جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج12

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
460 /
451

نسيان التشهد حيث أمر فيه بالتشهد فيهما التشهد الذي فاتك، و للموثق (1) السابق الصريح في ذلك، بل لصراحة دلالته حمل الأمر في تلك الأخبار على الندب و إن تعددت، و فيه أن الأصل يقطعه ظاهر الدليل، كما أن إشعار الخلو بذلك لا يصلح لمعارضته، و خبر نسيان التشهد غير معمول بظاهره، و لذا كان المتجه إرادة الأمر بفعل تشهد فيهما كالتشهد الفائت، فيكون حينئذ من أدلة المطلوب، و الموثق- مع اتحاده و إعراض المشهور عنه، بل سمعت حكاية الإجماع على خلافه- لا يقاوم تلك المعتبرة المتعددة المعتضدة بما سمعت، فالأولى الجمع بينها و بينه بإرادة نفي غير الخفيف من التشهد فيه، إذ هو و إن أطلق الأمر به في بعض تلك المعتبرة (2) كبعض عبارات الأصحاب منها عبارة القواعد و التحرير و اللمعة و غيرها، لكنه قيد بالخفيف في آخر منها

كالصحيح (3) «و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا»

و المعتبرين (4) الواردين فيمن لا يدري كم صلى أنه يبني على الجزم و يسجد سجدتي السهو و يتشهد تشهدا خفيفا نحو كثير من الفتاوى، بل في المفاتيح أنه المشهور، بل في الذكرى و غيرها نسبته إلى فتوى الأصحاب.

و المراد بالخفيف كما في الرياض و عن المبسوط و البحار مجرد الشهادتين و الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله)، بل في الأول أنه عزاه في الأخير إلى الأصحاب، و ربما احتمل إرادة التشهد المعهود في الصلاة، و الخفة تخفيف الأجزاء المندوبة، و هو عين الأول بناء على أن التشهد المعهود في الصلاة هو الشهادتان و الصلاة على النبي

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب التشهد- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 6 و الباب 13 منها- الحديث 2.

452

(صلى الله عليه و آله)، و إلا كان الأول أولى منه، لكن الأمر سهل بناء على كون التخفيف رخصة كما هو صريح تعليق الإرشاد للكركي و الروض و محتمل أو ظاهر غيرهما لورود الأمر به مورد توهم وجوب غير الخفيف لا عزيمة، و إن كانت هي أحوط في امتثال ظاهر الأمر المتعلق بالقيد المقتضي لوجوبه، إلا أن الأول أقوى، و به يجمع حينئذ بين إطلاق النصوص و بعض الفتاوى و بين المقيد منهما، و على كل حال فاحتمال إرادة الاقتصار على مجرد الشهادتين من الخفيف دون الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله)- لعدم اندراجها في إطلاق التشهد، فضلا عن الخفيف منه كما عساه يوهمه ما حضرني من نسخة الروض- باطل قطعا، خصوصا بعد ما في المعتبر من أن الواجب السجدتان و الشهادتان و الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) بإجماع علمائنا، و ربما يستفاد من حصره الواجب في ذلك زيادة تأييد لإرادة ما تقدم أولا من الخفة مقابل الاحتمال الذي سمعته.

و أما التسليم فقد يومي تركه في بعض النصوص (1) في مقام البيان و الحصر في الموثق (2) السابق إلى عدم وجوبه، كما هو صريح المختلف و ظاهر عدم نصه عليه في القواعد، بل في تعليق الإرشاد أن عبارات جميع الأصحاب خالية من إيجابه و أنه لم يثبت بالإجماع، لكن التتبع شاهد بخلافه، لذكرهم التسليم مع التشهد، بل في الذكرى و عن غيرها نسبته إلى فتوى الأصحاب، بل في المعتبر أن رواية عمار يعني الموثق المشعر بعدم وجوب التسليم متروكة، بل قد حكى في المدارك عنه و عن المنتهى الإجماع عليه و إن كنت لم أجده في الأول منهما، بل في مفتاح الكرامة «أن عبارات القدماء كالمفيد

____________

(1) الوسائل- الباب- 20 و 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الباب 7 و 8 و 9 من أبواب التشهد.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

453

و السيد و الشيخ و أبي يعلى و أبي المجد و أبي عبد الله محمد بن إدريس و المتأخرين كالمحقق و غيره ممن تأخر عنه قد طفحت بأنه يتشهد و يسلم، و إنما خلت عنه عبارة المقنع و القواعد» إلى آخره، و مع ذلك كله فقد رواه عبد الله بن سنان (1) و أبو بصير (2) في الصحيح، فالقول بوجوبه حينئذ هو المتعين كما هو واضح.

