جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج12

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
460 /
101

في السند و المعارضة بالأصل و إطلاق الأمر بالصلاة في وجه، و قول الصادق (عليه السلام) في موثق عمار (1) «الميت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب و إن كان قد صلي عليه»

و موثق يونس (2) عنه (عليه السلام) أيضا، سأله «عن الجنازة لم أدركها حتى بلغت القبر أصلي عليها قال: إن أدركتها قبل أن تدفن فإن شئت فصل عليها»

و قول الباقر (عليه السلام) (3) في خبر جابر: «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى على جنازة امرأة من بني النجار فوجد الحفرة لم يمكنوا فوضعوا الجنازة فلم يجيء قوم إلا قال لهم: صلوا عليها»

و إطلاق الأخبار (4) بالصلاة على القبر لمن فاتته، و غير ذلك حملت على الكراهة، بل لو لا التسامح فيها و فتوى المشهور بها بل قيل: إنه إجماع أمكن نفيها، و حمل تلك النصوص على التقية، لأن الكراهة محكية عن ابن عمر و عائشة و أبي موسى و الأوزاعي و أحمد و الشافعي و مالك و أبي حنيفة، و أسندوه إلى علي (عليه السلام)، بل قد يؤيده عامية بعض رجال السند، بل لا يبعد إرادة التعريض بهم في الموثقين المزبورين، و لعله لذا حكى في المفاتيح عن بعضهم استحباب التكرير مطلقا، و في كشف اللثام عن ابن سعيد إذا صلى على جنازة ثم حضر من لم يصل عليها صلى عليها و لا بأس أن يؤم به الإمام الذي صلى أولا، قال في الكشف: و ظاهره نفي الكراهة و قد أجاد في نفيه البأس عن تكرير الامام لما تظافر من أخبار تكرير النبي (صلى الله عليه و آله) على حمزة (5) و فاطمة بنت أسد (6) و أمير المؤمنين (عليه السلام) على سهل (7) و شيث على آدم (عليه السلام) (8) قلت: و ظاهره هو أيضا نفيها عن تكرير

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 19.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 20.

(3) التهذيب ج 3 ص 325 الرقم 1012 المطبوع في النجف.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجنازة.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 7.

(6) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 8.

(7) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(8) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4.

102

الامام، فمن الغريب توقف بعض متأخري المتأخرين في الجواز مطلقا، أو للمصلي الواحد غير الإمام الذي ظاهر الأصحاب الإجماع عليه هنا و فيما يأتي، بل يمكن دعوى تواتر النصوص، بخلاف الأول في الجملة، بل في كشف اللثام أنه مقتضى الأصل، بل مقتضى تخيير الكركي بين نيته الوجوب و الندب في المعادة أن السقوط بالأول كان رخصة، خصوصا بالنسبة إلى غير المصلي أولا الذي لا ريب في شمول الخطاب له، و أقصى الدليل أن له الاجتزاء بما وقع من فعل الغير، أما إذا لم يرده فهو من المخاطبين بذلك الخطاب، فيكون فعله واجب، و لا يقدح جواز الترك في خصوص ذلك بعد أن كان أصل الفعل غير جائز الترك، فتأمل جيدا.

و كيف كان فلا إشكال في أصل الجواز، إنما البحث في الكراهة، و الأقوى بعد التسامح بها ثبوتها مطلقا، لما عرفت من إطلاق النصوص و معقد الإجماع، خلافا لابن إدريس فخصها بالجماعة، لأن الصحابة صلوا على رسول الله (ص) فرادى كما عن

إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي عن كتاب أبان بن عثمان أنه حدث عن أبي مريم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «أن عليا (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) إمامنا حيا و ميتا، فدخل عليه عشرة عشرة، و صلوا عليه يوم الاثنين و ليلة الثلاثاء حتى الصباح، و يوم الثلاثاء حتى صلى عليه كبيرهم و صغيرهم و ذكرهم و أنثاهم و ضواحي المدينة بغير إمام»

و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي أو حسنه (2): «أتى العباس عليا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا علي إن الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) في بقيع المصلى، و أن يؤمهم رجل منهم، فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الناس فقال: أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه و آله)

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 10.

(2) أصول الكافي- ج 1 ص 451 «باب مولد النبي (ص) و وفاته» 37.

103

إمامنا حيا و ميتا، و قال: إني أدفن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في البقعة التي قبض فيها، ثم قال على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه و يخرجون»

و في المروي عن الاحتجاج عن سليم بن قيس (1) عن سلمان «أنه (صلى الله عليه و آله) لما غسله علي (عليه السلام) و كفنه أدخلني و أدخل أبا ذر و المقداد و فاطمة و حسنا و حسينا (عليهم السلام) فتقدم و صفنا خلفه فصلى عليه، ثم أدخل عشرة من المهاجرين و عشرة من الأنصار فيصلون و يخرجون حتى لم يبق أحد من المهاجرين و الأنصار إلا صلى عليه»

و لجماعة من الأصحاب منهم- كما قيل- الشيخ في الخلاف مدعيا عليه إجماع الفرقة و الشهيدان و الكركي فخصوصا بالمصلي الواحد مطلقا كما هو ظاهر جماعة، أو غير الامام كما في المدارك و ظاهر كشف اللثام و المحكي عن الروض، أو إذا لم يناف التعجيل، و إلا فتكره مطلقا كما عن بعضهم، و عن المنتهى التردد في كراهة صلاة من لم يصل بعد صلاة غيره، و عن التذكرة و نهاية الإحكام بعد أن استقرب فيهما الكراهة مطلقا قال: «إن الوجه التفصيل فان خيف على الميت ظهور حادثة به كره تكرار الصلاة، و إلا فلا» و عن الحسن بن عيسى «أنه لا بأس بالصلاة على من صلي عليه مرة»

و لا ريب في ضعف الجميع.

نعم يقوى ارتفاع الكراهة مطلقا في ذي الفضل و الشرف الأخروي كما يظهر من نصوص تكرار الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) و حمزة و سهل بن حنيف و فاطمة بنت أسد، أما غيرهم فالكراهة مطلقا، لما عرفت من النصوص السابقة، و معقد الإجماع المعتضد بالشهرة العظيمة التي لا ينافيها ما تسمعه منهم من جواز الصلاة على المدفون يوما و ليلة كما ظنه الشهيد حتى أنه لأجله حمل كلامهم هنا على تكرارها للمصلي الواحد، إذ فيه أن الجواز لا ينافي الكراهة، على أنه يمكن اختصاصها بما قبل الدفن، كما أنه يمكن حمل كلامهم هناك على من دفن بغير صلاة و إن كان بعيدا كما ستعرف، كما أنه لا ينافي

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 9.

104

دليل الكراهة الموثقان (1) و خبر جابر (2) المتقدمة المحمولة على بيان الرخصة، و إن كان الأخير منها مشتملا على الأمر، إلا أنه لما كان في مقام توهم عدم المشروعية لم يمتنع حمله على ما لا ينافي الكراهة التي لا يقدح في ثبوتها ضعف خبري إسحاق (3) و وهب (4) خصوصا بعد انجبارهما بما عرفت، و احتمالهما نفي الوجوب، و الخوف على الميت لا ينافي الظهور الذي هو الحجة في غيرها من الاحكام فضلا عنها، كاحتمال أنهم سألوه الإعادة كما في خبر ابن علوان (5) على أنه بعد تسليمه لا يمنع إطلاق اللفظ الشامل للمورد و غيره، و منه يظهر دلالة خبر ابن علوان على المطلوب، و إجماع الخلاف لم نتحققه فيه، بل لا صراحة فيه في الخلاف و إن كان قد اقتصر على المصلي الواحد، و التكرار على النبي (صلى الله عليه و آله) و فاطمة و سهل و حمزة لما ذكرنا من عدم الكراهة إذا كان الميت من أهل الفضل و الشرف لا لعدمها في الفرادى مطلقا كما ظنه الحلي أو في غير الامام كما سمعته من غيره، بل ربما ظهر من المجلسي و المحدث البحراني أن الصلاة المكررة على النبي (صلى الله عليه و آله) غير ما نحن فيه، و إنما كانوا يدورون حوله و يدعون له، و إن كان فيه ما فيه، لكن قد يؤيده

خبر أبي مريم الأنصاري (6) قال الباقر (عليه السلام): «كيف كانت الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله)؟ فقال: لما غسله أمير المؤمنين (عليه السلام) و كفنه سجاه ثم أدخل عليه عشرة فداروا حوله، ثم وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في وسطهم فقال: إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 19 و 20 من كتاب الطهارة.

(2) التهذيب ج 3 ص 325- الرقم 1012 المطبوع في النجف.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 23.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 24.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 13.

(6) أصول الكافي ج 1 ص 450 «باب مولد النبي (ص) و وفاته» 35.

