جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج9

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
422 /
201

[الثاني تكبيرة الإحرام]

[في بيان الواجبات من التكبيرة]

الثاني من أفعال الصلاة تكبيرة الإحرام و الافتتاح و الدخول في العبادة التي بها يتحقق حرمة ما كان محللا قبلها من الأكل و الشرب و الضحك و نحوها من منافيات الصلاة، كالتلبية بالإحرام بالحج، و هي جزء من الصلاة قطعا، ضرورة كون أول الشيء منه، لا أنها لافتتاحها مع خروجها كالتكبير للركوع و السجود مثلا كما حكي عن شاذ من العامة، بل هي ركن تقدح زيادتها كما ستعرف و لا تصح الصلاة من دونها و لو كان قد أخل بها نسيانا إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا كالنصوص (1) التي لا يصلح لمعارضتها ما في بعض النصوص الأخر (2) من عدم البطلان بنسيانها من وجوه، خصوصا بعد موافقتها في الجملة لبعض العامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم، بل

قول الرضا (عليه السلام): «أجزأه» في صحيح ابن أبي نصر (3)

منها في الذي نسي أن يكبر تكبيرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 9 و 10 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

202

الافتتاح حتى كبر للركوع صريح في المحكي عن جماعة منهم من اجتزاء الناسي لتكبيرة الإحرام بتكبير الركوع، كصراحة

قوله (عليه السلام) أيضا (1): «فليمض في صلاته»

فيمن نسي أن يكبر حتى دخل في الصلاة و كان من نيته أن يكبر، في المحكي عن أخرى منهم أيضا من الاجتزاء بنية التكبير حال النسيان، على أن الشيخ قد حملهما على الشك في الترك لا اليقين، و إن كان بعيدا في البعض، بل لا يلائمه لفظ الاجزاء و نحوه فيه، اللهم إلا أن يكون (عليه السلام) قد استبعد وقوع النسيان، و أن ذلك نوع من الوسوسة، كما يومي اليه قوله (عليه السلام) أيضا في المرسل (2): «الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح» و قول أحدهما (عليهما السلام) في خبر ابن مسلم (3): «إذا استيقن أنه لم يكبر فليعد، و لكن كيف يستيقن»

بل في خبر النية المزبورة (4) إشعار بذلك أيضا، فلاحظ، أو أنه غالبا يعبر عن الشك بالنسيان في العبارة العامية المبتذلة، و في كشف اللثام صحيح ابن أبي نصر يحتمل احتمالا ظاهرا أنه إذا كان متذكرا لفعل الصلاة عنده أجزأه فليقرأ بعده إن تذكر و لما يركع و لم يكن مأموما ثم ليكبر مرة أخرى للركوع، إذ ليس عليه أن ينوي بالتكبير أنه تكبير افتتاح كما في التذكرة و الذكرى و نهاية الأحكام للأصل إن لم يكن مأموما، و فيه- بعد الإغضاء عن جريان الأصل و عن وجه التقييد بغير المأموم- انه لا تلازم بين عدم وجوب نيته أنه تكبير افتتاح و بين الاجتزاء بالتكبير المقصود انه للركوع و إن كان لا خطاب به حينئذ، لكن التعدد بزعم المكلف كالتعدد واقعا، فمتى شخصه المكلف لخيال تحقق الخطاب لم يصلح بعد لغيره، كغيره من الأفعال المشتركة التي تقع على وجوه متعددة و انما تتشخص بالنية، بل و لا بينه و بين الاجتزاء بتكبير لم يقصد فيه إلا أنه للصلاة في

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام الحديث 10 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام الحديث 11 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام الحديث 9 من كتاب الصلاة.

203

الجملة، ثم اختار جعله بعد ذلك افتتاحيا.

و ما يقال- ليس في الأدلة إلا اعتبار افتتاح الصلاة بالتكبير و أنه أول الصلاة و لا ريب في صدقه على الثاني، بل و الأول، إذ قصد أنه للركوع بعد إن لم يكن هناك خطاب به لم يخرجه عن صدق كونه تكبيرا، فإذا ألحقه بعد ذلك بالقراءة مثلا و غيرها من أفعال الصلاة صدق عليه أنه افتتح الصلاة بالتكبير، و كان أول صلاته التكبير، إذ هو حينئذ كجزء قصد به لصورة خارجية تشخصه فعدل عنها و جعل لصورة أخرى بعد فرض صلاحيته لهما، ضرورة اتحاد الصورة الذهنية و الخارجية في ذلك- واضح البطلان، ضرورة الفرق بين ما نحن فيه و بين الصورة الخارجية، إذ هو من الأفعال التي من مقومات تشخصها النية بخلاف تلك، على أنه لا ينبغي إنكار ظهور الأدلة في المقام فيما لا يشمل مثل هذا الفرد، و في انسياق إلزام المكلف بتكبير في أول الصلاة بحيث لو تنبه و تفطن لاستحضر انه أول الصلاة إلى الذهن، بل قد يقال باقتضاء مقارنة النية له و إن كانت الداعي وجوب استحضار ما يلزم ذلك، و مرادنا بعدم وجوب قصد الافتتاحية أنه لا يجب عليه استحضار ذلك حال التكبير.

و كذا ما عساه يقال من أن التكبير كباقي أجزاء الصلاة، فكما أن النية الأولى تؤثر في الأجزاء اللاحقة بحيث لا يقدح عدم نية المكلف لها حالها، بل و لا نية خلافها كالقصد بالتكبير للسجود مثلا و هو في حال الركوع، و كالتكبير بقصد السجدة الثانية و كان في الأولى، فكذا تكبيرة الإحرام يكفي في وقوعها له النية للصلاة و إن تخيل أنها للركوع، إذ نيته أنها للركوع في الحقيقة تفصيل لتلك النية الأولى و تأكيد لها، فإذا فرض عدم المصادفة بقي تأثير الأصل فيه و ذهب التأكيد، و ربما يشير إليه في الجملة النصوص (1) المتضمنة لعدم البأس بالغفلة عن الفريضة في الأثناء حتى أتمها على أنها

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النية من كتاب الصلاة.

204

نافلة، فإن فيه أيضا الغفلة عن الفرق بين أول العمل و بين غيره، إذ الثاني ربما يقال بالاكتفاء فيه بتلك النية المقارنة لأول العمل، لصدق النية لجميع أجزاء العمل بذلك، و بتلبسه به و دخوله فيه لم يحتج بعد إلى نية أجزائه، بل و لا يقدح نية الخلاف فيه أيضا بخلاف الأول، إذ لم يصدق التلبس بالعمل و الدخول فيه عليه حينئذ كي تتبع باقي الأجزاء إذ التحقيق خروج النية، و أنها شرط، بل لو قلنا بجزئيتها أيضا فكذلك، لأنه انما يتحقق بالتكبير الدخول في العمل و انعقاده و صيرورة المكلف في حبس الصلاة بحيث يحرم عليه الابطال، كما هو واضح، و إلا لو فرض اتحاد تكبيرة الإحرام و باقي الأجزاء في الحكم المزبور لوجب الحكم باحرامية تكبيرة الركوع مطلقا و إن لم يذكر إلا بعده، و صحيحة ابن أبي يعفور و البقباق (1) صريحة في خلافه، كما أن غيرها ظاهر فيه، فلاحظ.

على أن ذلك كله إن لم يفد الجزم بما قلنا فلا ريب في أنه يفيد الشك في الاجتزاء بمثل هذا الفرد من الصلاة، للشك في إرادة ما يشمل مثله من الأمر بالصلاة و إن قلنا بأنها للأعم، إذ هو لا ينافي الشك في إرادته منه كباقي المطلقات التي يتفق وقوع الشك في إرادة بعض أفرادها، بل قد يقال بالإجمال مع القول بالأعمية، لكنه إجمال في المراد بدعوى ظهور إرادة فرد خاص من نحو «أَقِيمُوا الصَّلاةَ» و لم نعلمه، لا أن المراد المسمى و خرج معلوم الفساد الذي هو أضعاف الداخل و بقي الباقي، و كيف و قد ادعى بعضهم مثل ذلك في البيع و نحوه حتى أنه نزل قوله تعالى (2) «أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» على بيع مخصوص معهود، و الصلاة أولى منه بذلك قطعا، فتأمل جيدا.

فظهر من ذلك كله أنه لا يتجه حمل الخبر المزبور على ذلك، كما أنه لا يتجه أيضا حمله على المأموم الذي يكتفي بتكبيرة واحدة للإحرام و الركوع عند الضيق،

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

(2) سورة البقرة- الآية 276.

205

للصحيح (1) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع أجزأه تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع»

و نحوه الموثق (2) و هو المحكي عن الإسكافي و الشيخ في خلافه مدعيا عليه إجماع الفرقة، و كأنه مال اليه الشهيد في الذكرى، كما أنه جزم به في الحدائق، إذ هو كما ترى يأباه ظاهر الخبر المزبور و إن كان التداخل في حد ذاته هنا قويا للدليل المذكور الحاكم على أصالة عدم تداخل الأسباب و غيرها مما يقرر هنا، نحو ما سمعته في الأغسال الواجبة و المندوبة، فلاحظ، و أما

صحيح زرارة (3) قال لأبي جعفر (عليه السلام): «الرجل ينسى أول تكبيرة من الافتتاح فقال: إن ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرأ ثم ركع، و إن ذكرها في الصلاة كبرها في قيامه في موضع التكبير قبل القراءة و بعد القراءة، قلت: فان ذكرها بعد الصلاة قال:

فليقضها و لا شيء عليه»

فمع قصوره بما سمعت و يجري فيه بعض ما عرفت يحتمل إرادة نسيان إحدى تكبيرات الافتتاح المندوبة منه، و لا ينافيه تداركها قبل الركوع، إذ لعلها كالجزء الواجب يتدارك ما لم يدخل في الركن الآخر، فتأمل.

[في بيان المراد من التكبيرة]

و كيف كان ف صورتها أن يقول: الله أكبر عند علمائنا كما عن المعتبر و المنتهى للأصل في وجه، و لأنه المتعارف من التكبير و المعهود من صاحب الشرع و أتباعه، ف

في المرسل (4) «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أتم الناس صلاة و أوجزهم، كان إذا دخل في صلاته قال: الله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم»

فيجب التأسي به هنا، ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (5) «صلوا كما رأيتموني أصلي»

فلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 11.

(5) صحيح البخاري ج 1 ص 124 و 125.

206

يرد عدم معرفة الوجه بناء على اعتبارها في التأسي، بل و لا أن مثل هذا الفعل لا يصلح مقيدا للمطلق، مضافا إلى

المروي (1) عن المجالس بإسناده في حديث «جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله)- إلى أن قال-: و أما قوله: و الله أكبر لا تفتتح الصلاة إلا بها»

لا أقل من أن يكون ذلك كله سببا للشك في الامتثال بغير هذه الصورة و في إرادته من المطلقات بناء على عدم الاجمال.

و حينئذ لا تنعقد الصلاة بمعناها سواء أدي بلغة عربية غيرها و إن رادفتها أو فارسية أو غيرهما و كذا لو أخل بحرف منها لم تنعقد صلاته قطعا إذا كان لحنا، أما نحو همزة الوصل في لفظ الجلالة عند الوصل بلفظ النية مثلا أو بالأدعية الموظفة أو بالتكبيرات المندوبة أو نحو ذلك فقد صرح جماعة بعدم الحذف فيها و إن جعلوا المثال الأول، و عللوه بأنه من خواص الدرج و لا كلام قبل تكبيرة الافتتاح، فلو تكلفه بأن تلفظ بالنية التي هي أمر قلبي فقد تكلف ما لا يحتاج اليه، و ما وجوده كعدمه فلا يخرج اللفظ عن أصله المعهود شرعا، و هو كما ترى، و مقتضاه القطع حتى مع الدرج المزبور، لكن في المدارك أنه منه يظهر حرمة التلفظ بالنية مع الوصل، لاستلزامه مخالفة اللغة أو الشرع، قلت: الشأن في إثبات وجوب القطع في الشرع، إذ دعوى أن النبي (صلى الله عليه و آله) لم يأت بها إلا مقطوعة عن الكلام السابق لا شاهد لها لو سلمنا دلالة مثله و لم نقل أنه لا ينافي ما دل على عدم اعتبار غير الجريان على القانون العربي فيها و في غيرها من الأذكار الصلاتية، اللهم إلا أن يقال: إن المتيقن من فعل النبي و الصحابة و التابعين ذلك، فالاقتصار عليه هو المناسب للاحتياط، خصوصا مع عدم معروفية المخالف بخصوصه، بل نفاه في المفاتيح، لكن غيره نسبه إلى البعض، و مع ما في صحيح ابن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) «الامام تجزيه

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 3.

207

تكبيرة واحدة و يجرئك ثلاث مترسلا إذا كنت وحدك»

و الترسل كما في بعض كتب اللغة و صرح به في الوافي التأني و التثبت، و هو انما يناسب القطع، و لا ينافيه ثبوت الندب في الاثنتين، و لعله لذا قال في المنظومة:

و نقص جزء مبطل كالكل * * *و لو كهمز الوصل حال الوصل

و لو عرف «الأكبر» خالف الصورة الثابتة بما سمعت، فتبطل صلاته عند أكثر أهل العلم كما عن المنتهى لما عرفت، بل حكي الاتفاق عليه إلا من الإسكافي فكرهه كالمحكي عن الشافعي، و لا ريب في ضعفه، و لو أتمه ب ما ورد في النصوص (1) من أنه المقصود منه، كقول من كل شيء أو من أن يوصف بقيام أو قعود أو يلمس بالأخماس أو يدرك بالحواس أو غير ذلك مما هو داخل في الكبرياء و العظمة فقد صرح في القواعد و غيرها بالبطلان أيضا، و إن كان إقامة الدليل المعتد به عند القائلين بحجية الظن المخصوص عليه مع القول بالأعمية في لفظ الصلاة و نحوها، بل و القائلين بالوضع الصحيح لدخوله تحت إطلاق الأمر بالتكبير لا يخلو من إشكال، و ليس إلا الوقوف على المتيقن من فعله (صلى الله عليه و آله)، أو دعوى تناول

قوله (ص) (2): «و لا تفتتح الصلاة إلا بها»

لذلك بملاحظتها مجردة عن الوصل بشيء من ذلك، و هو الذي قربه العلامة الطباطبائي في منظومته، فقال:

و إن يزد شيئا عليها بالطرف * * *فالأقرب البطلان مثل ما سلف

من ذاك أن يضيف تفضيلا و من * * *ذلك أن يقرنه بلفظ من

____________

(1) المستدرك- الباب- 36- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7 و الوسائل الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 12.

