جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج9

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
422 /
251

صاحب السفينة الذي لم يقدر أن يقوم فيها أ يصلي و هو جالس يومي أو يسجد.

و منه يظهر حينئذ أن المراد بالقيام الذي علق القعود على عدم استطاعته في نصوص المقام ما يشمل ذلك كله لا الانتصاب خاصة، بل مقتضى الصحيح المزبور أنه لو لم يتمكن من القيام إلا كهيئة الراكع وجب أيضا كما صرح به غير واحد، بل ظاهر نسبته الخلاف في ذلك إلى الشافعي كالمسألة السابقة أنه لا خلاف فيه بيننا كما هو كذلك و ستسمعه في باب الركوع.

و إلى كثير مما ذكرنا أشار المصنف بقوله و إن أمكنه القيام مستقلا وجب و إلا وجب أن يعتمد على ما يتمكن معه من القيام، و روي جواز الاعتماد على الحائط مع القدرة.

[في اعتبار الاعتماد على الرجلين معا و عدمه]

و في اعتبار الاعتماد على الرجلين معا في القيام قولان، أشهرهما الأول للأصل و التأسي، و لأنه المتبادر المعهود، و لعدم الاستقرار، و أقواهما الثاني إلا أن يريدوا بالاعتماد عليهما الوقوف عليهما أي لا على واحدة، فإن الظاهر وجوبه لما عرفت، أما وجوب مساواتهما في طرح الثقل عليهما فلا، و الأصل ممنوع كالتأسي في نحو المقام الذي هو من الأفعال العادية غالبا، و لم ينقل عنه (صلى الله عليه و آله) أنه لم يفعل إلا ذلك، بل و كذا المنع في دعوى أنه المتبادر المعهود تبادرا و عهدا يفيد الوجوب، و أوضح من ذلك منعا دعوى عدم الاستقرار مع عدم الاعتماد، بل قد يشهد للصحة بعد الإطلاقات ما في الصحيح (1) عن محمد بن أبي حمزة عن أبيه «رأيت علي بن الحسين (عليهما السلام) في فناء الكعبة في الليل و هو يصلي فأطال القيام حتى جعل مرة يتوكأ على رجله اليمنى و مرة على رجله اليسرى»

و إن كان من المحتمل أو الظاهر أنه في النافلة، لكن قد يقال بأصالة الاشتراك في الأحكام، مع أن الظاهر بعد اختيار ذات القيام من النافلة أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب القيام- الحديث 1.

252

يعتبر في قيامها ما يعتبر في قيام الفريضة، خصوصا إذا أريد الفرد الأكمل، فتأمل جيدا.

و أما ما في خبر عبد الله بن بكير (1) عن الصادق (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعد ما عظم أو ثقل كان يصلي و هو قائم و يرفع إحدى رجليه حتى أنزل الله سبحانه (2) «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» فوضعها»

فيمكن القول به، بل في الحدائق نفي الخلاف فيه تارة، و دعوى الاتفاق عليه أخرى لكثير من الأدلة السابقة، مضافا إلى الخبر المزبور، و دعوى ظهوره في نفي الإلزام به لا أصل الجواز ممنوعة على مدعيها، بل هو ظاهر في نسخ الكيفية المذكورة، ضرورة أنه (صلى الله عليه و آله) لم يكن يرى وجوبه بل كان يختاره من بين الأفراد لأنه أحمز و أشق، و لعل مراد الأصحاب بالاعتماد على الرجلين معا عدم رفع إحدى الرجلين لا ما يشمل الاتكاء على واحدة، كما يومي اليه ما عن بعض من صرح هنا بالوجوب أنه ذكر بعد ذلك كراهة الاتكاء على إحدى الرجلين، و هو إن لم يرد ما ذكرنا مناف لذلك، كمنافاة القول بالوجوب أيضا جواز الاستناد اختيارا إلى الحائط و نحوه كما يحكى عن بعضهم أيضا، بخلاف ما لو حمل على ما ذكرنا، فإنه لا منافاة بين الجميع حينئذ.

نعم قد يلحق بالرفع الاعتماد على إحداهما خاصة بحيث تكون الأخرى موضوعة مجرد وضع بلا مشاركة أصلا في حمل الثقل، فيكون المراد حينئذ بالاعتماد الذي نفينا وجوبه عدم الاتكاء على واحدة بحيث تكون أكثر الثقل عليها، لا التي لم تشاركها الأخرى أصلا بل كانت مماسة للأرض خاصة، فتأمل جيدا، هذا.

و في كشف الأستاذ «أصل الوقوف على القدمين معا واجب غير ركن، و ترك

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب القيام- الحديث 4.

(2) سورة طه- الآية 1.

253

الجميع مخل كالسجدتين، و الاعتماد على القدمين سنة، و على الواحدة مكروه، و المحافظة عليه فيهما من كمال الاحتياط» و كأنه أراد ما ذكرنا، و وجه الفساد بترك الجميع عدم صدق القيام حينئذ، فالظاهر حينئذ إرادة ركن في القيام لا في الصلاة، ضرورة عدم البطلان بالسهو مع التذكر و العود، إذ ليس هو أعظم من القعود سهوا، و أما احتمال أنه يريد بالوقوف على القدمين عدم الوقوف على أصابعهما مثلا أو على العقبين فإنه و إن كان واجبا أيضا، بل

خبر أبي بصير (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي في الوسائل عن الكافي و تفسير علي بن إبراهيم «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقوم على أصابع رجليه حتى نزل طه»

دال عليه أيضا بالتقريب المتقدم، لكن دعوى أنه ركن بحيث يبطل الصلاة الوقوف كذلك في تمام الركعة سهوا محل نظر، لصدق القيام حقيقة، و عموم قاعدة السهو السابقة.

و أما إطراق الرأس و انحراف العنق يمينا أو شمالا كما يفعله بعض الأتقياء فلا أرى فيه إبطالا للصلاة، لصدق القيام، خلافا للمحكي عن ظاهر الصدوق فأبطلها بالاطراق، و هو ضعيف، و ما أبعد ما بينه و بين المحكي عن التقي من استحباب إرسال الذقن على الصدر الذي لا يتم إلا بالاطراق و إن كان هو ضعيفا أيضا، لظهور الأمر في مرسل حريز (2) السابق بنصب النحر، و لو لا إرساله و الاعراض عن ظاهر الأمر به لاتجه وجوبه، أما الاستحباب فلا محيص عنه، و الله أعلم بحقيقة الحال.

[في وجوب القيام بقدر الإمكان]

و لو قدر على القيام في بعض الصلاة وجب أن يقوم بقدر مكنته بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، لعدم سقوط الميسور بالمعسور، و ما لا يدرك كله لا يترك كله، و إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، و لأن طبيعة القيام من

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب القيام- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام- الحديث 3.

254

الواجبات الأصلية في الصلاة أيضا لا أنه تابع محض للأجزاء كي يقال إن مقتضى اعتباره في المجموع المسمى بالصلاة سقوطه بتعذر البعض، لصيرورته حينئذ كالأمر بالكل الذي يستفاد منه الأمر بالجزء تبعا للكل، و يتعذر بتعذره، على أنه قد يمنع ذلك في مثل المقام، لظهور الفرق بينه و بين الأمر بالكل، بل كان لحوقه لكل جزء جزء من غير اشتراط اجتماعه مع آخر، خصوصا و المراد هنا من الصلاة الأجزاء الخاصة منها لا مسماها، مضافا إلى ظهور

قوله (ع) (1): «إن لم يستطع القيام فليقعد»

في إرادة اعتبار عدم استطاعة طبيعة القيام في الانتقال إلى القعود، و قوله (عليه السلام) في صحيح جميل (2): «إذا قوي فليقم»

في وجوب القيام عليه وقت قوته عليه، و هو عين ما في المتن.

و منه يظهر حينئذ أنه لو قدر على القيام زمانا لا يسع القراءة و الركوع قدم القراءة و جلس للركوع، لأنها هي وقت قوته، فليس بعاجز عما يجب عليه حالها، فإذا انتهى إلى الركوع صار عاجزا كما صرح به بعضهم و حكي عن آخرين، خلافا للمحكي عن المبسوط و النهاية و السرائر و المهذب و الوسيلة و الجامع فقدموا الركوع على القراءة في ذلك، بل نسبه في الأول إلى رواية أصحابنا، و فيه أنه مخالف لمقتضى الترتيب و الرواية لم تصل إلينا، و التعليل بأنه أهم لأنه ركن- مع أنه اعتباري- لا يصلح لأن يكون مدركا لحكم شرعي، كالاستدلال عليه أيضا ب ما ورد (3) في النصوص من أن الجالس إذا قام في آخر السورة فركع عن قيام يحسب له صلاة القائم، ضرورة ظهورها في الجالس اختيارا في النوافل، و لعل ما في المهذب و ما بعده منزل على تجدد القدرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 18 مع اختلاف في اللفظ.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب القيام- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب القيام.

255

عند الركوع، بل ما حكي لنا من بعضها كالصريح في ذلك، فلاحظ، هذا.

و في كشف اللثام بعد الاستدلال على أصل المسألة بعدم سقوط الميسور بالمعسور قال: «فيقوم عند النية و التكبيرة و يستمر قائما إلى أن يعجز فيجلس، و أما

خبرا عمار (1) و أحمد بن الحسن (2) عن الصادق (عليه السلام) «فيمن وجب عليه صلاة من قعود فنسي حتى قام و افتتح الصلاة قائما ثم ذكر فقال: يقعد و يفتتح الصلاة و هو قاعد، و لا يعتد بافتتاحه الصلاة و هو قائم»

فهما فيمن يجب عليه القعود لا للعجز بل للعدو و افتتحها قائما عمدا، و النسيان إما بمعنى الترك أو نسيان القعود حتى قام ثم تعمد الافتتاح قائما، أو للعري و افتتحها قائما عمدا أو نسيانا» و فيه أنه لا داعي إلى هذه التكلفات التي من الواضح فساد بعضها، إذ لا مانع من حمله على القعود من العجز أو خوف طول المرض، أو غير ذلك، ضرورة أن القيام حينئذ له كالقعود للصحيح، لانقلاب تكليفه، و ليس هو من الرخص بل العزائم، فتأمل جيدا.

و لو عجز عن الركوع و السجود و لو جالسا دون القيام قام و أومأ إليهما بلا خلاف أجده، بل قد يظهر من المنتهى الإجماع عليه، بل يمكن دعواه عليه، كما أنه يمكن استفادته على وجه القطع من قواعد المذهب، خصوصا بعد التأمل في الثابت من الأحوال في الصلاة، و أنه لا يسقط جزء منها بتعذر آخر، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة فأسقط القيام هنا بتعذر الركوع و السجود، و هو كما ترى، نعم قد يظهر من معقد إجماع المنتهى وجوب الجلوس لايماء السجود، و فيه بحث، لابتنائه على أصالة وجوبه و أنه ليس مقدمة تسقط بسقوط ذيها، و بدلية الإيماء عنه لا تقتضي وجوبها بعد ان لم يكن متوقفا عليها، و كذا البحث في وجوب الانحناء له و للركوع إذا لم يتحقق به مسماهما، ضرورة عدم جريان قاعدة الميسور فيه، بل هو فيهما ليس إلا مقدمة محضة لتحقيق مسماهما.

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب القيام- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب القيام- الحديث 1.

256

و لو دار أمره بين الركوع و السجود جالسا و بين القيام خاصة لتعذر الجلوس عليه بعده للسجود أو للركوع و الانحناء قائما قام و أومأ بهما كما صرح به بعضهم، بل يظهر من آخر أنه المشهور بل المتفق عليه، بل في الرياض عن جماعة دعوى الاتفاق عليه، لاشتراط الجلوس بتعذر القيام في النصوص (1) و لأن الخطاب بأجزاء الصلاة مرتب، فيراعى كل جزء حال الخطاب به بالنسبة اليه و بدله، ثم الجزء الثاني و هكذا إلى تمام الصلاة، و لما كان القيام أول أفعالها وجب الإتيان به مع القدرة عليه، فإذا جاء وقت الركوع و السجود خوطب بهما، فان استطاع و إلا فبدلهما، و يحتمل كما مال إليه في كشف اللثام تقديم الجلوس و الإتيان بالركوع و السجود، بل قال: و كذا إذا تعارض القيام و السجود وحده، و لعله لأنهما أهم من القيام، خصوصا بعد أن ورد أن الصلاة ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود (2) و أن أول الصلاة الركوع (3) و نحو ذلك، و لأن أجزاء الصلاة و إن كانت مرتبة في الوقوع إلا أن الخطاب بالجميع واحد حاصل من الأمر بالصلاة، فمع فرض تعذر الإتيان بها كما هي اختيارا وجب الانتقال إلى بدلها الاضطراري، و لما كان متعددا ضرورة كونه إما القيام وحده أو الجلوس مع استيفاء باقي الأفعال وجب الترجيح بمرجح شرعي، و لعل الأهمية و نحوها منه، و أنها أولى بالمراعاة من السبق لما عرفت، و مع فرض عدم المرجح أو عدم ظهور ما يدل على الاعتداد به يتجه التخيير كما احتمله في كشف اللثام هنا تبعا للمحكي عن المحقق الثاني، قال في جامعه: «و لو كان بحيث لو قام لم يقدر على الركوع و السجود و إن صلى قاعدا أمكنه ذلك ففي تقديم أيهما تردد، من فوات بعض الأفعال على كل

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب القيام- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب القيام- الحديث 6.

257

تقدير فيمكن تخييره، و يمكن ترجيح الجلوس باستيفاء معظم الأركان معه» و ظاهره عدم الترجيح، و المسألة لا تخلو من إشكال و إن كان احتمال تقديم الجلوس قويا، و من العجيب دعوى الإجماعات في المقام مع قلة المتعرض و خفاء المدرك، و أعجب من ذلك دعوى اتفاق الأصحاب على تقديم القيام و الإيماء و إن تمكن من الركوع جالسا، و أن ذلك هو ظاهر معقد إجماع المنتهى، و ظني أنه لم يقل به أحد من الأصحاب، و أن عبارة المنتهى بعد التأمل في الفرض الأول الذي ذكرنا لا المتمكن من الركوع جالسا، ضرورة وجوبه عليه مع فرض تمكنه، ل تواتر النصوص (1) في بدلية الركوع من جلوس عنه قائما و في تقديمه على الإيماء، مضافا إلى ظهور ما في مجمل ابن فارس و المحكي عن القاموس في أنه ركوع لغة، ثم لا يخفى عليك بعد ما ذكرنا الوجه في باقي صور الدوران على كثرتها، لابتنائها جميعا على ما عرفت، فتأمل جيدا.