105

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً، فيقول القوم كما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة و العوالي»

و في خبر جابر (1) عن الباقر (عليه السلام) «انه قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول في صحته و سلامته إنما نزلت هذه الآية في الصلاة علي بعد قبض الله لي»

و في صحيح أبي مريم (2) المروي عن التهذيب «أنه سأل الباقر (عليه السلام) أيضا كيف صلي على النبي (صلى الله عليه و آله)؟

فقال: سجي بثوب و جعل وسط البيت فإذا دخل قوم داروا به و صلوا عليه و دعوا له ثم يخرجون و يدخل آخرون»

و أما منافاة التعجيل و خوف الحادثة فلم أجد في النصوص لها أثرا، فالمتجه فيها ملاحظة الترجيح، و ربما كان في بعض الأحوال محرما فضلا عن أن يكون مكروها، كما هو واضح، و الله أعلم.

[مسائل خمس]

مسائل خمس

[المسألة الأولى من أدرك الإمام في أثناء الصلاة]

الأولى من أدرك الإمام في أثناء الصلاة كان له الدخول معه بلا خلاف فيه بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه و لو في الدعاء بين التكبيرتين، لإطلاق دليل الجماعة فضلا عن إطلاق نصوص المسبوق (3) سيما

خبر الدعائم (4) عن جعفر بن محمد (عليه السلام) «من سبق ببعض التكبيرات في صلاة الجنازة فليدخل معهم، فإذا انصرفوا أتم ما بقي عليه و انصرف و إذا دخل معهم فليكبر و ليجعل ذلك أول صلاته»

فما عن بعض العامة من وجوب انتظار التكبيرة في الدخول في غير محله قطعا حتى بالنسبة إلى ما ابتدعوه من القياس، بل الظاهر أنه ينوي الوجوب في فعله كغيره من المأمومين و المنفرد، لبقاء تناول الخطاب

____________

(1) أصول الكافي- ج 1 ص 451 «باب مولد النبي (ص) و وفاته» 38.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 16.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- من كتاب الطهارة.

(4) دعائم الإسلام ج 1 ص 282.

106

له، بل لا ينافي الاستدامة على ذلك فراغهم منه قبله بناء على حرمة قطع العمل عليه، بل و كذا لو قلنا بجواز القطع له كغيره من المصلين كما جزم به الأستاذ في كشفه، و هو قوي جدا اقتصارا في حرمة إبطال العمل على ذات الأركان المكتوبة أو الأعم منها و النافلة كما أوضحناه في محله، لكن جواز القطع له من هذه الحيثية لا ينافي الاستدامة على الوجوب الذي حصل من تناول الخطاب لهذا المتلبس الشامل بإطلاقه حال فراغهم من الفعل قبله، فان أتم اندرج في الممتثلين بالخطاب الذين يسقط بفعلهم إرادته من الغير و فراغهم قبله إنما يسقط ابتداء الفعل لا إتمامه الحاصل من الأمر بالفعل و إن كان غير واجب عليه كالمصلي الذي لم يسبق بصلاة، بل هو أولى منه بذلك، و احتمال الفرق بأنه يترك إلى بدل بخلاف المسبوق كما ترى، و إن قطع اختص الامتثال بغيره و سقط عنه إعادة الفعل بما وقع منهم، فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع.

و كيف كان فإذا دخل معه تابعه في التكبير لا في الدعاء، بل يحافظ على ما يراد منه من التشهد في أول تكبيرة و الصلاة في الثانية و هكذا كما نص عليه الفاضل في المحكي عن المنتهى لإطلاق دليل وجوب ذلك، و ل خبر الدعائم (1) و لأنه كالائتمام بالفريضة، فإذا فرغ الإمام أتم ما بقي عليه من التكبيرات وجوبا إن قلنا بحرمة القطع، نعم على كل حال لا يجتزي بما وقع منه في حصول الصلاة منه بلا خلاف أجده فيه، بل في الخلاف الإجماع صريحا، و في غيره ظاهرا عليه، ل

صحيح العيص (2) سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يدرك من الصلاة على الميت تكبيرة فقال: يتم ما بقي»

كما أن

زيد الشحام (3) سأله أيضا «عن الصلاة على الجنائز إذا فات الرجل منها التكبيرة أو الثنتان أو الثلاث فقال: يكبر ما فاته»

و قال الباقر (عليه السلام) لجابر (4):

____________

(1) دعائم الإسلام ج 1 ص 282.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4.

107

«تقضي ما فاتك»

و النبوي (1) «ما أدركتم فصلوا و ما فاتكم فاقضوا»

و غير ذلك مما تسمعه، فما في خبر إسحاق بن عمار (2) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: لا يقضى ما سبق من تكبير الجنائز»

قاصر عن المعارضة من وجوه، خصوصا بعد موافقته للمحكي عن ابن عمر و جماعة من العامة، بل في كشف اللثام احتمال إرادة أنه ليس بقضاء، أو أن المقضي ما بقي لا ما سبق، قلت: لكن عن بعض النسخ ما بقي، و قد يحتمل عدم وجوب القضاء لما قلناه من جواز القطع أو صلاة الجنازة أو غير ذلك مما لا بأس به بعد ما عرفت من قصوره عن المقاومة من وجوه.

و حمله الشيخ على أنه لا يقضى مع الدعوات بل ولاء و فيه أنه مبني على كون الإتمام كذلك، كما هو خيرة المصنف و المحكي عن الصدوق و الشيخ و غيرهم، بل في كشف اللثام أنه المشهور، بل في المعتبر نسبته إلى الأصحاب، و ظاهرهم تعيين ذلك مطلقا، بل عن المنتهى التصريح به، قال: لأن الأدعية فات محلها فتفوت، أما التكبير فلسرعة الإتيان به كان مشروع القضاء، قلت: و الأولى الاستدلال ب

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (3): «إذا أدرك الرجل التكبير و التكبيرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقي متتابعا»

و خبر علي بن جعفر (4) المروي عن كتاب مسائله سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل يدرك تكبيرة أو ثنتين على ميت كيف يصنع؟ قال: يتم ما بقي من تكبيرة و يبادر رفعه و يخفف»

فيقيد بهما ما دل على وجوب الأدعية المزبورة، و يخص عموم ما بقي و ما فات و نحوه، بل في الحدائق يؤيده الاتفاق على الوجوب الكفائي، و لا ريب أنه قد سقط الواجب حينئذ عن هذا المصلي بصلاة

____________

(1) سنن البيهقي ج 4 ص 44.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 7.

108

القوم على الجنازة، لكن قد يشكل مع كون التعارض من وجه بأن التقييد بالتتابع جار على الغالب من خوف الفوات يرفع الجنازة أو إبعادها أو قلبها عن الهيئة المطلوبة في الصلاة، فيسقط الدعاء حينئذ، و يبقى التكبير الذي هو الركن الأعظم فيها، و من هنا كان خيرة الفاضل في بعض كتبه و ابن فهد و العليين و الصيمري و ثاني الشهيدين و الأصبهاني و غيرهم على ما حكي عن بعضهم وجوب الدعاء إذا لم يخف الفوات، بل في المحكي عن البحار نسبته إلى الأكثر للأصل و العموم و الإطلاق الذي لا يعارضه التقييد المزبور بعد ما عرفت، بل في كشف اللثام «و لا يعارضه أيضا سقوط الصلاة بفعل السابقين فضلا عن أجزائها، فإن المسبوق لما ابتدأ كانت صلاته واجبة، و وجوبها مستمر إلى آخرها، و إلا لم يجب إتمام ما بقي من التكبيرات» و إن كان فيه نظر يعرف مما قدمناه في أول البحث، و منه يعلم سقوط أصل التأييد بذلك، بل و ما في الرياض من الجواب عن أصل الإشكال بأنه حسن لو كان متعلق الوجوب هو نفس الدعاء لا الصلاة، و ليس كذلك، بل المتعلق هو الصلاة، و ليس الكلام فيه، بل في وجوب الدعاء، و هو في حق من دخل في الصلاة عيني، للأمر الذي هو حقيقة فيه، فلا إجماع على كفايته بل لعل

قوله (عليه السلام) في خبر علي بن جعفر (1): «و يخفف»

إشارة إلى الإتيان بأقل المجزي من الدعاء، بل

مرسل القلانسي (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يدرك مع الإمام في الجنازة تكبيرة أو تكبيرتين فقال: يتم التكبير و هو يمشي معها، فإذا لم يدرك التكبير كبر عند القبر، فإن أدركهم و قد دفن كبر على القبر»

مشعر بالاشتغال بالدعاء، إذ لو والى لم يبلغ الحال إلى المشي، لكن في الذكرى في وجه الإشعار أنه لو والى لم يبلغ الحال إلى الدفن، و فيه أن ظاهر الخبر كما اعترف به في الحدائق و كشف اللثام أنه إن لم يدرك الصلاة على الميت صلى عليه عند القبر، فان لم

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

109

يدركها قبل الدفن فبعده، و ليس من مسألة المسبوق في شيء.

