تذكرة الفقهاء - ج12

- العلامة الحلي المزيد...
370 /
305

لأنّا نقول: الفرق ثبوت المنّة في قبول الدّين من الدافع إليه تبرّعا، و هنا بخلافه.

و إن قلنا: له مخاصمة المشتري، فإن حلف، سقطت دعواه عنه، و أخذه الشفيع، و كانت العهدة على البائع. و إن نكل، حلف البائع، و ثبت (1) الشراء، و طولب بالثمن، و كانت الشفعة عليه، و العهدة للشفيع.

و أمّا إن كان البائع يدّعي البيع و يقرّ بقبض الثمن و المشتري ينكر، فهل تثبت الشفعة؟ قال بعض الشافعيّة: لا تثبت، لأنّها لو ثبتت، لكان الشفيع يأخذه بغير عوض، و ذلك لا يثبت له، كما لا تثبت له الشفعة في الهبة (2).

و قال بعضهم: تثبت الشفعة، لأنّه قد أقرّ بالشفعة، فلزمه، و يأخذه الشفيع (3).

و يكون في الثمن ما تقدّم (4) إمّا أن يأخذه المشتري أو يبرئ، و إمّا أن يحفظه الحاكم، و إمّا أن يبقى في ذمّة الشفيع.

مسألة 774: لو أثبتنا الشفعة مع الكثرة

- كما هو رأي بعض علمائنا و العامّة (5)- إذا كانت دار بين أربعة، فباع أحدهم نصيبه من أجنبيّ فادّعى المشتري على أحدهم أنّه عفا، و شهد له الشريكان الآخران، قبلت شهادتهما إن كانا قد عفوا (6) عن الشفعة، لأنّهما لا يجرّان بهذه الشهادة نفعا إلى أنفسهما. و إن لم يكونا قد عفوا، لم تسمع شهادتهما، لأنّهما يجرّان

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «يثبت».

(2) لم نعثر عليه في مظانّه.

(3) لم نعثر عليه في مظانّه.

(4) في ص 296، ضمن المسألة 768.

(5) تقدّم في ص 202، ضمن المسألة 706.

(6) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة هنا و فيما يأتي: «عفيا» فصحّحناه بما ترى.

306

إلى أنفسهما استحقاق جميع المبيع.

و لو شهدا بالعفو قبل أن يعفوا فردّت شهادتهما ثمّ عفوا و شهدا، لم تقبل، لأنّ الشهادة إذا ردّت للتهمة ثمّ زالت التهمة، لم تقبل الشهادة، كما لو شهد الفاسق فردّت شهادته فتاب ثمّ أقامها، لم تسمع.

و لو شهدا بعد أن عفا أحدهما، سمعت شهادة العافي، و حلف معه الذي لم يعف، و سقطت شفعة المشهود عليه. و إن عفا الآخر بعد ما شهد، حلف المشتري مع الشاهد، و أخذ جميع الشقص.

فرعان:

أ- لو شهد البائع على الشفيع بالعفو، فإن كان قبل قبضه الثمن، لم تقبل شهادته، لأنّه يجرّ إلى نفسه نفعا، و هو أن يفلس المشتري فيرجع إليه دون الشفيع. و إن كان بعد قبضه الثمن، قبلت، و هو أحد وجهي الشافعيّة. و في الثاني: لا تقبل، لأنّه ربّما توقّع العود إلى العين بسبب ما (1).

ب- لو شهد السيّد على مكاتبه بالعفو عن الشفعة، قبل، لأنّ ذلك في الحقيقة شهادة عليه.

و لو شهد بالشراء فيما لمكاتبه الشفعة فيه، قال بعض الشافعيّة:

تقبل، ثمّ تثبت فيه الشفعة تبعا، و لو شهد له بالشفعة، لم تقبل (2).

و فيه نظر.

مسألة 775: لو كان ملك بين اثنين أحدهما حاضر و الآخر غائب

، و نصيب الغائب في يد وكيله، فادّعى الحاضر على الوكيل أنّه اشترى نصيب

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 546، روضة الطالبين 4: 193.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 546، روضة الطالبين 4: 194.

307

الغائب و له فيه الشفعة، و أقام بذلك بيّنة، فإنّ الحاكم يسمع بيّنته، و يثبت الشراء و الشفعة، و به قال الشافعي و أبو حنيفة (1).

قال المزني: و هذا قضاء على الغائب بالشراء (2)، يريد أنّ الشراء يثبت و هو على الغائب، فقال بعض (3) الشافعيّة: إنّه ليس قضاء على الغائب، و إلّا احتيج إلى اليمين مع الشهادة.

و هذا الفرع ساقط عنّا، لأنّا نحكم على الغائب.

مسألة 776: دار بين أخوين و أجنبيّ أثلاثا فباع الأجنبيّ نصيبه

من رجل فطالب أحد الشريكين الأخوين بالشفعة، فقال المشتري: إنّما اشتريته لأخيك، فكذّبه و قال: بل اشتريته لنفسك، فإن صدّقه الذي أقرّ له، كان الشقص بين الأخوين، و كذا إن كذّبه و طالب بالشفعة فإن قال: أحلفوه أنّه اشتراه لأخي، لم يحلف، لأنّ المدّعي يستحقّ نصفه سواء صدّق أو كذّب.

و قد أثبت أبو العباس من الشافعيّة الشفعة للمشتري في هذا الفرع (4).

فإن قال أحد الأخوين للمشتري: شراؤك باطل، و صدّقه الآخر على (صحّة الشراء) (5) كانت الشفعة للمصدّق خاصّة.

و كذا إن قال أحدهما: لم يبعه و إنّما اتّهبه، و صدّقه الآخر على الشراء، كانت الشفعة للمصدّق، لأنّ المكذّب أسقط حقّ نفسه و أقرّ أنّه لا شفعة.

____________

(1) مختصر المزني: 121، الحاوي الكبير 7: 297، العزيز شرح الوجيز 5: 524، المغني 5: 518، الشرح الكبير 5: 530- 531.

(2) مختصر المزني: 121.

(3) الحاوي الكبير 7: 298.

(4) لم نعثر عليه في مظانّه.

(5) بدل ما بين القوسين في «س، ي»: «صحّته».

308

تذنيب: لو كانت دار في يد رجل فادّعى آخر عليه أنّه يستحقّ سدسها، فأنكره ثمّ قال له المدّعى عليه: خذ منّي السدس الذي ادّعيته بسدس دارك، فإذا فعل هذا، صحّ، و وجبت الشفعة في كلّ واحد من الشقصين للشفيع، عند الشافعي (1).

و عندنا لا تثبت الشفعة و إن كان له، و ليس ذلك صلحا على الإنكار، لأنّ المدّعى عليه باع المدّعى، دون المدّعي.

مسألة 777: لو كان في يد اثنين دار بالشركة بينهما

، فادّعى أحدهما على الآخر بأنّ النصف الذي في يده اشتراه من زيد، و صدّقه زيد على ذلك، و قال الشريك: ما اشتريته و إنّما ورثته من أبي و لا شفعة لك، فأقام الشفيع شاهدين شهدا بأنّ زيدا ملك هذا الشقص ميراثا عن أبيه، لم يشهدا بأكثر من ذلك، قال محمّد بن الحسن: تثبت الشفعة للشفيع، و يقال له: إمّا أن تدفع الشقص إليه و تأخذ الثمن، أو تردّه على البائع ليأخذه الشفيع من البائع و يأخذ الثمن يدفعه إليك، لأنّ الشاهدين يشهدان لزيد بالملك، و زيد يقرّ أنّ المشتري قد ملكه منه بالشراء، فكأنّهما شهدا لزيد بالملك، و عليه بالبيع (2).

قال ابن سريج من الشافعيّة: هذا غلط، و لا شفعة لهذا المدّعي بذلك، لأنّ البيّنة لم تشهد بالبيع. و أمّا إقراره فليس بينه و بين المشتري منازعة فيثبت إقراره، و إنّما يقرّ على المشتري بالشفعة، و ليست الشفعة من حقوق العقد على البائع، فيقبل فيها قول البائع. و لأنّ شهادته مقبولة، لأنّه

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

(2) حكاه عنه الشيخ الطوسي في المبسوط 3: 160.

309

يشهد على فعل نفسه.

و قال: هذا بمنزلة أن يحلف رجل أنّي ما اشتريت هذه الدار من زيد، فيقول زيد: أنا ما بعتها منه، و قد كانت ملكا لزيد، فإنّه لا يقبل قوله عليه في الحنث، كذا هنا (1).

مسألة 778: لو مات شفيع و له وارثان

، فادّعى المشتري أنّهما عفوا عن الشفعة، و لا بيّنة، فالقول قولهما في عدم العفو، فإن حلفا، تثبت لهما الشفعة، فإن حلف أحدهما و نكل الآخر، لم يحلف المشتري مع نكوله، لأنّه إذا حلف مع نكوله، عاد حقّ الشفعة إلى الشريك الحالف، و لم ينتفع المشتري بيمينه.

ثمّ ينظر في الشريك الحالف، فإن صدّق شريكه على عدم العفو، كانت الشفعة بينهما، و يأخذ الناكل بالتصديق لا بيمين غيره، و دركه على المشتري. و إن كذّبه، أحلف الناكل له، و لا يكون النكول مسقطا، لأنّ ترك اليمين عذر، على إشكال. و إن ادّعى أنّه عفا، حلف هو مع نكوله، و تثبت الشفعة كلّها له. فإن عفا هذا الحالف بعد يمينه، كان للمشتري أن يحلف مع نكول الآخر، لأنّه الآن تسقط عنه الشفعة.

و لو شهد أجنبيّ بعفو أحدهما، فإن حلف بعد عفو الآخر، بطلت الشفعة، و إلّا أخذ الآخر الجميع.

و لا فرق في هذا الفرع بين أن يكون الشفيعان ورثا الشفعة أو كانا شريكين عند مثبتي الشفعة مع الشركة.

مسألة 779: لو ادّعى على شريكه أنّه اشتراه و له عليه شفعة

، فأنكر

____________

(1) حكاه عنه الشيخ الطوسي في المبسوط 3: 160.

310

الشريك الشراء و ادّعى الميراث، قدّم قول الشريك، لأصالة عدم الشفعة، و قد سبق (1).

و لو أقام كلّ منهما بيّنة، قيل: يقرع، لأنّه مشتبه.

و يحتمل قويّا الحكم ببيّنة الشفيع، لأنّ القول قول مدّعي الإرث مع اليمين، فتكون البيّنة بيّنة الآخر.

مسألة 780: لو ادّعى الشفعة فأنكر المدّعى عليه ملكيّة المدّعي

، فالأقرب: القضاء له باليد على ما تقدّم (2).

و لو ادّعى أحد المتشبّثين الجميع و الآخر النصف فقضي له بالنصف باليمين و قضي لصاحب الجميع بالنصف، لعدم المزاحمة فيه ثمّ باعه مدّعي الكلّ، لم يكن لمدّعي النصف شفعة إلّا مع القضاء باليد.

و لو ادّعى عليه أنّه اشترى حصّة الغائب، التي في يده، فصدّقه، احتمل ثبوت الشفعة، لأنّه إقرار من ذي اليد. و عدمه، لأنّه إقرار على الغائب، فإن قضي بالشفعة فقدم الغائب و أنكر البيع، قدّم قوله مع اليمين، و انتزع (3) الشقص، و طالب بالأجرة من شاء منهما، و لا يرجع أحدهما على الآخر.

مسألة 781: لو قال أحد الوارثين أو أحد الشريكين- إن أثبتنا [الشفعة] (4) مع الكثرة-: شراؤك باطل

، و قال الآخر: بل هو صحيح، فالشفعة بأجمعها للمعترف بالصحّة.

____________

(1) في ص 298- 299، المسألة 769.

(2) في ص 295، المسألة 767.

(3) في الطبعة الحجريّة: «و انتزعه».

(4) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «الشركة». و الصحيح ما أثبتناه.

311

و كذا لو قال: أنت اتّهبته، أو ورثته، و قال الآخر: بل اشتريته.

و لو ادّعى المتبايعان غصبيّة الثمن المعيّن، لم ينفذ في حقّ الشفيع، بل في حقّهما، و لا يمين عليه، إلّا أن يدّعى عليه العلم، فيحلف على نفيه.