208

و أما ترك الأعراب في آخرها ففي المفاتيح أنه يستحب ل

حديث (1) «التكبير جزم»

و مقتضاه جواز الاعراب و عدم الوقف، و هو كذلك للأصل، و إطلاق الأدلة مع قصور الخبر المزبور عن إفادة الوجوب، بل لعل الأحوط الاعراب عند عدم الوقف، و إلا كان غير جار على القانون العربي، و الاقدام على جوازه للخبر السابق المحتمل تخصيصه بالأذان و الإقامة لا سائر أفراد التكبير مع ما في الحدائق من أنه عامي لا يخلو من نظر.

و على كل حال فان لم يتمكن من التلفظ بها كالأعجم لزمه التعلم مع رجائه بلا خلاف للمقدمة كما يجب تعلم الفاتحة، خلافا لأبي حنيفة فلم يوجب العربية مطلقا، و لا يعتبر إحرازه القدرة على ذلك، بل العجز مسقط، فيجب حينئذ السعي حتى يعلم العجز، بل هو كذلك و إن استلزم سفرا أو غيره كنظائره من المقدمات، نعم يسقط في كل مكان تسقط فيه المقدمة كما لو استلزمت ضررا أو قبحا يعلم من الشرع عدم التكليف معه، و سقوط طلب الماء بالأقل من ذلك للدليل لا يقتضيه هنا، خصوصا و قد فرق بينهما بالاعتبار، فان التعلم ينتفع به طول عمره بخلاف الماء، فان استصحابه للمستقبل غير ممكن، و العمدة ما قلناه.

و حينئذ لا يتشاغل بالصلاة مع سعة الوقت و رجاء التعلم لما عرفته، و ليس ذا من ذوي الأعذار الذين احتمل فيهم، بل قيل بعدم وجوب الانتظار و إلا سقط وجوب التعلم، ضرورة عدمه قبل الوقت و بعد الصلاة في أوله، و احتمال الصحة و إن أثم بترك التعلم كما في آخر الوقت يدفعه أنه لا جهة للإثم، لأن وجوب التعلم انما يتعلق به في وقت الصلاة كتحصيل الماء و الساتر، فكما لا تصح الصلاة عاريا في أول

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

209

الوقت إذا قدر على تحصيل الساتر، و تصح في آخره و إن كان فرط في التحصيل فكذا ما نحن فيه، بل قد يحتمل في مثل المقام- الذي لم يرد فيه دليل على البدلية بل جاءت من حكم العقل- أنه يأثم بترك التعلم، و لا تصح صلاته في آخر الوقت، لأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، و لأنه لو قيس حاله بحال السادة و العبيد لجزم أهل العرف بذلك، ف ما دل حينئذ (1) على سقوط العربية و الاجتزاء ببدلها غير شامل لمثل ذلك، و لعله لذا نص في المحكي عن نهاية الأحكام و كشف الالتباس على عدم الصحة فيمن فرط بترك التعلم حتى ضاق الوقت، و انه تجب عليه الإعادة بعد التعلم، و هو لا يخلو من وجه، و إن كان ظاهر الأصحاب عدم الفرق بين التقصير و غيره، و ستعرف وجهه في القراءة إن شاء الله، كما أنه يحتمل وجوب التعلم في مثل الفرض في سائر الوقت من غير فرق بين ما بعد الوقت و قبله لا لوجوب ذي المقدمة، بل لأن أهل العرف يفهمون الوجوب في مثله، كما يتضح بفرضه في السيد و العبد مع فرض عدم السبيل إلا قبل الوقت، فتأمل جيدا.

فان ضاق الوقت عن التعلم أو لم يطاوعه لسانه بحيث تحقق العجز عنده، قيل: أو لم يجد من يعلمه و لا سبيل إلى المهاجرة أحرم بترجمتها من باقي اللغات وجوبا، لأنه هو المستطاع من المأمور به، و لأنه هو الذي ينتقل اليه الذهن من مثل هذه الأوامر هنا، خصوصا بعد استقراء ما ورد (2) في الأخرس و سائر المضطرين في الأقوال و الأفعال في الصلاة، و فحوى ما ستسمعه في الأخرس، و لعل ذا أو ما يقرب منه مراد من علله بأنه ركن عجز عنه فلا بد له من بدل، و الترجمة أولى ما يجعل بدلا منها، و بأن المعنى معتبر مع اللفظ، فإذا تعذر اللفظ وجب اعتبار المعنى، يعني أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 67- من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 59- من أبواب القراءة في الصلاة.

210

يجب لفظ العبارة المعهودة في تأدية المعنى و إن كان لا يجب إخطاره بالبال، فإذا لم يتيسر ذلك اللفظ لم يسقط المعنى، بل يؤدي بعبارة أخرى، مضافا إلى شهرته بين الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعا، بل ظاهر نسبة السقوط إلى بعض العامة أنه كذلك و إن احتمله بعض أهل الجمود منا، نعم عبر غير واحد بلفظ الجواز، و المراد منه الوجوب إذ الظاهر كما في كشف اللثام أنه متى جاز هنا وجب، و لعله لكونه ركنا للواجب الذي لا يتصور فيه و لا في أجزائه الجواز بالمعنى الأخص، و يفسده كلام الآدميين.

و لا يخير بينها و بين سائر الأذكار فضلا عن أن يقدم عليها و إن فرض عربيتها كما عن نهاية الأحكام التصريح به، لأنها هي البدل عن التكبير لغة و عرفا، ضرورة مرادفتها للعربية في إفادة المعنى دون غيرها، أما ما أدى معناها من الأذكار العربية نحو الله أجل و أعظم ففي كشف اللثام يقدم عليها، و لا يخلو من تأمل مع فرض عدم الترادف.

ثم إن ظاهر المتن عدم تقدم لغة على أخرى في البدلية، و هو كذلك كما عن نهاية الأحكام التصريح به أيضا و إن احتمل أولوية السريانية و العبرانية، لأنه تعالى أنزل بهما كتبا، و الفارسية على التركية و الهندية، لنزول كتاب المجوس بها، و ما قيل:

إنها لغة حملة العرش، بل عن جماعة التصريح بالأفضلية، بل ربما حكي عن بعض الوجوب، و هو كما ترى، كاحتمال وجوب تقديم لغته على غيرها، و إن أشعرت به عبارة القواعد، و المعروف في الترجمة بالفارسية «خداي بزركتر» بفتح الراء الأخيرة أو كسرها، و هو لغة بعض الفارسيين، و في لغة أخرى «بزركتر است» لا «بزرك» لعدم التفضيل فيه، لكن في كشف اللثام أن لفظ «خداي» ليس مرادفا لله، و إنما هو مرادف للمالك، و الرب بمعناه، و انما المرادف له «ايزد» و «يزدان» قلت: و عليه ينبغي الالتزام به بناء على اعتبار الترادف في الترجمة و إن كان لا يخلو من إشكال،

211

كما أنه لا يخلو منه أيضا التركيب من اللغتين فيما لو استطاع عربية أحد اللفظين، لخروج الصيغة حينئذ عنهما، و الله أعلم.

[في كيفية تكبير الأخرس]

و الأخرس الذي لا يستطيع أن ينطق بها صحيحة أتى بها على قدر الإمكان لأن كلما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر (1) و لأنه ما من شيء حرم الله إلا و قد أحله لمن اضطر اليه (2) و لأنه هو المستطاع من المأمور به (3) و فحوى ما ورد في الألثغ و الألتغ و الفاء فاء و التمتام، و ما ورد في مثل بلال و من ماثله و في الأخرس (4) الذي لا يستطيع الكلام أبدا الذي أشار إليه المصنف بقوله:

فان عجز عن النطق أصلا عقد قلبه بمعناها مع الإشارة و زيد في القواعد و غيرها تحريك اللسان، بل اقتصر بعضهم عليه و الإشارة، كآخر مع التقييد بالإصبع، بل عن المبسوط و التحرير الاقتصار على الأخير فقط، و في الإرشاد عليه و الأول، و أضاف في كشف اللثام إلى اللسان الشفة و اللهوات، و عن نهاية الأحكام اشتراط العجز عن تحريك اللسان في ذلك، كما هو ظاهر المحكي عن الموجز و شرحه.

و كيف كان فمستند الحكم

خبر السكوني (5) عن الصادق (عليه السلام) «تلبية الأخرس و تشهده و قراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه و إشارته بإصبعه»

للقطع بإرادة بدلية ذلك عن كل ذكر يكلف فيه الأخرس من دون خصوصية للمذكورات، خصوصا بعد ملاحظة فتوى الأصحاب، لكنه كما ترى خال عن ذكر عقد القلب

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 6.

(3) تفسير الصافي سورة المائدة- الآية 101.

(4) الوسائل- الباب- 59- من أبواب القراءة في الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 59- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

212

بالمعنى، مضافا إلى عدم وجوب ذلك على الناطق فضلا عنه، و من هنا قال في كشف اللثام: المراد عقد القلب بإرادته الصيغة و قصدها لا المعنى الذي لها، إذ لا يجب إخطاره بالبال، و فيه مع أنه خلاف الظاهر أنه انما يتم في الأخرس الذي سمع التكبيرة و أتقن ألفاظها و لا يقدر على التلفظ بها أصلا، ضرورة عدم إمكان ذلك في الخرس الذي يكون منشأه الصمم خلقة أو عارضا كالخلقة، كما أنه كذلك بالنسبة إلى عقد القلب بالمعنى إذا لوحظ إضافته إلى الصيغة، و لعلهم لا يريدونه، بل المراد المعنى الذي يمكن تفهيمه إياه بالإشارة، و كأن اعتبارهم له بناء على أن الذي هو بدل عن اللفظ في التفهيم ليس إلا هذه الإشارة المستلزمة لتصور المعنى، بل يمكن دعوى إشعار الإشارة بالإصبع في الخبر المزبور به، إذ من المستبعد إرادة التعبد منها محضا، كما أنه من الممتنع إرادة الإشارة بذلك إلى نفس اللفظ الذي هو الدال في بعض أفراد الخرس، و عدم إيجاب إخطار المعنى على الناطق بل و لا معرفته أصلا، اعتمادا على اللفظ الدال في حد ذاته عليه، بخلاف الإشارة التي لا تكون كاللفظ في تفهيم المعنى، إلا أن يعرف المشير المعنى و يذكر ما يدل عليه من الحركات و الكيفيات الفعلية، و من هنا استحسن في كشف اللثام نفسه ترك التقييد بالإصبع في نحو عبارة الكتاب، قال: لأن التكبير لا يشار اليه غالبا بها، و انما يشار بها إلى التوحيد، فحمل ما في الخبر المزبور على التشهد خاصة.

قلت: يحتمل إرادة اليد من الإصبع في الخبر جريا على غلبة الإشارة من الأخرس بها، بل قل ما يتفق إشارته بغيرها مستقلا عنها، و لعل معنى التكبيرة يبرزه بها أيضا، فلا يكون حينئذ ما في الخبر راجعا إلى التوحيد خاصة، كما أنه بذلك يظهر وجه تقييد الأكثر بها تبعا للنص، و قال في المدارك كغيره: إن الإشارة لما كانت تقع للتكبير و غيره احتاجت في التشخيص له إلى عقد القلب بالمعنى، و ليس المراد المعنى المطابقي، بل يقصد التكبير و الذكر و الثناء في الجملة، و لا بأس به، ضرورة العسر

213

و الحرج في التكليف بعقد القلب بتمام المعنى، بل لعله بالنسبة إلى بعض أفراد الخرس تكليف ما لا يطاق، و أما تحريك اللسان فإنه و إن وجد في النص إلا أن المصنف لعله تركه إدخالا له تحت الإشارة، خصوصا مع عدم تقييدها بالإصبع، و كان ذكر اللسان في النص و الفتوى جريا على الغالب، فيحرك الشفة و اللهاة معه، نعم ما سمعته من الترتيب بينهما لا دليل عليه، كما أنه لا دليل على ترتيب هذا التحريك على حسب ترتيب الحروف، و ستسمع في القراءة إن شاء الله زيادة التحقيق لذلك.

و بذلك كله اتضح لك عدم السقوط عن الأخرس كما عن بعض العامة، و احتمله بعض أهل الجمود منا، و كأنه في الحقيقة خرق للإجماع، و ظني أن الذي دعاهم إلى ذلك استناد بعض الأصحاب في الحكم هنا إلى قاعدة عدم سقوط الميسور بالمعسور و نحوها من الأمور التي من الواضح عدم جريانها في مثل هذه المقدمات، و انما تذكر اعتمادا على وضوح الحكم، أو في مقابلة العامة الذين يرتكبون غالبا مثل هذه التجشمات، لا أنها هي المدرك حقيقة للحكم عندهم، كما هو واضح، و الله أعلم.

[في بيان وجوب الترتيب و الموالاة بين أجزاء تكبيرة الإحرام]

و الترتيب فيها واجب و كذا الموالاة، ف لو عكس بأن قدم «أكبر» على لفظ الجلالة أو فصل بينهما بلفظ أو زمان يغير الصورة لم تنعقد الصلاة بلا خلاف لما عرفت مما دل على اعتبار الصورة المذكورة.