و حينئذ يبقى ما في المتن و المبسوط و النهاية و النافع و المعتبر و التحرير و القواعد و التذكرة و نهاية الأحكام و الدروس و البيان و جامع المقاصد و كشف الالتباس و الروض و مجمع البرهان على ما حكي عن بعضها من أنه إن رفعت الجنازة أو دفنت أتم و لو على القبر بلا دليل لانحصاره فيه فيما أجد، و قد استدل به جماعة منهم المصنف عليه، و الأصل و إطلاق الأمر بالإتمام و النهي عن الابطال بعد تسليمه لا يفي بتمام الإطلاق قطعا، فالمتجه حينئذ الصحة فيما وافق من أفراده اشتراط الاستقبال و عدم البعد و نحوهما دون غيره، و يسهل الخطب ندرة ذلك مع التتابع سيما الدفن، و إن قال في كشف اللثام:

و يقرب الدفن قبل الإتمام أن لا يكون للميت كفن فيكون في القبر مستور العورة، و لعله لشدة ندرته في الفرض تركه في المحكي عن الخلاف و المقنعة و الوسيلة فاقتصروا على وصل الرفع خاصة، بل في الأول الإجماع عليه، كما أنه لما ذكرنا حكي عن جماعة تقييد الإتمام بالدعاء مشيا لو رفعت بما إذا كان إلى سمعت القبلة و لم يفت شرط من الصلاة، و إلا وجب التكبير ولاء، قال في جامع المقاصد- بعد أن حكى عن الذكرى إشعار الخبر بالاشتغال بالدعاء-: و هو حسن، لكن لو كان مشيهم إلى غير سمعت القبلة، أو بحيث يفوت به شرط الصلاة لم يبعد القول بوجوب موالاة التكبير» قلت: على أنه مبني على عدم اشتراط الاستقرار في صلاة الجنازة، و الذي يقوى في النظر القاصر أن مراد الأصحاب خصوصا المصنف و غيره ممن اعتبر الولاء الإتمام و لو رفعت على أيدي الرجال أو دفنت في ذلك الموقف، لإطلاق الأمر به الشامل لحالتي الرفع و الدفن ردا على من قال من العامة بالبطلان بالرفع كما أومأ إليه في الخلاف و التذكرة و غيرهما، لا أن المراد الاشتغال بالإتمام ماشيا معها إلى أن ينتهي إلى الدفن، فان ذلك من المستبعد فرضه مع الولاء، كما أنه من المستبعد بل المقطوع بعدمه إرادة الإتمام و لو على القبر مفصولا بزمان

110

و لو طال أي إن رفعت أو دفنت و لم يمكن الإتمام مراعيا للشرائط أتم بعد التمكن منها و لو على القبر، بل هو من الأغلاط و الخرافات، فحينئذ لم يحتج الأصحاب فيما ذكروه من الحكم المزبور إلى الخبر المذكور، بل يكفي فيه إطلاق الأمر بالإتمام، فتأمل جيدا.

ثم إن ظاهر إطلاق النص و الفتوى إتمام ما بقي عليه مع بقاء الجنازة بحالها من غير حاجة إلى تقدم لو كان بعيدا، و لا إلى تأخر من كان فاصلا بينه و بين الجنازة من المأمومين و لا غير ذلك مما يحتاج إليه غير المأموم، بل ظاهر إطلاقهما معاملته على الحال السابق له من المأمومية، مع احتمال اعتبار شرائط المنفرد له كالمنفرد باختياره، و الله أعلم.

[المسألة الثانية إذا سبق المأموم الإمام بتكبيرة أو ما زاد]

المسألة الثانية إذا سبق المأموم الإمام بتكبيرة أو ما زاد غير الأولى استحب له إعادتها مع الامام كما في القواعد و التحرير و التذكرة و الإرشاد و نهاية الأحكام على ما حكي عن بعضها، و ظاهر الجميع و لو عمدا كما أن ظاهرها مع بقاء المأمومية و عدم نية الانفراد، كظهور عدم البطلان بذلك كالفريضة، لأن الفائت المتابعة، و هي أمر خارجي لا شرطي، أما عدم الوجوب مع العمد فظاهر، بل مقتضى مساواة الائتمام فيها للفريضة البطلان إن أعاد، لاستلزامها زيادة التكبير الذي هو كالركوع في الركنية القادح زيادتها و نقصها، و لذا توقف في الذكرى و جامع المقاصد و المحكي عن الروض فيها من ذلك، و من أنها ذكر، فلا يقدح زيادتها، بل عن المسالك و حاشية الميسي أنه يستمر متأنيا حتى يلحقه الامام، و ظاهر هما الوجوب كما في الفريضة، لكن قد يمنع ركنية التكبير بهذا المعنى، كما عن الأردبيلي أنه غير واضح.

نعم لا ريب في الإثم بالتشريع مع قصد الجزئية، إلا أن إبطاله- مع عدم إدخاله في ابتداء النية، و ليس في نصوص المقام نحو ما في الفريضة من

قوله (1): «من

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2 و ليس فيه كلمة «أو نقص».

111

زاد في صلاته أو نقص»

إلى آخره- محل نظر بل منع، أقصاه الإثم، لكن لعل إطلاق من عرفت ندب الإعادة فضلا عن الجواز، لما في قرب الاسناد للحميري عن علي بن جعفر (1) سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل يصلي له أن يكبر قبل الامام قال: لا يكبر إلا مع الإمام، فإن كبر قبله أعاد التكبير»

و هو و إن عم لكن الحميري أورده في باب صلاة الجنازة، و لعدم اجتماع شرائط صلاحيته للوجوب حمل على الندب على أن في الوسيلة و البيان و المحكي عن المبسوط و القاضي ما يظهر منه الوجوب، بل في كشف اللثام أنه ظاهر الأكثر خصوصا القاضي و إن كنا لم نتحقق غير من سمعت، و لعله لظاهر الخبر المزبور، لكن في كشف اللثام «و كأنه لا نزاع أي بين القول بالوجوب و القول بالندب، لجواز انفراده عن الامام متى شاء، فله أن لا يعيد إلا إذا استمر على الائتمام، و لذا استدل عليه في التذكرة و النهاية و المنتهى بإدراك فضيلة الجماعة، فالجماعة إن أرادوا الوجوب فبمعنى توقف استمرار الائتمام عليها، و فيه- مع أن من المأمومين من لا يجوز له الانفراد هنا، و هو البعيد عن الجنازة و من لا يشاهدها، و لا يكون منها على الهيئة المعتبرة- أنه خلاف الظاهر من كلماتهم إن لم يكن الصريح، كما هو واضح بأدنى تأمل، و لعل المراد من دليل التذكرة إدراك فضيلة الجماعة بما يعيده من التكبيرة لا أن المراد عدم الانفراد.

و من ذلك كله ظهر لك الحال في الساهي و الظان تكبير الإمام، فإنه و إن قلنا في الفريضة تجب عليه الإعادة مع الامام للدليل يمكن القول بعدمه هنا، للأصل، و حصول تكبيرة الصلاة، إذ الظاهر أنها الواقعة منه لا المعادة مع الامام، و لذا لم تبطل صلاته في المخالفة عمدا إذا لم يعد معه و إن كان قد أثم بتفويت المتابعة، فمع السهو لا إثم بفواتها، و رجوع الساهي في الفريضة للدليل، فالتعدي في غير محله، نعم لا يبعد القول

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

112

بالندب لإطلاق الخبر المزبور الذي قد عرفت قصوره عن إثبات الوجوب و إن كان هو أو التساوي مع الفريضة مستند الوجوب في ظاهر من عرفت، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[المسألة الثالثة لا خلاف في عدم جواز تأخير الصلاة إلى الدفن]

المسألة الثالثة لا خلاف في عدم جواز تأخير الصلاة إلى الدفن على القبر اختيارا، بل الإجماع بقسميه عليه، بل كاد يكون ضروريا، و قد تقدم الإشارة إلى ذلك، و ليس المراد من الفتاوى و بعض النصوص الآتية الرخصة في التأخير قطعا كما ستعرف، إلا أن الظاهر عدم سقوطها بذلك لو كان عمدا فضلا عما لو كان عن عذر بلا خلاف صريح أجده إلا من المصنف في المعتبر و المحكي عن الفاضل في بعض كتبه، و مال إليه في المدارك، و لا ريب في ضعفه، للأصل و إطلاق دليل الوجوب، و فحوى نصوص الجواز ك

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح هشام بن سالم (1): «لا بأس أن يصلي الرجل على الميت بعد ما يدفن»

و في خبر مالك مولى الجهم (2) و مرسل الصدوق «إذا فاتتك الصلاة على الميت حتى يدفن فلا بأس بالصلاة عليه و قد دفن»

و في خبر عمر بن جمع (3) «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا فاتته الصلاة على الميت صلى على القبر»

و في الذكرى روي (4) «أن النبي (صلى الله عليه و آله) صلى على قبر مسكينة دفنت ليلا»

و خبر القلانسي (5) المتقدم سابقا، ضرورة أنه يمكن دعوى لزوم الجواز للوجوب في الفرض، لعدم ما يصلح حينئذ مقيدا لإطلاق نحو

قوله

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 من كتاب الطهارة لكن رواه عن عمرو بن جميع و هو الصحيح.

