جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج9

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
422 /
51

يكن عارفا لم يجز أذانه و لا إقامته و لا يقتدى به»

و إلى ما قيل من أن الأذان عبادة، و لا تصح من الكافر و المجنون، و المؤذنين أمناء، و هما معا ليسا محلا للأمانة، و من أنه لا يتصور وقوعه من الكافر، لأن التلفظ بالشهادتين إسلام، و إن كان في بعض ذلك نوع تأمل، لما عرفت من أن أذان الإعلام ليس عبادة، و أن المراد مما ورد من أمانة المؤذنين الحث على مواظبتهم على المواقيت و التحفظ، على أنه يمكن معرفة ذلك بالاختبار، و لذا أمروا (عليهم السلام) بالصلاة بأذان المخالفين معللا بشدة مواظبتهم على الوقت، و التلفظ بالشهادتين يمكن أن لا يكون إسلاما إذا كان استهزاء أو حكاية أو غفلة أو تأولا عدم عموم النبوة، أو مع عدم المعرفة بمعناهما أو نحو ذلك، على أن الفرض وقوعهما ممن يعلم عدم اعتقاده بهما، و مثله لا يحكم بإسلامه بمجرد التلفظ المزبور قطعا، اللهم إلا أن يراد منع كون ذلك مع أحد الأحوال المزبورة أذانا حينئذ بدعوى أنه قولهما مع ظهور الاعتقاد بمضمونهما إجمالا أو تفصيلا، لا اللغو و الاستهزاء و نحو ذلك، كما يومي اليه ما ورد في علل الأذان في خبر الفضل بن شاذان (1) و ما جاء في مدح المؤذنين (2) «و ان الله قد وكل بأصواتهم ريحا ترفعها إلى السماء، فإذا سمعت الملائكة الأذان قالوا: هذه أصوات أمة محمد (صلى الله عليه و آله) بتوحيد الله عز و جل و يستغفرون لأمة محمد (صلى الله عليه و آله) حتى يفرغوا من الصلاة» (3)

و غير ذلك، لكن قد يخدش بأن من الكفار من يتلفظ بالشهادتين معتقدا بهما كالخوارج و الغلاة و النواصب و نحوهم ممن انتحل الإسلام.

و كيف كان فالعمدة في الاستدلال ما عرفته أولا، و أما الإيمان فقد يظهر من

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 14.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأذان و الإقامة.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

52

اقتصار المصنف و غيره على اشتراط الإسلام عدمه، و يشهد له أيضا معروفية الاجتزاء بالأذان في الأزمنة السابقة التي لم يكن للشيعة مؤذن معلوم فيها، و كذا يشهد له العبارة المنسوبة للشيخ و أكثر من تأخر عنه، و هي «يستحب قول ما يتركه المؤذن» ضرورة شمولها إن لم تكن ظاهرة فيه للمخالف المنقص نحو «حي على خير العمل» بل عن الكركي منهم التصريح بإرادة هذه الفقرة منها، و حينئذ فمقتضاه الاجتزاء بالأذان المزبور مع الإتمام، كما هو ظاهر مستندها الذي هو

قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن سنان (1): «إذا نقص المؤذن الأذان و أنت تريد أن تصلي بأذانه فأتم ما نقص هو من أذانه».

لكن قد يناقش في ذلك كله بأنه لا يتم فيما كان عبادة منه كأذان الجماعة، لعدم صحتها منهم، و بمخالفته الموثق المزبور المشترط فيه المعرفة الظاهرة في إرادة الايمان كما لا يخفى على العارف بلسان النصوص و كثرة تعبيرها بذلك عن ذلك، إذ الذي لم يعرف إمام زمانه لم يعرف شيئا و قد مات ميتة جاهلية، و لما وقع للشيخ و أكثر من تأخر عنه كما قيل أيضا من أن المصلي خلف من لا يقتدى به يؤذن لنفسه و يقيم الظاهر في إرادة المخالف، ضرورة الاعتداد بأذان الفاسق كما ستعرف، بل أظهر منه في ذلك مستنده الذي هو

خبر معاذ بن كثير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا دخل الرجل المسجد و هو لا يأتم بصاحبه و قد بقي على الإمام آية أو آيتان فخشي إن هو أذن و أقام أن يركع فليقل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله» و خبر محمد بن عذافر (3) عنه (عليه السلام) أيضا «أذن خلف من قرأت خلفه»

مضافا إلى موثق عمار المزبور، و لعله لذا صرح الشهيد و غيره باشتراطه، بل

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

53

عن كشف الالتباس نسبته إلى الأصحاب عدا صاحب الموجز، و لعله أخذه من العبارة المزبورة لهم التي يمكن عدم منافاتها للأولى المحمولة على إرادة بيان استحباب الإتمام في نفسه إقامة للشعار الذي يجامع إعادة الأذان، و لا ينافي عدم الاعتداد، و إن كان قد يناقش فيه بأنه مناف لخبر ابن سنان السابق، أو على إرادة أذان المؤذن الذي نقص نسيانا أو تقية أو نحو ذلك، بل يمكن إرادة الكركي ذلك أيضا و إن ذكر «حي على خير العمل» إذ لا يختص تركها بالمخالف، أو على أنه يستحب له الإتمام حيث يتعذر عليه الإعادة تقية، و لعل هذا و سابقه أولى من الجمع بأن المخالف لا يعتد بأذانه إذا لم يتمم و أما إذا جيء بما نقصه اعتد به، إذ هو مخالف لما عرفت من أن مقتضى الأدلة عدم الاعتداد به لنفسه لا لنقيصته بل و لذكرهم استحباب الإتمام، ضرورة كونه على هذا التقدير شرطا، بل و لإطلاقهم عدم الاعتداد بأذانه، هذا. و قد تسمع إن شاء الله زيادة تفصيل لذلك عند تعرض المصنف، و يمكن أن يقال بعدم اشتراط الايمان في أذان الإعلام بخلاف أذان الصلاة، لعدم كون الأول عبادة، و حصول حكمة المشروعية و معروفية الاجتزاء به في أزمنة التقية، و به يجمع بين النصوص و الفتاوى، و الله أعلم.

[في اعتبار الذكورة في المؤذن]

و كذا يعتبر في المؤذن الذكورة لأصالة عدم السقوط بأذانها للاعلام و لجماعة الرجال، ضرورة كون المنساق إلى الذهن من النصوص التي عبر في كثير منها بصيغة الذكور الرجال، خصوصا مع تعارف ذلك فيهم، و تعارف الستر و الحياء في النساء، بل علل غير واحد من الأساطين الحكم هنا بأنه إن أسرت المرأة بالأذان بحيث لم يسمعوا لا اعتداد به، و إن جهرت كان أذانا منهيا عنه، لأن صوتها عورة، فيفسد للنهي، و إن أمكنت المناقشة فيه أولا بعدم ثبوت عورية صوت المرأة للسيرة كصوت الرجل بالنسبة إليها، و ثانيا بعدم كون أذان الإعلام عبادة، و ثالثا بعدم اشتراط السماع في الاعتداد، و إلا لم يكره للجماعة الثانية ما لم يتفرق الأولى و لا اللاحق

54

للأولى إذا سبقه الأذان، و رابعا بأن النهي عن كيفية الأذان، و هو لا يقتضي فساده، و لو سلم فلا يتم فيما إذا جهرت و هي لا تعلم سماع الأجانب فاتفق أن سمعوه، على أنه لا يتم فيما إذا كان الأذان لجماعة المحارم الذي صرح جماعة باعتدادهم به، كجماعة النساء المجمع على مشروعية أذان المرأة لها، و خامسا باحتمال استثناء ما كان من قبيل الأذكار و تلاوة القرآن كالاستفتاء و نحوه من الرجال.

و بغير ذلك كالاستدلال في المحكي عن المختلف لأصل الحكم بأنه لا يستحب الأذان لها، فلا يسقط به المستحب، إذ هو واضح المنع، كإطلاق المصنف اشتراط الذكورة الذي لا يلائم ما سمعت من الإجماع على مشروعيته لهن و اعتدادهن به، لكن قد يعتذر عنه بأنه أطلق ذلك اعتمادا على ما سيصرح به من أنه لو أذنت المرأة للنساء جاز، أما غيرهن من جماعة المحارم أو الأجانب مطلقا أو على بعض الوجوه فإطلاقه فيه في محله، فإن الأقوى عدم الاعتداد به إن لم يكن إجماع على خلافه، كما عساه يفهم مما تسمعه من معقد إجماع الكركي في الصبية بالنسبة للمحارم، لما عرفت من الأصل السالم عن المعارض المعتد به مؤيدا ببعض ما سمعت، و ربما (1) ورد من أنه ليس عليهن أذان و لا إقامة، و بغير ذلك، و إن أمكن المناقشة في جميع ما عداه حتى النصوص التي قد عرفت في أول الأذان إرادة نفي التأكد منها لا المشروعية، فتأمل جيدا، فالعمدة حينئذ الأصل المزبور، فما عن الشيخ في المبسوط- من أنه إن أذنت المرأة للرجال جاز لهم أن يعتدوا به و يقيموا، لأنه لا مانع منه- لا يخلو من نظر، كالمحكي عن جماعة من الاعتداد به للمحارم كما عرفت.

و كيف كان ف لا يشترط البلوغ في الأذان إجماعا محصلا و منقولا

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6 و 7.

55

مستفيضا كالنصوص (1) بل متواترا ف يكفي كونه مميزا حينئذ كما هو معقد بعض الإجماعات المزبورة، و مندرج قطعا في النصوص (2) إذ احتمال إرادة خصوص المراهق منها مع ذلك غلط، خصوصا بعد ملاحظة الفتاوى، فما عن بعض عبارات النهاية- من أنه لا يؤذن و لا يقيم إلا من يوثق بدينه- يريد به إخراج المخالف، خصوصا مع ملاحظة تصريحه قبل ذلك بالصبي، بل لعل الموثق (3) المزبور كذلك، فلا يقدح حصر الأذان فيه في الرجل، و إلا وجب تخصيص مفهومه بذلك لما عرفت.

أما غير المميز فلا عبرة بأذانه كما صرح به جماعة، بل عن التذكرة الإجماع عليه لمسلوبية عبارته، و لذا ساوى المجنون في أكثر الأحكام، و ظهور النصوص في غيره، بل لعله غير مراد من إطلاق الصبي في بعض العبارات، فلا يكون فيه حينئذ خلاف، و المرجع في التمييز إلى العرف الذي هو أولى مما عن الروض من أنه الذي يعرف الأضر من الضار و الأنفع من النافع إذا لم يحصل بينهما التباس بحيث يخفى على غالب الناس، إذ هو مع أنه رد إلى الجهالة غير واضح المأخذ، كالمحكي عن جماعة من التصريح بعدم الفرق في الحكم المزبور بين الذكر و الأنثى، ضرورة اختصاص النصوص و معاقد الإجماعات و أكثر الفتاوى بما لا يشملها من التعبير بالصبي و الغلام و نحوهما، لكن قد يظهر من جامع المقاصد الإجماع على الاجتزاء بأذان الصبية للنساء و المحارم، و للنظر فيه مجال، و الله أعلم.

[في استحباب أن يكون المؤذن عدلا]

و أما ما يستحب فيه لا على جهة الشرطية فهو أن يكون عدلا بلا خلاف كما عن المنتهى، بل ظاهر نسبته إلى علمائنا في المحكي عنه و في المعتبر أيضا

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأذان و الإقامة.

(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

56

الإجماع عليه، كالمحكي عن صريح التذكرة و نهاية الأحكام، فيجب إرادته حينئذ من

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «يؤذن لكم خياركم»

خصوصا مع قصوره من وجوه عن إفادة الوجوب الشرطي، فحينئذ يعتد بأذان مستور الحال إجماعا في المحكي عن التذكرة، بل و بأذان الفاسق و إن لم يكن مستور الحال، خلافا للمحكي عن الكاتب فلم يعتد بغير أذان العدل، و في كشف اللثام يحتمل أن يريد عدم الاعتداد به في دخول الوقت، قلت: و كذا العدل لغير ذوي الأعذار كما مر البحث فيه في المواقيت و إن كان هو مقتضى ما ورد من ايتمانهم القاضي بتصديقهم، فالأولى حينئذ إرادته عدم حصول الموظف من نفي الاعتداد، و قد استوجهه الشهيدان في المستأجر أو المرتزق من بيت المال للإمام أو المجتهد، لما فيه من كمال المصلحة، و فيه أنه لا دليل على وجوب مراعاة الكمال عليهما، و لو سلم فليس شرطا في وظيفة الأذان بحيث لا يعتد به لو كان من فاسق، بل هو تكليف آخر يأثم المجتهد بعدم مراعاته كما هو واضح.

و الظاهر أن مرجع هذا الندب إلى المكلفين لا المؤذن، أي يستحب لهم في تأدية هذه الوظيفة الكفائية اختيار الثقة العدل، و ربما قيل: إن مرجعه الامام و الحاكم، و لا بأس به إذا أريد ذلك حيث يكون لهما الاختيار و أنهما أحد المخاطبين بالوظيفة المزبورة، فتأمل جيدا.

[في استحباب أن يكون المؤذن صيتا]

و كذا يستحب أن يكون صيتا بلا خلاف نقلا في المحكي عن المنتهى إن لم يكن تحصيلا: أي شديد الصوت كما في الصحاح و المجمل و المحكي عن المحيط و المقاييس و تهذيب الأزهري و مفردات الراغب، بل قيل: و نحوه ما ذكر في كتب الفقه من أنه رفيع الصوت لما فيه من زيادة المبالغة في رفع شأن هذا الشعار، و للنبوي (2) «ألقه

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(2) تيسير الوصول ج 1 ص 210 و سنن أبي داود ج 1 ص 195- الرقم 499.

