تذكرة الفقهاء - ج12

- العلامة الحلي المزيد...
370 /
255

الحاكم أو رضا المشتري، لأنّ الشفيع يأخذ الشقص بغير اختيار المشتري، فلا يستحقّ ذلك إلّا بعد إحضار الثمن، و لهذا كان المشتري لمّا كان يستحقّ تسلّم المبيع بغير اختيار البائع لم يكن له إلّا بعد إحضار الثمن (1).

و قد بيّنّا أنّ الشفيع يأخذ بالعوض، فلا يشترط حضوره، كالبيع، و التسليم في الشفعة كالتسليم في البيع، فإنّ الشفيع لا يتسلّم الشقص إلّا بعد إحضار الثمن، و كون التملّك بغير اختياره يدلّ على قوّته، فلا يمنع من اعتباره في الصحّة بالبيع.

و إذا كان الثمن مجهولا عند الشفيع، لم يصح الأخذ، لأنّه تملّك بعوض، فلا يصحّ مع جهالة العوض، كالبيع.

و لو قال: أخذته بالثمن إن كان مائة فما دونها، لم يصح الأخذ، لأنّ مثل هذا لا يجوز أن يكون ثمنا في البيع، كذا الشفعة.

و لو لم يشاهد الشقص و لا وصف له بما يرتفع معه الجهالة، لم يكن له أخذه، و به قال بعض الشافعيّة، سواء قالوا بجواز بيع خيار الرؤية أو لا، لأنّ مع القول بالجواز أثبتوا فيه خيار الرؤية برضا البائع، لأنّه دخل على ذلك، و في مسألتنا يأخذه الشفيع بغير رضا المشتري، فلا يثبت الخيار (2).

و (3) قال ابن سريج: إلّا أن يرضى المشتري بخيار الرؤية، فيجوز ذلك على القول الذي يجيز البيع بها (4).

و قال بعض الشافعيّة: من قال من أصحابنا: إنّه يثبت في الشفعة خيار المجلس يجيز أيضا خيار الرؤية فيها على أحد القولين (5).

إذا عرفت هذا، فإذا أخذ الشقص بالشفعة، وجب عليه الثمن،

____________

(1) بدائع الصنائع 5: 24، و انظر: المغني 5: 510، و الشرح الكبير 5: 521.

(2) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

(3) في «س، ي» لم ترد كلمة «و».

(4) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

(5) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

256

و لا يجب على المشتري تسليم الشقص حتى يقبض الثمن.

مسألة 743: إذا كان الشقص في يد البائع، فقال الشفيع: لا أقبضه إلّا من المشتري

، لم يكن له ذلك، و لم يكلّف المشتري أخذه من البائع، بل يأخذه الشفيع من يد البائع، لأنّ هذا الشقص حقّ الشفيع، فحيثما وجده أخذه. و لأنّ يد الشفيع كيد المشتري، لأنّه استحقّ قبض ذلك من جهته، كما لو وكّل وكيلا في القبض، أ لا ترى أنّه لو قال: أعتق عبدك عن ظهاري، فأعتقه، صحّ، و كان الآمر كالقابض له، و هو أحد وجهي الشافعيّة.

و الثاني: أنّ للشفيع ذلك، لأنّ الشفيع بمنزلة المشتري من المشتري، فيلزمه أن يسلّمه بعد قبضه، و على الحاكم تكليف المشتري أن يتسلّم و يسلّم، أو يوكّل في ذلك، فإن كان المشتري غائبا، نصب الحاكم من يقبضه من البائع عن المشتري و يسلّمه إلى الشفيع، و إذا أخذه الشفيع من المشتري أو من البائع، فإنّ عهدته على المشتري خاصّة (1).

و لو أفلس الشفيع و كان المشتري قد سلّم الشقص إليه راضيا بذمّته، جاز له الاسترداد، و كان أحقّ بعينه من غيره.

مسألة 744: إنّما يأخذ الشفيع بالثمن الذي وقع عليه العقد

، لما روى العامّة عن جابر أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: «فهو أحقّ به بالثمن» (2).

و من طريق الخاصّة: قول الصادق (عليه السلام): «فهو أحقّ بها من غيره بالثمن» (3).

و لأنّ الشفيع إنّما يستحقّ الشفعة بسبب البيع، فكان مستحقّا له

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 545- 546، روضة الطالبين 4: 192.

(2) سنن البيهقي 6: 104، المغني 5: 505، الشرح الكبير 5: 520.

(3) التهذيب 7: 164، 728.

257

بالثمن، كالمشتري.

لا يقال: الشفيع استحقّه بغير اختيار مالكه، لحاجته إليه، فكان يجب أن يستحقّه بالقيمة، كالمضطرّ إلى طعام الغير.

لأنّا نقول: المضطرّ إنّما استحقّه بسبب الحاجة خاصّة، فكان المرجع في بدله إلى القيمة، و الشفيع يستحقّه لأجل البيع، فإنّه لو كان انتقاله في الهبة أو الميراث، لم يستحقّ فيه الشفعة، و إذا اختصّ ذلك بالبيع، وجب أن يكون بالعوض الثابت بالبيع.

إذا ثبت هذا، فإن بيع بمثليّ- كالنقدين و الحبوب- أخذه بمثله.

ثمّ إن قدّر بمعيار الشرع، أخذه به. و إن قدّر بغيره كما لو باع بمائة رطل من الحنطة، أخذه بمثله وزنا تحقيقا للمماثلة.

و للشافعي قولان، هذا أحدهما. و الثاني: أنّه يأخذه بالكيل (1).

و لو تعذّر المثل وقت الأخذ، لانقطاعه أو لغيره، عدل إلى القيمة، كما في الغصب.

تذنيب: لا يجب على الشفيع دفع ما غرمه المشتري من دلالة و اجرة وزّان و نقّاد و كيل و غير ذلك من المؤن.

مسألة 745: و لو لم يكن الثمن مثليّا بل مقوّما

- كالعبد و الثوب و شبههما- أخذه الشفيع بقيمة السلعة التي جعلت ثمنا- و به قال الشافعي و أبو حنيفة و مالك (2)- لأنّه أحد نوعي الثمن، فجاز أن تثبت الشفعة

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 507، روضة الطالبين 4: 171.

(2) المهذّب- للشيرازي- 1: 386، حلية العلماء 5: 294، التهذيب- للبغوي- 4:

342، العزيز شرح الوجيز 5: 507، روضة الطالبين 4: 171، بدائع الصنائع 5:

26، المعونة 2: 1276، التفريع 2: 302، المغني 5: 505، الشرح الكبير 5:

524.

258

بالمشتري به، كالذي له مثل.

و قال الشيخ (رحمه اللّه): تبطل الشفعة (1)- و به قال الحسن البصري و سوار القاضي (2)- لما رواه عليّ بن رئاب عن الصادق (عليه السلام) في رجل اشترى دارا برقيق و متاع و بزّ و جوهر، قال: «ليس لأحد فيها شفعة» (3).

و لأنّ الشفعة إنّما تجب بمثل الذي ابتاعه به، و هذا لا مثل له، فلم تجب.

و الرواية ضعيفة السند، لأنّ في طريقها الحسن بن محمد بن سماعة و ليس منّا.

و المثل قد يكون من طريق الصورة و قد يكون من طريق القيمة، كما في بدل الإتلاف و الغصب.

و تعتبر القيمة يوم البيع، لأنّه يوم إثبات العوض و استحقاق الشفعة، فلا اعتبار بالزيادة بعد ذلك و لا النقصان، و به قال الشافعي (4).

و قال ابن سريج: تعتبر قيمته يوم استقرار العقد بانقطاع الخيار (5).

و قال مالك: الاعتبار بقيمته يوم المحاكمة (6).

و ليس بجيّد، لما تقدّم من أنّ وقت الاستحقاق وقت العقد

____________

(1) الخلاف 3: 432، المسألة 7.

(2) حلية العلماء 5: 294، المغني 5: 505، الشرح الكبير 5: 524.

(3) التهذيب 7: 167، 740.

(4) التهذيب- للبغوي- 4: 342، العزيز شرح الوجيز 5: 507، روضة الطالبين 4:

171.

(5) حلية العلماء 5: 294، العزيز شرح الوجيز 5: 507- 508، روضة الطالبين 4:

171.

(6) حلية العلماء 5: 294، العزيز شرح الوجيز 5: 508، المغني 5: 507، الشرح الكبير 5: 524.

259

للمشتري. و لأنّ الثمن صار ملكا للبائع، فلا تعتبر زيادته في حقّ المشتري.

و لو اختلفا في القيمة في ذلك الوقت، قدّم قول المشتري مع اليمين.

مسألة 746: لو جعل الشقص رأس مال سلم، أخذ الشفيع بمثل المسلم فيه

إن كان مثليّا، و بقيمته إن كان متقوّما.

و لو صالح من دين على شقص، لم تكن له شفعة.

و عند الشافعي يأخذه بمثل ذلك الدّين إن كان مثليّا، و بقيمته إن كان متقوّما (1).

و لا فرق بين أن يكون دين إتلاف أو دين معاملة.

و لو أمهرها شقصا، فلا شفعة عندنا.

و عند الشافعي يأخذ بمهر مثل المرأة، لأنّ البضع متقوّم، و قيمته مهر المثل. و كذا إذا خالعها على شقص. و الاعتبار بمهر مثلها يوم النكاح أو يوم جريان البينونة (2).

و خرّج بعض الشافعيّة وجها أنّه يأخذه بقيمة الشقص (3). و الأصل فيه أنّ المرأة إذا وجدت بالصداق عيبا و ردّته، ترجع بقيمته على أحد القولين، فإذا كان المستحقّ عند الردّ بالعيب بدل المسمّى، كذا عند الأخذ بالشفعة، و به قال مالك (4).

و لو متّع المطلّقة بشقص، فلا شفعة عندنا.

____________

(1) التهذيب- للبغوي- 4: 342، العزيز شرح الوجيز 5: 508، روضة الطالبين 4:

171.

(2) التهذيب- للبغوي- 4: 343، العزيز شرح الوجيز 5: 508، روضة الطالبين 4:

171.

(3) في «العزيز شرح الوجيز»: «بقيمته يوم القبض».

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 508، روضة الطالبين 4: 171.

260

[و قال الشافعي: يأخذه الشفيع بمتعة مثلها لا بالمهر، لأنّ المتعة هي التي وجبت بالطلاق، و الشقص عوض عنها (1).

و لو أخذ من المكاتب شقصا عوضا عن النجوم، فلا شفعة عندنا] (2).

و قال الشافعي: يأخذه الشفيع بمثل النجوم أو بقيمتها، لأنّ النجوم هي التي قابلته (3).

و لو جعل الشقص اجرة دار، فلا شفعة عندنا.

و قال الشافعي: يؤخذ بقيمة المنفعة، و هي أجرة مثل الدار (4).

و لو صالح على الشقص عن دم، فلا شفعة عندنا.

و قال الشافعي: يأخذه الشفيع بقيمة الدم، و هي الدية (5). و يعود فيه مذهب مالك (6).

و لو استقرض شقصا، فلا شفعة عندنا.

و قال الشافعي: يأخذه الشفيع بقيمته و إن قلنا: إنّ المستقرض يردّ المثل، لأنّ القرض مبنيّ على الإرفاق، و الشفعة ملحقة بالإتلاف (7) (8).

____________

(1) التهذيب- للبغوي- 4: 343، العزيز شرح الوجيز 5: 508، روضة الطالبين 4: 171.

(2) بعض ما بين المعقوفين أضفناه من «العزيز شرح الوجيز» نصّا، و نحوه في «التهذيب» للبغوي، و «روضة الطالبين». و بعضه الآخر من تصحيحنا لأجل السياق.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 508، روضة الطالبين 4: 171.

(4) التهذيب- للبغوي- 4: 343، العزيز شرح الوجيز 5: 508، روضة الطالبين 4:

171.

(5) التهذيب- للبغوي- 4: 343، العزيز شرح الوجيز 5: 508، روضة الطالبين 4: 171.

(6) كذا في النسخ الخطّيّة و الحجريّة. و ورد في العزيز شرح الوجيز 5: 508- تتمّة لقول الشافعي-: «و يقود منه الجريح و يذهب ملكه» بدل «و يعود فيه مذهب مالك».

(7) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «بالإتلاف». و ما أثبتناه من «العزيز شرح الوجيز».

(8) العزيز شرح الوجيز 5: 508، روضة الطالبين 4: 171.

261

مسألة 747: لو كان الثمن مؤجّلا

، مثلا: اشترى الشقص بمائة مؤجّلة إلى سنة، فللشيخ (رحمه اللّه) قولان:

أحدهما- و هو الأقوى عندي، و به قال مالك و أحمد و الشافعي في القديم (1)-: أنّ للشفيع الأخذ كذلك بعد إقامة كفيل إذا لم يكن مليّا، و ليس له الصبر و الأخذ عند الأجل (2).