(4) سنن البيهقي ج 4 ص 48.

(5) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5 من كتاب الطهارة.

113

(صلى الله عليه و آله) (1): «لا تدعوا أحدا من أمتي بلا صلاة».

كما أن منه يعلم تحكيم حرمة النبش تحصيلا للصلاة عليه غير مدفون على دليله و إن كان التعارض بينهما من وجه، و في الشافية عن العلامة الإجماع على حرمة النبش بذلك، بل لا يبعد عدم تحديد ذلك بيوم الدفن أو باليوم و الليلة أو بالثلاثة أو بتغير الصورة، للأصل و الإطلاق المزبور، فيصلي حينئذ عليه إلى أن يعلم أنه صار رميما و خرج عن صدق اسم الميت، و تحديد أصل الجواز باليوم و الليلة في كلام الأكثر نقلا و تحصيلا- بل المشهور في كشف اللثام و المحكي عن الروض و التنقيح و تخليص التلخيص، بل في الغنية الإجماع عليه- يمكن تنزيله على غير الفرض، و لئن سلم أمكن منعه بعدم الدليل عليه كما اعترف به غير واحد سوى الإجماع المزبور معتضدا بما سمعت، و هو قاصر عن معارضة ما يقتضي الإطلاق، بل في الخلاف أنه قد روي ثلاثة أيام، بل ظاهره العمل بها فيه، حيث قال: «قد حددنا الصلاة على القبر يوما و ليلة، و أكثره ثلاثة أيام» بل عن المراسم التصريح به، بل عن الكاتب «أنه يصلى عليه ما لم يعلم تغير صورته» و في البيان «أن الأقرب عدم التحديد» قيل: و هو خيرة جامع المقاصد و فوائد الشرائع و حاشية الإرشاد و الميسية و المسالك و الروض و الروضة و فوائد القواعد و مجمع البرهان و ظاهر المعتبر و المنتهى و المختلف و الكفاية و الحسن و الصدوق، إلا أنه لا ريب في أن الأحوط عدم الصلاة عليه بعد اليوم و الليلة إذا كان قد صلي عليه و الصلاة مطلقا إذا لم يكن، كما هو واضح.

و من ذلك كله يضعف الظن بالإجماع المزبور في المصلى عليه بناء على جواز تكرارها عليه فضلا عن محل الفرض، و دعوى أنه وجه جمع بين ما دل على الجواز مما

____________

(1) الوسائل- الباب- 37- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

114

تقدم و بين ما دل على المنع ك

خبر محمد بن أسلم (1) عن رجل من أهل الجزيرة قال:

«قلت للرضا (عليه السلام): يصلى على المدفون بعد ما يدفن قال: لا، لو جاز لأحد لجاز لرسول الله (صلى الله عليه و آله)»

و عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «بل لا يصلى على المدفون و لا على العريان»

و في موثق عمار (3) المتقدم سابقا في وضع رأس الجنازة عن يمين المصلي «فإن كان قد دفن فقد مضت الصلاة عليه لا يصلى عليه و هو مدفون»

و في موثق يونس (4) السابق أيضا «إن أدركتها قبل أن تدفن فإن شئت فصل عليها»

كما أن في موثق عمار (5) الآخر المتقدم أيضا «يصلى عليه ما لم يوار بالتراب و إن كان قد صلي عليه»

و في موثقه الثالث (6) «قلت: فلا يصلى على الميت إذا دفن قال: لا يصلى على الميت بعد ما يدفن، و لا يصلى عليه و هو عريان»

و فيه أنه لا شاهد معتد به على الجمع المزبور.

و لذا احتمل الشيخ في الجمع أمرا آخر، و ربما مال اليه المحدث البحراني، و هو حمل نصوص الجواز على إرادة محض الدعاء من الصلاة، و نصوص المنع على صلاة الجنازة و قد يشهد له

صحيح محمد بن مسلم أو زرارة (7) «الصلاة على الميت بعد ما يدفن إنما هو الدعاء، قال: قلت: فالنجاشي لم يصل عليه النبي (صلى الله عليه و آله) قال: لا إنما دعا له»

و خبر جعفر بن عيسى (8) قال: «قدم أبو عبد الله (عليه السلام) مكة فسألني

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 8 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 8 من كتاب الطهارة و هو خبر محمد بن أسلم عن الرضا (عليه السلام).

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 70.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 19.

(6) الوسائل- الباب- 36- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(7) الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

(8) الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4.

115

عن عبد الله بن أعين فقلت: مات فقال: مات قلت: نعم، قال: فانطلق بنا إلى قبره حتى نصلي عليه، قلت: نعم، فقال: لا، لكنا نصلي عليه هاهنا، فرفع يديه يدعو و اجتهد في الدعاء و ترحم عليه»

لكن فيه مع ظهور بعض نصوص الجواز في خلافه أنه يمكن دعوى الإجماع على خلافه، و إن كان الأحوط كما في شافية الجزائري فيمن صلي عليه قبل الدفن الاقتصار على الدعاء له بعده لا غير.

كما أن الجمع بحمل نصوص الجواز على من لم يصل عليه، و نصوص المنع على من صلي عليه- و اختاره في المختلف و مال إليه الكركي و غيره ممن تأخر عنه مع ظهور نصوص الجواز في غيره كما يومي اليه نفي البأس و نحوه فيها مما لا يعبر به عن الوجوب في الأعم منه- مخالف لما هو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا، بل لعله معقد ما حكي من إجماع الخلاف و الغنية من جواز الصلاة على القبر لمن فاتته قبل الدفن و لم يدركها الشامل بإطلاقه من صلي عليه إن لم يكن هو الظاهر، خصوصا بملاحظة ندرة وقوع الدفن قبل الصلاة، بل صرح به جماعة من المتأخرين، فمن الغريب ما وقع للفاضل المزبور خصوصا ما حكي عن نهايته من أنه لا يصلى على المدفون إذا كان قد صلي عليه قبل دفنه عند جميع علمائنا، اللهم إلا أن يريد نفي الوجوب كالمختلف و التذكرة، و إلا فاحتمال تنزيل عبارات من تقدمه من الأصحاب على ذلك في غاية البعد إن لم يكن المنع، فلا وجه للجمع به بين النصوص.

كما أنه لا وجه للجمع بما قد سمعته من معتبر المصنف من حمل نصوص المنع على إرادة نفي الوجوب الذي لا ينافي نصوص الجواز، إذ قد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه.

كما أنه من ذلك كله يعلم شذوذ النصوص المزبورة، لإطباق الأصحاب- كما في الرياض، قال: و يستفاد من الذكرى- على الجواز في الجملة و إن اختلفوا في إطلاقه و تحديده بما عرفت، بل قيل: إنها محتملة للحمل على التقية، للمحكي عن أبي حنيفة الذي

116

غالب العامة على فتاويه، فحملها على ذلك أو طرحها غير مستنكر على الفقيه، إلا أنه للتسامح في الكراهة يتجه حمل ما يقبل ذلك منها عليها، و ربما استفيد منها أشدية كراهة التكرار بعد الدفن عليه قبله.

و منه يعلم ضعف ما سمعته سابقا من احتمال نفي الكراهة في المقام، كما أن الظاهر في خبر المقلوب منها إرادة صحة الصلاة من مضيها فيه إذا لم يدرك الجنازة إلا بعد الدفن و لا استبعاد في تقييد الشرطية بذلك، فلا تجب الصلاة حينئذ عليه و إن قلنا بوجوبها لو تركت أصلا، نعم تسرية ذلك إلى باقي الشرائط لا يخلو من منع واضح، فتجب إعادة الفاسدة على القبر كالمتروكة أصلا، فتأمل، و قد يحتمل في بعض النصوص المزبورة إرادة النهي عن تأخير الصلاة إلى الدفن اختيارا، و في آخر نفي مساواة الفعل بعد الدفن له قبله أو نفي الجواز بلا كراهة أو غير ذلك، و لا بأس بتوزيعها على هذه الاحتمالات، و لو سلم عدم قبول بعضها لشيء من ذلك فلا بأس بطرحه بعد الإحاطة بما عرفت.