و لو أقرّ الشفيع و المشتري خاصّة، لم تثبت الشفعة، و على المشتري ردّ قيمة الثمن على صاحبه، و يبقى الشقص معه يزعم أنّه للبائع و يدّعي وجوب ردّ الثمن، و البائع ينكرهما، فيشتري الشقص منه اختيارا، و يتبارءان، و للشفيع في الثاني الشفعة.

و لو أقرّ الشفيع و البائع خاصّة، ردّ البائع الثمن على المالك، و ليس له مطالبة المشتري، و لا شفعة.

و لو ادّعى ملكا على اثنين، فصدّقه أحدهما، فباع حصّته على المصدّق، فإن كان المكذّب نفى الملك عنه، فلا شفعة. و إن نفى دعواه عن نفسه، فله الشفعة.

مسألة 782: لو أقام المشتري بيّنة على الشفيع بأنّه قد عفا عن الشفعة

، و أقام الشفيع بيّنة بأخذه بالشفعة، و الشقص في يد الشفيع، فالأقرب: الحكم ببيّنة السابق، فإن اتّحد أو أطلق التاريخان، احتمل تقديم بيّنة الشفيع، لقوّتها باليد، و بيّنة المشتري، لزيادة علمها بالعفو.

و أصحّهما عند الشافعيّة: الثاني (1).

و فيه نظر، فإنّ بيّنة الآخذ تزيد أيضا الشهادة بالأخذ.

مسألة 783: لو خرج الشقص مستحقّا بعد بناء الشفيع فيه و غرسه

، و قلع المستحقّ البناء و الغرس، فالقول فيما يرجع به الشفيع على المشتري

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 546، روضة الطالبين 4: 193.

312

من الثمن و ما نقص من قيمة البناء و الغرس و غير ذلك كالقول في رجوع المشتري من الغاصب عليه.

البحث السادس: في مسقطات الشفعة.

مسألة 784: المشهور عند علمائنا أنّ الشفعة على الفور

، فإن أخّر الشفيع الطلب مع عدم العذر، بطلت شفعته- و هو المشهور من أقوال الشافعي (1)، و هو المذكور في كتبه الجديدة، و به قال أبو حنيفة إلّا أنّه يقدّره بالمجلس (2)- لما رواه العامّة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «الشفعة لمن واثبها» (3).

و عنه (عليه السلام) «الشفعة كنشط العقال إن قيّدت ثبتت، و إن تركت فاللوم على من تركها» (4).

و من طريق الخاصّة: ما رواه عليّ بن مهزيار عن الجواد (عليه السلام) في حديث أنّه حدّ للشفيع مجيء الثمن ثلاثة أيّام إن كان الثمن في البلد و مدّة غيبته، و ثلاثة أيّام بعد حضوره إن كان في غير البلد، ثمّ قال (عليه السلام): «فإن

____________

(1) الحاوي الكبير 7: 240، المهذّب- للشيرازي- 1: 386- 387، الوجيز 1:

220، الوسيط 4: 97، حلية العلماء 5: 283، التهذيب- للبغوي- 4: 346، العزيز شرح الوجيز 5: 537، روضة الطالبين 4: 188، المغني 5: 477 و 478، الشرح الكبير 5: 473.

(2) تحفة الفقهاء 3: 51- 52، بدائع الصنائع 5: 17، الهداية- للمرغيناني- 4:

26، مختصر اختلاف العلماء 4: 241، 1949، الحاوي الكبير 7: 240، حلية العلماء 5: 283- 284، التهذيب- للبغوي- 4: 346- 350، العزيز شرح الوجيز 5: 539، المغني 5: 477، الشرح الكبير 5: 473 و 474.

(3) بدائع الصنائع 5: 17، المغني 5: 478، الشرح الكبير 5: 474.

(4) المغني 5: 478، الشرح الكبير 5: 473، العزيز شرح الوجيز 5: 537- 538.

313

وافاه و إلّا فلا شفعة له» (1) و لو كانت الشفعة على التراخي، لم تسقط الشفعة بتأخير الثمن، بل كانت تفتقر إلى تجديد فسخ، كما افتقر البائع إذا أخّر المشتري أداء الثمن بعد ثلاثة أيّام.

و لأنّ خيار الشفعة إنّما يثبت لإزالة الضرر عن المال، فكان على الفور، كخيار الردّ بالعيب.

و القول الثاني للشافعي: أنّ له الخيار ثلاثة أيّام، فإن شاء أخذ بالشفعة، و إن شاء ترك، فإن خرجت الثلاثة و لم يختر الأخذ، بطلت شفعته- و به قال ابن أبي ليلى و الثوري- لأنّ إثبات الخيار على التراخي إضرار بالمشتري، لأنّ ملكه لا يستقرّ على المبيع، و لا يتصرّف بعمارته على حسب اختياره، لأنّه يخاف أن يؤخذ منه فيضيع بعض نفقته، و لا يمكن جعلها على الفور، لأنّ الشفيع يحتاج إلى أن يتفكّر و ينظر هل الحظّ في الأخذ أو الترك؟ و يتسبّب في تحصيل الثمن، فإذا جعل على الفور، أضرّ به، فلم يكن بدّ من حدّ فاصل، و ليس إلّا الثلاثة، كما حدّ بها خيار الشرط عندهم- و خيار الحيوان عندنا- و هي آخر حدّ القلّة (2).

و هو يبطل بخيار الردّ بالعيب.

و الثالث: أنّه على التراخي لا يسقط إلّا بإسقاطه و التصريح بالترك، و ليس للمشتري مطالبته بالأخذ أو الترك- و به قال مالك، إلّا أنّ عند مالك

____________

(1) التهذيب 7: 167، 739.

(2) المهذّب- للشيرازي- 1: 387، الحاوي الكبير 7: 240، التهذيب- للبغوي- 4: 350، حلية العلماء 5: 284، الوجيز 1: 220، الوسيط 4: 97، العزيز شرح الوجيز 5: 538، روضة الطالبين 4: 188، المغني 5: 478، الشرح الكبير 5:

473.

314

في انقطاعه روايتين (1): إحداهما: أنّها تنقطع بعد سنة. و الثانية: تنقطع بأن يمضي عليه من الزمان ما يعلم أنّه تارك لها- لأنّ هذا الخيار لا ضرر في تأخيره، لأنّ المنفعة تكون للمشتري، و إن أحدث فيه عمارة من بناء أو غرس، فإنّه يأخذ قيمته، و ما لا ضرر في تأخيره يكون على التراخي، كخيار القصاص (2).

و نمنع عدم التضرّر (3) و قد سبق.

[و] الرابع: قال في القديم: إنّه على التراخي لا يسقط إلّا بإسقاطه، أو يوجد منه ما يدلّ على إسقاطه، مثل أن يقول المشتري: يعني هذا الشقص، أو: بعه لمن شئت، أو: هبة لي أو لمن شئت، أو: قاسمني (4).

و قال بعض الشافعيّة. لا يبطل بهذا، و للمشتري أن يرفعه إلى الحاكم، فيقول له: إمّا أن تأخذ أو تدع (5).

أمّا التراخي: فلما مرّ.

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «روايتان». و الصحيح ما أثبتناه.

(2) الحاوي الكبير 7: 241- 242، حلية العلماء 5: 285 و 286، التهذيب- للبغوي- 4: 350، الوسيط 4: 97- 98، العزيز شرح الوجيز 5: 538 و 539، روضة الطالبين 4: 188، بداية المجتهد 2: 263، المعونة 2: 1274، المغني 5: 477- 478، الشرح الكبير 5: 473.

(3) في الطبعة الحجريّة: «الضرر».

(4) المهذّب- للشيرازي- 1: 386، الحاوي الكبير 7: 241، حلية العلماء 5:

285، التهذيب- للبغوي- 4: 350، العزيز شرح الوجيز 5: 538، روضة الطالبين 4: 188، و انظر: الوسيط 4: 98.

(5) الحاوي الكبير 7: 241، التهذيب- للبغوي- 4: 350، العزيز شرح الوجيز 5:

538، روضة الطالبين 4: 188، و انظر: المهذّب- للشيرازي- 1: 386- 387، و حلية العلماء 5: 285، و الوسيط 4: 98.

315

و أمّا المطالبة: فليزول عن المشتري ما يخافه من أخذ الشفيع، و ذلك يمنعه من العمارة و التصرّف على حسب اختياره، و قد يلزمه على العمارة أكثر ممّا يقوم به، فيلحقه الضرر.

و ليس بجيّد، لوجود التضرّر مع التراخي.

و الخامس: أنّه على التراخي يمتدّ مدّة تتّسع لتأمّل المصلحة في الأخذ (1).

و هو إضرار بالمشتري.

إذا عرفت هذا، فلو أخّر المطالبة مع عدم العذر، بطلت شفعته و إن لم يفارق المجلس، لما تقدّم (2).

و قال أبو حنيفة: إذا لم يفارق المجلس، لم تبطل (3).

مسألة 785: إنّما يحكم بالفوريّة في الشفعة إذا علم الشفيع بالبيع

، فحينئذ إذا أخّر لغير عذر، بطلت، أمّا لو لم يعلم بالبيع، فلا تبطل شفعته و إن مضت سنون كثيرة، و هو على شفعته إذا علم.

و لو أخبره من يفيد قوله العلم، كالمعصوم أو عدد التواتر، فترك المطالبة و قال: لم اصدّق المخبر، بطلت شفعته، و علم (4) كذبه.

و إن أخبره من لا يفيد خبره العلم، فإن كان ممّن تثبت الحقوق الشرعيّة بإخباره كالعدلين أو الرجل و المرأتين مع عدالتهم، سقطت شفعته أيضا، لأنّ إخبار هؤلاء حجّة في الشرع يعمل بها.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 538، روضة الطالبين 4: 188.

(2) في صدر نفس المسألة.

(3) تحفة الفقهاء 3: 51- 52، بدائع الصنائع 5: 17، الهداية- للمرغيناني- 4:

26، حلية العلماء 5: 283- 284، العزيز شرح الوجيز 5: 539.

(4) في الطبعة الحجريّة: «إذا علم» بدل «و علم».

316

و إن أخبره عدل واحد، فالأقرب: أنّه لا تسقط شفعته، لأنّ الواحد لا تقوم به البيّنة، و هو أحد قولي الشافعي، و رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة و زفر (1).

و الثاني للشافعي: أنّه تبطل شفعته، و لا يقبل عذره بعدم التصديق، لأنّ الواحد حجّة إذا حلف المدّعي معه (2).

و ليس شيئا، إذ لا يمين هنا، فإنّه غير عالم فكيف يحلف!؟ فإذا لم يحلف كيف يثبت!؟

و لو أخبره من لا يقبل قوله- كالكافر و الفاسق و الصبي- لم تبطل شفعته.

و المرأة كالعبد يقبل قولها، و تبطل شفعته باختيارها عند الشافعي في أحد قوليه. و في الثاني: أنّها كالفاسق (3).

و في النسوة عنده وجهان بناء على أنّ المدّعي هل يقضى له بيمينه مع امرأتين؟ إن قلنا: لا، فهنّ كالمرأة، و إلّا فكالعدل الواحد (4).

و لو بلغ هؤلاء عدد التواتر، بطل حقّه و إن كانوا كافرين أو فسقة، لثبوت العلم عند خبرهم.

____________

(1) الوجيز 1: 220، العزيز شرح الوجيز 5: 541، روضة الطالبين 4: 190، المغني و الشرح الكبير 5: 480، عيون المسائل: 134، حلية العلماء 5: 288 و 289، و في ص 288 نسبة العكس إلى رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة و زفر.

(2) الوجيز 1: 220، العزيز شرح الوجيز 5: 541، حلية العلماء 5: 288، روضة الطالبين 4: 190.

(3) حلية العلماء 5: 288- 289، العزيز شرح الوجيز 5: 541، روضة الطالبين 4:

190.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 541، روضة الطالبين 4: 190.

317

و لو أخبره واحد فصدّقه و لم يطلب الشفعة، بطلت و إن لم يكن عدلا، لأنّ العلم بذلك قد يحصل بالواحد للقرائن.

مسألة 786: إذا علم بالبيع و جهل استحقاقه للشفعة، لم تبطل شفعته

، و كان له طلبها بعد العلم. و لو علم الشفعة أيضا، لم نكلّفه (1) المبادرة على خلاف العادة، و العدو حال مشيه و لا تحريك دابّته، بل يمشي على حسب عادته، بل يرجع (2) في ذلك كلّه إلى العرف، فكلّ ما لا يعدّ تقصيرا لا تبطل به الشفعة، و ما يعدّ تقصيرا أو توانيا في الطلب فإنّه مسقط لها.