لنا: أنّ الأخذ إنّما يكون بالثمن، و يجب أن يكون على الشفيع مثل الثمن قدرا و وصفا، و التأجيل وصف في الثمن. و لأنّ الشفعة على الفور، و تأخير الطلب إلى الأجل مناف للفوريّة، و أخذها بالثمن المعجّل إضرار بالشفيع بغير وجه، فلم يبق إلّا ما قلنا توصّلا إلى الجمع بين الحقوق كلّها.

و قال الشيخ أيضا: يتخيّر الشفيع بين أن يأخذه و يعجّل الثمن، و بين أن يصبر إلى أن يحلّ الأجل ثمّ يأخذه بالثمن (3)- و به قال أبو حنيفة و الشافعي في الجديد (4)- لأنّ ذلك يؤدّي إلى أن يلزم المشتري قبول ذمّة الشفيع، و الذمم لا تتماثل، و لهذا إذا مات من عليه الدّين المؤجّل، حلّ الأجل، و لم ينتقل إلى ذمّة الورثة. و ملاءة الأشخاص لا توجب تماثل الذمم، فإنّها تختلف في كون بعضها أوفى و بعضها أسهل في المعاملة.

____________

(1) الموطّأ 2: 715، ذيل الحديث 3، بداية المجتهد 2: 259، المغني 5: 507، الشرح الكبير 5: 523، المحلّى 9: 95، العزيز شرح الوجيز 5: 509، و انظر:

روضة الطالبين 4: 171- 172.

(2) النهاية: 425.

(3) المبسوط- للطوسي- 3: 112، الخلاف 3: 433، المسألة 9 من كتاب الشفعة.

(4) بدائع الصنائع 5: 27، مختصر اختلاف العلماء 4: 243، 1952، التهذيب- للبغوي- 4: 356، الوسيط 4: 83، العزيز شرح الوجيز 5: 509، روضة الطالبين 4: 171- 172، المغني 5: 507، الشرح الكبير 5: 523.

262

و لأنّ في ذلك تغريرا بالمشتري، لجواز أن يذهب مال الشفيع قبل حلول الأجل، فيلزمه غرمه، و لا يجوز أن يلزمه ذلك، و لم يحصل له حظّ بهذا البيع.

و هو ممنوع، لأنّا نلزم الشفيع بكفيل مليّ يرتضيه المشتري، فاندفع المحذور.

و للشافعي قول ثالث: إنّ الشفيع يأخذه بسلعة قيمتها الثمن إلى سنة، لأنّه لم يأخذ السلعة بثمن مؤجّل على ما تقدّم، و إن أخذها بثمن حالّ في الحال أو بعد انقضاء الأجل، فقد كلّفناه أكثر من الثمن، لأنّ ما يباع بمائة إلى سنة لا يساويها حالّا، و لئلّا يتأخّر الأخذ و لا يتضرّر الشفيع (1) و على ما اخترناه فإنّما يأخذه بثمن مؤجّل إذا كان مليّا موثوقا به أو (2) إذا أعطى كفيلا مليّا، و إلّا لم يأخذه، لأنّه إضرار بالمشتري، و هو أحد قولي الشافعي على تقدير قوله بما قلناه. و الثاني له: أنّ له الأخذ على الإطلاق، و لا ينظر إلى صفته، و لو أخذه ثمّ مات، حلّ عليه الأجل (3).

و على قول أبي حنيفة و الشيخ و الشافعي في الجديد لا يبطل حقّ الشفيع بالتأخير، لأنّه تأخير بعذر، و لكن هل يجب تنبيه المشتري على الطلب؟ فيه وجهان، أحدهما: لا، إذ لا فائدة فيه. و الثاني: نعم، لأنّه ميسور و إن كان الأخذ معسورا (4).

و لو مات المشتري و حلّ عليه الثمن، لم يتعجّل الأخذ على الشفيع،

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 509، روضة الطالبين 4: 172.

(2) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «و» بدل «أو». و الظاهر ما أثبتناه.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 510، روضة الطالبين 4: 172.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 509، روضة الطالبين 4: 172.

263

بل هو على خيرته إن شاء أخذ في الحال، و إن شاء صبر إلى مجيء ذلك المحلّ.

و لو مات الشفيع، فالخيرة التي كانت له تثبت لورثته.

و لو باع المشتري الشقص قبل أن يحلّ الأجل، صحّ البيع، لأنّ الثمن لو كان حالّا فباع المشتري صحّ بيعه، فإذا كان مؤجّلا و تأخّر الأخذ، كان جواز البيع أولى، و يتخيّر الشفيع بين أن يجيز البيع الثاني و يأخذه بالثمن الثاني و بين أن يفسخه إمّا في الحال أو عند حلول الأجل، و يأخذه بالثمن الأوّل، لأنّ ذلك كان له، و لا يسقط بتصرّف المشتري.

هذا إذا قلنا: إنّ للشفيع نقض تصرّف المشتري، و هو الظاهر عندهم (1)، و فيه خلاف، و إن قلنا بالثالث، فتعيين (2) العرض إلى الشفيع و تعديل القيمة [إلى] (3) من يعرفها.

و لو لم يتّفق طلب الشفعة حتى حلّ الأجل، وجب أن لا يطالب على هذا القول إلّا بالسلعة المعدلة، لأنّ الاعتبار في قيمة عوض المبيع بحال البيع، ألا ترى أنّه إذا باع بمتقوّم، تعتبر قيمته يوم البيع. و على القولين الآخرين لو أخّر الشفعة، بطل حقّه.

مسألة 748: لو ضمّ شقصا مشفوعا إلى ما لا شفعة فيه في البيع

، مثل أن يبيع نصف دار و ثوبا أو عبدا أو غيرهما صفقة واحدة، بسط الثمن عليهما باعتبار القيمتين، و أخذ الشفيع الشقص بحصّته من الثمن، عند علمائنا، و به قال أبو حنيفة و الشافعي و أحمد (4)، و لا شفعة في المضموم،

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 510، روضة الطالبين 4: 172.

(2) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «فيتعيّن». و الصحيح ما أثبتناه.

(3) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 510، روضة الطالبين 4: 172، المغني 5: 508، الشرح الكبير 5: 502.

264

لأنّ المضموم لا شفعة فيه و لا هو تابع لما فيه الشفعة، فلا تثبت فيه الشفعة، كما لو أفرده.

و قال مالك: تثبت الشفعة فيهما معا. و يروى عنه أيضا أنّه إن كان من مصالح الضيعة و توابعها كالثيران و آلات الحرث و العبد العامل في البستان، أخذه الشفيع مع الشقص. و إن كان غير ذلك، لم يأخذه، لأنّه لو أخذ الشقص وحده، تبعّضت الصفقة على المشتري، و في ذلك ضرر، و لا يزال الضرر عن الشفيع بإلحاق ضرر المشتري (1).

و هو غلط، لأنّه أدخله على نفسه بجمعه في العقد بين ما ثبت فيه الشفعة و ما لا تثبت.

ثمّ النظر إلى قيمتهما يوم البيع، فإنّه وقت المقابلة.

قال الجويني: إذا قلنا: إنّ الملك ينتقل بانقطاع الخيار، فيجوز أن يعتبر وقت انقطاع الخيار، لأنّ انتقال الملك- الذي هو سبب الشفعة- حينئذ يحصل (2).

و هذا يتأتّى على قول الشيخ أيضا.

و إذا أخذ الشفيع الشقص، لم يثبت للمشتري الخيار و إن تفرّقت الصفقة عليه، لدخوله فيها عالما بالحال.

مسألة 749: إذا اشترى شقصا من دار فاستهدمت

إمّا بفعل المشتري أو بغير فعله، فلها أحوال:

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 510، المغني 5: 508، الشرح الكبير 5: 502.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 510.

265

أ- أن تتعيّب من غير تلف شيء منها و لا انفصال بعضها عن بعض بأن يتشقّق جدار أو تميل أسطوانة أو ينكسر جذع أو يضطرب سقف، فالشفيع بالخيار بين الأخذ بكلّ الثمن، و بين الترك، و يكون تعيّبه في يد المشتري كتعيّب المبيع في يد البائع، فإنّه يتخيّر المشتري بين الفسخ و بين الأخذ بجميع الثمن، عند بعض (1) علمائنا، و به قال الشافعي (2).

و عند بعضهم (3) يسقط (4) الأرش، فينبغي هنا أن يكون كذلك.

ب- أن يتلف بعضها، فينظر إن تلف شيء من العرصة بأن غشيها السيل فغرّقها، أخذ الباقي بحصّته من الثمن.

و إن بقيت العرصة بتمامها و تلفت السقوف و الجدران باحتراق و غيره، فإن قلنا: إنّ الأبنية كأحد العبدين المبيعين (5)، أخذ العرصة بحصّتها من

____________

(1) كالشيخ الطوسي في الخلاف 3: 109، المسألة 178، و المبسوط 2: 127، و ابن إدريس في السرائر 2: 305.

(2) التهذيب- للبغوي- 4: 345، العزيز شرح الوجيز 5: 511، روضة الطالبين 4:

172- 173.

(3) انظر: نكت النهاية (النهاية و نكتها) 2: 161- 162.

(4) كذا بصيغة الإثبات. و في جواهر الكلام 16: 359 حيث نقل عبارة التذكرة قال:

«لا يسقط الأرش». و قال المحقّق الكركي في جامع المقاصد 4: 417- 418 عند شرح قول المصنّف في القواعد: «و لو انهدم أو تعيّب بفعل المشتري قبل المطالبة»:

فهاهنا أربع صور: الاولى: أن يكون ذلك بفعل المشتري قبل مطالبة الشفيع بالشفعة بأن ينقض البناء أو يشقّ الجدار أو يكسر الجذع .. إلى أن ساق الكلام إلى قوله:

و قد سبق في كتاب البيع وجوب الأرش على البائع إذا تعيّب المبيع في يده فينبغي أن يكون هنا كذلك، و قد نبّه كلام المصنّف في التذكرة على ذلك. انتهى، فلاحظ قوله: «وجوب الأرش على البائع» حيث إنّه يخالف قول المصنّف: «يسقط الأرش» و يوافق ما في الجواهر من قوله: «لا يسقط». و انظر أيضا: الكافي في الفقه- للحلبي-:

355.

(5) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «المسمّيين» بدل «المبيعين». و الظاهر ما أثبتناه.

266

الثمن، و هو الأصحّ، و به قال الشافعي و مالك و أحمد (1).

و إن قلنا: إنّها كأطراف العبد و صفاته، أخذها بكلّ الثمن على رأي- و به قال الشافعي (2)- و بما بعد الأرش على رأي.

و فرّق بعضهم بين أن يكون التلف بآفة سماويّة، فيأخذها بجميع الثمن، أو بإتلاف متلف، فيأخذها بالحصّة، لأنّ المشتري يحصل له بدل التالف، فلا يتضرّر، و به قال أبو حنيفة (3).

ج- أن لا يتلف شيء منها و لكن ينفصل بعضها عن بعض بالانهدام و سقوط الجدران، فإنّ الشفيع يأخذ الشقص مع الأبعاض- و هو أحد قولي الشافعي (4)- لأنّها دخلت في البيع و كانت متّصلة به حالة البيع ممّا يدخل في الشفعة، فكذا بعد النقض، و كونه منقولا عرض بعد البيع و بعد تعلّق حقّ الشفيع به، و الاعتبار بحال جريان العقد، و لهذا لو اشترى دارا فانهدمت، يكون النقض و العرصة للمشتري و إن كان النقض لا يندرج في البيع لو وقع بعد الانهدام.

و الثاني للشافعي: لا يأخذ الشفيع النقض، لأنّه منقول كما لو كان في الابتداء كذلك و أدخل النقض في البيع، لا يؤخذ بالشفعة (5).

____________

(1) التهذيب- للبغوي- 4: 346، العزيز شرح الوجيز 5: 511، روضة الطالبين 4:

173، المغني 5: 504، الشرح الكبير 5: 503.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 511، روضة الطالبين 4: 173.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 511، روضة الطالبين 4: 173، بدائع الصنائع 5: 28، مختصر اختلاف العلماء 4: 251، 1972، المغني 5: 504، الشرح الكبير 5:

503.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 511، روضة الطالبين 4: 173.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 511، روضة الطالبين 4: 173.

267

فإن قلنا بالأوّل، أخذه مع العرصة بجميع الثمن أو بما بعد الأرش على ما تقدّم، أو يعرض عن الكلّ.

و إن قلنا: إنّه لا يأخذه- كما هو اختيار الشافعي في القول الثاني- فيبني على أنّ السقوف و الجدران كأحد العبدين أو كطرف العبد؟ إن قلنا بالأوّل، أخذ العرصة و ما بقي من البناء بحصّتهما من الثمن.