[في لزوم الصلاة قاعدا مع العجز عن القيام]

و كيف كان ف ان لا يتمكن من القيام في الصلاة أصلا مستقلا أو متعمدا منتصبا أو منحنيا مضطربا أو مستقرا في أحد القولين صلى قاعدا إجماعا بقسميه و نصوصا (2) كادت تكون متواترة، و المشهور بين الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعا، بل لعلها كذلك، في بعض المعاقد أن المدار في معرفة التمكن و عدمه نفسه، لأنه عليها بصيرة كما في غير المقام من التكاليف كالغسل و الوضوء و الصوم و نحوها، و قد صرح هنا في جملة من النصوص (3) المعتبرة بأن الإنسان على نفسه بصيرة، و أنه هو أعلم بنفسه و بما يطيقه، فإذا قوي فليقم، نعم لا يعتبر التعذر، بل يجزي المشقة الشديدة التي لا تتحمل عادة، كما أنه يجزي الخوف من زيادة المرض أو طول البرء

____________

(1) الوسائل- الباب- 1 و 14- من أبواب القيام.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب القيام.

258

بالقيام أو الركوع أو السجود و لو من إخبار الطبيب، بل يجزي رجاء البرء و لو باخباره أيضا، ففي

صحيح ابن مسلم (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل و المرأة يذهب بصره فتأتيه الأطباء فيقولون: نداويك شهرا أو أربعين ليلة مستلقيا كذلك يصلي فرخص في ذلك، و قال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ (2)» و موثق سماعة (3) «عن الرجل يكون في عينه الماء فينزع الماء منها فيستلقي على ظهره الأيام الكثيرة أربعين يوما أقل أو أكثر فيمتنع من الصلاة الأيام و هو على حاله فقال:

لا بأس بذلك، و ليس شيء مما حرم الله إلا و قد أحله لمن اضطر اليه» و خبر بزيع المؤذن (4) المروي عن طب الأئمة قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «إني أريد أن أقدح عيني فقال: استخر الله و افعل، قلت: هم يزعمون أنه ينبغي للرجل أن ينام على ظهره كذا و كذا لا يصلي قاعدا قال. افعل»

و لا فرق في ذلك بين الرمد و غيره من أمراض العين، و لا بينها و بين غيرها من الأمراض، و لا بين الاستلقاء و الاضطجاع و غيرهما من أنواع الضرورة، و لا بين تعذر القيام و الركوع و السجود، ضرورة ظهور النصوص المزبورة خصوصا ما اشتمل منها على الاستدلال بالآية (5) في الأعم من ذلك، فما عساه يتوهم من بعض العبارات من اختصاص الحكم ببعض ما ذكرنا في غير محله، بل لعله غير مراد لهم أيضا.

و قيل كما عن المفيد و محتمل النهاية حد ذلك العجز المسوغ للقعود، و علامته أن لا يتمكن من المشي بقدر زمان صلاته قائما، فحينئذ يسوغ له القعود و إن كان متمكنا من الوقوف في جميع الصلاة أو بعضها، ل

خبر سليمان بن حفص

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب القيام- الحديث 1.

(2) سورة البقرة- الآية 168.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب القيام- الحديث 3.

(5) سورة البقرة- الآية 168.

259

المروزي (1) قال: «قال الفقيه (عليه السلام): المريض انما يصلي قاعدا إذا صار بالحال التي لا يقدر فيها على أن يمشي مقدار صلاته إلى أن يفرغ قائما»

و لا ريب أن الأول أظهر لوجوه، منها قصور الخبر المزبور سندا و دلالة عن معارضة ما عرفت، ضرورة احتمال إرادة بيان أنه بدون هذه القدرة تحصل له مشقة في القيام لا تتحمل، فيكون الحاصل حينئذ أنه إذا عجز عن المشي مقدار صلاته قائما فله أن يقعد فيها و إن كان متمكنا من الصلاة قائما بمشقة، فلم يتلازم العجزان و لا القدرتان، لا أن المراد منه الرخصة في القعود بسبب العجز عن المشي و إن كان متمكنا من الوقوف بسهولة كي ينافي النصوص المتقدمة، و يحتاج في رفعه إلى دعوى غلبة تلازم القدرتين، أو إلى أنه كناية عن العجز عن القيام بقرينة أن المصلي قد يمكن أن يقوم مقدار الصلاة و لا يتمكن من المشي كذلك و بالعكس، و إن كان بعد التأمل ربما يرجع إلى ما ذكرنا.

و ربما قيل: إن المراد منه بيان ترجيح صلاة الماشي على القاعد لا تحديد العجز كما حكي عن جماعة اختياره منهم المفيد و الفاضل و الشهيد الثاني مؤيدين له بأنه انما فقد الاستقرار، و هو كفقد الاستقلال المقدم على القعود الرافع لأصل القيام، و فيه- مع أن المشي إن كان فيه انتصاب ليس في القعود ففي القعود استقرار ليس في المشي- ان مجرد هذا الاحتمال في الخبر المزبور لا يجسر به على إثبات هذه الكيفية من العبادة المسلوب عنها اسم الصلاة في عرف المتشرعة، إذ لم يرد بها غيره قول و لا فعل كما اعترف به في كشف اللثام، و دعوى اندراجها فيما دل على اشتراط الانتقال الى القعود بعدم استطاعة القيام، لأنه في الفرض مستطيع للقيام مقطوع بعدمها، ضرورة انسياق ما لا يشمل المشي من القيام فيها، إما لعهدية اللام، أو لأن المراد من القيام هنا في النصوص و الفتاوى الوقوف، و لذا لم يذكر الأكثر اشتراط الاستقرار في القيام، و لا عقدوا له

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب القيام- الحديث 4.

260

فصلا و إن كان الإجماع متحققا على اعتباره فيه كغيره من أفعال الصلاة و لو الحال المندوب منها، قال العلامة الطباطبائي:

لا تصلح الصلاة في اختيار * * *إلا من الثابت ذي القرار

و ذاك في القيام و القعود * * *فرض و في الركوع و السجود

يعم حال فرض تلك الأربعة * * *و الندب بالإجماع في فرض السعة

و هي بمعنى الشرط في المندوب * * *فلا ينافي عدم الوجوب

لكن عدم ذكره هنا بالخصوص مع ذكره في الركوع و السجود و غيرهما ليس إلا لارادتهم منه الوقوف الذي ينافيه الحركة فضلا عن المشي، ضرورة كونه بمعنى السكون يقال واقف: أي غير متحرك، و ربما كان وصف القيام بالطول و تقدير مسافة ما بين القدمين بالشبر مثلا في بعض النصوص (1) و ما يحكى من حال سيد الساجدين (عليه السلام) من أنه لا يتحرك منه إلا ما حركته الريح (2) و نحوها مشعرا به، فيدل على المطلوب في جميع النصوص (3) الدالة على الانتقال إلى الجلوس بتعذر القيام كما تنبه له العلامة الطباطبائي، فإنه بعد ما حكى عن المفيد ترجيح المشي قال:

و رجح القول به في التذكرة * * *و هو خلاف ظاهر المعتبرة

بل لعله إلى هذا أومأ الشهيد في دعوى ركنية القرار في القيام، ضرورة عدم مدخليته في أصل القيام، لصدقه على المضطرب، بل على الماشي قطعا، و انما هو معتبر في الوقوف، فلا ريب حينئذ في رجحان القعود عليه، بل و كذا غير القعود من الأبدال كما نص عليه العلامة الطباطبائي، فقال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب القيام- الحديث 1 و الباب 17 منها- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 1- و غيره من أبواب القيام.

261

و هكذا غير الجلوس من بدل * * *مشيا على أصل القرار في العمل

لكن و مع هذا قد يتوقف في رجحانه على الواقف المضطرب و إن حكي عن الشهيد أيضا ترجيح القعود عليه، و وافقه عليه في المنظومة حيث أطلق تقديم الجلوس و غيره من الأبدال على ما يفوت به القرار من القيام، فقال:

و من قرارا في القيام عدما * * *فللجلوس بالقرار قدما

و لعله لما عرفت، إلا أنه للنظر فيه مجال كما اعترف به في كشف اللثام أيضا، لإمكان منع إرادة السكون من القيام المعلق عليه الحكم في النصوص، أقصى ما يمكن تسليمه إرادة ما لا يشمل المشي منه، و الاستقرار و الطمأنينة واجب آخر غير مراد من لفظ القيام هنا، فالتوقف حينئذ في محله، بل المتجه تقديمه على القعود، خصوصا بعد ما ورد في بعض النصوص (1) في السفينة من تقديم القيام فيها مع انحناء الظهر و لو بما يخرجه عن صدق القيام على القعود، بل لم يعرف خلاف بين الأصحاب في تقديم كل ما يقرب إلى القيام من التفحج الفاحش و نحوه على القعود كما سمعته فيما تقدم، فلقد بالغ (رحمه الله) في الجزم بترجيح القعود على مثل ذلك، كما أنه بالغ الفاضل فيما حكي عنه من تقديم المشي على الوقوف مستندا الذي قد عرفت وجود القائل بجوازه مع الاختيار، و لا ريب في ضعفهما.

و لو لم يكن له حالة استقرار أصلا فلا ينبغي التأمل في سقوطه، و أن تكليفه حينئذ كل ما يقرب إلى المأمور به، فالوقوف مضطربا مقدم على المشي قطعا، ثم المشي ثم الركوب، و ربما احتمل التساوي بين الأخيرين و العكس إن كان الركوب أقر، و لعل الأول أولى، و إلى ذلك كله أشار في المنظومة فقال:

و في اضطرار يسقط القرار * * *و القرب إذ ذاك هو المدار

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب القيام- الحديث 5.

262

فإن تأتي أن يقوم قائما * * *مضطربا فذاك كان لازما

ثم ليصل بعد ذاك ماشيا * * *فراكبا و احتمل التساويا

و العكس إن كان ركوبه أقر * * *و الأول الأولى و الأقوى في النظر

و لعله للخبر السابق و نحوه، و على كل حال فقد ظهر لك أن القول بتحديد العجز بما عرفت في غاية الضعف، و أضعف منه ما في المروي (1) في دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) سئل عن صلاة العليل فقال: يصلي قائما، فان لم يستطع صلى جالسا، قيل يا رسول الله فمتى يصلي جالسا قال: إذا لم يستطع أن يقرأ بفاتحة الكتاب و ثلاث آيات قائما، فان لم يستطع أن يسجد يومي إيماء برأسه، يجعل سجوده أخفض من ركوعه، و إن لم يستطع أن يصلي جالسا صلى مضطجعا لجنبه الأيمن و وجهه إلى القبلة، فان لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيا و رجلاه مما يلي القبلة و يومي إيماء»

إذ لم نجد من أفتى به بل و لا من ذكره، و قد يرجع إلى المشهور بنوع من التأويل.

[في كيفية الركوع عن جلوس]

و من هذا كله بان لك أن القول الأول أظهر، و القاعد الذي فرضه القعود إذا تجددت له القدرة و تمكن من القيام للركوع وجب قطعا لما ستعرفه عند قول المصنف: «و من عجز» إلى آخره، ضرورة كونه من جزئيات تلك المسألة حتى لو أراد من القيام للركوع القيام إلى حد الراكع لا الانتصاب و إلا يتمكن من القيام و لا ما يقرب منه ركع جالسا بلا إشكال و لا خلاف، و لكيفيته كما ذكره غير واحد من الأصحاب تبعا لبعض العامة وجهان: أحدهما أن ينحني بحيث يصير بالنسبة إلى القاعد المنتصب كالراكع قائما بالنسبة إلى الانتصاب، فيتعرف تلك

____________

(1) ذكر صدره في المستدرك في الباب 4 من أبواب القيام- الحديث 1 و ذيله في الباب 1 منها- الحديث 5.

263

النسبة و يراعيها هنا، ثانيهما أن ينحني بحيث يكون نسبة ركوعه إلى سجوده كنسبة ركوع القائم إلى سجوده باعتبار أكمل الركوع و أدناه، فإن أكمل ركوع القائم انحناؤه إلى أن يستوي ظهره مع مد عنقه، فتحاذي جبهته موضع سجوده، و أدناه انحناؤه إلى أن تصل كفاه إلى ركبتيه، فيحاذي وجهه أو بعضه ما قدام ركبتيه من الأرض، و لا يبلغ محاذاة موضع السجود، فإذا روعيت هذه النسبة في حال السجود كان أكمل ركوع القاعد أن ينحني بحيث يحاذي جبهته مسجده و أدناه محاذاة وجهه ما قدام ركبتيه، و الوجهان متقاربان، و الأصل في ذلك أن الانحناء في الركوع لا بد منه، و لما لم يمكن تقديره ببلوغ الكفين الركبتين لبلوغهما من دون الانحناء تعين الرجوع إلى أمر آخر به تتحقق المشابهة للركوع من قيام، و فيه أنه متجه لو لم يمكن له هيئة عرفية ينصرف إليها الذهن عند إطلاق الأمر به من جلوس، فالأولى حينئذ إناطته بذلك كما عن الأردبيلي، اللهم إلا أن يراد تحديد العرف بذلك، و الأمر حينئذ سهل.

نعم ما في جامع المقاصد و عن غيره- من وجوب رفع الفخذين فيه لتتحقق المشابهة المزبورة و لأن ذلك كان واجبا في حال القيام و الأصل بقاؤه إذ لا دليل على اختصاص وجوبه به- لا يخلو من نظر و تأمل، ضرورة تحقق صدق الركوع عرفا بدونه، و لأن ذلك في حال القيام غير مقصود، و انما حصل تبعا للهيئة الواجبة في تلك الحالة، و هي منتفية هنا، و لانتقاضه بإلصاق بطنه بفخذيه حال الركوع جالسا زيادة على ما يحصل منه في حالته قائما، و لم يقل بوجوب مراعاة ذلك هنا بحيث يجافي بطنه على تلك النسبة، نعم لو قدر على الارتفاع زيادة عن حالة الجلوس و دون الحالة التي يحصل بها مسمى الركوع و أوجبناه تحصيلا للواجب بحسب الإمكان اتجه وجوب رفع الفخذين في صورة النزاع، إلا أنه لا ينحصر الوجوب فيما يحصل به مجافاتهما عن الساقين و الأرض، بل بحسب ما أمكن من الرفع، لكن في وجوب ذلك أيضا نظر كما اعترف به في المحكي عن الروض،

264

بل عن مجمع البرهان الجزم هنا باستحباب رفع الفخذين، فتأمل جيدا.