مسألة 787: لو أخّر الطلب لعذر، لم تسقط شفعته.

و العذر ضربان:

أحدهما: ينتظر زواله عن قرب، مثل الاشتغال بصلاة واجبة أو مندوبة أو أكل أو قضاء حاجة أو كون في حمّام، فله الإتمام، و لا يكلّف قطعها على خلاف العادة، و هو أصحّ قولي الشافعيّة. و الثاني: أنّه يكلّف قطعها حتى الصلاة إذا كانت نافلة (3).

و على الصحيح لو دخل وقت الأكل أو الصلاة أو قضاء الحاجة، جاز له أن يقدّمها، فإذا فرغ، طلب (4) الشفعة، و لا يلزمه تخفيف الصلاة الواجبة و لا المندوبة، و لا يجب عليه الاقتصار على المجزئ.

و لو علم ليلا، أو كان يريد الصلاة فأصبح إلى الغد، أو أذّن و أقام و صلّى السنّة، لم تبطل شفعته. و كذا لو انتظر الجماعة.

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «لم يكلّفه». و الصحيح: «لم يكلّف» أو ما أثبتناه.

(2) في الطبعة الحجريّة: «و يرجع» بدل «بل يرجع».

(3) الوجيز 1: 220، العزيز شرح الوجيز 5: 540، روضة الطالبين 4: 189.

(4) في الطبعة الحجريّة: «يطلب».

318

الثاني: ما لا ينتظر زواله عن قرب، كالمرض و الحبس و الغيبة.

أمّا المرض فإن منعه من الطلب و التوكيل فيه، لم تبطل شفعته.

و إن لم يمنعه عن التوكيل فأخّر التوكيل مع إمكانه، بطلت شفعته- و هو أظهر مذاهب الشافعي- لأنّه أخّر الطلب مع إمكانه.

و الثاني له: لا تبطل شفعته بترك التوكيل، لأنّه قد يكون له غرض بأن يطالب بنفسه، لأنّه أقوم بذلك، أو يخاف الضرر من جهة وكيله بأن يقرّ عليه فيلزمه إقراره برشوة أو غير ذلك، فكان معذورا في تأخيرها.

و الثالث: إن لم يلحقه في التوكيل منّة و لا مئونة ثقيلة (1)، بطلت، و إلّا فلا (2).

و المعتمد ما قلناه.

نعم، لو خاف ضررا على ما قلناه أوّلا فأخّر التوكيل، لم تبطل شفعته.

و لو لم يمكنه التوكيل و لا الطلب و أمكنه الإشهاد على الطلب، وجب عليه الإشهاد، فإن أهمل الإشهاد لغير عذر، بطلت شفعته عند بعض الشافعيّة، لأنّه قد يترك الطلب للعذر و قد يتركه لغير عذر، فإذا لم يشهد لم يعلم أنّه لعذر، فسقطت شفعته.

و الثاني- و هو الأقوى عندي- أنّه لا يحتاج إلى الإشهاد، لأنّه إذا ثبت عذره، كان الظاهر أنّه ترك الشفعة لأجل ذلك، فقبل قوله في ذلك (3).

و أمّا المحبوس فإن كان حبسه ظلما بغير حقّ أو بحقّ هو عاجز عنه، فحكمه كالمريض إن لم يمكنه التوكيل، لم تسقط شفعته. و إن أمكنه

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «بفعله» بدل «ثقيلة»، و ما أثبتناه من المصادر.

(2) الوجيز 1: 220، العزيز شرح الوجيز 5: 539، روضة الطالبين 4: 189.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 539، روضة الطالبين 4: 189.

319

و لم يفعل، سقطت.

و للشافعيّة (1) الوجهان السابقان.

و لو كان محبوسا بحقّ يقدر على أدائه و يجب عليه دفعه و هو مماطل به، فإن وكّل، جاز. و إن لم يوكّل، بطلت شفعته، لأنّه تركها مع القدرة عليها، و به قال الشافعي (2).

و أمّا الغائب فإذا بلغته الشفعة، فإن أمكنه المسير فسار أو وكّل في الطلب، لم تسقط شفعته. و إن تعذّر عليه المسير و التوكيل، فحقّه باق. و إن أمكنه التوكيل فلم يوكّل، كان على الوجهين في المريض.

إذا ثبت هذا، فكلّ موضع أخّر لعذر، فهل يجب عليه أن يشهد على نفسه أنّه على الطلب؟ وجهان تقدّما.

و الخوف من العدوّ كالمرض.

و كذا خوف الطريق أو عدم الرفيق مع الحاجة إليه و الخوف على ضياع شيء من ماله أعذار.

و المسافر إذا بلغه الخبر، يخرج طالبا عند بلوغ الخبر، أو يبعث وكيلا مع أمن الطريق، و إلّا انتظر من يعتمد عليه و يثق بالسفر معه فيسافر، أو يبعث معه الوكيل.

و الحرّ و البرد المفرطان اللّذان يتعذّر السير معهما كالخوف.

و إذا لم يشهد على الطلب مع إمكانه، ففي بطلان الشفعة ما تقدّم من الوجهين.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 539، روضة الطالبين 4: 189.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 539- 540، روضة الطالبين 4: 189.

320

و لو سار المسافر في الحال طالبا للشفعة، لم تسقط شفعته بترك الإشهاد، و لا يكون الإشهاد واجبا. و كذا لو بعث وكيله في الحال و لم يشهد.

و للشافعي قولان (1).

و كذا لو كان حاضرا في البلد فخرج في الحال إلى المشتري أو إلى الحاكم و لم يشهد.

مسألة 788: إذا علم بالشفعة، مضى إلى المشتري

، و لا يحتاج أن يرفع ذلك إلى الحاكم، لأنّ الشفعة ثبتت بالنصّ و الإجماع، فلا تفتقر إلى الحاكم، كمدّة الإيلاء و الردّ بالعيب، و به قال الشافعي (2).

فإذا لقي المشتري، بدأه بالسلام، لأنّه سنّة. قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

«من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه» (3) فيقول: السلام عليكم، أو: سلام عليك، أو: سلام عليكم، و لا تبطل بذلك شفعته.

قال الجويني: و من غلا (4) في اشتراط قطع ما هو مشغول به من الطعام و قضاء الحاجة لم يبعد أن يشترط فيه ترك الابتداء بالسلام (5).

و كذا لا تبطل لو قال عقيب السلام حديثا آخر يتّصل بالسلام، كقوله:

بارك اللّه لك في صفقة يمينك.

قال الشافعي: لا تبطل الشفعة، لأنّ ذلك يتّصل بالسلام، و يكون

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 540، روضة الطالبين 4: 189.

(2) التهذيب- للبغوي- 4: 352، العزيز شرح الوجيز 5: 504 و 540.

(3) حلية الأولياء 8: 199، و انظر: الكافي 2: 471، 2.

(4) في النسخ الخطيّة و الحجريّة: «عذر» بدل «غلا». و ما أثبتناه من المصدر.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 542، روضة الطالبين 4: 191.

321

دعاء لنفسه، لأنّ الشقص يرجع إليه (1).

و له قول آخر: البطلان (2).

و لو قال غير ذلك، فقد أخّر الشفعة لغير عذر.

و لو قال عند لقائه: بكم اشتريته؟ لم تبطل شفعته- و هو أحد قولي الشافعيّة (3)- لافتقاره إلى تحقّق ما أخذ به (4).

و قال الباقون: تبطل، لأنّه تأخير، لأنّ من حقّه أن يظهر الطلب ثمّ يبحث (5).

و لو قال: اشتريت رخيصا، و ما أشبهه، بطلت شفعته، لأنّه فضول.

مسألة 789: و لو لم يمض الشفيع إلى المشتري و مشى إلى الحاكم و طلب الشفعة

، لم يكن مقصّرا في الطلب، سواء ترك مطالبة المشتري مع حضوره أو غيبته.

أمّا لو اقتصر على الإشهاد بالطلب و لم يمض إلى المشتري و لا إلى القاضي مع إمكانه، قال الشيخ (رحمه اللّه): لا تبطل شفعته، لعدم الدليل عليه (6)، و به قال أبو حنيفة (7).

و قال الشافعي: يكون مقصّرا، و بطلت شفعته (8).

و لو جهل البطلان، كان عذرا، و لم يكن مقصّرا، كما لو جهل أصل

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 542، روضة الطالبين 4: 191.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 542، روضة الطالبين 4: 191.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 542، روضة الطالبين 4: 191.

(4) كذا، و الظاهر: «لافتقاره إلى تحقيق ما أخذه به».

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 542، روضة الطالبين 4: 191.

(6) الخلاف 3: 456، المسألة 42.

(7) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 456، المسألة 42، و انظر: العزيز شرح الوجيز 5: 540.

(8) العزيز شرح الوجيز 5: 540، روضة الطالبين 4: 190.

322

الشفعة.

و لو كان المشتري غائبا، رفع أمره إلى القاضي و أخذ، و لم يكف الإشهاد.

و لو لم يتمكّن من الرفع إلى المشتري و لا إلى القاضي، كفاه الإشهاد على الطلب، فإن تمكّن بعد ذلك من المضيّ إلى المشتري أو القاضي، فالأقرب: عدم الاكتفاء بالإشهاد السابق، فيكون مقصّرا لو لم يمض إلى أحدهما، لأنّ الالتجاء إلى الإشهاد كان لعذر و قد زال.

و لو لم يتمكّن من المضيّ إلى أحدهما و لا من الإشهاد، فهل يؤمر أن يقول: تملّكت الشقص أو أخذته؟ الأقرب: ذلك، لأنّ الواجب الطلب عند القاضي أو المشتري، فإذا فات القيد، لم يسقط الآخر.

و للشافعيّة وجهان (1).

مسألة 790: لا يجب الطلب في بلد المبايعة

، فلو باع الشقص بمصر ثمّ وجد الشفيع المشتري بمصر آخر فأخّر الطلب فلمّا رجعا إلى مصره طالبه بالشفعة، لم يكن له ذلك، و سقطت شفعته.

فإن اعتذر الشفيع عن التأخير بأنّي إنّما تركت الطلب لآخذ في موضع الشفعة، لم يكن ذلك عذرا، و قلنا له: ليس تقف المطالبة على تسليم الشقص، فكان ينبغي أن تطلبها حال علمك بها، فبطل حقّك، لاستغناء الأخذ عن الحضور عند الشقص.

مسألة 791: لو أظهر المتبايعان أنّهما تبايعا بألف فترك الشفيع الشفعة فعفا

أو توانى في الطلب، ثمّ بان أنّهما تبايعاه بأقلّ من ذلك، لم تسقط

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 540، روضة الطالبين 4: 190.

323

الشفعة، و كان للشفيع المطالبة بها، لاحتمال أن يكون الترك لأجل كثرة الثمن، فإذا كان أقلّ منه، رغب فيه، فلم تسقط بذلك الترك شفعته.

و كذا لو بلغه أنّه باعه بالثمن المسمّى سهاما قليلة ثمّ ظهر أنّها كثيرة.

و كذا إذا كانا قد أظهرا أنّهما تبايعا ذلك بالدنانير، فترك ثمّ بان أنّهما تبايعا ذلك بالدراهم، تثبت الشفعة، سواء كانت بقيمة الدراهم أو أكثر أو أقلّ- و به قال الشافعي و زفر (1)- لأنّه قد يكون له غرض في ذلك بأن يكون مالكا لأحد النقدين دون الذي وقع التبايع به.

و قال أبو حنيفة و أبو يوسف و محمّد: إذا كانت قيمتهما سواء، سقطت شفعته- و به قال بعض الشافعيّة- لأنّهما يجريان مجرى الجنس الواحد (2).

و كذا إن أظهرا له أنّ زيدا اشتراها، فترك الشفعة فبان أنّ المشتري عمرو و أنّ زيدا كان وكيلا لعمرو، لم تبطل الشفعة، و كان له المطالبة بها، لاحتمال أن يكون يرضى بشركة زيد و لا يرضى بشركة عمرو.

و لو ظهر كذب نوع الثمن، فقال: اشتريته بدراهم راضيّة، فترك الشفعة فظهر أنّه اشترى بدراهم رضويّة، لم تبطل شفعته، و كان له الطلب.

و كذا لو أخبر بأنّ المشتري اشترى النصف بمائة، فترك الشفيع ثمّ

____________

(1) التهذيب- للبغوي- 4: 353، حلية العلماء 5: 298- 299، العزيز شرح الوجيز 5: 541- 542، روضة الطالبين 4: 190، بدائع الصنائع 5: 19، الاختيار لتعليل المختار 2: 542، المغني 5: 481، الشرح الكبير 5: 479.

