جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج12

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
460 /
51

المخالفين، بل قد يقال باتحادهم في الحكم معه هنا و إن لم يكونوا متظاهرين بالعداوة لآل محمد (عليهم الصلاة و السلام) تخيلا منهم أنهم على عقيدتهم في الرضا عن الأول و الثاني و الثالث، و إلا فهم أعداء لأعدائهم و منهم آل محمد (عليهم الصلاة و السلام) و أوليائهم و تدليس الحال للتقية لا يرفع أصل العداوة كما هو واضح، فقد يقال حينئذ بوجوب لعنهم أو رجحانه كما هو ظاهر القواعد و المحكي عن المنتهى و السرائر و الكافي و الجامع فضلا عن الدعاء عليهم بغيره، و إن كان الأقوى عدم وجوبه أي اللعن بإطلاق الأدلة السابقة الذي لا ينافيه فعل الحسين (عليه السلام) و إن أمر وليه بقوله بعد تسليم كون الذي صلى عليه منهم لا ناصبا أو منافقا في إسلامه أو محكوما بكفره أو قلنا باشتراك الجميع في ذلك، لكن الأولى في الجمع بينه و بين غيره من النصوص القول بوجوب الدعاء عليه من غير توقيت بدعاء مخصوص، و الله أعلم.

[في اعتبار النية في صلاة الميت]

و كيف كان ف يجب فيها النية بلا خلاف و لا إشكال، و في اعتبار الوجه و عدمه هنا ما تقدم سابقا، إذ احتمال العدم فيها و إن قلنا به في غيرها لعدم اشتراكها بل هي إما واجبة أو مندوبة ضعيف، ضرورة أن القائل باعتبار الوجه لا ينحصر دليله في التمييز، بل ظاهره أو صريحه اعتباره و إن لم يتوقف عليه التمييز، و إلا كان موافقا للمختار كما أوضحناه في محله، نعم لا إشكال في اعتبار الإخلاص فيها كغيرها من العبادات، كما أنه لا بد من مقارنتها للتكبير الذي هو أول العمل، و يكفي في الباقي الاستدامة على التفسير السابق لها في محله، و لا يشترط فيها التعرض فيها لكونها فرض كفاية، لأنه من الأمور الخارجية، و إن احتمله في الذكرى، لأن النية لامتياز الشيء على ما هو عليه، لكنه واضح الضعف، و قال فيها أيضا: و لا يشترط تعيين الميت و معرفته، بل يكفي نية منوي الإمام، فلو عين و أخطأ فالأقرب البطلان، لخلو الواقع عن نيته، و نحوه غيره، لكن في جامع المقاصد أنه ينبغي تقييده بما إذا لم يشر إلى الموجود

52

بأن قصد الصلاة على فلان لا على هذا فلان، قلت: يمكن أن يأتي هنا ما ذكروه في تعيين الامام من حيث تعارض الإشارة و الاسم، فيصح في الصحيح فيه و يبطل في الباطل، نعم ظاهرهم الفرق بين المقامين باعتبار التعيين فيه بخلافه هنا و إن وجب فيه القصد إلى معين متحد أو متعدد، و عليه فرعوا الاكتفاء هنا بنية منوي الامام، و مقتضاه عدم جواز مثل ذلك في الائتمام بالصلاة، و لعله لعدم خروجه به عن الإبهام عند المصلي و إن خرج به عنه في الواقع، و المعتبر الأول في الائتمام، لأصالة عدم انعقاد الجماعة، و اقتصارا في إطلاقها على المتيقن المعهود، بل لعله المنساق من الأدلة عند التأمل بخلاف المقام الذي لا مانع فيه سوى الإبهام المانع عن الامتثال، فرفعه بالصفة المعينة في الواقع كاف في صدقه و إن لم يرتفع بها الإبهام عن المصلي باعتبار الشك في مصداقها، و نحوه غيره من المتعلقات كالمنوب عنه بصلاة و نحوها، فإنه يكفي فيها القصد إلى معين و إن لم يتعين عنده، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[في اعتبار الاستقبال في صلاة الميت]

و أما وجوب استقبال القبلة فيها فلا خلاف فيه أيضا كما في المدارك قال:

«لأن العبادة كيفية متلقاة من الشارع، و المنقول من النبي و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) فعل الصلاة كذلك، فيكون خلافه تشريعا محرما» و فيه ما عرفت سابقا، و في كشف اللثام عليه الإجماع ظاهرا و يشمله العمومات، و فيه منع إن أراد عمومات الصلاة كما ستعرفه و لا عموم مجديا في الوجوب في غيرها، فالأولى الاستدلال له بالإجماع المزبور إن تم، و ما عساه يظهر من نصوص (1) كيفية الصلاة على الجنائز المتعددة من المفروغية عن اعتبار الاستقبال، بل

مرسل ابن بكير (2) منها عن الصادق (عليه السلام) قد يستدل به على ذلك، قال له في جنائز الرجال و الصبيان و النساء قال: «توضع النساء مما يلي القبلة و الصبيان دونهم و الرجال دون ذلك، و يقوم الامام مما يلي الرجال»

و ثبوت الندب

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

53

بالنسبة إلى موالاة الرجال لا يقضي به بالنسبة إلى موقفه، على أنه ظاهر في الوجوب، و المعارض له الذي بسببه حمل على الندب أو التخيير إنما هو بالنسبة إلى تقديم الرجال على النساء إلى القبلة، فالذي يلي المصلي حينئذ النساء، فموقفه حينئذ لا تغيير فيه، فتأمل جيدا، مضافا إلى ظهور

خبر جابر (1) قال لأبي جعفر (عليه السلام): «أ رأيت إن فاتتني تكبيرة أو أكثر قال: تقضي ما فاتك، قلت: أستقبل القبلة؟ قال: بلى و أنت تتبع الجنازة»

في ذلك، و في الوافي لا منافاة بين استقبال القبلة بالتكبير و اتباع الجنازة كما هو ظاهر.

بل لا يخفى ظهور

خبر الجعفري (2) المروي في التهذيب و الكافي في الصلاة على المصلوب في اعتبار القبلة أيضا، و أنه إنما جاز الانحراف فيه بالخصوص إلى ما بين المشرق و المغرب لأنه قبلة، قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن المصلوب قال: أما علمت أن جدي (عليه السلام) صلى على عمه؟ قلت: أعلم ذلك و لكني لا أفهمه مبينا، فقال: أبينه لك إن كان وجه المصلوب إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن، و إن كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر، فإن ما بين المشرق و المغرب قبلة، و إن كان منكبه الأيسر إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن، و إن كان منكبه الأيمن إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر، و كيف كان منحرفا فلا تزائلن مناكبه، و ليكن وجهك إلى ما بين المشرق و المغرب، و لا تستقبله و لا تستدبره البتة، قال أبو هاشم: قد فهمته إن شاء الله فهمته و الله»

إذ من الواضح أنه إنما أمره (عليه السلام) بالقيام بما أمره، لأن استقبال القبلة شرط في هذه الصلاة، و كذا استقبال أحد منكبي الميت، و في القبلة سعة، و لا يتحقق الأمران إلا بذلك، و به صرح الكاشاني في جامعه.

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 35- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

54

نعم كان على المصنف و غيره استثناء مثل الانحراف المزبور في صلاة المصلوب من وجوب الاستقبال للخبر المزبور، اللهم إلا أن لا يكونوا عاملين به، بل في المحكي عن عيون الصدوق «أن هذا حديث غريب لم أجده في شيء من الأصول و المصنفات» لكن في الذكرى «أنه و أن كان غريبا و لم يذكر الأصحاب مضمونه في كتبهم إلا أنه ليس له معارض و لا راد، و قد قال أبو الصلاح و ابن زهرة: يصلى على المصلوب و لا يستقبل وجه الإمام في التوجه، فكأنهما عاملان به، و كذا صاحب الجامع الشيخ نجيب الدين يحيي بن سعيد و الفاضل في المختلف قال: إن عمل به فلا بأس به، و ابن إدريس نقل عن بعض الأصحاب أنه إن صلي عليه و هو على خشبة استقبل بوجهه وجه المصلي، و يكون هو أي المصلي مستدبر القبلة، ثم حكم بأن الأظهر إنزاله بعد الثلاثة و الصلاة عليه، قلت: هذا النقل لم أظفر به، و إنزاله قد يتعذر كما في قضية زيد» انتهى و ناقشه في الكشف «بأن المعارض لها ما دل على استقبال المصلي القبلة، و الراد لها و إن لم يوجد لكن الأكثر لم يذكروا مضمونها كما اعترف به» قلت بعد تسليم وجود المعارض المزبور يقيد به، و بناء على عمل ابن زهرة به قد قيل: إنه يظهر منه الإجماع على ما سمعته منه، و في كشف الأستاذ نفي البأس عن العمل به، و كيف كان فمع تعذر الاستقبال فكاليومية.

و كذا يجب القيام فيها بلا خلاف يعلمه فيه في التذكرة إلا من الشافعي، بل الإجماع بقسميه محصله و منقولة في الذكرى و جامع المقاصد و المدارك عليه، كما أن الأمر بالقيام و الوقوف فيها في تضاعيف النصوص كالمتواتر، منها النصوص التي تسمعها في السنن في الوقوف عند الوسط و الصدر، إذ ندبية ذلك بعد أن كان المراد منها أفضل أفراد الواجب التخييري غير قادحة، كما هو واضح، نعم هو شرط مع الإمكان، أما مع العجز فبحسب الإمكان كاليومية، لقاعدة الميسور و غيرها مما سمعته في اليومية مما

55

هو مشترك بينهما، و لو وجد من يمكنه القيام ففي المدارك لم يسقط الفرض بصلاة العاجز لأصالة عدم سقوطه بغير الصلاة الكاملة، مع احتمال السقوط لقيام العاجز بما هو فرضه و كان مراده أنه وجد المتمكن بعد وقوع صلاة العاجز، لا وجوده قبل صلاته، فإن مشروعية صلاة العاجز حينئذ فضلا عن الاسقاط لا تخلو من نظر، بل منع لانحصار التكليف حينئذ بالمتمكن، إذ الواجب الكفائي المكلف به الجميع على معنى عقابهم لو تركوه أجمع لا مع إرادة الفعل من كل واحد منهم، ضرورة عدم تصوره في مثل الغسل و نحوه مما لا يقع إلا من واحد مثلا إلا على التكرار المعلوم انتفاؤه، فحينئذ تعذر المكلف به و الانتقال إلى بدله الاضطراري إنما يكون إذا تعذر على جميع من كلف به، فيندرج حينئذ في قاعدة الميسور و نحوها لا إذا تعذر على البعض خاصة الذي هو أشبه شيء بتعذر أحد فردي المخير به، فإنه لا إشكال في انحصار التكليف في الآخر و عدم الانتقال إلى بدل المتعذر إذا لم يكن أحد فردي التخيير، على أنه لا يخفى على ذي مسكة أن الشارع إذا أوجب الصلاة من قيام مثلا على الميت لا من مباشر بعينه لا ينتقل إلى غيرها من الصلاة مضطجعا و نحوه ممن تعذر عليه القيام مع تمكن الغير من الإتيان بالمراد، خصوصا في مثل الكيفية من العربية في الأذكار و نحوها. و احتمال أن الصلاة باعتبار صحة وقوعها من متعدد دفعة كالواجب العيني ينتقل فيه إلى البدل بالنسبة إلى كل مكلف تعذر عليه يدفعه أن الظاهر اتحاد كيفية الخطاب في جميع الكفائيات من غير فرق بين ما لا يقع إلا من واحد و غيره، إنما المراد في الجميع وقوع الفعل في الخارج من غير ملاحظة خصوص الفاعل، فلا فرق حينئذ بين الصلاة و غيرها في ذلك.

أما لو صلى العاجز بظن عدم التمكن فوجد المتمكن الذي قلنا يمكن حمل ما تقدم من المدارك عليه فالاجزاء فيه و عدمه مبني على قاعدة الاجزاء، و لعل الأقوى هنا العدم لا لعدم اقتضاء الأمر الإجزاء بل لأنه من تخيل الأمر كما حققناه في محله، و كان المتجه

56

على المعلوم من مذهبه في قاعدة الإجزاء الجزم هنا بالسقوط، اللهم إلا أن يقال: إن أفصاه الاجزاء عن الفاعل لا عن غيره، و فيه أن خطاب الكفاية خطاب واحد، فمتى حصل فعل صحيح كان مسقطا عن الغير، و من هنا يظهر لك أنه لا وجه للقول بالمشروعية مع عدم السقوط عن الغير في المسألة السابقة، بل لا بد من الحكم بعدم المشروعية كما اخترناه أو بالسقوط معه، و إن كان قد يوهم المشروعية مع عدم السقوط بعض العبارات منها ما في كشف اللثام تبعا للروضة «و لو صلاها عاجز قاعدا أو راكبا أو نحوهما فهل تسقط عن القادرين؟ وجهان، من تحقق صلاة صحيحة، و من نقصها مع القدرة الكاملة» و أوضح منه ما في الذكرى «لو وجد من يمكنه القيام فهو أولى من العاجز، و في الاجتزاء بصلاة العاجز حينئذ نظر، من صدق الصلاة الواجبة بالنسبة إليها، و من نقصها و قدرة غيره على الكاملة» و في جامع المقاصد و مع العجز يسقط كاليومية، لكن هل يسقط بصلاة العاجز الفرض عن غيره ممن يقدر على القيام؟ الظاهر لا، لأن الناقص لا يسقط الكامل، و لأصالة بقائه في العهدة، و كذا القول في العاري مع المستتر بناء على اشتراط الستر و من لا يحسن العربية مع من يحسنها، لكن قد يحمل الجميع على ما سمعته من المدارك، و إلا كان محلا للنظر، فتأمل، كالذي سمعته سابقا من الأستاذ في كشفه من صحة ايتمام القائم بالقاعد و نحوه مما يقضي بالمشروعية المزبورة، و هل يعتبر الاستقرار في القيام؟ وجهان، جزم بأولهما الأستاذ في كشفه، كما أنه جزم باعتبار مراتب العجز عن القيام كما في صلاة الفريضة، و لعله لظهور البدلية، مطلقا، و ان كان لا يخلو من تأمل بل سابقه لا يخلو من منع إذا لم يعتبر الاستقرار في مفهوم القيام، فهو حينئذ كغيره مما يعتبر في الصلاة مما تسمع البحث فيه إن شاء الله، و الله أعلم.