57

على بلال فإنه أندى منك صوتا»

قال ابن فارس في المجمل: ندي الصوت بعد مذهبه و هو أندى صوتا: أي أبعد، و زاد بعض استحباب كونه مع ذلك حسن الصوت معللا له بإقبال القلوب على سماعه، و لا بأس به بعد التسامح، و أما احتمال انه المراد من الأندى فيدفعه- مع انه خلاف المصرح به كما سمعت- أنه مناف لجعله دليلا للارتفاع، و الأمر سهل بعد قاعدة التسامح.

[في استحباب ان يكون المؤذن مبصرا]

و أن يكون مبصرا للإجماع المحكي عن التذكرة، و ليتمكن من معرفة الأوقات، و ليس ذلك شرطا قطعا، للأصل و الإطلاقات، فلو أذن الأعمى جاز بلا خلاف كما في كشف اللثام، و لقد كان ابن أم مكتوم مؤذنا لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو أعمى إلا أنه كان لا ينادي إلا أن يقال له أصبحت أصبحت، و من هنا حكي عن المنتهى و غيره أنه يستحب أن يكون معه من يسدده، بل عن الدروس الكراهة بدون مسدد، قلت: هو لا يتمكن غالبا من معرفة الوقت بدونه، و لعله لذا كان ظاهر المدارك و كشف اللثام و المحكي عن جامع الشرائع اشتراط الجواز بالمسدد، و لعل مراد الجميع واحد، و الأمر سهل، و فاقد إحدى العينين من المبصر كغير صحيح العينين حتى الأرمد و إن كان لا يناسبه التعليل المتقدم الذي هو أمر اعتباري يذكر بعد السماع، و ربما يقال بالنقصان فيهم، و الله أعلم.

و أن يكون بصيرا ب معرفة الأوقات بلا خلاف في كشف اللثام، و عليه فتوى العلماء في المعتبر، لأشدية عمى البصيرة من عمى البصر، و احتمال كونه المراد من العارف المتقدم في أول البحث، و لعل مثل ذلك و نحوه كاف في إثبات الندب التسامح فيه، إذ ليس ذلك شرطا قطعا، لجواز الاعتداد بأذان الجاهل بلا خلاف في كشف اللثام، بل إجماعا في المدارك، لكن في معقد الأول اشتراط المسدد، و الكلام فيه كالأعمى.

58

و كذا يستحب أن يكون متطهرا إجماعا في الخلاف و التذكرة و الذكرى و المحكي عن إرشاد الجعفرية، بل في المعتبر و المحكي عن المنتهى و جامع المقاصد من العلماء إلا من شذ من العامة، بل في المعتبر عمل المسلمين في الآفاق على خلاف ما ذكره إسحاق ابن راهويه من اشتراط الطهارة، كما أن في جامع المقاصد ليست الطهارة شرطا عند علمائنا، بل في كشف اللثام الإجماع على عدم اشتراطها، بل هو قضية الإجماعات السابقة على الاستحباب المزبور، ضرورة انحلال ذلك إلى حكمين: أحدهما رجحان ذلك فيه، و لعل مستنده- بعد الإجماع و كونه من مقدمات الصلاة-

المرسل في كتب الفروع «لا تؤذن إلا و أنت متطهر» و آخر (1) «حق و سنة أن لا يؤذن أحد إلا و هو طاهر»

بل مقتضى الأول منهما الكراهة مع عدمه، و ثانيهما عدم اشتراطه به، للأصل و إطلاق الأدلة و الإجماع المزبور، و قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): «تؤذن و أنت على غير وضوء- إلى أن قال-: و لكن إذا أقمت فعلى وضوء متهيأ للصلاة»

و الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (3) و ابن سنان (4) و اللفظ للأول «لا بأس أن يؤذن الرجل من غير وضوء، و لا يقيم إلا و هو على وضوء» و موثق أبي بصير (5) «لا بأس أن تؤذن على غير وضوء» و خبر إسحاق بن عمار (6) «إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا بأس أن يؤذن المؤذن و هو جنب، و لا يقيم حتى يغتسل» و سأل علي بن جعفر أخاه (عليه السلام) في المروي عن قرب الاسناد (7) «عن المؤذن يحدث في أذانه و في إقامته فقال: إن كان الحدث في الأذان فلا بأس، و إن كان في الإقامة فليتوضأ و ليقم إقامة» و سأله أيضا في المروي عن كتابه (8)

____________

(1) كنز العمال ج 4 ص 267 الرقم 5496.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

(7) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

(8) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 8.

59

«عن الرجل يؤذن أو يقيم و هو على غير وضوء يجزيه ذلك قال: أما الأذان فلا بأس، و أما الإقامة فلا يقيم إلا على وضوء، قلت: فإن أقام و هو على غير وضوء أ يصلي بإقامته؟ قال: لا»

إلى غير ذلك من النصوص.

بل الظاهر إجزاؤه لو أذن جنبا في المسجد كما صرح به الشيخ في الخلاف، بل ربما استظهر منه الإجماع عليه، لعدم جزئية الكون منه، فالمعصية في اللبث لا تنافيه، كالأذان في الدار المغصوبة بناء على أن التلفظ ليس تصرفا فيها، خلافا للفاضل و ثاني الشهيدين فلم يعتدا بأذانه في الأول فضلا عن الثاني، للنهي المفسد، و لا ريب في ضعفه كما عرفت.

و كيف كان فقد بان لك أنه لا ريب في عدم اشتراطه بالطهارة، أما الإقامة فظاهر النصوص السابقة ذلك، و لا معارض لها إلا الأصل المقطوع بها، و الإطلاق المقيد بها كذلك، و لذا حكي عن صريح الكاتب و المصباح للسيد و جمل العلم و العمل و المنتهى و ظاهر المقنعة و النهاية و السرائر و المهذب الاشتراط المزبور، و في كشف اللثام و هو الأقرب للأخبار بلا معارض، و مال إليه في المدارك و غيرها، لكن المشهور نقلا عن البحار و مجمع البرهان إن لم يكن تحصيلا العدم، بل في الروضة ليست شرطا عندنا، و كأنهم حملوا الأخبار المزبورة على التأكد، كما أنه ينبغي حمل الأمر بالإعادة في خبر علي بن جعفر (1) على الاستحباب أيضا بناء منهم على أن المطلق لا يحمل على المقيد في المندوبات، لعدم التعارض عند التأمل، و فيه أنه لو سلم فليس في مثل المقام المشتمل على النهي و نحوه، فالقول بالاشتراط أولى و أحوط، خصوصا بعد ما تسمعه من النصوص الدالة على أنها من الصلاة، و الله أعلم.

[في استحباب أن يكون المؤذن قائما على مرتفع]

و كذا يستحب أن يكون قائما على المشهور، بل في التذكرة و المحكي عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

60

المنتهى و نهاية الأحكام الإجماع عليه، بل في الأول نسبته إلى أهل العلم كافة، كما في الثاني الإجماع على جوازه جالسا للأصل و الإطلاقات، إلا أنه لا يخلو من كراهة لغير الراكب و المريض جمعا بين

خبر حمران (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الأذان جالسا فقال: لا يؤذن جالسا إلا راكب أو مريض» و قول أبي جعفر (عليه السلام) أيضا في صحيح زرارة (2) «تؤذن و أنت على غير وضوء و في ثوب واحد قائما أو قاعدا و أينما توجهت، و لكن إذا أقمت فعلى وضوء متهيأ للصلاة» و أبي الحسن (عليه السلام) (3) «يؤذن الرجل و هو جالس، و لا يقيم إلا و هو قائم- و قال (عليه السلام) أيضا- تؤذن و أنت راكب، و لا تقيم إلا و أنت على الأرض» و الرضا (عليه السلام) في خبر ابن أبي نصر (4) المروي عن قرب الاسناد «تؤذن و أنت جالس، و لا تقيم إلا و أنت على الأرض و أنت قائم».

و كيف كان فلا إشكال في عدم اعتبار القيام في الأذان لما عرفت، مضافا إلى

قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن أبي بصير (5): «لا بأس بأن تؤذن راكبا أو ماشيا أو على غير وضوء، و لا تقيم و أنت راكب أو جالس إلا من علة أو تكون في أرض ملصقة» و قال له (ع) محمد بن مسلم (6): «يؤذن الرجل و هو قاعد قال: نعم، و لا يقيم إلا و هو قائم» و قال له (ع) يونس الشيباني أيضا (7): «أؤذن و أنا راكب قال:

نعم، قلت: فأقيم و أنا راكب قال: لا، قلت: فأقيم و رجلي في الركاب قال: لا، قلت: فأقيم و أنا قاعد قال: لا، قلت: فأقيم و أنا ماش، قال: نعم ماش إلى الصلاة، قال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 14.

(5) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 8 و روى في الوسائل عن أبي بصير و هو الصحيح.

(6) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

(7) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 9.

61

ثم قال: إذا أقمت الصلاة فأقم مترسلا فإنك في الصلاة، قال: قلت: قد سألتك أقيم و أنا ماش قلت لي نعم، فيجوز أن أمشي في الصلاة فقال: نعم إذا دخلت من باب المسجد فكبرت و أنت مع إمام عادل ثم مشيت إلى الصلاة أجزأك ذلك، فإذا الإمام كبر للركوع كنت معه في الركعة، لأنه إن أدركته و هو راكع لم تدرك التكبير لم تكن معه في الركوع» و سأل علي أخاه (عليه السلام) (1) «عن المسافر يؤذن على راحلته و إذا أراد أن يقيم أقام على الأرض قال: نعم لا بأس» و سأله أيضا تارة أخرى (2) «عن الأذان و الإقامة أ يصلح على الدابة؟ قال: أما الأذان فلا بأس، و أما الإقامة فلا حتى ينزل على الأرض»

و كأن ما عن المقنعة لم يرد منه الشرطية حقيقة، قال:

«لا بأس أن يؤذن الإنسان جالسا إذا كان ضعيفا في جمته و كان طول القيام يتعبه و يضره، أو كان راكبا جادا في مسيره، و لمثل ذلك من الأسباب، و لا يجوز له الإقامة إلا و هو قائم متوجه إلى القبلة مع الاختيار» و إلا كان محجوجا بما سمعت، كالمحكي عن المقنع «إن كنت إماما فلا تؤذن إلا من قيام» و تبعه في المحكي عن المهذب فأوجب القيام و الاستقبال فيه و في الإقامة على من صلى جماعة إلا لضرورة، نعم هو جيد بالنسبة إلى الإقامة، لما سمعت من الأمر بالقيام فيها و النهي عن غيره في النصوص السابقة التي لا معارض لها إلا الإطلاقات المنزلة على ذلك، اللهم إلا أن يقال إنه بملاحظة الشهرة بين الأصحاب، و ما عن المنتهى من الإجماع على تأكد القيام فيها و غير ذلك يمكن إرادة شدة التأكد، بل الكراهة في الترك، بل لعل ذلك كذلك بالنسبة إلى باقي ما يعتبر في الصلاة من الاستقرار و الاستقبال و غيرهما، كما أومأ إليه بعض النصوص السابقة، خصوصا ما دل (3) منها على أن حال الإقامة من أحوال الصلاة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 13.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 15.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 12.

62

قال الصادق (عليه السلام) في خبر سليمان بن صالح (1): «لا يقيم أحدكم الصلاة و هو ماش و لا راكب و لا مضطجع إلا أن يكون مريضا، و ليتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة، فإنه إذا أخذ في الإقامة فهو في صلاة»

مضافا إلى بعض النصوص الآتية في الطهارة و في كراهة الكلام بعد الإقامة، و بظاهر بعضها عمل المرتضى (رحمه الله) في المحكي عن جمله، فلم يجوز الإقامة من دون استقبال، لكن في المحكي عن ناصرياته في بحث النية أن الاستقبال فيها غير واجب بل مسنون جمعا بين الإطلاقات و بينها يتأكد ذلك فيها، و هو الأقوى في النظر.

و على كل حال ينبغي أن يكون قائما على مرتفع حال الأذان كما صرح به غير واحد، بل في التذكرة و عن النهاية الإجماع عليه، و لأمر النبي (صلى الله عليه و آله) بلالا أن يعلو على الجدار حال الأذان (2) و لأنه أبلغ في الأذان، و المناسب لاعتبار المنارة في المسجد و كراهة علوها على حائط المسجد مثلا لا ينافي استحباب الأذان فيها، نعم الظاهر عدم الخصوصية فيها على باقي أفراد المرتفع كما صرح به في المعتبر، و اليه

أومأ أبو الحسن (عليه السلام) (3) بقوله حين سئل عن الأذان في المنارة أ سنة هو: «انما كان يؤذن للنبي (صلى الله عليه و آله) في الأرض و لم يكن يومئذ منارة»

و في المحكي عن الدروس «يستحب الارتفاع و لو على منارة و إن كره علوها» فما عن المختلف من أن الوجه استحبابه في المنارة لا يخلو من نظر إن أراد الخصوصية، كما أن ما عن المبسوط و الوسيلة من أنه يكره التأذين في الصومعة كذلك إن أراد بها المنارة كما استظهره في المحكي عن البيان، و عن القاموس «الصومعة كجوهرة بيت للنصارى ينقطع» و يقال:

هي نحو المنارة ينقطع فيها رهبان النصارى و عن الصحاح و مجمع البحرين «صومعة النصارى

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

63

دقيقة الرأس» لكن عن البحار لعل مراد الشيخ و الطوسي السطوح العالية من الصومعة، قلت: و لا دليل أيضا على كراهة الأذان عليها، مع أن الشيخ في المبسوط قد حكي عنه أيضا استحباب كون الأذان على مرتفع، و له عبارة أخرى أيضا، و هي «لا فرق بين أن يكون الأذان على المنارة أو الأرض، و لا يجوز أن تعلى على حائط المسجد» و ظاهر العبارات الثلاثة التنافي، اللهم إلا أن يريد بالمرتفع غير المنارة العالية على سطح المسجد و غير الصومعة، لكن إقامة دليل الكراهة لا تخلو من صعوبة و إن كان مما يتسامح فيها، فتأمل جيدا.