و الظاهر من النصوص و الفتاوى إرادة التسليم الذي يخرج به عن الصلاة، بل الظاهر خصوص صيغة «السلام عليكم» لكن أرسل عن أبي الصلاح أنه قال: ينصرف عنهما بالتسليم على محمد و آله صلى الله عليهم، و لم أعرف له شاهدا، و لعله يريد التسليم على النبي (صلى الله عليه و آله) الذي يقال في الذكر، فيكون حينئذ موافقا للقائل بعدم وجوب التشهد و التسليم بعد رفع الرأس منهما، و قد عرفت ضعفه في المقامين، إلا أن المنقول عنه أن ذكرهما عنده الخالي عن التسليم كما تعرفه، و أنه أمر بالتشهد الخفيف بعد رفع الرأس منهما، ثم قال: «و ينصرف عنهما بالتسليم على محمد و آله (صلى الله عليه و آله)».

و كيف كان ف هل يجب فيهما الذكر؟ فيه تردد ينشأ من الأصل و ظاهر الحصر في الموثق السابق منضما إلى نفي التسبيح عليه فيه الذي يمكن دعوى نفي غيره بالأولوية باعتبار أنه نص فيه على نفيه لدفع توهم وجوبه من إطلاق السجود المنصرف إلى سجود الصلاة، و إطلاق غيره من الأخبار الواردة في مقام البيان، و قصور ما يمكن استفادته منه عنه من وجوه منها الاضطراب في متنه و غير ذلك، و من الاحتياط في البراءة عن الشغل اليقيني، و صحيح الحلبي (3) المروي في الفقيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «تقول في سجدتي السهو: بسم الله و بالله و صلى الله على محمد و آل محمد» و عن بعض النسخ «و على آل محمد» قال: و سمعته مرة أخرى «يقول: بسم الله و بالله السلام

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

454

عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته»

و نحوه في التهذيب، لكن بزيادة الواو قبل السلام بل و الكافي أيضا، لكن أبدل قوله: «و صلى الله» باللهم صل على محمد و آل محمد كما عن بعض نسخ الفقيه، و من هنا وقع الخلاف في ذلك بين الأصحاب، فالمشهور كما في الذكرى على الثاني، و المصنف في المعتبر و النافع و الفاضل في المنتهى و المختلف و الخراساني على الأول، و لعله ظاهر نهاية الشيخ و المهذب البارع، و اختاره الأردبيلي على ما قيل، و نفى عنه البعد في المدارك، و كأنه مال إليه في الرياض، و لعله الأقوى في النظر لما عرفت و لما في الصحيح من الاضطراب، بل قد ضعف أولا بارتفاع منصب الامام (عليه السلام) عن السهو خصوصا في العبادة، و ثانيا باحتمال كون ما قاله على وجه الجواز لا اللزوم.

و ربما يدفع الأول بجواز كون المراد بقوله فيهما على وجه الإفتاء لا أنه سها كما يومي اليه قوله (عليه السلام) فيه أولا «تقول» و إن كان قد ينافيه قوله (عليه السلام) ثانيا فيهما، و فيه أن مجرد جواز ذلك غير كاف في ثبوت المطلوب، إلا أن يدعى ظهوره بذلك كما في المدارك، و به حينئذ يندفع الثاني، ضرورة ظهوره- و إن كان هو بالجملة الخبرية- في الوجوب، لكن لا يخفى على الفقيه الممارس قصور مثل هذه الدلالة مع هذا الاضطراب عن إثبات الوجوب، فضلا عن أن يعارض تلك الإطلاقات و الموثق (1) المعتضد بالأصل و غيره مع صراحة دلالته أو ظهوره ظهورا قريبا إلى الصراحة، و دعوى الانجبار بالشهرة يدفعها أنه لا صراحة في كلماتهم بالوجوب على وجه تتحقق به شهرة معتد بها، فلا بأس بالعمل بها على وجه الاستحباب.