كما أنه بعد الإحاطة بجميع ما ذكرنا يعرف الحال في قول المصنف يجوز أن يصلى على القبر يوما و ليلة من لم يصل عليه، ثم لا يصلى عليه بعد ذلك و كيف كان فالظاهر أن التحديد باليوم و الليلة أو غيره على تقدير القول به إنما هو إذا لم يتفق ظهور الميت من قبره بسيل أو نحوه، فإذا ظهر و لم يكن قد صلي عليه صلي عليه وجوبا، لانتفاء المانع حينئذ، و احتمال السقوط بسقوط الأمر الأول و عدم الأمر الجديد ضعيف، بل لا يبعد مشروعية تكرار الصلاة عليه إذا قلنا بها بالنسبة إلى غير المدفون، لإطلاق الأدلة، و تخلل الدفن الذي فرض بقاؤه زائدا على المقدر غير مانع، إذ الظاهر كونه تقديرا للصلاة عليه مدفونا لا ظاهرا، فتأمل، و الظاهر أيضا مراعاة سائر الشرائط في الصلاة على القبر من الاستقبال و كون الرأس عن يمين المصلي بناء على اعتباره و نحو ذلك

117

مما هو ممكن، كما هو واضح، و الله أعلم.

[المسألة الرابعة الأوقات كلها صالحة لصلاة الجنازة]

المسألة الرابعة الأوقات كلها صالحة لصلاة الجنازة بلا خلاف فيه بيننا كما اعترف به في الحدائق، بل في المحكي عن الخلاف و التذكرة الإجماع عليه، و المراد صلاحية لا كراهة فيها كما صرح به جماعة، و قال الباقر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (1): «يصلى على الجنازة في كل ساعة، انها ليست بصلاة ركوع و سجود، و إنما تكره الصلاة عند طلوع الشمس و غروبها التي فيها الخشوع و الركوع و السجود، لأنها تغرب بين قرني شيطان، و تطلع بين قرني شيطان»

و سئل الصادق (عليه السلام) (2) أيضا «هل يمنعك شيء من هذه الساعات عن الصلاة على الجنائز؟ فقال: لا»

و قال هو (عليه السلام) أيضا في صحيح الحلبي (3): «لا بأس بالصلاة على الجنائز حين تغيب الشمس و حين تطلع، إنما هو استغفار»

و قال جابر (4) للباقر (عليه السلام): «إذا حضرت الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فبأيهما أبدأ؟ فقال: عجل الميت إلى قبره إلا أن تخاف أن يفوت وقت الفريضة، و لا ينتظر بالصلاة على الجنازة طلوع شمس و لا غروبها»

إلى غير ذلك مما هو ظاهر في ذلك مطلقا و لو بواسطة التعليل المزبور، مضافا إلى أنها من ذوات الأسباب، و المكروه في هذه الأوقات إنما هو ابتداء النافلة، على أنه لا يجري في الواجب منها، ضرورة أنه ليس من ابتداء النافلة، بل قد يستفاد من الخبر المزبور ما هو الظاهر من النص و الفتوى من عدم كراهة المستحب منها فضلا عن الواجب في وقت الصلاة الواجبة، للأصل، و عدم اندراجها في الصلاة المنهي عنها فيه، و لا في التطوع المراد منه الصلاة كما أوضحناه في محله.

لكن

سأل علي بن جعفر (5) أخاه (عليه السلام) «عن صلاة الجنائز إذا احمرت

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 41- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 41- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

118

الشمس أ يصلح أولا؟ فقال: لا صلاة في وقت صلاة، و قال: إذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنائز»

بل

قال الصادق (عليه السلام) في خبر البصري (1): «يكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس و حين تطلع»

و يمكن أن يكون الثاني تقية من الأوزاعي القائل بكراهتها، و مالك و أبي حنيفة القائلين بالمنع فيهما و عند قيامها مريدا من لفظ الكراهة المنع، أو اتقى بقربها منه، و الأول كناية عن نفي البأس عن ذلك، لأن المنهي عنه الصلاة في وقت الصلاة لا نحو صلاة الجنازة التي هي الدعاء و الاستغفار، بل قد يشم من عدم انطباق الجواب على السؤال- ضرورة عدم كون الاحمرار وقت صلاة- أن الجواب إقناعي، و ان التقية تمنعه من التصريح بالحق، و لا ينافي ذلك قوله:

«إذا وجبت» إلى آخره، إذ أقصاه استحباب تقديم الفريضة في وقتها الفضيلي على صلاة الجنازة الموسعة، و لعلنا نقول به وفاقا لجماعة لذلك، و ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر الغنوي (2): «إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فابدأ بها قبل الصلاة على الميت إلا أن يكون مبطونا أو نفساء أو نحو ذلك»

مؤيدا ذلك بما دل على شدة المحافظة على الوقت الفضيلي حتى ظن منه الوجوب على وجه يرجح على ما دل على ندب تعجيل الميت، و خبر جابر المتقدم يمكن إرادة فوات وقت الفضيلي منه، فلا يكون منافيا، و إلا رجح عليه غيره خصوصا بعد ضعفه، فما عساه يظهر من المحكي عن الفاضلين و الكركي من التخيير و عدم الترجيح لا يخلو من نظر، نعم يمكن ترجيح صلاة الجنازة الواجبة على النافلة الموقتة، لأنه مع ندب التعجيل اشتغال بواجب، و هو أفضل من المندوب، بل يمكن ترجيحها على الواجب غير الموقت حتى القضاء بناء على المواسعة و إن كان لا يخلو من إشكال فيه بالخصوص باعتبار معارضة ندب التعجيل في الجنازة بما دل على

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

119

ندب المبادرة بالقضاء حتى اشتهر القول بوجوبه.

و كيف كان فالأوقات كلها صالحة لصلاة الجنازة إلا عند تضيق وقت فريضة حاضرة مع سعة وقت الجنازة، فتقدم حينئذ عليها وجوبا قطعا بلا إشكال، بل و لا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، و وجهه واضح، بل هو كذلك في كل واجب مضيق فضلا عن الفريضة، و إن كان البطلان و عدمه لو خالف مبنيا على مسألة الضد، نعم قد يقال به هنا في خصوص معارضة الفريضة بناء على فهم النهي عنه بالخصوص من خبر جابر و نحوه و إن كان فيه ما فيه، و الأولى بناء البطلان مطلقا على ذلك.

و لو انعكس الأمر بأن خيف على الميت مع سعة الوقت قدمت الصلاة عليه قطعا لما عرفت بلا خلاف، و ما عن السرائر من أن تقديمها حينئذ أولى و أفضل قد لا يريد به ما لا ينافي الوجوب، و إلا فهو قد نفى الخلاف فيها بين المحصلين عن عدم معارضة الموسع المضيق على وجه يبطل لو خالف فضلا عن الإثم.

و لو تضيقتا معا فالمشهور تقديم الفريضة، بل لا أجد فيه خلافا إلا من المحكي عن المبسوط من تقديم الجنازة، قال: «لو تضيقت الحاضرة بدئ بها إلا أن يخاف ظهور حادثة في الميت فيبدأ به» مع أنه احتمل في الذكرى إرادته تضيق أول الوقتين كما هو مذهبه، و يكون هذا من قبيل الأعذار المسوغة للتأخير للوقت الثاني، و عليه فلا يكون خلافا فيما نحن فيه، لكن احتمل ثانيا إن لم يكن إجماع على خلافه أولوية تقديم الميت، و أنه كإنقاذ الغير من الغرق عند ضيق الوقت و عدم إمكان الإيماء، ثم قال أو يقال:

تقدم الحاضرة لإمكان استدراك الصلاة على القبر إلا أنه يشكل بأن زمان فعل الحاضرة يخاف فيه على الميت قبل الدفن، فيجب تعجيل دفنه خوفا من الحادث، و لا يتم إلا بالصلاة، على أنه يمكن هنا تأخر الصلاة عن الدفن إذا خيف بسببها، فيبقى في الحقيقة المعارضة بين المكتوبة و دفنه.

120

و من هنا يعلم حكم تضيقهما معا و ما لو جامعت صلاة واجبة، قلت: الأقوى تقديم الفريضة مع فرض تعارضهما، لأهميتها، و لإطلاق الخبرين، و مشروعية القضاء لها معارض بمشروعية الصلاة على القبر، بل الظاهر تقديم الدفن على الصلاة على الميت إذا فرض الخوف عليه من انتهاك حرمته إلى حصول الصلاة عليه، فيدفن حينئذ، و يصلى على القبر.

أما لو تعارضت المكتوبة و الدفن ففي جامع المقاصد لا بأس بتقديمه على الصلاة، لتساوي الحرمتين، و لتدارك الصلاة بالقضاء بخلافه، و لاستثناء المبطون و النفساء في خبر الغنوي (1) الذي هو كالصريح في ذلك، و لا ينافيه خبر علي بن جعفر (2) المتقدم آنفا، و هو جيد، بل ربما يؤيده في الجملة تشاغل أمير المؤمنين (عليه السلام) بدفن سلمان و عمران عن الصلاة، لكن لو أمكن الجمع بين الدفن و الإيماء للمكتوبة لم يكن بعيدا من الصواب.