ثم لا يخفى أن الظاهر اختصاص هذا المستحب و أكثر ما تقدم في مؤذن الإعلام أو الجماعة، ضرورة عدم اعتبار شيء من العدالة و البصر و البصيرة و الصوت و الارتفاع في المكان في أذان الصلاة، لما عرفت سابقا من استحبابه لكل مصل، نعم الظاهر ثبوت ندب القيام و الطهارة في الجميع، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي في تخصيص هذه المندوبات بالمؤذن المنصوب، قال:

و سن في المنصوب أن يكونا * * *عدلا بصيرا مبصرا مأمونا

مرتفع الصوت و قائما على * * *مرتفع يبلغ صوته الملإ

و إن كان هو مراد الجميع أيضا كما هو واضح، هذا.

و قد ترك المصنف استحباب وضع المؤذن إصبعيه حال الأذان في أذنيه مع أنه أولى بالذكر، لأنه من السنة، ك ما رواه الحسن بن السري (1) عن الصادق (عليه السلام) و مده لصوته، بل في البيان جهده، لكن في خبر زرارة (2) عن الباقر (عليه السلام) «و كلما اشتد صوتك من غير أن تجهد نفسك كان من يسمع أكثر، و كان أجرك في

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

64

ذلك أعظم»

و لعل المصنف اكتفى عن ذلك بذكر كونه صيتا قائما على مرتفع، أو بما سيذكره بعد فيما يأتي، و الأمر في ذلك كله سهل.

[في جواز قطع الصلاة لتدارك الأذان و الإقامة]

و لو أذنت المرأة للنساء جاز، و لو صلى منفردا و لم يؤذن و لم يقم ساهيا و كان الوقت واسعا رجع إلى الأذان و الإقامة مستقبلا صلاته ما لم يركع وفاقا للمشهور شهرة عظيمة نقلا و تحصيلا، بل عن المختلف الإجماع على عدم الرجوع بعد الركوع، فهو حينئذ- مع اعتضاده بالشهرة، و ما دل (1) على حرمة إبطال العمل، مع أن الأذان و الإقامة مستحبان، بل لو قلنا بوجوبهما لم يجز القطع لو تعمد تركهما فضلا عن النسيان الذي هو فرض البحث، لعدم مدخليتهما في صحة الصلاة على تقديره- الحجة على عدم الرجوع بعد الركوع، مضافا إلى

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (2): «إذا افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذن و تقيم ثم ذكرت قبل أن تركع فانصرف و أذن و أقم و استفتح الصلاة، و إن كنت قد ركعت فأتم على صلاتك» و سأل زرارة (3) أبا جعفر (عليه السلام) «عن رجل نسي الأذان و الإقامة حتى دخل في الصلاة فقال: فليمض في صلاته فإنما الأذان سنة» و الصادق (عليه السلام) (4) «عن رجل ينسى الأذان و الإقامة حتى يكبر فقال: يمضي على صلاته و لا يعيد»

و تقييدهما بما في الصحيح الأول من الانصراف قبل الركوع لا ينافي الدلالة على عدمه بعده، ك

صحيحي ابن مسلم (5) و الشحام (6) عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «في الرجل ينسى الأذان و الإقامة حتى يدخل في الصلاة: إن كان ذكر قبل أن يقرأ

____________

(1) سورة «محمد» (صلى الله عليه و آله)- الآية 35.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 9.

65

فليصل على النبي (صلى الله عليه و آله) و ليقم، و إن كان قد قرأ فليتم صلاته»

بناء على إرادة الأذان و الإقامة بقرينة السؤال، إلا أنه خصها بالذكر لزيادة التأكد فيها، و منافاته لصحيح الحلبي في شرط الأمر بالإتمام لا تقدح في دلالته على وجوب الإتمام فيما بعد الركوع، و هو المطلوب.

نعم قد يناقش في دلالة خبري زرارة باحتمال إرادة الإباحة من الأمر بالمضي فيهما بقرينة التعليل في أولهما، و لأنه في مقام توهم الحظر، لكن في غيرهما مما عرفت غنى عنهما، فالقول باستحباب الانصراف أو جوازه مطلقا- ل

صحيح ابن يقطين (1) سأل أبا الحسن (عليه السلام) «عن الرجل ينسى أن يقيم الصلاة و قد افتتح الصلاة قال: إن كان قد فرغ من صلاته فقد تمت صلاته، و إن لم يكن فرغ من صلاته فليعد»

لأولوية نسيانها مع الأذان من نسيانها وحدها، أو لأنه أعم من نسيان الإقامة ضرورة عدم تقييده بنسيانها خاصة- في غاية الضعف، بل لم أعرفه لأحد من الأصحاب عدا الشيخ في كتابي الأخبار الموضوعين لمجرد الجمع بين الآثار و لو بذكر الاحتمالات التي لا يفتي بها، و عن المعتبر «أن ما ذكره الشيخ محتمل لكن فيه تهجم على إبطال الفريضة بالخبر النادر» قلت: بل هو لا يقاوم غيره سندا و عددا و عملا، فما عن المفاتيح من العمل به تبعا للشيخ كما ترى، بل طرحه أو حمله على ما قبل الركوع و إن بعد متجه، أما الرجوع قبل الركوع فقد عرفت دلالة صحيح الحلبي عليه، و لا يعارضه إطلاق الصحيحين المزبورين بعد رجحانه عليهما بالشهرة العظيمة، بل قيل: إن المحقق الثاني في جامعه و الشهيد في مسالكه حكيا الوفاق عليه، ذكرا ذلك عند نسيان الإقامة وحدها أو الأذان و إن كان لا يخلو ذلك من تأمل كما لا يخفى على من لاحظ كلامهما مع التدبر، لكن على كل حال لا ريب في رجحانه عليهما خصوصا مع مهجورية

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

66

الصحيحين، و عدم العمل بهما من أحد من المعتبرين، و احتمال إرادة حال ما بعد القراءة الذي هو غالبا الركوع، فلا تنافي حينئذ أصلا، كما أنه لو أريد من الركوع في النص و الفتوى زمن الخطاب به حتى أنه لو نسيه فهوى للسجود ثم ذكر لا يرجع أيضا لتداركهما لم يكن بينهما تناف، و كذا لو لوحظ التعارض بينه و بينهما في شرط المضي في الصلاة لاعتبارهما القراءة و اعتباره الركوع كان صحيح الحلبي حينئذ مقيدا لهما، لمعلومية عدم التعدد في المقام باعتبار لزوم الثاني للأول إلا في حالة النسيان و نحوه التي هي نادرة و غير ملاحظة، أما لو لوحظ التعارض بين شرط الانصراف في صحيح الحلبي و شرط الإتمام فيهما كان التعارض بينهما بالعموم و الخصوص، و الخصوصية في جانبهما، لكن قد عرفت أن مثلهما لا يقاوم مثله، خصوصا بعد ما سبق من تقرير وجه المعارضة بما سمعت، كما أنه لا يعارضه أيضا خبرا زرارة السابقان المقيدان بما بعد الركوع، أو المحمولان على إرادة بيان الجواز، لعدم وجوب الرجوع المزبور إجماعا في المحكي عن التذكرة، و لأن ما غايته غيره في غير التبليغ يتبع الغاية في حكمها، و غاية الرجوع الأذان و الإقامة، و هما مستحبان، نعم التبليغ واجب و إن كان ما يبلغه مندوبا، على أن الأمر بالانصراف هنا في مقام توهم الحظر، فلا يفيد إلا الإباحة بالمعنى الأخص، و لو لا الانجبار بفتوى الأصحاب و التسامح في السنن و كونه مقدمة للمندوب أمكن المناقشة في إفادته الاستحباب فضلا عن الوجوب، هذا.

و لعل المصنف أشار بقوله و فيه رواية أخرى إليهما، أو إلى صحيحي ابن مسلم و الشحام بعد حمل الأمر بالإقامة في الجواب فيهما على التأكد فيها، و إلا فالمراد الأذان و الإقامة بقرينة السؤال، و ما في المدارك من احتمال الإشارة بذلك إلى صحيح ابن أبي العلاء (1) يدفعه أنه متضمن للإقامة سؤالا و جوابا كما ستعرف، و على كل

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

67

حال فلا ينافي ما ذكرنا

خبر نعمان الرازي (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) و سأله أبو عبيدة الحذاء عن حديث رجل نسي أن يؤذن و يقيم حتى كبر و دخل في الصلاة قال: إن كان دخل المسجد و من نيته أن يؤذن و يقيم فليمض في صلاته و لا ينصرف»

إذ هو مع قصوره عن معارضة غيره من وجوه مطلق أيضا يمكن تقييده أيضا بما إذا ركع، كما أن إطلاق مفهومه مقيد بما إذا لم يركع، فما عن الشيخ في النهاية و الحلي في السرائر بل و ابن سعيد في الجامع بناء على إرادته الأذان و الإقامة من الأذان من عدم إعادة الناسي مطلقا بخلاف العامد فيعيد قبل الركوع لا بعده في غاية الضعف.

و الخبر المزبور إن كان في إطلاق منطوقه شهادة عليه ففي مفهومه شهادة بخلافه، و حمل النسيان على العمد في صحيح الحلبي كما ترى، و إطلاق بعض النصوص السابقة قد عرفت تقييده بغيره، و أضعف من ذلك دعوى الجواز في صورة العمد التي ليس في شيء من النصوص ما يشهد لها فضلا عن أن يعارض ما دل على حرمة الابطال، و دعوى اندراجها في مفهوم الخبر المزبور محل منع، ضرورة ظهوره في التفصيل في الناسي و لعل إطلاق المبسوط الرجوع قبل الركوع لا يريد منه ما يشمل صورة العمد، هذا.

و ما في الصحيحين السابقين من الأمر بالصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) لم أعثر على عامل به على سبيل الوجوب كالسلام عليه الذي تسمعه في صحيح ابن أبي العلاء (2) نعم في الدروس «يرجع ناسيهما ما لم يركع فيسلم على النبي (صلى الله عليه و آله) و يقطع الصلاة» و في الذكرى أشار بالصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) قاطعا لها، و يكون المراد بالصلاة هناك السلام، و أن يراد الجمع بين الصلاة و السلام،

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

68

فيجعل القطع بهذا من خصوصيات هذا الموضع، لأنه

قد روي (1) «أن التسليم على النبي (صلى الله عليه و آله) ليس بانصراف،»

و يمكن أن يراد القطع بما ينافي الصلاة و يكون التسليم على النبي (صلى الله عليه و آله) مبيحا لذلك، قلت: لكن الجميع كما ترى، و أولى منه إرادة الندب هنا المؤيد ب ما ورد (2) من الصلاة عليه (صلى الله عليه و آله) عند عروض النسيان أو إرادة التذكر، فحينئذ يفعله إما لتذكر حاله أو لاذهاب الشيطان الذي هو سبب النسيان، فحينئذ ينبغي إرادة الصلاة من السلام لا العكس، أو لا بأس لأن المراد ذكر النبي (صلى الله عليه و آله).

و على كل حال فالمراد قطع الصلاة بأحد قواطعها و استئناف الأذان و الإقامة، أو العدول عن الفريضة إلى غيرها حيث يكون له ذلك، بل ربما كان متعينا، تجنبا عن قطع الصلاة و إن كان الأقوى العدم عملا بإطلاق النص و الفتوى، كما أن الأقوى عدم مشروعيته للنفل للنسيان، لعدم الدليل الصالح لقطع الأصل، فما عن التذكرة و نهاية الأحكام و الموجز و كشفه و إرشاد الجعفرية من جواز ذلك له لا يخلو من نظر، و لعل دليلهم عليه الأولوية الممنوعة، فتأمل جيدا، هذا. و من الغريب ما في الحدائق بعد أن اعترف بأن ما في الذكرى في غاية البعد قال: «ما حاصله أن من المحتمل قريبا كون المراد ذكر الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) أو السلام عليه و يقول: «قد قامت الصلاة» مرتين من الأمر بالإقامة، و يبقى مستمرا على صلاته كما هو ظاهر خبر زكريا بن آدم (3) و فقه الرضا (عليه السلام) (4)- إلى أن قال-: و لا استبعاد

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب التسليم- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الذكر- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

(4) المستدرك- الباب- 24- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

69

في عدم قطع ذلك الصلاة و إن كان كلاما للدليل» إذ هو كما ترى مخالف للمقطوع به من النصوص و لو بواسطة الفتاوى، و فقه الرضا (عليه السلام) لم تثبت حجيته عندنا، و ستعرف الحال في خبر زكريا بن آدم.

ثم انه لا يخفى عليك ظهور النصوص في الرجوع إلى الأذان و الإقامة، أما الأذان وحده فعدم جواز القطع له هو الموافق لما دل على حرمة الابطال، و لذا صرح جماعة بذلك كما هو ظاهر آخرين، بل عن الإيضاح و غاية المرام و شرح الشيخ نجيب الدين الإجماع عليه، فما في المتن من الاقتصار على نسيان الأذان لا يخلو من نظر و إن وافقه عليه الشهيد في المسالك و شيخه في المحكي عن حاشيته، بل قد يظهر من الأول أنه المشهور لكنه كما ترى بل يمكن إرادة المصنف الأذان و الإقامة من الأذان بقرينة معروفية موضوع المسألة بين الأصحاب بذلك، فينحصر الخلاف فيهما و في المحكي عن الحسن و ابن سعيد، قال الأول: «إن من نسي الأذان في الصبح أو المغرب قطع الصلاة و أذن و أقام ما لم يركع، و كذا إن نسي الإقامة من الصلوات كلها رجع إلى الإقامة ما لم يركع- قال-:

فان كان قد ركع مضى في صلاته و لا إعادة عليه إلا أن يكون تركه متعمدا استخفافا فعليه الإعادة» و قال الثاني: «و من تعمد ترك الأذان و صلى جاز له أن يرجع فيؤذن ما لم يركع، فان ركع لم يرجع، فان نسيه لم يرجع بكل حال» مع احتمال إرادتهما ما يعمهما منه، و الثاني انما هو في صورة العمد.