و إن قلنا بالثاني، فوجهان:

أحدهما: أنّه يأخذ بالحصّة، لأنّ الأنقاض كانت من الدار المشتراة، فيبعد أن تبقى للمشتري مجّانا و يأخذ الشفيع ما سواه بتمام الثمن.

و الثاني- و هو قياس الأصل المبنيّ عليه-: أن يأخذ بتمام الثمن، كما في الحالة الاولى. و على هذا فالأنقاض تشبه بالثمار و الزوائد التي يفوز بها المشتري قبل قبض الشفيع (1).

و منهم من كان يطلق قولين- تفريعا على أنّ النقض غير مأخوذ من غير البناء- على أنّ النقض كأحد العبدين أو كأطراف العبد؟ (2) و وجه الأخذ بالكلّ: أنّه نقص حصل عند المشتري، فأشبه تشقّق الحائط، و الأخذ بالحصة: أنّ ما لا يؤخذ من المبيع بالشفعة تسقط حصّته من الثمن، كما إذا اشترى شقصا و سيفا.

و اعلم أنّ المزني نقل عن الشافعي أنّ الشفيع مخيّر بين أن يأخذه بجميع الثمن أو يردّ (3).

و قال في القديم و مواضع من الجديد: أنّه يأخذه بالحصّة (4).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 511- 512، روضة الطالبين 4: 173.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 512.

(3) مختصر المزني: 120، الحاوي الكبير 7: 265، العزيز شرح الوجيز 5: 512.

(4) الحاوي الكبير 7: 265، العزيز شرح الوجيز 5: 512.

268

و قد ذكر بعض الشافعيّة فيه خمس طرق:

أ- منهم من قال: إنّ ما انهدم من الدار لا يدخل في الأخذ بالشفعة، و إنّما يأخذ العرصة و ما فيها من البناء، لأنّ ذلك منفصل عنها، كما لو باع دارا، لم يدخل فيها ما كان منفصلا عنها. و هل يأخذ العرصة و البناء الذي فيها بجميع الثمن أو بالحصّة؟ قولان.

ب- ما ذكر في الطريقة الأولى إلّا في أنّه يأخذ ذلك بحصّته من الثمن قولا واحدا.

ج- إنّ ما انفصل من الدار يستحقّه الشفيع مع الدار، لأنّ استحقاقه للشفعة إنّما كان حال عقد البيع و في ذلك الحال كان متّصلا.

د- المسألة على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال: يأخذها بالحصّة إذا ذهب بعض العرصة بغرق أو غير ذلك، و الموضع الذي قال:

يأخذها بجميع الثمن إذا كانت العرصة باقية و إنّما ذهب البناء.

هإنّ الموضع الذي قال: يأخذ بالحصّة إذا تلف بعض الأعيان بفعله أو فعل آدميّ، و الموضع الذي قال: يأخذه بجميع الثمن إذا حصل ذلك بأمر سماويّ (1).

و بهذه (2) الطريقة الأخيرة قال أبو حنيفة (3).

أقول: ما فعله المشتري مضمون (و إن كان إذا) (4) حصل بغير فعله لم يضمنه، كما لو قلع عين المبيع، كان تضمينها عليه، و لو سقطت

____________

(1) الحاوي الكبير 7: 265- 266، العزيز شرح الوجيز 5: 512.

(2) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «هذه». و الصحيح ما أثبتناه.

(3) بدائع الصنائع 5: 28، مختصر اختلاف العلماء 4: 251، 1972، العزيز شرح الوجيز 5: 511، المغني 5: 504، الشرح الكبير 5: 503.

(4) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجريّة: «و إذا كان».

269

لم يسقط شيء من الثمن.

هذا كلّه إذا كان التعيّب لا بفعل المشتري أو بفعله قبل الطلب، أمّا إذا كان بفعل المشتري بعد الطلب، فهل يضمن المشتري؟ قولان لعلمائنا، الأقرب: الضمان.

و لو تلف بعض المبيع، أخذه بحصّته من الثمن.

مسألة 750: إذا بنى المشتري أو غرس قبل القسمة، كان للشريك قلعه

، لا من حيث الشفعة، بل من حيث إنّ أحد الشريكين إذا بنى أو غرس في الأرض المشتركة، كان للشريك الآخر قلعه و تخريب البناء مجّانا، و له الأخذ بالشفعة بعد القلع و قبله.

و إن كان المشتري قد قسّم- إمّا لغيبة الشريك، أو لصغره- بإذن الحاكم، أو لكذبه في الإخبار بالثمن فعفا، أو في الاتّهاب فظهر (1) البيع، أو قاسمه وكيله و أخفى (2) عنه وجه الحظّ في الأخذ بالشفعة ثمّ يجيء الموكّل فيظهر له الوجه ثمّ بنى أو غرس أو زرع بعد القسمة و التمييز ثمّ علم الشفيع، فللمشتري قلع غرسه و بنائه، لأنّه ملكه.

فإذا قلعه، لم يكن عليه تسوية الحفر، لأنّه غرس و بنى في ملكه، و ما حدث من النقص فإنّما حدث في ملكه، و ذلك ممّا لا يقابله الثمن، و إنّما يقابل الثمن سهام الأرض من نصف و ثلث و ربع، و لا يقابل التراب، فيكون الشفيع بالخيار بين أن يأخذ الأرض بجميع الثمن أو يترك.

و إن لم يقلع المشتري الغراس، تخيّر الشفيع بين ثلاثة أشياء: ترك الشفعة، و أخذها و دفع قيمة البناء و الغراس إن رضي الغارس و الباني،

____________

(1) في «س، ي»: «فيظهر».

(2) في «س، ي»: «خفي».

270

و يصير الملك له، و أن يجبر المشتري على القلع، و يضمن له ما نقص له بالقلع.

و قيل: رابع: أن يبقيه في الأرض بأجرة (1).

فأمّا إذا طالبه بقلع ذلك من غير أن يضمن له النقص، لم يلزمه قلعه، قاله الشيخ (2) (رحمه اللّه)، و الشافعي و مالك و أحمد و إسحاق و النخعي (3)، لأنّه بنى في ملكه الذي يملك نفعه، فلم يجبر على قلعه مع الإضرار به، كما لو كان لا شفعة فيه.

و قال أبو حنيفة و الثوري: يجبر على قلعه، لأنّه بنى في حقّ غيره بغير إذنه، فكان عليه قلعه، كما لو بنى فيها و بانت مستحقّة (4).

و فرّق (5) الأوائل بأنّه غرس في ملك غيره (6).

و قول أبي حنيفة عندي لا بأس به، و البناء و إن كان في ملكه لكنّه ملك غير مستقرّ، فلا يؤثّر في منع القلع، و القياس على عدم الشفعة باطل.

لا يقال: القسمة تقطع الشركة، و تردّ العلقة بينهما إلى الجوار، و حينئذ وجب أن لا تبقى الشفعة، لاندفاع الضرر الذي كنّا نثبت الشفعة لدفعه، كما لا تثبت ابتداء للجار.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 520، روضة الطالبين 4: 178.

(2) المبسوط- للطوسي- 3: 118، الخلاف 3: 439، المسألة 14.

(3) التهذيب- للبغوي- 4: 365، العزيز شرح الوجيز 5: 519، روضة الطالبين 4:

176- 177، المغني 5: 501، الشرح الكبير 5: 513.

(4) التهذيب- للبغوي- 4: 365، العزيز شرح الوجيز 5: 519، المغني 5: 501، الشرح الكبير 5: 513.

(5) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «فرّقوا».

(6) المغني 5: 501، الشرح الكبير 5: 513.

271

لأنّا نقول: الجوار و إن لم يكن يكتفى به في الابتداء إلّا أنّه اكتفي به في الدوام عند حصول الشركة في الابتداء، و لم يخرّج على الخلاف في بطلان الشفعة فيما إذا باع نصيبه جاهلا بالشفعة، لأنّ الجوار على حال ضرب اتّصال قد يؤدّي إلى التأذّي (1) بضيق المرافق و سوء الجوار، و لذلك اختلف العلماء في ثبوت الشفعة به.

إذا عرفت هذا، فلا فرق بين تصرّف المشتري و المستعير إذا بنى في أرض المعير أو غرس. و لو كان قد زرع، ترك زرعه إلى أن يدرك و يحصد.

و هل للشفيع أن يطالبه بأجرة بقاء الزرع؟ الأقوى: العدم، بخلاف المستعير، فإنّه زرع أرض الغير و قد رجع في العارية، فكان عليه الأجرة، أمّا المشتري فإنّه زرع ملك نفسه و استوفى منفعته بالزراعة، و هو أحد وجهي الشافعيّة. و في الثاني: له المطالبة، كما أنّ المعير يبقي بالأجرة (2).

و قد بيّنّا الفرق.

و كذا لو باع أرضا مزروعة، لا يطالبه المشتري بالأجرة لمدّة بقاء الزرع.

و للشافعيّة في الصور الثلاث- صورة بيع الأرض المزروعة، و صورة العارية، و صورة الشفعة- وجهان في وجوب الأجرة، لكنّ الظاهر عندهم في صورة العارية وجوب الأجرة، و في الصورتين الأخريين المنع، للمعنى الجامع لهما، و هو أنّه استوفى منفعة ملكه (3).

و أمّا إذا زرع بعد المقاسمة، فإنّ الشفيع يأخذ بالشفعة، و يبقى زرع المشتري إلى أوان الحصاد، لأنّ ضرره لا يبقى، و الأجرة عليه، لأنّه زرعه

____________

(1) في «س» و الطبعة الحجريّة: «على حال ضرر إيصال قد يتأدّى إلى التأذّي». و في «ي»: «على حال ضرر أيضا ..». و الظاهر ما أثبتناه.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 520، روضة الطالبين 4: 187.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 520.

272

في ملكه.

تذنيب: إذا زرع، لزم الشفيع إبقاء الزرع، و حينئذ يجوز له تأخير الشفعة إلى الإدراك و الحصاد، لأنّه لا ينتفع به قبل ذلك، و يخرج الثمن من يده، فله في التأخير غرض صحيح، و هو الانتفاع بالثمن إلى ذلك الوقت، قاله بعض الشافعيّة (1).

و قال بعضهم: و يحتمل أن لا يجوز التأخير و إن تأخّرت المنفعة، كما لو بيعت الأرض في وسط الشتاء، لا تؤخّر الشفعة إلى أوان الانتفاع (2).

و لعلّ بينهما فرقا.

و لو كان في الشقص أشجار عليها ثمار لا تستحقّ بالشفعة، ففي جواز التأخير إلى وقت القطاف وجهان للشافعيّة (3).

و عندي أنّه يجب الأخذ معجّلا.

مسألة 751: لو تصرّف المشتري بوقف أو هبة و غيرهما، صحّ

، لأنّه واقع في ملكه، و ثبوت حقّ التملّك للشفيع لا يمنع المشتري من التصرّف، كما أنّ حقّ التملّك للواهب بالرجوع (4) لا يمنع تصرّف المتّهب، و كما أنّ حقّ التملّك للزوج بالطلاق لا يمنع تصرّف الزوجة.

و عن ابن سريج من الشافعيّة أنّ تصرّفاته باطلة، لأنّ للشفيع حقّا لا سبيل إلى إبطاله، فأشبه حقّ المرتهن (5).

و إذا قلنا بالصحّة على ما اخترناه نحن- و هو الظاهر من قول الشافعيّة (6)- أنّه ينظر إن كان التصرّف ممّا لا تثبت به الشفعة، فللشفيع نقضه، و أخذ

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 521، روضة الطالبين 4: 178.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 521، روضة الطالبين 4: 178.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 521، روضة الطالبين 4: 178.

(4) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «فالرجوع». و الصحيح ما أثبتناه.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 521، روضة الطالبين 4: 178.

(6) العزيز شرح الوجيز 5: 521، روضة الطالبين 4: 178.

273

الشقص بالشفعة، و إلّا تخيّر بين الأخذ بالأوّل و فسخ الثاني، و بين إمضائه و الأخذ بالثاني.

و عن المروزي أنّه ليس تصرّف المشتري بأقلّ من بنائه، فكما لا ينقض المشتري بناؤه لا ينبغي أن ينقض تصرّفه (1).

و اختلفت الشافعيّة في موضع هذا الوجه:

فمنهم من خصّصه بما تثبت فيه الشفعة من التصرّفات، أمّا ما لا تثبت فله نقضه، لتعذّر الأخذ به.

و منهم من عمّم و قال: تصرّف المشتري يبطل حقّ الشفيع، كما يبطل تصرّف المشتري المفلس حقّ الفسخ للبائع، و تصرّف المرأة حقّ الرجوع إلى العين إذا طلّق قبل الدخول، و تصرّف المتّهب رجوع الواهب. نعم، لو كان التصرّف بيعا، تجدّد حقّ الشفعة بذلك (2).