[في الصلاة مضطجعا إذا عجز عن القعود]

و إذا عجز عن القعود مستقلا و معتمدا مستقرا و مضطربا منحنيا و منتصبا إذ الظاهر جريان جميع ما سمعته في القيام فيه كما يومي اليه في الجملة المرسل الآتي (1) و لأنه بدله و بعض قيام و إن كان لا يخلو من بحث، لاختصاصه بالدليل دونه صلى مضطجعا بلا خلاف أجده فيه بيننا كما اعترف به بعضهم، بل الإجماع عليه إن لم يكن محصلا فهو محكي في كشف اللثام و غيره، كما أن الآية و النصوص بعد حمل مطلقها على مقيدها واضحة الدلالة عليه أيضا، فإن ظاهر بعض النصوص (2) من الانتقال من القعود إلى الاستلقاء محمول على التقية، أو يطرح إن لم يمكن تنزيله على ما ذكرنا على الأيمن، وفاقا للمعظم، بل قد يظهر من الغنية و المنتهى كما عن المعتبر بل عن صريح الخلاف الإجماع عليه، للاحتياط، و ل مرسل الفقيه (3) و خبر الدعائم (4) و موثق عمار (5) المعبر عنه في الذكرى و عن غيرها بحماد سهوا من القلم على الظاهر و إن حكى متنه فيها مجردا عما يشوش الدلالة من الألفاظ التي لم يسلم منها جملة من أخبار عمار حتى ظن منه تعددهما «فيوجه حينئذ كما يوجه الرجل في لحده» كما نطق به موثق عمار و صرح بمعناه في القواعد، خلافا لظاهر المبسوط في المقام و المتن و النافع و الإرشاد و اللمعة و المحكي عن المقنعة و جمل السيد و الوسيلة و الألفية و صريح التذكرة و نهاية الأحكام فالتخيير بينه و بين الأيسر كما استظهره في المدارك ترجيحا للمطلق من الكتاب و النصوص على المقيد، فيطرح حينئذ أو يحمل على الأفضلية كما صرح به

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 15.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 13 و 18.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 15.

(4) المستدرك- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 10.

265

الأخير، و هو مخالف لقواعد المذهب.

نعم إن تعذر الأيمن اضطجع على الأيسر كما هو المشهور أيضا على ما عن البحار، للقرب من الأيمن في الصورة، و مرسل الفقيه، قيل و إشعار الأمر باستقبال القبلة بالوجه في موثق عمار به، و فيه تأمل، كالاستدلال عليه أيضا بظهور بعض النصوص في جواز الاضطجاع على الأيسر (1) متمما بعدم القول بالتخيير بينه و بين الاستلقاء، فمتى جاز بعد تعذر الأيمن وجب ضرورة إمكان قلبه عليه، و المطلقات التي خرج عنها لمكان المعارض في الأيمن كما في الرياض لا أقل من أن ترجح حينئذ بذلك على إطلاق ما دل على الاستلقاء أو التخيير له كيف شاء مع تعذر الأيمن، فما يظهر حينئذ- من الانتقال إلى الاستلقاء بعد تعذر الأيمن من الغنية و المنتهى و القواعد و المبسوط في مبحث الركوع و صلاة المضطر، و عن المعتبر و التحرير و الخلاف، بل قيل: قد يظهر منه و الأولين و الخامس الإجماع عليه و إن كان لا يخلو من نظر، خصوصا بالنسبة إلى الأولين، لأنهما إنما نسبا الأيمن إلى علمائنا، بل علقا الاستلقاء على عدم التمكن من الاضطجاع، و لعلهما يريدان مطلقه و إن نصا سابقا على الأيمن فلاحظ و تأمل، و لم يحضرني الخلاف، و إجماع الغنية ليس بذلك الظهور من التناول لما نحن فيه- محل للتأمل و النظر.

[في الصلاة مستلقيا إن عجز عن الاضطجاع]

فان عجز عن الاضطجاع مطلقا أو عن الأيمن خاصة على القولين نحو العجز عن القعود صلى مستلقيا بلا خلاف أجده فيه، بل عليه الإجماع محكيا في كشف اللثام إن لم يكن محصلا، كما أن النصوص (2) واضحة الدلالة عليه، بل قد عرفت تقديمه على الاضطجاع في بعضها و إن كان هو مقيدا بغيره أو محمولا على التقية كما عرفت

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 15.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 15 و المستدرك الباب 1 منها- الحديث 3 و 5 و 6.

266

و ليس بعد الاستلقاء مرتبة موظفة، بل كيف ما قدر صلى، و ليتحر أقرب الأحوال إلى كيفية المختار و إلا فالمضطر، لكن في منظومة العلامة الطباطبائي بعد ذكر الاستلقاء.

و ما لها من بعد حد يضبط * * *لكنها ثابتة لا تسقط

فليتحر أقرب الأطوار * * *من اختيار لا من اضطرار

و لعله يريد مع التمكن.

[في كيفية الإيماء للركوع و السجود]

و على كل حال ف الأخيران أي المضطجع و المستلقي يوميان لركوعهما و سجودهما كما هو فرض كل من تعذرا عليه، إلا أنه خصهما لأنهما مظنته و ذكر النصوص (نصوص خ ل) ذلك فيهما، ففي

موثق عمار (1) منها عن الصادق (ع) «المريض إذا لم يقدر أن يصلي قاعدا كيف قدر صلى، إما أن يوجه فيومئ إيماء، و قال: يوجه كما يوجه الرجل في لحده و ينام على جانبه الأيمن ثم يومي بالصلاة إيماء، فان لم يقدر أن ينام على جانبه الأيمن فكيف ما قدر، فإنه له جائز، و يستقبل بوجهه القبلة ثم يومي بالصلاة إيماء»

و في خبر إبراهيم بن زياد الكرخي (2) قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء و لا يمكنه الركوع و السجود فقال: يومي برأسه إيماء، و إن كان له من يرفع الخمرة فليسجد، فان لم يمكنه ذلك فليوم برأسه نحو القبلة إيماء.

و في خبر عبد السلام بن صالح الهروي (3) المروي عن العيون عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائما فليصل جالسا، فان لم يستطع جالسا فليصل مستلقيا ناصبا رجليه بحيال القبلة يومي إيماء»

و في مرسل

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 11 و هو عن إبراهيم بن أبى زياد الكرخي.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 18.

267

الفقيه (1) قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «المريض يصلي قائما، فان لم يستطع صلى جالسا، فان لم يستطع صلى على جنبه الأيمن، فان لم يستطع صلى على جنبه الأيسر، فان لم يستطع استلقى و أومأ إيماء، و جعل وجهه نحو القبلة، و جعل سجوده أخفض من ركوعه» و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (2): «دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على رجل من الأنصار و قد شبكته الريح فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) كيف أصلي؟ فقال: إن استطعتم أن تجلسوه فأجلسوه، و إلا فوجهوه إلى القبلة و مروه فليوم برأسه، و يجعل السجود أخفض من الركوع.

و في خبر بزيع المؤذن (3) عن الصادق (عليه السلام) إلى أن قال: «صلى مستلقيا يكبر ثم يقرأ، فإذا أراد الركوع غمض عينيه ثم سبح، فإذا سبح فتح عينيه، فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع، فإذا أراد أن يسجد غمض عينيه ثم يسبح، فإذا سبح فتح عينيه، فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود، ثم يتشهد و ينصرف»

إلى غير ذلك من النصوص التي أطلق فيها لفظ الإيماء أو قيد بالرأس كما هو الظاهر منه عند الإطلاق، و هو مراد الماتن.

نعم لا يدخل في ظاهر إطلاقه ما في الخبر الأخير من التغميض و الفتح و إن كانا هما من الرأس، بل لقوة ظهور المطلق في غير ذلك- بل كاد يكون نصا فيه بقرينة الأمر بأخفضيته للسجود منه للركوع المنتفي في التغميض قطعا- لم يقيد ذلك الإطلاق به و لم يجعل أحد الإيماء بالرأس المأمور به عند العجز عبارة عن التغميض و الفتح، بل الذي صرح به الفاضلان و الشهيدان و الكركي و سائر من تأخر عنهم إلا النادر الترتيب بينهما، فيومي بالرأس مع الإمكان، و إن تعذر غمض عينيه من غير فرق في ذلك بين

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 15.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 16.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 13 و هو مرسل الصدوق (قدس سره) و لم يسنده الى بزيع.

268

الاضطجاع و الاستلقاء، لكن في الحدائق أن الموجود في النصوص الإيماء بالرأس في المضطجع، و التغميض للمستلقي، فالأولى اتباع الأخبار، و ربما يوافقه في الثاني ظاهر المبسوط و الغنية و القواعد و المحكي عن النهاية و السرائر و جامع الشرائع و الموجز الحاوي حيث اقتصروا فيه على التغميض، بل ربما كان معقد إجماع الثاني منها، كما أنه ربما كان ظاهر الأول أن المراد بالإيماء حيث يطلق ذلك، و عن الكفاية أن الترتيب المزبور بين الإيماء بالرأس و التغميض خال عنه كلام القدماء، و فيه أن النصوص كما اشتملت على الإيماء بالرأس في المضطجع كذلك أمرت به في المستلقي، نعم هو قد اختص موردا بالتغميض دونه، و حمل الإيماء بالرأس فيه عليه خاصة قد عرفت ضعفه، خصوصا و قد اكتفي به في المرتبة العليا كالقيام و الجلوس و الاضطجاع و نحوها مما هو أولى من هذه المرتبة قطعا، كاحتمال التخيير بينهما فيه، ضرورة قصوره عن ذلك، مع أقربية الإيماء بالرأس إلى السجود، بل لعله بعض منه، و لذا وجب في الجالس و القائم و غيرهما من أفراد المضطر، كما عرفت، فلم يبق حينئذ إلا الترتيب بينهما فيه، و مقتضاه أنه كذلك أيضا في المضطجع، ضرورة القطع بالمساواة في جميع الأحوال، إذ احتمال اختصاصه في البدلية عنهما في حال الاستلقاء دون غيره مناف لطعم الفقاهة، خصوصا مع موافقته للاحتياط المطلوب في العبادة، و لعل ذكره خاصة في خصوص المستلقي نصا و فتوى لغلبة عدم التمكن من غيره حاله، لا لتقييده به، بخلاف المضطجع و غيره مما ذكر فيه الإيماء بالرأس خاصة، لندرة تعذر الإيماء به عليه، فبان لك أن ما في الحدائق- من اختصاص الإيماء بالرأس في غير المستلقي، و أنه إن تعذر عليه لم ينتقل إلى بدل حينئذ، كما أن المستلقي يختص بالتغميض، و أنه لا يجتزي بالإيماء بالرأس مع القدرة عليه، فإذا تعذر عليه التغميض لم ينتقل إلى بدل- في غاية الضعف و مخالف لمقتضى ذوق الفقاهة كما يعرف ذلك بأدنى تأمل.

269

و كيف كان فليجعل سجوده أخفض من ركوعه حيث يكون تكليفه الإيماء لهما، و محلهما متحد إلا إذا اختلف بالقيام و الجلوس مثلا، للنصوص السابقة المعتضدة بفتوى بعض الأصحاب و بالاعتبار كإرادة الشارع الفرق بينهما و نحوه، و المناقشة بأن إيجاب الإيماء لهما انما هو لعدم سقوط الميسور بالمعسور، فيجب عليه فعل تمام ما يتمكن منه من الإيماء لكل منهما، و يجتزي في الفرق بينهما بالنية يدفعها- مضافا إلى وضوح عدم جريان القاعدة المزبورة فيه- انه اجتهاد في مقابلة النص، نعم لم يفرق في القواعد كما عن غيرها بينهما في التغميض، لإطلاق النص، و عدم صدق الخفض على زيادة الغمض، خلافا للكركي و الشهيد الثاني و المحكي عن ابن حمزة و سلار و يحيى بن سعيد و غيرهم، فجعلوه للسجود أكثر منه للركوع، و لعله للفرق بينهما، و إيماء الأمر به في الإيماء اليه، و احتمال إرادة التغميض من المرتضوي السابق (1) الآمر فيه بالأخفضية و لا ريب في أنه أحوط و إن كان في تعيينه نظر، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي في قوله:

و اختلفت صورة الإيماء البدل * * *في كل ما لم يختلف فيه المحل

فكان إيماء السجود أخفضا * * *مما مضى عن الركوع عوضا

ما كان في الرأس و في العين نظر * * *إذ صح سلب الخفض عن غمض البصر

و لا يجب استحضار معنى البدلية، للإطلاق و الاكتفاء بالنية الإجمالية كالمبدل منه، خلافا لما عساه يظهر من القواعد حيث اعتبر فيهما مع ذلك جريان الأفعال على القلب، و فيه منع إن أراد به ذلك، بل الظاهر عدم وجوبها أيضا لو فرض انتقال تكليفه في الأثناء، اكتفاء بنية الصلاة الأولى، و إن كان قد قارنه سابقا اعتقاد فعل المبدل منه باعتبار ظن بقاء التمكن، بل لو لحظه بالخصوص ثم بان العدم لم يقدح في صحة الصلاة و لا يجب تجديد النية، نعم قد يقال باعتبار النية بالنسبة إلى البطلان بزيادته

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 16.

270

و لو سهوا، ضرورة مساواته للمبدل منه في البطلان به بالزيادة و النقيصة عمدا و سهوا، لكن لا يصدق زيادته إلا مع نية بدليته عن الركوع و إن لم نعتبرها في زيادة الركوع كما جزم به في الروضة مع احتمال الاكتفاء في الفساد بمجرد فعله بعنوان أنه من الصلاة و إن لم يستحضر الركوع، لصيرورة الركن بالنسبة إليه هذا الإيماء و التغميض، و على كل حال لا يعتبر فيه زيادته في محل الركوع و السجود و إن أوهمه المحكي عن الروض، بل الظاهر حصول البطلان بزيادته مع النية أو بدونها على الاحتمال الأخير و إن لم يكن في المحل كالمبدل منه، اكتفاء بالصورة كما هو واضح.