[في اعتبار وضع رأس الميت إلى يمين المصلي]

و يجب أيضا جعل رأس الجنازة إلى يمين المصلي بلا خلاف أجده فيه،

57

بل في ظاهر الذكرى و الكشف و المحكي عن المعتبر الإجماع عليه، بل في الغنية و يجب إعادة الصلاة على الميت إذا كانت الجنازة مقلوبة بدليل الإجماع المشار اليه و طريقة الاحتياط، و هو الحجة بعد الاعتضاد بالتأسي و قاعدة الشغل، و موثق عمار (1) أنه سأل الصادق (عليه السلام) «عن ميت صلي عليه فلما سلم الإمام فإذا الميت مقلوب، رجلاه إلى موضع رأسه، قال: يسوى و تعاد الصلاة عليه و إن كان قد حمل ما لم يدفن، فان دفن فقد مضت الصلاة عليه، لا يصلى عليه و هو مدفون»

لكن الخبر و معقد الإجماع إنما هو إعادة الصلاة على المقلوب، و هو أعم من كون رأسه على يمين المصلي بناء على إرادة كونه عن اليمين فعلا، كما يقضي به استثناء المأموم في الروضة و المدارك و ظاهر كشف اللثام و غيرها من هذا الحكم، إذ لو أريد منه الجهة بمعنى كون الرأس إلى جهة اليمين أي المغرب و الرجلين إلى المشرق في مثل العراق و نحوه ممن كانت قبلته نقطة ما بين المشرق و المغرب لم يكن فرق بين الامام و المأموم في ذلك، و يتحقق بناء على عدم اعتبار المحاذاة بمعنى المسامتة و إن كان موقف المصلي متجاوزا عن رأسه بل كان الميت كله عن يساره، لكن ظاهر الذكرى أن المراد من ذلك بيان استقبال الميت، قال: و يجب الاستقبال بالميت بأن يوضع رأسه عن يمين المصلي و رجلاه إلى يسار المصلي، و قد حكينا عن المهذب في بحث القبلة أنه بعد أن ذكر وجوب استقبال الميت في أحواله الثلاثة:

الاحتضار و الصلاة عليه و الدفن من غير ذكر خلاف قال: «و يختلف استقباله باختلاف حالاته، ففي الاحتضار يكون مستلقيا و ظاهر رأسه مستدبرا، و وجهه و باطن قدميه مستقبلا، و في حال الصلاة يكون مستلقيا أيضا، و رأسه إلى المغرب و مقدم جنبه الأيمن مستقبلا، و في حال دفنه يكون مضطجعا، رأسه إلى المغرب و وجهه و بطنه و مقاديم بدنه إلى القبلة، و مستند هذا التفصيل نصوص الطائفة و عملهم عليه» و ظاهر هما كغيرهما أن

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

58

هذه كيفية الاستقبال بالميت الواجب حال الصلاة عليه، فيراد حينئذ من اليمين جهته التي لا فرق فيها بين الامام و المأموم، و هي المستفادة من الخبر و معقد الإجماع المزبور دون نفس اليمين، بل ستعرف ما يدل من النصوص و الفتاوى على الوقوف عند الرأس بحيث يكون أمامه لا يمينه، و مضمر الحلبي (1) في الصحيح «سألته عن الرجل و المرأة يصلى عليهما قال: يكون الرجل بين يدي المرأة مما يلي القبلة، فيكون رأس المرأة عند وركي الرجل مما يلي يساره، و يكون رأسها أيضا مما يلي يسار الامام، و رأس الرجل مما يلي يمين الامام»

مع أنه في خصوص الرجل و في خصوص اجتماعه مع المرأة معارض بغيره فلا بد من حمله على ضرب من الندب، كما تعرفه إن شاء الله فيما يأتي، فالمتجه الاقتصار على الاعتبار المستفاد من الخبر و معقد الإجماع السابقين من جهة اليمين لا نفسه، و إن وجب مع ذلك المحاذاة للميت على الامام و المنفرد دون المأموم كما ستعرف إن شاء الله، كاستفادة ما صرح به جماعة من الأصحاب من وجوب كونه مع ذلك مستلقيا على قفاه من معقد إجماع المهذب و غيره، بل لا خلاف أجده فيه.

نعم بقي بحث آخر لا مدخلية له في شيء من ذلك، و هو أنه ذكر غير واحد من الأصحاب مع ذلك وجوب وقوف المصلي وراء الجنازة، بل في الذكرى و غيرها أن هذا ثابت عندنا، و في كشف اللثام «دليله التأسي و استمرار العمل عليه من زمن النبي (صلى الله عليه و آله) إلى الآن و الأئمة، بل لا نجد فيه خلافا إلا من بعض العامة، فجوز التقدم عليها فضلا عن كونها على أحد جانبيه قياسا على الغائب» و هو كما في الذكرى خطأ في خطإ، لعدم جواز الصلاة على الغائب عندنا، بل في المحكي عن التذكرة و نهاية الأحكام أنه يشترط حضور الميت عند علمائنا أجمع، بل قيل: إن الإجماع ظاهر المنتهى و فوائد الشرائع أيضا، لعدم صدق اسم الصلاة عليه بدونه، أو يشك فيه فيشك في

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 7 من كتاب الطهارة.

59

شمول الأدلة له، فالأصل عدم مشروعيته، و لاستمرار السلف على تركه، و لو جاز لما ترك، خصوصا على مثل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و غيره، و لأنها مشروطة بشروط لا بد من العلم بها، و لا يعلم بها مع الغيبة غالبا، ككونه إلى القبلة و استلقائه، و لظهور النصوص في اعتبار حضوره، بل هو كالمقطوع به منها كما لا يخفى على من لاحظها، و صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) على النجاشي قضية في واقعة، و لعله خفض له كل مرتفع حتى شاهد جنازته كما عن الخصال و العيون عن محمد بن القاسم عن يوسف بن محمد بن زياد عن أبيه (1) عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه (عليهم السلام) أو أن المراد دعا له كما في خبر حريز (2) عن زرارة و ابن مسلم.

و لا فرق في الغائب بين كونه في بلاد أخرى غير بلاد المصلي و بين كونه فيها، خلافا للشافعية فجوزوه في الأول دون الثاني، لإمكان الحضور، و لعله بهم عرضا في المحكي عن المبسوط و السرائر، فقيدا الغائب بكونه في بلد آخر، لا لأنه يجوز عندهما على الغائب في بلد المصلي، فإن الظاهر منع الجميع عندنا، و لذا استدل في المحكي عن المنتهى بأنها لا تجوز على الحاضر في البلد مع الغيبة، فعدم الجواز مع الكون في بلد أخرى أولى بل قيل: إن ظاهر المحقق الثاني في فوائده على الكتاب الإجماع أيضا على أنه لا يصلى على البعيد بما يعتد به عرفا كذلك، و لا على من بين المصلي و بينه حائل إلا عند الضرورة نعم في جامع المقاصد «لو اضطر إلى الصلاة على الميت من وراء جدار ففي الصحة تردد» و في كشف اللثام «من الشك في كونها كالصلاة بعد الدفن أو أولى، ثم على الصحة ففي وجوبها قبل الدفن وجهان» قلت: الأقوى عدم الوجوب بل عدم الصحة بعد حرمة القياس و منع الأولوية أو تنقيح المناط، فلعل حيلولة خصوص القبر كعدمها عند الشارع مثل النعش و نحوه مما لا يمنع صدق اسم الصلاة عليه، فالمراد حينئذ بالغائب الممنوع

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

60

الصلاة عليه من لم يكن مشاهدا أو في حكم المشاهد شرعا.

و كيف كان فلا إشكال في وجوب كون المصلي خلف الجنازة جهة، نعم في جامع المقاصد «هل يشترط أي مع ذلك أن يكون محاذيا لها بحيث يكون قدام موقفه حتى لو وقف وراءها باعتبار السمت و لم يكن محاذيا لها و لا لشيء منها لم يصح؟ لا أعلم الآن تصريحا لأحد من معتبري المتقدمين بنفي و لا إثبات و إن صرح بالاشتراط بعض المتأخرين، فإن قلنا به فاشتراطه بالنسبة إلى غير المأموم لأن جانبي الصف يخرجان عن المحاذاة» قلت: لا إشكال في أنها الأحوط في البراءة عن يقين الشغل، بل هي المنساقة من الصلاة على الميت في النصوص فضلا عما دل منها على الوقوف عند الصدر و الوسط و الرأس و نحوها، و الحكم بندب ذلك إنما هو بالنسبة إلى باقي أفراد المحاذاة لا غيرها، فتأمل، و الله أعلم.

[في عدم اشتراط إزالة الخبث في الصلاة على الميت]

و كيف كان ف ليست الطهارة من الأصغر و الأكبر من شرط صحتها للأصل و النصوص المستفيضة أو المتواترة كالمحكي من الإجماع، بل هو محصل على عدم اشتراط ذلك أو بدله، و ما في المحكي عن المقنعة- من أنه لا بأس للجنب أن يصلي عليه قبل الغسل يتيمم مع القدرة على الماء، و الغسل له أفضل، و كذلك الحائض تصلي عليه بارزة عن الصف بالتيمم- أقصاه ما في كشف اللثام من أنه لم يذكر صلاتهما بلا تيمم و لا تيمم غير المتوضي، و لا صراحة فيه بل و لا ظهور بالاشتراط خصوصا الأخير، بل لعل إطلاق كلامه يقضي بنفيه، بل لا يبعد سيما في مثل عبارات هؤلاء القدماء إرادة الندب من ذلك، ضرورة بدلية التيمم حالة التعذر، و لا دليل على وجوبه هنا بالخصوص بل ظاهر الأدلة خلافه، فيمكن إرادته الندب من ذلك كالمرتضى فيما حكي من جمله «و يجوز للجنب أن يصلي عليها عند خوف الفوت بالتيمم من غير اغتسال» و القاضي في المحكي من شرحها «و أما الجنب فإذا حضرت الصلاة على الجنازة و خشي من أنه إن

61

تشاغل بالغسل فاتته فإنه يجوز له أن يتيمم و يصلي» على أنه قال: «و عندنا أن هذه الصلاة جائزة بغير وضوء إلا أن الوضوء أفضل» بل عنه في المهذب «أن الأفضل للإنسان أن لا يصليها إلا و هو على طهارة، فان لم يكن على ذلك و فاجأته تيمم و صلى عليها، فان لم يتمكن من ذلك أيضا جاز أن يصليها على غير طهارة، و من كان من النساء على حيض أو جنابة و أرادت الصلاة على الجنازة فالأفضل أن لا تصليها إلا بعد الاغتسال فان لم تتمكن من ذلك جاز لها ذلك بالتيمم، فان لم تتمكن من ذلك جاز لها أن تصلي عليها بغير طهارة» إذ الظاهر إرادة الأعم من التعذر من عدم التمكن، و من هنا بعد أن حكى ذلك في كشف اللثام عنهم قال: و كأنهم أرادوا الفضل، نعم عن أبي علي لا بأس بالتيمم إلا للإمام إن علم خلفه متوضئ، مع أن الشهيد و غيره فهم منه الكراهة، قال:

و كأن نظره إلى إطلاق الخبر (1) كراهة ائتمام المتوضي بالمتيمم، مع أنه ربما منع عليه بأن ذلك في الصلاة حقيقة، و فيه كما في كشف اللثام أنه لا دليل عليه.

و كيف كان فلا إشكال في عدم اشتراط ذلك، بل الظاهر عدم اشتراط إزالة الخبث أيضا وفاقا لجماعة، بل لا أجد فيه خلافا، نعم تردد فيه في الذكرى بعد أن اعترف بعدم الوقوف فيه على فتوى و لا نص، و لعله من الأصل و إطلاق الأصحاب و الأخبار (2) جواز صلاة الحائض؟ مع عدم انفكاكها عن الدم غالبا، و إرشاد التعليل في خبر يونس بن يعقوب (3) الآتي اليه، و أخفية الخبث لصحة الصلاة معه بخلاف حكم الحدث، و من إطلاق بعض الأخبار (4) الناطقة بوجوب الطهارة من الخبث للصلاة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 6 و 7.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب صلاة الجنازة.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الوضوء.

62

و لا يخفى عليك ضعف الأخير، و لذا كان خيرته في الدروس و البيان العدم، ضرورة عدم تأتيه بناء على كون الصلاة حقيقة في غيرها، بل و عليه سواء كان على جهة الاشتراك لفظا أو معنى، لانصرافها إلى غيرها، خصوصا بعد

سؤال يونس بن يعقوب (1) أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء فقال: نعم إنما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل كما تكبر و تسبح في بيتك على غير وضوء»

و قوله (عليه السلام) في مرسل حريز (2) «الطامث تصلي على الجنازة لأنه ليس فيها ركوع و لا سجود، و الجنب يتيمم و يصلي على الجنازة»

و غير ذلك، كالمروي (3) عن الرضا (عليه السلام) و نحوه إذ هو و إن كان لنفي الوضوء إلا أنه لا ريب في ظهوره في أنه لا يعتبر فيها ما اعتبر في الصلاة من حيث الصلاة، بل إن كان كالاستقبال فهو لدليل مستقل.

و من ذلك يظهر لك ما في الذكرى من جريان جميع ما يعتبر في الصلاة فيها إلا ما خرج بالدليل كالطهارة من الحدث مثلا بدعوى اندراجها فيها، فيجب الستر حينئذ و غيره لها، بل ينبغي مراعاة صفات الساتر فضلا عن أصله، كما أنه ينبغي عدم فعل شيء من الموانع في أثنائها، و تبعه على بعضه كالستر بعض من تأخر عنه كالكركي و الأستاذ في كشفه، و تردد آخر في الموانع، لكن في منظومة الطباطبائي الجزم بعدم ذلك كله، قال:

و ليس من شروطها رفع الحدث * * *قطعا كذا الأصح في رفع الخبث

و هكذا عدالة الامام * * *و سائر الشروط و الأحكام

لذات أركان و في الذكرى طرد * * *جميعها و هو ضعيف المستند

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(3) المستدرك- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

63

و لا أرى شرطا سوى الايمان * * *و ما مضى و الحل في المكان

مشيرا بما مضى إلى الاستقبال و كون رأس الميت على اليمين و نحوهما، و بطلانها مع الغصب في المكان بعد وجوب القيام فيها بناء على عدم اجتماع الأمر و النهي في محل واحد واضح، بل في كشف الأستاذ اعتبار إباحته للميت أيضا، قال: «إلا المتسع فتجوز ما لم يكن المصلي أو الميت غاصبين أو مقومين للغاصب» و إن كان هو كما ترى للبحث فيه مجال.