[في وجوب تعيين تكبيرة الإحرام من بين التكبيرات]

و كيف كان ف المصلي بالخيار في التكبيرات السبع أيها شاء جعلها تكبيرة الافتتاح على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل ظاهر نسبته إلى أصحابنا من بعضهم الإجماع عليه، كنفي الخلاف فيه من آخر صريحا، لإطلاق الأدلة إطلاقا كاد يكون صريحا فيه، بل هو ظاهر خبر الحلبي (1) و غيره المشتمل على دعاء التوجه المشعر بكون الأخيرة تكبيرة الإحرام، و من هنا نص على أن دعاء التوجه بعدها و انه أبعد

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

214

من عروض المبطل، و أقرب إلى لحوق لاحق بالإمام، و أنه هو الموافق لما

ورد (1) في النصوص عن النبي (صلى الله عليه و آله) «انه كان يجهر بواحدة و يسر ستا»

ضرورة أن التي يجهر بها هي تكبيرة الإحرام لإعلام المأمومين الدخول في الصلاة، و لذا اتفق الأصحاب على اختصاص الجهر بها كما ستسمعه في المسنونات، و الظاهر أنها الأخيرة كما يشهد له

ما حكي (2) عنه (صلى الله عليه و آله) أيضا «انه كان (صلى الله عليه و آله) إذا دخل في صلاته يقول: الله أكبر بسم الله»

و لذا ربما ظن أنه (صلى الله عليه و آله) لم يكن يكبر إلا تكبيرة واحدة لسره الست، كما أومأ إليه بعض النصوص (3) الآتية في المسنونات، مضافا إلى أنه لو كان يقدم تكبيرة الإحرام لم يكن وجه لسره الباقي، إذ هو مناف ل ما دل (4) على استحباب إسماع الإمام المأمومين كما يقوله في الصلاة و تخصيصها بذلك ليس أولى من إبقائها على عمومها مع القول بتقدمها على تكبيرة الافتتاح، إذ لا يستحب حينئذ إسماعها المأمومين، إما لخروجها عن الصلاة حينئذ، أو لظهور ما دل على استحباب الاسماع فيما بعد تكبيرة الإحرام، لأنه حينئذ بها تتحقق الإمامية و المأمومية كما هو واضح.

و من ذلك يظهر وجه دلالة سائر النصوص المتضمنة لسر الامام ستة و الجهر بواحدة على الأخيرة، و لعله لذا مع الخروج عن شبهة الخلاف صرح جماعة من الأساطين باستحباب جعلها الأخيرة و إن أنكر عليهم بعض متأخري المتأخرين- منهم الأصبهاني في كشفه- وجود الدليل على ذلك، و هو عجيب، إذ هو صريح

الفقه الرضوي (5) الذي هو حجة عنده، قال: «و اعلم أن السابعة هي الفريضة، و هي تكبيرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 11.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 52- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 3.

(5) فقه الرضا (عليه السلام) ص 7.

215

الافتتاح، و بها تحريم الصلاة»

و ما أبعد ما بينه و بين القائلين بوجوب جعلها كذلك كظاهر أبي المكارم و أبي الصلاح و سلار فيما حكي عنهم، بل ظاهر الأول الإجماع عليه و إن كان هو ضعيفا، إذ الإجماع في غاية الوهن، بل غيره أولى بالدعوى منه كما لا يخفى على الممارس العارف، و غيره قاصر عن إفادة الوجوب، خصوصا بعد معارضته بظاهر جملة من النصوص الظاهرة في أنها الأولى ك خبري صفوان (1) و زرارة (2) المشتملين على تعليل السبع بأن النبي (صلى الله عليه و آله) كبر للصلاة و الحسين (عليه السلام) إلى جانبه يعالج التكبير و لا يحيره، فلم يزل يكبر و يعالج الحسين (عليه السلام) حتى أكمل سبعا فأحار الحسين (عليه السلام) في السابعة، بل قيل: و ك

صحيح زرارة أيضا (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «الذي يخاف اللصوص و السبع يصلي صلاة المواقفة- إلى أن قال-: و لا يدور إلى القبلة و لكن أينما دارت دابته، و لكن يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجه» و الحلبي (4) عن الصادق (عليه السلام) «إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات»

بناء على إرادة تكبيرة الإحرام من الافتتاح، لأنه بها يحصل حقيقة، و إطلاقه على غيرها مجاز للمجاورة و صحيح زرارة (5) أيضا المتقدم آنفا عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا «في الرجل ينسى أول تكبيرة الافتتاح»

إلى آخره، إذ الظاهر إرادة الإحرامية، و اشتماله على ما لا نقول به لا يخرجه عن الحجية هنا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1 لكن رواه عن حفص.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الخوف و المطاردة- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 8.

216

و لعله لذلك كله أو بعضه جزم جماعة من متأخري المتأخرين بتعيين الأولى و إن كان هو أيضا ضعيفا، ضرورة قصورها عن معارضة غيرها، خصوصا إجماعات التخيير الذي هو مقتضى إطلاق الأدلة، و مقتضى الجمع بين إمارتي الأخيرة و الأولى على أن العمدة في هذه النصوص أخبار إحارة الحسين (عليه السلام)، و هي- مع عدم صراحتها، و تضمنها الفعل الذي لا يصلح لتقييد المطلق، و اضطرابها في الجملة في حكاية القصة عن الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و معارضتها بالنصوص (1) المعللة للسبع باختراق الحجب و غيره- لا تقتضي إلا وقوع ذلك منه (صلى الله عليه و آله) في أول المشروعية لا أنه كان كذلك دائما، و دعوى ظهور

قوله (عليه السلام): «و جرت السنة بذلك»

في السبع و أن الأولى الإحرامية ممنوعة، بل المراد الأول خاصة، و أما صحيح زرارة الوارد في الموافقة فلا تعرض فيه للسبع، بل المراد منه الاستقبال بأول الصلاة، و هو التكبير دون غيره من أجزاء الصلاة كالقراءة و الركوع و نحوهما، و صحيح الحلبي ظاهر بل صريح عند التأمل فيه و في غيره من النصوص في إرادة بيان الافتتاح بما بعد «ثم» فيه، و صحيح زرارة الآخر قد عرفت البحث فيه سابقا، مع أنه لا دلالة فيه على وجوب تعيين الأولى، بل و لا في صحيح الحلبي، و لقد أجاد في الرياض في نفيه الدلالة في جميعها على ما عدا الجواز من الرجحان وجوبا أو استحبابا، قال: و إن توهم حتى لأجله قيل بعكس ما في الرضوي مع أنه لا قائل به من معتبري الطائفة.

و كيف كان فالظاهر بطلان الصلاة بناء على تعيين الأخيرة لو عكس فجعلها أولى مثلا، لثبوت التشريع حينئذ بالست في أثناء العمل، مع احتمال العدم، أما على تقدير

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 5 و 7 و الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 10.

217

تعيين الأولى فالظاهر الصحة و إن جعلها أخيرة، للبطلان فيما تقدمها حينئذ لا فيها، ضرورة صلاحيتها بعد لأن تكون أولى بتعقيبها بالست الباقية، و احتمال البطلان لثبوت التشريع في وصف الأخيرية اللاحق لها في فعل المكلف ضعيف جدا.

هذا كله بناء على اتحاد تكبيرة الإحرام كما هو المجمع عليه نقلا إن لم يكن تحصيلا و إن تخير المكلف في وضعها أو تعين عليه، و يشهد له أمر الإمام بالجهر بواحدة و أسرار الباقي لإعلام المأمومين، و التعبير بتكبيرة الافتتاح في جملة من النصوص و ما سمعته من أخبار إحارة الحسين (عليه السلام) المقتضية بظاهرها أن ذلك هو الذي مضى عليه الناس في صدر الإسلام، و انما زيد بعد ذلك للعلل المزبورة، إلى غير ذلك.

أما إذا قلنا بتخيير المصلي بين الافتتاح بواحدة و ثلاث و خمس و سبع، و مع اختيار كل منها يكون فردا للواجب المخير نحو ما يقال في تسبيحات الركوع و السجود- كما حكاه المجلسي عن والده مؤيدا له بأنه الأظهر من أكثر الأخبار، بل بعضها كالصريح في ذلك، و هو كذلك، و من الغريب إنكار ظهور النصوص في ذلك في الحدائق، و كيف و في خبر أبي بصير (1) منها عن الصادق (عليه السلام) «إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة و إن شئت ثلاثا و إن شئت خمسا و إن شئت سبعا، و كل ذلك مجز عنك»

و نحوه غيره، و شبهة التخيير بين الأقل و الأكثر يدفعها جعل المدار في الامتثال النية، لخروجه عن الأقل و الأكثر لتغايرهما حينئذ، و عدم اندراج الأقل حينئذ في الأكثر، بل يكون مقابلا له، أو يقال: إن الواحد المقتصر عليه غير الداخل في جملة غيره، و المراد التخيير بين الواحد و غيره مع ملاحظة قيد الوحدة التي ينافيها إضافة غيرها معها مثلا، أو يقال: إن الأكثر فرد للامتثال بالأمر بالطبيعة كالأقل و انه بالتكرير للفعل لا تتعدد الطبيعة المأمور بإتيانها، فحينئذ إن اقتصر على الفرد الواحد

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 3.

218

امتثل به، و إن جاء بغيره معه امتثل به أيضا- فلا إشكال حينئذ في عدم وجوب التعيين بالمعنى المتقدم، إلا أن ذلك كله يجب الخروج عنه بعد أن عرفت إجماع الأصحاب هنا على اتحاد التكبيرة.

نعم قد يتأمل في وجوب تعيينها من بين السبع لإطلاق الأدلة، بل لعل المزج الموجود فيها من غير أمر بالتعيين كالصريح في ذلك، و إلا كان إغراء بالجهل، اللهم إلا أن يقال: إنهم (عليهم السلام) اتكلوا في تعيينها على الأمر بمقارنة النية للعمل، فأي تكبيرة حينئذ قارنتها النية كانت هي تكبيرة الإحرام، و فيه- مع احتمال جواز تقديم النية هنا كتقديمها عند غسل اليدين للوضوء- انه لا يتم بناء على أنها الداعي، لغلبة حضوره مع السبعة، قال المجلسي فيما حكي من بحاره: «و ما ذكروه من أن كلا منها قارنتها النية فهي تكبيرة الإحرام إن أرادوا نية الصلاة فهي مستمرة من أول التكبيرات إلى آخرها، مع أنهم جوزوا تقديم النية في الوضوء عند غسل اليدين لكونه من مستحبات الوضوء، فأي مانع من تقديم نية الصلاة عند أول التكبيرات المستحبة فيها، و إن أرادوا نية تكبيرة الإحرام فلم يرد ذلك في خبر، و عمدة الفائدة التي تتخيل في ذلك جواز إيقاع منافيات الصلاة في أثناء التكبيرات، و هذه أيضا غير معلومة، إذ يمكن أن يقال بجواز إيقاع المنافيات قبل السابعة و إن قارنت نية الصلاة الأولى، لأن الست من الأجزاء المستحبة، أو لأنه لم يتم الافتتاح بناء على ما اختاره الوالد (رحمه الله)» و الظاهر أن مراده جواز إيقاع المنافيات لعدم العلم حينئذ بحصول الإحرام إذ هو مع عدم تعيينه يحصل في ضمن السبعة مثلا و إن كان بواحدة منها، فقبل حصول تمامها يجوز له فعل المنافيات، و بعد يحرم بالأخيرة أي عندها، و إن كانت الأخيرة في فعل المكلف غير متعينة، فتارة تكون السابعة، و تارة تكون غيرها، لا أنه له ذلك و إن قصد الإحرام بالأولى لأن ما عداها أجزاء مستحبة كما فهمه منه في الحدائق،

219

ضرورة عدم الجواز بعد تحقق الإحرام و إن كان المصلي متشاغلا بالمستحب، و إلا لجاز فعل المنافي في حال القنوت، فإنكار المحدث المزبور عليه حتى أنه ربما أساء الأدب مبني على إرادته ذلك، و مرتبته أجل من أن ينسب اليه ما لا يخفى على أصاغر الطلبة.

هذا كله إن لم نقل بتعيين الأولى أو الأخيرة للإحرام، و إن كان القول بعدم تعيين المكلف لها بالنية متجها لتعينها في نفسها حينئذ، فإذا نوى الصلاة فكبر سبع تكبيرات مثلا مستصحبا للداعي أجزأه ذلك، لأنه إنما نوى الصلاة على ما هي عليه في الواقع، و الفرض أن إحرامها الأولى أو الأخيرة، كما أنه قد يتجه ذلك أيضا لو لم نقل به بل قلنا: إن المكلف به طبيعة التكبير الذي يتحقق بالواحدة، و هي التي يتحقق بها الإحرام، فهو إذا نوى الصلاة و كبر حصلت الطبيعة الواجبة، و المستحبة حينئذ إضافة ست إليها كي تكون سبعة على حسب الأمر بطبيعة التسبيح في الركوع و السجود الذي لا ريب في وقوع الامتثال فيه بأول تسبيحة و إن لم يكن قد عينها بنيته له، لا يقال: إن ذلك ينافي التخيير في وضعها أولا و أخيرا المفتي به بين الأصحاب، بل كاد يكون إجماعا، لأنا نقول: ليس المراد أن المستحب مأخوذ فيه وقوعه بعد الواجب فلا بد أن يكون الواجب أولا، بل المراد أنه لما كلف واجبا بطبيعة التكبير و فرض ثبوت الندب في عدد مخصوص لم يعتبر فيه تقدم و لا تأخر استفيد منه و إن كان هو بأمر واحد أن له تعيين المندوب أولا أو آخرا، و انه إن لم يعين كان ما يقع منه أولا للواجب، و بالجملة هذا الأمر المزبور له جهتا اتحاد و تعدد، فعند عدم التعيين ينصرف الواقع إلى مقتضى اتحاد الأمر من وقوع الواجب بأول ما يقع منه، لصدق حصول الطبيعة منه، و المستحب بعده، و عند التعيين يتعين الثاني، لأنه حينئذ كالأوامر المتعددة التي شخص الامتثال لكل واحد منها، و استفادة هذا التعدد من مثل قوله: «كبر ثلاث تكبيرات» أو «سبح ثلاث تسبيحات» ليس بعجيب، فحينئذ التخيير الذي في

220

كلام الأصحاب لا ينافي الحكم بالصحة مع تعين الأولى للإحرام لو فرض عدم تعيين المكلف لها بل اقتصر على نية الصلاة خاصة، و به يتم المزج الموجود في النصوص و عدم الأمر بالتعيين، و هو مع التأمل في غاية الجودة إن لم يحصل إجماع على خلافه، و على أن تكبيرة الإحرام باعتبار ما يلحقها من الأحكام صارت نوعا آخر مغايرا لباقي التكبيرات، فوجب حينئذ تعيينها و لو بما يقتضي تعينها من اللوازم كغيرها من الأفعال المشتركة التي لا تتشخص إلا بالنية، و أنه لا امتثال عقلا و لا عرفا في مثل العبادات إلا بتعيينها، فتأمل جيدا، و الله أعلم بحقيقة الحال.