و لو تعذرا معا عليه فلا بدل غيرهما ينتقل اليه إلا على احتمال تعرفه فيما يأتي، لكن في كشف الأستاذ إيجاب الإيماء بباقي الأعضاء، و هو لا يخلو من وجه و إن كان ظاهر الأصحاب خلافه، و أنه يكتفي بجريان الأفعال على قلبه و الأذكار على لسانه إن تمكن، و إلا أخطر هما جميعا بالبال و اكتفى به كما صرح به بعضهم و تقتضيه أصول المذهب.

نعم ربما ظهر من بعضهم أن منه الأعمى حملا للتغميض و الفتح على العين الصحيحة، و فيه منع، هذا.

و قد يحتمل في أصل البحث التخيير بين الإيماء و التغميض في الصورتين المزبورتين للسجود و بين وضع شيء على الجبهة، جمعا بين الأمر بهما في النصوص السابقة و بين ما في المرسل (1) عن الصادق (عليه السلام) انه «سئل عن المريض لا يستطيع الجلوس يصلي و هو مضطجع و يضع على جبهته شيئا قال: نعم»

و في موثق سماعة (2) «سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس قال: فليصل و هو مضطجع، و ليضع على جبهته شيئا إذا سجد فإنه يجزي عنه، و لن يكلف الله ما لا طاقة له به» و خبر أبي بصير (3) «سألته عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا يسجد عليه قال: لا إلا أن يكون مضطرا

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 14.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 7.

271

ليس عنده غيرها، و ليس شيء مما حرم الله إلا و قد أحله لمن اضطر إليه»

بشهادة

الصحيح أو الحسن (1) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن المريض إذا لم يستطع القيام و لا السجود قال: يومي برأسه إيماء، و أن يضع جبهته على الأرض أحب إلى» و صحيح زرارة (2) سأل الباقر (عليه السلام) «عن المريض قال: يسجد على الأرض أو على مروحة أو على سواك يرفعه، و هو أفضل من الإيماء»

بل ظاهر خبر إبراهيم ابن زياد الكرخي (3) المتقدم سابقا في صدر المسألة وجوب تقديم ذلك على الإيماء، اللهم إلا أن يحمل على الأفضلية، فيتحد حينئذ مع الخبرين الأخيرين، و من هنا قال في المنظومة في نحو ما نحن فيه:

و القول بالتخيير و الترجيح * * *للرفع فيه ظاهر الصحيح

مشيرا بذلك إلى صحيح زرارة المرجح لرفع ما يسجد عليه على الإيماء، لكن قد يقال: إن ما عدا الخبر الأول و المرسل لا ظهور فيه فيما نحن فيه من المصلي مضطجعا أو مستلقيا، بل لعل ظاهرها لقوله فيها: «يسجد» و «يضع جبهته» و نحو ذلك غيرهما من المتمكن من صورة السجود بانحناء في الجملة أو باعتماد و نحوهما، فإنه حينئذ يرفع ما يسجد عليه، و يسجد لهذه النصوص و غيرها خصوصا الأخير، و لأنه هو الذي تمكن منه من السجود، فالله أولى بالعذر، و ما من شيء حرمة الله إلا و قد أحله لمن اضطر اليه، و عدم سقوط الميسور بالمعسور، و لغير ذلك، و الأفضلية و الأحبية في الصحيحين يراد بهما ما في الحدائق من أن الواجب أفضل من غيره، نحو قولهم:

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 1 مع اختلاف يسير.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 11 و هو عن إبراهيم ابن أبى زياد الكرخي.

272

السيف أمضى من العصا و شبهه مما لا يراد منه معنى التفضيلية، و لعله هو الذي سيشير اليه المصنف هنا و في باب السجود، بناء على إرادة نوع من الاعتماد من قوله:

ما يسجد عليه فيهما، بل لا أجد فيه خلافا بين الأصحاب في صورة الانحناء، بل مطلق في ظاهر الحدائق، بل في المنتهى في باب السجود لو تعذر الانحناء لعارض رفع ما يسجد عليه، ذهب إليه علماؤنا أجمع، بخلاف ما إذا لم يتمكن من الاعتماد و نحوه كما هو الغالب في المضطجع و المستلقي بل من المماسة خاصة، فلا يجتزي بها عن الإيماء، و الموثق الأول كالمرسل و إن كانا في المضطجع إلا أنه لا ريب في قصورهما عن أخبار الإيماء من وجوه، فيمكن حملهما على الاستحباب، أو على ما إذا لم يتمكن من الإيماء بشهادة

خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه المروي عن قرب الاسناد «سألته عن المريض الذي لا يستطيع القعود و لا الإيماء كيف يصلي و هو مضطجع؟ قال: يرفع مروحة إلى وجهه و يضع على جبينه و يكبر هو»

بناء على إرادة الاجتزاء بذلك عن السجود، أو على إرادة وجوب ذلك مع التمكن من الاعتماد عليه و يكون بصورة الساجد، إذ الظاهر وجوبه حينئذ عليه كما صرح به في الذكرى و غيرها، بل ظاهر الحدائق نفي الخلاف فيه ضرورة كونه حينئذ كالصورة السابقة، قال في الأول بعد الحكم بالإيماء للمضطجع:

«و لو أمكن تقريب مسجد اليه ليضع عليه جبهته و يكون بصورة الساجد وجب» ثم ذكر الموثق و قال: «يمكن أن يراد به مع اعتماده على ذلك الشيء، و هذا لا ريب في وجوبه» لكن قال فيها أيضا بعد ذلك: «و يمكن أن يراد به على الإطلاق، أما مع الاعتماد فظاهر، و أما مع عدمه فلأن السجود عبارة عن الانحناء و ملاقاة الجبهة ما يصح السجود عليه باعتماد، فإذا تعذر ذلك و ملاقاة الجبهة ممكنة وجب تحصيله، لأن

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 21.

273

الميسور لا يسقط بالمعسور، فان قلنا به أمكن انسحابه في المستلقي، أما المؤمي قائما فيجب اعتماد جبهته على ما يصح السجود عليه مع إمكانه قطعا» و قال في الروضة بعد ذكر الإيماء بالرأس للمستلقي و المضطجع: «و يجب تقريب الجبهة إلى ما يصح السجود عليه أو تقريبه إليها و الاعتماد بها عليه، و وضع باقي المساجد معتمدا، و بدونه لو تعذر الاعتماد» و ظاهرهما وجوب المماسة المزبورة إلا أنه ليس على جهة التخيير بينها و بين الإيماء، بل الظاهر إرادة وجوب ذلك معه كما صرح به بعضهم، و حكاه في كشف اللثام عن نهاية الأحكام، و هو ممكن جمعا بين الدليلين كما أشار إليه العلامة الطباطبائي بقوله قبل البيت السابق:

فلو تأتى الرفع دون الانحناء * * *فالجزم للإيماء مع الرفع هنا

من غير فرق في ذلك بين الاضطجاع و الاستلقاء و بين القيام و الجلوس مع اتحاد الجميع في مفروض المسألة و في كشف اللثام عن المقنع إذا لم يستطع السجود فليؤمي برأسه إيماء، و إن رفع إليه شيء يسجد عليه خمرة أو مروحة أو عود فلا بأس، و ذلك أفضل من الإيماء، قال: و هو إفتاء بصحيح زرارة، و يحتملان أن من تعذر عليه الانحناء للسجود رأسا يتخير بين الإيماء و رفع ما يسجد عليه، و هو أفضل، و أنه يتخير بين الاقتصار على الإيماء و الجمع بينهما، و هو أفضل، و يحتملان عموم الإيماء للانحناء لا بحد السجود، و تحتم الرفع حينئذ، و في الاحتمالين الأولين ما لا يخفى مع فرض التمكن من الاعتماد و نحوه، لما عرفت من وجوبه بل و مع عدمه، لكن الإنصاف أنه مع ذلك لا يخلو القول بالوجوب مع عدم الانحناء أصلا من إشكال و إن تمكن من الاعتماد فضلا عن غيره إن لم ينعقد إجماع عليه كما سمعته من المنتهى، للأصل و إطلاق أدلة الاجتزاء بالإيماء، و التصريح بالأفضلية في الصحيحين المزبورين (1) بل جزم به في المدارك في

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 2 و الباب 15 من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 1.

274

الصورة الثانية مستدلا بصحيح زرارة عليها، لكنك خبير أن فيه السجود على الأرض مما هو ظاهر في الصورة الأولى، و لعله لا يقول به، ضرورة ظهوره في التمكن من الاعتماد في الجملة، اللهم إلا أن يلتزمه مع فرض عدم الانحناء، فالمسألة لا تخلو من نظر، و لا ينبغي ترك الاحتياط فيها، كما أنه لا ينبغي ترك وضع باقي المساجد في محالها مع إمكانها بسبب تعذر الانحناء التام، لعدم سقوط الميسور بالمعسور، فيضعها حينئذ معتمدا عليها و إن رفع ما يسجد عليه و انحنى في الجملة كما صرح به بعضهم، نعم يمكن عدم اعتبار ذلك في بعض صور الإيماء للمضطجع و المستلقي و نحوهما لإطلاق الأدلة، فتأمل جيدا، و ربما يأتي للمسألة تتمة إن شاء الله في باب السجود، و الله أعلم.

[في حكم العاجز عن حالة في أثناء الصلاة]

و من عجز في أثناء الصلاة عن حالة انتقل إلى ما دونها مستمرا على ما كان متلبسا فيه من القراءة و نحوها، أو يراد بالاستمرار الكناية عن الاجتزاء بذلك و عدم استئناف الصلاة كالقائم يعجز فيقعد، أو القاعد يعجز فيضطجع، أو المضطجع يعجز فيستلقي، و كذا بالعكس فينتقل من وجد خفة في الأثناء إلى الحالة العليا المستطاعة كما أومأ إليه

قوله (عليه السلام) (1) فيما مضى: «إذا قوي فليقم»

مضافا إلى القطع بعدم الفرق في الأحوال المزبورة بين مجموع الصلاة و بعضها و إن كان أول ما يتبادر إلى الذهن منها الأول، لكن تبادره لأنه أظهر الأفراد، فاحتمال عدم الاجتزاء بالملفقة من الأحوال كما عن بعض العامة- بل يستأنف إذا اتفق عروض ذلك و يأتي بالصلاة على حالة واحدة إلا إذا فرض التعذر أو التعسر فحينئذ يجوز لهما التلفيق، و إلا فينكشف بعدم استمرار العجز مثلا أن المراد الفرد الآخر، فلا يجزي حينئذ الفرد الذي تلبس به بظن استمرار سببه- ضعيف جدا، بل لم أعثر على من ذكره احتمالا فضلا عمن مال اليه أو جزم به منا إلا ما ستسمعه عن نهاية الأحكام، و لعله لما عرفت،

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب القيام- الحديث 3.

275

و لإمكان دعوى اندراجه في أدلة كل من الأحوال أو بعضها المؤيد بالنهي عن إبطال العمل، و باستصحاب صحة الصلاة القاضي بعد إحراز الصحة بتعين الأحوال المزبورة بعد فرض انتفاء احتمال غيرها بالإجماع و نحوه، فيتحقق حينئذ من مجموع ذلك الامتثال المقتضي للإجزاء، نعم عن نهاية الأحكام لو انتفت المشقة فالأولى عندي استحباب الاستئناف، يعني لو كان القعود مثلا للمشقة في القيام لا للعجز عنه فانتفت في الأثناء استحب له الاستئناف، و لا بأس به إن أراد بعد الإكمال للتسامح، و إلا كان محل نظر و منع، لحرمة إبطال العمل التي لا يجوز الخروج عنها إلا بالدليل المعتبر، هذا. و قد مر سابقا عند قول المصنف: «و إذا تمكن من القيام للركوع وجب» ما ينفعك في المقام، ضرورة كونه من بعضه في وجه، فلاحظ و تأمل.

و قد بان لك من ذلك كله الوجه في الثاني من المراد بالاستمرار في المتن، أما الأول أي يبقى مستمرا على القراءة في أثناء الهوي إلى القعود مثلا فلأنه أقرب إلى الحالة العليا التي هي محل القراءة اختيارا، فيجب المحافظة عليه حينئذ وفاقا للمحكي عن الأكثر بل المشهور كما قيل، بل في الذكرى كما عن الروض نسبته إلى الأصحاب، و إن كان الظاهر عدم إرادة الأول الإجماع من النسبة المزبورة، لإشكاله إياه بعد النسبة، بل ربما نوقش في أصلها كما يومي اليه نسبته إلى القيل في المحكي عن دروسه بخلو كتب القدماء كالمقنعة و النهاية و المبسوط و الخلاف و الجمل و الوسيلة و السرائر و غيرها عن ذلك في مباحث القيام و الركوع و القراءة، بل قد يظهر من المبسوط خلافه، اللهم إلا أن يكون ذكروا ذلك في غير مظانه أو فيها و قد زاغ عنه البصر، أو يكون أراد مشايخه كالفخر و العميد و الفاضل و ابني سعيد و الآبي و غيرهم ممن شاهدهم، أو نقل له ذلك عنهم، فيتجه حينئذ بعد فقد الإجماع إشكاله بأن الاستقرار شرط في القراءة،

276

ل

خبر السكوني (1) عن الصادق (عليه السلام) في المصلي يريد التقدم قال: «يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم ثم يقرأ»

و غيره، بل لعله إجماع كما سمعته سابقا، و يشعر به ما في الذكرى، فيجب مراعاته فيها، و احتمال تسليم اشتراطه في غير محل البحث لعدم الدليل عليه فيه من إجماع أو نص كما ترى، كدعوى اشتراطه فيها في حال الاختيار المفقودة في المقام، ضرورة اضطراره إلى القعود، إذ يدفعها أن الاضطرار انما هو في نفس الانتقال لا في القراءة غير مستقر.