و على كل حال ف لو وجب الذكر فهل يتعين بلفظ بالخصوص؟ الأشبه عند المصنف و التحرير و الموجز و الذخيرة لا كما عن المبسوط، فيجزي حينئذ جميع ما سمعته في الصحيح و غيره من الأذكار أيضا و لو على التفريق بين السجدتين، لقصور

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

455

الصحيح (1) عن التعيين، فيبقى السجود حينئذ منصرفا إلى ما هو المتبادر منه أعني سجود الصلاة الذي لا يتعين فيه ذكر خاص عند بعضهم، لكن عن حاشية الإيضاح أنه يجوز كل واحد من الذكرين معا و بالتفريق، و ظاهره الاقتصار على ما في الصحيح على اختلافه، كظاهر الروضة و المقاصد العلية أو صريح الأخيرة، و عن المقنع و المقنعة و السرائر التخيير بين الصورتين مع ذكر «اللهم صل على محمد و آل» بدل «صلى الله على محمد و آل محمد» و عن الجملين للسيد و الشيخ و المراسم و الغنية الاقتصار على ذكر «بسم الله و بالله اللهم صل على محمد و آل محمد» في السجدة الأولى و «بسم الله و بالله السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته» في الثانية، و في مفتاح الكرامة نقلت هذه الصورة عن التقي، و لعل ذلك كله مؤيد للاستحباب عند التأمل و إن كان الأحوط بناء على الوجوب المحافظة على ما في الصحيح، بل لعل الأولى الاقتصار على الصورة الثانية أعني المشتملة على التسليم، لاتفاق رواة الصحيح عليها إلا بزيادة الواو و عدمها، و قد جزم المولى الأكبر بأن الأصح ترك الواو دون الأولى لاختلافهم فيها كما عرفت و إن كان الأقوى التخيير بين الجميع بناء على أن اختلاف النسخ كاختلاف الأخبار.

و يجبان على الفور عرفا كما صرح به بعضهم، بل قد يشعر ما في شرح المولى الأكبر بالإجماع عليه، كما أنه في الذخيرة و الكفاية نسب وجوب المبادرة إليهما قبل فعل المنافي للأصحاب مشعرين بدعوى الإجماع عليه، لأنه المنساق و المتيقن من الأدلة بل لعله الظاهر من لفظ «بعد السلام» في بعضها (2) و «أنت جالس» في آخر (3)

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 8.

456

و «بعد السلام و قبل الكلام» في ثالث (1) و نحو ذلك مما هو ظاهر كمال الظهور في ذلك، بل قيل: إنه قضية الفاء المفيدة للتعقيب بلا مهلة، و إن كان هو لا يخلو من نظر كاستفادة عدم الفورية من العطف بثم في بعض الأخبار (2) إذ لا ريب في إرادة مجرد الترتيب منها، و على كل حال فما عن ظاهر إرشاد الجعفرية من التأمل في الفورية في غير محله.