و عن أبي إسحاق من الشافعيّة أنّها لا تتجدّد أيضا، لأنّ تصرّف المشتري إذا كان مبطلا للشفعة، لا يكون مثبتا لها، كما إذا تحرّم (3) بالصلاة ثمّ شكّ فجدّد نيّة و تكبيرا، لا تنعقد بها الصلاة، لأنّه يحصل بها الحلّ فلا يحصل العقد (4).

و وجه ظاهر المذهب: أنّ للشفيع نقض تصرّف المشتري، لأنّ حقّه ثابت بأصل العقد، فلا يتمكّن المشتري من إبطاله، و لا يشبه تصرّف المفلس و تصرّف المرأة في الصداق، فإنّ حقّ البائع و الزوج لا يبطل بالكلّيّة، بل ينتقل إلى الثمن و القيمة، و الواهب رضي بسقوط حقّه حيث سلّمه إليه و سلّطه عليه، و هنا لم يبطل حقّ الشفيع بالكلّيّة، و لم يوجد منه

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 521.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 521.

(3) في الطبعة الحجريّة: «أحرم» بدل «تحرّم».

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 522.

274

رضا و لا تسليم (1).

قال بعض الشافعيّة: يجوز أن يبنى الوجهان على القولين فيما إذا عتقت الأمة تحت عبد و طلّقها قبل أن تختار الفسخ، هل ينفذ الطلاق؟

و وجه الشبه: أنّ الطلاق يبطل حقّها في الفسخ و لم تسلّطه عليه، كما ذكرنا في الشفيع (2).

و حكي عن بعضهم أنّه لا ينقض الشفعة تصرّف الوقف، و ينقض ما عداه (3).

مسألة 752: النخل تتبع الأرض في الشفعة

، و به قال الشافعي (4).

فإن طالب بالشفعة و قد زادت النخل بطول و سعف، رجع في ذلك، لأنّ هذه زيادة غير متميّزة، فتبعت الأرض في الرجوع، كسمن الجارية.

اعترض بعض الشافعيّة بأنّه كيف جعلتم النخل تبعا للأرض في الشفعة و قد قلتم: إنّ الأرض تتبع النخل في المساقاة، فتجوز المزارعة على ما بين النخل من البياض تبعا للنخيل!؟

و أجيب: بأنّه يجوز أن تكون الأرض تبعا في حكم يختصّ بالنخل، و النخل تبعا لها في حكم آخر يختصّ بالأرض، و إنّما لا يجوز أن يكون الشيء تابعا و متبوعا في أمر واحد، و قد عرفت الكلب مقيس على الخنزير في النجاسة، و الخنزير مقيس عليه في الغسل من ولوغه عندهم (5).

و لو طلّق الزوج قبل الدخول و كان الصداق نخلا و قد طالت، لا يرجع في النصف، لأنّ الزوج يمكنه الرجوع في القيمة إذا تعذّر الرجوع في

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 522.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 522.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 522.

(4) الحاوي الكبير 7: 269، العزيز شرح الوجيز 5: 484.

(5) لم نعثر على الاعتراض و الجواب عنه في المصادر المتوفّرة لدينا.

275

العين، و القيمة تنوب منابها، و في الشفعة إذا لم يرجع في ذلك، سقط حقّه من الشفعة، فلهذا لم يسقط من الأصل لأجل ما حدث من البائع.

إذا عرفت هذا، فإن كان في هذه النخل طلع حدث، نظر فإن كان قد أبّر و تشقّق، كان للمشتري، لأنّه بمنزلة النماء المنفصل من ملكه.

و إن كان لم يؤبّر، فهل يتبع في الشفعة؟

أمّا عندنا فلا، لاختصاص الشفعة بالبيع خاصّة.

و أمّا عند الشافعي فقولان (1)، كالمفلس إذا ابتاع نخلا و حدث فيها طلع لم يؤبّر و أراد البائع الرجوع في النخل.

و يفارق ذلك البيع، لأنّه أزال ملكه باختياره، و كان الطلع تابعا إذا لم يكن ظاهرا، و يكون في الردّ بالعيب كالشفعة.

و كذلك إذا كان انتقال الملك بغير عوض- كالهبة، و فسخ الهبة- فيه قولان (2).

فإن كان المشتري اشترى النخل و فيها الطلع، فإن كان مؤبّرا، فإنّه لا يتبع في البيع، و إذا اشترطه، دخل في البيع، و لا تثبت فيه الشفعة، و إنّما يأخذ الأرض و النخل بحصّتهما من الثمن.

فإن كانت غير مؤبّرة، تبعت بمطلق العقد.

فإن أخذ الشفيع الشقص قبل أن تؤبّر الثمرة، لم يأخذه الشفيع بالثمرة إن تجدّدت بعد الشراء.

و إن كانت موجودة حال البيع، فالأقوى: الدخول في الشفعة، كما دخلت في البيع، فصارت بمنزلة النخل في الأرض.

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

(2) لم نعثر عليه في مظانّه.

276

و إن أخذ الشقص بعد التأبير، لم يتبعه الطلع.

و قال بعض الشافعيّة: إذا أخذ الشفيع الشقص قبل أن يؤبّر الطلع، كان في الطلع القولان، لأنّه لو ثبت حقّ الشفيع في هذا الطلع، لوجب أن يأخذه و إن تشقّق، لأنّ ذلك زيادة متّصلة (1).

و الغراس تبع في الشفعة، لأنّه يراد للتبقية في الأرض و التأبيد.

مسألة 753: إذا تبايعا بثمن ثمّ زاده المشتري عليه زيادة

أو نقص البائع منه شيئا بعد العقد، فإن كان ما اتّفقا عليه من الزيادة أو الحطّ بعد لزوم البيع و انقضاء الخيار، لم يكن للشفيع في ذلك حقّ، و لا عليه شيء لا في حطّ الكلّ و لا في حطّ البعض، لأنّ الشفيع إنّما يأخذ بما استقرّ عليه العقد، و الذي استقرّ عليه المسمّى.

و لو كان في زمن الخيار، لم يلحق أيضا الشفيع عندنا، لوقوع العقد على شيء، فلا تضرّ الزيادة و النقيصة بعده.

و قال الشافعي: يثبت ذلك التغيير في حقّ الشفيع في أحد الوجهين، لأنّ حقّ الشفيع إنّما ثبت إذا تمّ العقد، و إنّما يستحقّ بالثمن الذي هو ثابت في حال استحقاقه. و لأنّ زمن الخيار بمنزلة حالة العقد، و التغيير يلحق بالعقد، لأنّهما على اختيارهما فيه كما كانا في حال العقد (2).

فأمّا إذا انقضى الخيار و انبرم (3) العقد فزاد أو نقص، لم يلحق بالعقد، [لأنّ الزيادة] (4) لا تثبت إلّا أن تكون هبة مقبوضة، و النقصان يكون

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

(2) الوجيز 1: 218، العزيز شرح الوجيز 5: 513، روضة الطالبين 4: 173، المغني 5: 506، الشرح الكبير 5: 522.

(3) في الطبعة الحجريّة: «لزم» بدل «انبرم».

(4) بدل ما بين المعقوفين في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «و الزيادة». و الظاهر ما أثبتناه كما في المغني و الشرح الكبير.

277

إبراء، و لا يثبت [ذلك] (1) في حقّ الشفيع، و به قال الشافعي (2).

و قال أبو حنيفة: يثبت النقصان بعد الخيار للشفيع، و لا تثبت الزيادة و إن كانا (3) عنده يلحقان بالعقد، و يقول: الزيادة تضرّ بالشفيع فلم يملكها (4).

و هو غلط، لأنّ ذلك تغيّر بعد استقرار العقد، فلم يثبت في حقّ الشفيع، كالزيادة.

و الفرق ليس بصحيح، لأنّ ذلك لو لحق بالعقد، لثبت في حقّه و إن أضرّ به، كما لو كان في زمن الخيار.

و لو حطّ كلّ الثمن في زمن الخيار، لم يلحق الحطّ عندنا بالشفعة- و به قال الشافعي (5)- لأنّ ذلك بمنزلة ما لو باع بلا ثمن، فلا شفعة للشريك، لأنّه يصير هبة، فيبطل على رأي، و يصحّ على رأي.

أمّا إذا حطّ منه أرش العيب، فإنّه يثبت في حقّ الشفيع، لأنّه سقط بجزء فقد من المبيع، و لهذا فاته جزء من الثمن.

مسألة 754: لو كان ثمن الشقص عبدا، ثبتت الشفعة عندنا

، خلافا لبعض علمائنا و بعض الجمهور، و قد سبق (6)، و يأخذ الشفيع بقيمة العبد.

فإن وجد البائع بالعبد عيبا، فإمّا أن يكون [قبل] (7) أن يحدث عنده

____________

(1) ما بين المعقوفين من المغني و الشرح الكبير.

(2) المصادر في الهامش (2) من ص 276.

(3) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «كان» بدل «كانا». و ما أثبتناه من المغني و الشرح الكبير.

(4) المغني 5: 506، الشرح الكبير 5: 522، العزيز شرح الوجيز 5: 513.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 513، روضة الطالبين 4: 173.

(6) في ص 257، المسألة 745.

(7) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «بعد» بدل «قبل». و الصحيح ما أثبتناه.

278

عيب أو يكون الوقوف على العيب بعد حدوث عيب عنده. فإن علمه قبل أن يحدث عنده عيب، فإمّا أن يكون ذلك بعد أخذ الشفيع بالشفعة أو قبله.

فإن وقف عليه بعد أخذ الشفيع، كان له ردّ العبد على المشتري، و لم يكن له استرجاع الشقص، لأنّ الشقص قد ملكه بالأخذ، فلم يكن للبائع إبطال ملكه، كما لو كان المشتري قد باعه ثمّ وجد البائع بالثمن عيبا، فإنّه يردّه، و لا يفسخ بيع المشتري، و يرجع البائع إلى قيمة الشقص، كذا هنا.

و قال بعض الشافعيّة: يستردّ المشتري الشقص من الشفيع، و يردّ عليه ما أخذه، و يسلّم الشقص إلى البائع، لأنّ الشفيع نازل منزلة المشتري، فردّ البائع يتضمّن نقض ملكه، كما يتضمّن نقض ملك المشتري لو كان في ملكه (1).

و المشهور عندهم (2) ما قلناه.

فإذا دفع الشفيع قيمة العبد إلى المشتري و دفع المشتري إلى البائع قيمة الشقص، فإن تساويا، فلا بحث. و إن تفاوتا، لم يرجع المشتري على الشفيع إن كانت قيمة الشقص أكثر بشيء، و لا يرجع الشفيع على المشتري إن كانت قيمة العبد أكثر- و هو أحد قولي الشافعيّة (3)- لأنّ الشفيع أخذه بالثمن الذي وقع عليه العقد، فلا يلزمه أكثر من ذلك.

و الثاني: يتراجعان، لأنّ المشتري استقرّ عليه عوض الشفيع قيمته، فينبغي أن يستحقّ ذلك على الشفيع، فيرجع كلّ من كان ما دفعه أكثر على صاحبه بالزيادة (4).

و لو عاد الشقص إلى المشتري ببيع أو هبة أو ميراث أو غير ذلك،

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 514، و أيضا: فتح العزيز 11: 457، روضة الطالبين 4:

174.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 514، روضة الطالبين 4: 174.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 514، روضة الطالبين 4: 174.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 514، روضة الطالبين 4: 174.

279

لم يكن للبائع أخذه منه، بخلاف الغاصب إذا دفع القيمة لتعذّر ردّ المغصوب ثمّ قدر عليه، فإنّه يجب عليه ردّه على المالك، و استرداد ما دفعه من القيمة، لأنّ المالك لم يزل ملكه عن المغصوب بالتقويم و دفع القيمة، و إنّما أخذنا القيمة للضرورة و قد زالت، و هنا زال ملك البائع عنه و صار ملكا للشفيع، و انقطع حقّه عنه، و إنّما انتقل حقّه إلى القيمة، فإذا أخذها، لم يبق له حقّ.

و حكى بعض الشافعيّة فيه وجهين بناء على أنّ الزائل العائد كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد؟ (1) و أمّا إذا كان قد علم بالعيب قبل أن يأخذ الشفيع بالشفعة، فهنا حقّان، ففي تقديم أيّهما للشافعيّة وجهان:

أحدهما: الشفيع أولى، لأنّ حقّه سبق حقّ البائع في الردّ.

و الثاني: البائع أولى، لأنّ الشفعة تثبت لإزالة الضرر عن الشريك، فلا نثبتها مع تضرّر البائع بإثباتها (2).

و حكى الجويني الجزم بتقديم البائع (3).