[في بطلان الصلاة لو كبر و نوى الافتتاح ثانيا]

و لو كبر و نوى الافتتاح ثم كبر و نوى الافتتاح بطلت صلاته بلا خلاف أجده فيه بين القدماء و المتأخرين كما اعترف به بعضهم صريحا و آخر ظاهرا، للأصل و الأمر باستقبال الصلاة لمن زاد في صلاته (1) و لعله إليه أشار بعضهم بتعليله البطلان بأن الثانية غير مطابقة للصلاة، ضرورة إرادته أنه زاد فيها جزء على ما شرع، فلا تكون مشروعة، كالتعليل في التذكرة بأنه فعل منهي عنه فيكون باطلا و مبطلا، و نحو ذلك مما هو راجع اليه، أو مبني على قاعدة الشغل و إجمال العبادة، إلا أن الجميع كما ترى لا خصوصية فيه للتكبير كي يستفاد منه الركنية بالخصوص كغيره من الأركان، و لعله لذا مع الاعراض عن مثل هذه التعليلات تأمل بعض متأخري المتأخرين في ركنيته بالمعنى المصطلح، و اقتصر في البطلان على خصوص الترك و لو نسيانا للأدلة التي عرفتها دون الزيادة، و هو لا يخلو من وجه تعرفه في أول بحث القيام بناء على الأعمية لو لا اتفاق الأصحاب هنا ظاهرا على البطلان.

نعم قد يتأمل في البطلان به حال السهو كما في كشف اللثام لقصور تلك النصوص (2) عن إفادته، فليس إلا قاعدة الركنية المبنية على إجمال العبادة، و أنها

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

221

اسم للصحيح، و قد حققنا في الأصول خلافها، اللهم إلا أن يدعى تناول النص المزبور (1) له، و أنه لا ينافيه خروج ما خرج و إن كان أضعاف الداخل، لأنه ليس من العموم اللغوي الذي يقبح فيه ذلك، و فيه بحث، أو يدعى عدم تناول المراد من إطلاق الأدلة لمثله بمعونة اتفاق الأصحاب ظاهرا عليه، أو يدعى إرادة الفعل و الترك من نحو

قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «صلوا كما رأيتموني أصلي»

خصوصا مع إمكان إشعار تشبيه التكبير في الصلاة بالأنف في الوجه في بعض النصوص (3) باعتبار اتحاده فيها كالأنف في الوجه، فتأمل، و لا ريب أنه الأحوط.

و كيف كان فظاهر المتن كصريح غيره أنه لا يعتبر في البطلان نية الصلاة معه، لأنه بقصده الافتتاح يصير ركنا، و لا يقدح فيه عدم مقارنة النية التي هي شرط في صحة الصلاة لا لكونه للافتتاح، فان المتصور في زيادة أي ركن كان هو الإتيان بصورته قاصدا بها الركن كما لو أتى بركوع ثان لامتناع ركوعين صحيحين في ركعة واحدة، بل قد يقال بعدم اعتبار نية الافتتاح في الإبطال به بناء على أن منشأها ما عرفته من الزيادة للأصل أو للنص أو لغيرهما، و كان اعتبارهم لذلك بناء منهم على ركنيته، و أن البطلان من حيث زيادة الركن لا من مطلق الزيادة و إن كان فيه ما فيه.

ثم لا يخفى أن بطلان التكبيرتين في الفرض مبني على عدم الخروج عن الصلاة بنيته، أو على عدم لزوم نية الافتتاح لذلك مع فرض الاقتصار عليها، أو على أنه انما نوى الصلاة ثانيا بناء على جواز تجديد النية في الأثناء أي وقت أراد، لا على الخروج منها و قرن النية بالتكبير سهوا، أو لزعم لزوم التكبير أو جوازه كلما جدد النية جاعلا له

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع الصلاة.

(2) صحيح البخاري ج ص 124 و 125.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 6 و 13.

222

جزء من الصلاة، و إلا فبناء على أنه نوى الخروج مع ذلك أو اقتصر على نية الافتتاح و قلنا بلزومه لنية الخروج كما هو الظاهر و ببطلان الصلاة بذلك صحت الصلاة بالتكبير الثاني و لا حاجة حينئذ إلى قوله: ف ان كبر ثالثة و نوى الافتتاح انعقدت الصلاة أخيرا لكن الظاهر أنه بناء على ما ذهب هو اليه من عدم الخروج عن الصلاة بنية الخروج، فحينئذ ينحصر الإبطال في التكبير الثاني، و يحتاج في الصحة إلى الثالث، إذ الثاني مع إبطاله الأول ليس بقابل للعقد و الإحرام و الافتتاح، و كأنه مفروغ منه عندهم حيث لم يتوقف فيه أحد منهم، بل ربما كان صريح الفاضل و المحقق الثاني، و هو كذلك حيث يكون منهيا عنه، أما مع عدم النهي كما في حال السهو أو النافلة بناء على عدم حرمة إبطالها و أنه لا تشريع فقد يشكل بأنه لا مانع من حصول الأمرين به الابطال و الصحة، و يدفع بأن بطلان التكبير الثاني لوقوعه في حال غير قابل للتأثير و العقد، ضرورة عدم إمكان التأثير في حال صحة الصلاة، و هي انما تنتفي بآخر جزء منه أي الثاني، فكيف يتصور حينئذ صلاحيته للعقد و الإحرام كما هو واضح.

و منه يعلم حينئذ أنه لا وجه للقول بصحة صلاة من زعم تمام صلاته التي كان متلبسا بها فأحرم لصلاة جديدة نافلة مثلا أو غيرها، نعم يمكن القول بعدم إبطال هذا التكبير للمتلبس بها باعتبار أنه لم يأت به لها كي يحصل زيادة ركن فيها، مع أن فيه أيضا بحثا واضحا.

و على كل حال فلا فرق في الصحة بالثالث بين أن يكون قد نوى الخروج أولا بأن جدد النية ثالثا و قرنها بالتكبير، بل قيل: و لا بين أن يكون علم البطلان بالثاني أو لا، لأنه لم يزد شيئا في الصلاة و إن زعم أنه زاد، و هو كذلك إلا إذا فرض بحيث تذهب النية معه، و لعل ذلك هو المدار، و الله أعلم بحقيقة الحال.

[في اعتبار القيام حال تكبيرة الاحرام]

و يجب أن يكبر للإحرام قائما، فلو كبر قاعدا مع القدرة أو و هو

223

آخذ في القيام لم تنعقد صلاته للأصل في وجه و الصلوات البيانية (1) و إطلاق ما دل على اعتبار القيام في الصلاة التي لا إشكال في جزئية تكبيرة الإحرام لها ك

قوله (عليه السلام) في الصحيحين (2): «من لم يقم صلبه فلا صلاة له» و قوله (عليه السلام) (3): «الصحيح يصلي قائما»

و نحو ذلك، ضرورة عدم صدق قيام الصلب في جميع الصلاة على من تركه حال التكبيرة، اللهم إلا أن يدعى إرادة اعتبار قيام الصلب في الجملة من مثل هذه العبارة لإخراج صلاة القاعد مثلا، و هو لا يخلو من نظر، على أنه لو سلم ذلك في مثل هذا التركيب فلا يسلم في مثل التركيب الثاني و نحوه، و خصوص

الصحيح (4) «إذا أدرك الامام و هو راكع و كبر الرجل و هو مقيم صلبه ثم ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة» و الموثق (5) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة قال: يعيد الصلاة، و لا صلاة بغير افتتاح، و عن رجل آخر عليه صلاة من قعود فنسي حتى قام و افتتح الصلاة و هو قائم ثم ذكر قال: يقعد و يفتتح الصلاة و هو قاعد، و كذلك إن وجب عليه الصلاة من قيام فنسي حتى افتتح الصلاة و هو قاعد فعليه أن يقطع صلاته و يقوم فيفتتح الصلاة و هو قائم، و لا يعتد بافتتاحه و هو قاعد»

بل قد يظهر منه كغيره أيضا اعتبار سبق القيام على التكبير كما هو مقتضى المقدمة أيضا، فلا يكفي مقارنة التكبير لأول مصداق القيام حينئذ.

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام- الحديث 1 و 2.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 45- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 1.

(5) التهذيب ج 2- ص 353- الرقم 1466 من طبعة النجف.

224

كما أنه منه و من الموثق الآخر (1) يستفاد أن القعود كالقيام مع فرض وجوبه و هو كذلك، بل قد يلحق بذلك باقي الأحوال، ضرورة اشتراك الجميع في كون كل منها بدلا واقعيا كالتيمم بدل الوضوء، فلا يجزي و لو مع النسيان لعدم الخطاب به بل لعل التأمل الجيد في هذه النصوص يقتضي اعتبار ما يعتبر في القيام من الإقلال و نحوه في التكبيرة كما أومأ إليه الطباطبائي فيما تسمعه، فيكون ذلك كالشرط في التكبير و لا مانع من كون الشيء جزءا من جهة و شرطا من جهة أخرى، و لا ينافي ذلك عدم بطلان القراءة بنحو ذلك نسيانا، لأن أقصاه فوات القراءة نسيانا بفواته، و فواتها غير قادح لعدم كونها ركنا، بخلاف التكبيرة و القيام المتصل بالركوع مثلا، على أنه يمكن أن يقال: إن القيام و الطمأنينة فيه مثلا واجبان حال القراءة مثلا لا شرطان لها، و يتفرع على ذلك حينئذ عدم وجوب إعادة القراءة لو تركهما فيها ناسيا لفوات المحل باعتبار أن إعادتهما يقتضي إعادة القراءة جديدا، و قد امتثل الأمر بها، و لا أمر جديد بها، نعم لو قلنا بشرطية ذلك فيها على وجه ينعدم المشروط بانعدامهما و لو نسيانا اتجه حينئذ التدارك، لعدم إجزاء ما وقع منه أولا، و ذلك محتاج إلى التأمل التام في الأدلة لاستنباط الأمر المزبور الذي مقتضى الأصل عدمه بناء على الأعمية، فتأمل جيدا.

و كيف كان فمن إطلاق النصوص السابقة و أكثر الفتاوى و صريح البعض يستفاد أنه لا فرق في ذلك بين العمد و النسيان، و لا بين المنفرد و المأموم، بل لا خلاف أجده فيه كأصل الحكم الذي نقل الإجماع عليه في المحكي من إرشاد الجعفرية و غيره إلا ما يحكى عن الشيخ في المبسوط و الخلاف من أنه إن كبر المأموم تكبيرة واحدة للافتتاح و الركوع و أتى ببعض التكبير منحنيا صحت صلاته، و لا ريب في ضعفه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

225

و أضعف منه استدلاله عليه بأن الأصحاب حكموا بصحة هذا التكبير و انعقاد الصلاة به، و لم يفصلوا بين أن يكبر قائما أو يأتي به منحنيا، فمن ادعى البطلان احتاج إلى الدليل، إذ هو مع أنه لا يتم على القول بالإجمال مدفوع بأنك قد عرفت الدليل، بل مقتضى المقدمة التربص للمأموم في الجملة حتى يعلم وقوع التكبير تاما معه، و لو أنه تمسك بما ورد (1) في خصوص المأموم و الرخصة في المشي له لإدراك الامام و نحوه مما جاز لتحصيل فضيلة الجماعة لكان له وجه في الجملة و إن كان ضعيفا أيضا، لعدم ظهور شيء من الأدلة في سقوط خصوص القيام لذلك، بل أقصاه عدم الاستقرار، و الفرض انتفاء مسمى القيام، اللهم إلا أن يراد بالقيام الوقوف السكوني الذي ينافيه المشي و الاضطراب و القعود و غيرها كما تسمعه إن شاء الله في مبحثه، و لعله عليه بنى العلامة الطباطبائي في منظومته البطلان فيما لو سها و كبر غير مستقر أو ركع عن قيام لا استقرار فيه، بناء على دوران ركنية القيام على ما يقارنه أو يتصل به من الأركان فقال:

و تارك القرار سهوا لم يعد * * *إلا إذا بتركه ركن فقد

كالمشي في تكبيرة الإحرام * * *و في محل الركن من قيام

و فيه أنه بعد التسليم لا يتم بناء على حرمة القياس، ضرورة كون مورد الدليل المأموم مع عدم ظهوره في جواز التكبير غير مستقر أو غير مطمئن، بل ربما كان فيه إيماء إلى خلافه، و مرسل الجر (2) لا دلالة فيه على فعل ذلك حال التكبير و نحوه مما يعتبر فيه الطمأنينة، و من هنا قال في الذكرى: لم نعرف مأخذه، نعم قال في الفرض: هل ينعقد نافلة؟ الأقرب المنع، لعدم نيتها، و وجه الصحة حصول التقرب و القصد إلى الصلاة و التحريم بتكبيرة لا قيام فيها، و هي من خصائص النافلة، و لا يخفى عليك ما في الوجه الثاني، كما لا يخفى عليك أنه لا حاجة إلى البحث في اعتبار القيام حال النية و عدمه

____________

(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب صلاة الجماعة.