(2) بدائع الصنائع 5: 19، الاختيار لتعليل المختار 2: 73- 74، حلية العلماء 5:

299، العزيز شرح الوجيز 5: 542، روضة الطالبين 4: 190- 191، المغني 5:

481، الشرح الكبير 5: 479.

324

بان (1) أنّه اشترى الربع بخمسين أو بالعكس، تثبت الشفعة، لأنّه قد يكون له غرض في القليل، و قد يكون له أيضا غرض في الكثير.

و كذا لو قيل له: باع كلّ نصيبه، فترك ثمّ ظهر بعضه أو بالعكس، أو أنّه باعه بثمن حالّ، فترك ثمّ ظهر أنّه مؤجّل، أو أنّه باعه إلى شهر، فترك فظهر أنّه إلى شهرين أو بالعكس، أو أنّه باع رجلين فبان رجلا أو بالعكس، فترك الشفعة قبل ظهور الحال، لم تبطل الشفعة، لاختلاف الغرض بذلك.

و لو ظهر بأنّ الثمن عشرة، فترك الشفعة ثمّ ظهر أنّ الثمن عشرون (2)، أو أخبر بأنّ الثمن مؤجّل (3)، فترك فبان حالّا، أو أنّ المبيع الجميع بألف فبان أنّ البعض بألف، بطل حقّه من الشفعة قطعا.

و لو أخبر (4) أنّه اشترى النصف بمائة، فترك الشفعة ثمّ ظهر أنّه اشترى الربع بخمسين أو بالعكس، تثبت الشفعة، لأنّه قد يكون له غرض في القليل أو الكثير.

و لو بلغه (5) أنّ المشتري واحد، فترك الشفعة ثمّ ظهر أنّه ذلك الواحد و آخر، فله الشفعة من كلّ منهما و من أحدهما إن قلنا بثبوت الشفعة مع الكثرة، لأنّه ترك الذي ترك له على أنّه اشترى الجميع، فإذا كان اشترى البعض، تثبت له، و أمّا الآخر فلم يتركه له.

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «ظهر» بدل «بان».

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «عشرين». و الصحيح ما أثبتناه.

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «مؤجّلا» بالنصب.

(4) تقدّم هذا الفرع آنفا بعد قوله: «و لو ظهر كذب .. كان له طلب».

(5) تقدّم هذا الفرع آنفا عند قوله: «.. أو أنّه باع .. أو بالعكس».

325

مسألة 792: لو أخّر الطلب و اعتذر بحصول مرض أو حبس أو غيبة، و أنكر المشتري

، قدّم قول الشفيع إن علم حصول العارض- الذي ادّعاه- له، و إن لم يعلم له هذه الحال، قدّم قول المشتري، لأصالة العدم، و أصالة عدم الشفعة.

و لو قال: لم أعلم ثبوت حقّ الشفعة، أو قال: أخّرت لأنّي لم أعلم أنّ الشفعة على الفور (1)، فإن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ في برّيّة لا يعرفون الأحكام، قبل قوله، و له الأخذ بالشفعة، و إلّا فلا.

مسألة 793: لو ضمن الشفيع العهدة للمشتري أو ضمن الدرك للبائع عن المشتري

، قال الشيخ (رحمه اللّه): لا تسقط شفعته، و به قال الشافعي، و كذا إذا شرطا الخيار للشفيع إذا قلنا بصحّة اشتراط الخيار للأجنبيّ، لأنّ هذا سبب سبق وجوب الشفعة، فلا تسقط به، كما إذا أذن له في البيع أو عفا عن الشفعة قبل تمام البيع (2).

و قال أهل العراق: إنّه تسقط الشفعة، لأنّ العقد تمّ به، فأشبه البائع إذا باع بعض نصيبه، لا شفعة له (3).

قالت الشافعيّة: هذا ليس بصحيح، لأنّ البيع لا يقف على الضمان، و يبطل بما (4) إذا كان المشتري شريكا، فإنّه تثبت له الشفعة بقدر نصيبه (5).

____________

(1) ورد في النسخ الخطّيّة و الحجريّة قوله: «أو قال .. على الفور» بعد قوله: «فإن كان قريب العهد بالإسلام». و هو سهو من النّسّاخ.

(2) الخلاف 3: 447، المسألة 25، و انظر: حلية العلماء 5: 312، و العزيز شرح الوجيز 5: 546، و المغني 5: 543، و الشرح الكبير 5: 483.

(3) حلية العلماء 5: 312، المغني 5: 543، الشرح الكبير 5: 483، الخلاف- للطوسي- 3: 447، المسألة 25.

(4) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «به» بدل «بما». و الصحيح ما أثبتناه.

(5) انظر: المغني 5: 543، و الشرح الكبير 5: 484.

326

و القول ببطلان الشفعة لا بأس به عندي، لدلالة ذلك على الرضا بالبيع.

قال الشيخ (رحمه اللّه): و لو كان الشفيع وكيلا في البيع (1)، لم تسقط شفعته، سواء كان وكيلا للبائع في البيع أو للمشتري في الشراء- و به قال الشافعي- لعدم الدليل على سقوط الشفعة بالوكالة (2).

و قال بعض الشافعيّة: إن كان وكيلا للبائع، فلا شفعة له، و إن كان وكيلا للمشتري، ثبتت له الشفعة، و الفرق: أنّه إذا كان وكيلا في البيع، لحقته التهمة، و في الشراء لا تهمة (3).

و قال أهل العراق: إذا كان وكيلا للمشتري، سقطت شفعته، بناء على أصلهم أنّ الوكيل يملك، و لا يستحقّ على نفسه الشفعة (4).

و يحتمل عندي قويّا بطلان الشفعة، لأنّ التوكيل يدلّ على الرضا بالبيع.

مسألة 794: لو أذن الشفيع في البيع، فقال: بع نصيبك و قد عفوت عن الشفعة

، أو أبرأه (5) من الشفعة قبل تمام البيع أو أسقط حقّه أو عفا قبل العقد، لم تسقط شفعته، و به قال الشافعي (6).

____________

(1) أي: بيع الشقص الذي يستحقّ به الشفعة.

(2) الخلاف 3: 448، المسألة 27، و راجع: المغني 5: 542، و الشرح الكبير 5:

483- 484.

(3) المغني 5: 542، الشرح الكبير 5: 483.

(4) حكاه عنهم الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 448، المسألة 27، و ابنا قدامة في المغني 5: 542، و الشرح الكبير 5: 483.

(5) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «أبرأ». و الظاهر ما أثبتناه.

(6) حلية العلماء 5: 309، مختصر اختلاف العلماء 4: 240، 1948، المغني 5:

541، الشرح الكبير 5: 484.

327

و حكي عن عثمان البتّي أنّه قال: تسقط الشفعة (1)، لرواية جابر عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «الشفعة في كلّ شرك في أرض (2) أو ربع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع» (3) فأجاز تركه.

و المراد العرض على الشريك ليبتاع ذلك إن أراد، فيخفّ بذلك المئونة عليه في أخذ المشتري الشقص، لأنّ قوله (عليه السلام): «فيأخذ» ليس بالشفعة، لأنّ العرض متقدّم على البيع، و الأخذ متعقّب للعرض، فقوله:

«أو يدع» أي: يدع الشراء، لا أنّه يسقط حقّه بتسليمه. و الأصل فيه أنّ ذلك إسقاط حقّ قبل وجوبه، فلا يصحّ، كما لو أبرأه ممّا يدينه إيّاه.

و كذا لو قال للمشتري: اشتر فلا أطالبك بالشفعة و قد عفوت عنها، لم يسقط حقّه بذلك.

فروع:

أ- إذا شهد الشفيع على البيع، لم تبطل شفعته بذلك، لأنّه قد يريد البيع ليأخذه بالشفعة، و كذا في الإذن بالبيع على ما تقدّم (4).

ب- لو بارك للبائع فيما باع أو للمشتري فيما اشترى، لم تسقط شفعته، و قد سلف (5).

ج- لو قال الشفيع للمشتري: بعني أو قاسمني، بطلت شفعته، لأنّه يتضمّن الرضا بالبيع و إجازته له.

____________

(1) مختصر اختلاف العلماء 4: 240، 1948، حلية العلماء 5: 309.

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «شرك بأرض». و ما أثبتناه من المصدر.

(3) صحيح مسلم 3: 1229، 135.

(4) في صدر المسألة 794.

(5) في ص 320 ضمن المسألة 788.

328

د- لو شرط الخيار للشفيع فاختار الإمضاء، سقطت شفعته إن ترتّبت على اللزوم.

مسألة 795: لو باع أحد الشريكين نصيبه و لم يعلم شريكه حتى باع نصيبه

ثمّ علم بيع شريكه، فالأقرب: عدم الشفعة، لأنّها إنّما ثبتت لزوال الضرر بها عن نصيبه، فإذا باع نصيبه فلا معنى لإثباتها، كما لو وجد بالمبيع عيبا ثمّ زال قبل علم المشتري، و هو أحد قولي الشافعي. و الثاني: أنّه تثبت له الشفعة في النصيب الأوّل، لأنّه استحقّ فيه الشفعة بوجود ملكه حين التبايع، فلم يؤثّر زوال ملكه بعد ذلك (1).

و كذا البحث لو وهب نصيبه قبل علمه بالبيع ثمّ علم، و كذا لو تقايلا في هذا بالبيع (2) الثاني.

إذا عرفت هذا، فإن قلنا: لا شفعة له، فللمشتري منه الأخذ بالشفعة، لوجود المقتضي، و هو الشركة.

و إن قلنا: له الشفعة، فالأقرب: عدم استحقاق المشتري منه للشفعة إن قلنا بانتفاء الشفعة مع الكثرة، و إلّا فإشكال أقربه ذلك أيضا، لأنّ الشفعة استحقّها البائع الجاهل، لسبق عقد الشفعة على عقده، فلا يستحقّها الآخر، لامتناع استحقاق المستحقّين شيئا واحدا.

و لو كان الجاهل قد باع نصف نصيبه و قلنا بالشفعة مع الكثرة، فوجهان:

أحدهما: أنّه تسقط الشفعة- و هو أحد قولي الشافعي (3)- كما إذا عفا

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 543، روضة الطالبين 4: 191.

(2) كذا.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 543، روضة الطالبين 4: 191- 192.

329

عن بعض الشفعة.

و الثاني: لا تسقط، لأنّه قد بقي من نصيبه ما يستحقّ به الشفعة في جميع المبيع لو انفرد كذا إذا بقي. و لأنّه معذور بجهله، و قد بقيت الحاجة- الموجبة للشفعة- للمشاركة (1).

و لو باع الشفيع نصيبه عالما أو وهبه عالما بثبوت الشفعة، بطلت شفعته، سواء قلنا: إنّ الشفعة على الفور أو على التراخي، لزوال ضرر المشاركة.

و لو باع بعض نصيبه عالما، فإن قلنا ببطلان الشفعة مع الكثرة، فكذلك، لتكثّر الشركاء. و إن قلنا بثبوتها معها، فالأقرب: البطلان أيضا، لثبوت التضرّر بالشركة، فلا أثر للشفعة في زوالها.

و يحتمل عدم البطلان، لأنّ تضرّر الشركة قد يحصل مع شخص دون آخر، و لهذا قلنا: إنّه إذا بلغه أنّ المشتري زيد فترك الشفعة ثمّ بان أنّه عمرو، لم تبطل شفعته، كذا هنا.

أمّا لو طالب بالشفعة فامتنع عليه المشتري من الدفع بعد أن بذل المال، لم تسقط شفعته.

فإن باع نصيبه حالة المنع منها ثمّ تمكّن من الطلب، ففي ثبوته إشكال ينشأ: من استحقاقه للطلب أوّلا و قد طلب، فلا تبطل شفعته بالبيع، و البيع معذور فيه، لإمكان حاجته، و من بطلان العلّة الموجبة للشفعة، و هي الشركة. و هو أقرب.

و لو تملّك بالشفعة فقال: تملّكت بالشفعة، حالة منع المشتري منها،

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 543، روضة الطالبين 4: 191- 192.

330

فالأقرب: أنّه يملك الشقص بذلك، فإذا باع نصيبه بعد ذلك، لم تسقط شفعته على هذا التقدير قطعا. و كذا له النماء من المشتري و الأجرة.