فلعل الأولى حينئذ تأخير القراءة إلى حال الجلوس تحصيلا لشرطها وفاقا للمحقق الثاني و غيره، خصوصا بعد ظهور اعتبار القراءة في القيام أو بدله، و ليس هو إلا القعود في الفرض، إذ الهوي من مقدماته لا من أبدال القيام حتى ينتهي إلى القعود، و إلا لزم كثرة المراتب، و هو كما ترى، و الاحتياط هنا انما هو بتكرير الصلاة أو بإعادة ما قرأ في الهوي بنية القربة المطلقة، بناء على الاجتزاء بمثلها لو فرض كونه جزء في الصلاة لا بالقراءة في حال الجلوس بعد ظهور بعض العبارات في وجوب القراءة في حال الهوي لقربه من حال الاختيار، فليس له السكوت حينئذ و إن جاز له في أثناء الحالة الواحدة، كما هو واضح، اللهم إلا أن يقال: إن صلاته صحيحة و إن عصى بترك القراءة في حال الهوي حتى انتقل تكليفه، فهو كمن سكت في حال القيام حتى عرض له ما نقل تكليفه، لكن لا يخفى عليك ما فيه بعد فرض علم المكلف بالانتقال، فتأمل جيدا، هذا.

و قد يشكل جريان أصل البحث في مثل الانتقال من الاضطجاع على الجانب الأيمن إلى الأيسر و نحوه بأن حالة الانتقال فيه ربما اقتضت قلبه على ظهره، و هي أدون من الجانب الأيسر، أو على وجهه فهو مرجوح في جميع المراتب، فينبغي تقييد الحكم

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب مكان المصلى- الحديث 3.

277

بما لو كان من حالات هي أعلى من المنتقل اليه، كما يدل عليه التعليل، اللهم إلا أن يقال بأن الانقلاب على الظهر مثلا أقرب من الأيسر إلى الأيمن في مثل الفرض، و عدم الاستمرار عليه للدليل أو لملاحظة الاشتراك في الاضطجاعية و نحوها.

ثم إنه قد يتوهم من قول المصنف و كذا العكس اتحادهما فيما ذكره من الانتقال و القراءة في أثنائه و نحوهما، و ليس كذلك قطعا، ضرورة وجوب الانتقال عليه من أقصى الدنيا إلى العليا من أول مرة مع الاستطاعة، لا أنه ينتقل مترتبا إلا إذا كانت الاستطاعة كذلك، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي في قوله:

فان بدا العجز عن الأعلى انتقل * * *لأوسط ثم إلى ما قد سفل

و لا كذا إذا استبان القدرة * * *فلينتقل إلى العلو مرة

و أما القراءة فلا ينبغي التأمل في وجوب تركها حتى ينتقل إلى العليا مطمئنا، لعدم الاستقرار، و عدم بدلية غيرها عنها مع التمكن منها، فما توهمه عبارة النافع كالمتن من القراءة في الأثناء في الفرض ليس في محله قطعا، و كيف و قد استحب له في الذكرى كما عن نهاية الأحكام استئناف ما قرأه سابقا لتقع جميع القراءة مستأنفة، و عن المبسوط يجوز له و إن كان قد يشكل باستلزامه زيادة الواجب مع حصول الامتثال و سقوط الفرض، إلا أن يتخلص عنه بما سمعته سابقا من القراءة بغير نية الجزئية.

و لو خف بعد القراءة وجب القيام للركوع قطعا، لوجوبه فيه و قد تمكن منه، و في وجوب الطمأنينة فيه للركوع و عدمه قولان، أشهرهما الثاني و أحوطهما الأول، و استدل عليه في الذكرى بأن الحركتين المتضادتين في الصعود و الهبوط لا بد أن يكون بينهما سكون، فينبغي مراعاته ليتحقق الفصل بينهما، و بأن ركوع القائم يجب أن يكون عن طمأنينة، و هذا منه، و بأن معه يتيقن الخروج عن العهدة، و فيه أن الكلام في الطمأنينة عرفا، و هي أمر زائد على ذلك، ضرورة كون ذلك السكون من اللوازم

278

التي لم تدخل في قسم الممكن حتى يصح التكليف بها، فحينئذ لا عبرة بالسكون المزبور كما لا عبرة به في حال الرفع من الركوع و إرادة الهوي إلى السجود بالإجماع المحكي عن الروض، و أما الثاني فهو عين المتنازع فيه، فان موضع الوفاق في اشتراط الركوع عن طمأنينة هي ما يحصل في قيامها قراءة و نحوها، فتكون الطمأنينة واجبة لذلك لا لذاتها، و هي قد حصلت حال القعود الذي هو بدل القيام، و أما الثالث فليس إلا الاحتياط الذي ذكرناه، و البحث في وجوبه معروف، خصوصا في المقام الذي يدعى اندراجه في إطلاق الأدلة. و كيف كان فلا تستحب إعادة القراءة هنا كما عن التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد و غيرها للأصل.

و لو خف في الركوع جالسا قبل الطمأنينة كفاه أن يرتفع منحنيا إلى حد الراكع و لم يجز له الانتصاب، لاستلزامه الزيادة المفسدة، و لو كان الخفة بعدها قبل الذكر فحكمه كسابقه على ما صرح به بعضهم، خلافا لما عساه يوهمه ظاهر المحكي عن التذكرة و الذكرى من أنه كما لو كان بعد الذكر الذي لا يجب عليه فيه إلا القيام للاعتدال بلا خلاف أجده، و فيه أن الذكر يجب إيقاعه في تلك الحالة من الركوع، و هي ممكنة له من غير استلزام زيادة، بخلاف ما لو كان خفة بعد تمام الذكر، لحصول الامتثال المقتضي للإجزاء فليس عليه حينئذ إلا القيام للاعتدال، و لو كانت خفته في أثناء الذكر فبناء على الاجتزاء بالتسبيحة الواحدة في الذكرى لا يجوز البناء على بعضها، لعدم سبق كلام تام و لزوم اعتبار الموالاة، و يحتمل البناء بناء على عدم قدح مثل هذا الفصل اليسير فيها، و لعل الأولى جعل المدار على الإخلال بها و عدمه، و لو فرض إتمامها ثم خف كان له الارتفاع للإتيان بالمستحب على الظاهر و لا زيادة ركن فيه، و لو أوجبنا تعدد التسبيح و كان قد شرع فيه فان كان في أثناء تسبيحة فالبحث فيها كالسابق و ارتفع الإتمام الباقي قطعا، كما أنه كذلك لو فرض بعد إتمام التسبيحة الواحدة، فإنه يرتفع حينئذ أيضا

279

لإتمام الباقي، لكن في كشف اللثام «لو كان قد شرع فيه و لم يكمل كلمة «سبحان» أو «ربي» أو «العظيم» أو ما بعده فالأولى إتمام الكلمة و عدم قطعها، بل عدم الوقف على «سبحان» ثم الاستئناف عند تمام الارتفاع» و هو جيد لولا استلزامه الزيادة، اللهم إلا أن يكون إتمامه بعنوان الذكر المطلق، و الأمر سهل.

و لو خف بعد الاعتدال و الطمأنينة قام ليسجد عن قيام كما صرح به في الذكرى و غيرها، بل لا أجد فيه خلافا، إلا أنه لا يخلو من إشكال كما في التذكرة، و لعله لعدم اعتبار القيام في السجود، و انما كان الهدم عنه له لأنه من ضروريات الامتثال به و لوازمه، على أنه قد قام عنه الاعتدال و الطمأنينة الجلوسيان، و أيضا لو كان هذا القيام واجبا لوجب حتى لو حصل الخف بعد الهوي إلى السجود قبل الوصول إلى حده، مع أنه لا يجب معه قولا واحدا كما قيل، نعم قد يحتمل القيام للقنوت الثاني بعد الركوع في الجمعة على إشكال أيضا كما في المحكي عن نهاية الأحكام من مخالفة الهيئة المطلوبة للشرع مع القدرة عليها، و من استحباب القنوت فجاز فعله جالسا للعذر، و لعل الأولى ترك قوله للعذر، كما أن الأول أولى، و كيف كان فعلى القول به، أي القيام للسجود فالظاهر عدم اعتبار الطمأنينة فيه للأصل وفاقا للمحكي عمن تعرض له من الأصحاب، نعم في الذكرى احتماله على بعد، قال: إلا إذا عللنا بتحصيل الفصل الظاهر بين الحركتين فيجب الطمأنينة، كما أنه يتجه اعتبارها و وجوب القيام لها لو فرض حصول الخف بعد الاعتدال قبل الطمأنينة.

و لو قدر على القيام للاعتدال من الركوع دون الطمأنينة فيه قام، و الأولى الجلوس لها كما في كشف اللثام، بل عن بعضهم القطع به، و يحتمل تقديم الجلوس لهما كما في الذكرى، و الأقوى سقوطها و الاجتزاء بالقيام كما قلناه في أصل قيام الركعة، و مثله لو ركع القائم فعجز عن الطمأنينة فالأقرب كما في الذكرى الاجتزاء به و يأتي

280

بالذكر فيه و بعده، و ليس له الجلوس ليركع ركوع الجالس مطمئنا.

و لو ثقل في أثناء الركوع فان كان بعد الذكر جلس للاعتدال مستقرا، و لو كان قبله قيل ففي الركوع أو الاجتزاء بما حصل من الركوع وجهان مبنيان على أن الركوع هل يتحقق بمجرد الانحناء المذكور أم لا بد في تحققه من الذكر و الطمأنينة و الرفع، و الأولى أنه إن أمكن هويه متقوسا بحيث لا يلزم زيادة ركوع هوى و ذكر، و إلا سقط و اكتفى بالجلوس للاعتدال من غير ركوع، و الله أعلم.

[من لا يقدر على السجود يرفع ما يسجد عليه]

و من لا يقدر على السجود يرفع ما يسجد عليه، فان لم يقدر أومأ إليه كما تقدم البحث فيه سابقا، و ربما يأتي له تتمة لاحقا إن شاء الله، و هل يجب عليه الجلوس للإيماء لو فرض قيامه مع تعذر السجود عليه بغير فقد الساتر؟ كما أنه هل يجب عليه القيام للإيماء للركوع لو فرض تعذر الركوع عليه و كان جالسا؟ وجهان، العدم لإطلاق الأدلة، و لأنهما من المقدمات التي تسقط بسقوط ذيها، و الوجوب لعدم سقوط الميسور بالمعسور، و لظهور النصوص و الفتاوى في المقام بوجوب كل ما يقرب إلى المأمور به، و لأن الإيماء هو البدل، فيعتبر فيه حينئذ ما يعتبر في المبدل منه، فيقوم ثم يومي للركوع، كما أنه يجلس فيومي للسجود، و لعله هو الذي أشار إليه العلامة الطباطبائي مستثنيا فاقد الساتر الذي يومي قائما إذا صلى كذلك لأمن المطلع، كما أنه يومي للركوع جالسا مع الصلاة كذلك عند خوف المطلع، فقال:

و كل إيماء عن السجود من * * *غير قيام ما خلا العاري الأمن

فقائما يومي كما قد ركعا * * *بالعكس مما لزم المروعا

لا يجلس القائم كالجالس لا * * *يقوم للإيماء في قول جلا

و قد يفرق بين الركوع و السجود باعتبار القيام في الأول فكذا بدله، بخلاف

281

السجود فان الجلوس فيه من مقدماته لا لأن السجود يعتبر فيه أن يكون عن جلوس.

[فيما يستحب للقائم حال قراءته]

و المسنون في هذا الفصل للقائم عدة أمور مستفادة من صحيح حماد (1) و زرارة (2) و المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (3)

قال في الأول: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يوما: أ تحسن أن تصلي يا حماد؟ قال: قلت: يا سيدي أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة، قال: فقال (عليه السلام): لا عليك قم صل، قال: فقمت بين يديه متوجها إلى القبلة، فاستفتحت الصلاة و ركعت و سجدت، فقال: يا حماد، لا تحسن أن تصلي، ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة، بحدودها تامة، قال حماد: فأصابني في نفسي الذل، فقلت: جعلت فداك فعلمني الصلاة، فقام أبو عبد الله (عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا فأرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم أصابعه و قرب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاث أصابع مفرجات، و استقبل بأصابع رجليه جميعا القبلة لم يحرفهما عن القبلة بخشوع و استكانة، فقال: الله أكبر، ثم قرأ الحمد بترتيل و قل هو الله أحد، ثم صبر هنيئة بقدر ما تنفس و هو قائم، ثم قال: الله أكبر و هو قائم، ثم ركع و ملأ كفيه. و قال أبو جعفر (عليه السلام) في الثاني: «إذا قمت في الصلاة فلا تلصق قدمك بالأخرى دع بينهما فصلا، إصبعا أقل ذلك، إلى شبر أكثره، و أسدل منكبيك و أرسل يديك و لا تشبك أصابعك، و ليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك، و ليكن نظرك إلى موضع سجودك»

و في المحكي

عن فقه الرضا (عليه السلام) «إذا أردت أن تقوم إلى الصلاة فلا تقم إليها متكاسلا- إلى أن قال-: فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه، فصف قدميك و أنصف نفسك و لا تلتفت يمينا و لا شمالا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 3.

(3) المستدرك- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 7.

282

و تحسب كأنك تراه، فان لم تكن تراه فإنه يراك، و لا تعبث بلحيتك- إلى أن قال أيضا-: و يكون بصرك في موضع سجودك ما دمت قائما- ثم قال-: و لا تتك مرة على رجلك و مرة على الأخرى»

إلى آخره و انما لم نذكر تمام الأخبار الثلاثة لاشتمالها على ذكر المستحبات في الصلاة لا خصوص القيام الذي هو المطلوب في المقام.

و المستفاد من هذه و غيرها إسدال المنكبين و إرسال اليدين و وضعهما على الفخذين اليمنى على الأيمن و اليسرى على الأيسر مضمومتي الأصابع حتى الإبهام محاذي الركبتين و النظر إلى موضع السجود و استواء النحر و فقار الظهر، كما يدل عليه أيضا المرسل (1) الوارد في تفسير قوله تعالى (2) «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» الذي قد تقدم سابقا، و استواء الرجلين في الاستقرار، بل يظهر من الأخير كراهة الاتكاء على واحدة، و صف القدمين بحيث لا ينحرف أحدهما عن الآخر و لا يزيد، و أن يوجه بالجميع القبلة و أن يفرق بينهما و لو بإصبع، و الشبر أقصى الفصل، إلى غير ذلك مما لا يخفى على من لاحظ النصوص.