(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 4.

226

بعد أن اعتبرنا مقارنة النية للتكبير الذي أثبتنا اعتبار القيام فيه، فكل مقام يتصور البطلان فيه لفقد القيام في النية يحصل فيه فقده حال التكبير، اللهم إلا أن يقال: إنه بناء على أنها عبارة عن الحديث الذكري قد يتصور انفكاكها عنه بحصولها حال عدم الاعتدال مثلا إلى آخر جزء من التصور فاعتدل و كبر، نعم لو قيل ببساطتها بناء على ذلك أيضا لم يتصور ثمرة للبحث حينئذ، و هو لا يخلو من وجه، لكن لما كانت عندنا عبارة عن الداعي الذي لا يتصور فيه ذلك سهل الخطب، مع أنه لا ينبغي التأمل في اعتبار القيام فيها بناء على أنها جزء من الصلاة، لبعض ما سمعته في التكبير، و الله أعلم.

هذا كله في الواجب في التكبيرة،

[في بيان المسنون من تكبيرة الإحرام]

و أما المسنون فيها فأمور و إن اقتصر المصنف منها على أربع:

[أحدها أن يأتي بلفظ الجلالة من غير مد بين حروفها]

أحدها أن يأتي بلفظ الجلالة من غير مد بين حروفها جمعا بين الرجحان المستفاد من تعارف التلفظ بهذه الصورة المأخوذة يدا عن يد و بين جواز الجريان على القانون العربي لجواز الإشباع في الهمزة و نحوها من الحروف المتحركة في لغة العرب بحيث ينتهي إلى الحروف كما اعترف به في المنتهى، و إن كان هو غالبا في الضرورات و نحوها من المسجعات و ما يراعى فيه المناسبات، إلا أنه ظاهر في أنه لا يكون لحنا و إن كان في السعة، بل في الحدائق أنه شائع في كلام العرب، فتدبر، و لجواز المد في الألف كما عن جامع المقاصد التصريح به، بل عن المقاصد العلية و إن طال، و لعله هو المراد في استحباب تركه كما عن جماعة التصريح به، لا المد الطبيعي الذي لا بد منه في التلفظ بالألف، بل عن الفوائد الملية أنه لا يجوز تركه، كما عن بعض القراء استحسانه بقدر ألفين، هذا.

و لكن قد يناقش بأن الموافق لما ذكروه سابقا- مما يقتضي المحافظة على الصورة المتلقاة، و أنه لا يجوز تغييرها بوجه من الوجوه و إن وافق القانون العربي حتى لم يجوزوا الفصل بلفظ «تعالى» و لا إضافة من كل شيء و نحو ذلك- الوجوب لا الندب

227

بناء على أن المستند فيه ما عرفت، على أن دعوى جريان الإشباع في الحركات بحيث ينتهي إلى الحروف في السعة محل منع، و لذا صرح الفاضل في بعض كتبه و الشهيدان و العليان و غيرهم بالبطلان مع مد الهمزة في لفظ الجلالة بحيث ينتهي إلى ألف و تشتبه بالاستفهام و إن لم يكن مقصودا، كما صرح به بعض هؤلاء حتى الفاضل منهم، خلافا للمنتهى و التحرير فقصراه في المحكي عنهما على ما إذا قصد الاستفهام، ضرورة بنائهم ذلك على عدم جريانه على القانون العربي كما لا يخفى على من لاحظ و تدبر، و ربما يؤيده كيفية الكلام الآن في العرف و إنكاره نحو تلك الكيفية، و الظاهر اتحاده مع اللغة في ذلك و أنه ما تغير، على أنه إن كان مبناه المحافظة على الصورة يتم المطلوب الذي هو المناقشة في جواز المد، و كأنه لذلك نزل الشراح نحو العبارة على المد بالنسبة للألف أو على ما يشمل الهمزة، لكن لا بحيث يبلغ الحرف، و لا ريب أن الأحوط بل الأولى عدم ذلك كله، بل و عدم المد أيضا في ألف لفظ الجلالة، خروجا عن خلاف صريح الرياض و ظاهر المحكي عن المبسوط، و جمودا على المتيقن من الصورة في الفراغ من الشغل، و إن كان الذي يقوى في النظر جواز المد هنا، وفاقا للمشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا، إلا أن يخرق المعتاد في مثل هذه التكبيرة، و لعل وجه الاستحباب حينئذ حسن الاحتياط، لاحتمال اعتبار الشارع هذه الصورة التي ترك فيها المد و إن كان هو جاريا على القانون العربي، و مثل هذا الاحتمال- بعد ان لم يعلم من الشارع ملازمته لترك المد، و فرض موافقته للقانون الذي يجري في باقي أذكار الصلاة- يصلح وجها للاستحباب لا الحتم، و الإلزام، و منه بعد التأمل يعلم حينئذ اندفاع ما ذكر في أول المناقشة و إن كانت هي في خصوص الهمزة متجهة باعتبار إمكان منع جريانها على القانون مع المد فيها، فتأمل جيدا.

[ثانيها في استحباب أن يؤتى بلفظ الجلالة من غير مد]

كما أن من ذلك كله يعلم الوجه في الثاني من الأربع و هو الإتيان بلفظ

228

أكبر على وزن أفعل من غير إشباع مد لهمزتها و بأيها إما بحيث لا يصل إلى حد الحرف أو مع وصوله على الوجهين أو القولين، و التحقيق ما ذكرناه من عدم جواز ذلك بحيث يؤدي إلى الحرف، وفاقا للمشهور إما للمنع من موافقة القانون كما يشهد له العرف، و كيف و «أكبار» جمع كبر بالفتح، و هو الطبل، أو للمحافظة على الصورة المعهودة المتعارفة المتلقاة يدا عن يد، و مقتضاهما معا أنه لا فرق بين قصد الجمع في «أكبار» و عدمه كما هو ظاهر جماعة و صريح آخرين، فما عن المعتبر و المنتهى و التحرير من الفرق في «أكبار» بين قاصد الجمع و عدمه نحو ما سمعته في همزة لفظ الجلالة فيه ما لا يخفى، نعم لا يبعد الجواز إذا لم يصل إلى حد الحرف، و لعله هو المراد لمن عبر بالاستحباب، و وجهه حينئذ ما عرفت، و الله أعلم.

[ثالثها أن يسمع الامام من خلفه تلفظه بها]

و الثالث أن يسمع الامام من خلفه تلفظه بها على المشهور بين الأصحاب بل لم يعرف في المنتهى خلافا فيه، لما ورد مما هو مذكور في باب الجماعة من أنه ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه كل شيء يقوله، و المناقشة بأنه لا يتصف بالإمامة حالها يدفعها ظهور العبارة فيما تتناول مثله ممن هو مشرف عليها، كما يومي اليه إطلاق ذلك عليه في كثير من النصوص، منها

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1) الذي استدل به على خصوص المقام «و إن كنت إماما فإنه يجزيك أن تكبر واحدة تجهر فيها و تسر ستا»

و إن كان قد يناقش فيه بأن ظاهر لفظ «يجزيك» فيه أنه أقل المجزي مع أنه لا فرد أكمل من ذلك للإمام، اللهم إلا أن يقال: إن المراد منه هنا بقرينة غيره أن هذا هو المجزي لا غيره، و مقتضاه الوجوب لو لا الإجماع ظاهرا، و لفظ «ينبغي» فيما سمعته، و قد يناقش أيضا بأن الجهر أعم من إسماع المأمومين، و يدفعه أنه هو المراد منه على الظاهر خصوصا مع تأيده بالاعتبار، ضرورة أن الغرض من جهرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

229

بالواحدة و أسرار الباقي الاقتداء به، لعدم الاعتداد باحرامهم قبل إحرامه.

و منه يعلم حينئذ استحباب الإخفات في غيرها، كما يشهد له أيضا

خبر الحسن ابن راشد (1) سأل الرضا (عليه السلام) «عن تكبيرة الافتتاح فقال: سبع، قلت:

روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه كان يكبر واحدة يجهر فيها فقال: إن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يكبر واحدة يجهر بها و يسر ستا»

بل قد يستفاد كراهة الجهر بغيرها من

خبر أبي بصير (2) عن الصادق (عليه السلام) أيضا «إذا كنت إماما لم تجهر إلا بتكبيرة»

بناء على إرادة النهي من النفي فيه، و مفهومه يقتضي الرخصة في الجهر بأزيد من التكبيرة لغير الإمام، إلا أنه خرج عنه بالنسبة للمأموم للأدلة الدالة على النهي عن إسماعه الإمام شيئا مما يقوله، فيبقى المنفرد حينئذ، و يثبت جواز الجهر له بالجميع و الاسرار به و التلفيق، و هو الذي صرح به غير واحد لإطلاق الأدلة، فما يحكى عن الجعفي من استحباب رفع الصوت بها مطلقا مستنده غير واضح عدا ما سمعته من المحكي عن النبي (صلى الله عليه و آله)، و هو بيان للفعل الذي لا عموم فيه فيحتمل وقوعه كما هو الغالب جماعة، و لا دلالة في شيء من المفهوم المزبور، كمفهوم صحيح الحلبي، فتأمل جيدا.

[رابعها أن يرفع المصلي بها يديه]

و المستحب الرابع أن يرفع المصلي بها يديه على المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا، بل نفي الخلاف فيه بين العلماء عن المعتبر، و بين أهل العلم عن المنتهى، و بين علماء أهل الإسلام عن جامع المقاصد، بل عن الأمالي أن من دين الإمامية الإقرار به، خلافا للمرتضى فأوجبه فيما حكي عن انتصاره فيها و في كل تكبيرات الصلاة مدعيا عليه إجماع الطائفة، و لعله أراد به شدة الاستحباب بقرينة نقله الإجماع عليه، و هذا مظنته لا الوجوب بالمعنى المصطلح، إذ لم نعرف أحدا وافقه من قدماء

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 4.

230

الأصحاب و متأخريهم سوى ما يحكى عن الكاتب في خصوص تكبيرة الإحرام، نعم ربما مال اليه بعض متأخري المتأخرين كالاصبهاني في كشفه، و الكاشاني في مفاتيحه، و البحراني في حدائقه، لظاهر الأوامر كتابا (1) و سنة (2) التي لا معارض لها إلا الأصل الذي يجب الخروج بها عنه.

و فيه أنه لا يخفى على الخبير الممارس لأخبارهم (عليهم السلام) المتنبه لكيفية محاوراتهم و لما يومون إليه في تعبيراتهم ظهور هذه الأوامر في الندب، خصوصا مع ملاحظة فهم الأصحاب و شيوع الأمر في الاستحباب، مضافا إلى إشعار جملة من نصوص المقام به،

كالخبر (3) المروي عن مجمع البيان الوارد في تفسير قوله تعالى (4): «وَ انْحَرْ» «لما قال النبي (صلى الله عليه و آله) لجبرئيل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي فإنه قال له: ليست نحيرة، و لكنه يأمرك إذا تحرمت الصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت و إذا ركعت و إذا رفعت رأسك من الركوع، و إذا سجدت، فإنه صلاتنا و صلاة الملائكة في السماوات السبع، و إن لكل شيء زينة و إن زينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة»

و ك

قول الصادق (عليه السلام) لزرارة (5): «رفع يديك في الصلاة زينتها»

و كقوله (عليه السلام) (6) أيضا

و علي (عليه السلام) (7): «إن رفع اليدين هو العبودية»

و ك

قول الرضا (عليه السلام) للفضل (8): «انما رفع اليدان بالتكبير لأن رفع اليدين ضرب من الابتهال و التبتل و التضرع، فأحب الله عز و جل أن يكون العبد في وقت ذكره له متبتلا متضرعا مبتهلا، و لأن في رفع اليدين إحضار النية و إقبال القلب على ما قصد»

و زاد في المحكي عن العلل «و لأن الغرض من الذكر

____________

(1) سورة الكوثر- الآية 2.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 14.

(4) سورة الكوثر- الآية 2.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الركوع- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الركوع- الحديث 3.

(7) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الركوع- الحديث 8.

(8) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 11.

231

انما هو الاستفتاح، و كل سنة فإنما تؤدى على جهة الفرض، فلما أن كان في الاستفتاح الذي هو الفرض رفع اليدين أحب أن يؤدي السنة على جهة ما يؤدى الفرض» و ك

صحيح علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) «على الامام أن يرفع يده في الصلاة، ليس على غيره أن يرفع يده في الصلاة»

ضرورة وجوب حمله على تأكد الاستحباب و إلا كان مطرحا، و ك

خبر معاوية بن عمار (2) عن الصادق (عليه السلام) أيضا في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) «و عليك برفع يديك في صلاتك و تقلبهما»

بناء على إرادة الرفع للتكبير منه لا القنوت، لغلبة وصيته (صلى الله عليه و آله) له (عليه السلام) بالمندوبات، بل من المستبعد وصيته بالواجبات لعلو مرتبته عن تركها، كما يومي اليه زيادة على ذلك استقراء وصاياه له بها، و مضافا إلى إشعار سلكه في غيره مما علم ندبيته، على أن إرادة الندب من هذه الأوامر أولى من التجوز فيها بإرادة الواجب الشرعي منها بالنسبة إلى تكبيرة الإحرام و الشرطي في غيرها، لشيوع المجاز الأول شيوعا لا يعارضه غيره، حتى قيل: إنه مساو للحقيقة، و احتمال إرادة وجوب الرفع في نفسه أو وجوب جميع تكبير الصلاة في غاية الضعف، و بالجملة لا يكاد يخفى على السارد للأخبار هنا- بعد فرض كونه من أهل اللسان و المعرفة بأخبارهم (عليهم السلام) و المهتدين في ظلمة الضلال بأنوارهم- أن المراد من هذه الأوامر الاستحباب، و الله أعلم.