و على كل حال فلا دليل على ذلك، نعم قد سمعت ما في صحيح ابن يقطين (1) من الإعادة للإقامة قبل الفراغ، إلا أني لم أجد عاملا به على إطلاقه غير الشيخ في كتابي الأخبار و الكاشاني كما سمعت سابقا، و مثله

صحيح ابن أبي العلاء (2) سأل أبا عبد الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

70

(عليه السلام) «عن الرجل يستفتح صلاته المكتوبة ثم يذكر أنه لم يقم فقال: إن ذكر أنه لم يقم قبل أن يقرأ فليسلم على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم يقيم و يصلي، و إن ذكر بعد ما قرأ بعض السورة فليتم على صلاته»

و المحكي عن ابن الجنيد أنه يرجع إليها ما لم يقرأ عامة السورة، فرفع اليد حينئذ عما دل على حرمة الإبطال لهذين الخبرين المتروك ظاهرهما مخالف لأصول المذهب، خصوصا بعد ما في المسالك من أن عدم الرجوع لها هو المشهور، بل عن الشيخ نجيب الدين الإجماع عليه و إن أمكن المناقشة فيهما بأن المحكي عن المنتهى و الدروس و النفلية و الموجز الحاوي و كشفه و الروضة و شرح النفلية الرجوع إليها كما يرجع إليهما معا بل قيل قد يظهر من النفلية أنه المشهور بل لعله لا يخلو من قوة للأمر بها خاصة في جواب السؤال عن نسيانهما في صحيحي ابن مسلم (1) و الشحام (2) و لا ريب في ظهوره بكمال المزية لها، و متى ثبت جواز الرجوع قبل القراءة ثبت جوازه إلى ما قبل الركوع، لعدم القول بالفصل بينهما إلا ما عساه يظهر من المحكي عن الفقيه من العمل بخبر الشحام حيث اقتصر عليه، لكنه كما ترى ليس قولا محققا، كما أن

خبر زكريا بن آدم قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك كنت في صلاتي فذكرت في الركعة الثانية و أنا في القراءة أني لم أقم فكيف أصنع؟ قال:

اسكت موضع قراءتك و قل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، ثم امض في قراءتك و صلاتك و قد تمت صلاتك»

شاذ مجهول الرواة لم يعمل به أحد إلا ما يحكى عن الشيخ في كتابي الأخبار مخالف لما دل على منافاة الكلام للصلاة، و حمله على إرادة القول في النفس مناف للفظ القول و لسوق الكلام، كما هو واضح، هذا.

و تخصيص المصنف الحكم بالمنفرد تبعا للمحكي عن المبسوط مخالف لإطلاق النص و الفتوى و معقد الإجماع و لمقتضى تأكدهما في غيره، و لذا حكي عن الإيضاح و حاشية

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 9.

71

الميسي أن المراد بذلك التنبيه بالأدنى على الأعلى، قلت: أو يكون لندرة تحققه في الجماعة.

ثم ان المتيقن من النص و الفتوى الرخصة في الرجوع عند الذكر، أما إذا عزم على تركه و إن لم يقع منه فعل لم يجز له الرجوع، اقتصارا في حرمة الإبطال على المتيقن، بل الأحوط له ذلك إذا مضى له زمان في التردد في الرجوع و عدمه بعد الذكر، كما أن المتيقن الرجوع للنسيان كملا، بل هو ظاهر الأدلة المزبورة، أما نسيان بعض الفصول أو الشروط فلا، لحرمة الابطال اللهم إلا أن يقال مع فرض النسيان الذي يكون بسببه الفساد يتجه التدارك، لما علم من الشارع من تنزيل الفاسد منزلة العدم في كل ما كان من هذا القبيل، و هو لا يخلو من قوة، خلافا للعلامة الطباطبائي في منظومته، قال:

و لا رجوع للفصول منهما * * *و لا لشرط فيهما قد عدما

و الله أعلم.

[في جواز إعطاء الأجرة على الأذان من بيت المال]

و يعطي الأجرة على الأذان من بيت المال إذا لم يوجد من يتطوع به كما عن المنتهى و المبسوط و إن عبر في الأخير بالشيء، لكن ظاهر تحرير الفاضل إرادة الأجرة من الشيء و إن أريد من المتن و غيره حصر جواز أخذ الأجرة عليه في بيت المال كان نفس المحكي عن صريح القاضي من عدم جواز أخذ الأجرة عليه إلا من بيت المال، إلا أنه لا وجه له ظاهر، فإنه إن جاز أخذ الأجرة عليه منه فأولى أن يجوز من غيره، و إن لم يجز من غيره فأولى أن لا يجوز منه، و لذا حكي عن جماعة التصريح بعدم الفرق بين أخذ الأجرة منه و من غيره، بل ستسمع نفي الخلاف عنه، و من هنا احتمل إرادة القاضي الارتزاق منه، قلت: و أولى بذلك المبسوط، لتعبيره «و يعطى شيئا من بيت المال» و نصه في المحكي عن الخلاف على الإجماع على حرمة أخذ الأجرة، بل و المتن، لتصريحه في التجارة بتحريم أخذ الأجرة عليه و جواز الارتزاق من بيت المال، فلا قائل معتد به بالقول المزبور، بل و لا جواز أخذ الأجرة عليه مطلقا عدا

72

المرتضى (رحمه الله) فكرهه و تبعه الكاشاني، و في الذكرى و المحكي عن البحار و تجارة مجمع البرهان أنه متجه، و في المدارك «لا بأس به» و كأنه ظاهر المعتبر، و في المحكي عن التحرير و المنتهى ان في الأجرة نظرا، لكن خيرة الأكثر بل المشهور نقلا و تحصيلا الحرمة، بل عن المختلف «هذا مذهب أصحابنا إلا من شذ» بل في حاشية الإرشاد للكركي «لا خلاف في تحريم أخذ الأجرة عليه سواء كان من السلطان أو من طائفة من الناس كأهل محلة أو قرية» بل في جامع المقاصد و عن الخلاف الإجماع عليه، بل لعله مراد المرتضى من الكراهة لما فيه من الجمع بين العوض و المعوض عنه، ضرورة كون المؤذن أحد المخاطبين به، و ل

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (1): «آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي أن قال: يا على، إن صليت فصل صلاة أضعف من خلفك، و لا تتخذن مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا» و مرسل الصدوق (2) «أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، و الله أني لأحبك، فقال له: و لكني أبغضك قال: و لم؟ قال: لأنك تبتغي في الأذان كسبا، و تأخذ على تعليم القرآن أجرا»

لكن الإنصاف أن لسانهما بعد الإغضاء عن سندهما لسان كراهة، بل في الثاني منهما أمارة أخرى على الكراهة، و يمكن إرادة الارتزاق منه، بل في الذكرى حمل الأول عليه أيضا، فإن تم الإجماع المزبور و التعليل المذكور كانا هما الحجة، مؤيدة بالخبرين السابقين، و بالمروي عن

دعائم الإسلام (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «من السحت أجر المؤذن يعني إذا استأجره القوم، و قال: لا بأس أن يجري عليه من بيت المال»

و بغير ذلك.

____________

(1) الوسائل- الباب- 38- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 38- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(3) المستدرك- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

73

و أما جواز ارتزاقه من بيت المال فلا خلاف أجده فيه، كما عن مجمع البرهان الاعتراف به، بل عن غير واحد نسبته إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه، بل في التذكرة و المحكي عن المختلف و المنتهى دعواه صريحا عليه، نعم قيده جماعة من الأصحاب بعدم وجود المتطوع، بل لا خلاف أجده في ذلك، بل عن التذكرة الإجماع عليه، ضرورة عدم المصلحة للمسلمين في ارتزاقه معه، كضرورة عدم جواز صرفه في غير مصالحهم، فمع وجود المتبرع حينئذ الجامع لشرائط الكمال لا يجوز ارتزاق غيره قطعا، أما إذا كان المتبرع فاقد بعض صفات الكمال التي في وجودها مصلحة للمسلمين كالعدالة و نحوها اتجه حينئذ الجواز.

كما أن المتجه أيضا مراعاة التعدد مع فرض الاحتياج اليه، و في المحكي عن نهاية الأحكام لو تعددت المساجد و لم يمكن جمع الناس في واحد رزق عدد من المؤذنين يحصل بهم الكفاية و يتأدى الشعار، و لو أمكن احتمل الاقتصار على رزق واحد نظرا لبيت المال، و رزق الكل لئلا يتعطل المساجد، قلت: الذي يظهر بعد التأمل أن محل البحث الأذان الإعلامي لا الصلاتي الذي ظاهر الأدلة كون الخطاب به كخطاب الصلاة و قنوتها و تعقيبها يراد منه المباشرة من المكلفين، و الاجتزاء بأذان الغير لصلاته في بعض الأحوال بشرط السماع مثلا لا يلزم منه جواز النيابة التي تقتضي على فرض الصحة الاكتفاء بما يفعله الغير و إن لم يكن لصلاة و لم يسمعه المصلي كما في غيره مما تصح النيابة فيه، و يكون بها فعل النائب فعل المنوب عنه، و شرع ذلك هنا بعيد عن الأدلة من غير فرق بين أذان الجماعة و المنفرد، و إن قلنا إن المخاطب بأذان الأولى إمامها، لأن المأمومين يصلون بصلاته، و فعل الغير حينئذ يسقط عنه إذا كان جامعا للشرائط من السماع و نحوه، ضرورة عدم التلازم بين جواز ذلك و النيابة كما عرفت، و قاعدة جواز الإجارة في كل ما جاز التبرع فيه مقطوعة هنا بظهور الأدلة في المباشرة أو السماع على

74

الوجه المخصوص دون النيابة الأجنبية عن ذلك عند التأمل، بل لعل التبرع المستلزم لجواز الإجارة غير جائز هنا أيضا، إذ الجائز هنا فعل الغير على وجه مخصوص بأن يكون مسموعا للإمام و أن يكون لصلاة و نحو ذلك، فتأمل.

و مثله البحث في الإقامة، بل أولى منه بعدم الجواز مطلقا لا لأنه لا كلفة فيها بمراعاة الوقت بخلاف الأذان كما وقع من الفاضل في المحكي عن نهايته كي يرد عليه أنه لا يعتبر في العمل المستأجر عليه وجود الكلفة فيه، بل لما عرفت من ظهور الأدلة في إرادة المباشرة و أنها كخطاب الصلاة.

أما أذان الإعلام الذي هو مستحب كفائي فلا ريب في عدم ظهور الأدلة في اعتبار المباشرة فيه على وجه ينافي الإجارة، بل هي إن لم تكن ظاهرة في عدم ذلك فلا أقل من أن تكون خالية عن التعرض له، فيبقى عموم الإجارة بحاله، إذ هو من الأفعال السائغة المترتب عليها نفع و ليس بواجب على المكلف فعله، و ندب الناس إلى فعله لا ينافي جواز إعطاء العوض عليه بعد فرض عدم انحصار نفعه في الثواب للفاعل كي يجمع بين العوض و المعوض عنه.

و الحاصل أن المندوب إما أن يشترط في صحته القربة أو لا، بل هي شرط في ثوابه، فان كان الثاني و لم يلاحظ المكلف فيه القربة و كان فيه نفع تصلح المعاوضة عليه جازت الإجارة عليه بلا إشكال، بل لا بأس بملاحظة القربة مع ذلك، لعدم منافاة الإجارة لها، بل هي مؤكدة لها إذا راعى التقرب إلى الله تعالى من حيث الوفاء بالإجارة مع امتثال أمر الندب، بل و كذا الكلام في الأول، أما إذا كان لا نفع فيه إلا الثواب فان ظهر من الأدلة عدم حصوله إلا بالمباشرة لم تجز الإجارة عليه و لا النيابة فيه تبرعا و مع الاذن، و إلا جاز الجميع عملا بعموم أدلة كل منها، و لا يعارضه ظهور الأمر في المخاطب بعد أن كان ظهور مورد لا قيد، فهو كخطاب بع و صالح و نحوهما

75

الذي جازت الوكالة فيه و الاستئجار عليه، و به ينقطع أصالة عدم مشروعية الفعل و عدم ترتب الثواب و انتقاله لغير الفاعل، فأذان الاعلام حينئذ بعد أن عرفت حصول نفع فيه غير الثواب و عدم اعتبار النية فيه لم يكن إشكال في جواز الإجارة عليه بل و النيابة فيه مع قصد الثواب فيه، فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع، لكن خرج عن ذلك كله بالأدلة السابقة، فتحرم الإجارة عليه، و لا حرمة فيه مع إيقاعه لا بعنوان كونه عوض الإجارة، بل هو كذلك في العبادة المشترط فيها النية التي لا يصح الاستئجار عليها فضلا عنه، إذ الحرمة في قبض المال عوضا عنها لا تقتضي فسادا بعد أن كان فعلها لا بعنوانه و لا بملاحظته.