و لو لم يسع الوقت إلا ركعة و لم يخف على الجنازة من الهتك إلا أنه يخشى من فوت الصلاة عليها لعارض من العوارض أمكن القول بجواز فعلها في أثناء الفريضة بعد فعل الركعة، لأنها أذكار و دعاء ليس فيها ما ينافي الصلاة، بل لا يبعد جوازه اختيارا على وجه لا يؤدي إلى فساد الصلاة بفوات الموالاة و نحوها، إلا أني لم أجد به نصا لأحد من الأصحاب، بل يمكن دعوى ظهور النصوص و الفتاوى في عدم اجتماعهما، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[المسألة الخامسة إذا صلى على جنازة بعض الصلاة ثم حضرت أخرى]

المسألة الخامسة إذا صلى على جنازة بعض الصلاة ثم حضرت أخرى كان مخيرا إن شاء قطع الأولى و استأنف الصلاة عليهما، و إن شاء أتم الأولى على الأول

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

121

و استأنف للثاني كما صرح به الفاضل و غيره، بل نسبه الكركي إلى المعظم، و البحراني إلى المشهور، لكن أقصى ما استدل به له

الرضوي (1) «إن كنت تصلي على الجنازة و جاءت الأخرى فصل عليهما صلاة واحدة بخمس تكبيرات، و إن شئت استأنفت على الثانية»

و خبر جابر (2) سأل الباقر (عليه السلام) «عن التكبير على الجنازة هل فيه شيء موقت؟ فقال: لا، كبر رسول الله (صلى الله عليه و آله) أحد عشر و تسعا و سبعا و خمسا و ستا و أربعا»

و صحيح علي بن جعفر (3) و هو العمدة، و لذا اقتصر عليه الأكثر سأل أخاه (عليه السلام) «عن قوم كبروا على جنازة تكبيرة أو اثنتين و قد وضعت معها أخرى كيف يصنعون؟ قال: إن شاءوا تركوا الأولى حتى يفرغوا من التكبير على الأخيرة، و إن شاءوا رفعوا الأولى و أتموا ما بقي على الأخيرة كل ذلك لا بأس به»

و فيه أن الأول ليس حجة عندنا، مع احتماله إن كنت تريد أن تصلي إلى آخره، و ما في كشف اللثام من عدم إرادة الابطال حقيقة بل المراد أنه كما يجوز تكرير الصلاة على جنازة واحدة يجوز زيادة تكبيرة أو تكبيرات عليها لمثل ذلك بدليل خبر جابر فإنما ينوي الآن الصلاة عليهما و ينوي الخمس جميعا عليهما، بل فيه أنه لعله معنى قول الصدوق في كتابيه: «إن شاء كبر عليهما الآن خمس تكبيرات» و قول الشيخ و أتباعه: كان مخيرا بين أن يتم خمس تكبيرات على الجنازة الأولى، ثم يستأنف الصلاة على الأخرى، و بين أن يكبر خمس تكبيرات من الموضع الذي انتهى اليه، و قد أجزأه ذلك عن الصلاة عليهما و إن كان هو كما ترى، بل عبارة المصنف و ما ضاهاها كالصريحة في خلافه، بل عبارة الفاضل صريحة في ذلك، و أما الثاني فهو بالنسبة إلى ذلك من المؤل الذي ليس بحجة

____________

(1) المستدرك- الباب- 28- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 17 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

122

عندنا، خصوصا و التأويل بغيره من إرادة تكرار الصلاة و نحوها أقرب منه، و أما الثالث فمبناه على أن ترك الأولى حتى الفراغ من التكبير على الأخيرة كناية عن الاستئناف عليهما، و الباقي كناية عن إتمام الصلاة على الأولى ثم إتمام ما بقي أي فعل الصلاة على الأخيرة، و هو إنما يتجه لو كان السؤال عن كيفية الصلاة، و ليس، بل هو ظاهر في السؤال عن رفع الأولى قبل الأخيرة، بل قد يظهر من لفظ ما بقي على الأخيرة التشريك بينهما في الأثناء فيما بقي من الأولى، ثم تخصيص الثانية بما يكمل الصلاة عليها كما فهمه الشهيد في الذكرى.

قال فيها: الرواية قاصرة عن إفادة المدعى، إذ ظاهرها أن ما بقي من التكبيرات الأولى محسوب للجنازتين، فإذا فرغ من تكبير الأولى تخيروا بين تركها بحالها حتى يكملوا التكبير على الأخيرة و بين رفعها من مكانها و الإتمام على الأخيرة، و ليس في هذا دلالة على إبطال الصلاة على الأولى بوجه، هذا مع تحريم قطع العبادة الواجبة، نعم لو خيف على الجنائز قطعت الصلاة ثم استأنف عليها. لأنه قطع للضرورة، إلا أن مضمون الرواية يشكل بعدم تناوله النية أولا للثانية، فكيف يصرف باقي التكبير إليها مع توقف العمل على النية، إلا أن يقال: يكفي إحداث نية من الآن لتشريك باقي التكبير على الجنازتين، و هو يتم إذا قلنا أن محل النية الثانية لم يفت ما بقي التكبير، لأن الواجب خمس تكبيرات على الجنازة بأذكارها المخصوصة، و قد حصل هنا، فحينئذ إن قلنا بجميع الأذكار مع كل تكبيرة فلا بحث، و إلا فالأولى الجمع بين وظيفة التكبير بالنسبة إلى الجنازتين فصاعدا، و ابن الجنيد يجوز للإمام جمعهما إلى أن يتم على الثانية خمسا، و إن شاء أن يومي إلى أهل الأولى ليأخذوها و يتم على الثانية خمسا، و هو أشد طباقا للرواية، و هو في غاية الجودة، بل يحتمله ما سمعته من كلام الصدوق و الشيخ و أتباعه، و ما في كشف اللثام من أنه يشكل مختار الشهيد وجوب اتباع كل تكبيرة بذكر غير ما يتبع

123

الأخرى و الخبر لا يصلح سندا له يدفعه أنه يكفي فيه إطلاق الأدلة السابقة، ضرورة صدق وصفي الأولى و الثانية مثلا على التكبيرة الواحدة بالنسبة إلى الميتين، فيجب فيها حينئذ الأمران معا، كما أن ما في جامع المقاصد- من أن ما ذكره من التشريك بين الجنازتين فيما بقي من التكبير فغير مستفاد من الرواية أصلا، بل كما يحتمله يحتمل الإكمال على الأولى و الاستئناف على الثانية- واضح الدفع بما عرفت من ظهور لفظ ما بقي فيه، و أوضح من ذلك اندفاعا ما في كشف اللثام من أنه لا يظهر من لفظ السؤال وضع الأخرى بعد التكبير على الأولى، بل يحتمل ظاهرا أنه سئل عن أنهم كبروا على جنازة و قد وضعت معها أخرى صلوا عليها أولا، فإذا شرعوا في التكبير على الأولى في الذكر التي هي الأخيرة لأنهم صلوا على الأخرى أولا كيف يصنع بالأخرى إن لم ترفع حتى شرع في الصلاة على الأولى فأجاب (عليه السلام) بالتخيير بين ترك الأولى التي هي الأخرى حتى يفرغوا من الصلاة على الأخيرة و رفعها و الصلاة على الأخيرة، إذ هو في نفسه كما ترى- فضلا عن دعوى كونه احتمالا ظاهرا، بل يمكن دعوى ظهور الصحيح المزبور في مفروغية السائل عن جواز التشريك المزبور، إلا أنه أشكل عليه رفع الأولى و إبقاؤها للإشكال في اشتراكها مع الثانية فيما بقي من التكبيرات و عدمه، بل قد يدعى الغنية عن الصحيح المزبور في إثبات التشريك، لإمكان الاكتفاء فيه بالإجماع بقسميه على جوازه في الابتداء، و النصوص المستفيضة، بل لا دليل على رجحان التفريق عليه و إن ذكره في القواعد و المحكي عن المبسوط و السرائر، و علل بأن الصلاتين أفضل من صلاة، و أن القصد بالتخصيص أولى منه بالتعميم، لكن الجميع كما ترى.