نعم لا يقدح فيها التأخر في الجملة مما لا ينافي الفورية عرفا و لا التأخر لتحصيل شرائطهما من الطهارة و الستر و نحوهما، إذ الاشتغال بمقدماته اشتغال به، فلا تنافي الفورية نعم بناء على استحباب مثل ذلك فيهما لا الشرطية يشكل جواز تأخيرهما للاشتغال بتلك المقدمات، لكن قضية حكمهم برجحانها لهما جواز التأخير لها أيضا و إن كانت مستحبة اللهم إلا أن ينزل على إرادة استحباب إيقاعهما باقيا على حال الصلاة بمعنى أنه لا يحدث عمدا أو يرمي الساتر أو نحو ذلك لا أنه يستحب استئناف مثل ذلك لهما لو اتفق ذهاب تلك الحالة أو أنه أذهبها عمدا، و إلا لاتجه القول حينئذ باشتراط السجدتين بهذه الأمور كي لا ينافي الفورية، ضرورة أنه أولى من دعوى كون المراد بالفورية ما لا ينافيها و إن لم تكن هي شرائط لهما، لعدم دليل يرتكب بسببه هذا التصرف في الفورية التي هي ظاهر الأدلة و مقتضى أصالة إرادة الحقيقة فيها، و إن كان قد يخدش ذلك بعدم صلاحية مثل هذا الأصل و الظهور في الفورية لإثبات حكم شرعي هو اشتراطهما بالطهارة مثلا لثبوت جواز فعلها لهما، و لا يمكن مجامعة ذلك للفورية الحقيقية إلا بأن تكون الطهارة مثلا شرطا لها كي لا تنافي الفورية، إذ هو كما ترى لا يحصل منه الظن بالحكم، و لا هو

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

457

طريق متعارف لإفادته، فالمتجه حينئذ الحكم بالفورية و الحكم بجواز الطهارة لهما لو ثبت بإجماع و نحوه من غير تعرض للشرطية و عدمها، فيحتمل أنه شرط و تبقى الفورية على حالها، و يحتمل أنه غير شرط إلا أنه جاز تقديمه عليه لأنه مكمل، فيراد بالفورية حينئذ ما لا ينافي نحو ذلك، و لما استظهرنا هناك عدم الشرطية كان المتجه عندنا الثاني، إلا أنه لم يثبت عندنا جواز فعل الطهارة لهما، لما عرفته من الاحتمال السابق قريبا، بل لعل ظاهر الأدلة خصوصا الخبر (1) الآمر بفعلهما متى ذكرهما لو نسيهما خلافه، بل و أدلة الفورية أيضا، فتأمل جيدا، هذا.

و لكن من المعلوم أنه لا تلازم بين فورية السجدتين و بين بطلان الصلاة إذا لم يسجد فلو أهملهما عمدا أو نسيهما لم تبطل الصلاة كما هو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا، بل لا أجد فيه خلافا إلا من الشيخ في الخلاف، فقال فيه على ما حكي عنه: هما واجبتان و شرط في صحة الصلاة كما عن بعض العامة، و تبعه المولى الأكبر في شرح المفاتيح، بل قيل: إنه قد يظهر من المعتبر موافقته أيضا، و لا ريب في ضعفه، للأصل بناء على التحقيق من جريانه في العبادة، و ظهور الأدلة في تمامية الصلاة أجزاء و شرائط، و عدم توقف صحتها بعد على شيء آخر و إن وجب السجدتان إرغاما لأنف الشيطان، و إطلاق ما دل على صحة الصلاة مع الكلام نسيانا أو القيام في محل القعود أو غير ذلك من موجبات السجود سجد أو لم يسجد، و لأن الشيخ و إن قال بالشرطية لكنه وافق على وجوب سجود السهو و إن طال الزمان لو نسيهما، لما ستعرف؛ و لذا تعجب منه في المختلف، و لعله لأن قضية الشرطية فساد الصلاة، فلا يجامع الوجوب المزبور، إلا أنه قد يدفع بالفرق بين العمد و النسيان، فيخص البطلان بالأول دون الثاني، لكنه بعيد بل ممنوع أو يدفع بأن المقتضي للبطلان الترك بالمرة لا التأخير و إن

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

458

عصى به في العمد بناء على الفورية، فتبقى حينئذ صحة الصلاة مراعاة إلى حين الموت، فان جاء بهما صحت، و إلا بطلت و وجب قضاؤها عنه حتى لو كان تركه لهما نسيانا، و هو كما ترى مع بعده في نفسه جدا لا يساعد عليه دليل، بل ظاهر الأدلة خلافه.