أما إذا فعله بعنوانه فيمكن الحرمة وفاقا للمحكي عن القاضي باعتبار النهي عن إجراء المعاملة الفاسدة مجرى الصحيحة المراد منه بحسب الظاهر نفس الصورة، ضرورة تعذر الحقيقة مع العلم بالفساد، و لا فرق في ذلك بين القول باشتراط النية فيه و عدمه، نعم يقع فاسدا على التقدير الأول، أما على الثاني فيمكن القول بحرمته مع عدم الفساد فيه، فتترتب حينئذ أحكامه عليه من الاجتزاء به و استحباب حكايته و نحو ذلك، إذ دعوى ظهور الأدلة في ترتبها على المحلل دون المحرم يمكن منعها على مدعيها، و من ذلك يظهر لك المناقشة في استنباط الجواز ممن ذكر استحباب حكاية الأذان الذي قد أخذ عليه أجرة حتى نسب إباحة الأذان و حرمة الأجرة خاصة في مقابلة المحكي عن القاضي إلى من ذكر استحباب حكايته، كما أنه يظهر لك ضعف القول بالإباحة، فتأمل.

و لا يلحق بالأذان في حرمة الأجرة قول: الصلاة ثلاثا في نحو صلاة العيدين، لعدم ثبوت البدلية المنصرفة لمثل ذلك.

كما أنه لا يلحق بالأجرة الأذان لتناول ما وقف على المؤذنين مثلا.

و كذا لا يدخل أذان صلاة النيابة في الأذان المحرم أخذ الأجرة عليه، ضرورة

76

وقوع الأجرة في الفرع موقعها في الأصل كما صرح به شيخنا في شرح تجارة القواعد، و إن كان فرضه بحيث يكون مما نحن فيه حتى يحتاج إلى الاستثناء لا يخلو من تأمل و نظر، كما أن ما فيه أيضا من أنه لا بأس بأخذ الأجرة على ما يستحب فيه كالشهادة لعلي (ع) بالولاية و نحوها بناء على أنها من مستحباته كذلك، هذا.

و قد عرفت سابقا أنه لا فرق في الأجرة بين كونها من أوقاف المسجد، أو بيت المال المعد للمصالح، أو من زكاة و نحوها، أو من متبرع للإطلاق، أما لو أخذ شيئا منها لا بقصد المعاوضة فليس فيه بأس، سواء توقف أذانه على الأخذ، لمنافاته الكسب و لا مدخل له سواه، أو لم يتوقف و لكن أخذه لأنه أحد المصارف، فيدخل على التقديرين في الارتزاق، و لا بأس به، و الفرق بين الإجارة و الارتزاق احتياج الأولى إلى ضبط المقدار و المدة و نحوهما مما يعتبر في الإجارة بخلاف الارتزاق المنوط بنظر الحاكم، و لا يقدح فيه قصد المؤذن الرجوع بعوض أذانه عليه إلا أن عوضه الارتزاق المزبور كالقاضي و المترجم و كاتب الديوان و نحوهم من القائمين بمصالح المسلمين، و لا يعتبر فيه الفقر و الحاجة، و هل يجوز نحو ذلك في غير بيت المال؟ إشكال ينشأ من عدم الخصوصية، و من أنه حينئذ من الإجارة الفاسدة، إذ لا يدخل تحت عقد من عقود المعاوضة المعروفة، و مشروعية غيرها في غير بيت المال مشكلة، اللهم إلا أن يدخل نحوه في الإباحات بالعوض، أو في العمل بأجرة المثل، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[الثالث في كيفية الأذان]

الثالث من محال النظر.

في كيفية الأذان و بعض ما يعتبر فيه وجوبا أو ندبا و إن أمكن إدراج الجميع في الكيفية، و منه وجوب النية في العبادي منه كأذان الصلاة و إقامتها، لمعلومية اشتراطها في سائر العبادات و احتمال أنه مطلقا ليس منها يدفعه أصالة العبادة في كل ما أمر به، مع عدم ظهور

77

الحكمة في غير الإعلامي منه، أما هو فلظهور كون المراد منه الاعلام يقوى عدم اعتبار النية فيه كما صرح به العلامة الطباطبائي في منظومته، بخلاف ما كان منه للصلاة، و لا بد مع ذلك من استدامتها إلى تمام العمل كما في كل عبادة مركبة، كما أنه لا بد من نية التعيين مع فرض الاشتراك بين الصلوات، بل لا بد أيضا من تعيين الفصول للأذان و الإقامة، كل ذلك لأصول المذهب و قواعده، و كان ترك الأكثر للتعرض لذلك اعتمادا عليها، و الله أعلم

[في عدم جواز الأذان في غير الصبح قبل الوقت]

و على كل حال ف لا يجوز أن يؤذن في غير الصبح إلا بعد دخول الوقت إجماعا من المسلمين فضلا عن المؤمنين، و سنة (1) معلومة من النبي (صلى الله عليه و آله) و ذريته الطاهرين (عليهم السلام) فهو الموافق حينئذ لدليل التأسي برسول رب العالمين و الأئمة المرضيين فضلا عن الصحابة و التابعين و تابعي التابعين، و لحكمة وضعه التي هي الاعلام بوقت الصلاة، و لغير ذلك مما لا يخفى و قد رخص في تقديمه على وقت الصبح عند المعظم من أصحابنا، بل في المعتبر «عندنا» بل عن المنتهى «عند علمائنا» كما عن الحسن بن عيسى «أنه تواترت الأخبار به» قلت: لكن لم يصل إلينا إلا

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن وهب (2) في حديث: «لا تنتظر بأذانك و إقامتك إلا دخول وقت الصلاة، و احدر إقامتك حدرا»

قال (3): «و كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله) مؤذنان، أحدهما بلال و الآخر ابن أم مكتوم، و كان ابن أم مكتوم أعمى، و كان يؤذن قبل الصبح، و كان بلال يؤذن بعد الصبح، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا أذان بلال، فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته و قالوا: إنه (صلى الله عليه و آله) قال: إن بلالا يؤذن بليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا و اشربوا

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

78

حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم» (1) و قوله (عليه السلام) أيضا في صحيح الحلبي (2): «كان بلال يؤذن للنبي (صلى الله عليه و آله)، و ابن أم مكتوم و كان أعمى يؤذن بليل، و يؤذن بلال حين يطلع الفجر» و قوله (عليه السلام) أيضا في خبر زرارة (3): «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: هذا ابن أم مكتوم و هو يؤذن بليل، فإذا أذن بلال فعند ذلك فأمسك» و قال ابن سنان (4) له (عليه السلام) أيضا: «إن لنا مؤذنا يؤذن بليل، فقال: أما أن ذلك ينفع الجيران، لقيامهم إلى الصلاة، و أما السنة فإنه ينادى مع طلوع الفجر، و لا يكون بين الأذان و الإقامة إلا الركعتان»

و في خبره الآخر (5) «سألته عن الندا قبل طلوع الفجر فقال: لا بأس، و أما السنة مع الفجر، و ان ذلك لينفع الجيران».

إلا أن هذه النصوص- مع احتمال كون أذان ابن أم مكتوم قبل الفجر لأنه أعمى يخطئ لا لتوظيف من النبي (صلى الله عليه و آله) كما يومي اليه ما في الصحيح الأول من تفريع قول النبي (صلى الله عليه و آله) على فعله و تقديمه أولا: «إنك لا تنتظر إلا الوقت» على وجه لا يظهر منه إرادة التخصيص بما ذكره، بل قوله (عليه السلام) فيه: «فغيرته العامة» إلى آخره كالصريح في ذلك، ضرورة إرادة أن أذانه قبل الفجر كان لعدم بصره و ليس توظيفا، و لما رووه بالعكس فهموا منه ذلك و شرعوه قبل الفجر لعدم كون بلال مظنة الخطإ، بل ظاهر

قوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي: «أعمى يؤذن بليل»

ذلك أيضا، بل لا يخفى ظهور ذكر العمى مقترنا بما يحكى أن فعله قبل الفجر في إرادة كون ذلك خطأ منه، و لا ينافي ذلك لفظ «كان» في بعضها، إذ لعله كان يتكرر منه ذلك، بل قوله (عليه السلام) في خبري ابن سنان الأخيرين:

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 8.

79

«و أما السنة» إلى آخره كالصريح في عدم سنية الأول، و عدم كونه من توظيف النبي (صلى الله عليه و آله)، و إلا كان من أعظم السنن.

كل ذلك مع قوة ما دل على اعتبار الوقت من النصوص الكثيرة (1) التي منها أمانة المؤذنين على الأوقات و صلاة الفجر بأذانهم، و على حكمة الأذان (2) و مشروعيته منها و غيرها، و الأصل، و المرسل (3) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «ان بلالا أذن قبل الوقت فأمره (صلى الله عليه و آله) بالإعادة، و انه قال له: إذا تبين لك الفجر فأذن»

و مع خصوص بعض النصوص الناهية عن ذلك،

كالمروي عن كتاب زيد النرسي (4) عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) «انه سمع الأذان قبل طلوع الفجر فقال: شيطان، ثم سمعه عند طلوع الفجر فقال: الأذان حقا» و فيه (5) عن أبي الحسن (عليه السلام) أيضا «سألته عن الأذان قبل طلوع الفجر فقال: لا، إنما الأذان عند طلوع الفجر أول ما يطلع، قلت: فان كان يريد أن يؤذن الناس بالصلاة و ينبههم قال: فلا يؤذن و لكن ليقل و ينادي بالصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، يقولها مرارا»

و لا يتوهم من ذكر هذه الفقرة أن الخبر موافق للتقية التي ينافيها ما فيه من النهي عنه قبل طلوع الفجر، لمعلومية مشروعية ذلك عند كثير منهم، لأنها من فصول الأذان عندهم، لا أنها تذكر مستقلة عنه لإرادة التنبيه بها، ففي

المروي (6) عن الكتاب المزبور عن أبي الحسن (عليه السلام) أيضا «الصلاة خير من النوم بدعة بني أمية، و ليس ذلك من أصل الأذان، فلا بأس إذا أراد أن ينبه الناس للصلاة

____________

(1) الوسائل- الباب- 8 و 3- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 14.

(3) المستدرك- الباب- 7- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4 و 5.

(4) المستدرك- الباب- 7- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(5) المستدرك- الباب- 7- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(6) المستدرك- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

80

أن ينادي بذلك، و لا يجعله من أصل الأذان، فإنا لا نراه أذانا»

و ربما كان في قوله (عليه السلام) في خبري ابن سنان السابقين: «ان ذلك ينفع الجيران»

إلى آخره جمع بين مراعاة التقية و بين بيان الواقع بذكر الفائدة له قبل طلوع الفجر، و بأنه خلاف السنة، على أنه لا ظهور في شيء من النصوص المزبورة أنه أذان صلاة أو وقت قدم كما هو الظاهر من أكثر الأصحاب حيث عبروا بالتقديم مستثنين للصبح مما ذكروه من وجوب كونه في الوقت، فلعله أذان مشروع في نفسه لتنبيه الناس على التهيؤ للصلاة و الصوم في مثل شهر رمضان، كالأذان في أذن المولود و نحوه، و ربما كان ذلك ظاهر موضع من الذكرى حيث عده في ضمن ما يشرع له الأذان غير الصلاة، بل هو ظاهر غيره ممن ذكر حجة القائل بالعدم من أمر بلال بالإعادة، و ردها بأنا نقول بموجبها، لأن الوقت سبب للأذان، و الأصل عدم السقوط بما قبل الوقت، كالعلامة في المختلف و غيره.

و ربما انقدح من ذلك لفظية النزاع بحمل كلام المانع كالجعفي و الكاتب و التقي و الحلي و المرتضى- بل ربما استظهر من الأخير الإجماع عليه- على إرادة أذان الصلاة و كلام المجوز على إرادة المشروعية في نفسه. لكن قد ينافي ذلك ما ذكره المصنف و غيره من أنه يستحب إعادته بعد طلوعه: أي الفجر مستندين فيه إلى أمر بلال بالإعادة، و إلى أصالة عدم السقوط بما قبل الوقت و نحو ذلك، ضرورة ظهوره في أنه لو ترك هذا المستحب أجزأه الأول عن أذان الصلاة، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي بقوله:

و رخص الأذان قبل الفجر * * *لخبر عارض نص الحضر

فان يكن غاية الأذان هاهنا * * *مجرد التنبيه كان حسنا

81

قلت: بل يمكن دعوى ظهور ما ذكرناه من بعض النصوص (1) في أنه ينبغي التنبيه بغيره مخافة صيرورته سببا لذوي الأعذار أو لسواد الناس في الصلاة قبل الوقت و ربما كان

في الصحيح (2) إيماء إليه أيضا، مضافا إلى ما عرفت، قال فيه: «إن عمران بن علي سأل الصادق (عليه السلام) عن الأذان قبل الفجر فقال: إذا كان في جماعة فلا، و إذا كان وحده فلا بأس».

ثم ان الظاهر عدم تقدير زمان للتقدم بناء عليه بسدس الليل و نحوه، بل ربما

روي (3) «أن الفصل بين أذاني ابن أم مكتوم و بلال نزول هذا و صعود ذاك»

كما أنه لا يعتبر فيه الاتحاد، بل مقتضى التأسي بناء على أنهما منصوبان للنبي (صلى الله عليه و آله) التعدد، فتأمل جيدا.

[في فصول الأذان و الإقامة]

و كيف كان ف الأذان على الأشهر عندنا فتوى إن لم يكن رواية شهرة عظيمة يمكن دعوى الإجماع معها، بل في المدارك «أنه مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا» و في التذكرة و المحكي عن نهاية الأحكام نسبته إلى علمائنا، و في الذكرى نسبته إلى عمل الأصحاب، و في المسالك الطائفة و الأصحاب لا يختلفون فيه في المحكي عن المهذب بل ظاهر الغنية أنه من معقد إجماعها ثمانية عشر فصلا لا أزيد و لا أنقص:

التكبير أربعا، و الشهادة بالتوحيد، ثم بالرسالة، ثم يقول: حي على الصلاة، ثم حي على الفلاح، ثم حي على خير العمل، و التكبير بعده، ثم التهليل، كل فصل مرتان بل في المعتبر و التذكرة و المحكي عن الناصريات و البحار و المنتهى الإجماع على تثنية التهليل في آخره، بل عن الأخير الإجماع على التربيع في الأول.