مسألة 796: إذا وجبت الشفعة و اصطلح الشفيع و المشتري على تركها بعوض

، صحّ عندنا، و سقطت الشفعة- و به قال مالك (1)- لعموم جواز الصلح. و لأنّه عوض على إزالة ملك في ملك، فجاز، كأخذ العوض على تمليك امرأته أمرها في الخلع.

و قال أبو حنيفة و الشافعي: لا تصحّ المعاوضة، لأنّه خيار لا يسقط إلى مال، فلا يجوز أخذ العوض عنه، كخيار المجلس (2).

و هل تبطل الشفعة؟ للشافعي وجهان:

أحدهما: البطلان، لأنه تركها بعوض لا يسلم له، فكان كما لو تركها.

و الثاني: لا تسقط، لأنّه لم يرض بإسقاطها مجّانا، و إنّما رضي بالمعاوضة عنها، فإذا لم تثبت له المعاوضة، كانت الشفعة باقية (3).

و هذان الوجهان جاريان في الردّ بالعيب إذا عاوض عنه و قلنا:

لا تصحّ المعاوضة.

و عندنا أنّه تصحّ المعاوضة أيضا.

مسألة 797: إذا وجبت الشفعة في شقص فقال صاحب الشفعة:

أخذت نصف الشقص، لم يكن له ذلك.

____________

(1) المغني و الشرح الكبير 5: 482.

(2) الحاوي الكبير 7: 244، التهذيب- للبغوي- 4: 353، المغني 5: 482- 483، الشرح الكبير 5: 481- 482.

(3) الحاوي الكبير 7: 244، التهذيب- للبغوي- 4: 353- 354.

331

و هل تسقط شفعته؟ قال محمّد بن الحسن و بعض الشافعيّة: نعم، لأنّه إذا طلب بعضها، فقد أخّر بعضها، فقد ترك شفعته في بعضها، و إذا ترك بعضها، سقطت كلّها، لأنّها لا تتبعّض (1).

و قال أبو يوسف: لا تسقط، لأنّ اختياره لبعضها طلب للشفعة، فلا يجوز أن يكون هو بعينه تركا لها، لعدم دلالة الشيء على نقيضه. و لأنّه لمّا لم يجز له أن يأخذ بعضها دون بعض كان طلب بعضها كطلب جميعها (2).

و اعترض: بأنّ طلب البعض لا يكون طلبا للجميع، و لا معنى لطلب الجميع بطلب البعض، و لا غرض، فتسقط (3).

البحث السابع: في تفاريع القول بالشفعة مع الكثرة.

مسألة 798: اختلف القائلون بثبوت الشفعة مع الكثرة

- من أصحابنا و من العامّة- هل هي على عدد الرءوس أو على قدر الأنصباء؟

فذهب بعض علمائنا إلى أنّها تثبت على عدد الرجال (4)، فلو كان لأحد الشركاء النصف و للباقين النصف الآخر بالسويّة فباع صاحب الربع نصيبه، كانت الشفعة بين صاحب النصف و صاحب الربع بالسويّة- و به قال

____________

(1) الحاوي الكبير 7: 244، حلية العلماء 5: 292، المغني 5: 483، الشرح الكبير 5: 489- 490.

(2) الحاوي الكبير 7: 244، حلية العلماء 5: 293، المغني 5: 483، الشرح الكبير 5: 490.

(3) المغني 5: 483، الشرح الكبير 5: 490.

(4) كما في المبسوط- للطوسي- 3: 113، و نسبه الفاضل الآبي في كشف الرموز 2: 393 إلى ابن الجنيد.

332

الشعبي و النخعي و ابن أبي ليلى و ابن شبرمة و أبو حنيفة و أصحابه و المزني و الشافعي في أحد القولين، و أحمد في إحدى الروايتين (1)- لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «الشفعة على عدد الرجال» (2).

و لأنّ كلّ واحد منهم لو انفرد، كان له أخذ الكلّ، فإذا اجتمعوا اشتركوا، كالبنين في الميراث، و كما لو كان لواحد من الثلاثة نصف عبد و للثاني ثلثه و للثالث سدسه فأعتق صاحب الثلث و السدس حصّتهما معا دفعة و هما موسران، فإنّ النصف يقوّم عليهما بالسويّة و إن اختلف استحقاقهما.

و قال بعض علمائنا: إنّها تثبت على قدر النّصب (3)- و به قال عطاء و مالك و إسحاق و أحمد في الرواية الأخرى و الشافعي في القول الآخر، و هو مذهب سوار القاضي و عبيد اللّه بن الحسن العنبري (4)- لأنّه حقّ يستفاد بسبب الملك، فكان على قدر الأملاك كالغلّة.

____________

(1) المغني 5: 523، الشرح الكبير 5: 490، الهداية- للمرغيناني- 4: 25، مختصر اختلاف العلماء 4: 248، 1965، الحاوي الكبير 7: 259، المهذّب- للشيرازي- 1: 388، حلية العلماء 5: 291، التهذيب- للبغوي- 4: 362، الوسيط 4: 94، الوجيز 1: 219، العزيز شرح الوجيز 5: 527 و 528، روضة الطالبين 4: 182، المحلّى 9: 98- 99، الاستذكار 21: 281، 5- 31374.

(2) الفقيه 3: 45، 156، التهذيب 7: 166، 736، الاستبصار 3: 116- 117، 416.

(3) كما في المبسوط- للطوسي- 3: 113، و المهذّب- لابن البرّاج- 1: 453.

(4) المغني 5: 523، الشرح الكبير 5: 490، بداية المجتهد 2: 260، الاستذكار 21: 280، 31370، و 281، 3- 31372، المعونة 2: 1269، المهذّب- للشيرازي- 1: 388، الحاوي الكبير 7: 259، حلية العلماء 5: 291- 292، التهذيب- للبغوي- 4: 362، الوسيط 4: 94، الوجيز 1: 219، العزيز شرح الوجيز 5: 527 و 528، روضة الطالبين 4: 182، المحلّى 9: 99، مختصر اختلاف العلماء 4: 248، 1965، الهداية- للمرغيناني- 4: 25.

333

ثمّ نقضوا الأوّل (1) بالفرسان و الرجّالة في الغنيمة، من انفرد منهم استحقّ الكلّ، و إذا اجتمعوا تفاضلوا، و كذا أصحاب الديون إذا كان من عليه الدّين ماله مثل أقلّ الديون، و المعتقان استويا، لأنّ العتق إتلاف النصيب الباقي، و سبب الإتلاف يستوي فيه القليل و الكثير، كالنجاسة تقع في المائع، و هنا يستحقّ بسبب الملك، فافترقا (2).

و الفرق ظاهر، فإنّ الفرس كالفارس، فلا تفاضل في الحقيقة، و الدّين كالكسب الحاصل لأرباب الديون، فكانوا فيه على قدر رءوس أموالهم.

إذا ثبت هذا، فإن قلنا: الشفعة على عدد الرءوس، فلا بحث.

و إن قلنا: على قدر الأنصباء، فلو كان لأحدهما النصف و للآخر الربع و المبيع الربع، استحقّ صاحب النصف ثلثي المبيع، و صاحب الربع ثلثه، فتقسّم الجملة من اثني عشر، لصاحب النصف ثمانية، و لصاحب الربع أربعة، فقد صار لأحدهما الثلثان و للآخر الثلث.

مسألة 799: إذا تزاحم الشركاء، فالأقسام ثلاثة:

الأوّل: أن يتّفقوا على الطلب، فإن كانوا حاضرين بأجمعهم حالة البيع، فتثبت بينهم الشفعة على عدد الأنصباء أو على عدد الرءوس، فلو كانت الدار بين أربعة بالسويّة باع أحدهم نصيبه، كان للثلاثة الباقية أخذها بالشفعة، فتصير الدار أثلاثا بعد أن كانت أرباعا.

الثاني: أن لا يكونوا بأجمعهم حاضرين فإمّا أن يكونوا بأجمعهم غيّابا أو بعضهم، و على كلا التقديرين لا تسقط شفعة الغائب بغيبته مع التأخّر، لمكان العذر. فإن قدموا بأجمعهم، فحكمهم حكم الحاضرين.

____________

(1) أي القول الأوّل.

(2) راجع المغني 5: 523، و الشرح الكبير 5: 491.

334

و إن حضر بعضهم، فحكمه حكم ما إذا غاب البعض خاصّة.

إذا ثبت هذا، فإن كان الحاضر واحدا أو قدم بعد غيبة الجميع، فليس له أخذ حصّته فقط، لما فيه من التبعيض، و الشفعة وضعت لإزالته، فلا تكون سببا فيه. و لما فيه من تضرّر المشتري، و لا يكلّف الصبر إلى حضور الغيّاب، لأنّه إضرار به و بالمشتري، بل يأخذ الجميع، لأنّ الحاضر هو المستحقّ للجميع بطلبه، و الغيّاب لم يوجد منهم مطالبة بالشفعة، فحينئذ إمّا أن يأخذ الحاضر الجميع أو يترك.

و لو كان الحاضر اثنين أو قدم اثنان، تساويا في أخذ الجميع أو الترك.

الثالث: أن يطلب بعض الشركاء و يعفو بعضهم، فالطالبون بالخيار بين أخذ الكلّ أو تركه و لو كان الباقي واحدا، لأنّ الشفعة إنّما تثبت بسوء المشاركة و مئونة القسمة، فإذا أراد أن يأخذ من المشتري بعض الشقص، لم يزل الضرر الذي لأجله تثبت الشفعة. و لأنّ الشفعة إنّما تثبت لإزالة الضرر عنه، و في تبعيض الشقص إضرار بالمشتري، فلا يزال الضرر بإلحاق ضرر.

مسألة 800: ليس للشفيع تشقيص الشفعة

، بل إمّا أن يأخذ بالجميع (1) أو يترك الجميع، لما في التشقيص من الإضرار بالمشتري.

إذا ثبت هذا، فلو عفا عن بعض الشفعة، سقطت شفعته، كالقصاص، و هو أحد وجوه الشافعيّة.

و الثاني: لا يسقط شيء، كعفوه عن بعض حدّ القذف.

____________

(1) في «س، ي»: «الجميع».

335

و الثالث: يسقط ما عفا عنه، و يبقى الباقي (1).

قال الصيدلاني منهم: موضع هذا الوجه ما إذا رضي المشتري بتبعيض الصفقة، فإن أبى و قال: خذ الكلّ أو دعه، فله ذلك (2).

و قال الجويني: هذه الأوجه إذا لم نحكم بأنّ الشفعة على الفور، فإن حكمنا به، فطريقان: منهم من قطع بأنّ العفو عن البعض تأخير لطلب الباقي، و منهم من احتمل ذلك إذا بادر إلى طلب الباقي، و طرّد الأوجه (3) (4).

إذا تقرّر هذا، فنقول: إذا استحقّ اثنان شفعة فعفا أحدهما عن حقّه، سقط نصيب العافي، و يثبت جميع الشفعة للآخر، فإن شاء أخذ الجميع، و إن شاء تركه، و ليس له الاقتصار على قدر حصّته، لئلّا تتبعّض الصفقة على المشتري، و هو أحد وجوه الشافعيّة.

و الثاني: أنّه يسقط حقّهما- و هو اختيار ابن سريج- كالقصاص.

و الثالث: لا يسقط حقّ واحد منهما تغليبا للثبوت.

و الرابع: يسقط حقّ العافي، و ليس لصاحبه أن يأخذ إلّا قسطه، و ليس للمشتري إلزامه بأخذ الجميع (5).

هذا إذا ثبتت الشفعة لعدد ابتداء، و لو ثبتت لواحد فمات عن اثنين فعفا أحدهما، فهل له كما لو ثبتت لواحد فعفا عن بعضها، أم كثبوتها

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 531، روضة الطالبين 4: 184.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 531، روضة الطالبين 4: 184.

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «الوجه» بدل «الأوجه». و ما أثبتناه من «روضة الطالبين». و بدلها في «العزيز شرح الوجيز»: «الوجوه».

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 531، روضة الطالبين 4: 181.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 532، روضة الطالبين 4: 181.

336

لاثنين عفا أحدهما؟ للشافعيّة وجهان (1).

تذنيب: لو كان للشقص شفيعان فمات كلّ عن اثنين فعفا أحدهم عن حقّه، فللشافعيّة وجوه:

أ- أنّه يسقط جميع الشفعة.

ب- يبقى جميع الشفعة للأربعة، لبطلان العفو.