و ربما يظهر من

صحيح زرارة الآخر (3) عدم استحباب بعضها بالنسبة إلى المرأة، قال فيه: «إذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها و لا تفرج بينهما، و تضم يديها إلى صدرها لمكان ثدييها.»

و لم أعرف خلافا بين الأصحاب في عدم وجوب شيء من جميع ما ذكرنا عدا ما سمعته سابقا من المحكي عن ظاهر الصدوق من وجوب نصب النحر، و عدا ما يظهر من بعض العبارات المحكية في تحديد ما بين القدمين بالشبر أو الأقل، و لا ريب في ضعفهما، و أن المدار في الثاني على عدم حصول التباعد

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام- الحديث 3.

(2) سورة الكوثر- الآية 2.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 4.

283

المخل بهيئة القيام، و الله أعلم.

[فيما يستحب للقاعد حال قراءته]

و أما المستحب للقاعد ف شيئان: أحدهما أن يتربع المصلي قاعدا في حال قراءته بلا خلاف أجده، بل عن صريح الخلاف و ظاهر غيره الإجماع عليه،

للحسن (1) «كان أبي (عليه السلام) إذا صلى جالسا تربع، فإذا ركع ثنى رجليه»

كما أني لا أعرف خلافا في عدم وجوبه، بل عن المنتهى أنه إجماعي لإطلاق النصوص (2) و التصريح و التعميم في بعضها (3) بل لا أعرف خلافا أيضا في أن ذلك كيفية لمطلق الصلاة جالسا سواء كان فريضة أو نافلة، و كذا لا أعرف خلافا أيضا في أن المراد بالتربع هنا نصب الفخذين و الساقين و إن كان لم يساعده شيء مما وقفنا عليه من كلام أهل اللغة بالخصوص، بل الموجود فيه خلاف ذلك، و أنه عبارة عن الكيفية المتعارفة الآن، إلا أن الأصحاب لعلهم أخذوه من أنه هو جلوس القرفصاء المنقول (4) عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه أحد جلساته الثلاثة، و أنه هو الأقرب للقيام، بل ربما احتمل وجوبه، و احتمال أنه هو جلوس العبد المتهيّئ للامتثال الذي قد أمر به في بعض الأخبار، و ربما كان في الحسن السابق أيضا إشارة اليه، لأن ثني الرجلين في حال الركوع يدل على عدمه قبله، و التربيع المتعارف فيه ثنى الرجلين، فتأمل، و المراد بثني الرجلين فرشهما واضعا للفخذ على الساق.

و لا خلاف في أنه يستحب له أيضا أن يثني رجليه في حال ركوعه للحسن السابق المحكي على ظاهره الإجماع عن بعضهم، و أما بين السجدتين فالظاهر استحباب التورك لا التربع لما ستسمع، و إن كان يمكن دعوى دلالة الحسن على الثاني، و كذا التشهد، لكن المصنف نسبه إلى القيل مشعرا بتمريضه، فقال و قيل

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القيام- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القيام.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القيام- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 74- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 1 من كتاب الحج.

284

و يتورك في حال تشهده بل عن جامع ابن عمه التصريح باستحباب التربع فيه، و لم أعرف لهما موافقا و لا شاهدا عدا دعوى إطلاق الحسن السابق الذي لا يقاوم ما سيأتي م ما دل (1) على استحباب التورك فيه الذي حكي التصريح به هنا عن جماعة من الأصحاب، و الأمر سهل، و لقد ذكرنا جملة نافعة عند ذكر المصنف الجلوس في النافلة، من أرادها فليلاحظها، لكن ذكر الأستاذ في كشفه هنا «أن الأفضل للجالس العاجز جلوس القرفصاء إن لم نوجبه، لأنه أقرب إلى هيئة القيام، و بعدها التربع، و هو جمع القدمين و وضع إحداهما على الأخرى، و قد يقال بأفضلية الحال الأولى في مقام القراءة و مقام الركوع، و الثانية في مقام الجلوس، و يستحب توركه حال التشهد» و هو كما ترى فيه ما هو خال عنه كلام الأصحاب، بل لعله يخالفه و إن كان يمكن ذكر ما يصلح مستندا لبعض ما ذكره، و الله أعلم.

[الرابع من أفعال الصلاة القراءة]

الفعل الرابع من أفعال الصلاة القراءة

[واجبات القراءة]

و هي واجبة في الجملة في الصلاة إجماعا بل و ضرورة من المذهب كما في كشف الأستاذ، لعدم العبرة في ذلك بمن لم يسمع الآن بجملة من الضروريات من بهائم الخلق و نصوصا مستفيضة (2) بل متواترة، بل قيل و كتابا كقوله تعالى (3):

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القراءة في الصلاة.

(3) سورة المزمل- الآية 20.

285

«فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» بعد العلم بأن لا وجوب في غير الصلاة، و فيه أن النصوص (1) ظاهرة أو صريحة في أن وجوبها من السنة لا من الكتاب كالركوع و السجود، و ذلك أقوى قرينة على عدم إرادة الصلاة من الآية المستلزمة لتكلف إخراج ما عدا الصلاة و ما عدا الفاتحة خاصة، أو هي و السورة مما تيسر، و إرادة الوجوب الشرطي و الشرعي من الأمر على فرض العموم للفرض و النفل، و غير ذلك، بل لا ظن بإرادة قراءة الصلاة، و فرق واضح بين قابلية الإرادة و بين الظن بالإرادة الفعلية كما هو الديدن في قرائن المجاز، و يؤيد ذلك كله أنها ليست ركنا تبطل الصلاة بتركها عمدا و سهوا فضلا عن زيادتها قطعا، بل عن الخلاف الإجماع عليه، بل يمكن دعوى تحصيله، لعدم معلومية المخالف و إن نسب إلى ابن حمزة، لكن قيل: إنه لم يكن له في الوسيلة ذكر، نعم عن المبسوط حكايته عن بعض أصحابنا، و مثله لا يقدح في تحصيل القطع الناشئ من اتفاق من وصل إلينا فتاويهم من الأصحاب و النصوص (2) الكثيرة الظاهرة و الصريحة في نفي البطلان مع النسيان الذي هو لازم الركنية، فاصالتها حينئذ على تقدير التسليم و إطلاق نفي الصلاة من دون الفاتحة مثلا يجب الخروج عنهما ببعض ذلك فضلا عن جميعه، و لو كانت واجبة بالكتاب لكانت ركنا كما أومأت إليه النصوص (3).

[فيما يجب فيه الحمد من الركعات]

و تتعين بالحمد في كل ثنائية و في الأولتين من كل رباعية و ثلاثية بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن دعوى تواتر الإجماع عليه للنصوص البيانية (4) و غيرها مما يمر

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1 و الباب 29 منها- الحديث 5 و المستدرك- الباب 22 منها- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 27 و 28 و 29- من أبواب القراءة في الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1 و الباب 29 منها- الحديث 5 و المستدرك- الباب 24 منها- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة.

286

عليك في تضاعيف المباحث، بل قد يشعر المشتمل منها (1) على ذكر السبب في اختصاص الأولتين بالقراءة دون الأخيرتين بكونه مفروغا منه، بل يمكن دعوى استفادته أيضا من نفي الصلاة بدون فاتحة الكتاب، بناء على إرادة كل ركعة من الصلاة و إن خرج ما خرج بالدليل، أو على الإتمام بالإجماع، و منه يعلم حينئذ وجوبها شرطا أو و شرعا في النافلة، بل هي مدلول له قطعا إذا كانت ركعة واحدة، على أنك قد سمعت أصالة اشتراك النافلة و الفريضة في كل هيئة كان موضوعها لفظ الصلاة التي هي اسم للطبيعة المشتركة بينهما، فما عن تذكرة الفاضل و تحريره و ابن أبي عقيل من عدم اشتراطها بذلك للأصل ضعيف كأصله لما عرفت، مضافا إلى توقيفية العبادة، و إلى ما ورد في بيان كثير من النوافل الخاصة من الأمر بقراءتها فيها مما هو ظاهر و لو بمعونة فتاوى الأصحاب في عدم إرادة اختصاص تلك النوافل بالفاتحة و إن اختصت بأمور أخر من سور خاصة و نحوها، بل عدم العثور على نافلة مخصوصة ذكر فيها الاكتفاء بغير الحمد أو ببعضه أقوى شاهد على اعتباره فيها جميعها، و إلى فعل السلف و الخلف، نعم قد يشهد للفاضل توسعة الأمر في النوافل، و خصوص

خبر علي بن أبي حمزة (2) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل المستعجل ما الذي يجزيه في النافلة؟

قال: ثلاث تسبيحات في القراءة و تسبيحة في الركوع و السجود»

بناء على عدم التخصيص بالمستعجل لعدم القائل بالفصل، أو لصدق الاستعجال على ما لا ينافي الاختيار، لكنه مع ضعفه قاصر عن معارضة ما عرفت، فتأمل جيدا.

[في عدم جواز الإخلال بشيء من القراءة حتى التشديد]

و على كل حال ف تجب قراءتها أجمع، و حينئذ لا تصح الصلاة مع الإخلال و لو بحرف واحد منها عمدا إجماعا في كشف اللثام و عن المعتبر و المنتهى

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

287

نقيصة أو إبدالا ممنوعا أو غيرهما، لعدم الامتثال، ضرورة كونها اسما للمجموع الذي ينتفي بانتفاء بعضه، و التسامحات العرفية كالاشتباهات لا تبنى عليها الأحكام الشرعية و الظاهر ذلك حتى لو تدارك بناء على تحقق البطلان بمطلق الزيادة في الصلاة، إذ من الواضح حينئذ تحققها فيما لو تدارك بسبب ما وقع قبله منه، بل لو أخل بحرف من كلمة فقد نقص و زاد معا و إن لم يتدارك إن نوى بما أتى به من الكلمة الجزئية، و إلا نقص و تكلم في البين بأجنبي.

فظهر حينئذ عدم جواز الإخلال بشيء منها حتى التشديد كما عن الأكثر التصريح به، بل في فوائد الشرائع لا نعرف فيه خلافا، قال فيه: «لا ريب أن رعاية المنقول في صفات القراءة و التسبيح و التشهد- من حركات و سكنات للاعراب و البناء و غير ذلك مما يقتضيه النهج العربي كالادغام الصغير على ما صرح به شيخنا الشهيد في البيان و المد المتصل- واجبة، و مع الإخلال بشيء من ذلك تبطل الصلاة، و لا نعرف في ذلك كله خلافا، و يحصل ترك التشديد إما بحذف الحرف المدغم مثلا، أو بتحريكه، أو بفك الإدغام» لكن الأول مندرج في الإخلال بحرف، و لعله خصه بالذكر حينئذ لخفائه، و الثاني إخلال بكيفية الحرف، لأنه حركة بعد أن كان ساكنا، و الثالث بطلانه لفوات الموالاة، قال في كشف اللثام: «و فك الإدغام من ترك الموالاة إن تشابه الحرفان، و إلا فهو إبدال حرف بغيره، و على التقديرين من ترك التشديد، نعم لا بأس به بين كلمتين إذا وقف على الأولى نحو «لَمْ يَكُنْ لَهُ» لما ستعرفه من جواز الوقف على كل كلمة» و ظاهره عدم جواز فكه في نحو الكلمتين المزبورتين إذا لم يقف و ستعرف التفصيل، و على كل حال فالظاهر إرادة التشديد من الإدغام الصغير في معقد نفي الخلاف في كلام الكركي، إذ هو إدراج الساكن الأصلي في المتحرك في كلمة واحدة

288

أو كلمتين متماثلين «ك هَلْ لَكَ» أو متقاربين (1) «ك مِنْ رَبِّكَ» خلاف الإدغام الكبير الذي هو إدراج المتحرك بعد الإسكان في المتحرك متماثلين في كلمة «ك مَناسِكَكُمْ» و «ما سَلَكَكُمْ» أو في كلمتين «ك يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» «فِيهِ هُدىً»- «وَ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ» أو متقاربين في كلمة كالقاف في الكاف بشرط تحرك ما قبلها «ك يَرْزُقُكُمْ» و «خَلَقَكُمْ» لا «ك مِيثاقَكُمْ» و أن يكون بعده ميم الجماعة في قول، و في كلمتين «ك فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ» قيل: و قد حصروه في ستة عشر حرفا: الحاء و القاف و الكاف و الجيم و الشين و الضاد و السين و الدال و الذال و التاء و الثاء و الراء و اللام و النون و الميم و الباء، و التفصيل يطلب من مظانه، لأن لا غرض لنا يتعلق به و لا بغيره من أقسام الإدغام الكبير، إذ لم أعرف أحدا قال بوجوب شيء منه من الأصحاب كما اعترف به بعض مشايخنا، بل لو لا الإجماع المدعى على القراءة بالسبع أو العشر لأمكن التوقف في القراءة ببعض أفراده، خصوصا مع استلزامه تغيير كيفية الحرف بالإسكان أو الإبدال، إذ لذلك سمي كبيرا.

بل يمكن المناقشة في إطلاق الوجوب في الإدغام الصغير و إن نسب إلى الفقهاء و لم يعرف الكركي فيه خلافا، ضرورة عدم الدليل على وجوبه في مطلق المتقاربين في النحو و لا في الصرف، بل و لا في علم القراءة، إذ حروف الحلق و هي «اهع حغخ» متقاربة المخرج، و كذا حروف أصل اللسان كالقاف و الكاف، و حروف وسطه كالياء المثناة التحتانية و الشين و الجيم، و حروف طرفه كالصاد و السين و الراء، و حروف الشفة

____________

(1) الصحيح ما أثبتناه و ان كانت النسخة الأصلية مع تاء التأنيث الموهمة أن قوله: «متماثلتين» و «أو متقاربتين» صفتان لكلمتين و ذلك لأنهما حالان لقوله:

«الساكن الأصلي و «المتحرك» كما هو واضح.