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7 و 8.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

(3) سنن البيهقي ج 1 ص 382.

82

و أما الإقامة ف فصولها على المشهور بين الأصحاب أيضا شهرة عظيمة بل في التذكرة عندنا، و عن المنتهى و النهاية نسبته إلى علمائنا، و لا يختلف فيه الأصحاب في المحكي عن المهذب، و عليه عمل الأصحاب في الذكرى، و الطائفة في المسالك مثنى مثنى، و يزاد فيها بين حي على خير العمل و التكبير قد قامت الصلاة مرتين، و يسقط من التهليل في آخرها مرة واحدة فتكون سبعة عشر فصلا، إذ لم تنقص عن الأذان إلا بالتهليل في الآخر مرة، لقيام قول: «قد قامت» مقام التكبيرتين في الأول، فيكون مجموع فصول الأذان و الإقامة خمسة و ثلاثين فصلا، كما سمعه

الجعفي (1) من الباقر (عليه السلام) قال: «الأذان و الإقامة خمسة و ثلاثون حرفا، فعدد ذلك بيده الأذان ثمانية عشر، و الإقامة سبعة عشر حرفا»

و هذا لا ينطبق إلا على ما عرفت و لو بمعونة الإجماع و باقي النصوص، فلا يقدح حينئذ إجماله من هذه الجهة، ف

في خبر الحضرمي و الأسدي (2) «أن الصادق (عليه السلام) حكى لهما الأذان فقال: الله أكبر الله أكبر»

إلى آخر ما ذكرنا، لكن

قال (عليه السلام) في آخره: «و الإقامة كذلك»

و الظاهر إرادته أنه حكى الإقامة مفصلة أيضا لا أن المراد تكرار ذلك للإقامة فيكون محذوفا قول: «قد قامت الصلاة» فيه، و هو مما لم يقل به أحد و لا تضمنه خبر، و يكون مجموع الأذان و الإقامة حينئذ ستة و ثلاثين، و هو غريب، فلا بد من حمل الخبر المزبور على ما ذكرنا، و احتمال إرادة كون الإقامة كالأذان فصولا مع زيادة «قد قامت الصلاة» فيكون المجموع ثمانية و ثلاثين حرفا ينافيه الإجماع في المحكي عن الناصرية إن لم يكن تحصيلا على سقوط التهليل مرة من آخر الإقامة، بل و الصحيح (3) عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا دخل المسجد

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

83

و هو لا يأتم بصاحبه و قد بقي على الإمام آية أو آيتان فخشي إن هو أذن و أقام أن يركع فليقل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و ليدخل في الصلاة»

ضرورة ظهوره في الاجتزاء عن الإقامة بالإتيان بآخرها الذي هو ما سمعت كالمروي

عن دعائم الإسلام (1) عن الصادق (عليه السلام) «الأذان و الإقامة مثنى مثنى، و تفرد الشهادة في آخر الإقامة بقول: لا إله إلا الله مرة واحدة»

بل و المروي

عن المعتبر في الصحيح (2) عن كتاب البزنطي «ان الصادق (عليه السلام) قال:

الأذان الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مرتين» و قال في آخره: «لا إله إلا الله مرة»

بناء على إرادة الإقامة من الأذان فيه للإجماع بقسميه كما عرفت على تثنية التهليل في آخر الأذان.

و على كل حال فلا محيص عن حمل الخبر المزبور على ما ذكرناه، و هو واضح الدلالة على فصول الأذان، كوضوح

قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (3): «يا زرارة تفتتح الأذان بأربع تكبيرات و تختمه بتكبيرتين و تهليلتين» و خبر المعلى بن خنيس (4) «سمعت الصادق (عليه السلام) يؤذن فقال: الله أكبر أربعا أشهد أن لا إله إلا الله مرتين»

إلى آخر ما وصفنا، و منه يعلم أن مراده (عليه السلام)

لما سأله ابن سنان (5) عن الأذان فقال: «تقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله»

إلى آخر ما قلنا تعليم كيفية التكبير لا الاقتصار فيه على المرتين المخالف للمعلوم من تربيع التكبير في أول الأذان و إن كان يوافقه على ذلك

صحيح زرارة و الفضيل (6) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لما أسري برسول الله

____________

(1) المستدرك- الباب- 18- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 19.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 8.

84

(صلى الله عليه و آله) فبلغ البيت المعمور و حضرت الصلاة فأذن جبرائيل و أقام فتقدم رسول الله (صلى الله عليه و آله) وصف الملائكة و النبيون خلف رسول الله (صلى الله عليه و آله)، قال: فقلنا: كيف أذن؟ فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله- إلى آخر ما سمعت ثم قال-: و الإقامة مثلها إلا أن فيها قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة بين حي على خير العمل و بين الله أكبر، فأمر بها رسول الله (صلى الله عليه و آله) بلالا فلم يزل يؤذن بها حتى قبض الله رسوله (صلى الله عليه و آله)»

بل و خبر أبي همام (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) انه قال: «الأذان و الإقامة مثنى مثنى»

و غيرهما من النصوص الدالة على ذلك، حتى أن جماعة من متأخري المتأخرين عملوا بها إلا أنها بين مطرح أو مأول بإرادة التثنية في أكثر الفصول أو التشبيه به لذلك فلا ينافي حينئذ وحدة التهليل في آخر الإقامة، كما أنه لا ينافي نصوص التربيع أول تكبيرة الأذان، خصوصا مع احتمال إرادة نفي الوحدة من

قوله (عليه السلام) «الأذان و الإقامة مثنى مثنى»

تعريضا بما ذهب اليه جميع العامة من الوحدة في تهليل الأذان، و أكثرهم في الدعاء للصلاة و الفلاح في الإقامة، بل عن الشافعي منهم في القديم و مالك و داود الوحدة في جميع فصولها، فيراد من التثنية حينئذ في النصوص نفي الوحدة المزبورة فلا ينافي التربيع بل و لا وحدة التهليل في آخر الإقامة، و ستسمع مرسل الهداية (2) الذي عبر بالمثنى مع انتهائه إلى اثنين و أربعين.

كل ذلك مضافا إلى احتمال إرادة أن الأصل في الأذان التثنية إلا أنه وضع الأربع في الأول للإعلام،

قال الرضا (عليه السلام) في خبر علل الفضل (3): «و جعل

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 18- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 14.

85

التكبير في أول الأذان أربعا لأن أول الأذان إنما يبدأ غفلة و ليس قبله كلام ينبه المستمع له فجعل الأوليان تنبيها للمستمعين لما بعده في الأذان»

و إلى غير ذلك من الاحتمالات المذكورة و إن كان بعضها في غاية الضعف بل مقطوعا بفساده، بل الإنصاف أنه لو لا تسالم الأصحاب و عمل الشيعة في الأعصار و الأمصار في الليل و النهار في الجامع و الجوامع و رؤوس المآذن على العدد المزبور لكان القول بجواز الجميع مع تفاوت مراتب الفضل متجها للتسامح في أدلة السنن.

بل قد يتجه ارتقاؤهما إلى اثنين و أربعين حرفا لما عن الهداية من

قول الصادق (عليه السلام): الأذان و الإقامة مثنى مثنى، و هما اثنان و أربعون حرفا، الأذان عشرون حرفا، و الإقامة اثنان و عشرون حرفا»

قلت: و كأنه لتربيع التكبير فيهما في الأول و تربيعه قبل التهليلتين في الآخر مع زيادة «قد قامت الصلاة» مرتين في الإقامة، و لعله هذا هو الأقصى و دونه ثمانية و ثلاثون بأن يقتصر على المرتين في التكبير أولا و آخرا، و دونه سبعة و ثلاثون بحذف التهليلة في آخر الإقامة أيضا، ثم خمسة و ثلاثون كما هو المشهور بحذف التكبيرتين من الأربعة في آخر الأذان و الإقامة مع حذف التهليلة مرة في آخر الإقامة، و إثبات التربيع في أول الأذان، و دونه أربعة و ثلاثون بجعل فصول الأذان ستة عشر مثنى مثنى، و فصول الإقامة ثمانية عشر بزيادة «قد قامت الصلاة» مرتين.

قال الشيخ في النهاية بعد ذكر المشهور في فصولهما: «هذا هو المختار المعول عليه، و قد روي سبعة و ثلاثون فصلا في بعض الروايات، و في بعضها ثمانية و ثلاثون فصلا، فأما من روى سبعة و ثلاثين فصلا فإنه يقول في أول الإقامة أربع مرات: «الله أكبر» و يقول الباقي كما قدمناه: أي المشهور، و من روى ثمانية و ثلاثين فصلا فإنه يضيف إلى ذلك قول: «لا إله إلا الله» مرة أخرى في آخر الإقامة، و من روى اثنين

86

و أربعين فصلا فإنه يجعل في آخر الأذان التكبير أربع مرات و في أول الإقامة أربع مرات و في آخرها أيضا مثل ذلك أربع مرات، و يقول: «لا إله إلا الله» مرتين في آخر الإقامة، فإن عمل عامل على إحدى هذه لم يكن مأثوما» و هو كما ترى ظاهر فيما ذكرنا لكن لا ريب في أن الاحتياط الاقتصار على المشهور.

ثم قال: «فأما ما روي من شواذ الأخبار من قول: إن عليا ولي الله و آل محمد خير البرية فمما لا يعمل عليه في الأذان و الإقامة، فمن عمل به كان مخطئا» و قال في الفقيه بعد ذكر

حديث الحضرمي و كليب (1): «هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه و لا ينقص منه، و المفوضة لعنهم الله قد وضعوا أخبارا زادوا بها في الأذان «محمد و آل محمد خير البرية»

مرتين، و في بعض رواياتهم بعد أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن عليا ولي الله مرتين، و منهم من روى بدل ذلك أشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا مرتين، و لا شك في أن عليا ولي الله و أمير المؤمنين حقا، و أن محمدا و آله صلى الله عليهم خير البرية، و لكن ليس ذلك في أصل الأذان- قال-: و انما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلسون أنفسهم في جملتنا» قلت: و تبعهما غيرهما على ذلك، و يشهد له خلو النصوص عن الإشارة إلى شيء من ذلك، و لعل المراد بالشواذ في كلام الشيخ و غيره ما رواه المفوضة، لكن و مع ذلك كله فعن المجلسي أنه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبة للأذان استنادا إلى هذه المراسيل التي رميت بالشذوذ، و أنه مما لا يجوز العمل بها، و إلى ما في خبر القاسم بن معاوية المروي (2) عن احتجاج الطبرسي عن الصادق (عليه السلام) «إذا قال أحدكم:

لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فليقل: علي أمير المؤمنين»

و هو

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 9.

(2) البحار- ج 18 ص 162 من كتاب الصلاة من طبعة الكمباني.

87

كما ترى، إلا أنه لا بأس بذكر ذلك لا على سبيل الجزئية عملا بالخبر المزبور، و لا يقدح مثله في الموالاة و الترتيب، بل هي كالصلاة على محمد (صلى الله عليه و آله) عند سماع اسمه، و إلى ذلك أشار العلامة الطباطبائي في منظومته عند ذكر سنن الأذان و آدابه، فقال:

صل إذا ما اسم محمد بدا * * *عليه و الآل فصل لتحمدا

و أكمل الشهادتين بالتي * * *قد أكمل الدين بها في الملة

و أنها مثل الصلاة خارجة * * *عن الخصوص بالعموم والجة

بل لو لا تسالم الأصحاب لأمكن دعوى الجزئية بناء على صلاحية العموم لمشروعية الخصوصية، و الأمر سهل.

و من ذلك كله ظهر لك الحال في سائر الأقوال في المقام التي أغربها ما يحكى عن ابن الجنيد من أن التهليل في آخر الإقامة مرة واحدة إذا كان المقيم قد أتى بها بعد الأذان فإن كان قد أتى بها بغير أذان ثنى «لا إله إلا الله» في آخرها، هذا.

و قد رخص في السفر الاقتصار فيهما معا على كل فصل مرة،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر نعمان الرازي (1): «يجزيك من الإقامة طاق طاق في السفر» و قال الباقر (عليه السلام) في خبر العجلي (2): «الأذان يقصر في السفر كما تقصر الصلاة، الأذان واحدا واحدا و الإقامة واحدة»

و إطلاقه وحدة الإقامة منزل على حال الرخصة قطعا، ك

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن وهب (3): «الأذان مثنى مثنى، و الإقامة واحدة»

و في خبر ابن سنان (4) «الإقامة مرة مرة إلا قول: الله أكبر فإنه مرتان».

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 3.