و الوجه عندي: تقديم حقّ الشفيع، لسبقه.

فإذا قلنا: الشفيع أحقّ، فإنّ البائع يأخذ من المشتري قيمة الشقص، و يرجع المشتري على الشفيع بقيمة العبد، و هو أحد وجهي الشافعيّة.

و الثاني: يرجع على الشفيع بقيمة الشقص (4).

و لو وجد البائع العيب في العبد بعد أن حدث عنده عيب أو بعد

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 515، روضة الطالبين 4: 174.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 514، روضة الطالبين 4: 173.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 514، روضة الطالبين 4: 173.

(4) لم نعثر عليه في مظانّه.

280

تصرّفه، لم يكن له ردّه، و كان له على المشتري الأرش.

ثمّ إن كان الشفيع دفع إليه أوّلا قيمة عبد سليم، فلا يرجع عليه بشيء.

و إن كان دفع قيمة معيب، فالأقرب: أنّه يرجع عليه- و هو أحد وجهي الشافعيّة (1)- لأنّ الثمن الذي استقرّ على المشتري العبد و الأرش، فينبغي أن يرجع بهما.

و الثاني: أنّه لا يرجع، لأنّه استحقّه بما سمّي في العقد (2).

قال بعض الشافعيّة: ينبغي أن يرجع هنا وجها واحدا، بخلاف ما تقدّم من قيمة الشقص، لأنّ العقد اقتضى سلامة العبد، و ما دفع إلّا ما اقتضاه العقد، بخلاف قيمة الشقص، و لهذا إذا كان دفع إليه قيمة عبد سليم، لم يكن للشفيع أن يرجع عليه بقدر قيمة العيب، فإذا لم يدفعه، وجب دفعه، فثبت أنّه مستحقّ عليه بالبيع (3).

و لو رضي البائع بالعيب و لم يردّ و لا أخذ الأرش، فالأقوى: أنّ الشفيع يدفع قيمة العبد السليم، لأنّ ذلك نوع إسقاط من الثمن بعد العقد، فلا يلحق الشفيع، و هو أحد وجهي الشافعيّة. و الثاني: تجب على الشفيع قيمة المعيب حتى لو بذل قيمة السليم، استردّ قسط السلامة من المشتري (4).

و غلّط الجويني قائله (5).

تذنيب: للمشتري ردّ الشقص بالعيب على البائع، و للشفيع ردّه على المشتري بالعيوب السابقة على البيع و على الأخذ. ثمّ لو وجد المشتري العيب بعد أخذ الشفيع، فلا ردّ في الحال، و لا أرش له على مذهب

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 515، روضة الطالبين 4: 174.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 515، روضة الطالبين 4: 174.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 515، روضة الطالبين 4: 174.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 515، روضة الطالبين 4: 174.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 515، روضة الطالبين 4: 174.

281

الشافعي (1)، المشهور. و يجيء فيه الخلاف فيما إذا باعه. و لو ردّ عليه الشفيع بالعيب، ردّه حينئذ على البائع.

و لو وجد المشتري عيب الشقص قبل أخذ الشفيع و منعه عيب حادث من الردّ فأخذ الأرش القديم، حطّ ذلك عن الشفيع.

و إن قدر على الردّ لكن توافقا على الأرش، صحّ عندنا، لأنّ الأرش أحد الحقّين.

و للشافعيّة وجهان إن صحّحناها (2)، ففي حطّه عن الشفيع وجهان أصحّهما عندهم: الحطّ. و الثاني: لا، لأنّه تبرّع من البائع (3)، و هو الذي اخترناه نحن.

مسألة 755: تثبت الشفعة للمفلّس

، فإذا بيع شقص في شركته، كان له الأخذ و العفو، و لم يكن للغرماء الاعتراض عليه، لأنّه إذا أراد الترك، لم نجبره على الأخذ، لأنّه تملّك، و إن أراد الأخذ فإنّما يأخذ بثمن في ذمّته، و ليس بمحجور عليه في ذمّته.

و لو مات مفلّس و له شقص فباع شريكه، كان لوارثه الشفعة، خلافا لأبي حنيفة (4).

و للمكاتب أيضا الأخذ بالشفعة و الترك لها، و ليس للسيّد الاعتراض عليه، لأنّ التصرّف وقع له دون السيّد، بل و له الأخذ من سيّده لو كان هو المشتري، و بالعكس.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 515، روضة الطالبين 4: 174.

(2) أي الموافقة التي دلّ عليها قوله: «توافقا».

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 515، روضة الطالبين 4: 174- 175.

(4) المغني 5: 538، الشرح الكبير 5: 517.

282

و المأذون له في التجارة، فإن أخذ بالشفعة، جاز، لأنّه مأذون له في الشراء، و إن عفا، كان للسيّد إبطال عفوه، لأنّ الملك للسيّد، فإن أسقطها السيّد، سقطت، و لم يكن للعبد أن يأخذ، لأنّ للسيّد الحجر عليه.

و للوكيل العامّ الأخذ بالشفعة مع الغبطة. و لو عفا معها، صحّ عفوه، و لم يكن للموكّل المطالبة بها.

و للسفيه أن يأخذ بالشفعة، و يأذن الوليّ أو يتولّاه.

إذا عرفت هذا، فلو أراد المفلّس بعد الحجر عليه الأخذ بالشفعة بدفع الثمن، منع من ذلك، لأنّ الحجر يقتضيه.

مسألة 756: للعامل في المضاربة الأخذ بالشفعة إذا بيع شقص في شركة المضاربة

، فإذا أخذ فإن كان هناك ربح، فلا حصّة له في ذلك، بل الجميع للمالك، لأنّ العامل لا يملكه بالبيع، فالجميع لصاحب المال، و كذا إن لم يكن ربح، و للعامل الأجرة. و لو ترك، كان لربّ المال الأخذ، لأنّ المشتري بمال المضاربة ملكه.

هذا إذا لم يظهر في الحصّة التي اشتراها المضارب ربح، و لو كان قد ظهر فيه ربح، لم يكن هناك شفعة لا للعامل و لا لربّ المال، لزيادة الشركة على اثنين.

و لو اشترى العامل بمال المضاربة شقصا لربّ المال فيه شركة، فهل تثبت له الشفعة؟ للشافعيّة وجهان:

أحدهما: تثبت له، لأنّ مال المضاربة كالمنفرد عن ملكه، لتعلّق حقّ الغير به و هو العامل، و يجوز أن يثبت له على ملكه حقّ لأجل الغير، كما يثبت له على عبده المرهون حقّ الجناية.

و الثاني: لا تثبت، لأنّه لا يجوز أن يستحقّ أن يتملّك ملكه، و يخالف

283

الجناية، لأنّها ليست بملك (1).

و قال ابن سريج وجها ثالثا: أنّ له أن يأخذ بحكم فسخ المضاربة، و هذا ليس من الشفعة (2).

فأمّا إن كان العامل شفيعه، فإن لم يكن له (3) ربح، فله الشفعة، و إن كان و قلنا: لا يملك بالظهور، فكذلك. و إن قلنا: يملك بالظهور، ففي الشفعة للشافعيّة وجهان (4)، كما قلنا في ربّ المال.

مسألة 757: الشفعة تثبت للغائب كما تثبت للحاضر

، عند علمائنا كافّة، و هو قول جميع العامّة، إلّا النخعي، فإنّه قال: الشفعة تسقط بالغيبة (5).

و هو غلط، لأنّ العمومات دالّة على المتنازع.

و ما رواه الخاصّة عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) قال (6): «للغائب شفعة» (7).

إذا ثبت هذا، فإذا بلغه الخبر، طالب حينئذ، فإن أخّر مع إمكان المطالبة، بطلت شفعته.

مسألة 758: اختلفت علماؤنا رحمهم اللّه في أنّ الشفعة هل تورث أم لا؟

فقال السيّد المرتضى (8) و من (9) تبعه: إنّها تورث، و لا تسقط بموت

____________

(1) حلية العلماء 5: 274.

(2) حلية العلماء 5: 275.

(3) كلمة «له» لم ترد في «س» و في «ي» سقطت جملة «فإن لم يكن .. فله الشفعة».

(4) المغني 5: 499.

(5) مختصر اختلاف العلماء 4: 251، 1971، المغني 5: 485، الشرح الكبير 5: 477.

(6) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «فإن» بدل «قال». و ذلك تصحيف.

(7) الفقيه 3: 46، 160، التهذيب 7: 166، 737.

(8) الانتصار: 217.

(9) كالشيخ الطوسي في الخلاف 3: 27، المسألة 36.

284

مستحقّها و لا بترك مطالبته إن قلنا: إنّها على التراخي أو كان بعدها (1) إن قلنا: على الفور- و به قال الشافعي و مالك و عبيد اللّه بن الحسن العنبري (2)- لأنّه حقّ يتعلّق بالمال، فكان موروثا كغيره من الحقوق الماليّة. و لأنّه خيار ثابت لإزالة الضرر عن المال، فكان موروثا، كخيار الردّ بالعيب.

و قال الشيخ (3) و جماعة من علمائنا (4): إنّها غير موروثة، و إذا مات المستحقّ، بطلت- و به قال الثوري و أبو حنيفة و أحمد بن حنبل (5)- لما رواه طلحة بن زيد عن الصادق عن الباقر عن عليّ (عليهم السلام)، قال: «لا شفعة إلّا لشريك [غير] (6) مقاسم» و قال: «إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: لا يشفع في المحدود، و قال: لا تورث الشفعة» (7).

و لأنّه خيار لاستخلاف مال، فيبطل (8) بالموت، كخيار القبول.

و في طريق الرواية قول، لأنّ طلحة بن زيد بتريّ.

و الفرق أنّ خيار القبول غير ثابت، فإنّ للموجب أن يبطله قبل قبول القابل.

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «بعده». و الظاهر ما أثبتناه. أي: كان الموت بعد المطالبة.

(2) الحاوي الكبير 7: 257، حلية العلماء 5: 316، التهذيب- للبغوي- 4: 359، العزيز شرح الوجيز 5: 527، روضة الطالبين 4: 182، مختصر اختلاف العلماء 4: 249، 1966، المغني 5: 536- 537، الشرح الكبير 5: 516.

(3) الخلاف 3: 436، المسألة 12، النهاية: 425- 426.

(4) كالقاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 459، و ابن حمزة في الوسيلة: 259.

(5) الحاوي الكبير 7: 257، التهذيب- للبغوي- 4: 359، حلية العلماء 5: 316، العزيز شرح الوجيز 5: 527، بدائع الصنائع 5: 14 و 22، مختصر اختلاف العلماء 4: 248، 1966، المغني 5: 536، الشرح الكبير 5: 516.

(6) ما بين المعقوفين من المصدر.

(7) التهذيب 7: 167، 741.

(8) في «س، ي»: «فبطل».

285

إذا ثبت هذا، فإنّ الشفعة تثبت للورثة على قدر الأنصباء، فللزوجة الثّمن، و للأبوين السدسان، و للذكر الباقي لو اجتمعوا. و بالجملة، على قدر الميراث.

و اختلفت الشافعيّة، فقال بعضهم: إنّ الشافعي قال: إنّها على عدد الرءوس، و نقله المزني عنه. و قال بعضهم: هذا لا يحفظ عن الشافعي، فإنّ الجماعة إذا ورثوا أخذوا الشفعة بحسب فروضهم قولا واحدا، لأنّهم يرثون الشفعة عن الميّت، لا أنّهم يأخذونها بالملك. و قال جماعة من الشافعيّة: إنّها على قولين (1).

إذا عرفت هذا، فإذا كان الوارث اثنين (2) فعفا أحدهما، صحّ عفوه في حقّ نفسه، و سقط نصيبه من الشفعة بمعنى أنّه ليس له المطالبة بها، و للآخر جميع الشقص، لأنّها شفعة وضعت لإزالة الضرر، فلا يثبت بها الضرر. و لأنّها شفعة تثبت لاثنين، فإذا عفا أحدهما توفّر على الآخر، كالشريكين إن أثبتنا الشفعة مع الكثرة- و هو أحد وجهي الشافعيّة (3)- و كما لو عفا أحد الوارثين عن نصيبه في حدّ القذف.

و الثاني لهم: أنّ حقّ الآخر يسقط أيضا، لأنّهما ينوبان مناب الموروث، و لو عفا الموروث عن بعضها، سقط جميعها (4).

و الفرق: أنّ الشفعة تثبت لواحد هو الموروث. و لأنّه يؤدّي إلى تبعيض الشقص، بخلاف مسألتنا.

و الوجه عندي أنّ حقّ العافي للمشتري، لأنّهما لو عفوا معا، لكان

____________

(1) انظر: الحاوي الكبير 7: 259، و حلية العلماء 5: 316، و التهذيب- للبغوي- 4: 361- 362، و العزيز شرح الوجيز 5: 527- 528، و روضة الطالبين 4: 182.