289

العليا كاللام و النون و الثاء و الذال و الظاء، و حروف الشفة السفلى و هي التاء و الدال و الطاء، و حروف الشفتين كالفاء و الباء و الواو و الميم و إن تفاوتت بالجهر و الهمس و الشدة و الرخاوة و غيرها من الأوصاف، و قد اختلفوا في إدغام كثير منها مع تقارب المخرج كالذال في الجيم و الزاء و السين و الصاد و التاء و الدال، نحو إِذْ جَعَلْنَا، و إِذْ زَيَّنَ، و إِذْ سَمِعْتُمُوهُ، و إِذْ صَرَفْنا، و إِذْ تَبَرَّأَ، و إِذْ دَخَلُوا، فعن أبي عمر و هشام الإدغام، و عن عاصم و الحرميين الإظهار، و الدال في الجيم و السين و الشين و الصاد و الذال و الراء و الضاد و الظاء، نحو لَقَدْ جاءَكُمْ، لَقَدْ سَمِعَ، قَدْ شَغَفَها، لَقَدْ صَرَّفْنا، لَقَدْ ذَرَأْنا، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ، فَقَدْ ضَلَّ، فَقَدْ ظَلَمَ، فعن الأكثر الإدغام، و عن عاصم و ابن كثير و قالون الإظهار، و تاء التأنيث في ستة: الجيم و السين و الصاد و الزاء و الثاء و الظاء، نحو نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ، و كَذَّبَتْ ثَمُودُ، و أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، و حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، و خَبَتْ زِدْناهُمْ، و كانَتْ ظالِمَةً، فعن الأكثر الإظهار، و عن بعض الإدغام، و لام هل و بل في التاء و الثاء و السين و الزاء و الطاء و الضاد و النون، نحو هَلْ تَعْلَمُ، هَلْ ثُوِّبَ، بَلْ سَوَّلَتْ، بَلْ زُيِّنَ، بَلْ طَبَعَ، بَلْ ضَلُّوا، بل ظلموا، بَلْ ظَنَنْتُمْ، بَلْ نَظُنُّكُمْ، هَلْ نَدُلُّكُمْ، فعن الكسائي الإدغام، و عن الأكثر الإظهار، إلى غير ذلك مما اختلفوا فيه كالباء في الفاء و بالعكس، نحو أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ، و مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ، و نَخْسِفْ بِهِمُ، و الراء في اللام، نحو وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ.

نعم لا خلاف بينهم كما عن الشاطبية و سراج القارئ في إدغام الذال في الظاء نحو إِذْ ظَلَمُوا، و الدال في التاء نحو قَدْ تَبَيَّنَ، قَدْ نَعْلَمُ، وَعَدْتَنا، و في إدغام تاء التأنيث في الدال و الطاء أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما، و فَآمَنَتْ طائِفَةٌ، و اللام في الراء قُلْ رَبِّي، بَلْ رَبُّكُمْ، بَلْ رانَ، بل قيل الظاهر أيضا أنهم يوجبون إدغام الطاء في التاء أَحَطْتُ، بَسَطْتَ، و القاف في الكاف مع سكونها و اتصال ميم الجمع، بل قيل و بدونه، لم يخلقكم،

290

لم يرزقكم، يخلقك.

و وجوب ذلك كله مبني على وجوب ما عند القراء، إذ ليس في النحو و الصرف ما يقتضيه، ضرورة عدم معروفية الإدغام عندهم إلا في المتماثلين في كلمة واحدة، أو كلمتين الساكن أولهما أصالة، و كأن الإدغام حينئذ من ضروريات النطق بالكلمة أو الكلمتين معا، و لعل مراد الأصحاب بالإدغام الصغير الذي نقلوا الإجماع على وجوبه هذا لا مطلق ما عرفت، مع أنه قد يستثنى منه أيضا حرف المد نحو آمَنُوا، وَ عَمِلُوا، و الَّذِي يُوَسْوِسُ، فإنه واجب الإظهار، بل يمكن دعوى منافاة المد للادغام، أما لو أريد بالإدغام الصغير ما يشمل جميع ما سمعت مما ادعي وجوبه عند سائر القراء ففيه بحث أو منع.

كالبحث أو المنع في وجوب إدغام التنوين و النون الساكنة إذا كانت طرفا في اللام و الراء بغنة الذي نقل إجماع القراء السبعة عليه عن التيسير و سراج القاري و الشاطبية نحو هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، مِنْ رَبِّكَ، و لكِنْ لا يَعْلَمُونَ، بل نقلوه أيضا على إدغامهما في حروف «ينمو» الأربعة مصاحبا للغنة إلا من خلف فلا غنة في الياء و الواو نحو من يقو، و بَرْقٌ يَجْعَلُونَ، مِنْ نُورٍ، يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ، مِمَّنْ مَنَعَ، مَثَلًا ما بَعُوضَةً، مِنْ والٍ، غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ.

أما إذا كانت النون وسطا فعن الشاطبي و جماعة الإجماع على وجوب إظهارها نحو الدُّنْيا و بُنْيانٌ و قِنْوانٌ و صِنْوانٌ لئلا تشتبه بالمضاعف نحو حيان و بوان، بل قيل أيضا إنه حكي الإجماع مستفيضا على إظهارهما معا قبل حروف الحلق، و أنهم أجمعوا على قلبهما ميما عند الباء نحو مِنْ بَعْدِ- صُمٌّ بُكْمٌ، بل عن ابن مالك التصريح به أيضا.

و أما حالهما عند غير الذي عرفت من باقي الحروف فعن الشاطبية و سراج القاري الإجماع أيضا على إخفائهما مع بقاء غنتهما، و الإخفاء حال بين الإدغام و الإظهار عار

291

من التشديد، و أما الميم فان لاقت الباء غنت، و إن لاقت غيرها من سائر الحروف ظهرت، و وجه الإشكال في الجميع ما عرفت، خصوصا إذا قلنا: إن المراد بالوجوب في لسان القراء تأكد الفعل كما عن الشهيد الثاني احتماله، أو أنه معتبر في التجويد لا كالنحويين و الصرفيين الذي يراد به فيهما خروج اللفظ عن قانون اللغة، و لذا كان الأقوى وجوب كل ما هو واجب عندهم دون القراء.

لا يقال: إنه بعد أن كلف بقراءة القرآن مثلا في الصلاة فلا يجزيه إلا قراءة ما هو معلوم أنه قرآن أو كالمعلوم، و هو لا يحصل إلا بالقراءات السبع، للإجماع في جامع المقاصد و عن الغرية و الروض على تواترها، كما عن مجمع البرهان نفي الخلاف فيه المؤيد بالتتبع، ضرورة مشهورية وصفها به في الكتب الأصولية و الفقهية، بل في المدارك عن جده أنه أفرد بعض محققي القراء كتابا في أسماء الرجال الذين نقلوا هذه القراءات في كل طبقة، و هم يزيدون عما يعتبر في التواتر، مضافا إلى قضاء العادة بالتواتر في مثله لجميع كيفياته، لتوفر الدواعي على نقله من المقر و المنكر، و إلى معروفية تشاغلهم به في السلف الأول حتى أنهم كما قيل ضبطوه حرفا حرفا، بل لعل هذه السبعة هي المرادة من

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «نزل القرآن على سبعة أحرف»

كما يومي اليه المروي (2) عن خصال الصدوق، و لأن الهيئة جزء اللفظ المركب منها و من المادة، فعدم تواترها يقضي بعدم تواتر بعض القرآن، أو العشر (3) لدعوى الشهيد في الذكرى تواترها أيضا؟ و هو لا يقصر عن نقل الإجماع بخبر الواحد كما اعترف به

____________

(1) الخصال ج 2 ص 10 الطبع القديم.

(2) الوسائل- الباب- 74- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 6.

(3) قوله: «أو العشر» معطوف على كلمة «السبع» في قوله: «و هو لا يحصل إلا بالقراءات السبع».

292

في جامع المقاصد و إن ناقشه بعضهم بأن شهادته غير كافية، لاشتراط التواتر في القرآن الذي يجب ثبوته بالعلم، و لا يكفي الظن، فلا يقاس على الإجماع، نعم يجوز ذلك له، لأن كان التواتر ثابتا عنده، و لو سلم عدم تواتر الجميع فقد أجمع قدماء العامة و من تكلم في المقام من الشيعة كما عن الفاضل التوني في وافية الأصول على عدم جواز القراءة بغيرها و إن لم يخرج عن قانون اللغة و العربية، و في مفتاح الكرامة أن أصحابنا متفقون على عدم جواز العمل بغير السبع أو العشر إلا شاذ منهم، و الأكثر على عدم العمل بغير السبع، و لعل ذلك

للمرسل (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) «جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها، و لا نحسن أن نقرأها، كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا، فاقرأوا كما علمتم فسيجيء من يعلمكم» و خبر سالم بن سلمة (2) قال: «قرأ رجل على أبي عبد الله (عليه السلام) حروفا ليس على ما تقرأها الناس فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كف عن هذه القراءة، إقرأوا كما يقرأ الناس حتى يقوم العلم»

و المرسل المشهور نقلا في كتب الفروع لأصحابنا و عملا «القراءة سنة متبعة» بل في حاشية المدارك أن المراد بالتواتر هذا المعنى، قال فيها: «المراد بالمتواتر ما تواتر صحة قراءته في زمان الأئمة (عليهم السلام) بحيث يظهر أنهم كانوا يرضون به و يصححون و يجوزون ارتكابه في الصلاة، لأنهم (صلوات الله عليهم) كانوا راضين بقراءة القرآن، على ما هو عند الناس، و ربما كانوا يمنعون من قراءة الحق، و يقولون: هي مخصوصة بزمان ظهور القائم (عليه السلام)» انتهى. فالمعتبر حينئذ القراءات السبع أو العشر، و ظاهر الأصحاب بل هو صريح البعض التخيير بين

____________

(1) الوسائل- الباب- 74- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 74- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1 رواه في الوسائل عن سالم بن أبي سلمة مع تفاوت في اللفظ.

293

جميع القراءات، نعم يظهر من بعض الأخبار (1) ترجيح قراءة أبيّ.

لأنا نقول أولا: يمكن منع دعوى وجوب قراءة المعلوم أنه قرآن، بل يكفي خبر الواحد و نحوه مما هو حجة شرعية.

و ثانيا أن الأوامر تنصرف إلى المعهود المتعارف، و هو الموجود في أيدي الناس، و لا يجب تطلب أزيد من ذلك كما أوضحه الخصم في الوجه الثاني من اعتراضه.

و ثالثا نمنع اعتبار الهيئة الخاصة من أفراد الهيئة الصحيحة في القرآنية، فلا يتوقف العلم بكونه قرآنا عليها، إذ هي من صفات الألفاظ الخارجة عنها، كما يستأنس له بصدق قراءة قصيدة امرئ القيس مثلا، و دعاء الصحيفة على المقر و صحيحا و إن لم يعلم الهيئة الخاصة الواقعة من قائلهما، بل يصدق في العرف قراءة القرآن على الموافق للعربية و اللغة و إن لم يعلم خصوصية الهيئة الواقع عليها، بل قد ادعى المرتضى فيما حكي عن بعض رسائله كبعض العامة صدق القرآن على الملحون لحنا لا يغير المعنى، و لذا جوزه عمدا و إن كان هو ضعيفا.

و إلى بطلانه أشار المصنف بقوله و كذا إعرابها أي و كذا تبطل الصلاة مع الإخلال عمدا بشيء من إعرابها كما هو المعروف، بل في فوائد الشرائع لا نعرف فيه خلافا، بل عن المنتهى لا خلاف فيه، بل عن المعتبر الإجماع عليه، إما لدخول الهيئة الصحيحة إعرابا و بنية و بناء لغة في مسمى القرآن كما صرح به في جامع المقاصد لأنه عربي، أو لأنه المنساق من إطلاق الأوامر، أو للإجماع، أو لغير ذلك، و أولى منه الإخلال بحركات البنية بل و البناء، و لعله كغيره أراد بالاعراب ما يشمل ذلك كله توسعا، كما أنه أراد منه قطعا الحركات و السكون و غيرهما من علامات الاعراب، و دعوى أن القرآن اسم لتلك الألفاظ الخاصة و غيرها مما يقع في ألسنة الناس حكاية

____________

(1) الوسائل- الباب- 74- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

294

صورة القرآن- بل حتى ما يقع من لسان النبي (صلى الله عليه و آله) بناء على أن طريق وحيه إليه بواسطة حلوله في شجرة أو غيرها من الأجسام التي يمكن إخراج الصوت منه مقطعا بالقدرة الربانية- يدفعها أن المدار أيضا حينئذ في صدق حكاية القرآن ما ذكرنا.

و رابعا منع التواتر أو فائدته، إذ لو أريد به إلى النبي (صلى الله عليه و آله) كان فيه أن ثبوت ذلك بالنسبة إلينا على طريق العلم مفقود قطعا، بل لعل المعلوم عندنا خلافه، ضرورة معروفية مذهبنا بأن القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد، و الاختلاف فيه من الرواة كما اعترف به غير واحد من الأساطين، قال الشيخ فيما حكي من تبيانه: «إن المعروف من مذهب الإمامية و التطلع في أخبارهم و رواياتهم أن القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد غير أنهم أجمعوا على جواز القراءة فإن الإنسان مخير بأي قراءة شاء، و كرهوا تجريد قراءة بعينها» و قال الطبرسي فيما حكي عن مجمعه:

«الظاهر من مذهب الإمامية أنهم أجمعوا على القراءة المتداولة، و كرهوا تجريد قراءة مفردة، و الشائع في أخبارهم أن القرآن نزل بحرف واحد» و قال الأستاذ الأكبر في حاشية المدارك: «لا يخفى أن القراءة عندنا نزلت بحرف واحد، و الاختلاف جاء من قبل الرواية، فالمتواتر» إلى آخر ما نقلناه عنه سابقا، و قال الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (1): «إن القرآن واحد نزل من عند الواحد، و لكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة» و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح الفضيل (2) لما قال له: إن الناس يقولون: إن القرآن على سبعة أحرف: «كذب أعداء الله، و لكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد»

و مثله خبر زرارة و قال أيضا في صحيح المعلى بن

____________

(1) أصول الكافي- ج 2 ص 630 «باب النوادر» من كتاب فضل القرآن الحديث 12.

(2) أصول الكافي- ج 2 ص 630 «باب النوادر» من كتاب فضل القرآن الحديث 13.