88

و كذا يقصر الأذان حال الاستعجال، ف

في خبر الحذاء (1) «رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يكبر واحدة واحدة في الأذان فقلت له: لم تكبر واحدة واحدة؟

فقال: لا بأس به إذا كنت مستعجلا»

لكن قد يظهر من

مرسل يزيد مولى الحكم (2) أفضلية الإقامة مثنى مثنى على الأذان و الإقامة واحدا، قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لأن أقيم مثنى مثنى أحب إلى من أن أؤذن و أقيم واحدا واحدا»

أما الأذان تاما وحده فلا يقوم مقامهما مقصرين، لشدة تأكد الإقامة، و لعله إليه أشار الطباطبائي بقوله:

و جاز تقصيرهما حال السفر * * *و عند الاستعجال حتى في الحضر

و ذاك خير من تمام الأول * * *دون الأخير فله فضل جلي

و الظاهر عدم اشتراط الرخصة في تقصير أحدهما بتقصير الآخر للإطلاق، بل الظاهر ثبوت الرخصة في الاجتزاء بالإقامة المقصرة عن الأذان كالتامة، و قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر أبي همام (3): «الأذان و الإقامة مثنى مثنى، إذا أقام مثنى مثنى و لم يؤذن أجزأه في الصلاة المكتوبة، و من أقام الصلاة واحدة واحدة و لم يؤذن لم يجزه إلا بأذان»

محمول على التأكد في الحال المخصوص، و على كل حال فمثل ذلك لا يقدح فيما ذكرنا من عدد فصول الأذان ضرورة كون ذلك رخصا في أحوال خاصة، كرخصة المرأة في الاجتزاء عن الأذان بالتكبير و الشهادتين، بل بالشهادتين خاصة، سيما إذا سمعت أذان القبيلة، و عن الإقامة بالتكبير و شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله، كما يستفاد ذلك من صحيح ابن سنان (4) و صحيحي

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

89

زرارة (1) المروي أحدهما عن العلل، و خبر أبي مريم الأنصاري (2) المتقدمة سابقا، و كرخصة المصلي خلف من لا يقتدى به بالاجتزاء بخمسة فصول من آخر الإقامة إن كان قد خشي فوات الائتمام الذي لا يسعه تركه للتقية إن حافظ على الإتيان بالفصول تامة كما سمعته سابقا في خبر معاذ (3) و تسمعه لاحقا أيضا عند تعرض المصنف له.

و كذا لا يقدح ما ورد من الأمر بتكرار بعض الفصول زيادة على العدد المزبور لأجل اجتماع الجماعة،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (4): «لو أن مؤذنا أعاد في الشهادة أو في حي على الصلاة أو حي على الفلاح المرتين و الثلاث و أكثر من ذلك إذا كان انما يريد به جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس»

فإنه ليس من أصل الأذان كما هو واضح.

و قد ظهر لك من جميع النصوص و الفتاوى أن آخر الأذان التهليل، فما في المروي (5) عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم «ان آخر الأذان محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعد التهليل إلا أنه ألقاه معاوية، و قال: أما يرضى محمد (صلى الله عليه و آله) أن يذكر في أول الأذان حتى يذكر في آخره»

من الغرائب، و يبعده زيادة على ما عرفت أنه لو كان الأمر هكذا لكان ذلك محفوظا، كما حفظ إسقاط عمر «حي على خير العمل» بل هو أولى منه بذلك، خصوصا بعد فرض استمراره كذلك إلى زمان معاوية الذي كان معروفا في زمانه بالفسق و الفجور، و الله أعلم.

[في اعتبار الترتيب في الأذان و الإقامة]

و كيف كان ف الترتيب بين الفصول شرط في صحة الأذان و الإقامة

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2 و 8.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(5) البحار- ج 18 ص 178 من كتاب الصلاة من طبعة الكمباني.

90

إجماعا بقسميه، مضافا إلى أصالة عدم مشروعية غيره و النصوص، و في مرسل الفقيه (1) عن الباقر (عليه السلام) «تابع بين الوضوء- إلى أن قال-: و كذلك في الأذان و الإقامة، فبدأ بالأول فالأول، فإن قلت: حي على الصلاة قبل الشهادتين تشهدت ثم قلت: حي على الصلاة»

و في صحيح زرارة (2) «من سهى في الأذان فقدم أو أخر أعاد على الأول الذي أخره حتى يمضي على آخره»

و كما أن التقديم و التأخير ينافي الترتيب كذلك النقصان، ضرورة كونه مع النقصان لم يضع الفصل في محله الذي هو بعد المنسي، و لذا

سأل الساباطي (3) أبا عبد الله (عليه السلام) «عن رجل نسي من الأذان حرفا فذكره حين فرغ من الأذان و الإقامة فقال له: يرجع إلى الحرف الذي نسيه فليقله و ليقل من ذلك الحرف إلى آخره، و لا يعيد الأذان كله و لا الإقامة»

و به- مضافا إلى ما سمعت- يخرج عن ظاهر

موثقه الآخر (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أو سمعته يقول: إن نسي الرجل حرفا من الأذان حتى يأخذ في الإقامة فليمض في الإقامة فليس عليه شيء، فان نسي حرفا من الإقامة عاد إلى الحرف الذي نسيه، ثم يقول من ذلك الموضع إلى آخر الإقامة»

و لعله محمول على الاجتزاء بالإقامة عن الأذان لا أن المراد حصول وظيفتهما معا في الفرض المزبور و إن كان قد يشهد له

خبر علي بن جعفر (5) عن أخيه (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد «سألته عن الرجل يخطئ في أذانه و إقامته فذكر قبل أن يقوم في الصلاة ما حاله؟ قال: إن كان أخطأ في أذانه مضى على صلاته، و إن كان في إقامته انصرف فأعادها وحدها، و إن ذكر بعد الفراغ من ركعة أو ركعتين مضى على صلاته و أجزأ ذلك»

لكن يمكن حمله أيضا على ما عرفت، فظهر من ذلك كله اعتبار الترتيب و أن تداركه يكون بإعادة ما فيه

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 5.

91

الخلل و ما بعده على نحو تدارك ترتيب الوضوء، لكن ينبغي أن يكون الخلل المفروض قد وقع على وجه لا تشريع فيه بحيث يفسد العمل من أصله، و إلا اتجه الاستيناف من رأس كما هو واضح.

و كذا يشترط الترتيب بين الأذان و الإقامة نفسهما، فمع نسيان حرف من الأذان يعيد من ذلك الحرف إلى الآخر، للإجماع بقسميه أيضا، و الأصل و التأسي، إذ هو الثابت من الأدلة، بل يمكن دعوى القطع باستفادته من تصفح النصوص، فما في خبر الساباطي الأول من الاقتصار على إعادة الأذان وحده دون الإقامة لا بد من طرحه، أو يحمل على إرادة و لا يعيد الأذان كله لو نسي منه حرفا، و كذا لا يعيد الإقامة كلها لو نسي منها حرفا إلا إذا كان المنسي الحرف الأول فيهما.

و على كل حال فالظاهر عدم اعتبار التدارك لو عكس الترتيب بين الأذان و الإقامة عمدا فضلا عن السهو، ضرورة أن له الاقتصار على كل من الأذان و الإقامة، فمع فرض عدم إرادة الإتيان بالوظيفتين لا يلزم بالتدارك و يسلم له أحدهما، نعم لو أرادهما معا اتجه لزوم التدارك عليه، لكن ينبغي اشتراط العمد في العكس بعدم وقوعه على وجه التشريع بحيث يقتضي فساده، و مثل العكس في ذلك الترك عمدا أو سهوا، فمن أقام عازما على الاقتصار عليها ثم بدا له بعد فراغها الإتيان بالأذان وجب عليه إعادة الإقامة أيضا إن كان قد أراد حوز الفضيلتين، و إلا اقتصر على الأذان و كان كالمصلي به ابتداء بلا إقامة كما هو واضح.

ثم ان ظاهر النصوص المزبورة عدم مراعاة الموالاة، ضرورة اقتضاء صحته تدارك الحرف الثاني من الأذان مثلا و إن كان قد ذكره بعد الفراغ منه و من الإقامة، و لعله لا بأس به عملا بإطلاق النصوص المزبورة، خلافا للعلامة الطباطبائي، فقال:

و من سهى فخالف الترتيب في * * *بعض الفصول فليعد حتى يفي

92

إلا إذا فات بذلك الولا * * *إذ طال فصل فليعد مستقبلا

اللهم إلا أن لا يريد ما تشمله النصوص المزبورة كما لو فصل بأمر آخر من صلاة أو ذكر أو سكوت أو نحوها، أما الخلل عمدا فقد يقوى فيه مراعاة الموالاة العرفية التي ينافيها الفصل المزبور في صورة السهو قطعا، لسلامة ما دل هنا على اعتبار الموالاة من الأصل، و أنه الثابت من فعلهم (عليهم السلام) و المستفاد من الأدلة عن المعارض.

و لو فات الترتيب فيهما معا فلم يذكره حتى دخل الفريضة ففيه البحث السابق في نسيان الأذان و الإقامة، و أنه هل يلحق به مثل ذلك كما عرفت الحال فيه سابقا، هذا.

و الحكم في الشك كالحكم في النسيان بمعنى أنه لو شك في فصل من فصول الأذان قبل تجاوز محله تلافاه و ما بعده، أما بعده فلا يلتفت كالشك في أصل الأذان، و الظاهر كون الإقامة محلا آخر، فلا يلتفت حينئذ مع الدخول فيها إلى شيء من الشك في الأصل أو في الفصل، فاحتمال أنهما معا محل واحد كاحتمال كون كل كلمة منهما محلا آخر لا يخلو من ضعف، و تسمع في أحكام الخلل ما ينفع هنا، إذ الظاهر اتحاد البحث من هذه الجهة بينهما و بين الصلاة، فلاحظ و تأمل، و الله أعلم.

[في استحباب سبعة أشياء في الأذان و الإقامة]

و يستحب فيهما سبعة أشياء

[أولها أن يكون مستقبل القبلة]

أولها أن يكون مستقبل القبلة حالهما وفاقا للمشهور نقلا و تحصيلا، بل في الخلاف و التذكرة و عن إرشاد الجعفرية الإجماع عليه في الأذان، بل في المدارك و الذكرى و ظاهر الغنية أو صريحها الإجماع عليه فيهما، لكن لعل مراد الثاني منها الفضل، لنقله القول بوجوبه في الإقامة مع احتمال عدم الاعتداد به في حصول القطع له، و كيف كان فهو بعد شهادة التتبع له الحجة على الرجحان و نفي الوجوب الشرطي، بل في الغنية و التذكرة الإجماع عليه في الأذان، مضافا إلى الأصل، و خصوصا في صفات المستحبات، و إطلاق النصوص، و التأسي بمؤذني

93

رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و إطلاق

قوله (عليه السلام) (1): «خير المجالس ما استقبل فيه القبلة» و قول الصادق (عليه السلام) في خبر سلمان بن صالح (2): «إذا أخذ في الإقامة فهو في صلاة»

و في خبر هارون المكفوف (3) «الإقامة من الصلاة» و خبر علي بن جعفر (4) المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه (عليه السلام) «عن رجل يفتح الأذان و الإقامة و هو على غير القبلة ثم استقبل القبلة فقال: لا بأس» و سأل ابن مسلم أحدهما (ع) في الصحيح (5) «عن الرجل يؤذن و هو يمشي أو على ظهر دابته أو على غير طهور فقال: نعم إذا كان التشهد مستقبل القبلة فلا بأس» و سأل الحلبي الصادق (عليه السلام) في الحسن (6) «يؤذن الرجل و هو على غير القبلة فقال: إذا كان التشهد مستقبل القبلة فلا بأس»

إذ لا يخفى على من له أدنى درية بصناعة الفقه أن الجمع بين جميع ما سمعت بعد ملاحظة قصور تحكيم المقيد منها على المطلق هنا انما يقتضي ما قلنا من الاستحباب، نعم يمكن دعوى ثبوت الكراهة بترك الاستقبال في الشهادتين، لأنها أقل المراد من البأس في مفهوم الصحيح و الحسن السابقين، فما عن المقنعة و جمل العلم و مصباح السيد و المراسم و الوسيلة و ظاهر المحكي عن الكاتب و المقنع و النهاية من الوجوب في الإقامة لا يخلو من نظر و إن وافقهم عليه في الحدائق، كما أن ظاهر المحكي عن المقنعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 76- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 3 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 12 رواه في الوسائل عن سليمان بن صالح.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 12 لكن رواه عن أبي هارون المكفوف و هو الصحيح كما تقدم في الصحيفة 20 التعليقة (5) و يأتي آنفا.

(4) الوسائل- الباب- 47- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

(6) الوسائل- الباب- 47- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

94

و النهاية و المصباح- من وجوب الاستقبال في الشهادتين من الأذان، و الكاتب مع زيادة التكبير- كذلك أيضا، و أضعف من الجميع ما عن القاضي من وجوب الاستقبال في الأذان و الإقامة في خصوص الجماعة، إذ لم نعرف له مستندا في ذلك.

[و ثانيها أن يقف على أواخر الفصول]

و ثانيها أن يقف على أواخر الفصول بأن يترك الاعراب عليها عند علمائنا في المعتبر قطعا في الأذان و ظاهرا أو محتملا في الإقامة أيضا، و المحكي عن المنتهى و الروض، بل إجماعا في الخلاف في الأذان، بل التذكرة فيهما معا، و ل

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (1): «الأذان جزم بإفصاح الألف و الهاء، و الإقامة حدر» و الصادق (عليه السلام) في خبر خالد بن نجيح (2) «التكبير جزم في الأذان مع الإفصاح بالهاء و الألف» و في الفقيه عن خالد بن نجيح أيضا عنه (عليه السلام) انه قال: «و الأذان و الإقامة مجزومان»

قال: و في حديث آخر موقوفان، لكن قد يظهر من مقابلة الجزم بالحدر الذي هو الإسراع في صحيح زرارة عدم استحباب الجزم في الإقامة، ضرورة اقتضاء الجزم الذي هو ترك الاعراب الوقف، و إلا كان لحنا، لوجوب ظهور الاعراب في الدرج كوجوب تركه في الوقف فيكون الأمر بالحدر حينئذ كناية عن إظهار الإعراب، كما أن الأمر بالجزم الذي هو السكون كما تسمعه عن النهاية كناية عن الوقف، لما عرفته من التلازم، و عليه حينئذ يتم الأمر بالحدر في الإقامة في غيره كصحيح ابن وهب (3) و غيره من غير حاجة إلى تكلف إرادة ما لا ينافي الوقف من الحدر، أو التزام جواز ذلك في خصوص المقام، أو منع كون مثله لحنا كالوقف على المتحرك، أو أن المراد من الوقف ترك الحركة، أو نحو ذلك مما يمكن منعه و إن التزم بعضه في المحكي عن الروض، قال: «و لو فرض ترك

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

95

الوقف أصلا سكن أواخر الفصول أيضا و إن كان ذلك في أثناء الكلام، ترجيحا لفضيلة ترك الاعراب على المشهور من حال الدرج» لكن قد يناقش فيه بأنه لا وجه له مع فرض كونه لحنا، إذ الظاهر اعتبار العربية فيها، بل و الأذان لأنه هو الثابت، فالاجتزاء بغيره مشكل، بل جزم بعدمه في منظومة الطباطبائي، نعم احتمل عدم قدحه بل و التغيير في مثل أذان الإعلام، مع أنه لا يخلو من نظر أيضا.