(2) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «اثنان». و الصحيح ما أثبتناه.

(3) الحاوي الكبير 7: 259.

(4) الحاوي الكبير 7: 259.

286

الشقص له، فكذا إذا عفا أحدهما، يكون نصيبه له، بخلاف حدّ القذف، فإنّه وضع للزجر، فللّه تعالى فيه حقّ.

مسألة 759: إذا خرج الشقص مستحقّا

، كانت عهدة المشتري فيه على البائع، و عهدة الشفيع على المشتري، سواء أخذ الشفيع الشقص من يد البائع أو من يد المشتري، لأنّ المشتري يجب عليه أن يتسلّمه من البائع و يسلّمه إلى الشفيع، فإن غاب أو امتنع، أقام الحاكم من يسلّمه إلى المشتري و يسلّمه إلى الشفيع. و لو حكم الحاكم بتسلّمه منه، كان كما لو سلّمه المشتري، لأنّ التسليم حقّ على المشتري- و به قال الشافعي و أحمد (1)- لأنّ الشفعة مستحقّة بعد الشراء و حصول ذلك للمشتري، فإذا زال الملك من المشتري إليه بالثمن، كانت العهدة عليه، كالمشتري مع البائع، بخلاف الشفيع.

و أمّا إذا أخذه من البائع، فقد قلنا: إنّه يأخذه بأمر الحاكم إن أذن له في ذلك، لأنّه تسليم مستحقّ على المشتري، لينوب ذلك مناب قبض المشتري.

و لو انفسخ عقد المشتري، بطلت الشفعة، لأنّها استحقّت به.

و قال ابن أبي ليلى و عثمان البتّي: تجب عهدة الشفيع على البائع، لأنّ الحقّ ثبت له بإيجاب البائع، فصار كالمشتري (2).

و قال أبو حنيفة: إن أخذه من المشتري، كانت العهدة على

____________

(1) مختصر المزني: 120، الحاوي الكبير 7: 283، حلية العلماء 5: 310، العزيز شرح الوجيز 5: 545- 546، مختصر اختلاف العلماء 4: 243، 1950، المغني 5: 534، الشرح الكبير 5: 540.

(2) الحاوي الكبير 7: 283، حلية العلماء 5: 311، مختصر اختلاف العلماء 4:

242، 1950، المغني 5: 534، الشرح الكبير 5: 540.

287

المشتري، و إن أخذه من يد البائع، كانت العهدة على البائع، لأنّ الشفيع إذا أخذه من يد البائع، تعذّر القبض، و إذا تعذّر القبض، انفسخ البيع بين البائع و المشتري، فكأنّ الشفيع- إذا أخذ من البائع- مبتاع منه (1).

و هو خطأ، لأنّه لو انفسخ البيع بطلت الشفعة.

تذنيب: لو أخذ الشفيع الشقص و بنى أو غرس ثمّ ظهر الاستحقاق، و قلع المستحقّ بناءه و غرسه، فالقول فيما يرجع الشفيع على المشتري من الثمن و ما نقص من قيمة البناء و الغراس و غير ذلك كالقول في رجوع المشتري من الغاصب عليه.

مسألة 760: لو كان الثمن دنانير معيّنة

، تعيّنت بالعقد على قولنا و قول الشافعي (2)، خلافا لأبي حنيفة (3)، و قد سبق (4). فإذا تعيّنت و ظهر أنّها مستحقّة، فالشراء و الشفعة باطلان.

و لو كان الشراء بمال في الذمّة، لم يتعيّن في المدفوع، فلو ظهر المدفوع مستحقّا، لم يبطل البيع و لا الشفعة، لأنّ الشراء صحيح، و الشفعة تابعة له.

و لو استحقّت الدنانير التي وزنها الشفيع، لم تبطل الشفعة، سواء أخذ الشفعة بعين تلك الدنانير المستحقّة أو بدنانير في ذمّته، لأنّه استحقّ الشفعة لا بعين ما دفعه، بل بما يساوي الثمن الذي دفعه المشتري، و هو أمر كلّيّ

____________

(1) مختصر اختلاف العلماء 4: 242، 1950، الحاوي الكبير 7: 283، حلية العلماء 5: 311، العزيز شرح الوجيز 5: 546، المغني 5: 534، الشرح الكبير 5:

540.

(2) راجع المصادر في الهامش (4) من ص 427 من ج 10 من هذا الكتاب.

(3) راجع المصادر في الهامش (2) من ص 428 من ج 10 من هذا الكتاب.

(4) في ج 10، ص 427- 428، المسألة 215.

288

يشتمل على كلّ النقود، فإذا أعطاه شيئا و ظهر استحقاقه، كان عليه إبداله، لأنّ الدفع ظهر بطلانه، و لا تبطل شفعته، و ليس ذلك تركا للشفعة، لأنّه يجوز أن يعتقدها له أو تغلط البيّنة عليه، و هو أحد وجهي الشافعيّة.

و الثاني: البطلان، لأنّه إذا أخذ بما لا يجوز الأخذ به، صار كأنّه تركها مع القدرة عليه (1).

و يمنع أنّه ترك.

مسألة 761: لو كان الثمن عبدا و أخذ الشفيع الشقص بقيمة العبد

ثمّ خرج العبد مستحقّا، فإن قامت البيّنة أنّه مغصوب، أو أقرّ المتبايعان و الشفيع أنّه مغصوب، حكمنا ببطلان البيع و الشفعة، و يردّ العبد على صاحبه، و الشقص على بائعه، لأنّ البيع إذا كان باطلا، لا تثبت فيه الشفعة.

فإن لم تقم البيّنة بذلك و إنما أقرّ به المتبايعان و أنكر الشفيع، لم يقبل قولهما عليه، و يردّ العبد على صاحبه، لاعترافهما باستحقاقه له، و يرجع البائع على المشتري بقيمة الشقص، لاعتراف المشتري ببطلان البيع و قد تعذّر عليه دفع المبيع، فكان كالإتلاف. و ينبغي أن لا يرجع أحدهما بالفضل على صاحبه لو كان، لأنّ الشفيع منكر لاستحقاق قيمة الشقص، و به قال الشافعي (2).

مسألة 762: قد بيّنّا أنّ الشفعة تتبع البيع دون غيره من العقود مطلقا.

و أثبت الشافعي الشفعة في عقود المعاوضات (3).

إذا عرفت هذا، فنقول: دية الموضحة عندنا خمس من الإبل، أو

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 517، روضة الطالبين 4: 176.

(2) لم نعثر عليه في مظانّه.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 497، روضة الطالبين 4: 163.

289

خمسون دينارا، أو خمسمائة درهم، أو خمسون شاة، أو عشرة من البقر، أو من الحلل (1) على ما يأتي.

و عند الشافعي أنّها خمس من الإبل، فإن أعوزت، فقولان، أحدهما:

ينتقل إلى مقدّر، و هو خمسون دينارا أو خمسمائة درهم نصف عشر الدية. و الثاني: إلى قيمتها.

فإن أعوزت الإبل و قلنا: ينتقل إلى مقدّر فصالحه منه على شقص مع معرفته، صحّ الصلح، و تثبت فيه الشفعة عنده بالعوض.

و إن قلنا: ينتقل إلى قيمتها فإن علماها و ذكراها و تصالحا عليها، صحّ، و تثبت الشفعة أيضا بذلك. و إن لم يعلما أو أحدهما، لم يصح الصلح، و لا تثبت شفعة.

و إن كانت الإبل موجودة فاصطلحا بالشقص عنها، فإن كانا لا يعلمان ذلك، ففي الصلح عنها قولان:

أحدهما: يصحّ، لأنّها معلومة العدد و الأسنان، و إنّما يجهل قدّها و لونها، و ذلك يقتضي أقلّ ما يقع عليه الاسم.

و الثاني: لا يصحّ، لأنّ القدّ و اللون مقصودان، فإذا جهل (2)، لم يصح الصلح، فإذا قلنا: يصحّ، تثبت الشفعة، و أخذ الشقص بقيمة الإبل. و إذا قلنا: لا يصحّ الصلح، لم تثبت شفعة (3).

و هذا كلّه ساقط عندنا.

مسألة 763: إذا ارتدّ المشتري فقتل أو مات قبل رجوعه

إلى

____________

(1) كذا، حيث لم يذكر المصنّف (قدّس سرّه) عدد الحلل.

(2) كذا، و الظاهر: «جهلا».

(3) لم نعثر عليه في مظانّه.

290

الإسلام، كان للشفيع أخذه بالشفعة، لأنّه استحقّها بالبيع، و الانتقال بالموت أو القتل لا يخرجه عن الاستحقاق، كما لو مات المشتري بعد البيع، كان للشفيع الأخذ بالشفعة.

قال الشافعي: إنّه بقتله أو موته ينتقل الشقص عنه إلى المسلمين (1)، و ذلك لا يمنع الشفعة، كما لو اشترى شقصا فيه شفعة ثمّ باعه، و يكون المطالب الإمام أو نائبه. و عندنا إلى ورثته إن كان له وارث مسلم، و إلّا كان ميراثه للإمام، فتكون الشفعة على من انتقل الملك إليه.

و لو ارتدّ الشفيع و قتل بالردّة أو مات، كانت الشفعة للمسلمين عند الشافعي (2)- و عندنا لوارثه- إن كان قد طالب بها، و إن لم يطالب، فإن جعلناه كالكافر، سقطت شفعته، و هو الأقوى عندي. و إن جعلناه كالمسلم، فالشفعة لوارثه.

و لو مات الشفيع المسلم و لا وارث له، انتقل نصيبه إلى الإمام عندنا، و عند الشافعي إلى المسلمين (3). فعلى قولنا يكون المستحقّ للشفعة الإمام، و على قوله المسلمون، و يطالب لهم الإمام.

مسألة 764: إذا اشترى شقصا فيه شفعة و وصّى به

فمات ثمّ جاء الشفيع و الموصى له يطالبان، كان الشقص للشفيع، لسبق استحقاقه، و يدفع الثمن إلى الورثة دون الموصى له، لأنّه لم يوص له إلّا بالشقص و قد سقط حقّه.

____________

(1) التهذيب- للبغوي- 4: 372.

(2) التهذيب- للبغوي- 4: 372.

(3) انظر: الحاوي الكبير 7: 257- 258.

291

البحث الخامس: في التنازع.

مسألة 765: لو اختلف المشتري و الشفيع في قدر الثمن

، فقال المشتري: اشتريته بمائة، و قال الشفيع: بل بخمسين، فأيّهما أقام البيّنة على ما ادّعاه حكم له بها.

و يثبت ذلك بشاهدين و شاهد و امرأتين، و شاهد و يمين، لأنّه مال.

و لا تقبل فيه شهادة البائع، لأنّه يشهد على فعل نفسه، و قد تلحقه التهمة إذا شهد للشفيع، فإنّه إذا نقص الثمن نقص ضمان الدرك، و به قال الشافعي، لأنّه يشهد بحقّ لنفسه و فعل نفسه (1).

و قال بعض أصحابه: تقبل، لأنّه لا يجرّ لنفسه نفعا، و الثمن ثابت له بإقرار المشتري (2).

و قد ذكرنا في القواعد (3) احتمالا حسنا، و هو أنّه تقبل شهادة البائع على الشفيع بعد القبض، و للشفيع بدون القبض، لأنّه إذا شهد على الشفيع بالمائة، انتفت التهمة عنه، لاعترافه بأنّه ضامن لمائة، و إذا شهد له بخمسين قبل القبض، فقد اعترف أنّه لا يستحقّ على المشتري أكثر من الخمسين، و أنّ المشتري لا يجب عليه أكثر منها، فإذا دفعها، برئت ذمّته باعترافه، و كان ضامنا لها خاصّة، إذ لا يقبض البائع أكثر منها.

و لو أقام كلّ منهما بيّنة، قال الشيخ (رحمه اللّه): تقدّم بيّنة المشتري، لأنّه هو المدّعي للثمن، و الشفيع ينكره (4). و لأنّه أعلم بعقده- و هو أحد قولي

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 523، روضة الطالبين 4: 180.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 523، روضة الطالبين 4: 180.

(3) قواعد الأحكام 1: 267.

(4) الخلاف 3: 431- 432، المسألة 6 من كتاب الشفعة.

292

الشافعي (1)- كما تقدّم بيّنة الداخل على الخارج، و [المشتري] (2) هنا داخل.

و لأنّ [المشتري] (3) كالبائع، فيقدّم قوله في قدر الثمن عندنا مع بقاء السلعة، و به قال أبو يوسف (4) أيضا.

و قال أبو حنيفة و محمّد: القول قول الشفيع، لأنّه منكر. و لأنّه الخارج (5).

و لا بأس به عندي.