و كيف كان فليكن الرفع ليديه إلى حذاء أذنيه أي شحمتيهما، لأنهما أول الغاية كما هو معقد المحكي من إجماع الخلاف و عبارة كثير من الأصحاب، بل هو نص المحكي من عبارة فقه الرضا (عليه السلام) (3) و المنسوب إلى رواية في

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 8.

(3) فقه الرضا (عليه السلام) ص 7.

232

المحكي عن المعتبر و غيره، بل لعله المستفاد من النهي في النصوص (1) المعتبرة عن مجاوزة الأذنين المحمول عند بعض الأصحاب على الكراهة، مع أن مقتضى أصالة الحقيقة و اعتبار الرواية الحرمة، لعدم المعارض إلا الأصل الذي لا يعارض الدليل، و لعله هو ظاهر المحكي عن المقنعة و جمل السيد و المراسم، و هل المكروه أو المحرم حينئذ المجاوزة، لتحقق المأمور به و صدق الامتثال قبلها، أو مجموع الرفع، لاختلاف الهيئة و كونه رفعا واحدا عرفا؟ وجهان، أقواهما الأول، و لعل بناء الكراهة على الثاني كي يكون حينئذ من مكروه العبادة، و هو كما ترى، فتأمل.

أو يكون الرفع أسفل من الوجه قليلا ك ما فعله الصادق (عليه السلام) على ما رواه معاوية بن عمار (2) و روى صفوان بن مهران (3) انه رآه يرفعهما حتى يكاد يبلغ أذنيه، و لعله اليه يرجع ما في كثير من الروايات من الرفع حذاء الوجه (4) أو حياله (5) أو قباله (6) أو حيال الخدين (7) و إلا كان فردا آخرا، كما أن الأمر به إلى النحر المروي في المرسل (8) عن علي (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى «وَ انْحَرْ» كذلك إن لم يكن الأسفل من الوجه راجعا اليه، و إلا اتحد معه، لكن في أكثر النصوص بل لم يعثر في الحدائق على خبر فيه الرفع إلى النحر تفسيره بحذاء الوجه، و لعله لأنهما حالة رفعهما إلى حذاء الوجه يحيطان بالنحر الذي هو موضع القلادة و أعلى الصدر.

و بالجملة إن لم يرجع جميع ما في هذه النصوص إلى شيء واحد كان المتجه التخيير مع تفاوت مراتب الاستحباب أو بدونه، عملا بالجميع لعدم المنافاة، و عدم ثبوت

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

(7) الوسائل- الباب- 10- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 2.

(8) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام الحديث 15.

233

التكليف بكيفية واحدة الرفع، فأعلاها الرفع إلى الأذنين، و أسفلها النحر، و ظاهر الأستاذ في كشف الغطاء التخيير من دون تفاوت في الفضيلة، قال: «و يستحب فيها كغيرها من التكبيرات رفع اليدين إلى شحمتي الأذنين أو المنكبين أو الخدين أو الأذنين أو الوجه أو النحر» لكن لا يخفى عليك دخول البعض في البعض، و أنه لا دليل على المنكبين و إن حكي عن الحسن بن عيسى أنه جعله أحد الفردين و الثاني الخدين، اللهم إلا أن يكون الدليل ما يحكى عن الشيخ من نسبته إلى رواية عن أهل البيت بعد أن حكاه عن الشافعي، للتسامح في المستحب، و الأمر سهل بناء على أن ذلك كله مستحب في مستحب عملا بإطلاق الأمر بالرفع الذي لا ينبغي حمله على المقيد فيها، لعدم التعارض و التنافي المقتضي لذلك، بخلافه في الواجبات، اللهم إلا أن يدعى أنه- بناء على التحقيق من عدم التجوز في حمل المطلق على المقيد، و ان المراد من المطلق مطلق الطبيعة التي لا تنافي المقيد لا الطبيعة المطلقة- يفهم أهل العرف اتحاد الطلب المتعلق بهما، و أن التقييد إعادة ذلك الطلب الذي تعلق في الطبيعة مع ذكر القيد لا أنه مرتبة أخرى من الطلب حتى يكون ذلك أمرين لا تعارض بينهما بسبب تفاوت مراتب الطلب، بخلاف الوجوب، و لعل هذا هو الأقوى في أصل القاعدة التي لا ينبغي الخروج عنها إلا بظاهر الأدلة، و ربما كان المقام منها بدعوى ظهورها في عدم اعتبار ذلك في أصل استحباب الرفع كما يومي اليه في الجملة أيضا الأمر به (1) من دون تكبير لرفع الرأس من الركوع، بل لعل ظاهر الأدلة أيضا عدم اعتبار أصل الرفع في استحباب التكبير.

بل قد يقال بعدم اعتبار معية اليدين فيه أيضا، إما لأن المثنى بالنسبة إلى فرديه كالعام، أو لإطلاق بعض الأدلة أو غير ذلك و إن كان لا يخلو من إشكال

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الركوع- الحديث 2 و 3.

234

لاحتمال اعتبار الهيئة، فتأمل، بل قد يدعى استفادة رجحان الرفع أيضا في نفسه في حال الخطاب بالتكبيرة من غير اعتباره أي التكبير فيه شرطا خصوصا من نحو التعليل الوارد عن الرضا (عليه السلام) المتقدم سابقا، فلاحظ و تأمل، و لعله على ذلك بنى بعض الأصحاب كراهة مجاوزة الأذنين و الرأس في الرفع، لكونه فردا من المستحب الذي يجب حمل النهي فيه على الكراهية بمعنى أقلية الثواب لا غيره و إن كان فيه نظر كالنظر فيما دل على النهي عن تجاوز الرأس بالخصوص، إذ ليس هو إلا

المرسل (1) المروي في بعض كتب الفروع لأصحابنا «انه مر علي (عليه السلام) برجل يصلي و قد رفع يديه فوق رأسه فقال: مالي أرى قوما يرفعون أيديهم فوق رؤوسهم كأنها آذان خيل شمس»

و الظاهر أنه عامي، و عن بعضهم إبدال «آذان» بأذناب، و إرادة القنوت منه الذي ورد النهي عنه في خبر أبي بصير (2) عن الصادق (عليه السلام) أظهر، قال: «إذا افتتحت الصلاة فكبرت فلا تجاوز أذنيك، و لا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك»

لكن العامة لما لم يشرع القنوت عندهم في الصلاة لم يكن لهم بد من حمل المرسل المزبور عندهم على الرفع في التكبير مثلا، لكن و مع ذلك كله فينبغي تركه في التكبير و في القنوت في الفريضة، بل و في مطلق الدعاء فيها.

ثم إنه قد يدعى ظهور المتن و غيره ممن عبر كعبارته فيما هو المشهور بين الأصحاب بل عن المعتبر و المنتهى نسبته إلى علمائنا مشعرا بدعوى الإجماع عليه من أنه يبتدى في التكبير بابتداء رفع يديه و ينتهي بانتهائه و يرسلهما بعد ذلك، لأنه هو معنى الرفع بالتكبير كما اعترف به في الحدائق إلا أنه أنكر وجود نص بهذه العبارة، و فيه ان

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 4 و فيه «عن على (عليه السلام) ان النبي (صلى الله عليه و آله) مر برجل».

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 5.

235

النص موجود، و لكن دعوى أن هذا هو المعنى لا يخلو من نظر، اللهم إلا أن يراد تمام الرفع المطلوب ملاصقا للتكبير أو مصاحبا له فيكون نحو قولك: «سر بزيد إلى البصرة» فتأمل. نعم لا ريب في أنه قد يستفاد منه المقارنة العرفية في الابتداء، بل لعله يستفاد من لفظ حين و إذا و عند و نحوها في غيره من النصوص (1) كما أنه ينبغي القطع بعدم اعتبار المطابقة ابتداء و وسطا و انتهاء، لإطلاق الأدلة و السيرة القطعية و عدم تيسرها في غالب الأوقات، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي في قوله:

و الاقتران فيه يكفي مطلقا * * *فالانطباق قل أن يتفقا

و إن كان الظاهر إرادة الابتداء و الانتهاء من الاقتران فيه بدليل قوله قبل ذلك بلا فصل:

يبدأ بالتكبير حين ما رفع * * *و ينتهي بالانتهاء ثم يضع

و كيف كان فالأمر سهل بناء على أن ذلك مستحب في مستحب، ضرورة ظهور الأدلة في أن الأمر أوسع من ذلك كما لا يخفى على من لاحظ مضامينها على حسب نظائرها من مضامين خطابات أهل العرف التي لا تبتنى على نحو هذه التدقيقات، فتأمل جيدا.

و أما ما قيل من أن الوظيفة فيه أن يبتدئ بالتكبير حال إرسال اليدين فلم أعرف له نصا صريحا أو ظاهرا ظهورا معتبرا فيه، اللهم إلا أن يدعى ظهوره من

صحيح الحلبي أو حسنته (2) المتقدمة «إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات»

بناء على أن المراد إذا أردت أن تفتتح الصلاة، و أن المراد بالبسط الإرسال، و ان الافتتاح بهذه التكبيرات الثلاثة لا بتكبيرة سابقه عليها،

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1 و 2 و 14.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

236

و إلا كانت التكبيرات ثمانية، لذكره أربعة أخر في الخبر المزبور بعد ذلك، فلاحظ، لكنه كما ترى.

و من هنا جعله في الحدائق ظاهرا في القول الثالث، و هو أن يكبر بعد تمام الرفع، ثم يرسل يديه مدعيا أن المعنى إذا أردت أن تفتتح الصلاة فارفع يديك و كبر ثم ابسطهما بسطا أي أرسلهما ثم كبر ثلاث تكبيرات، نحو قوله تعالى (1) «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» أي وصلوا، و إن أريد من البسط فتح باطن الكف مقابل ضمه قدر الأمر بالافتتاح حينئذ بعده، لأنه هو حينئذ مع رفع اليدين جواب الشرط، و كأنه بناه على ما فهم من خصوص هذا الصحيح في المسألة السابقة من أن تكبيرة الافتتاح فيه سابقه على هذه الثلاثة، و فيه ما عرفت من صيرورة التكبيرات حينئذ ثمانية، و الأولى حمل الخبر المزبور على عدم إرادة الترتيب من «ثم» فيه، و أن المراد من البسط فتح الكف فيه، و أن التكبيرات الثلاثة هي الافتتاح المذكور أولا، فيكون كغيره حينئذ من النصوص إذا افتتحت الصلاة بأن كبرت فارفع يديك، و يكون الشرط حينئذ ظرفا للجواب من غير حاجة إلى تقدير الإرادة، لعدم المقتضي، بخلافه في الآية الشريفة، و من ذلك يظهر لك ما في كلامه أيضا من أنه كالصحيح المزبور في هذا الظهور

صحيح صفوان (2) «إذا كبر في الصلاة رفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه»

ضرورة ظهور هذا الصحيح في إرادة الرفع وقت التكبير لا إرادته كي يكون سابقا عليه في الزمان، فتأمل. و لو سلم دلالته أو سابقه على ذلك كان المتجه التخيير بين الكيفيتين جمعا بين النصوص.

ثم إن الظاهر استحباب ضم ما عدا الإبهام من الأصابع، بل قيل: إن ظاهرهم

____________

(1) سورة المائدة- الآية 8.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

237

الاتفاق عليه، و الخلاف في الإبهام ضما و تفريقا، و لعله لظاهر خبر حماد (1) المشتمل على تعليم الصلاة، فإنه و إن لم يذكر الرفع فيه إلا أنه قد اشتمل على أنه (عليه السلام) قام مستقبل القبلة منتصبا فأرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم أصابعه، و الظاهر بقرينة أنه (عليه السلام) أراد وصف الصلاة التامة الحدود أن ذلك مقدمة للرفع، إذ من المستبعد عدمه فيها، و ليس هو مستحبا قبله و قبل الدخول في الصلاة، مضافا إلى ما عساه يفهم من المحكي عن الذكرى من أنه منصوص، إذ ليس ما يحكيه إلا كما يرويه، قال:

و لتكن الأصابع مضمومة، و في الإبهام قولان، و فرقه أولى، و اختاره ابن إدريس تبعا للمفيد و ابن البراج، و كل ذلك منصوص، و إلى

المروي عن أصل زيد النرسي (2) «أنه رأى أبا الحسن الأول (عليه السلام) إذا كبر في الصلاة ألزق أصابع يديه الإبهام و السبابة و الوسطى و التي تليها، و فرج بينها و بين الخنصر»

و إن كان ذيله شاذا كما اعترف به العلامة الطباطبائي في منظومته، إذ هو لا ينافي العمل بغيره حتى في ضم الإبهام، لعدم المعارض المقاوم له بالنسبة اليه و إن كان لا يخلو من إشكال أيضا، و لذا قال العلامة الطباطبائي:

و ليس يخلو الحكم في الإبهام * * *في الضم و القبلة من إبهام

و مراده من القبلة الاستقبال، لأنه ورد في النص (3) الأمر باستقبال القبلة بباطن الكف حال الرفع، و في شموله للإبهام حينئذ تأمل.

ثم لا يخفى عليك جريان هذه الأحكام بل و غيرها من قيام الترجمة و نحوها في الواجب و المندوب من التكبير، كما لا يخفى عليك جريان الأحكام السابقة لتكبيرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 6.

238

الإحرام على إبدالها من الترجمة و إشارة الأخرس و غيرها و إن لم يرد في النصوص التصريح بلفظ البدلية، لكنه متفق عليه بحسب الظاهر، و الله أعلم.

[الثالث القيام]

الواجب الثالث من أفعال الصلاة كتابا (1) و سنة متواترة و إجماعا بقسميه.