نعم لا إشكال في البطلان مع عدم الحل في مكان المصلي، بل و في الساتر المغصوب و إن لم نقل بكون الستر من شروطها بناء على اتحاد كلي التصرف و القيام في الشخصي الخارجي، لكن قد عرفت ما فيه في محله، و كان على العلامة المزبور التنبيه عليه، بل اشتراطه أيضا كالمكان إن كان الفساد عنده في ذات الركوع من هذه الجهة، و من هنا قال الأستاذ في كشفه: و يشترط فيها إباحة اللباس و عدم المانع ككونه حريرا أو ذهبا في وجه قوي كما أن ما ذكره من عدم اشتراط العدالة في الامام و إن كان قد يشهد له إطلاق الأدلة خصوصا نصوص تقدم الولي (1) من غير اشتراط في شيء منها استجماعه للعدالة و نحوها من شرائط الائتمام معتضدا ذلك بخلو الفتاوى عن التعرض لاشتراط شيء من ذلك، لكن قد يناقش بأن لفظ الصلاة و إن كان لا يشملها إلا أن لفظ الائتمام لا ريب في شموله لائتمامها، فما دل على اعتبار العدالة فيه و طهارة المولد و تعيينه بالإشارة و الاسم و عدم ارتفاع مقامه بما يعتد به و نحو ذلك شامل له، و لعله لذا قال الأستاذ في كشفه هنا: «و الظاهر اشتراط طهارة المولد و العدالة» لكن قال:

و في اشتراط قيامه لو أم قائمين مع عجزه عن القيام و طهارته بالماء لو أم متطهرين به و عدم ارتفاع مقامه بما يعتد به على المأمومين وجهان، أقواهما العدم، أما الرقية و الجذام و نحوه

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة.

64

و سلامة اللسان من الآفة فلا مانع منها بلا شبهة، و كان ذلك منه لاختلاف النصوص في إطلاق الاعتبار في الائتمام، و في الاختصاص بالائتمام بالصلاة التي قد عرفت انصرافها إلى غيره، ففي

خبر الأصبغ بن نباتة (1) «سمعت عليا (عليه السلام) يقول: ستة لا يؤمنون الناس و عد منهم شارب الخمر»

و ما روى الصدوق (2) بسنده عن أبي ذر «ان إمامك شفيعك إلى الله، فلا تجعل شفيعك سفيها و لا فاسقا»

و صحيح ابن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «خمسة لا يؤمنون الناس وعد منهم ولد الزنا»

ك خبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، بخلاف باقي ما يعتبر في الإمام مما ذكره فإنه خاص بائتمام الصلاة حتى الجلوس بناء على مشروعيته مع وجود القائم، لأن

قول النبي (صلى الله عليه و آله) في مرسل الصدوق (5) عن الباقر (عليه السلام): «لا يؤمن أحدكم بعدي جالسا»

إنما هو بعد ما صلى (عليه السلام) بأصحابه من جلوس، فالمراد على الظاهر من قوله: «لا يؤمن» إلى آخره في الصلاة، فتبقى الجنائز حينئذ على إطلاق الأدلة، و لعل خلو الفتاوى هنا اتكالا على ما ذكروه في بحث الجمعة و الجماعة مما يظهر منه اعتبار ذلك في أصل الائتمام بصلاة الفريضة و غيرها، بل ظاهر ما سمعته منهم من ملاحظة تراجيح السابقة في المصلي على الجنازة التي هي التراجيح المذكورة في إمام الجماعة بالصلاة كالصريح في اتحاد أحكام الجماعتين، و أوضح منه ما وقع للمصنف و غيره من أنه يتقدم الولي إذا كان بشرائط الإمامة و إلا قدم غيره، فان الظاهر إرادة ما هو المذكور في الجماعة و الجمعة من شرائط الإمام، و إلا كان من الواجب التعرض للفرق بين الإمامين في المقامين.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 25- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 1.

65

نعم مقتضى ذلك عدم الاقتصار على اعتبار ما ذكره الأستاذ في كشفه، بل ينبغي حينئذ اعتبار سائر ما ذكروه هنا في الامام و في الجماعة، فلا يصح إمامة القاعد مثلا بالقائم مثلا، و لا يجوز الارتفاع و الحائل إلا في النساء، إلى غير ذلك مما لا يخفى جريانه في المقام، كما أن ما جاز هناك من إمامة الأبرص و المتيمم و الأعمى و غيرهم و لو على كراهة جاز هنا بالأولى، و دعوى الفرق بين العدالة و الارتفاع و طهارة المولد و بين غيرها بإطلاق الأدلة فيها دونها يدفعها أن العمدة فهم اعتبار تلك الأمور في الامام و الجماعة مطلقا و إن كان المورد الصلاة المنصرفة إلى غير المقام، و إلا فلا إطلاق معتد به في العدالة فضلا عن غيرها، إذ الخبر المزبور و إن كان مرويا في المحكي عن مستطرفات السرائر كذلك لكن رواه الصدوق في المحكي عن خصاله «ستة لا ينبغي أن يؤموا الناس: ولد الزنا و المرتد و الأعرابي بعد الهجرة و شارب الخمر و المحدود و الأعلف» و هو- مع اشتماله على لفظ لا ينبغي و الطعن في سنده و عدم ذكره اشتراط العدالة، ضرورة أعمية نفي إمامة هؤلاء منها- معارض بإطلاق الأدلة هنا، و بينهما تعارض العموم من وجه، و عدم الترجيح يقضي بعدم الاشتراط، و خبر أبي ذر لم يسنده إلى النبي (صلى الله عليه و آله) ليكون ظاهره حجة علينا، و لم نعثر في الارتفاع على إطلاق، فليس حينئذ في الجميع إلا ما عرفت من ظهور الأدلة و الفتاوى في اعتبار ذلك في الامام و الجماعة في الصلاة و غيرها فيعتبر حينئذ جميع ما يعتبر هناك، و لا ريب في أنه أحوط و إن كان للنظر في تعينه مجال خصوصا بعد عدم المنقح من إجماع أو غيره، بل الفرق بين الصلاتين بالتحمل و غيره مع وضوحه قد نصت عليه الأدلة كما عرفت، فدعوى اعتبار جميع ما يعتبر في إمام جماعتها و إمامها لا تخلو من إشكال، و من هنا كان الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة لا ينبغي تركه.

كما أنه لا ينبغي تركه في سائر ما يعتبر في الصلاة إلا ما دل عليه الدليل، خصوصا

66

في الموانع كالكلام و نحوه مما لا يفسد هيئتها بحيث يخرجها عن صدق الاسم، و إلا فتبطل قطعا، قال في كشف الأستاذ: و يفسدها كلما يخل بصورتها من سكوت طويل أو فعل كثير أو فعل لهو و لعب و إن قل أو غير ذلك مما يفسد هيئتها و يخرجها عن صدق الاسم لذاته أو كثرته، و الأحوط أن يعتبر ما يعتبر في الصلاة عدا الحدث، قلت: و إن كان ما ذكروه في وجه المنع من إطلاق الصلاة الشامل لها واضح الضعف كما عرفته مكررا، فالأولى تعليله بأنه لما لم يكن المعهود إلا الصلاة المجردة عن ذلك كله اتجه مراعاة الاحتياط بل ربما قيل: بأن التكبيرة الأولى من التكبيرات تكبيرة الإحرام، كما أن ذكر التسليم في جملة من النصوص المتقدمة سابقا يمكن أن يكون كناية عن التحليل و الانصراف لا التسليم حقيقة، و إن أمكن للتقية، إلا أنه ينافيها اشتمال الخبر على الخمس تكبيرات، كما أنه ينافي إرادة الوجوب تركه و نفيه في المستفيض من النصوص و الإجماع محصلا و منقولا على وجه يمكن تحصيله من نقلته، و استحبابه المحكي من معقد إجماع جامع المقاصد و الروض، و يمكن إرادته من النفي في تلك النصوص، و قول أبي علي: «و لا استحب التسليم فيها فان سلم الإمام فواحدة عن يمينه» ليس خلافا في المسألة أو غير معتد به، كقوله في الذكرى بعد أن اعترف أن ظاهرهم عدم مشروعيته.

و أما شرعية التسليم استحبابا أو جوازا فالكلام فيه كالقراءة، إذ الإجماع إنما هو على عدم وجوبه، و قد ذكر في القراءة بعد أن حكى عن الشيخ التصريح بكراهة القراءة احتمال استناده فيها إلى أنه تكلف ما لم يثبت شرعيته، و قال: يمكن أن يقال بعدم الكراهية، لأن القرآن في نفسه حسن ما لم يثبت النهي عنه، و الأخبار خالية عن النهي و غايتها النفي، و كذا كلام الأصحاب لكن الشيخ نقل الإجماع بعد ذلك، و نحن فلم نر أحدا ذكر الكراهة فضلا عن الإجماع عليها، إذ هو كما ترى لا يصلح مثله لإثبات المشروعية و لو على الاستحباب في خصوص المقام الذي هو محل البحث، ضرورة عدم

67

المنع في قراءة القرآن في نفسه فيها الجائز في الفريضة فضلا عنها، و قول الرضا (عليه السلام) في خبر ابن سويد (1) المتقدم سابقا: «تقرأ في الأولى بأم الكتاب»

محمول على التقية للإجماع بقسميه على عدم الوجوب، بل معقد المنقول منه مستفيضا و متواترا نفيها فيها، فيمكن حمله على نفي المشروعية وجوبا و استحبابا منه، كما صرح به في معقد ظاهر إجماع كشف اللثام و صريح المحكي عن الروض، نعم عن المنتهى تجويز قراءتها لاشتمالها على الشهادة، يعني قوله: إياك نعبد، و عن خلاف الشيخ كراهتها، و حكى الإجماع عليه، لكن في كشف اللثام يجوز إرادته الإجماع على عدم الوجوب، و لعله لما سمعته من الذكرى من عدم المصرح بها غيره، و كيف كان فهي ليست بواجبة و لا مندوبة، فقراءتها بعنوان أحدهما على الجزئية أو غيرها تشريع، نعم لا بأس بقراءتها في نفسها و لا يجتزى بها عن الشهادة قطعا، لعدم مرادفة إياك نعبد لها كما هو واضح، و الله أعلم.

[في عدم جواز التباعد عن الجنازة كثيرا]

و كيف كان فلا يجوز التباعد للمصلي إماما أو منفردا أو مأموما بغير الصفوف عن الجنازة المتحدة و المتعددة بغير تعدد الجنائز كثيرا كما صرح به الفاضل و أول الشهيدين و ثاني المحققين و غيرهم، بل ربما نسب إلى الأصحاب، بل قد يظهر من المحكي عن الصدوق وجوب القرب، قال: «فليقف عند رأسه بحيث إن هبت ريح فرفعت ثوبه أصاب الجنازة» لكن يمكن إرادته الندب كالمحكي عن المبسوط و النهاية و السرائر و المهذب و المنتهى أنه ينبغي أن يكون بينه و بين الجنازة شيء يسير، و لعله لذا قال في جامع المقاصد: إنه يستحب أن يكون بين الامام و الجنازة شيء يسير ذكره الأصحاب، فيراد حينئذ من القرب الزائد على الواجب، و على كل حال ففي كشف اللثام لم أظفر بخبر ينص على الباب، لكن في جامع المقاصد و غيره أن المرجع في هذا التباعد إلى العرف، و مثله الارتفاع و الانخفاض، و مقتضاه كونه منصوصا، اللهم إلا أن يكون

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 8 من كتاب الطهارة.

68

المراد الصدق العرفي الذي يخرج عن اسم الصلاة على الميت، أو يراد التباعد الممنوع منه في عرف المتشرعة، لأن الصلاة على الأموات كيفية معهودة مأخوذة يدا بيد عن صاحب الشرع، و ليس ذا إثباتا للحكم الشرعي بالعرف، بل هو حفظ لكيفية مخصوصة نحو ما تسمعه منا في نظم الجماعة و في الفعل الكثير في الصلاة، كما أنه قد يقال في الاستدلال على المطلوب زيادة على ذلك بما تسمعه من الأمر بالوقوف عند الصدر و الوسط و الرأس، فإنه و إن حمل على الندب لكن المراد الندب بالنسبة إلى خصوص الصدر مثلا لا أصل الوقوف عند الميت، على أن المتجه التخيير فيها و فيما ثبت جوازه من الوقوف عليه من غيرها، فالتباعد الذي لم يصدق عليه أحدها و لا هو مما ثبت جوازه ليكون أحد أفراد التخيير باق على المنع، ضرورة عدم شمول الإطلاقات له بعد تقييدها بما عرفت، فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع، و الله أعلم.

[في عدم جواز الصلاة إلا بعد التغسيل و التكفين]

و لا يجوز أن يصلى على الميت إلا بعد تغسيله أو ما في حكمه و تكفينه بلا خلاف كما في كشف اللثام، بل في المدارك هذا قول العلماء كافة، و لعله الحجة، لا ما فيها من أن النبي (صلى الله عليه و آله) هكذا فعل و كذا الصحابة و التابعون، فيكون الإتيان بخلافه تشريعا محرما، إذ قد يناقش فيه بمنع التشريع بعد الإطلاق الذي لا يعارضه غير الظاهر من الفعل في الوجوب كي يقيد به، بناء على أن وجوب التأسي في معلوم الوجوب، اللهم إلا أن يدعى ظهوره في الوجوب بالمواظبة عليه و عدم التصريح بخلافه، أو يمنع اعتبار معرفة الوجه في وجوب التأسي، أو يقال: إنه علم من الفعل الظاهر بالتكرار و غيره في خصوصيته على غيره من الأفراد عدم إرادة ظاهر تلك الإطلاقات، إلا أنه لم يعلم وجهه، فيرجع الإطلاق حينئذ إلى الإجمال، فلا يعلم مشروعية الصلاة المتقدمة عليهما مثلا، و الأصل لا يشخص، لكن الجميع كما ترى.

فالعمدة حينئذ ما عرفت لا ذلك، بل و لا ما في الذكرى من

قول الصادق

69

(عليه السلام) (1): «لا يصلى على الميت بعد ما يدفن، و لا يصلى عليه و هو عريان»

ضرورة كونه أعم من التكفين فضلا عن التغسيل، بل و لا الخبران الآتيان في فقد الكفن، ضرورة دلالتهما على عدم جواز الصلاة على مكشوف العورة، نعم قد يقال إنه المنساق من عطفها عليهما في النصوص و إن كان بالواو التي هي لمطلق الجمع إلا أنه لا يبعد إرادة الترتيب منها هنا بمعونة فهم الأصحاب، بل لا ينكر انسياقه من سير تلك النصوص و اتفاقها على ذكرها بعدهما كما لا يخفى على من له أدنى معرفة بلسانهم (عليهم السلام).