و للشافعي قول آخر: إنّ البيّنتين تتعارضان هنا، و لا تقدّم بيّنة المشتري لأجل اليد، لأنّهما لا يتنازعان في اليد، و إنّما يتنازعان فيما وقع عليه العقد، فحينئذ تسقطان، و يكون الحال كما لا بيّنة لواحد منهما (6).

و قال بعض الشافعيّة: يقرع و تقدّم بالقرعة. و هل يحلف من خرجت له القرعة؟ قولان (7).

و لو لم يكن لواحد منهما بيّنة، قدّم قول المشتري مع يمينه، لأنّه المالك، فلا تزول يده إلّا بما يدّعيه إذا لم تكن بيّنة، كما أنّ المشتري لا يملك المبيع إلّا بما يقرّ به البائع من الثمن.

لا يقال: الشفيع غارم فيقدّم قوله، كما في الغاصب و المتلف و الضامن لنصيب شريكه إذا أعتق شريكه نصيبه.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 523، روضة الطالبين 4: 180.

(2) بدل ما بين المعقوفين في الموضعين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة «الشفيع».

و ما أثبتناه يقتضيه السياق.

(3) بدل ما بين المعقوفين في الموضعين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة «الشفيع».

و ما أثبتناه يقتضيه السياق.

(4) بدائع الصنائع 5: 31، الهداية- للمرغيناني- 4: 30، الحاوي الكبير 7:

246، المغني 5: 515، الشرح الكبير 5: 525.

(5) بدائع الصنائع 5: 31، الهداية- للمرغيناني- 4: 30، الحاوي الكبير 7:

246، المغني 5: 515، الشرح الكبير 5: 525.

(6) الحاوي الكبير 7: 246.

(7) الحاوي الكبير 7: 246.

293

لأنّا نقول: الشفيع ليس بغارم، لأنّه لا شيء عليه، و إنّما يريد أن يتملّك الشقص، بخلاف الغاصب و المتلف، و أمّا المعتق فإن [قلنا:] (1) العتق يسري باللفظ، فقد وجب عليه قيمته و هو غارم، و إذا قلنا: يسري بأداء القيمة أو مراعى، كان القول قول المالك، لأنّ العتق لا يثبت عليه القيمة مثل مسألتنا.

لا يقال: لم لا قلتم: يتحالف المشتري و الشفيع، كما قلتم في البائع و المشتري إذا اختلفا في الثمن؟

لأنّا نقول: إذا اختلف المتبايعان، فكلّ منهما مدّع و مدّعى عليه، فتحالفا، و ليس كذلك هنا، فإنّ الشفيع مدّع للشقص، و المشتري لا يدّعي عليه شيئا، لأنّ المشتري إذا ثبت له ما قال، كان الشفيع بالخيار. و لأنّ المتبايعين قد باشرا العقد، بخلاف الشفيع و المشتري.

و لو نكل المشتري عن اليمين، حلف الشفيع على دعواه، و أخذ بما ادّعاه.

و لو شهد البائع للشفيع، فللشافعيّة وجوه:

أحدها: لا تقبل، و قطع به العراقيّون، لأنّه يشهد على فعله، كما مرّ.

و الثاني: نعم، و صحّحه البغوي، لأنّه ينقض حقّه.

و الثالث: إن شهد قبل قبضه الثمن، قبلت، لأنّه ينقض حقّه، إذ لا يأخذ أكثر ممّا شهد به. و إن شهد بعده، فلا، لأنّه يجرّ إلى نفسه نفعا، فإنّه إذا قلّ الثمن قلّ ما يغرمه عند ظهور الاستحقاق (2).

____________

(1) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 523، روضة الطالبين 4: 180.

294

تذنيب: لو ادّعى المشتري أنّ هذا البناء ممّا أحدثه بعد الشراء و أنكر ذلك الشفيع، قدّم قول المشتري، لأنّ ذلك ملكه، و الشفيع يريد تملّكه عليه، فكان القول قول المالك، و به قال ابن سريج (1).

مسألة 766: إذا اختلف المتبايعان في الثمن

، فقد قلنا: إنّ القول قول البائع مع يمينه مع بقاء السلعة، فإذا حلف البائع، أخذ من المشتري ما حلف عليه.

ثمّ الشفيع إن صدّق البائع، دفع ما حلف عليه، و ليس للمشتري المطالبة به، لأنّه يدّعي أنّ ما أخذه البائع زائدا عمّا ادّعاه ظلم، فلا يطالب غير من ظلمه.

و إن لم يعترف بما قال البائع، أدّى ما ادّعاه المشتري ثمنا.

و لو قلنا: إنّ القول قول المشتري في الثمن فيثبت قول البائع بالبيّنة أو باليمين المردودة، فالحكم كما تقدّم.

و تقبل شهادة الشفيع للبائع، لأنّه الغارم في الحقيقة أن أخذ الشفعة، و إلّا فلا تهمة، و لا تقبل للمشتري، لأنّه متّهم في تقليل الثمن، فإنّه يدفع عن نفسه المطالبة بالزائد.

و لو تحالفا- كما هو مذهب الشافعي (2)- عند عدم البيّنة، و فسخ عقدهما أو انفسخ، فإن جرى ذلك بعد ما أخذ الشفيع الشقص، أقرّ في يده، و على المشتري قيمة الشقص للبائع.

و إن جرى قبل الأخذ، فالأقرب: عدم سقوط حقّه، لاعترافهما معا بجريان البيع و استحقاقه للشفعة، فيأخذها بما قال البائع، لحلفه عليه،

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 523، روضة الطالبين 4: 180.

295

لا بما حلف عليه المشتري، لأنّ للبائع فسخ البيع، فإذا أخذه بما قال المشتري، منع منه. و إن رضي المشتري بأخذه بما قال البائع، جاز، و ملك الشفيع أخذه بما قال المشتري، فإن عاد المشتري و صدّق البائع و قال: كنت غالطا، فالأقرب: أنّ للشفيع أخذه بما حلف عليه و للشافعيّة في سقوط الشفعة وجهان سبقا في خروجه معيبا، فإن قلنا: لا تسقط، أخذه بما حلف عليه البائع- كما قلناه- لاعتراف البائع باستحقاق الشفيع الأخذ بذلك الثمن، فيأخذ منه، و تكون عهدته على البائع خاصّة، لا على المشتري، لانفساخ عقده (1).

مسألة 767: لو ادّعى على رجل شفعة في شقص اشتراه

، فقال له المدّعى عليه: ليس لك ملك في شركتي، قدّم قول المدّعى عليه مع اليمين، و كان على طالب الشفعة البيّنة أنّه يملك شقصا في شركة المشتري- و به قال الشافعي و أبو حنيفة و محمّد بن الحسن (2)- لأنّ الملك لا يثبت بمجرّد اليد، و إذا لم يثبت الملك المستحقّ به الشفعة، لم تثبت الشفعة.

و مجرّد الظاهر لا يكفي، كما لو ادّعى ولد أمة في يده.

و قال أبو يوسف: إذا كان في يده، استحقّ به الشفعة، لأنّ الظاهر من اليد الملك (3). و لا بأس به عندي.

و لو لم تكن بيّنة، حلف المشتري- إن ادّعى الطالب علمه بالشركة- على نفي علمه بالشركة، لأنّها يمين على نفي فعل الغير، فإذا حلف،

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 523، روضة الطالبين 4: 180.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 524، روضة الطالبين 4: 180، المغني 5: 519، الشرح الكبير 5: 532.

(3) المغني 5: 519، الشرح الكبير 5: 532.

296

سقطت دعواه، و لا يحلف على نفي شركته. و لو نكل، حلف الطالب على القطع بأنّه شريك، لأنّها يمين على إثبات فعل، فإن حلف، استحقّ الشفعة، و إن نكل، سقطت.

فلو اعترف الشريك- بعد نكول الطالب و سقوط شفعته- بصدقه، كان عليه دفع الحصّة بالشفعة، و لم يضرّ التأخير، لأنّه لعذر، و يكون نكوله عن اليمين عذرا له في التأخير على إشكال.

و كذا الحكم لو أنكر تقدّم ملك الطالب على ملكه.

مسألة 768: دار بين اثنين فغاب أحدهما و رأينا نصيبه في يد ثالث

، فادّعى الحاضر أنّه اشتراه، و أنّه يستحقّه بالشفعة، فإن أقام المدّعي بيّنة بالشراء و أقام المتشبّث بيّنة (1)، قضي بها، و أخذ بالشفعة.

ثمّ إن اعترف المدّعى عليه، سلّم إليه الثمن، لثبوت البيع بالبيّنة.

و إن لم يعترف، فإمّا أن يترك الثمن في يد المدّعي إلى أن يقرّ المدّعى عليه، أو يأخذه القاضي حافظا له، أو يجبر على قبوله أو الإبراء منه، فيه احتمالات ثلاثة.

و لو أقام المدّعي بيّنة بالشراء و أقام المتشبّث بيّنة بأنّه ورثه أو اتّهبه، تعارضت البيّنتان، لأنّ الشراء و الميراث متنافيان، و كذا الشراء و الاتّهاب.

و مع التعارض يكون له حكم عندنا سيأتي في كتاب القضاء إن شاء اللّه تعالى.

و عند الشافعي قولان: التساقط، و استعمالهما، و سيأتي.

و لو أقام المتشبّث أنّ الغائب أودعه إيّاه أو أعاره، فإن لم يكن

____________

(1) كذا ورد قوله: «و أقام المتشبّث بيّنة». و الظاهر زيادتها.

297

للبيّنتين تأريخ أو كان تأريخ الإيداع سابقا، قضي بالشفعة، لعدم التنافي بين البيّنتين، لجواز أن يودعه ثمّ يبيعه.

و لو سبق تأريخ البيع، فلا منافاة أيضا، لاحتمال أنّ البائع غصبه بعد البيع ثمّ ردّه إليه بلفظ الإيداع، أو بردّ مطلق فاعتمده الشهود، أو يكون المشتري قد عجز عن الثمن، فقال له البائع: خذه وديعة إلى أن تجد الثمن فتزنه و تقبضه.

و لو انتفى الاحتمال- بأن تأخّر تأريخ الإيداع و شهدت بيّنة الإيداع بأنّه أودعه ما هو ملكه، و بيّنة الشراء مطلقة- كانت بيّنة الإيداع أولى، لأنّها صرّحت بالملك، ثمّ يراسل الغائب فإن قال: هو لي وديعة، بطلت بيّنة الشراء. و إن قال: لا حقّ لي فيه، قضي ببيّنة الشراء فالشفعة.

و لو صرّحت بيّنة الشراء بالملك فقال: باع ما هو ملكه، و أطلقت بيّنة الإيداع، قدّمت بيّنة الشراء.

و أمّا إذا لم يكن للمدّعي بيّنة، فالمدّعى عليه إما أن يقرّ بأنّه كان لذلك الغائب فاشتراه منه، أو ينكر أصل الشراء، أو يقول: اشتريته لفلان.

فإن أقرّ، فالأقرب: أنّه لا يأخذه المدّعي، لأنّ المتشبّت لا يقبل قوله على الغائب، فيوقف الأمر حتى يراسل، فإن أقرّ بصدقه، أخذه الشفيع، و إلّا فلا، و هو أحد وجهي الشافعيّة.

و الأصحّ عندهم: أنّ للمدّعي أخذه، لتصادقهما على البيع، و يكتب القاضي في السجلّ أنّه أثبت الشفعة بتصادقهما، فإذا قدم الغائب، فهو على حقّه (1).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 525، روضة الطالبين 4: 181.

298

و ليس بجيّد، لأنّه حكم على الغائب بغير بيّنة.

و إن أنكر الشراء، صدّق في قوله باليمين، لأنّه منكر. ثمّ إمّا أن يجيب بأنّك لا تستحقّ الشفعة، أو أنّني لا يلزمني التسليم إليك، فيحلف كذلك، و لا يلزمه التعرّض لنفي الشراء، لإمكان أن يكون قد اشتراه مع إسقاط الشريك الشفعة.

و إن تكلّف في الجواب: لم أشتره بل ورثته أو اتّهبته، ففي كيفيّة الحلف احتمالان:

أحدهما: أنّه يحلف على نفي الشراء، لأنّه أجاب به، و إذا أجاب بشيء، فقد أمكنه اليمين عليه حيث عدل إليه في الجواب.

و الثاني: أنّه يحلف أنّه لا يستحقّ الشفعة، لأنّه لو أجاب بذلك، لكفاه، فكذا في اليمين، و يمكن أن يكون قد اشتراه بحيث لا تجب فيه شفعة أو سقطت ثمّ تساهل في الجواب بعدم الشراء، فإذا كلّف اليمين، عدل إلى ما يمكنه الحلف عليه. و هما وجهان للشافعيّة (1).

