعيّة وجهان، أظهرهما: المنع، كتصرّف المشتري قبل القبض (2).

و هو باطل، لاختصاص ذلك بالبيع، و الشفعة ليست بيعا. و لأنّه ملك قهريّ كالإرث، فصحّ تصرّفه فيه، كالوارث قبل القبض.

و لو ملك بالإشهاد أو بقضاء القاضي، نفذ تصرّفه.

و قالت الشافعيّة: لا ينفذ (3).

و كذا لو ملك برضا المشتري بكون الثمن عنده.

مسألة 742: لا يشترط علم الشفيع بالثمن و لا بالشقص في طلب الشفعة

، بل في الأخذ، فلا يملك الشقص الذي لم يره بالأخذ و لا بالطلب، لأنّه غرر و النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) نهى عنه (4)، بل يشترط علم الشفيع في التملّك بالثمن و المثمن معا، فلو جهل أحدهما، لم يصح الأخذ، و له المطالبة بالشفعة.

و لو قال: أخذته بمهما كان، لم يصح مع جهالته بالقدر.

و قالت الشافعيّة: في تملّك الشفيع الشقص الذي لم يره طريقان:

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 506، روضة الطالبين 4: 170.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 507، روضة الطالبين 4: 170.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 507، روضة الطالبين 4: 170.

(4) صحيح مسلم 3: 1153، 1513، سنن ابن ماجة 2: 739، 2194، سنن أبي داود 3: 254، 3376، سنن الترمذي 3: 532، 1230، سنن الدارمي 2: 251، الموطّأ 2: 664، 75.

254

أظهرهما: أنّه على قولي (1) بيع الغائب إن منعناه، لم يتملّكه قبل الرؤية، و ليس للمشتري منعه من الرؤية. و إن صحّحناه، فله التملّك.

[ثمّ] (2) منهم من جعل خيار الرؤية على الخلاف في خيار المجلس.

و منهم من قطع به و قال: المانع هناك- على رأي- بعد اختصاص ذلك الخيار بأحد الجانبين.

و الثاني: المنع، سواء صحّحنا بيع الغائب أو أبطلناه، لأنّ البيع جرى بالتراضي فأثبتنا الخيار فيه، و هنا الشفيع يأخذ من غير رضا المشتري، فلا يمكن إثبات الخيار فيه.

نعم، لو رضي المشتري بأن يأخذه الشفيع و يكون بالخيار، فعلى قولي بيع الغائب، فإذا جوّزنا له التملّك و أثبتنا الخيار، فللمشتري أن يمتنع من قبض الثمن و إقباض المبيع (3) حتى يراه ليكون على ثقة فيه (4).

و إذا بلغه البيع فقال: قد اخترت أخذ الشقص بالثمن الذي تمّ عليه العقد، و علم قدره و نظر إلى الشقص أو وصف له وصفا يرفع الجهالة، صحّ الأخذ و إن لم يجز المشتري و لا حضر.

و قال أبو حنيفة: لا يأخذ بالشفعة حتى يحضر الثمن، و لا يقضي له القاضي بها حتى يحضر الثمن (5).

و قال محمد: إنّ القاضي يؤجّله يومين أو ثلاثة، و لا يأخذه إلّا بحكم

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة المعتمدة في التحقيق: «قول». و الصحيح ما أثبتناه.

(2) ما بين المعقوفين من المصدر.

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة المعتمدة في التحقيق: «البائع» بدل «المبيع».

و الصحيح ما أثبتناه من المصدر.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 507، روضة الطالبين 4: 170.

(5) المغني 5: 510، الشرح الكبير 5: 521.