و كيف كان فالظاهر من الفتاوى و معقد الإجماع إرادة الوجوب الشرطي لا التعبدي خاصة، فلا يعتد حينئذ بالصلاة قبل أحدهما، بل مقتضى الشرطية عدم الفرق في ذلك بين العمد و غيره، لكن في كشف اللثام احتمال الاعتداد، و لا ريب في ضعفه نعم قد يقال ذلك في الناسي بناء على قاعدة العفو عنه، لعموم حديث الرفع (2) و غيره و الغسل و الكفن المقدمان على الحياة في المرجوم و نحوه مثل المؤخرين، فيصلي عليهما حينئذ من دون إعادة شيء منهما، و الطهارة الحاصلة من الشهادة أولى من الحاصلة بالغسل و ستر ثيابه أولى من ستر الكفن، فيصلي حينئذ على الشهيد من دونها كما استفاضت به النصوص (3) أو تواترت، و الإجماع منا بقسميه عليه، فما في خبر عدي بن حاتم (4) و خبر عمار (5) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) و مرسل الفقيه (6) «من أن عليا (عليه السلام) لم يغسل عمار بن ياسر و لا هاشم بن عتبة المرقال و دفنهما في ثيابهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 56- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب غسل الميت- الحديث 7 و 8 و 9 و 12 من كتاب الطهارة.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب غسل الميت- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب غسل الميت- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب غسل الميت- الحديث 4.

70

و لم يصل عليهما»

وهم من الراوي، أو المراد عدم صلاته بنفسه لمشغوليته (عليه السلام) بالحرب، بل أمر غيره بالصلاة عليهما، أو غير ذلك.

و كل ما أقيم مقام الغسل من صب أو تيمم أو تغسيل كافر أو نحوها كاف (كفى خ ل) في صحة الصلاة، أما إذا لم يحصل شيء من ذلك إما لتعذره كمن مات في بئر و نحوه و تعذر إخراجه، أو لعدم وجود الفاعل فالظاهر وجوب الصلاة، لإطلاق الأدلة التي لم يثبت تقييدها في محل الفرض، و قاعدة الميسور، و عدم ذكر الصلاة في خبر العلاء بن سيابة (1) في بئر محرج مات فيه رجل و لم يمكن إخراجه أنها تجعل قبرا له لمعلوميتها من العمومات.

و لا يعتد بغسل المخالف و لو لمثله و إن كان لو غسله المؤمن كغسلهم تقية كان مجزيا، لصحة العبادة منه بخلاف الأول، و الأمر بإلزامهم ما ألزموا به أنفسهم لا يشمل المقام على الظاهر، نعم قد يقال بوجوب الصلاة على موتاهم بناء على إسلامهم و إن كانوا هم المباشرين لتغسيلهم إذا كان لا يمكن للمؤمن التغسيل و لو الموافق لهم لسقوط التغسيل هنا بالتعذر، فتبقى الصلاة كباقي أفراد من تعذر تغسيله، كما أنه قد يقال بوجوبها و إن لم نقل بمشروعية غسل موتاهم، قصرا لاشتراط صحتها بتقدم الغسل على من كان مشروعا تغسيله و متمكنا منه أو بدله، بخلاف من لم يكن مشروعا له، فتبقى عمومات الصلاة بحالها حينئذ كغيره ممن تعذر تغسيله شرعا أو عقلا ممن له قابلية التغسيل.

نعم لما كان طريق وجوبهما و عدمه متحدا و هو جريان حكم الإسلام بعد الموت و عدمه اتجه حينئذ دعوى التلازم بينهما، مع إمكان المنع أيضا بالفرق بين الغسل و الصلاة بأن الأول إكرام للميت كما يظهر من النصوص (2) و لا كرامة له، بخلاف الصلاة

____________

(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الدفن- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب غسل الميت- الحديث 3 و 4 و الباب 18 منها الحديث 1.

71

المتضمنة للدعاء عليه و لعنه، و من ذلك يظهر لك حينئذ ما في الاستدلال ب نصوص الصلاة عليهم (1) على مشروعية تغسيلهم، اللهم إلا أن يكون وجهه فهم القابلية من

قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «صلوا على كل ميت»

و لا يجوز إلا بعد تغسيله، ضرورة أن مقدمة المقدمة مقدمة، نعم لو كان هناك دليل على عدم القابلية للغسل بحيث يرجح على ذلك أمكن القول حينئذ بوجوب الصلاة للعمومات التي لا معارض لها، لا أنها تسقط مع احتماله أيضا و إن كان الأول أقوى، فتأمل جيدا.

[في كيفية الصلاة على من لم يكن له كفن]

و على كل حال فان لم يكن له كفن جعل في القبر و سترت عورته و صلي عليه بعد ذلك كما صرح به جماعة، بل في المدارك أنه مقطوع به في كلام الأصحاب، و لعله ل

موثق الساباطي (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في قوم كانوا في سفر يمشون على ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان قد لفظه البحر و هم عراة ليس عليهم إلا إزار كيف يصلون عليه و هو عريان و ليس معهم فضل ثوب يكفنونه به؟ قال:

يحفر له و يوضع في لحده و يوضع اللبن على عورته يستر عورته باللبن و الحجر ثم يصلى عليه ثم يدفن، قلت: فلا يصلى عليه إذا دفن فقال: لا يصلى على الميت بعد ما يدفن، و لا يصلى عليه و هو عريان حتى توارى عورته»

و مرسل محمد بن مسلم (4) قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): قوم كسر لهم مركب في بحر فخرجوا يمشون على الشط فإذا هم برجل ميت عريان و القوم ليس عليهم إلا مناديل متزرين بها و ليس عليهم فضل ثوب يوارون الرجل فكيف يصلون عليه و هو عريان؟ فقال: إذا لم يقدروا على ثوب يوارون به عورته فليحفروا قبره و يضعوه في لحده يوارون عورته بابن أو أحجار

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة.

(2) كنز العمال- ج 8 ص 83- الرقم 1562.

(3) الوسائل- الباب- 36- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 36- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

72

أو تراب ثم يصلون عليه ثم يوارونه في قبره، قلت: و لا يصلون عليه و هو مدفون بعد ما يدفن قال: لا، لو جاز ذلك لأحد لجاز لرسول الله (صلى الله عليه و آله) فلا يصلى على المدفون و لا على العريان»

قلت: الخبران إنما يدلان على حكم العريان الذي لم يحصل له بعض الكفن أو ثوب توارى به عورته حال الصلاة لا كل من لم يكن له كفن الصادق على من له بعضه أو غيره مما يوارى به عورته، و لذا قال في الذكرى: «فان لم يكن له كفن و أمكن ستره بثوب صلي عليه قبل الوضع في اللحد، و إلا فبعده و يستر عورته بما أمكن و لو باللبن و الحجر، ل ما رواه عمار (1)» إلى آخره. بل صرح في جامع المقاصد بوجوب الأول مع إمكانه، لكن في المدارك بعد أن حكى ذلك عن الذكرى قال:

لا ريب في الجواز، نعم يمكن المناقشة في الوجوب، و فيه أنه قد يدل عليه مضافا إلى أقربيته للتكفين و حصول المشاهدة معه و عدم السفل و التباعد عنه مفهوم الشرط بناء على أن الأمر في جوابه للرخصة لا الوجوب كما هو الظاهر من كشف اللثام نافيا عنه الخلاف فيه في الظاهر، قال بعد ذكر الخبرين المزبورين: و لعل وضعه في اللحد و ستر عورته فيه لكراهة وضعه عاريا تحت السماء و إن سترت عورته كما قد يرشد إليه كراهة تغسيله تحت السماء، و لرفع الحرج عن المصلين لما في ستر عورته خارجا ثم نقله إلى اللحد من المشقة، و إلا فالظاهر لا خلاف في جواز الصلاة عليه خارجا إذا سترت عورته بلبن أو تراب أو نحوهما، بل في المدارك التأمل في أصل وجوب الستر، قال: «و مقتضى إطلاق الأمر بالستر وجوبه و إن لم يكن ثم ناظر و تباعد المصلي بحيث لا يرى، لكن الرواية قاصرة من حيث السند عن إثبات الوجوب» و فيه أنه لا بأس به بعد الانجبار بما حكاه هو من قطع الأصحاب، و منه يظهر لك وجه النظر فيما ذكره في الكشف، و لعل وجه

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

73

الفرق صدق اسم العراء على الخارج دون الموضوع في اللحد، فالأحوط إن لم يكن الأقوى المحافظة على ما في الخبرين في موضوعهما، و الظاهر أن المراد بالعريان فيهما مكشوف العورة، فيجزي سترها حينئذ بثوب و نحوه و إن صدق اسمه عليه، مع إمكان منع الصدق في بعض الأفراد إن لم يكن جميعها، و ظاهر الخبرين وضع اللبن و الحجر على نفس العورة لا سد اللحد بهما ليحصل به ستر العورة مع احتماله، خصوصا إذا وضع في اللحد على هيئة المدفون لا مستلقيا كما عساه يومي اليه ظهور الخبر فيه، و أنه لا يبقى إلا إهالة التراب عليه، فيصلي عليه و يدفن، لكن فيه أنه مخالف لما تقدم سابقا من وجوب الاستلقاء حال الصلاة، اللهم إلا أن يكون ذلك خارجا عنه، و ملحقا بالصلاة على المدفون، لكن لا ريب في أن الأحوط الأول مع ستر نفس العورة ثم بعد الفراغ من الصلاة يجعل على جانبه و يدفن.

و المصلوب الذي لم ينزل إلى ثلاثة أيام و لم يعلم نزوله بعدها لا يبعد مشروعية الصلاة عليه قبل إنزاله و إن لم يكن غسل و كفن، لأنها الحد في بقائه شرعا، فبعدها كان بحكم المدفون، و لإطلاق دليل الصلاة عليه، و يحتمل انتظاره إلى النزول فيغسل و يكفن و يصلى عليه، لإطلاق دليل الشرطية، و لعل منه كل من تعذر دفنه و كان غير مغسل أو غير مكفن، إذ مشروعية الصلاة بدونهما تقديما لمصلحة الدفن، فمع عدمه يسعى في حصولهما إلى آن الدفن فيصلي عليه بدونهما مع فرض تعذرهما، فتأمل جيدا. و الله أعلم.

هذا كله في الواجب

[في سنن صلاة الميت]

و أما سنن الصلاة فهي

[من السنن أن يقف الإمام عند وسط الرجل و صدر المرأة]

أن يقف الامام عند وسط الرجل و صدر المرأة وفاقا للأكثر، بل المشهور نقلا و تحصيلا، بل عن مجمع البرهان نسبته إلى الأصحاب، بل في المحكي عن المنتهى نفي الخلاف عنه، بل في الغنية الإجماع عليه، و هو الحجة بعد

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في مرسل ابن المغيرة (1):

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

74

«من صلى على امرأة فلا يقوم في وسطها و يكون مما يلي صدرها، و إذا صلى على الرجل فليقم في وسطه»

و الباقر (عليه السلام) في خبر جابر (1): «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقوم من الرجال بحيال السرة و من النساء أدون من ذلك قبل الصدر»

بل يمكن حمل

قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر موسى بن بكر (2): «إذا صليت على المرأة فقم عند رأسها، و إذا صليت على الرجل فقم عند صدره»

عليه للمجاورة و لو بمعونة ما عرفت، إذ هو أولى من احتمال التخيير و إن حكي عن الفاضلين في المعتبر و المنتهى، لكن فيه أنه فرع المكافاة و ليست قطعا، نعم قد يقال به مع الفضل في الأول و على كل حال فما عن الاستبصار من الاقتصار على العمل بمضمونه في غير محله، كالذي عن الخلاف من الوقوف عند رأس الرجل و صدر المرأة مدعيا عليه الإجماع، إذ هو- مع أنا لم نجد للأول في النصوص أثرا، بل قد سمعت خلافه فيها، و لا في الفتاوى سوى ما يحكى عن علي بن بابويه- قاصر عن معارضته لما عرفت، نعم عن الفقيه و الهداية الوقوف عند الرأس مطلقا، بل ربما حكي عن الشيخ أيضا و عن المقنع الصدر مطلقا، و هما معا ضعيفان محجوجان بما عرفت، هذا.

و في كشف اللثام و الأولى إلحاق الخنثى و الصغيرة بالمرأة، و لم يستبعده في الأولى في جامع المقاصد تباعدا عن موضع الشهوة، و هو لا يخلو من وجه في الثانية، كالحاق الصغير بالرجل، بل جزم به في ظاهر المنظومة أو صريحها، و إشكال في الأولى، و لذا تردد فيها في المحكي عن الروض، بل في كشف الأستاذ و يتخير في الخنثى المشكل و الممسوح، و لعل ملاحظة الصدر أولى، ثم قال: و في جريانه في الأبعاض و في كيفيته فيها بحث، قلت: خصوصا في البعض، كما أن الأولوية المزبورة لا تخلو منه أيضا و إن كان وجهها واضحا، هذا، و ظاهر المتن اختصاص الحكم بالإمام، و قد عرفت أن مقتضى

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

75

الدليل الأعم، نعم ينبغي استثناء المأموم كما نص عليه جماعة، و في المنظومة.

و المقتدى له الوقوف في طرف * * *بالبعد في الصفوف أو بطول صف

مع أنه يمكن تعميم الحكم أيضا لمن أمكنه منهم بأن يكون مما يلي موقف الامام، و الله أعلم.