كما أن ما في المحكي عن الروض- من أن في بطلان الأذان و الإقامة باللحن وجهين، و أنه قد اختلف فيه كلام الفاضل، فحرمه في بعض كتبه و أبطلهما به، و المشهور العدم، نعم لو أخل بالمعنى كما لو نصب لفظ رسول الله (صلى الله عليه و آله) و مد لفظ «أكبر» بحيث صار أكبار جمع كبر و هو الطبل له وجه واحد اتجه البطلان- كذلك لا يخلو من نظر بل منع، خصوصا دعوى شهرة العدم و ترك التعرض لشرطية ذلك من المصنف و نحوه اتكالا على ظهور الحال.

فظهر حينئذ أن المتجه- بناء على مراعاة حكم الدرج و الوقف و إلا كان لحنا- إرادة الكناية عن إظهار الاعراب بالأمر بالحدر فيها، و ليس في شيء من النصوص ما ينافي ذلك سوى خبر ابن نجيح على ما أرسله في الفقيه، مع أنك قد عرفت الذي رواه عنه غيره بل ظاهر المعتبر أن روايته مثل صحيح زرارة، نعم ينافي ما ذكرنا تصريح غير واحد من الأصحاب باستحباب الجزم فيهما، بل هو معقد إجماع التذكرة كالمحكي عن المنتهى فلا بد حينئذ من إرادة ما لا ينافي الوقف من الحدر المزبور بناء على مراعاة حكمي الدرج و الوقف المذكورين في علم العربية، أي لا تقطع قطع الأذان، إذ المراد بالجزم في صحيح زرارة القطع بقرينة مقابلته بالحدر لا السكون و ترك المد و الاعراب في الأواخر و إن حكي عن النهاية تفسيره بذلك، إذ الجميع ثابتة في الإقامة أيضا، فلا

96

يقابل بالحدر، بل لا بد من إرادة التأني و الترسل من الجزم (1) لا مطلق القطع، لما عرفت من حصوله في الجملة في الإقامة بناء على مراعاة حكم الوقف و الدرج، فيكون حينئذ مقابلته بالحدر في الإقامة متجهة، خصوصا مع ملاحظة

قول الصادق (عليه السلام) في خبر الحسن بن السري (2): «الأذان ترسيل، و الإقامة حدر»

و عن بعض النسخ «ترتيل» و المراد واحد، و عن أكثر المتأخرين أن المراد بالحدر قصر الوقوف لا تركها أصلا، و بالتأني إطالتها.

[الثالث و الرابع و هما أن يتأنى في الأذان و يحدر في الإقامة]

و كيف كان فمن ذلك كله ظهر لك الوجه في المستحب الثالث و الرابع و هما أن يتأنى في الأذان و يحدر في الإقامة الذي قد اعترف في التذكرة و المحكي عن المنتهى بعدم معرفة الخلاف فيه، و المراد بالألف و الهاء المأمور بالافصاح بهما في الصحيح المتقدم و غيره ما كانا في آخر بعض الفصول كالواقعين في لفظ الجلالة في آخر التهليل و في لفظ الصلاة كما استظهره في الذكرى، بل ظاهر المحكي عن المنتهى الجزم به، و لعله للمرسل العامي على الظاهر المروي في المنتهى عن النبي (صلى الله عليه و آله) «لا يؤذن لكم من يدغم الهاء في لفظي الله و الصلاة» لكن عن ابن إدريس أن المراد بها هاء «إله» لا هاء «أشهد» و لا هاء «الله» لأنهما مبينتان، و الثانية موقوف عليها يفصح فيها من دون لبس، و فيه أن كونها مبينة لا يستلزم عدم اللحن بها، بل كثير من المؤذنين لا يظهر الهاءات المزبورة، بل الحاء من الفلاح لا يظهرها بخلاف هاء «إله» المتحركة، بل قيل: إن كثيرا منهم لا يظهر هاء «أشهد» و يقول: «أشد» و كأنه

____________

(1) في النسخة الأصلية المسودة و المبيضة «في الجزم» و لكن الصحيح ما أثبتناه لأن «من الجزم» متعلق بلفظة «إرادة» و هي تتعدى ب«من» و لا تتعدى ب«في».

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

97

فهم من الخبر المزبور أن المراد الجزم في أواخر الفصول لا بحيث يشمل الهاء من «إله» بل هي يفصح بها: أي تحرك و لا تجزم، فقوله (عليه السلام): «و أفصح» رفع لما عساه يتوهم من قول: «الأذان جزم» و لعل ما ذكرناه من إرادته الأمر بإظهار الهاءات المزبورة مخافة أن الوقف المأمور به يذهبها، فتأمل جيدا، و كيف كان فقضية ما سمعته من الأصحاب من التعبير عن الحكمين بالاستحباب جواز غيرهما و عدم البطلان بخلافه، حملا لهذا الأمر على الاستحباب في الاستحباب، فما عن القاضي- من اشتراط الوقف في فصولهما، و ربما حكي عن بعض أفاضل عصرنا- لا يخلو من نظر خصوصا بعد ما عرفته من إجماع الأصحاب، و الله أعلم.

[و الخامس أن لا يتكلم في خلالهما]

و الخامس أن لا يتكلم في خلالهما بمعنى كراهته فيه وفاقا للمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل في المحكي عن المنتهى «نفي الخلاف عنه بين أهل العلم في الإقامة» كما أن في الغنية «الإجماع على جواز التكلم في الأذان و أن تركه أفضل» و فيها أيضا «السنة في الإقامة حدر كلمها، و فعلها على طهارة و استقبال القبلة، و لا يتكلم فيها بما لا يجوز فعله في الصلاة بالإجماع» و على كل حال فقد استدل عليه في الأذان بأن فيه فوات الإقبال المطلوب في العبادة و فوات الموالاة، و هو كما ترى، و الأولى الاستدلال عليه بما يفهم من

موثق سماعة (1) و لو بمعونة فهم الأصحاب و التسامح، قال: «سألته عن المؤذن أ يتكلم و هو يؤذن؟ فقال: لا بأس حين يفرغ من أذانه»

من ثبوت البأس الذي أقله الكراهة قبل الفراغ، و لعلها المراد من أفضلية الترك في معقد إجماع الغنية السابق، لكن لا دلالة في شيء من ذلك على التعدية لغير المؤذن، بل ليس في نصوص الإقامة التي تسمعها ما يدل على الكراهة لغير المقيم قبل قول:

«قد قامت الصلاة».

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

98

و كيف كان فما عن القاضي- من عدم الكراهة حيث حصرها في الإقامة للأصل و ظهور

خبر عمرو بن أبي نصر (1) فيه، قال لأبي عبد الله (عليه السلام): «أ يتكلم الرجل في الأذان؟ قال: لا بأس، قلت: في الإقامة قال: لا»

لإرادة الكراهة من النهي في الإقامة كما ستعرف، فتكون هي المنفية في الأذان بقرينة المقابلة- ففيه (2) ان الأصل مقطوع بما عرفت، و المنفي كراهة الإقامة لا مطلق الكراهة و إن ضعفت عنها، فتأمل.

و أما الكراهة في خلل الإقامة و بعدها فلأنها مقتضى الجمع بين ما دل على الجواز- ك

خبر الحلبي (3) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل يتكلم في أذانه أو في إقامته فقال: «لا بأس» و خبر الحسن بن شهاب (4) سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لا بأس بأن يتكلم الرجل و هو يقيم الصلاة، و بعد ما يقيم إن شاء» و صحيح عبيد بن زرارة (5) المروي عن المستطرفات «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أ يتكلم الرجل بعد ما يقام الصلاة؟ قال: لا بأس» و صحيح حماد بن عثمان (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم بعد ما يقيم الصلاة قال: نعم»

- و بين ما دل على النهي ك خبر ابن أبي نصر المتقدم (7) و خبر أبي هارون (8) و غيره، إذ هو أولى من الجمع بحمل ما دل على الجواز على ما قبل قول: «قد قامت» و عدمه على ما بعده بشهادة

قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (9): «إذا أقيمت الصلاة حرم الكلام على الامام و أهل المسجد إلا في تقديم إمام» و الصادق (عليه السلام) في موثق سماعة (10) «إذا أقام المؤذن الصلاة فقد حرم الكلام إلا أن يكون القوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(2) في النسخة الأصلية «و فيه» و الصحيح ما أثبتناه.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 10.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 13.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 9.

(7) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(8) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 12.

(9) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(10) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

99

ليس يعرف لهم إمام» و سأله (عليه السلام) أيضا ابن أبي عمير (1) «عن الرجل يتكلم في الإقامة قال: نعم، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة فقد حرم الكلام على أهل المسجد إلا أن يكونوا قد اجتمعوا من شتى و ليس لهم إمام فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض: تقدم يا فلان»

لصراحة بعض نصوص الجواز كما عرفت فيما بعد قيام الصلاة، اللهم إلا أن يحمل الكلام فيها على الكلام المزبور في هذه النصوص، أو غيره مما يتعدى منه اليه بدعوى أنه مثال لمطلق المتعلق بالصلاة كتسوية الصفوف و نحوها، قال في المحكي عن المنتهى: «لا خلاف في تسويغ الكلام بعد «قد قامت» إذا كان مما يتعلق بالصلاة كتقديم إمام و تسوية صف».

و كيف كان فيكون المراد من سؤال نصوص الجواز إباحة طبيعة الكلام في الجملة لكنه كما ترى، خصوصا و المقنعة و جمل السيد و النهاية و التهذيب التي هي الأصل في الخلاف قد أطلقوا عدم جواز الكلام في خلال الإقامة، فلم يعملوا بالنصوص المزبورة على الوجه المذكور، نعم عن المبسوط و النهاية و الوسيلة التنصيص على تحريمه بعد قوله:

قد قامت الصلاة بغير ما يتعلق بالصلاة من تقديم إمام أو تسوية الصف، مع أنا لم نتحققه عن غير الأخير، فيضعف حينئذ من هذه الجهة احتمال تحكيمها على غيرها المعتضد بالشهرة و بالأصل و غيره، خصوصا مع عطف المعلوم كراهته في خبر أبي هارون عليه، و أنه إذا أعطيت حكم الصلاة كما هو مضمون خبر أبي هارون و غيره ينبغي عدم الكلام فيها مطلقا، بل لا يخفى على من له أدنى معرفة بلسان النصوص إرادة الكراهة من ذلك و شدتها بعد قيام الصلاة لا الحرمة حقيقة التي هي وظيفة تكبيرة الإحرام، و إلا فمن المعلوم أن له الاعراض عن الصلاة بعد الإقامة، و حينئذ لا يحرم الكلام عليه قطعا، فلا بد من حمله على ما إذا بقي عازما على الصلاة متهيئا لها بالإقامة المذكورة، فلو فرض

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

100

أنه فصل بينها و بين الصلاة بما لا يخل في الاتصال المعتبر يجب عليه السكوت، أو الاشتغال بغير الكلام من ذكر و نحوه، و هو أمر غريب يمكن دعوى معلومية خلافه من الشريعة، كمعلومية أن له رفع اليد عن الإقامة و الصلاة بدونها، فأقصى ما في الكلام حينئذ ذلك لا الحرمة التعبدية، و من ذلك ظهر لك أنه لا ريب في قوة ما ذكرناه من الجمع- خصوصا مع ملاحظة ما سمعته و الشهرة و الأصل و الإطلاقات و غيرها- و ضعف الجمع المزبور.

و أضعف منه احتمال حمل نصوص الجواز على إرادة ذلك لكن مع بطلان الإقامة بشهادة

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم (1): «لا تتكلم إذا أقمت الصلاة فإنك إذا تكلمت أعدت الإقامة»

ضرورة قصوره عن صرف ظاهر النصوص المزبورة من جواز الكلام و عدم بطلان الإقامة به، إذ هو المسؤول عنه، فالأولى حينئذ حمل الخبر المزبور على استحباب الإعادة الذي صرح به غير واحد من الأصحاب، بل أضعف منهما معا الجمع بحمل نصوص التحريم على ما بعد قول: «قد قامت» في الجماعة بغير ما يتعلق بالصلاة، و الجواز على الانفراد بدعوى ظهور كل منهما في ذلك، فلا جهة للجمع بينهما بالكراهة، إذ هو يمكن كونه خرقا للإجماع المركب، اللهم إلا أن يدعى تنزيل كلام المحرمين على ذلك، و على كل حال فقد عرفت أن ما ذكرناه أولى منه من وجوه.

و أضعف من ذلك احتمال الجمع أيضا بحمل نصوص الجواز على الاضطرار و العدم على الاختيار، مع أن في بعض النصوص المزبورة ما هو كالصريح في الاختيار، نحو قوله (عليه السلام): «إن شاء» و ما شابهه.

ثم ان الظاهر كراهة الكلام أيضا فيما بين الأذان و الإقامة في صلاة الغداة كما

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.