و لو نكل المدّعى عليه، حلف الطالب، و استحقّ الشقص. و في [الثمن] (2) ما تقدّم من الوجوه: إمّا أن يقرّ في يد الشفيع، أو يقبضه الحاكم، أو يقهره على القبض أو الإبراء.

و إن قال: اشتريته لفلان، رجع الحال إلى المضاف إليه، و سيأتي.

مسألة 769: إذا ادّعى أنّه اشترى شقصا في شركته

و أنّه يستحقّ

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 525، روضة الطالبين 4: 181.

(2) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «اليمين». و الصحيح ما أثبتناه.

299

الشفعة عليه، فإنّه يحتاج إلى أن يحرّر دعواه فيحدّد (1) المبيع الذي يدّعيه و يذكر ثمنه و يدّعي فيه الشفعة، فإذا فعل ذلك، سئل المدّعى عليه، فإن أقرّ، لزمه، و إن أنكر فقال: وهب لي أو ورثته و لم أشتره، أو لا يستحقّ عليّ الشفعة، قدّم قوله- على ما تقدّم- مع اليمين، فإن حلف، سقطت الدعوى، و إن نكل، حلف المدّعي، و استحقّ أخذه بالشفعة.

و أمّا الثمن فإمّا أن يجعل في ذمّة الشفيع إلى أن يطالبه المشتري، لأنّه أقرّ له بحقّ فأنكره، فلم يكن له مطالبته، و إمّا أن يلزمه الحاكم بأخذه أو الإبراء منه إذا سأل ذلك الشفيع- كما أنّ المكاتب إذا حمل لسيّده نجوم الكتابة قيل له: إمّا أن تأخذه أو تبرئ- و إمّا أن يحفظه الحاكم في بيت المال، فمتى ادّعاه المشتري سلّم إليه، و إلّا كان محفوظا عليه، لأنّ عليه ضررا في بقاء حقّ غيره في ذمّته، و لهذا إذا طالب من عليه الدّين صاحب الدّين بقبضه، لزم صاحب الدّين قبضه أو الإبراء منه.

هذا إذا أنكر المشتري الشراء، و الشريك القديم غير معترف بالبيع، و لو اعترف و الشقص في يده، فإن لم يعترف بقبض الثمن، ثبتت الشفعة.

و فيه وجه للشافعيّة: أنّها لا تثبت (2).

و إذا قلنا بالثبوت، سلّم الثمن إلى البائع، و العهدة عليه، لأنّه تلقّى الملك منه حيث لم يعترف المشتري بالشراء و لا بيّنة هناك، و هو أحد وجهي الشافعيّة. و الثاني: ينصب القاضي أمينا يقبض الثمن منه للمشتري و يدفعه إلى البائع، و يقبض الشقص من البائع للمشتري و يدفعه إلى

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «فيجدّد» بالجيم، و هو غلط.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 525، روضة الطالبين 4: 181.

300

الشفيع (1).

و إذا أخذ البائع ثمن الشقص، فهل له مخاصمة المشتري و مطالبته بالثمن؟ الأقرب ذلك، لأنّ له غرضا صحيحا، فإنّه قد يكون ماله أبعد عن الشبهة، و الرجوع عليه بالدرك أسهل (2)، و هو أحد وجهي الشافعيّة (3).

و حينئذ لو حلف المشتري، فلا شيء عليه. و إن نكل، حلف البائع، و أخذ الثمن من المشتري، و كانت عهدته عليه.

و أمّا ما أخذه من الشفيع فهل يؤخذ منه و يوقف أو يترك في يده؟

وجهان.

و قيل: إنّ الوجهين في أنّه هل يطالب المشتري فيما إذا لم يرض بأخذ الثمن من الشفيع؟ فإن رضي، فليقنع (4) به (5).

فإن اعترف مع البيع بقبض الثمن، فإن قلنا: لا شفعة إذا لم يعترف بالقبض، فهنا أولى، و إلّا فوجهان أصحّهما عندهم: ثبوتها (6).

ثمّ هل يترك الثمن في يد الشفيع، أم يأخذه القاضي و يحفظه، أم يجبر المشتري على قبوله أو الإبراء منه؟ فيه ما تقدّم (7).

مسألة 770: لو ادّعى عليه الشراء فصدّقه و قال: لم أشتره لنفسي

، بل لفلان، فإن كان المضاف إليه حاضرا، استدعاه الحاكم، فإن صدّقه، كان

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 525، روضة الطالبين 4: 181.

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «سهل». و الظاهر ما أثبتناه.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 525، روضة الطالبين 4: 182.

(4) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «فليتبع» بدل «فليقنع». و الصحيح ما أثبتناه كما في المصدر.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 526، روضة الطالبين 4: 182.

(6) العزيز شرح الوجيز 5: 526، روضة الطالبين 4: 182.

(7) في ص 296، ضمن المسألة 768.

301

الشراء له، و الشفعة عليه. و إن كذّبه، حكم بأنّ الشراء للمدّعى عليه، و أخذ منه بالشفعة.

و إن كان غائبا، أخذه الحاكم منه، و دفعه إلى الشفيع، و كان الغائب على حجّته إذا قدم، و لا تؤخّر الشفعة إلى حضور الغائب، لما فيه من إسقاط الشفعة، إذ لكلّ مشتر الالتجاء إلى دعوى الشراء للغائب. و لأنّ الغائب إمّا مصدّق أو مكذّب، و على التقديرين يستحقّ الشفيع الشفعة إمّا عليه أو على الحاضر.

و إن قال: اشتريته لطفل هو ابني أو لي عليه ولاية، فالأقرب: ثبوت الشفعة إن ثبت الشراء المطلق، و إلّا فلا.

أمّا على التقدير الأوّل: فلأنّ الشراء موجب للشفعة على كلّ مشتر، سواء كان طفلا أو لا.

و أمّا على التقدير الثاني: فلأنّ الملك للطفل، و لا تجب الشفعة بإقرار الوليّ عليه، لاشتمال ذلك على إيجاب حقّ في مال الصغير بإقرار الوليّ.

و للشافعي قولان:

أحدهما: أنّه إذا أضاف الشراء إلى من له عليه ولاية، تثبت، لأنّ المقرّ يملك الشراء، فصحّ إقراره فيه، كما يصحّ في حقّ نفسه.

و الثاني: لا تثبت، إذ لا يقبل إقرار الوليّ في حقّ الطفل (1).

تذنيب: إذا ادّعى عليه الشفعة [فيما بيده] (2) فقال: هذا الشقص لفلان الغائب أو لفلان الصغير، لم تثبت الشفعة إلى أن يقدم الغائب و يبلغ

____________

(1) المغني 5: 517، الشرح الكبير 5: 530.

(2) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «في يده». و الظاهر ما أثبتناه.

302

الصغير فيطالبهما بذلك، و لا يسأل المقرّ عن سبب ملك الغائب و الصغير، لأنّ إقراره بعد ذلك يكون إقرارا في ملك الغير و لا يقبل، و يفارق إذا أقرّ بالشراء ابتداء، لأنّ الملك ثبت لهما بذلك الإقرار، فيثبت جميعه.

مسألة 771: لو قال المشتري: إنّي اشتريت الشقص بألف

، فدفع الشفيع إليه الألف و أخذ الشقص بالشفعة فادّعى البائع أنّه باع الشقص بألفين، قضي له بالألفين، عملا بالبيّنة، و لم يكن للمشتري الرجوع على الشفيع بما زاد على الألف- و به قال الشافعي (1)- لاعتراف المشتري بكذب بيّنة البائع، و أنّه قد ظلمه في الزيادة، فلم يحكم له بها، و إنّما حكمنا للبائع بها، لأنّه لم يكذّبها.

و قال أبو حنيفة: يأخذ الشفيع بالألفين، لأنّ الحاكم إذا حكم عليه بالبيّنة، فقد أبطل إقراره، و ثبت أنّ البيع كان بألفين (2).

و نمنع كذب المشتري، و إبطال الحاكم إقراره في حقّ البائع لا يقتضي إبطاله في حقّ نفسه.

و لو قال المشتري: صدقت البيّنة و قد كنت نسيت (3) الثمن، لم يقبل قوله، لأنّه رجوع عن إقرار تعلّق به حقّ غيره، فلا يقبل، كما لو أقرّ الإنسان بشيء ثمّ قال: نسيت، هو دونه، لم يقبل.

مسألة 772: لو ادّعى كلّ من الشريكين أنّ له الشفعة على صاحبه فيما في يده

، رجعنا إليهما و قلنا: متى ملكتما؟ فإن قالا: ملكنا دفعة واحدة، فلا شفعة، لعدم السبق الذي هو شرط الأخذ بالشفعة.

____________

(1) المغني 5: 520- 521، الشرح الكبير 5: 526.

(2) المغني 5: 521، الشرح الكبير 5: 526.

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «أنسيت». و هو غلط.

303

و لو ادّعى كلّ منهما السبق، فقد تقدّم حكمه ما لو أقاما بيّنتين أو أقام أحدهما خاصّة.

و لو لم يكن لأحدهما بيّنة، نظر إلى السابق بالدعوى فقدّمنا دعواه، و كان القول قول الآخر مع يمينه، لأنّه منكر، فإذا حلف، استحقّ نصيبه بالشفعة، و لم تسمع دعواه على الأوّل، لأنّ ملكه الذي يستحقّ به الشفعة قد زال.

مسألة 773: لو ادّعى أحد الشريكين أنّه قد باع حصّته على زيد فأنكر زيد

، قدّم قول المنكر- و هو زيد- مع اليمين و عدم البيّنة، فإن صدّق الشفيع شريكه على البيع، و طلب الشفعة و بذل الثمن ليأخذ الشقص، فالأقرب: ثبوت الشفعة في حقّ البائع للشريك- و هو أحد قولي الشافعي، و قول أبي حنيفة و أحمد (1)- لأنّ البائع أقرّ بحقّ للمشتري، و حقّ للشفيع، و قد سقط حقّ المشتري بإنكاره، فلا يسقط حقّ الشفيع، كما لو أقرّ بحقّ لاثنين فردّه أحدهما.

و القول الثاني للشافعي: [لا] (2) لأنّه لا شفعة هنا- و به قال مالك- لأنّ الشفعة فرع على البيع، فإذا لم يثبت البيع، لم تثبت الشفعة، فإنّ النسب إذا لم يثبت بإقرار أحد الورثة، لم يثبت الميراث (3).

و الفرق: أنّ النسب يتضمّن حقّا له و حقّا عليه، فإذا لم يثبت ما له، لم يثبت ما عليه، و هنا يثبت ما له، و هو الثمن، فتثبت.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 525، روضة الطالبين 4: 181، المغني 5: 476، الشرح الكبير 5: 538.

(2) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 525، روضة الطالبين 4: 181، المغني 5: 476، الشرح الكبير 5: 538.

304

إذا عرفت هذا، فإن قلنا: لا تثبت الشفعة، فللبائع مخاصمة المشتري و إحلافه، فإن حلف، سقطت الدعوى. و إن نكل، حلف البائع، و يثبت البيع، و تثبت فيه الشفعة.

و هل للشفيع دون البائع إحلاف المشتري؟ الأقرب ذلك.

و كذا للشفيع إحلاف المشتري لو ملك (1) البائع.

و لو حلف المشتري للبائع، فهل عليه أن يحلف للشفيع؟ الأقرب ذلك، لأنّه مدّع آخر، فإن حلف، سقطت الشفعة، و لا تسقط بحلف المشتري للبائع. و إن نكل، حلف الشفيع، و كان حكمه مع البائع حكم الشفيع لو لم يقرّ المشتري بالبيع و أقرّ البائع.

و أمّا إن قلنا: تثبت الشفعة، فإن رضي البائع بتسليم الشقص إلى الشفيع و أخذ الثمن منه، كانت العهدة عليه و لا كلام. و إن قال: أنا أطالب المشتري بتسليم الثمن و بتسليم المبيع، فهل له ذلك؟ فيه وجهان:

أحدهما: ليس له ذلك، لأنّه قد حصل له مقصود دعواه من جهة الشفيع، فلا حاجة له إلى المخاصمة.

و الثاني: له ذلك، لأنّه قد يكون له غرض بأن تكون معاملة المشتري أحبّ إليه في حقوق العقد و في الدرك.

فإن قلنا: لا يخاصم المشتري، دفعه إلى الشفيع، و أخذ الثمن.

لا يقال: أ ليس لو ادّعى على رجل بدين، فقال رجل: أنا أدفع إليك الذي تدّعيه و لا تخاصمه، لم يلزمه قبوله، فهلّا (2) قلتم هنا: لا يلزمه قبول الثمن من الشفيع؟

____________

(1) كذا، و الظاهر «هلك» بدل «ملك».

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «فألّا» بدل «فهلّا» و الصحيح ما أثبتناه.