[في كيفية الصلاة على الرجل و المرأة معا]

و إن اتفقا أي الرجل و المرأة و أريد الصلاة عليهما دفعة واحدة جعل الرجل مما يلي الامام و المرأة من ورائه كما ذكره جماعة، بل عن ظاهر الخلاف أو صريحه الإجماع عليه، بل لا خلاف فيه إلا من الحسن البصري و ابن المسيب كما في كشف اللثام، بل عن المنتهى أنه مذهب العلماء كافة، كالمحكي عن المعتبر و التذكرة من أن به قال جميع الفقهاء،

و سأل الحلبي و زرارة الصادق (عليه السلام) (1) «عن الرجل و المرأة كيف يصلى عليهما؟ فقال: يجعل الرجل و المرأة و يكون الرجل مما يلي الامام»

و محمد ابن مسلم الباقر (عليه السلام) (2) «كيف يصلى على الرجال و النساء؟ فقال: يوضع الرجل مما يلي الرجل و النساء خلف الرجال»

و أحدهما (عليهما السلام) (3) عن ذلك أيضا فقال: «الرجال أمام النساء مما يلي الإمام يصف بعضهم على أثر بعض»

و ابن بكير (4) عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) في جنائز الرجال و الصبيان و النساء فقال:

«توضع النساء مما يلي القبلة و الصبيان دونهم و الرجال دون ذلك و يقوم الامام مما يلي الرجال»

بل لعله المراد من التقديم في خبر البصري (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)» عن جنائز الرجال و النساء إذا اجتمعت فقال: يقدم الرجال في كتاب علي (عليه السلام)»

و خبر طلحة بن زيد (6) عنه (عليه السلام) أيضا «كان علي (عليه السلام) إذا صلى على المرأة و الرجل قدم المرأة و أخر الرجل، و إذا صلى على العبد و الحر قدم العبد و أخر

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث- 9.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث- 1.

(4) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

76

الحر، و إذا صلى على الكبير و الصغير قدم الصغير و أخر الكبير»

و مرسل الصدوق (1) عن علي (عليه السلام) على معنى التقديم إلى القبلة عكس التقديم

في مضمر سماعة (2) «سألته عن جنائز الرجال و النساء إذا اجتمعت فقال: يقدم الرجل قدام المرأة قليلا و توضع المرأة أسفل من ذلك قليلا عند رجليه و يقوم الامام عند رأس الميت فيصلي عليهما جميعا»

نعم لا يجب ذلك قطعا، بل عن المنتهى و المفاتيح نفي الخلاف عنه، للأصل و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح هشام (3): «لا بأس بأن يقدم الرجل و تؤخر المرأة و يؤخر الرجل و تقدم المرأة يعني في الصلاة على الميت»

و مضمر الحلبي (4) «سألته عن الرجل و المرأة يصلى عليهما قال: يكون الرجل بين يدي المرأة مما يلي القبلة فيكون رأس المرأة عند و ركي الرجل مما يلي يساره، و يكون رأسها أيضا مما يلي يسار الامام و رأس الرجل مما يلي يمين الامام»

بل لو لا عدم مكافأة ذلك لما تقدم من وجوه لأمكن القول بالتخيير كما عن الاستبصار.

و كيف كان فإذا أراد مع ذلك الإتيان بالمستحب السابق الشامل إطلاق دليله لصورة الجمع فل يجعل صدرها محاذيا لوسطه ليقف الامام موقف الفضيلة فيهما كما صرح به الفاضل و الشهيد و غيرهما، بل حكاه في كشف اللثام عن المبسوط، بل في مفتاح الكرامة عن المنتهى عليه إجماع العلماء كافة، لكنا لم نتحققه، بل قد يشكل ذلك بما سمعته من مضمري سماعة و الحلبي السابقين، و موثق عمار (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يصلي على ميتين أو ثلاثة موتى كيف يصلي عليهم؟ قال: إن كان ثلاثة أو اثنين أو عشرة أو أكثر من ذلك فليصل عليهم صلاة واحدة، و يكبر عليهم خمس تكبيرات كما يصلي على ميت واحد و قد صلى عليهم جميعا يضع ميتا واحدا ثم يجعل الآخر

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 2.

77

إلى إلية الأول ثم يجعل رأس الثالث إلى إلية الثاني شبه الدرج حتى يفرغ منهم كلهم ما كانوا، فإذا سواهم هكذا قام في الوسط فكبر خمس تكبيرات يفعل كما يفعل إذا صلى على ميت واحد، سئل فإن كان الموتى رجالا و نساء قال: يبدأ بالرجال فيجعل رأس الثاني إلى إلية الأول حتى يفرغ من الرجال كلهم، ثم يجعل رأس المرأة إلى إلية الرجل الأخير ثم يجعل رأس المرأة الأخرى إلى ألية المرأة الأولى حتى يفرغ منهم كلهم، فإذا سوى هكذا قام في الوسط وسط الرجال و كبر و صلى عليهم كما يصلى على ميت واحد»

و ظاهر جماعة منهم الشهيد في الذكرى مع تصريحه هنا بما في المتن العمل به، بل في قواعد الفاضل بعد أن ذكر هنا ما في المتن قال في آخر الفصل الثالث في تعدد الجنائز: و ينبغي أن يجعل رأس الميت الأبعد عند ورك الأقرب و هكذا، كما عن تذكرته و تحريره و نهايته ثم قال: صفا مدرجا ثم يقف الامام وسط الصف، و ظاهره المخالفة للأول، لكن في كشف اللثام «و الأخبار خالية عن تعيين الأبعد و الأقرب إلا في الرجل و المرأة، فيجعل المرأة و هي أبعد عند ورك الرجل، و كلام المصنف في الموتى الذين من صنف واحد لما قدمه من جعل صدر المرأة بحذاء وسط الرجل» قلت: فيه انه مناف للنص المزبور الذي اعترف أنه هو الأصل في الحكم المذكور، بل مناف لقوله الأبعد الذي لا مصداق له إلا في المرأة و الرجل في النصوص، و لا يتم فيما تسمعه من الذكرى، و قال في جامع المقاصد: لا منافاة بين هذا و بين ما تقدم، لأن ذلك مع اتحاد الرجل، و قول المصنف فان كان عبدا وسط بينهما بيان للمرتبة في المذكورين، و لا دلالة فيه على كيفية الصف، و هو مناف أيضا لظاهر النص السابق، ثم قال: نعم قد يقال الغرض من ذلك مراعاة القرب من الامام، و ذلك يفوت بالصف مدرجا، قال في الذكرى في التفريع:

لا فرق في التدريج إذا كان المجتمعون صفا واحدا بين صف الرجال و النساء و الأحرار و العبيد و الإماء و الأطفال، و الظاهر أنه يجعلهم صفين كتراص البناء لئلا يلزم الانحراف

78

عن القبلة، و إن كان ظاهر الرواية أنه صف واحد، و في هذا الكلام شيء، قلت:

لعله لا انحراف فيه عن القبلة في الصف الواحد أيضا، و إنما فيه البعد عن الجنازة لو أراد استقبال الجميع، و صيرورة الميمنة قريبا من الخلف بل الخلف في بعض الأحوال لو قرب من الجنازة التي هي وسط الرجال، بل لعله لا يتأتى له حصول موقف الفضيلة منها أي الوقوف على وسطها، فإنه لا بد من انحرافه عن ذلك إذا أراد الاستقبال لكن قد يدفع ذلك كله ظاهر النص، فيقف حينئذ عند وسط الرجال و إن خرج ميمنة الصف عن جهة الإمام، قال الشهيد في المحكي عنه من فوائد القواعد: «يقف في وسطهم و إن خرج عن محاذاة أوله و آخره للرواية» هذا، و في كشف اللثام بعد أن ذكر خبر عمار و الظاهر جواز جعل كل وراء آخر صفا مستويا ما لم يؤد إلى البعد المفرط بالنسبة إلى بعضهم، و كذا جعل كل عند رجل الآخر و هكذا صفا مستويا كما قالت بهما العامة، و احتمل المصنف في النهاية التسوية و أجمل، و ظاهر الذكرى الاقتصار على المنصوص، ثم ظاهر النص و الأصحاب جعلهم صفا واحدا، و أجاد الشهيد حيث استظهر جعلهم صفين كتراص البناء لئلا يلزم انحراف المصلي عن القبلة إذا وقف وسطهم، و في نسخة بدل التعليل المزبور ليكونوا في سمت قبلة المصلي، و هو جيد، بل قد يظهر من نصوص (1) تقدم المرأة ما ذكره من الصورة الأولى، كما أن الصورة الثانية محتمل مضمر سماعة (2) فضلا عن إطلاق الأدلة فيهما خصوصا في الأولى و إن كان الأولى اجتناب الصورة الثانية، لفوات استقبال الجنازة فيها من دون نص صريح معتبر، كما أنه لا يخفى عليك ما في الذي استجوده من كلام الشهيد.

و كيف كان فهذه الكيفية مخالفة لما سمعته من المتن و غيره، و يمكن لهذه النصوص تقييد ما دل على الصدر و الوسط بغير التعدد و لو اثنين من صنف واحد أو مختلفين، أما

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 8.

79

فيه فالكيفية المزبورة إن لم يثبت إجماع على خلاف ذلك، نعم ليس في شيء من نصوص الدرج (1) ذكر تقديم المرأة إلى القبلة معه، بل في خبر الحلبي (2) منها عكس ذلك، فيمكن اعتباره بعد حمل ما في صحيح الحلبي (3) على الجواز ترجيحا لتلك النصوص عليه، فيقيد بها إطلاق موثق عمار (4) و غيره الدال على الدرج كما في كشف اللثام النص عليه، قال: و في خبر عمار عن الصادق (عليه السلام) التدريج يجعل رأس رجل إلى إلية الآخر و هكذا، و وقوف الإمام في الوسط، و هو لا ينافي الترتيب المذكور كما في الذكرى إلا باعتبار أن الامام يقوم في الوسط، فلا يفيد تقديم طرف الصف القرب، و لا تأخير وسطه البعد.

قلت: و منه ينقدح احتمال عدم اعتباره، و أنه مختص في غير الدرج المزبور، لعدم فائدته فيه، إذ مع قيام الإمام في الوسط لا يفيد التقديم القرب، و لا التأخير البعد بل قد يدعى ظهور نصوص تقديم المرأة في غير الدرج المذكور، لعدم صدق الامام و نحوه فيه، فحينئذ لا معارضة بين تلك النصوص و مضمر الحلبي (5) بل يمكن أن يكون ذلك وجه ما في المتن و غيره هنا من جعل صدر المرأة عند وسط الرجل لتحصيل موقف الفضل فيهما على معنى اعتبار ذلك في غير الدرج، أما هو فكيفية أخرى غير هذه الكيفية قل من تعرض لها، بل لم نعرفه قبل الفاضل و من تبعه، فتأمل جيدا، فإن المسألة غير محررة في كلام الأصحاب، لكن يسهل الخطب فيها أن الحكم فيها ندب يتسامح فيه.

ثم إن ظاهر المتن كصريح غيره بل لا أجد فيه خلافا تقديم الرجل للإمام على المرأة و إن كان عبدا، بل عن الخلاف و المنتهى و ظاهر التذكرة الإجماع عليه، تغليبا لجانب الذكورة، و لإطلاق الأدلة السابقة، و لا ينافيه خبر طلحة (6) و مرسل

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 10.

(4) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 7.

(6) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 5.

80

الصدوق (1) لأن المراد فيهما العبد الذكر في مقابل الحر الذكر لا الحرة، نعم هو دال على تقديمه عليه، فحينئذ بوسط بين الحر و الحرة، كما أن من فحواه يستفاد تقديم الحرة على الأمة، لكن في الذكرى و أما الحرة و العبد فيتعارض فحوى الرجل و المرأة و الحر و العبد، لكن الأشهر تغليب جانب الذكورة، فيقدم العبد إلى الإمام، قلت: قد عرفت الإجماع عليه، فان جامعهم خنثى أخرت عن المرأة أيضا للإمام بلا خلاف أجده، بل عن الخلاف و المنتهى و ظاهر التذكرة الإجماع عليه، لاحتمال الذكورة، قلت:

لكن قد يقيد ذلك بما إذا لم تكن مملوكة، و إلا قدمت المرأة الحرة للإمام عليها ترجيحا للمرجح المعلوم على الموهوم.

[في حكم اجتماع الطفل مع الرجل و المرأة]

و كيف كان ف لو كان طفلا مع الرجل و المرأة جعل من وراء المرأة مما يلي القبلة كما عن النهاية و المهذب و الغنية، بل في الأخير الإجماع عليه لأولويتها بالشفاعة منه، و إطلاق خبري طلحة و الصدوق، لكن قد يعارض ب مرسل ابن بكير (2) و الإجماع عن الخلاف و ظاهر الجواهر على تقديم الصبي لست فصاعدا للإمام عليها، بل

في الخلاف عن عمار بن ياسر (3) «أخرجت جنازة أم كلثوم و ابنها زيد بن عمر و معها الحسنان و ابن عباس و عبد الله بن عمر و أبو هريرة، فوضعوا جنازة الغلام مما يلي الامام و المرأة وراءه، و قالوا: هذا هو السنة»

بل بذلك يرجح مرسل ابن بكير على الخبرين المزبورين في ذي الست، كرجحان الإجماع المذكور على إجماع الغنية الذي لم يشهد التتبع بصدقه، نعم هما مع الإجماع المزبور يرجحان على المرسل المذكور بالنسبة إلى ذي الأقل من ذلك، لاعتضادهما بالمحكي من إجماع الخلاف و المنتهى و ظاهر الجواهر و التذكرة، فإطلاق المتن حينئذ و من عرفت تأخره عن المرأة إلى القبلة كإطلاق الصدوقين

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 11.

81

و سلار على ما قيل تقديمه للإمام لمرسل ابن بكير المزبور و استحسنه المصنف في المحكي عن معتبرة في غير محله.