ج- يسقط حقّ العافي و أخيه خاصّة، لاتّحادهما في سبب الملك، و يأخذه الآخران.

د- ينتقل حقّ العافي إلى الثلاثة، فيأخذون الشقص أثلاثا.

هيستقرّ حقّ العافي للمشتري، و يأخذ الثلاثة ثلاثة أرباع الشقص.

و- ينتقل حقّ العافي إلى أخيه فقط (2).

و على ما اخترناه نحن قبل ذلك فالوجه المعتمد هو الخامس من هذه الوجوه.

مسألة 801: لو مات عن اثنين و له دار، فهي بينهما بالسويّة

، فلو مات أحدهما و ورثه ابنان له فباع أحدهما نصيبه فإنّ الشفعة تثبت لأخيه و عمّه- و به قال الشافعي في الإملاء، قال: و هو القياس، و به قال أبو حنيفة و أحمد و المزني (3)- لأنّهما شريكان حال ثبوت الشفعة، فكانت الشفعة بينهما، كما لو ملك الثلاثة بسبب واحد.

و قال في القديم: أنّ أخاه أحقّ بالشفعة- و به قال مالك- لأنّ الأخ

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 532، روضة الطالبين 4: 181.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 532- 533، روضة الطالبين 4: 184- 185.

(3) المغني 5: 524، المهذّب- للشيرازي- 1: 388، الحاوي الكبير 7: 255، حلية العلماء 5: 299، التهذيب- للبغوي- 4: 362، الوسيط 4: 94- 95، العزيز شرح الوجيز 5: 528، روضة الطالبين 4: 183.

337

أخصّ بشركته من العمّ، لاشتراكهما في سبب الملك، و لهذا لو قسّمت الدار، كانا حزبا و العمّ حزبا آخر (1).

و لا معنى (2) للاختصاص، لأنّ الاعتبار بالشركة لا بسببها. و أمّا القسمة فإنّ القاسم يجعل الدار أربعة أجزاء: اثنان للعمّ، و لكلّ واحد جزء، كما يفعل ذلك في الفرائض.

فروع:

أ- لو قلنا: تختصّ بالأخ- كما هو أحد قولي الشافعي- لو عفا عن الشفعة، ففي ثبوتها للعمّ عند الشافعيّة وجهان:

أحدهما: أنّها لا تثبت، لأنّه لو كان مستحقّا، لما تقدّم عليه غيره.

و الثاني: تثبت له، لأنّه شريك، و إنّما يقدّم الأخ لزيادة قربه، كما أنّ المرتهن يقدّم في المرهون على باقي الغرماء، فلو أسقط حقّه، أمسكه الباقون (3).

ب- هذا الحكم لا يختصّ بالأخ و العمّ، بل في كلّ صورة ملك شريكان عقارا بسبب واحد، و غيرهما من الشركاء بسبب آخر، فلو اشترى نصف دار و اشترى آخران النصف الآخر ثمّ باع أحد الآخرين نصيبه، فهل

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 388، الحاوي الكبير 7: 256، حلية العلماء 5:

300، التهذيب- للبغوي- 4: 363، الوسيط 4: 95، العزيز شرح الوجيز 5:

528، روضة الطالبين 4: 183، المغني 5: 524.

(2) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «فلا معنى». و الظاهر ما أثبتناه حيث إنّه ردّ على الشافعي في قوله القديم.

(3) المهذّب- للشيرازي- 1: 388، الحاوي الكبير 7: 256، حلية العلماء 5:

300، العزيز شرح الوجيز 5: 528- 529، روضة الطالبين 4: 183.

338

الشفعة للآخر الذي يشاركه في الشراء خاصّة، أو له و للأوّل صاحب النصف؟ للشافعي قولان، لاختلاف سبب الملك (1).

و كذا لو ورث ثلاثة دارا فباع أحدهم نصيبه من اثنين و عفا الآخر ثمّ باع أحد المشتريين نصيبه، فهل تثبت الشفعة للمشتري الآخر أم [للكلّ] (2)؟ على القولين (3).

ج- لو مات صاحب عقار و خلّف ابنتين و أختين، فالمال بأجمعه- عندنا- للبنتين.

و عند العامّة للبنتين الثلثان، و للأختين الثلث.

فلو باعت إحدى الأختين نصيبها، فهل تثبت الشفعة لأختها أو لها و للبنتين؟ للشافعيّة وجهان:

أحدهما: أنّ ذلك مبنيّ على القولين اللّذين ذكرناهما، لاختلاف سبب الملك.

و الثاني: [أنّهنّ يشتركن] (4) في الشفعة قولا واحدا، لأنّ السبب واحد- و هو الميراث- و إن اختلف قدر الاستحقاق (5).

____________

(1) التهذيب- للبغوي- 4: 363، العزيز شرح الوجيز 5: 529، روضة الطالبين 4:

183.

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة بدل «للكلّ»: «لذلك». و الصحيح ما أثبتناه.

(3) المهذّب- للشيرازي- 1: 388- 389، التهذيب- للبغوي- 4: 363، حلية العلماء 5: 300.

(4) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «أنّهم يشتركون». و الصحيح ما أثبتناه.

(5) المهذّب- للشيرازي- 1: 389، حلية العلماء 5: 301، العزيز شرح الوجيز 5:

529، روضة الطالبين 4: 183.

339

د- لو مات الرجل عن ثلاثة (1) بنين و خلّف دارا ثمّ مات أحدهم و خلّف ابنين فباع أحد العمّين نصيبه، فهل يكون العمّ الآخر أحقّ بالشفعة، أو يشترك هو و ابنا (2) أخيه؟ للشافعيّة وجهان:

أحدهما: أنّ ذلك على القولين.

و الثاني: أنّهم يشتركون (3).

و الفصل بين هذه و ما تقدّم من مسألة الأخ و العمّ: أنّ هنا يقوم أبناء الميّت منهم مقام أبيهم و يخلفونه في الملك، و لو كان أبوهم باقيا، شارك أخاه في الشفعة، فلهذا شاركوه، و في مسألة الأخ و العمّ البائع ابن أخيهم، و هم لا يقومون مقام أخيهم، و إنّما يقومون مقام أبيهم.

هإذا قلنا: إنّ الشفعة للجماعة، قسّم بينهم إمّا على قدر النصيب أو على عدد الرءوس.

فإن قلنا: إنّ الشفعة لشريكه في النصيب دون غيره، فلو عفا عن الشفعة، فهل تثبت للشريك الآخر؟ للشافعيّة وجهان، أحدهما: أنّها (4) تثبت (5)، لأنّه شريكه، و إنّما يقدّم عليه من كان أخصّ بالبائع، فإذا عفا، ثبتت للشريك الآخر، كما لو قتل واحد جماعة واحدا بعد واحد، ثبت القصاص للأوّل، فإذا عفا الأوّل، ثبت القصاص للثاني، كذا هنا (6).

مسألة 802: قد ذكرنا أنّه إذا قدم واحد من الأربعة و تخلّف اثنان

و كان

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «ثلاث» و ما أثبتناه هو الصحيح.

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «ابني». و الصحيح ما أثبتناه.

(3) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

(4) في «س، ي» و الطبعة الحجريّة: «أنّه». و ما أثبتناه لأجل السياق.

(5) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «لا تثبت» بزيادة «لا». و الصحيح ما أثبتناه.

(6) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

340

الرابع قد باع نصيبه أو كان واحد من الثلاثة حاضرا، فإنّه إمّا أن يأخذ الجميع أو يترك الجميع، و ليس له أخذ نصيبه، لما فيه من تضرّر المشتري.

فإن أخذ الجميع ثمّ قدم ثان، أخذ منه النصف، لأنّه لا شفيع الآن غيرهما، و وجدت المطالبة منهما دون الثالث، فكانت الشفعة بينهما، فإن قدم الثالث، أخذ منهما الثلث ليكونوا سواء، فإن عفا الثاني، استقرّ على الأوّل، و إن عفا الثالث، استقرّ عليهما.

و لو كان للشقص غلّة حصلت في يد الأوّل، لم يشاركه الثاني فيها، لأنّه ملك الجميع بالأخذ، و قد حصل النماء في ملكه، فكانت كما لو انفصلت في يد المشتري قبل الأخذ بالشفعة.

و كذا إن أخذ الثاني و حصلت الغلّة في يده، لم يشاركه الثالث فيها.

و لو خرج الشقص مستحقّا، قال أكثر الشافعيّة: إنّ العهدة على المشتري يرجع الثلاثة عليه، و لا يرجع أحدهم على الآخر، لأنّ الشفعة [ليست] (1) مستحقّة عليهم (2).

و قال بعض الشافعيّة: يرجع الثاني على الأوّل، و الثالث يرجع عليهما، و الأوّل يرجع على المشتري، لأنّ الثاني أخذ من الأوّل و دفع الثمن إليه (3).

و قال بعض الشافعيّة: هذا الخلاف في الرجوع بالمغروم من اجرة و نقص قيمة الشقص، فأمّا الثمن فكلّ يستردّ ما سلّمه ممّن سلّمه إليه

____________

(1) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 534، روضة الطالبين 4: 185.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 534، روضة الطالبين 4: 185- 186.

341

بلا خلاف (1). و هو المعتمد.

مسألة 803: لو قال الأوّل: لا آخذ الجميع و إنّما أنتظر مجيء الشركاء ليأخذوا أو يعفوا

، فالأقرب: عدم سقوط شفعته بذلك، لأنّ له غرضا في الترك، و هو أن لا يأخذ ما يؤخذ منه و يحتاج إلى ثمن كثير ربما لا يقدر عليه في تلك الحال، و مع ذلك يؤدّي حاله إلى عدم التمكّن من العمارة على ما يريده، و ربما انتزع منه فيضيع تعبه، و هو أحد قولي الشافعيّة.

و الثاني: أنّه تسقط شفعته، لأنّه يمكنه الأخذ فلم يفعل فبطلت (2).

و ليس بجيّد، لعدم تمكّنه من أخذ حقّ لا ينازعه فيه غيره.

و لو قال الثاني: لا آخذ النصف، بل الثلث خاصّة لئلّا يحضر الثالث فيأخذ منّي، فله ذلك، لأنّه يأخذ دون حقّه، بخلاف الأوّل، لأنّ أخذه لبعض الشقص تبعيض للشقص على المشتري، و هو أصحّ وجهي الشافعيّة (3).

و يشكل بأنّه يريد أن يأخذ بعض ما يخصّه، و ليس لأحد الشفيعين أن يأخذ بعض ما يخصّه. فإن أخذ الثلث إمّا على هذا الوجه أو بالتراضي، و هو سهمان من ستّة، ثمّ قدم الثالث، فله أن يأخذ من الأوّل نصف ما في يده، فإن أخذه، فلا كلام. و إن أراد أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده، فله ذلك، لأنّ حقّه ثابت في كلّ جزء.

ثمّ له أن يقول للأوّل: ضمّ ما معك إلى ما أخذته لنقسمه نصفين،

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 534، روضة الطالبين 4: 186.

(2) الحاوي الكبير 7: 261، العزيز شرح الوجيز 5: 533، روضة الطالبين 4:

185.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 535، روضة الطالبين 4: 186.

342

لأنّا متساويان.

و تصحّ المسألة من ثمانية عشر، لأنّا نحتاج إلى عدد لثلثه ثلث، و هو تسعة، مع الثاني- منها- ثلاثة، و مع الأوّل ستّة، فيأخذ الثالث من الثاني (1) واحدا و يضمّه إلى ما مع الأوّل و هو ستّة، فلا تنقسم، فنضرب (2) اثنين في تسعة تبلغ ثمانية عشر، للثاني منها اثنان في اثنين أربعة، تبقى أربعة عشر، للأوّل و الثالث نصفين، و هذا المنقسم من ثمانية عشر ربع الدار، فتكون جملتها اثنين و سبعين- قال بعض الشافعيّة: لمّا ترك الثاني سدسا للأوّل صار عافيا عن بعض حقّه، فيبطل جميع حقّه على الأصحّ، كما سبق، فينبغي أن يسقط حقّ الثاني كلّه، و يكون الشقص بين الأوّل و الثالث (3)- فكأنّ الثالث يقول للأوّل: نحن سواء في الاستحقاق، و لم يترك واحد منّا شيئا من حقّه، فنجمع ما معنا و نقسمه، بخلاف الثاني، لأنّه ترك شيئا من حقّه. و لأنّه لمّا قدم الثالث فله أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده، و ذلك ثلثا سهم، و لا يسقط حقّه بما تركه في يد الأوّل، ثمّ يضمّ ما معه إلى ما في يد الأوّل، و هو أربعة أسهم، فيكون أربعة أسهم و ثلثي سهم يقتسمانها نصفين، لأنّه يطالب الأوّل بثلث نصيبه، و هو سهم من ثلاثة و ثلث السهم الذي تركه الثاني، لأنّه لو أخذه لأخذ ثلثه، و يبقى ثلثا هذا السهم تركه الثاني، و سقط حقّه عنه، فيقتسمانه بينهما، فيحصل له ذلك من أربع جهات، فإن قدم الرابع أخذ من الثاني سهما، و هو ربع ما بيده، و ضمّه إلى ما في يد الأوّل و الثالث يصير خمسة عشر يقتسمونه أثلاثا لكلّ واحد

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «فيأخذ الثاني من الثالث». و الصحيح ما أثبتناه.