295

خنيس (1) لربيعة الرأي: «إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال، فقال ربيعة الرأي: ضال فقال: نعم، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): أما نحن فنقرأ على قراءة أبي»

و إن كان الظاهر أن ذلك منه (عليه السلام) إصلاح لما عساه مناف للتقية من الكلام الأول، خصوصا و ابن مسعود عندهم بمرتبة عظيمة، و إلا فهم المتبعون لا التابعون، كما أنهم ربما صدر منهم (عليهم السلام) (2) ما يوافق خبر السبعة الأحرف المشهور عندهم تقية، أو يحمل على إرادة البطون كما يومي اليه

قوله (عليه السلام) (3) بعده بلا فاصل: «فأولى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه»

و لا ينافي ذلك ما ورد من السبعين بطنا و نحوه، لأن البطون لها بطون، كما

ورد في الخبر أيضا «إن لكل بطن بطنا حتى عد إلى سبعين»

و عن السيد نعمة الله أن ابن طاوس أنكر التواتر في مواضع من كتابه المسمى بسعد السعود و اختاره، قال:

«و الزمخشري و الرضي وافقانا في ذلك» قلت: بل الزمخشري صرح بما في أخبارنا من أن قراءة النبي (صلى الله عليه و آله) واحدة، و أن الاختلاف انما جاء من الرواية، و لذلك أوجب على المصلي كل ما جاء من الاختلاف للمقدمة، و استحسنه بعض من تأخر من أصحابنا لولا مجيء الدليل بالاجتزاء بأي قراءة.

و بالجملة من أنكر التواتر منا و من القوم خلق كثير، بل ربما نسب إلى أكثر قدمائهم تجويز العمل بها و بغيرها، لعدم تواترها، و يؤيده أن من لاحظ ما في كتب القراءة المشتملة على ذكر القراء السبعة و من تلمذ عليهم و من تلمذوا عليه يعلم أنه عن التواتر بمعزل، إذ أقصى ما يذكر لكل واحد منهما واحد أو اثنان، على أن تواتر الجميع يمنع من استقلال كل من هؤلاء بقراءة بحيث يمنع الناس عن القراءة بغيرها،

____________

(1) أصول الكافي- ج 2 ص 634 «باب النوادر» من كتاب فضل القرآن- الحديث 27.

(2) الخصال- ج 2 ص 10 الطبع القديم.

(3) الخصال- ج 2 ص 10 الطبع القديم.

296

و يمنع من أن يغلط بعضهم بعضا في قراءته، بل ربما يؤدي ذلك إلى الكفر كما اعترف به الرازي في المحكي من تفسيره الكبير، و دعوى أن كل واحد من هؤلاء ألف قراءته من متواترات رجحها على غيرها، لخلوها عن الروم و الإشمام و نحوهما، و به اختصت نسبتها اليه كما ترى تهجس بلا درية، فإن من مارس كلماتهم علم أن ليس قراءتهم إلا باجتهادهم و ما يستحسنوه بأنظارهم كما يومي اليه ما في كتب القراءة من عدهم قراءة النبي (صلى الله عليه و آله) و علي و أهل البيت (عليهم السلام) في مقابلة قراءاتهم، و من هنا سموهم المتبحرين، و ما ذاك إلا لأن أحدهم كان إذا برع و تمهر شرع للناس طريقا في القراءة لا يعرف إلا من قبله، و لم يرد على طريقة مسلوكة و مذهب متواتر محدود، و إلا لم يختص به، بل كان من الواجب بمقتضى العادة أن يعلم المعاصر له بما تواتر اليه، لاتحاد الفن و عدم البعد عن المأخذ، و من المستبعد جدا أنا نطلع على التواتر و بعضهم لا يطلع على ما تواتر إلى الآخر.

كما أنه من المستبعد أيضا تواتر الحركات و السكنات مثلا في الفاتحة و غيرها من سور القرآن و لم يتواتر إليهم أن البسملة آية منها و من كل سورة عدا براءة، و أنه تجب قراءتها معها سيما و الفاتحة باعتبار وجوب قراءتها في الصلاة تتوفر الدواعي إلى معرفة ذلك فيها، فقول القراء حينئذ بخروج البسامل من القرآن كقولهم بخروج المعوذتين منه أقوى شاهد على أن قراءتهم مذاهب لهم، لا أنه قد تواتر إليهم ذلك، و كيف و المشهور بين أصحابنا بل لا خلاف فيه بينهم كما عن المعتبر كونها آية من الفاتحة، بل عن المنتهى أنه مذهب أهل البيت، بل النصوص (1) مستفيضة فيه إن لم تكن متواترة كالإجماعات على ذلك، بل و على جزئيتها من كل سورة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القراءة في الصلاة.

297

و النصوص (1) دالة عليه أيضا و إن لم يكن بتلك الكثرة و الدلالة في الفاتحة، نعم شذ ابن الجنيد فذهب إلى أنها افتتاح في غير الفاتحة لبعض النصوص المحمول على التقية، أو على إرادة عدم قراءة السورة مع الفاتحة، أو غير ذلك.

و من الغريب دعوى جريان العادة بتواتر هذه الهيئات و عدم جريانها في تواتر كثير من الأمور المهمة من أصول الدين و فروعها، فدعوى جريانها بعدم مثل ذلك أولى بالقبول و أحق، و أغرب منها القول بأن عدم تواترها يقضي بعدم تواتر بعض القرآن، إذ هو مع أنه مبني على كونها من القرآن ليس شيئا واضح البطلان، ضرورة كون الثابت عندنا تواتره من القرآن مواد الكلمات و جواهرها التي تختلف الخطوط و معاني المفردات بها لا غيرها من حركات «حيث» مثلا و نحوها مما هو جائز بحسب اللغة و جرت العادة بإيكال الأمر فيه إلى القياسات اللغوية، من غير ضبط لخصوص ما يقع من اتفاق التلفظ به من الحركات الخاصة، و كيف و أصل الرسوم للحركات و السكنات في الكتابات حادث، و من المستبعد حفظهم لجميع ذلك على ظهر القلب.

و من ذلك كله و غيره مما يفهم مما ذكر بان لك ما في دعوى الإجماع على التواتر على أنه لو أغضي عن جميع ذلك فلا يفيد نحو هذه الإجماعات بالنسبة إلينا إلا الظن بالتواتر، و هو غير مجد، إذ دعوى حصول القطع به من أمثال ذلك مكابرة واضحة كدعوى كفاية الظن في حرمة التعدي عنه إلى غيره مما هو جائز و موافق للنهج العربي و أنه متى خالف بطلت صلاته، إذ لا دليل على ذلك، بل لعل إطلاق الأدلة يشهد بخلافه و احتمال الاستدلال عليه بالتأسي أو بقاعدة الشغل كما ترى، و أما الإجماع المدعى على وجوب العمل بالقراءات السبع أو العشر كقراءة ابن عامر «قتل أولادهم شركاؤهم» و قراءة حمزة «تساءلون به و الأرحام» بالجر، و أنه لا يجوز التعدي منها إلى غيرها

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القراءة في الصلاة.

298

و إن وافق النهج العربي ففيه أن أقصى ما يمكن تسليمه منه جواز العمل بها، و ربما يقال: و إن خالفت الأفشى و الأقيس في العربية، أما تعيين ذلك و حرمة التعدي عنه فمحل منع، بل ربما كان إطلاق الفتاوى و خلو كلام الأساطين منهم عن إيجاب مثل ذلك في القراءة أقوى شاهد على عدمه، خصوصا مع نصهم على بعض ما يعتبر في القراءة من التشديد و نحوه، و دعوى إرادة القراءات السبعة في حركات المباني من الاعراب في عبارات الأصحاب لا دليل عليها، نعم وقع ذلك التعيين في كلام بعض متأخري المتأخرين من أصحابنا، و ظني أنه وهم محض كالمحكي عن الكفاية عن بعضهم من القول بوجوب مراعاة جميع الصفات المعتبرة عند القراء، و لعله لذلك اقتصر العلامة الطباطبائي في منظومته على غيره، فقال:

و راع في تأدية الحروف ما * * *يخصها من مخرج لها انتمى

و اجتنب اللحن و أعرب الكلم * * *و القطع و الوصل لهمز التزم

و الدرج في الساكن كالوقف على * * *خلافه على خلاف حظلا

و كلما في الصرف و النحو وجب * * *فواجب و يستحب المستحب

فحينئذ لو أجمع القراء مثلا على كسر «حيث» مثلا لم يمتنع على المصلي أن يقرأها بالضم أو الفتح، و هكذا في سائر حركات البناء و البنية و الاعراب و الإدغام و المد و غيرها، و من العجيب دعوى بعض الناس لزوم ذلك حتى لو كان وقوع ذلك من مثل القراء لمجرد اتفاق لا لأنهم يرون وجوبه، فإن العبرة بما يسمع منهم لا بمذاهبهم إذ هي دعوى لا دليل عليها، بل ظاهر الأدلة خلافها، بل و خلاف ما صرحوا بوجوبه مما لم يكن في العربية أو الصرف واجبا، بل لو أن مثل تلك الأمور مع عدم اقتضاء اللسان لها من اللوازم لنادى بها الخطباء، و كرر ذكرها العلماء، و تكرر في الصلاة الأمر بالقضاء، و لأكثروا السؤال في ذلك للأئمة الأمناء، و لتواتر النقل لتوفر دواعيه،

299

و الاستدلال على الدعوى المزبورة بتلك الأخبار يدفعه ظهور تلك النصوص في إرادة عدم قراءة القرآن بخلاف ما هم عليها من الأشياء التي ورد في النصوص حذفهم لها أو تحريفها، لا مثل الهيئات الموافقة للنهج العربي.

و لقد تجاوز أستاذنا الأكبر في كشفه، فقال: «و لو وقف على المتحرك، أو وصل الساكن، أو فك المدغم من كلمتين، أو قصر المد قبل الهمزة أو المدغم، أو ترك الإمالة و الترقيق و الإشباع و التفخيم و التسهيل و نحوها من المحسنات فلا بأس» و إن كان هو جيدا في البعض، بل لعله عين المختار و إن كان قد ظن أن الوقف على الساكن و الوصل في المتحرك و القصر في المد غير واجب بمقتضى اللغة و عند الصرفيين، و التحقيق خلافه، فهو في الحقيقة نزاع في موضوع، لكن قال بعد ذلك: «ثم لا يجب العمل على قراءة السبعة أو العشرة إلا فيما يتعلق بالمباني من حروف و حركات و سكنات بنية أو بناء، و التوقيف على العشرة انما هو فيها، و مقتضاه وجوب اتباع السبعة في مثل ذلك، و عدم التعدي و إن وافق النهج العربي و فيه ما عرفت، و يلزمه حينئذ وجوب اتباعهم في كل ما فعلوه، و أجمعوا عليه من إدغام أو مد أو وقف أو إشباع أو صفات حروف حتى لو كان ذلك عندهم من المحسنات، إلا أنه ما اتفق وقوع غيره منهم، لأن العبرة بما يقرءونه لا بما يذهبون اليه، و إلا لجاز مخالفتهم في الحركات و السكنات ضرورة عدم لزوم قراءتهم بالحركة الخاصة منع غيرها و إن وافق النهج العربي، و لو منعوا لكانوا غالطين في ذلك كما هو المفروض، على أن كثيرا من هذه المحسنات صرحوا بوجوبه كما عرفت جملة من الإدغام، اللهم إلا أن يحمل ذلك على شدة الاستحباب و التأكيد لا اللزوم، فيجري فيه حينئذ البحث السابق، و ربما تسمع لهذا مزيد تحقيق إن شاء الله فيما يأتي و الله الموفق و المسدد.

[في عدم كفاية ترجمة الفاتحة عنها]

و لا يجزي للمصلي عن الفاتحة مثلا ترجمتها بالفارسية و نحوها اختيارا

300

قطعا، و إجماعا لعدم الامتثال و يجب عليه ترتيب كلماتها و آيها على الوجه المنقول إجماعا محكيا إن لم يكن محصلا، لتوقف صدق السورة أو القرآنية عليه، أو لأنه المنساق إلى الذهن من إطلاق الأدلة، و المتعارف المعهود في الوقوع فلو خالف عمدا أعاد الصلاة إذا فرض خروجه بذلك عن القرآنية و دخوله في كلام الآدميين، أو قلنا بأن زيادة الجزء في الصلاة مبطلة بناء على أنه فعل ذلك بقصد الجزئية و إن كان قد خالف ذلك ناسيا استأنف القراءة ما لم يركع، فان ركع مضى في صلاته و لو ذكر إجماعا و نصوصا (1) إذ ليس هو أعظم من نسيان القراءة أو الكلام سهوا، نعم يتجه هنا وجوب السجدتين إذا أخل به بحيث دخل في كلام الآدميين، و يظهر من المحقق الثاني أن مطلق مخالفة الترتيب توجب ذلك، و قد يتأمل فيه بالنسبة إلى بعض الأفراد، و على كل حال فالمراد باستئناف القراءة تمامها إذا فرض فوات الموالاة، و إلا تلافى ما أخل به مما قدمه فقط، فلو قدم مثلا «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» على قوله «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» أجزأه حينئذ إعادة «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» دون «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» كما هو واضح.

[في وجوب تعليم القراءة لمن لا يحسنها]

و من لا يحسنها أي الفاتحة أصلا يجب عليه التعلم بعد دخول الوقت قطعا، و قبله في وجه لا يخلو من قوة إذا علم عدم سعة الوقت له، و كذا السورة بناء على وجوبها و سائر الأذكار الواجبة، و ظاهر المتن و غيره إيجابه عليه عينا لا تخييرا بينه و بين الائتمام، و به صرح الأستاذ في كشفه، فلو تركه في السعة و ائتم أثم و صحت صلاته، و لعله لأن الائتمام ليس من أفعاله كي يخير بينه و بين التعلم، ضرورة توقفه على ما لا يدخل تحت قدرته، مع عدم اطمئنانه بإتمام صلاته جماعة بحيث لا يحتاج فيها إلى القراءة، فتركه للتعلم في مثل الزمان المزبور ترك للواجب من غير علم بما يسقطه عنه و لعله لذا أطلق الأصحاب هنا وجوب التعلم إطلاقا ظاهرا في التعيين، بل لعله مقتضى

____________

(1) الوسائل- الباب- 28 و 29- من أبواب القراءة في الصلاة.