فما في شرح المولى الأكبر للمفاتيح- من موافقة الشيخ في البطلان ناسبا له إلى ظاهر غيره من الأصحاب، لقولهم: يجب السجدتان لكذا، و مستدلا عليه بظاهر النصوص التي يستفاد الشرطية غالبا من أمثالها، خصوصا ما جعل فيها تداركا لسهو، إذ المتبادر من إيجاب شيء عند وقوع خلل كونه تداركا و علاجا، فإذا لم يأت به لم يكن آتيا بالمأمور به على وجهه، و خصوصا بعد زيادة التأكيد فيها في المبادرة إلى فعلها، و أنها بعد السلام و قبل الكلام و أنت جالس و إذا سلمت و نحو ذلك مما هو ظاهر في أن وقتهما هذا لا مدة العمر، و بتوقف البراءة اليقينية عن الشغل اليقيني على فعلهما- لا يخلو من نظر من وجوه، مع أن ظاهره الإبطال في صورتي العمد و النسيان بمجرد التأخير عن وقت الفورية، و كأنه مخالف للمجمع عليه حتى من الشيخ، إذ قد عرفت أنه و إن كان قائلا بالبطلان لكنه وافق المصنف و غيره من الأصحاب في أن عليه الإتيان بهما و لو طالت المدة لعدم ظهور التوقيت من الأخبار المزبورة، بل هي مجرد فورية كما لا يخفى على من لاحظها، خصوصا بعد فهم الأصحاب و بعد التأييد ب

موثق عمار (1) سئل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل إذا سها في الصلاة فينسى أن يسجد سجدتي السهو، قال: يسجدها متى ذكر، و عن الرجل يسهو في صلاته فلا يذكر حتى يصلي الفجر كيف يصنع؟ قال: لا يسجد سجدتي السهو حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها»

و احتمال طرحه لاشتماله على غير ما نحن فيه من الأحكام التي لا يقول بها الأصحاب- بعد أن كان حجة في نفسه، و معمولا به بين الأصحاب هنا و لا معارض صريح له،

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

459

بل و لا ظاهر لا ينبغي أن يصغى اليه، كاحتمال قصر ذلك على صورة النسيان خاصة، مع أني لا أعرف قائلا به، بل كأنه خرق للإجماع أيضا، فلا ريب في عدم توقيتهما بما ذكر.

نعم يجبان فورا كما عرفت، فيأثم لو أخرهما عمدا و يأتي بهما في ثاني الأوقات أو ثالثها كما لو نسي، و لا تسقط الفورية أيضا بالتأخير كما هو ظاهر الموثق و الفتاوى إن لم نقل إن الأصل في كل واجب فوري ذلك، و لا ينافيه ما في ذيله من التأخير حتى تطلع الشمس، إذ هو إن لم نطرحه في خصوص ذلك كما هو ظاهر إطلاق الأصحاب، أو لم نحمله على ما لا ينافي الفورية عرفا بأن كانت صلاة الفجر قريبا من طلوع الشمس وجب الاقتصار عليه خاصة كالتأخير لتحصيل الطهارة و الساتر و نحوهما مما يحصل به كما لهما بناء على عدم شرطيتهما بذلك و على جواز التأخير لها لو كان المكلف فاقدا لها، فتأمل.

و كذا لا ريب في عدم توقف الصحة على فعلهما رأسا، لما عرفت مما لا يصلح معارضة ما ذكره له من تلك الاشعارات المعارضة بمثلها، بل أقوى منها، خصوصا بعد ملاحظة فتاوى الأصحاب، لا أقل من الشك، و ما شك في شرطيته عندنا ليس بشرط و دعوى أنهما ليسا من الشرائط- لأنهما لتدارك أمر داخل في الصلاة، فيكونان داخلين فيها، إذ ما كان عوض الداخل داخل- لا محصل لها عند التأمل، على أن التحقيق عندنا مساواة الأجزاء للشرائط في الانتفاء عند الشك، و الله أعلم.

460

إلى هنا تم الجزء الثاني عشر من كتاب جواهر الكلام بحمد الله، و قد بذلنا غاية الجهد في تصحيحه و مقابلته للنسخة الأصلية المخطوطة بقلم المصنف (قدس روحه الشريف)، و قد خرج بعون الله خاليا عن الأغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر و حسر عنه النظر، و يتلوه الجزء الثالث عشر في قضاء الصلوات إن شاء الله تعالى عباس القوچاني