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «نضرب». و الأنسب ما أثبتناه.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 535، روضة الطالبين 4: 187.

343

خمسة.

مسألة 804: لو أخذ الأوّل الشقص بالشفعة

ثمّ وجد به عيبا فردّه ثمّ قدم الثاني، كان له أخذ جميع الشقص- و به قال الشافعي (1)- لأنّ الشفيع فسخ تملّكه، و رجع إلى المشتري بالسبب الأوّل، فكان للشفيع الآخر أن يأخذه، كما لو عفا.

و قال محمد بن الحسن الشيباني: إنّه لا يأخذ إلّا حصّته، لأنّ الأوّل لم يعف عن الشفعة، و إنّما ردّ ذلك لأجل العيب، فلم يتوفّر نصيبه على الآخر، كما لو رجع إليه نصيب أحدهما بسبب آخر (2).

و الفرق بين صورة النزاع و بين عوده بسبب آخر ثابت، لأنّه عاد غير الملك الأوّل الذي تعلّقت به الشفعة.

مسألة 805: لو حضر اثنان و أخذا الشقص و اقتسماه

، كان للثالث بعد حضوره نقض القسمة، و المطالبة بحصّته من الشفعة، و له أن يأخذ من كلّ واحد منهما ثلث ما في يده، و تبقى القسمة بحالها إن رضي المتقاسمان بذلك، و إلّا فلكلّ منهما الفسخ، لأنّه إنّما رضي بأخذ الجميع، و القسمة لم تقع فاسدة في نفسها، بل وقعت صحيحة، و تعقّبها البطلان المتجدّد، فإذا لم يسلم له جميع ما وصل إليه، كان له الفسخ.

و لو قدم الثالث و أحد الشريكين كان غائبا، فإن قضى له القاضي على الغائب، أخذ من الحاضر الثلث، و من الغائب الثلث. و إن لم يقض، أخذ من الحاضر الثلث، لأنّه قدر ما يستحقّه ممّا في يده، و هو أحد وجهي

____________

(1) حلية العلماء 5: 296، العزيز شرح الوجيز 5: 534، روضة الطالبين 4: 186.

(2) حلية العلماء 5: 296.

344

الشافعيّة، و الثاني: النصف، لأنّ أحدهما إذا كان غائبا، صار كأنّهما الشفيعان، فيقتسمان بينهما بالسويّة (1).

إذا ثبت هذا، فإن حضر الغائب و غاب هذا الحاضر، فإن كان أخذ من الحاضر ثلث ما في يده، أخذ من الذي كان غائبا و حضر ثلث ما في يده أيضا (2). و إن كان قد أخذ من الحاضر النصف ممّا في يده، أخذ من هذا سدس ما في يده، فيتمّ بذلك نصيبه، و يكون ذلك من ثمانية و أربعين، و المبيع اثنا عشر أخذ ستّة.

مسألة 806: لو كانت الدار بين ثلاثة فباع اثنان من رجل شقصا

، فقال الشفيع: أنا آخذ ما باع فلان و أترك ما باع فلان الآخر، كان له ذلك، لأنّ العقد إذا كان في أحد طرفيه عاقدان كان بمنزلة العقدين، و به قال الشافعي (3)، خلافا لأبي حنيفة (4)، و قد سلف (5).

و لو باع واحد من اثنين، كان للشفيع أن يأخذ منهما أو من أحدهما، دون الآخر- و به قال الشافعي (6)- لأنّهما مشتريان، فجاز (7) للشفيع أخذ نصيب أحدهما.

____________

(1) حلية العلماء 5: 296، العزيز شرح الوجيز 5: 535، روضة الطالبين 4: 187.

(2) كلمة «أيضا» لم ترد في «س» و الطبعة الحجريّة.

(3) مختصر المزني: 121، الحاوي الكبير 7: 289، العزيز شرح الوجيز 5: 536، روضة الطالبين 4: 187.

(4) الحاوي الكبير 7: 289، المغني 5: 530.

(5) راجع ص 37، المسألة 563.

(6) مختصر المزني: 121، الحاوي الكبير 7: 289، العزيز شرح الوجيز 5: 536، روضة الطالبين 4: 187، المغني 5: 530، الشرح الكبير 5: 498.

(7) في الطبعة الحجريّة: «فكان» بدل «فجاز».

345

و قال أبو حنيفة: يجوز بعد القبض، و لا يجوز قبله في إحدى الروايتين، لأنّه قبل القبض يكون تبعيضا للصفقة على البائع (1)، بناء على أصله في أنّه يأخذ المبيع منه.

و هو ممنوع، على أنّ الباقي يأخذه المشتري و الآخر، و ليس تبعيضا.

و كذا لو باع اثنان من واحد، فإنّ للشفيع أن يأخذ الحصّتين أو حصّة أحدهما دون الآخر، لما تقدّم، خلافا لأبي حنيفة و لمالك (2).

و لو باع الشريكان من اثنين، كان ذلك بمنزلة أربعة عقود، و للشفيع أخذ الكلّ أو ما شاء منهما إمّا ثلاثة أرباعه، و هو نصيب أحد المشتريين و نصف نصيب الآخر، أو يأخذ نصف الجملة إمّا بأن يأخذ نصيب أحدهما أو نصف نصيب كلّ واحد، أو يأخذ ربع الجملة، و هو نصف نصيب أحدهما.

مسألة 807: لو باع أحد الشريكين بعض (3) نصيبه من رجل ثمّ باع منه الباقي

ثمّ علم شريكه، كان له أن يأخذ المبيع أوّلا خاصّة، أو ثانيا خاصّة، أو هما معا بالشفعة، لأنّ لكلّ واحد من العقدين حكم نفسه، فإن عفا عن الأوّل و أراد أخذ الثاني، لم يشاركه المشتري بنصيبه الأوّل، لأنّ ملكه على الأوّل لم يستقرّ، لأنّ للشفيع أخذه، فلا يستحقّ به شفعته، كما لو ارتهن بعضه و اشترى الباقي، و به قال الشافعي (4).

و قال أبو حنيفة: ليس له أن يأخذ النصيبين معا، و إنّما له أن يأخذ

____________

(1) المغني 5: 530، الشرح الكبير 5: 498، العزيز شرح الوجيز 5: 536.

(2) المغني 5: 530، العزيز شرح الوجيز 5: 536.

(3) في الطبعة الحجريّة: «نصف» بدل «بعض».

(4) انظر: المغني 5: 533.

346

الأوّل و نصف الثاني- و به قال بعض الشافعيّة- لأنّ ملكه ثبت له على الأوّل، فإذا اشترى الثاني، كان شريكا له بالنصف (1).

مسألة 808: إذا باع أحد الشريكين نصيبه من ثلاثة أنفس صفقة واحدة

، فإن عفا [الشريك] (2) عن أحدهم، صحّ عفوه، و لم يجز للمعفوّ عنه مشاركته في الشفعة على الآخرين، لأنّ ملك المعفوّ عنه لم يسبق ملكهما، و إنّما ملك الثلاثة دفعة واحدة، و إنّما يستحقّ الشفعة بملك سابق لملك المشتري.

فإن باع أحد الشريكين نصيبه من ثلاثة في ثلاثة عقود على الترتيب فعفا الشريك عن المشتري الأوّل، و طلب من الآخرين، كان للمشتري الأوّل مشاركته في شفعة الآخرين، لأنّ ملكه سابق لشرائهما.

و كذا إن عفا عن الأوّل و الثاني، شاركاه في حقّ الشفعة على الثالث.

و لو عفا عن الثاني خاصّة، كان له مشاركته في شفعة الثالث، دون الأوّل.

و لو عفا عن الثالث خاصّة، لم يكن له مشاركته في شفعة الأوّلين.

و لو عفا عن الثاني و الثالث، لم يشاركاه في شفعة الأوّل، لأنّهما حين وجوب الشفعة لم يكن لهما ملك.

مسألة 809: لو وكّل أحد الشركاء الثلاثة ثانيهم

، فباع الوكيل نصيبه و نصيب موكّله صفقة واحدة، كان للثالث الشفعة، و ليس للوكيل و لا للموكّل شفعة على الآخر، لعدم الأولويّة. و لأنّهما بائعان.

و هل للثالث أن يأخذ أحد النصيبين دون الآخر؟ الأقوى ذلك، لأنّ

____________

(1) انظر: المغني 5: 533.

(2) زيادة يقتضيها السياق.

347

المالك اثنان، فهو كما لو تولّيا العقد، و هو أحد قولي الشافعيّة. و الثاني:

ليس له، لأنّ العاقد واحد في الطرفين اعتبارا بالوكيل (1).

و لو كانت الدار لاثنين فوكّل أحدهما الآخر ببيع نصف نصيبه، و جوّز له أن يبيع نصيب نفسه إن شاء صفقة واحدة، فباع كذلك، و أراد الموكّل أخذ نصيب الوكيل بالشفعة بحقّ النصف الباقي، فله ذلك، لأنّ الصفقة اشتملت على ما لا شفعة للموكّل فيه- و هو ملكه- و على ما فيه شفعة- و هو ملك الوكيل- فأشبه من باع شقصين من دارين صفقة واحدة.

فإن كان الشفيع في إحداهما غير الشفيع في الأخرى، فلكلّ أن يأخذ ما هو شريك فيه، سواء وافقه الآخر في الأخذ أو لا. و إن كان شفيعهما واحدا، جاز له أخذ الجميع، و أخذ أيّتهما شاء، و هو أصحّ وجهي الشافعيّة (2).

مسألة 810: لو كانت الدار لثلاثة نصفها لواحد و لكلّ واحد من الآخرين الربع

، فقارض أحد هذين الرجلين الآخر على ألف، فاشترى العامل منهما نصف نصيب صاحب النصف، فلا شفعة هنا، لأنّ البائع لا شفعة له فيما باع، و الشريك الآخر ربّ المال، و الثالث هو العامل، و ربّ المال و العامل بمنزلة الشريكين في المبتاع، فلا يستحقّ أحدهما على الآخر شفعة فيما ابتاعه، و هو أحد وجهي الشافعيّة (3).

فإن باع الذي كان صاحب النصف الربع الذي بقي له من أجنبيّ،

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 536، روضة الطالبين 4: 188.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 537، روضة الطالبين 4: 188.

(3) انظر: العزيز شرح الوجيز 5: 545، و روضة الطالبين 4: 192، و المغني 5:

499، و الشرح الكبير 5: 547.

348

فالشقص للشفعة أثلاثا، الثلث بالربع الذي لربّ المال، و الثلث بالربع الذي للعامل، و الثلث لمال المضاربة و كان مال القراض بمنزلة شريك آخر، لأنّ حكمه متميّز عن مال كلّ واحد منهما.

مسألة 811: لو اشترى بعيرا و شقصا بعبد و جارية

، و قيمة البعير و الشقص مائتان كلّ واحد بمائة، و كذا قيمة العبد مائة، و قيمة الجارية مائة، تثبت الشفعة في الشقص بنصف قيمة العبد و الجارية.

فإن تلف البعير قبل القبض، بطل فيه العقد، و لا يبطل في الشقص، و هو أحد قولي الشافعيّة (1) في طريق تفريق الصفقة، فإن قلنا: يبطل، بطل الكلّ و سقطت الشفعة. و إن قلنا: يصحّ في الشقص، صحّ فيه بنصف العبد و الجارية، و أخذه الشفيع بقيمة ذلك.

و إن تلف العبد، بطل العقد في نصف البعير و نصف الشقص، و أخذ الشفيع نصف الشقص بنصف قيمة الجارية.