و كيف كان فظاهر النصوص كالفتاوى أن ليس ذلك من التداخل في شيء، بل هو أحد طرق امتثال الأمر بالصلاة على الأموات المراد منه إيجاد طبيعتها على جنس الميت اتحد أو تعدد مع اتحاد الصنف و عدمه، حتى لو كان عدد التكبير مختلفا كالمؤمن

124

و المنافق بناء على الأربعة في الثاني و الخمسة في الأول، فيجمعها حينئذ بصلاة واحدة، و يختص التكبير الخامس على المؤمن، و يصدق امتثاله فيهما معا، و يظهر من الروضة أنه لا إشكال في جواز ذلك، و أنه كالصلاة على الصنف الواحد، مع أن ما نحن فيه لا يزيد على ذلك، فإذا صح اشتراك الأموات في التكبيرة الواحدة فلا فرق بين كونها أولى بالنسبة إلى أحدهم و ثانية بالنسبة إلى آخر، و هكذا، ضرورة اتحاد المدرك في الجميع، و هو صدق حصول الخمس تكبيرات على كل واحد منهم، و دعوى اختصاص التشريك فيها مع اتحاد وصف الأولية مثلا في الجميع لا شاهد لها، بل هو على خلافها قائم كما عرفت، فحينئذ لا نحتاج إلى الصحيح المزبور في إثبات الحكم المذكور، بل منه ينقدح صور أخر للتشريك و التفريق في الأبعاض بالنسبة إلى الأموات و بالنسبة إلى تعدد حضور الجنائز لا بأس بالتزامها و إن كان الأحوط ترك بعضها.

نعم قد يرد على الشهيد و أتباعه بأنه لا دليل على حرمة قطع العمل هنا، إذ الآية كما عرفته في محله ظاهرة في النهي عن إبطال العمل بالارتداد و نحوه، و لا دليل غيرها، فالأصل المقرر بوجوه بحاله مقتض للجواز كما في باقي الواجبات الكفائية، بل قد يظهر من نصوص (1) نفي الصلاة عنها و أنها كالدعاء في ذلك أيضا فضلا عما هي كالصريحة فيه من عدم انجرار حكم الصلاة لها من حيث الصلاة، و من هنا جزم غير واحد من متأخري المتأخرين بجواز القطع اختيارا، و لعله كالإجماع من الأصحاب في المقام كما اعترف به في جامع المقاصد و غيره، فلا حاجة حينئذ إلى صحيح علي بن جعفر (2) في إثبات ما ذكروه من التخيير المزبور، إذ هو جار على مقتضى دليل التشريك و التفريق

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2 و الباب 21 منها الحديث 3 و 7.

(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

125

من غير فرق بين التلبس في الفعل و عدمه بعد جواز القطع، فمن الغريب اضطرابهم في ذلك حتى أنهم ذكروا لهم صحيح علي بن جعفر و ناقشوهم في دلالته كما عرفته مفصلا، بل في كشف اللثام كيف يجوز إبطال الصلاة الواجبة من غير ضرورة و لا إجماع و لا نص صحيح، إلا أن يراد صحة الصلاة و إن حصل الإثم، و هو واضح لا حاجة به إلى دليل غير ما تقدم من أدلة التخيير بين جمع الجنائز بصلاة و إفراد كل بصلاة، أو يقال: إنه ليس من الابطال حقيقة بناء على أنه كما يجوز إلى آخر ما نقلناه عنه فيما احتملناه في الرضوي، لكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الإحاطة بما ذكرناه.

و قد ظهر لك أن الأقوى التخيير بين الوجوه الثلاثة: الإتمام على الأولى و التشريك و القطع ثم الاستئناف من غير فرق في ذلك بين ما استحب الصلاة عليها من الجنائز و ما وجب، لما عرفته سابقا من جواز الجمع بينهما ابتداء، فكذا في الأثناء، لكن عن التذكرة و نهاية الأحكام تعيين الإتمام على الأولى إذا كانت الصلاة على الأخيرة مستحبة، و علل باختلاف الوجه، و قد عرفت عدم اعتباره عندنا، لكن مقتضاه عدم الفرق في عدم جواز الجمع بين حضور هما معا أو مجيء إحداهما في أثناء الأخرى، و ظاهر المحكي عنهما اختصاصه في حضور المستحبة بعد التلبس في الواجبة، و لذا قال في كشف اللثام: و كأنه ناظر إلى ما احتملناه من أنه لا يبطل صلاته على الأول حتى يريد التشريك، بل هي صلاة واحدة مستمرة، فإذا ابتدأ بها مستحبة جاز أن يعرض لها الوجوب في الأثناء، لأنه زيادة تأكد لها دون العكس، فإنه إزالة للوجوب لكن لا يخفى عليك أنها اعتبارات لا تصلح أن تكون مدركا لحكم شرعي فضلا عن أن تعارض المدارك التي ربما عد ذلك كله بالنسبة إليها اجتهادا في مقابلة النص.

نعم قد يحرم القطع و التشريك بالمعارض كما إذا خاف على الأولى خاصة من طول المكث من فتق و نحوه، كما أنه يتعين عليه القطع أو يرجح له حتى على القول بحرمته إذا

126

خاف على الثانية خاصة، إذ التشريك في الأثناء يزيد في مكثها باعتبار احتياجه إلى اختلاف أدعية التكبيرة إلا إذا كان مجيء الثانية في آخر دعاء رابعة الأولى، فإنه يكبر الخامسة حينئذ مشتركا بينهما فيها ثم يتشهد، و لو خاف عليهما معا لاحظ قلة الزمان في القطع و التشريك بالنسبة إليهما إن أمكن، و إلا لم يكن له القطع، و من ذلك كله يظهر لك ما في الروضة، قال: و ما ذكره في الذكرى من جواز القطع على تقدير الخوف على الجنائز غير واضح، لأن الخوف إن كان على الجميع أو على الأولى فالقطع يزيد الضرر على الأولى و لا يزيله، لانهدام ما قد مضى من صلاتها الموجب لزيادة مكثها، و إن كان الخوف على الأخيرة فلا بد لها من المكث مقدار الصلاة عليها، و هو يحصل مع التشريك الآن و الاستئناف، نعم يمكن فرضه نادرا بالخوف على الثانية بالنظر إلى تعدد الدعاء مع اختلافهما فيه بحيث يزيد ما يتكرر منه على ما مضى من الصلاة، قيل: و مراده بالنادر ما لو حضرت الثانية في أثناء الشهادتين على الجنازة الأولى خاصة بحيث تصير شريكة في التكبير الثاني، و فيه أن الجنازة الثانية تنتفع بالقطع حتى لو حضرت بالتكبير الرابع كما عرفت، فتأمل جيدا.

ثم من المعلوم أنه لو صلى صلاة واحدة على المتعدد شرك بينهم فيما يتحد لفظه و راعى في المختلف كالدعاء لو كان فيهم مؤمن و مجهول و منافق و طفل وظيفة كل واحد، و مع اتحاد الصنف راعى تثنية الضمير و جمعه و تذكيره و تأنيثه، أو يذكر مطلقا مؤلا بالميت، أو يؤنث مؤلا بالجنازة، و في الروضة أن الأول أولى، و الله أعلم.

[الفصل الخامس في البحث عن الصلوات المرغبات]

(الفصل الخامس) في البحث عن الصلوات المرغبات

[المندوبات قسمان]

أي المندوبات و هي قسمان:

[الأول النوافل اليومية]

الأول النوافل اليومية و قد ذكرناها فيما تقدم مفصلة.

127

[الثاني ما عدا ذلك]

و الثاني ما عدا ذلك، فهو ينقسم على قسمين

[فمنه ما لا يخص وقتا بعينه]

فمنه ما لا يخص وقتا بعينه، و هذا القسم الكثير بل لا حصر له إن أريد إدراج غير الموسومة فيه، لأن الصلاة خير موضوع، بل عن البيان أن النوافل إما مختصة بوقت أو لا، و كلاهما لا ينحصر غير أنا نذكر كغيرنا من الأصحاب مهمه، و هو صلوات

[الأولى صلاة الاستسقاء]

الأولى صلاة الاستسقاء، و هي مستحبة عند الجدب بمعنى عوز الأنهار و فتور الأمطار بلا خلاف فيه بيننا بل و بين غيرنا ممن يحفظ عنه العلم عدا أبي حنيفة، فجعل السنة عند ذلك الدعاء خاصة، و قد سبقه الإجماع و لحقه، و استسقاء النبي (صلى الله عليه و آله) بغير صلاة بل بالدعاء على المنبر لا دلالة فيه على عدم المشروعية، إذ لا ريب في جوازه بدونه، على أنه معارض بما

عن (1) عائشة و أبي هريرة و ابن عباس و عقبة من أنه (صلى الله عليه و آله) صلى ركعتين أيضا للاستسقاء،

بل

عن عائشة (2) أيضا أنه (صلى الله عليه و آله) في تلك القضية الخاصة نزل من المنبر فصلى ركعتين.

و اعلم أن السبب الأصلي و الباعث الكلي في عوز الأنهار و احتباس الأمطار و ظهور الغلاء و الجدب و سائر علامات الغضب شيوع المعصية و كفران النعمة و التمادي في البغي و العدوان و منع الحقوق و التطفيف في المكيال و الميزان و الظلم و الغدر و ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و نقص المكيال و الميزان و منع الزكاة و الحكم بغير ما أنزل الله و نحو ذلك من المعاصي التي تخرق الأستاذ و تغضب الجبار، قال الله تعالى (3) «إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» و قال سبحانه (4):

____________

(1) سنن البيهقي ج 3 ص 347 و 349.