القيام و احتمال شرطية القيام لسائر أجزاء الصلاة كالاستقبال و الطهارة فلا وجوب له إلا غيري مخالف لظاهر بعض النصوص (2) و سائر الفتاوى و الإجماعات المحكية و إن كان ربما يشهد له بعض الشواهد

[في بيان المراد من الركن]

و كيف كان ف هو ركن في كل ركعة من ركعات الصلاة مع القدرة، فمن أخل به فيها فجاء بها بدونه عمدا أو سهوا بطلت صلاته إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا أو متواترا، و هو الحجة في الخروج عن إطلاق ما دل على اغتفار السهو في الصلاة من

قوله (صلى الله عليه و آله) (3): «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان»

المحمول على أقرب المجازات لحقيقة الرفع، و هو الإثم و الفساد، و قاعدة أولوية الله بالعذر في كلما يغلب عليه التي ورد (4) فيها أنه ينفتح منها ألف باب، و قوله (عليه السلام) (5): «تسجد سجدتي السهو لكل زيادة و نقيصة»

الظاهر في الصحة مع كل منهما، و قوله (عليه السلام) (6): «لا تعاد الصلاة إلا من

____________

(1) سورة آل عمران- الآية 188.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام.

(3) الوسائل- الباب- 56- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 9.

(5) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 29- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

239

خمسة»

إن لم نقل باعتبار الانحناء من القيام في مسمى الركوع مطلقا أو في الفريضة، و إلا فلا حاجة حينئذ إلى تقييدها بما عرفت، بل لعله كذلك على كل حال، ضرورة ندرة نسيان القيام دون الركوع ندرة لا يحمل عليها النص المزبور، فلعله ترك ذكر القيام فيه لذلك، كالمحكي عن الحسن بن عيسى و نهاية الشيخ و ابن زهرة و سلار، على أن التعارض بين ما دل على اعتبار القيام في الصلاة مثل

قوله (ع) (1): «من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له»

و غيره و بين الإطلاقات السابقة تعارض العموم من وجه، إذ دعوى ظهور هذه الأدلة في العمد محل منع، و لا ريب في ترجيح المقام، لأقلية أفراده و الإجماعات و قاعدة انتفاء المركب بانتفاء بعض أجزائه و غير ذلك.

و المعروف في الركن هو ما يبطل زيادته و نقصه الصلاة عمدا و سهوا، بل عن المهذب البارع نسبته إلى الفقهاء، لكن ظاهر المتن و غيره ممن عبر كعبارته في المقام و غيره الاكتفاء في إطلاق الركن بالثاني، بل عن جامع المقاصد و الروض نسبته إلى أصحابنا، بل لعل ذلك خاصة هو مقتضى القاعدة السابقة دون الزيادة التي جاء بها المكلف في أثناء العمل لا أول النية، إذ دعوى كون الأصل فيها البطلان، لأن العبادة من المركبات كمعاجين الأطباء التي يقدح كل منهما فيها مبنية على أنها اسم للصحيح الذي هو مجمل، و لم تف الأدلة في بيانه، و أنه يجب على المكلف الإتيان بما يعلم وجود الصحيح فيه، و هو كما ترى فساد في فساد.

نعم قد يستند في بطلان الزيادة إلى إطلاق

الصحيح (2) «من زاد في صلاته فعليه الإعادة»

و نحوه، و هو مع ظهوره في العمد يحتمل إرادة الركوع أو الركعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

240

بقرينة غيره من النصوص (1) الواردة بهذا اللفظ مع التقييد بالركعة، بل قد يظهر من مفهوم بعضها (2) عدم البطلان بغيرها من السجدة و نحوها، و كونه تشريعا في أثناء العمل- مع أنه أيضا انما يتم في العمد خاصة- لا يقتضي إلا الإثم دون الفساد، خصوصا في التشريع بالخصوصية بعد فرض مشروعية الكلي كالذكر و الدعاء و نحوهما، فدعوى أن الأصل في الزيادة مطلق الابطال عمدا أو سهوا محل منع بناء على المختار من أن الصلاة اسم للأعم، كدعوى ظهور الأدلة الواردة في بيان الصلاة في أنها عبارة عن هذه الأجزاء التي لا تزيد و لا تنقص، ضرورة عدم دلالتها على أزيد من أن الصلاة عبارة عن الأجزاء المعلومة التي يصدق الإتيان بها مع الزيادة عليها أيضا، و تشبيهها بالمعجون الذي هو من المركبات الحسية و هم في وهم، و إلا لاقتضى بطلانها بمطلق ما يصدر في أثنائها من غيرها، و هو معلوم البطلان، هذا.

و لكن قد يشهد للبطلان بذلك ما اشتهر في جملة من النصوص (3) «انه لا عمل في الصلاة»

بناء على إرادة التشريع منه، كما يشهد له موارد العبارات المزبورة، و يأتي في التكفير إن شاء الله بعضها، لكن الجزم بذلك موقوف على ملاحظة تلك النصوص و اعتبارها سندا و دلالة، فيتجه البطلان في مطلق التشريع لا الزيادة مطلقا، كما أنه يتجه البطلان لو زاد فيها ما يخرجها عن هيئة الصلاة و يمحو صورتها، و البطلان حقيقة فيه لذلك لا للزيادة من حيث أنها زيادة، بل لو حصل المحو المزبور بما ثبت جواز فعله في أثناء الصلاة اتجه البطلان أيضا، فلعل من اقتصر في إطلاق الركن على الإخلال بالنقيصة خاصة عمدا و سهوا كالمصنف و غيره لحظ ذلك، مضافا إلى أن علاقة

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الركوع.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الركوع.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب قواطع الصلاة- الحديث 4.

241

المجاز فيه أو مناسبة النقل أوضح من الزيادة، ضرورة حصول الفساد في ذي الأركان الحسية بالنقيصة دون الزيادة، فلا جهة حينئذ لما يورد هنا على إطلاق الركنية في القيام بأن زيادته و نقيصته غير قادحة، إذ لا تبطل صلاة من قام في محل القعود سهوا مثلا، و لا من نسي القراءة فركع، أو قرأ و هو جالس، لما عرفت من أن الزيادة غير معتبرة في مفهوم الركن في كلام كثير منهم و إن اشتهر على لسان جماعة من المتأخرين، قال في المعتبر في بحث التسليم: «إنما نعني بالركن ما يبطل الصلاة بالإخلال به عمدا و سهوا» و قال في الروضة: «و لم يذكر المصنف حكم زيادة الركن مع كون المشهور أن زيادته على حد نقيصته تنبيهها على فساد الكلية في طرف الزيادة، لتخلفه في مواضع كثيرة لا تبطل بزيادته سهوا» إلى آخره. و هو مما يشهد لما ذكرنا في الجملة، لا يقال: إن التخلف للدليل غير قادح، لأنا نقول: إنك قد عرفت عدم وجود لفظ الركن في النصوص، و انما هو اصطلاح صدر منهم بعد مراعاة الأدلة، فأطلقوه على ما ثبت فيها أن له تلك الخاصة، و يجب في مثل هذه القواعد المستنبطة العموم، و ليس هو إلا في طرف النقيصة، فتأمل جيدا، هذا.

و يمكن أن يقال هنا: إن المراد بزيادة الركن المبطلة أن يزاد تمام الركن كالركوع و السجدتين بناء على أن المراد مجموع القيام ركن، إذ لا يحصل حينئذ إلا بزيادة تمام القيام حتى المتصل منه بالركوع وحده أو مع التكبير المستلزم لزيادتهما، و إلا ففي الفرض زيادة قيام لا القيام المحكوم بركنيته، و أما النقيصة فقد سمعت أن المراد بقولنا: القيام ركن نحو قولهم: السجود ركن و الركوع ركن أي إذا فقدت الركعة القيام أصلا أو الركوع أصلا أو السجود أصلا بطلت الصلاة، و هو كذلك هنا إجماعا محصلا و منقولا إذ من سها و ركع من جلوس بلا قيام أصلا بطلت صلاته عمدا أو سهوا و إن كان في حال الركوع قام منحنيا، و المناقشة بأن ذلك ليس بركوع- لاعتبار الانحناء من

242

قيام فيه مطلقا، أو في المعتبر منه في الصلاة المحكوم بركنيته، و بأن زيادته مبطلة كما لا يخفى على من لاحظ ما دل على ذلك من النصوص، لا أقل من أن يكون المجرد عن قيام أصلا فرد نادر لا تشمله الإطلاقات، فيتدارك حينئذ القيام و الركوع و صحت صلاته ما لم يكن قد دخل في السجود، فيبطل حينئذ لفقد الركوع و القيام في الفرض لا القيام خاصة- يدفعها أن حاصلها عدم تصور نقصان القيام أصلا من دون الركوع و أنهما متلازمان كالزيادة كما صرح به بعضهم، و حكاه في الرياض مناقشا فيه تبعا للأردبيلي بالفرض المزبور المبني على عدم اعتبار القيام في الركوع و لا في ركنيته، و أنه يسمى ركوعا حقيقة كما في الحدائق مستظهرا له من صاحب القاموس، و لئن سلم له ذلك لغة فلا نسلم له أنه هو الذي جعله الشارع ركنا، و أبطل الصلاة بزيادته و نقصه كما لا يخفى على من لاحظ النصوص، و على كل حال فحاصل المناقشة المزبورة غير قادح في المطلوب الذي هو إثبات ركنية القيام بمعنى أنه متى نقص القيام كنقيصة غيره من الأركان أي لم يأت به أصلا في الركعة بطلت الصلاة، و لو فرض استلزامه لترك الركوع كما هو مقتضى المناقشة لم يقدح استناد البطلان إليهما، إذ علل الشرع معرفات.

و من ذلك كله ظهر لك أنه لا وجه للاعتراض على المتن و نحوه مما أطلق ركنيته فيه بأن عدم قدح زيادته و نقيصته ينافي الركنية، و لا حاجة إلى الجواب عنه بأن الخروج للدليل لا ينافي ذلك، بل و لا إلى المحكي عن بعض فوائد الشهيد من أن القيام يتبع ما وقع فيه في الركنية و الوجوب خاصة و الندبية، و أنه لا واجب أصلي منه إلا المتصل بالركوع خاصة منه، و ذلك هو الركن و إن كان لا يتصور زيادته إلا بزيادة الركوع، بل و لا النقيصة بناء على ما عرفت، إلا أن علل الشرع معرفات، و إن كان هو عند التأمل و التفكيك بعينه مراد الفقهاء كما اعترف به الأستاذ الأكبر في حاشيته على المدارك.

243

بل لعل ذلك الإطلاق الذي قد عرفت أن المراد منه البطلان مع الترك أصلا على حسب قولهم: السجود ركن أولى من ذلك، لسلامته عن المناقشة بأن القيام و إن طال فرد واحد للطبيعة، و الآتي بأعلى الأفراد منه ليس ممتثلا إلا امتثالا واحدا، فكيف يجوز اختلافه في الوجوبية و الندبية، و الوجوبية و الركنية من دون مقتض، نعم ليس هو واحدا بسيطا لا يجوز للشارع إيجابه و ندبه، بل هو مركب ذو أجزاء يجوز للشارع أن يفرق بين أجزائه في ذلك، لكن ليس في القيام إلا أمر بطبيعة و أمر بالقراءة مثلا حاله و ندب للقنوت، و هذا لا يقتضي ندبية القيام، ضرورة أنه لا منافاة بين وجوب القيام و ندب نفس الفعل كما في الدعاء حال الوقوف بعرفة مثلا، و جواز ترك القيام المقارن للقنوت بترك القنوت معه لا يقتضي الندب أيضا بعد أن كان الترك إلى بدل، و هو الفرد الآخر من القيام الذي هو أقصر من هذا الفرد مثلا، كما هو شأن سائر الواجبات التخييرية، بل يمكن أن يقال: إنه لا جزء مندوب في الصلاة أصلا، و مرجع الجميع إلى أفضل أفراد الواجب التخييري، و إلا فلا يتصور انتزاع كليات هذه الأجزاء و تسميتها باسم الصلاة و جعلها متعلقة الأمر الوجوبي مع ندبية بعض الأجزاء، مع أن الأمر إذا تعلق بكل جرى إلى أجزائه قطعا، و لذا لا يجوز مخالفة حكم الأجزاء للجملة كما هو واضح، فمعنى ندبية القنوت حينئذ أن له تركه و العدول إلى فرد آخر من أفراد الصلاة، إذ الصلاة اسم جنس تحته أنواع مختلفة، و كلها مورد للامتثال، إلا أن الأفضل اختيار النوع المشتمل على مثل القنوت و نحوه و دعوى أن القنوت و نحوه من الأجزاء المندوبة أجزاء للفرد لا أجزاء لمسمى الاسم، و إن أطلق فهو من التسامحات يدفعها فرض البحث في كون ذلك و أمثاله من أجزاء مسمى الاسم حقيقة، لا الفرد الذي لا يطلق عليه الاسم إلا باعتبار حلول الطبيعة فيه، فتأمل جيدا.

244

و لسلامته أيضا من ظهور لفظ الاتصال في انحصار المبطل زيادة و نقصا في خصوص ذلك الجزء المقارن دون غيره، و لم نعرف له دليلا، و مقتضاه بطلان صلاة من سها و جلس بعد إكمال القراءة أو في أثنائها أو قبلها، و بالجملة أحرز طبيعة القيام في الركعة و قبل أن يدخل في السجود ذكر أنه لم يركع و قام منحنيا إلى حد الركوع ناسيا ثم سجد، بناء على أن مثله يعد ركوعا، ضرورة أنه لم يأت بالمقارن للركوع من القيام الذي ظاهر العبارة ركنيته، و فيه أن أقصى ما يستفاد من الأدلة بطلان الصلاة بفقد أصل القيام في الركعة لا جزء منه، و أنه يكفي حال السهو تعقب الركوع للقيام، فكان الشارع يلغي هذه الواسطة المتخللة، و يوصل هذا الركوع بذلك القيام، و إيجاب الانتصاب حال التذكر لخصوص النص (1) عليه، أو للمحافظة على الهوي للركوع و السجود كما عللوه به في أحكام الخلل لا لتحصيل القيام المتصل بالركوع، و يومي إلى ذلك في الجملة تصريح البعض فيما لو كان نسيانه بعد الهوي قبل الوصول إلى حد الركوع بأنه يجب عليه أن يقول منحنيا إلى ذلك الحد الذي نسي عنده، مع أن مقتضى ركنية ذلك الجزء المقارن أن يقوم منتصبا ثم يركع، ضرورة عدم قابلية ما لحق التلفيق بما سبق بحيث يحصل القيام المتصل بالركوع، فتأمل.