نعم قد يقال بالإطلاق الأول لو كان الصبي مملوكا و المرأة حرة، و الإطلاق الثاني في العكس ترجيحا لجانب الحرية المعتضد في الأول بالصغر و الكبر، إلا أنه معارض لها في الثاني كمعارضة الذكورة لها في الأول، إلا أنه قد تدفع الأخيرة بأن الثابت الترجيح بذكورة الرجل لا مطلق الذكورة بالنسبة للمرأة، نعم لا بأس بها في الصبي و الصبية، فالإطلاق الأول حينئذ في الفرض المزبور متجه بخلاف الثاني الذي قد تزاحم فيه المرجحان المنصوصان كالصبي الحر ذي الست بالنسبة إلى العبد البالغ، ففي كشف اللثام تقديمه للإمام عليه للشرف بالحرية، و عن ابن حمزة و منتهى الفاضل العكس، لأنه أولى بالشفاعة، و إطلاق خبري (1) تقديم الصغير إلى القبلة، و الأولى التخيير فيه و في كلما تزاحم فيه المرجحات المنصوصة إذا لم يرجح أحدها على الآخر بالتعدد أو بمرجح خارجي من إجماع أو غيره، و منه يعلم الحال في تقديمه على الخنثى إذا كان من ست كما صرح به في الخلاف و المحكي عن السرائر و المبسوط و الإصباح و الجواهر، بل لعل في ظاهر الأول أو صريحه الإجماع عليه، بل قد يظهر من منظومة الطباطبائي ترجيح الذكورة على كل حال، قال:

و قدم الذكور و الأحرار * * *إليك ندبا و كذا اعتبارا

و إن تعارضت فقدم أولا * * *و أنت بالخيار فيما قد تلا

و لا يخلو من نظر، فتأمل هذا، و عن أبي علي أنهم يجعلون على العكس مما يقوم الأحياء خلف الإمام للصلاة، و قال في إمامة الصلاة إن الرجال يلون الامام، ثم الخصيان ثم الخناثى، ثم الصبيان، ثم النساء، ثم الصبيات، و لم نجد في النصوص ما يشهد له، بل

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

82

ليس فيها لذكر الخصيان أثر، و الظاهر إلحاقهم بالرجال، لكن عن الحلبي أيضا «تجعل المرأة مما يلي القبلة و الرجل مما يلي الامام، و كذلك الحكم إن كان بدل المرأة عبدا أو خصيا أو صبيا، كما أنه ليس فيها ترجيح للجنائز المتساوية في الذكورة و نحوها» لكن عن التذكرة «لو كانوا كلهم رجالا أحببت تقديم الأفضل، و به قال الشافعي، و عن المنتهى قدم إلى الامام أفضلهم، لأنه أفضل من الآخر فأشبه الرجل مع المرأة» و عن التحرير «ينبغي التقديم بخصال دينية ترغيب في الصلاة عليه، و عند التساوي لا يستحب القرب إلا بالقرعة أو التراضي» و في كشف اللثام و لم أجد بذلك نصا إلا أن ينزل عليه

قوله (عليه السلام) في خبر السكوني (1) و سيف بن عميرة (2): «خير الصفوف في الصلاة المقدم، و خير الصفوف في الجنائز المؤخر، قيل: يا رسول الله و لم؟ قال: صار سترة للنساء»

قلت: لكن ليس فيه ترجيح بالأفضلية و نحوها، و كأنه لذا قال في الذكرى بعد أن نقل الترجيح عن العلامة بالأفضلية قال: و هو مخالف للنص و الأصحاب نعم عن الوسيلة و الجامع في رجلين أو امرأتين يقدم أصغرهما إلى القبلة، قيل و لعله لخبري طلحة و الصدوق، و فيه أن الظاهر إرادة ما دون البلوغ من الصغر فيهما، و بالجملة الأولى الوقوف على المستفاد من النصوص استفادة معتبرة، إذ احتمال أن ما فيها من المثال، و إلا فالمراد مراعاة سائر المرجحات بعيد جدا، و عليه فالأمر غير منحصر في الأفضلية.

و كيف كان فمما ذكرنا يظهر لك كيفية النظم لو اجتمع الجميع الرجل و المرأة الحرة و المملوكة و الصبي و الصبية كذلك للست و دونها، و الخنثى البالغ و غيره للست و غيره الحر و المملوك، و عن فوائد القواعد لثاني الشهيدين قال: جملة الحكم في ذلك أن يجعل الرجل مما يلي الإمام، ثم الصبي الحر، ثم العبد البالغ، ثم العبد لست، ثم الخنثى الحر

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

83

البالغ، ثم الخنثى الحر لست، ثم الخنثى الرقيق كذلك، ثم المرأة الحرة، ثم الأمة، ثم الطفل الحر لدون ست، ثم العبد كذلك، ثم الخنثى الحر، ثم الرقيق كذلك، ثم الأنثى كذلك، و لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرنا، كما أن ما في كشف الأستاذ و مع اجتماع الجنائز يقدم الرجل الحر إلى الامام، ثم الرق، ثم الصبي الحر بالغا ست سنين، ثم غير بالغها ممن يصلي عليه، ثم الصبي الرق ممن بلغ ستا، ثم من لم يبلغ و الممسوح كذلك، ثم الخنثى الحر، ثم البالغة الحرة، ثم صبيتها مرتبة، ثم الأمة، ثم صبيتها كذلك، ثم النساء على هذا التفصيل كذلك أيضا، كما أن مما قدمناه في تداخل الغسل المندوب و الواجب يظهر لك ما أطنبوا فيه في المقام من الجمع بصلاة واحدة بينهما، فلاحظ و تأمل، و الله أعلم.

[من السنن أن يكون المصلي متطهرا]

و من السنن أيضا أن يكون المصلي متطهرا بلا خلاف، بل في المحكي عن التذكرة نسبته إلى علمائنا مشعرا بدعوى الإجماع عليه، بل في المحكي عن الخلاف و الغنية الإجماع عليه، و هو الحجة بعد

خبر عبد الحميد بن سعد (1) قال لأبي الحسن (عليه السلام): «الجنازة يخرج بها و لست على وضوء فان ذهبت أتوضأ فاتتني الصلاة أ أصلي عليها و أنا على غير وضوء؟ فقال: تكون على طهر أحب إلى»

مع أن الصلاة ذكر و دعاء و مسألة و شفاعة للميت فاستحب في فاعلها أن يكون على أكمل أحواله و أفضلها، نعم الظاهر مشروعية التيمم في مفروض سؤال الخبر المزبور كما دل عليه غيره من النصوص (2) و أفتى به الأصحاب، بل قد يقال بمشروعيته مع التمكن من الوضوء أيضا كما تقدم محررا في بحث التيمم، فلاحظ و تأمل.

نعم لا ريب في رجحان الطهارة المائية عليه، بل لا يبعد رجحان الصورية عليها فضلا عن الحقيقة، لكن عن

فقه الرضا (عليه السلام) (3) «و إن كنت جنبا

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة.

(3) المستدرك- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

84

و تقدمت للصلاة عليها فتيمم أو توضأ»

و ظاهره المساواة، و هو لا يخلو من تأمل، كما أن

قوله (عليه السلام) أيضا (1): «قد أكره أن يتوضأ إنسان عمدا للجنازة لأنه ليس بالصلاة، و إنما هو التكبير، و الصلاة التي هي فيها الركوع و السجود»

كذلك و لعله يريد نية الوجوب من التعمد و الحرمة من الكراهة، و إلا كان مخالفا للنص و الفتوى كما عرفت، و الله أعلم.

[من السنن أن ينزع نعليه]

و من سننها أيضا أن ينزع نعليه كما عن جماعة التصريح به، بل في المدارك هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا، و هو الحجة إن تم إجماعا لا

خبر سيف بن عميرة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا يصلى على الجنازة بحذاء، و لا بأس بالخف»

ضرورة اقتضائه الحرمة إلا أنه لقصوره من وجوه عن إثباتها يحمل على الكراهة فيه لا استحباب نزعه، اللهم إلا أن يدعى رجوعه اليه، و لا يخلو من تأمل، و عليه فلا دلالة فيه على استحباب الحفاء كما عبر به في النافع و المحكي عن المعتبر و المنتهى، بل في الذكرى أنه عبارة ابن البراج، و هو الذي أراده العلامة الطباطبائي بقوله:

و الخلع للحذاء دون الاحتفاء * * *و سن في قضائه الحافي الحفا

فإنه لقب القاضي عبد العزيز بن الجبار، و في معقد إجماع الغنية و أن يتحفى الامام و على كل حال فقد علل بأنه موضع اتعاظ، فكان التذلل أنسب بالخشوع، مضافا إلى

ما رواه الجمهور (3) عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار»

و هما معا كما ترى، بل في الذكرى استحباب الحفاء يعطي استحباب نزع الخف، و الشيخ و ابن الجنيد و يحيى بن سعيد استثنوه، و الخبر ناطق به،

____________

(1) المستدرك- الباب- 8- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(3) سنن البيهقي ج 3 ص 229.

85

و في التذكرة اختار عدم نزع الخف، و احتج بحجة المعتبر، و هو تام لو ذكر الدليل المخرج للخف عن مدلول الحديث، قلت: يمكن إخراجه بالخبر المزبور بناء على ظهور نفي البأس فيما يشمله، كما أنه يمكن عدم استثنائه كما أطلقه في النافع و غيره، لعدم منافاة نفي البأس لاستحباب الحفاء، إذ أقصاه الجواز، اللهم إلا أن يكون هنا كذلك بناء على إرادة ندب النزع من النهي الأول، فيدل حينئذ على نفيه فيه، لكن كل ذلك بعد الدليل على الحفاء، و قد عرفت عدمه، و إجماع الغنية مع موهونيته بمصير الأكثر إلى خلافه خاص بالإمام، بل قد يظهر من المحكي عن المقنع عن شيخه التوقف في نزع النعل فضلا عنه، قال: روي أنه لا يجوز للرجل أن يصلي على جنازة بنعل حذو، و كان محمد بن الحسن يقول: كيف يجوز صلاة الفريضة به و لا يجوز صلاة الجنازة به، و كان يقول:

لا نعرف النهي عن ذلك إلا من رواية محمد بن موسى الهمداني، و كان كذابا، قال الصدوق: و صدق في ذلك إلا أني لا أعرف من غيره رخصة و اعترف بالنهي و إن كان من غير ثقة، و لا يراد الخبر بغير خبر معارض، قلت: روى الكليني عن عدة عن سهل ابن زياد عن إسماعيل بن مهران عن سيف بن عميرة ما تقدم، و هذا طريق غير طريق الهمداني إلا أن يفرق بين الحذاء و بين نعل الحذو، و قد يفرق بين الصلاتين باشتراط عدم الخبث في ذات الأركان و عدمه في الجنازة، لكن لا يخفى ما في كلام الصدوق من عدم اشتراط العدالة في الخبر و ظهور الحرمة و غير ذلك، كما أنه لا يخفى عليك ظهور الفتاوى في عدم الفرق هنا بين النعل العربية و غيرها، فاحتماله بتنزيل الحذاء أو نعل حذو على غيرها فيختص ندب الخلع حينئذ بها لا ما يشمل العربية في غاية البعد، خصوصا بعد تفسير الحذاء بالنعل في الصحاح و في المحكي عن النهاية، و إضافة النعل للحذو للتوضيح كما قيل أو غير ذلك، و الله أعلم.

[من السنن أن يرفع يديه في أول تكبيرة]

و من سننها أيضا أن يرفع يديه في أول تكبيرة إجماعا محصلا و منقولا

86

مستفيضا إن لم يكن متواترا، بل لعله إجماع أهل العلم كما عن التذكرة و المنتهى و ظاهر المعتبر، بل لا خلاف فيه في النصوص كالفتاوى و أما في البواقي فيستحب أيضا على الأظهر وفاقا لوالد الصدوق و للتهذيب و الاستبصار و الجامع و النافع و المعتبر و التذكرة و التحرير و التلخيص و الإرشاد و نهاية الأحكام و القواعد و البيان و الدروس و اللمعة و الموجز و التنقيح و كشف الالتباس و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و التلخيص و حاشية الميسي و الروض و الروضة و المسالك و مجمع البرهان و المفاتيح و الحدائق و المدارك و المنظومة على ما حكي عن البعض، بل عن كشف الالتباس أنه المشهور، بل عن الروض أن عمل الطائفة عليه الآن، بل في مفتاح الكرامة عن شرح الجعفرية أنه إجماعي، لكن قال: لعل النسخة غير صحيحة كما هو الظاهر، و لعله الأقوى تأسيا بفعل

الصادق (عليه السلام) المروي في الصحيح عن عبد الرحمن بن العزرمي (1) قال: «صليت خلف أبي عبد الله (عليه السلام) على جنازة فكبر خمسا يرفع يده في كل تكبيرة»

و خبر عبد الله بن خالد مولى بني الصيداء (2) فإنه صلى خلفه أيضا فرآه يرفع يده في كل تكبيرة،

بل

سأل يونس الرضا (عليه السلام) في خبره (3) فقال له: «جعلت فداك أن الناس يرفعون أيديهم في التكبير على الميت في التكبيرة الأولى و لا يرفعون فيما بعد ذلك فأقتصر على التكبيرة الأولى كما يفعلون أو أرفع يدي في كل تكبيرة؟ فقال: ارفع يدك في كل تكبيرة»

بل منه يستفاد أن ما رواه

غياث بن إبراهيم (4) عن الصادق عن علي (عليهما السلام) «أنه كان لا يرفع يده في الجنازة إلا مرة واحدة يعني في التكبير»

و إسحاق بن أبان الوراق (5) عنه أيضا عن أبيه (عليهما السلام) «كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 2 لكن روى عن محمد بن عبد الله بن خالد.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 5 روى عن إسماعيل بن إسحاق.

87

(عليه السلام) يرفع يده في أول التكبير على الجنازة و لا يعود حتى ينصرف»

محمول على التقية، بل تفوح رائحتها منهما لسليم حاسة الشم مع قطع النظر عن ذلك، و لا يقدح فيه اختلاف العامة بعد أن كان ذلك مذهب مالك و الثوري و أبي حنيفة الذي يتقى منه في ذلك الزمان، لأنه الذي عليه السواد و السلطان و الأتباع كما يومي اليه ما حكاه يونس، بل هو المعروف عندهم في صلاة المكتوبة أيضا كما يومي اليه

خبر إسماعيل بن جابر (1) المروي عن قرب الاسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رسالة طويلة كتبها لأصحابه إلى أن قال: «دعوا رفع أيديكم في الصلاة إلا مرة واحدة حين تفتح الصلاة، فإن الناس قد شهر و كم بذلك، و الله المستعان، و لا حول و لا قوة إلا بالله».

فلا ريب حينئذ في أولوية ذلك مما عن الشيخ من حملهما على بيان الجواز، خصوصا مع إشعار «كان» بالدوام، و قد يقال في الأول بعد فرض كون التعبير فيه من غير الراوي أن المراد رفع اليدين في الدعاء، أي لا يستحب فيها إلا قنوت واحد، و هو عند الدعاء للميت لا كالعيد، قال في المدارك: و لم يذكر الأصحاب هنا استحباب رفع اليدين في حالة الدعاء للميت، و لا يبعد استحبابه لإطلاق الأمر برفع اليدين في الدعاء المتناول لذلك، و إن كان فيه أن مقتضى التعليل الرفع أيضا في غير الدعاء للميت بل لا يخفى عليك بعد حمل الخبر عليه إلا أنه لا بأس به بعد رجحان دليل الندب بصحة السند و كثرة العدد و مخالفة العامة و التسامح، و ما سمعته سابقا في أول أفعال الصلاة من ظهور بعض النصوص في كون الرفع هيئة التكبير، ك

قول الرضا (عليه السلام) (2): «إنما ترفع اليدين بالتكبير لأن رفع اليدين ضرب من الابتهال و التبتل و التضرع، فأحب الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 9 من كتاب الصلاة لكن رواه عن الكافي.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 11 من كتاب الصلاة.