مسألة 812: لو كانت الدار بين أربعة بالسويّة فاشترى اثنان منهم من واحد نصيبه

و هو الربع، استحقّ الذي لم يشتر عليهما الشفعة، و استحقّ كلّ واحد من المشتريين، لأنّه شريك، فلا يسقط حقّه من الشفعة، و تبسط الدار ثمانية و أربعين سهما، فالربع اثنا عشر، و فيه أربع صور:

أ- أن يطالب كلّ واحد بشفعة، فيقتسمون المبيع أثلاثا، فيحصل لكلّ واحد أربعة.

ب- أن يعفو كلّ واحد من الشريكين عن صاحبه، و يطالب الذي لم يشتر، فإنّه يأخذ من كلّ واحد منهما نصف ما في يده، لأنّه ممّا اشتراه

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

349

كلّ واحد شريكه في الشفعة، إذ لا شفعة فيه إلّا لهما، فيحصل للّذي لم يشتر نصف السهم ستّة، و لكلّ واحد من المشتريين ثلاثة أسهم.

ج- أن يعفو الذي لم يشتر خاصّة، فكلّ واحد من المشتريين يأخذ من صاحبه ما في يده، فيكون ذلك قدر ما اشتراه لكلّ واحد ستّة.

د- أن يعفو الذي لم يشتر عن أحدهما دون الآخر، فإنّه يأخذ ممّن لم يعف عنه سهمين، و تبقى معه أربعة أسهم يأخذ منها المعفوّ عنه سهمين، و يأخذ الذي لم يعف عنه من المعفوّ عنه ثلاثة أسهم نصف ما في يده، لأنّه لا شفيع في هذا السهم سواهما، فيحصل مع كلّ واحد منهما خمسة، و مع العافي سهمان.

البحث الثامن: في الحيل المسقطة للشفعة.

مسألة 813: يجوز استعمال الحيل بالمباح مطلقا عندنا

و عند جماعة من العامّة، خلافا لأحمد بن حنبل (1).

فإذا أراد أن يشتري الشقص و لا تلزمه شفعة، أمكنه أن يشتريه بثمن مشاهد لا يعلمان قدره و لا قيمته إذا لم يكن من المكيلات و الموزونات، ثمّ يخرجه عن ملكه بتلف أو غيره بحيث لا يتمكّن من العلم به وقت المطالبة بالشفعة، فإذا طولب بالشفعة و تعذّر عليه معرفة الثمن، سقطت الشفعة، فإن ادّعى الشفيع أنّ الثمن كان معلوما و ذكر قدره فأنكر المشتري، قدّم قول المشتري مع اليمين.

و لو كان الثمن مكيلا أو موزونا، فقال المشتري: إنّه كان جزافا أو كان

____________

(1) المغني 5: 511.

350

معلوما و قد نسيته، لم يسمع منه في الجزاف عندنا، و طولب بجواب صحيح، فإن أجاب و إلّا جعل ناكلا.

و من قال: إنّه يجوز البيع به هل يكون الجواب به أو بالنسيان صحيحا؟ الأقرب عندي ذلك- و هو قول أكثر الشافعيّة (1)- لأنّ نسيان المشتري ممكن، و قد يكون الثمن جزافا عند مجوّزيه، فإذا أمكن، حلف عليه.

و قال بعض الشافعيّة: إنّه لا يكون جوابا صحيحا، فيقال له: إمّا أن تجيب بجواب صحيح، و إلّا جعلناك ناكلا، و يحلف الشفيع، كما لو ادّعى رجل على آخر ألف درهم دينا، فقال: لا أعلم قدر دينك، لم يكن جوابا (2).

و الفرق: أنّ المدّعي يدّعي عليه قدرا معيّنا، و هو لا يجيب عنه لا بإقرار و لا بإنكار، فلهذا جعلناه ناكلا، و في مسألتنا قوله: «إنّ الثمن كان جزافا، أو: لا أذكره» إنكار للشفعة، لأنّه إذا كان كذلك، لا تجب الشفعة.

نعم، لو قال: لا أدري لك شفعة أم لا، كان كمسألة الدّين.

و لأنّ الدّين إن لم يعلمه من هو عليه يجوز أن يعلمه من هو له، فيجعل القول قوله مع يمينه، و هنا هذا هو العاقد، و إذا كان جزافا أو لا يعلم، فلا طريق للشفيع إلى معرفته.

مسألة 814: لو أتلف المشتري الثمن المعيّن قبل القبض

و كان قد قبض الشقص و باعه، سقطت الشفعة، و صحّ تصرّف المشتري، و كان عليه قيمة الشقص للبائع.

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

(2) لم نعثر عليه في مظانّه.

351

و لو أراد المتبايعان التوصّل إلى رغبة الشفيع عن الشفعة، اشتراه بألف إذا كان يساوي مائة ثمّ يبيعه بالألف سلعة تساوي مائة، فإذا أراد الشفيع أن يأخذه، وجب عليه دفع الألف. و كذا إذا باعه سلعة تساوي مائة بألف ثمّ اشترى الشقص المساوي مائة بألف، فإذا أراد الشفيع أن يأخذه، أخذه بالألف.

و هذا يصحّ عندنا مطلقا.

و عند الشافعي إنّما يصحّ إذا لم يشترط مشتري الشقص على بائعه أخذ السلعة بالثمن في العقد، فإنّه متى شرط ذلك، بطل العقد عنده، و يحصل على المشتري بشراء ما يساوي مائة بألف غرر (1).

مسألة 815: لو نقل الشقص بهبة أو صلح أو بجعله مال إجارة

أو غيرها من العقود المغايرة للبيع، فلا شفعة عندنا.

و وافقنا الشافعي (2) في كلّ عقد لا يشتمل على المعاوضة، و على أنّهما إذا اتّفقا على أن يهب أحدهما الشقص للآخر و يهب الآخر الثمن، و يكون هذا الاتّفاق قبل عقد الهبة و يعقدانها مطلقة، فلا تجب الشفعة.

و لو اتّفقا على بيع الشقص بألف و هو يساوي مائة ثمّ يبرئه من تسعمائة بعد انبرام البيع فتعاقدا على ذلك، رغب الشفيع عن أخذه، لأنّه لو طلبه لزمه الألف.

مسألة 816: و من الحيل أن يبيعه جزءا من الشقص بثمنه كلّه

، و يهب له الباقي أو يهبه بعض الشقص، أو يملّكه إيّاه بوجه آخر غير البيع، ثمّ

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

(2) الحاوي الكبير 7: 232، العزيز شرح الوجيز 5: 496، روضة الطالبين 4:

163.

352

يبيعه الباقي، فإنّه لا شفعة عند من يبطلها مع الكثرة، أو يبيعه بثمن حاضر مجهول القدر عند من يجوزه، و يقبضه البائع و لا يزنه، بل ينفقه أو يمزجه بمال له مجهول، فتندفع الشفعة على أصحّ قولي الشافعيّة (1).

و لو باع بعض الشقص ثمّ باع الباقي، لم يكن للشفيع أخذ جميع المبيع ثانيا على أحد الوجهين (2).

و لو وكّل البائع شريكه بالبيع فباع، لم يكن له الشفعة على أحد الوجهين (3).

مسألة 817: لا يكره دفع الشفعة بالحيلة

، إذ ليس فيها دفع حقّ عن الغير، فإنّ الشفعة إنّما تثبت بعد البيع مع عدم المعارض، فإذا لم يوجد بيع أو وجد مع معارض الشفعة، فلا شفعة، لعدم الثبوت، و به قال أبو يوسف (4).

و قال محمد بن الحسن: يكره (5).

و للشافعيّة وجهان، أصحّهما عندهم: الثاني (6)، و لا يكره عندهم دفع شفعة الجار بالحيلة قطعا (7).

و لو اشترى عشر الدار بتسعة أعشار الثمن، فلا يرغب الشفيع، لكثرة

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 544، روضة الطالبين 4: 195.

(2) الوجهان للشافعيّة أيضا، انظر: العزيز شرح الوجيز 5: 544، و روضة الطالبين 4: 195.

(3) الوجهان للشافعيّة أيضا، انظر: العزيز شرح الوجيز 5: 544، و روضة الطالبين 4: 195.

(4) الهداية- للمرغيناني- 4: 39، العزيز شرح الوجيز 5: 544، روضة الطالبين 4: 196.

(5) الهداية- للمرغيناني- 4: 39، العزيز شرح الوجيز 5: 544، روضة الطالبين 4: 196.

(6) العزيز شرح الوجيز 5: 545، روضة الطالبين 4: 196.

(7) روضة الطالبين 4: 196.

353

الثمن، ثمّ يشتري تسعة أعشاره بعشر الثمن، فلا يتمكّن الجار من الشفعة، لأنّ المشتري حالة الشراء شريك في الدار، و الشريك مقدّم على الجار، أو يخطّ البائع على طرف ملكه خطّا ممّا يلي دار جاره، و يبيع ما وراء الخطّ، لأنّ ما بين ملكه و بين المبيع فاصلا، ثمّ يهبه الفاصل.

البحث التاسع: في اللواحق.

مسألة 818: لو مات المديون و له شقص يستوعبه الدّين فبيع شقص في شركته

، كان للورثة الشفعة، لأنّ الدّين لا يمنع انتقال الملك إلى الورثة على ما يأتي، و به قال الشافعي (1)، خلافا لأبي حنيفة (2) و بعض الشافعيّة (3).

و لو كان للمديون دار فبيع بعضها في الدّين، لم يكن للورثة الشفعة، لأنّ البيع يقع لهم، فلا يستحقّون الشفعة على أنفسهم.

و لو كان الوارث شريك الموروث فبيع نصيب الموروث في دينه، تثبت الشفعة للوارث بنصيبه الذي كان يملكه، لأنّ البيع على الميّت إنّما كان بسبب دينه الذي ثبت عليه في حال الحياة، فصار البيع كأنّه قد وقع في حال الحياة، و الوارث كان شريكه في حال الحياة، فتثبت له الشفعة، و لا يلزم إذا كانت الدار للموروث فبيع بعضها في دينه، لأنّا إذا جعلنا البيع كأنّه وقع في حال الحياة، لم يكن الوارث شريكه في تلك الحال، و هو قول بعض الشافعيّة (4).

____________

(1) التهذيب- للبغوي- 4: 373، العزيز شرح الوجيز 5: 547، روضة الطالبين 4:

194، المغني 5: 538، الشرح الكبير 5: 517.

(2) المغني 5: 538، الشرح الكبير 5: 517.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 547، روضة الطالبين 4: 194.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 547- 548، روضة الطالبين 4: 195.

354

و قال أكثرهم: لا شفعة، لأنّ الدّين لا يمنع انتقال الملك إلى الوارث، فإذا بيع فقد بيع ملك الوارث عليه، فلا يستحقّ الشفعة، كما لو كان له على رجل دين و هو غائب فباع بعض داره ثمّ قدم، لم تثبت له الشفعة، كذا هنا (1).

و ما ذكره أوّلا بعضهم فليس بشيء، لأنّه إنّما يلحق بحال الحياة إذا وجد سببه في حال الحياة و ما لا يمكن (2) ابتداؤه بعد الوفاة، و لو كان كذلك، لم يكن للوارث أن يقضي الدّين من عنده، و يمنع (3) من البيع.

و هذا عندي هو المعتمد.

لا يقال: هذا الدّين وجب على الميّت، فلا يجوز أن يباع غيره فيه، و إنّما يجعل كأنّه بيع عليه.

لأنّا نقول: من يقول: إنّ الملك ينتقل إلى الوارث قد لزمه ما ألزم، لأنّه يبطل ملك الوارث لأجل دين الميّت، على (4) أنّ ذلك لا يمنع (5)، لأنّ هذا الدّين يتعلّق (6) بهذه العين، لأنّها ملكت من جهة السبب، ألا ترى أنّ العبد إذا جنى، تعلّقت الجناية برقبته، و هي ملك لمولاه، و يباع فيها و إن لم يكن الدّين على مولاه.

مسألة 819: لو كان لأحد الثلاثة نصف الدار و لكلّ من الآخرين ربع

، فاشترى صاحب النصف من أحد شريكيه ربعه، و الآخر غائب، ثمّ باع

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 548، روضة الطالبين 4: 195.

(2) كذا، و الظاهر: «و ما لم يكن».

(3) في الطبعة الحجريّة: «و يمتنع».

(4) في «ي» و الطبعة الحجريّة: «و على».

(5) في «س، ي»: «لا يمتنع».

(6) في «ي»: «تعلّق».