بل قد يدعى ظهور العبارة في بطلان صلاة من نسي القراءة أو بعضها و ركع، لعدم حصول القيام المتصل بالركوع، ضرورة وقوعه في حال قيام القراءة، اللهم إلا أن يدعى أنه مع نسيان القراءة ذهب القيام الذي كان لها، فكأن المكلف وصل إلى القيام المتصل بالركوع و نسي القراءة و مقدماتها، و الأمر في ذلك سهل، بل في الرياض أنه لم يظهر لي ثمرة لهذا البحث من أصله بعد الاتفاق على عدم ضرر في نقصانه بنسيان القراءة و أبعاضها، و بزيادته في غير المحل سهوا، و بطلان الصلاة بالإخلال بما كان منه

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب القيام- الحديث 1.

245

في تكبيرة الإحرام و قبل الركوع مطلقا، نعم اتفاقهم على البطلان في المقامين كاشف عن ركنيته فيهما، و ثمرتها فساد الصلاة لو أتي بهما من غير قيام، قال: «و من ذلك ينقدح وجه النظر فيما قيل من أنه لولا الإجماع على الركنية لأمكن القدح فيها، لأن زيادته و نقصه لا يبطلان إلا مع اقترانه بالركوع، و معه يستغنى عن القيام، لأن الركوع كاف في البطلان، لمنع الحصر في قوله: «إلا مع اقترانه بالركوع» أولا، لما عرفت من البطلان بالإخلال به في التكبير أيضا و توجه النظر إلى قوله: «و الركوع كاف في البطلان» ثانيا، لمنع التلازم بين ترك القيام قبل الركوع و بين تركه، لتخلف ترك القيام عن تركه فيما لو أتى به عن جلوس، لأنه ركوع حقيقة عرفا، و لا وجه لفساد الصلاة حينئذ إلا ترك القيام جدا» انتهى مشتملا على الجيد و غيره كما يعرف مما مر، مع زيادة إمكان أن يقال: إن مطلوب المعترض أصل القيام المعتبر في سائر الصلاة لنفسه لا التبعي للتكبير أو غيره، مع احتمال أن الفساد هناك من جهة ظهور الأدلة في اشتراط صحة التكبير بالقيام لا أنه جزء من الصلاة حاله، فالبطلان حينئذ لاختلال الشرط كالطهارة و الاستقبال لا لفقد جزء من حيث أنه جزء كما هو المتعارف في الركن، و لعله عليه بنى البطلان العلامة الطباطبائي في صورة نسيان الاستقرار حال التكبير أو حال الركوع بناء على ركنية المتصل منه، فضلا عن نسيان القيام نفسه كما سمعته سابقا في بحث التكبير و إن كان هو لا يخلو من نظر في نحو الواقف المضطرب سهوا مما لا يخرج عن هيئة الصلاة عرفا، فان شمول ما دل على الشرطية لصورة السهو فيه منع، خصوصا مع عدم ركنية الطمأنينة عندنا في شيء من الركوع و السجود و نحوهما كما ستعرف إن شاء الله.

[في أن المرجع في القيام إلى العرف]

و المرجع في القيام إلى العرف كما في سائر الألفاظ التي لم يعلم فيها للشرع إرادة خاصة، ضرورة أن ليس في النصوص هنا إلا الأمر بالقيام، و أن من لم يقم صلبه

246

فلا صلاة له، نعم في مرسل حريز (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قلت له «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» قال: «النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه و نحره.

و الصلب كما في المجمل و مختصر النهاية الظهر، و عظم من الكاهل إلى أصل الذنب كما في الحدائق، و على كل حال فما حده به غير واحد من الأصحاب من نصب فقرات الظهر أي خرزة لا يراد منه أمر زائد على العرف، و لذا تسامحوا في ذلك، إذ ليس هو تمام معنى القيام، فان الجالس فضلا عن غيره فقرات ظهره منصوبة، و كأنهم قصدوا بذلك إخراج بعض الاستعمالات الواقعة من سواد أهل العرف الذين غالبا يخفى عليهم العرف الصحيح، كإطلاق القائم هنا على بعض أفراد المنحني، و لا ريب في خطأه، إذ ليس القيام إلا الاعتدال، و لعل منه الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج، و المرسل السابق يراد من الاعتدال فيه إقامة النحر التي هي ليست مأخوذة في مفهوم القيام قطعا كما ستعرف، لا غيره كي يقال: إنه ظاهر في تحقق مصداق القيام من دون اعتدال، و أنه أمر زائد معتبر فيه.

نعم لا ريب في عدم اعتبار الإقلال في مفهومه و إن حكي عن ظاهر المحقق الثاني و فخر المحققين، و أوهمته عبارة والده في القواعد، ضرورة صدق القيام حقيقة على الحاصل باستناد من خشبة و غيرها بحيث لولاها لسقط، و دعوى أنه في صورة للقيام لا قائم حقيقة كبعض الراكبين بل هو اشتباه في العرف أو مجاز ممنوعة أشد المنع و إن كان ربما تسلم في بعض أفراد السناد، كما إذا صار هو مستقلا في ذلك و ليس للقائم مشاركة فيه أبدا و أصلا نحو المشدود بحبل و نحوه، فتأمل. و عدم جوازه في الصلاة اختيارا عند المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل لعلها كذلك، إذ لا نعرف فيه خلافا إلا من المحكي عن أبي الصلاح لا لاعتباره في مفهوم القيام، بل لدعوى

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام- الحديث 3.

247

انسياقه إلى الذهن من إطلاق لفظ القائم و نحوه من المشتمل على النسبة و إن كان فيها ما فيها، و لأنه المعهود الواقع من النبي و الأئمة (صلوات الله عليهم) الذين قد أمرنا بالتأسي بهم، خصوصا في الصلاة الوارد (1) فيها «صلوا كما رأيتموني أصلي»

و ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (2) «لا تستند بخمرك و أنت تصلي، و لا تستند إلى جدار إلا أن تكون مريضا» و الخبر المروي (3) عن قرب الاسناد «عن الصلاة قاعدا أو متوكئا على عصا أو حائط فقال: لا»

و للإجماع المحكي عن مختلف الفاضل المؤيد بما عرفت، و بما قيل من إشعار عبارة الصيمري به أيضا حيث نسب رواية المخالف إلى الشذوذ، لكن

سأل ابن بكير الصادق (عليه السلام) في الموثق (4) «عن الرجل يصلي يتوكأ على عصا أو على حائط فقال: لا بأس بالتوكأ على عصا و الاتكاء على حائط» و علي بن جعفر أخاه موسى (عليه السلام) في الصحيح (5) «عن الرجل هل يصلح له أن يستند إلى حائط المسجد و هو يصلي أو يضع يده على الحائط و هو قائم من غير مرض و لا علة فقال: لا بأس، و عن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الأولتين هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض ليستعين به على القيام من غير ضعف و لا علة؟ قال: لا بأس» و سعيد بن يسار (6) الصادق (عليه السلام) أيضا «عن الاتكاء في الصلاة على الحائط يمينا و شمالا فقال:

لا بأس»

خصوصا و قد حكي عن بعض أهل اللغة اعتبار الاعتماد في مفهوم الاتكاء، بل لعله في العرف كذلك، فلا جهة للجمع حينئذ بحمل هذه النصوص على فاقد الاعتماد

____________

(1) صحيح البخاري- ج 1 ص 124 و 125.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القيام- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 20.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القيام- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القيام- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القيام- الحديث 3.

248

و الأول على المصاحب له، سيما و لفظ الاستناد و الاتكاء موجود فيهما معا، و سيما بعد قوله في الصحيح: «من غير مرض و لا علة» فالتفريق من غير فارق لا يصغى اليه.

و لذلك كله جوزه بعض متأخري المتأخرين تبعا للمحكي عن أبي الصلاح اختيارا على كراهية، و فيه أن هذه النصوص- المعرض عنها بين الأصحاب القاصر سند أكثرها التي نسبت إلى الشذوذ تارة، و إلى مخالفة الإجماع أخرى و ربما كانت محتملة لإرادة الاستناد و الاتكاء الذي فيه اعتماد في الجملة إلا أنه ليس بحيث لولاه لسقط بناء على ظهور كلمات الأصحاب في جوازه، لاعتبارهم في السناد القيد المزبور، إذ هو حينئذ إما علة تامة في الوقوف أو جزء العلة، و المناقشة كما يومي اليه في الجملة ذيل الصحيح الأول، و لغير ذلك من الاحتمالات، و للتقية كما يومي اليه ما حكي عن فخر المحققين من حملها عليها مؤذنا بأنه مذهب العامة- قاصرة عن معارضة ما سمعت من وجوه لا تخفى، فلا إشكال حينئذ بحمد الله في المسألة خصوصا لو قلنا بقاعدة الشغل.

[في حكم الاستناد حال النهوض]

هذا كله في السناد حال القيام، أما عند النهوض فعن ظاهر الذكرى و صريح جامع المقاصد إلحاقه بالقيام، و لعله ل

قوله (عليه السلام) في الصحيح السابق (1): «و أنت تصلي»

و للأصل في وجه و بعض ما مر، لكنه لا يخلو من نظر، لما سمعته في صحيح علي بن جعفر، و لأنه من المقدمات، و كذا النظر فيما يحكى عن صريح جماعة من تخصيص البطلان بالاستناد في حال العمد و إن كنا قد فتحنا قاعدة اغتفار السهو فيما سبق، لكن في الأجزاء كما هو مقتضى

قوله (عليه السلام) (2): «تسجد سجدتي السهو لكل زيادة و نقيصة»

و نحوه، دون الشرائط و إن كانت لها و الموانع،

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القيام- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

249

و ما نحن فيه منها، ضرورة كون عدمه شرطا في القيام المطلوب لا جزء من الصلاة، و ما اجتمع فيه الجهتان كالقيام المتصل بالركوع فالبطلان بالسهو عنه حينئذ من جهة الشرطية لا الجزئية، و لعله من ذلك ينقدح التأمل في عده ركنا أيضا زيادة على ما سبق.

و بالجملة فعدم البطلان بالسهو هنا مع أنه من شرائط الأجزاء التي من المعلوم انتفاء المشروط بانتفائها لا يخلو من تأمل، اللهم إلا أن يقال بعموم تلك القاعدة للجميع كما هو مقتضى بعض ما ذكرناه دليلا لها من نحو

قوله (عليه السلام) (1): «لا تعاد الصلاة» و قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «رفع» و قوله (عليه السلام) (3): «كلما غلب الله عليه»

و غيره، بل لعل شمولها لها أولى، لضعف مدخليتها بالنسبة إلى الأجزاء بل شرائط الأجزاء منها من التوابع لها، و ثبوت الحكم في المتبوع يقتضي ثبوته في التابع بطريق أولى، إذ هو فرعه، و ذلك أصله، فثبوت العفو في الأصل يقتضي أولويته في الفرع، على أنه يمكن دعوى اختصاص الشرطية في العمد، و خصوصا في مثل المقام الذي استفيد فيه المانعية من النهي الذي مورده العمد دون النسيان بعد منع استفادة حكم وضعي من أمثاله غير مقيد بالعمد، و لعل عدم البطلان هنا لذلك لا لعموم القاعدة المزبورة، و فيه بعد الإغضاء عما في المنع المزبور عدم اختصاص الدليل بذلك النهي، بل قد سمعت أدلة أخر له أيضا، فتأمل جيدا فإن المسألة من المهمات التي تنفع في كثير من المقامات، و ربما كان بناؤها على الترجيح بينها و بين قاعدة انتفاء المركب بانتفاء أحد أجزائه، و انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و إن كان تقديمها عليهما متجها، لورودها عليهما، و أخصيتها منهما، نعم قد يتوقف في ترجيحها على خصوص ما يظهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الركوع- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 56- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 3.

250

من بعض أدلة بعضهما من البطلان مطلقا، بل لعل الأقوى تقديم مثل ذلك عليها إذا كان الظهور معتدا به ناشئا من ذلك الدليل الخاص لا من قاعدة الشرط و الجزء، لخصوصيته حينئذ بالنسبة إليها.

و بذلك كله ظهر لك وجه البحث في إطلاق الصحة مع السهو و إن كانت هي الأقوى، خصوصا إذا كان الاعتماد في البعض، إذ ليس هو أعظم من القعود المغتفر سهوا.

نعم لا تأمل لأحد من الأصحاب في اعتبار الاختيار في شرطية الإقلال، أما لو اضطر اليه جاز بل وجب، و قدم على القعود بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل عن ظاهر المنتهى الإجماع عليه من غير فرق بين الآدمي و غيره، و لا بين خشبة الأعرج و غيرها، لصدق القيام و الصلاة، و عدم سقوط الميسور بالمعسور (1) و ما لا يدرك كله لا يترك كله (2) و لأنه المستطاع من المأمور به (3) و لأن الله قد أحل كل شيء قد اضطر اليه مما قد حرمه عليه (4) و هو أولى بالعذر في كلما غلب عليه (5) و لظهور الصحيح (6) السابق فيه كايماء الآخر، و للمقدمة التي لا ينافيها عدم جوازه مع الاختيار و لأولويته من التفحج الفاحش و نحوه مما يخرج عن حقيقة القيام الذي لا أعرف أيضا خلافا بين الأصحاب في وجوبه و تقديمه على القعود لكثير من الأدلة السابقة، و ل

قول أبي الحسن (عليه السلام) في صحيح ابن يقطين (7): «يقوم و إن حتى ظهره»

في

____________

(1) غوالي اللئالي عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

(2) غوالي اللئالي عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

(3) تفسير الصافي سورة المائدة- الآية 101.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 6 و 7.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القيام- الحديث 2.

(7) الوسائل- الباب- 14- من أبواب القيام- الحديث 5.