88

عز و جل أن يكون العبد في وقت ذكره له متبتلا متضرعا مبتهلا»

و غيره مما لا يخفى، و احتمال معارضة ذلك كله بالشهرة بين قدماء الأصحاب- إذ المنقول عن الشيخين و المرتضى و ابن زهرة و القاضي و التقي و البصري و العماد الطوسي و الديلمي و العجلي و الفاضل في المختلف العدم، بل في الذكرى و المدارك و أكثر الأصحاب أن لا رفع إلا في الأولى، بل في كشف اللثام و غيره أنه المشهور بمعنى عدم استحبابه في غيرها، و اليه يرجع ما في الذكرى أن الخروج عن جمهور الأصحاب بخبر الواحد فيه ما فيه، بل في الغنية و المحكي عن شرح القاضي الإجماع عليه، فيحمل تلك النصوص على إرادة بيان جواز الفعل- يدفعه مع أنه لا يتم في خبر يونس (1) أن الشهرة المتقدمة بعد تسليمها لظهور بعض العبارات في منع الرفع في غير الأولى، بل في التنقيح حكايته عن البصري و معارضته بالشهرة المتأخرة، بل بها يوهن الإجماعان المزبوران، بل لا يخفى حال الأول منهما على الممارس للغنية بل و لا الثاني، و لو سلم التكافؤ بين الشهرتين فالترجيح بالعرض على مذاهب العامة بحاله، مضافا إلى ما عرفت، فلا حاجة حينئذ إلى ما عن المعتبر من الترجيح بأن ما دل على الزيادة أولى، و لأن رفع اليدين مراد الله في التكبير الأول، و هو دليل الرجحان، فيشرع في الباقي تحصيلا للأرجحية، و لأنه فعل مستحب، فجاز أن يفعل مرة و يخل به أخرى، فلذلك اختلفت الروايات، إذ فيه أن خبر النقيصة الأول يدل على نفي الزائد صريحا، فيتعارض، و الرجحان في الأولى لا يقضي به في غيرها، و لفظ «كان» مشعر أو ظاهر في الدوام، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[من السنن أن يدعو عقيب الرابعة للميت إن كان مؤمنا، و عليه إن كان منافقا]

و منها عند المصنف كما عرفت سابقا أنه يستحب عقيب الرابعة أن يدعو له إن كان مؤمنا، و عليه إن كان منافقا و قد سمعت أن الأقوى الوجوب فيهما، و أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

89

لا يتعين خصوص اللعن منه كما تقدم ذلك مفصلا، نعم ظاهر المصنف و غيره من القائلين بالأربع للمنافق أن محل الدعاء بعد الرابعة و إن لم يكن بعدها تكبيرة، بل لعله لا خلاف فيه بين القائلين بالوجوب و الندب و الأربعة و الخمسة لظهور الأدلة السابقة في أنها هي محل الدعاء للميت أو عليه، و لا يبعده عدم تكبيرة أخرى بعدها على تقدير الأربع، و لذا قال في الذكرى بندب الدعاء لا وجوبه، و فيه ما عرفت سابقا، كما أن ما في المدارك من أنه لا يتعين الدعاء بعد الرابعة كذلك و إن كان هو مبنيا على ما ذهب اليه من عدم وجوب التوزيع المزبور، كما أن المحدث البحراني بعد أن ذهب إلى كفر المخالفين و عدم مشروعية الصلاة عليهم إلا تقية قال هنا: إنه متى صلى كان مخيرا بين الدعاء عليهم بعد كل تكبيرة كما هو ظاهر خبر الحسين بن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و غيره من الأخبار و بين الدعاء بعد الرابعة كما في فقه الرضا (عليه السلام) (2) و فيه ما لا يخفى بعد التدبر في النصوص و الفتاوى.

و أما الدعاء بدعاء المستضعفين إن كان كذلك أي مستضعفا كما في صحيح الحلبي (3) و أكثر كتب الأصحاب بل جميعها عدا النادر، بل في الغنية الإجماع عليه «اللهم اغفر لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ» نعم قال في آخره: «و إن كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة لا على وجه الولاية»

و ستسمع المراد منه، و في صحيح ابن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) و الغنية و المحكي عن المبسوط و بعض الكتب «ربنا اغفر للذين تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ» و زاد في الصحيح إلى آخر الآيتين أي قوله تعالى (5) «رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيّاتِهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 6.

(2) المستدرك- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(5) سورة المؤمن- الآية 8.

90

و لعله المراد في الصحيح الأول أيضا إلا أنه لم أعثر عليه في شيء من الفتاوى إلا ما يحكى عن الجعفي، فقال: إلى آخر الآيات، و في صحيح الفضيل و ابن أذينة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «و إن كان واقفا مستضعفا فقل: اللهم»

إلى آخر الآية، نعم ستسمع احتمال إرادته من خبر ثابت بن أبي المقدام (2) فيكون دعاؤه ما فيه، و الظاهر عدم التوقيت فيه للإطلاق السابق، بل المراد الدعاء بجنس ذلك نحو ما سمعته في المؤمن و المنافق و اليه أومأ في المحكي عن الكافي من أنه إن كان مستضعفا دعا للمؤمنين و المؤمنات.

كما أنه لا خلاف فيما أجده في كون الدعاء المزبور بعد الرابعة، لأن الظاهر الخمس في كيفية صلاته كما صرح به في كشف اللثام على وجه يظهر منه كونه مفروغا منه، لإطلاق ما دل عليها المقتصر في تقييده عند المصنف و من عرفت على المنافق الذي هو غير المستضعف قطعا كما هو مقتضى المقابلة نصا و فتوى، فالإطلاق حينئذ بحاله.

و المراد بالمستضعف هنا- و إن قيل إن ظاهر الأصحاب في الزكاة و الوصية المخالف الذي ليس له نصب- هو من لا يعرف اختلاف الناس، فلا يعرف ما نحن عليه و لا يبغضنا كما عن السرائر و لعله ل

توقيع الكاظم (عليه السلام) لعلي بن سويد (3) «الضعيف من لم يرفع اليه حجته و لم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف»

و قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي سارة (4) «ليس اليوم مستضعف

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 لكن رواه عن عمر بن أذينة عن الفضيل بن يسار.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 7 لكن رواه عن ثابت أبى المقدام و هو الصحيح.

(3) أصول الكافي- ج 2 ص 406 «باب المستضعف» 11.

(4) أصول الكافي- ج 2 ص 406 «باب المستضعف» 12.

91

أبلغ الرجال و النساء النساء»

و لأبي بصير و سفيان بن السمط (1) «فتركتم أحدا يكون مستضعفا، فو الله لقد مشى بأمركم هذا العواتق إلى العواتق في خدورهن و تحدث به السقايات في طرق المدينة»

و لأبي بصير (2) «من عرف الاختلاف فليس بمستضعف»

و لأبي حنيفة (3) الذي هو من أصحابنا «من عرف الاختلاف فليس بمستضعف»

قول أبي جعفر (عليه السلام) لزرارة (4): «ما يمنعك من اليه من النساء المستضعفات اللاتي لا ينصبن و لا يعرفن ما أنتم عليه، و ممن لا يعرف الاختلاف أشباه الصبيان ممن ليس له مزيد تمييز يمكنه به معرفة الحق أو يبعثه على الفساد و البغض لنا»

كما

قال أبو جعفر (عليه السلام) أيضا لزرارة (5): «هو الذي لا يستطيع حيلة يدفع بها عنه الكفر و لا يهتدي بها إلى سبيل الايمان، لا يستطيع أن يؤمن و لا يكفر، قال: و الصبيان و من كان من الرجال و النساء مثل عقول الصبيان»

و في خبر سليم بن قيس (6) المروي في الاحتجاج عن الحسن (عليه السلام) «إن الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقنا و يسلم و يأتم بنا فذلك ناج محب لله و لي، و ناصب لنا العداوة يبرأ منا و يلعننا و يستحل دماءنا و يجحد حقنا و يدين الله بالبراءة منا فهذا كافر مشترك فاسق، و إنما كفر و أشرك من حيث لا يعلم كما يسبوا الله من غير علم كذلك يشرك بالله بغير علم، و رجل

____________

(1) أصول الكافي- ج 2 ص 404 «باب المستضعف» 4 و هو خبر سفيان بن السمط فقط.

(2) أصول الكافي- ج 2 ص 405 «باب المستضعف» 7.

(3) معاني الأخبار- ص 200 المطبوعة بطهران عام 1279.

(4) ذكر صدره في الوسائل في الباب 3 من أبواب ما يحرم بالكفر و نحوه- الحديث 2 من كتاب النكاح.

(5) أصول الكافي- ج 2 ص 404 «باب المستضعف» 3.

(6) الاحتجاج- ص 162.

92

أخذ بما لا يختلف فيه و رد علم ما أشكل عليه إلى الله تعالى مع ولايتنا و لا يأتم بنا و لا يعادينا فنحن نرجو أن يغفر الله له و يدخله الجنة، فهو مسلم ضعيف»

و عن الغرية «أنه الذي يعترف بالولاء و يتوقف عن البراء»

و في كشف اللثام «و كأنه نظر إلى

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر الفضيل: «و إن كان واقفا مستضعفا فكبر و قل:

اللهم اغفر للذين تابوا»

إلى آخره. و في الذكرى «هو الذي لا يعرف الحق، و لا يعاند فيه، و لا يوالي أحدا بعينه» قال في جامع المقاصد: و التفسيرات متقاربة إلا أن ما ذكره ابن إدريس ألصق بالمقام، فان العالم بالخلاف و الدلائل إذا كان متوقفا لا يقال له مستضعفا، و ما يقال من أن المستضعف هو الذي لا يعرف دلائل اعتقاد الحق و إن اعتقده فليس بشيء، إذ لا خلاف بين الأصحاب في أن من اعتقد معتقد الشيعة الإمامية مؤمن، يعلم ذلك من كلامهم في الزكاة و النكاح و الكفارات، و في كشف الأستاذ «أنه من لا يوالي و لا يعادي و يدخل نفسه في اسم المؤمنين و المخالفين، و لا يعرف ما هم عليه» قلت: لعل الاستضعاف مراتب مختلفة، كما أنه يكون من قصور العقل و غيره، و يلحق في الصورة باسم المؤمنين أو المخالفين.

و على كل حال فالتكبير عليه بعد إحراز إسلامه و الضعف في إيمانه بالمعنى الأخص خمس تكبيرات، لإطلاق ما دل عليها في الميت الذي لم يعلم خروج غير المنافق و الجاحد للحق و نحوهما ممن علم عدم شموله للمستضعف عنه، و الظاهر إلحاق ولد المستضعف به في ذلك أيضا، كما أن الظاهر كون الاستضعاف حالة مقابلة للايمان و الخلاف لا تتنقح بالأصل كما ستعرف الإشارة إليه في مجهول الحال، و الله هو العالم.

و إن جهله و لم يعرف مذهبه سأل الله تعالى أن يحشره مع من يتولاه كما في القواعد و عن التحرير و الإرشاد و البيان، ل

قول الباقر (عليه السلام) في صحيح

93

زرارة و محمد بن مسلم (1): «و يقال في الصلاة على من لا يعرف مذهبه: اللهم إن هذه النفوس أنت أحييتها و أنت أمتها، اللهم و لها ما تولت و احشرها مع من أحبت»

بل في كشف اللثام أنه المذكور في المقنع و الهداية و المقنعة و المصباح و مختصره و المهذب و الغنية بل عن الأخير الإجماع عليه، و لا ينافيه ما عن المعتبر و التذكرة و المنتهى و نهاية الأحكام و الذكرى و الدروس و جامع المقاصد و غيرها من الدعاء بما في خبر ثابت بن أبي المقدام (2) قال: «كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) فإذا بجنازة لقوم من جيرته فحضرها و كنت قريبا منه فسمعته يقول: اللهم إنك خلقت هذه النفوس و أنت تحييها و أنت أعلم بسرائرها و علانيتها و مستقرها و مستودعها، اللهم و هذا عبدك و لا أعلم منه شرا و أنت أعلم به، و قد جئناك شافعين له بعد موته، فان كان مستوجبا فشفعنا فيه و احشره مع من كان يتولاه»

إذ لا يريدون التعيين، خصوصا و لا صراحة في الخبر المزبور أن الميت كان مجهول الحال عنده، بل هو من المستبعد، سيما مع كونه من جيرته، بل الأقرب أنه كان مستضعفا، و شفاعته (عليه السلام) فيه لأن له حق الجوار عليه، ففي

صحيح الحلبي أو حسنه (3) عن الصادق (عليه السلام) المتقدم سابقا «و إن كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة لا على وجه الولاية»

فإن المراد بالسبيل الحق و بالولاية ولاية أهل البيت (عليهم السلام) كما في الوافي أي حق من لا ولاية له عليك لا يوجب أن تدعو له كما تدعو لأهل الولاية، بل يكفي لذلك أن يستغفر له على وجه الشفاعة، و ربما يؤيده ما في مرسل ابن فضال (4) عن الصادق (عليه السلام) «الترحم على جهتين جهة الولاية و جهة الشفاعة»

بل في وافي الكاشاني الترحم على جهة الولاية مثل ما مر من الدعاء للمؤمنين، و على جهة الشفاعة مثل الخبر

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 7 لكن روى عن ثابت أبى المقدام و هو الصحيح.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

94

المزبور، ثم قال: و إنما تجوز الشفاعة لمن كان قد استوجبها كالمستضعف إذا كان من الشفيع بسبيل دون غيره، و في حسن ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) السابق الدعاء للمجهول بدعاء المستضعف، كما أن في خبر سليمان بن خالد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله)، اللهم صل على محمد عبدك و رسولك، اللهم صل على محمد و آل محمد، و تقبل شفاعته، و بيض وجهه، و أكثر تبعه، اللهم اغفر لي و ارحمني و تب علي، اللهم اغفر للذين- إلى آخر الآية (3)- فإن كان مؤمنا دخل فيها، و إن كان ليس بمؤمن خرج منها»

و في صحيح الحلبي (4) عن الصادق (عليه السلام) «و إذا كنت لا تدري ما حاله فقل: اللهم إن كان يحب الخير و أهله فاغفر له و ارحمه و تجاوز عنه».

و كيف كان فلا إشكال في وجوب الدعاء هنا بعد أن كان الواقع عدم خلوه ممن عرفت وجوب الدعاء لهم و عليهم، نعم الظاهر عدم التوقيت فيه، بل يجب مراعيا لجهل حاله كما أومأ إليه في المحكي عن الكافي من اشتراط الدعاء له و عليه، بل الأولى مراعاة احتمال الايمان و الخلاف و الاستضعاف، فيأتي بدعاء صالح لذلك كله كما أومى إليه في بعض النصوص السابقة، إلا أنه قد يظهر من دعائه في بعض آخر منها عدم مراعاة استضعافه، و لعله لأن المفروض معلومية انتفائه أو لندرته، و منه يعلم فساد احتمال الحكم باستضعافه إذا جهل حاله بتخيل أنه ينقحه أصالة عدم الايمان و الخلاف و إن كان هو لا يخلو من وجه، بناء على بعض التفاسير للمستضعف الذي مرجعه إلى عدم معرفة الحق و عدم معاندته فيه و عدم موالاة أحد بعينه، لكن النصوص و الفتاوى كالصريحة بخلافه و لعله لأن الاستضعاف حالة أخرى متجددة بعد حال الصغر مقابلة للايمان و الخلاف

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 6.

(3) سورة المؤمن- الآية 7.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4.

95

ينفيها الأصل أيضا، فتأمل.

كما أن ظاهر النصوص و الفتاوى تعليق الحكم على الجهل بمذهبه و نحوه المتحقق مع الظن به، و هو كذلك، ضرورة عدم الدليل على الاجتزاء به في مثل ذلك، نعم لو كان مستنده ظاهر إقراره و نحوه مما علم الاكتفاء به اتجه خروجه حينئذ عن المجهول، لكن في كشف اللثام تفسير الجاهل بالذي لم يعرف خلافه للحق و إن كان من قوم ناصبة و لا استضعافه و لا عرف إيمانه و لا ظن، ثم قال: فعندي يكفي الظن في الايمان و لا بد من العلم في الباقيين، و للنظر فيه مجال و إن كان قد يشهد له بعض النصوص المميزة للمؤمن عن غيره ببعض الأمارات الظنية، و لتمام البحث فيه محل آخر.

نعم ما في المدارك الظاهر أن معرفة بلد الميت الذي يعلم إيمان أهلها أجمع كاف في إلحاقه بهم لا يخلو من قوة، و ربما عد مثله علما في العادة أو عومل معاملته، و الله أعلم.

و الظاهر أن التكبير على المجهول خمس، إما لإطلاق ما دل على وجوبها للميت المقتصر في تقييده على معلوم النفاق الذي قد يدعى انسياق الأدلة فيه، و إما لأن بها يحصل يقين البراءة من الشغل اليقيني، إذ هو إن كان من ذوي الأربع فلا يقدح زيادة الخامسة للاحتياط بعد الكمال، و إن كان من ذوي الخمس فهي في محلها، فلا حاجة حينئذ في يقين البراءة إلى التكرار و إن اختلف الصلاتان، لكنه اختلاف هيئة عدد لم يعتبر في القليل منه عدم الزيادة عليه و لو بقصد الاحتياط حتى يتوقف يقين حصول البراءة على التكرار، بل المراد حصول الأربعة في الخارج و لو كانت في ضمن خمسة لم يقصد بها التشريع المفسد، و تسمع فيما يأتي إن شاء الله الاجتزاء بصلاة واحدة للمؤمن و المنافق على أن يشتركا في الأربعة و يختص المؤمن بالزيادة، و أنه و نحوه ليس من التداخل في شيء، لعدم تعدد الأوامر و إن كان قد تعدد المأمور بالصلاة عليه، فهو نحو الأمر بضرب الرجال الحاصل امتثاله بضرب كل واحد و بضربهم جميعا دفعة،

96

كما هو واضح، فلاحظ و تأمل فإن له نفعا في المقام، و الله أعلم.

و إن كان الميت طفلا سأل الله أن يجعله مصلحا لحال أبيه شافعا فيه لكن في خبر زيد بن علي (1) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) «أنه كان يقول: اللهم اجعله لأبويه و لنا سلفا و فرطا و أجرا»

و في النافع و المحكي عن الفقيه و المقنع و الهداية و المصباح و مختصره «اللهم اجعله لنا و لأبويه فرطا» بتقديم «لنا» و حذف السلف و الأجر، و لعله أقربهما من الفرط الذي هو من يتقدم لإصلاح ما يحتاجون اليه كما عن السرائر و المنتهى، بل في الذكرى و عن الجامع الفرط الأجر المتقدم، و في الصحاح بالتحريك الذي يتقدم الواردة فيهيء لهم الأرسان و الدلاء و يمدر الحياض و يستقي لهم و هو فعل بمعنى فاعل، و يقال رجل فرط و قوم فرط أيضا، و في الحديث (2) «أنا فرطكم على الحوض»

و منه قيل للطفل: «اللهم اجعله لنا فرطا» أي أجرا يتقدمنا حتى نرد عليه، اقتصروا عليه كالمحكي عن المبسوط و النهاية و الاقتصاد و الوسيلة و الجامع، كما أنه لعدم وجوب تقديم الأبوين في الدعاء قدم «لنا» عليه، بل يسقط الدعاء بكونه فرطا لهما إذا لم يكونا مؤمنين، و يختص بالمؤمنين حينئذ، بل في الدعائم (3) عن جعفر ابن محمد (عليهما السلام) «أنه كان يقول في الصلاة على الطفل: اللهم اجعله لنا سلفا و فرطا و أجرا»

من دون ذكر الأبوين.

و المتجه على ما في الكتاب- من اختصاص الدعاء بالصلاح و الشفاعة لأبيه الذي لم أجد موافقا له عليه نصا و فتوى عدا ما عن الكافي في الجملة، فقال: «دعي لوالده إن

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الجنازة- الحديث 1.

(2) كنز العمال- ج 7 ص 221- الرقم 2412.

(3) المستدرك- الباب- 12- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

97

كان مؤمنا، و لهما إن كانا مؤمنين» السقوط و لو كان أبوه خاصة كافرا، لعدم جواز الدعاء له حينئذ، و عدم ذكره غيره، اللهم إلا أن يبدل الدعاء له بالدعاء عليه، و الأمر سهل بناء على عدم وجوب الدعاء هنا كما عن الروض، قال: و في الدعاء لأبوي لقيط دار الكفر مع الحكم بإسلامه نظر، أقربه ذلك، ثم قال: و الأمر سهل لكونه غير واجب، و في كشف اللثام و في وجوب الدعاء هنا الوجهان، و يقوى العدم أنه ليس للميت و لا عليه، قلت: كما أنه يقوى الوجوب ظاهر الفتاوى، نعم الظاهر عدم التوقيت فيه باللفظ المخصوص، و عن

فقه الرضا (عليه السلام) (1) «اللهم اجعله لأبويه و لنا ذخرا و مزيدا و فرطا و أجرا»

و في المقنعة «اللهم هذا الطفل كما خلقته قادرا و قبضته طاهرا فاجعله لأبويه نورا، و ارزقنا أجره و لا تفتنا بعده» و كذا الغنية و المحكي عن المهذب لكن فيهما «فرطا و نورا» بل قد يقال بوجوب الدعاء المزبور في صلاة الطفل المندوبة فضلا عن الواجبة، لأن ندب الأصل لا ينافي وجوب الهيئة كالنافلة، و الأحوط المحافظة في الدعاء على مضمون الخبر المذكور، و الله أعلم.

[من السنن إذا فرغ من الصلاة وقف موقفه حتى ترفع الجنازة]

و كيف كان فقد ذكر الأصحاب كما في كشف اللثام و المحكي عن الروض أنه إذا فرغ من الصلاة وقف موقفه حتى ترفع الجنازة ل

خبر حفص بن غياث (2) عن أبي جعفر عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) «أنه كان إذا صلى على جنازة لم يبرح من مكانه حتى يراها على أيدي الرجال»

و في كشف اللثام و لكونه إماما خص الحكم بالإمام في المصباح و مختصره و السرائر و التذكرة و الجامع و الذكرى و الدروس، قلت: لكن ظاهر العبارة و غيرها بل صرح به الكركي و غيره عدم الفرق بين الامام

____________

(1) المستدرك- الباب- 12- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 و فيه «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام)».

98

و غيره، لقاعدة الاشتراك، و ل

خبر يونس (1) «و يقف مقدار ما بين التكبيرتين و لا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه»

نعم عن الميسي و ثاني الشهيدين أنه يستثنى من المصلين من يتحقق بهم رفع الجنازة إن لم يتفق من غيرهم، و نحوه في المدارك مع أنه لا يخلو من نظر إذا لم يصل إلى حد الوجوب، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[من السنن أن يصلي على الجنائز في المواضع المعتادة]

و منها ما في الذكرى ناسبا له إلى الشيخ و الأصحاب أن يصلي عليها أي الجنائز في المواضع المعتادة و لعله الحجة في مثله سيما مع تأييده بالتبرك بكثرة المصلين فيها، و بأن السامع بموته يقصدها فيحصل كثرة المصلين عليه المعلوم رجحانها حتى

قال الصادق (عليه السلام) في الصحيح عن عمر بن يزيد (2): «إذا مات الميت فحضر جنازته أربعون رجلا من المؤمنين فقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا و أنت أعلم به منا قال الله تبارك و تعالى: قد أجزت شهادتكم و غفرت له ما أعلم مما لا تعلمون».

و لو صلى عليها في المساجد جاز بلا خلاف فيه بيننا، بل عن المنتهى الإجماع عليه، للأصل و خبر البقباق (3) سأل الصادق (عليه السلام) «هل يصلى على الميت في المسجد قال: نعم»

و مثله محمد بن مسلم (4) نعم الظاهر الكراهة كما صرح بها جماعة، بل عن الروض و جامع المقاصد نسبتها إلى الأصحاب كما عن المعتبر نسبتها إلى روايتهم، بل عن مجمع البرهان الإجماع عليها إلا في مكة، كالخلاف قال فيه: يكره أن يصلى عليها في المساجد إلا بمكة إلى أن قال: دليلنا إجماع الفرقة، و في خبر أبي بكر بن عيسى بن أحمد العلوي (5) قال: «كنت في المسجد و قد جيء بجنازة فأردت أن أصلي عليها فجاء أبو الحسن الأول (عليه السلام) فوضع مرفقه في صدري فجعل يدفعني حتى

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 90- من أبواب الدفن- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 30- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

99

خرج من المسجد، ثم قال: يا أبا بكر، إن الجنائز لا يصلى عليها في المساجد»

لكنه كما ترى عام لا استثناء فيه لمكة كما سمعته من معقد إجماع الخلاف و المحكي عن مجمع البرهان و عن المنتهى تعليله مع ذلك بأنها كلها مسجد، فلو كرهت الصلاة في بعض مساجدها لزم التعميم فيها أجمع، لكنه كما ترى، فالعمدة حينئذ في التخصيص الإجماع المزبور إن تم، و من الغريب ما في المدارك من نفي الكراهة مطلقا لما سمعته من خبر الجواز الذي لا ينافي ما دل على الكراهة، بل لم أجد موافقا له على ذلك سوى ما يحكى عن أبي علي «لا بأس بها في الجوامع و حيث يجتمع الناس على الجنازة دون المساجد الصغار» نعم يمكن القول بارتفاعها لو اعتيدت، و لذا استحبها في البيان في المواضع المعتادة و لو في المساجد مع أنه لا يخلو من نظر واضح.

و منها صلاتها جماعة للتأسي و الإجماع بقسميه على ذلك و على عدم وجوبها، فيكفي صلاتها فرادى، كما أنه يكفى فيها صلاة واحد و لو امرأة بلا خلاف فيه بيننا نصا و فتوى و قول النبي (صلى الله عليه و آله) (1): «صلوا»

لا يدل على اشتراط الجمع، فان الخطاب هنا كما في الذكرى لكل واحد لا للجميع، و إلا لوجبت على عامة الناس، فلا يشترط الاثنان و لا الثلاثة حينئذ، و اشتراط الأربعة لأنهم الحملة للجنازة غلط ناش عن اتباع الهوى، و الاعراض عن ذوي الهدى (عليهم السلام)، إذ لا تلازم بين عدد الحمل و المصلين، على أن الاتفاق حاصل على جواز حمل واحد.

و منها الجهر للإمام في التكبير، لأن كثيرا من الرواة حكى عدد التكبير من فعل النبي و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام)، و هو لا يحصل غالبا إلا بسماعه، فيتأسى بهم، و ظهور مساواتها المكتوبة في ذلك، خصوصا بعد معلومية الحكمة في الجهر فيها، و هي أعلام من خلفه ليقتدى به، بل الظاهر استحباب جهرة بباقي الأذكار حتى الدعاء،

____________

(1) الوسائل- الباب- 37- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

100

لإطلاق الدليل المزبور، خلافا لما عن الفاضلين من استحباب السر في الدعاء سواء فعلت ليلا أو نهارا، لأنه أبعد من الرياء، فيكون أقرب إلى الإجابة، و ل

خبر أبي همام (1) عن الرضا (عليه السلام) «دعوة العبد سرا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية»

و هو كما ترى، نعم لا يبعد استحباب الإسرار للمأموم مطلقا كالمكتوبة، لإطلاق دليله.

و منها الاجتهاد في الدعاء للمؤمن كما في الخبر (2) إلى غير ذلك من المندوبات التي يتسامح في سننها، و لا يخفى كيفية تحصيلها من النصوص، نعم لا يستحب فيها دعاء الاستفتاح عندنا و لا التعوذ و التكبيرات الست قبلها، لابتنائها على التخفيف، و لما مر من صفتها، و الله أعلم.

[في مكروهات صلاة الميت]

و يكره الصلاة على الجنازة الواحدة مرتين وفاقا للأكثر، بل المشهور نقلا و تحصيلا، بل في الغنية الإجماع عليه جماعة و فرادى من مصل واحد و متعدد كما صرح به بعضهم، و كالصريح من آخر فضلا عن إطلاق المصنف و غيره، ل

خبر وهب بن وهب (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى على جنازة فلما فرغ جاءه ناس فقالوا: يا رسول الله لم ندرك الصلاة، فقال: لا يصلى على جنازة مرتين و لكن ادعوا لها»

و نحوه خبر إسحاق بن عمار (4) عن الصادق (عليه السلام)، بل رواه

الحسين بن علوان (5) في المحكي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) لكن قال: «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم لم يكونوا أدركوها، فكلموا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يعيد الصلاة فقال لهم: قد قضيت الصلاة عليها و لكن ادعوا لها»

إلا أنه للضعف

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الدعاء- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 6 من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 24.

(4) الوسائل- الباب- 6 من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 23.

(5) الوسائل- الباب- 6 من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 13.