(2) سنن البيهقي ج 3 ص 349.

(3) سورة الرعد- الآية 12.

(4) سورة الأعراف- الآية 94.

128

«وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ، وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» و قال عز و جل (1) «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» و قال عز اسمه (2) «ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» و قال تعالى (3) «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً» أي كثيرا،

و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) (4): «إذا غضب الله تبارك و تعالى على أمة و لم ينزل عليها العذاب- أي عذاب الاستئصال- غلت أسعارها، و قصرت أعمارها، و لم تربح تجارتها، و لم ترك ثمارها، و لم تغزر أنهارها، و حبس عنها أمطارها، و سلط الله عليها أشرارها»

و قال (صلى الله عليه و آله) أيضا (5): «خمس خصال إن أدركتموها فتعوذوا بالله من النار لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوها إلا ظهر فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلا أخذوا بالسنين و شدة المؤنة و جور السلطان، و لم تمنع الزكاة إلا منع القطر من السماء، فلولا البهائم لم يمطروا، و لم ينقضوا عهد الله و رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم، فأخذ بعض ما في أيديهم، و لم يحكموا بغير ما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم»

و قال الباقر (عليه السلام) (6): «اما أنه ليس سنة أقل مطرا

____________

(1) سورة النحل- الآية 113.

(2) سورة الروم- الآية 40.

(3) سورة الجن- الآية 16.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 1 من كتاب الأمر بالمعروف.

(6) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 4 من كتاب الأمر بالمعروف.

129

من سنة، و لكن الله يضعه حيث يشاء، إن الله جل جلاله إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم و إلى النبات و البحار و الجبال» و قال الصادق (عليه السلام) (1): «إذا فشى أربعة ظهرت أربعة إذا فشى الزنا ظهرت الزلزلة، و إذ فشى الجور في الحكم احتبس القطر- إلى أن قال-: و إذا منعوا الزكاة ظهرت الحاجة»

و قال الرضا (عليه السلام) (2): «إذا كذب الولاة حبس المطر، و إذا جار السلطان هانت الدولة، و إذا حبست الزكاة ماتت المواشي»

و في حديث (3) «إن الله تعالى أوحى إلى شعيب أني معذب أربعين ألفا من شرار قومك و ستين ألفا من خيارهم فقال: هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم داهنوا أهل المعاصي و لم يغضبوا لغضبي»

و في حديث عقوبات المعاصي (4) «الذنوب التي تغير النعم البغي، و الذنوب التي تورث الندم القتل، و التي تنزل النقم الظلم، و التي تهتك الستور شرب الخمر، و التي تحبس الرزق الزنا، و التي تعجل الفناء قطيعة الرحم، و التي تردد الدعاء و تظلم الهواء عقوق الوالدين»

و في الخبر (5) «ان أسرع الشر عقوبة البغي»

و قال أحدهم (عليهم السلام) (6) مشيرا إلى فتوى نقلت له عن بعض الناس: «من هذا و أشباهه تحبس السماء قطرها»

إلى غير ذلك من الآيات و الأخبار التي هي أكثر من أن تحصى.

و لعل أعظم أسباب حلول النقم و تحويل النعم احتقار النعمة و بطر المعيشة و الاستهانة

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 5 من كتاب الأمر بالمعروف.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 29.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 1 من كتاب الأمر بالمعروف.

(4) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 3 من كتاب الأمر بالمعروف.

(5) الوسائل- الباب- 74- من أبواب جهاد النفس- الحديث 5 من كتاب الجهاد.

(6) الوسائل- الباب- 17- من كتاب الإجارة- الحديث 1.

130

بجلائل النعم التي أنعم الله بها على عباده، خصوصا الخبز، فقد أمرنا بإكرامه و تعظيمه قيل: و قد ورد (1) أن من إكرامه أن لا يشم و لا يقطع و لا يوطأ و لا يوضع تحت القصع و كذا الاستهانة بالمائدة و وطئها بالرجل، بل عن

الصادق (عليه السلام) (2) قال:

«لقد دخلت على أبي العباس و قد أخذ القوم المجلس، فمد يده إلى و السفرة بين يديه موضوعة، فأخذ بيدي فذهبت لأخطو إليه فوقعت رجلي على طرف السفرة فدخلني من ذلك ما شاء الله أن يدخلني، إن الله يقول فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» إلى آخر الآية (3)،

و لقد أصاب الأمم السالفة بكفران النعم و الاستهانة بها ما قصه الله تعالى في كتابه العزيز، و ورد تفصيله في الأخبار المروية عن النبي و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام)، و حسبك من ذلك قصة سبأ و أصحاب الثرثار و غيرهم، و الذين في قصصهم عبرة لأولي الأبصار.

و الذي ينبغي للناس إذا ظهرت مخائل الجدب و الغلاء أن يفزعوا إلى الله تعالى، و يلحوا في الدعاء ليلا و نهارا سرا و جهارا عن صدر نقي و قلب تقي و إخبات و إخلاص خوفا و طمعا، فان ذلك يحرك سحاب الجود و يستعطف كرم المعبود، كيف لا و الدعاء من مفاتيح النجاح و مقاليد الفلاح، و المناجاة سبب النجاة، و بالإخلاص يكون الخلاص و إذا اشتد الفزع فالى الله المفزع، و قد قال الله سبحانه (4) «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» و قال (5) «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ» و قال عز و جل (6) «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»

____________

(1) الوسائل- الباب- 80 و 83 و 84 و 78- من أبواب آداب المائدة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(2) الوسائل- الباب- 78- من أبواب آداب المائدة- الحديث 4 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(3) سورة الأنعام- الآية 89.

(4) سورة المؤمن- الآية 62.

(5) سورة النمل- الآية 63.

(6) سورة البقرة- الآية 182.

131

و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) (1): «إلا أدلكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم و يدر أرزاقكم؟ قالوا: بلى، قال: تدعون ربكم بالليل و النهار، فان سلاح المؤمن الدعاء»

و قال (صلى الله عليه و آله) (2): «الدعاء سلاح المؤمن، و عمود الدين، و نور السماوات و الأرضين»

و قال أبو جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) (3): «ما من شيء أفضل عند الله من أن يسأل و يطلب ما عنده، و ما من أحد أبغض إلى الله ممن يستكبر عن عبادته و لا يسأل ما عنده»

و قال أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4): «الدعاء كهف الإجابة كما أن السحاب كهف المطر»

و عنه (عليه السلام) (5) «الدعاء يرد القضاء بعد ما أبرم إبراما، فأكثروا من الدعاء فإنه مفتاح كل رحمة، و نجاح كل حاجة، و لا ينال ما عند الله إلا بالدعاء، و أنه ليس باب يكثر قرعه إلا يوشك أن يفتح لصاحبه»

«و ما أبرز عبد يده إلى الله العزيز الجبار إلا استحى أن يردها صفرا حتى يجعل فيها من فضل رحمته» (6)

و عنه (عليه السلام) (7) «ما اجتمع أربعة رهط قط على أمر واحد فدعوا إلا تفرقوا عن إجابة»

و في آخر (8) «ما من رهط أربعين رجلا اجتمعوا فدعوا الله في أمر إلا استحباب لهم، فان لم يكونوا أربعين فأربعة يدعون الله عشر مرات إلا استحباب لهم، فان لم يكونوا أربعة فواحد يدعوا أربعين مرة فيستجيب العزيز الجبار له».

و ينبغي أن يكون الدعاء بعد التوبة و الإقلاع عن المعصية و رد المظالم و إخراج

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الدعاء- الحديث 5 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الدعاء- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

(3) ذكر صدره في الوسائل- في الباب- 3- من أبواب الدعاء- الحديث 2 و ذيلها في الباب 1 منها- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الدعاء- الحديث 5 من كتاب الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الدعاء- الحديث 7 من كتاب الصلاة.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الدعاء- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(7) الوسائل- الباب- 38- من أبواب الدعاء- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(8) الوسائل- الباب- 38- من أبواب الدعاء- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

132

الحقوق و التواصل و التراحم و المواساة و التصدق، فان ذلك أنجح في المطالب و أسرع إلى إجابة الرب عز شأنه.

و من أعظم الأسباب في ذلك التوبة و الاستغفار، فإنهما الماحيان للذنب الذي هو السبب الأقوى في ظهور الغلاء و الجدب، و قد قال الله عز و جل (1) حكاية عن هود على نبينا و آله و (عليه السلام) «وَ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ» و عن نوح (عليه السلام) (2) «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً، وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ، وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ، وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً» قال لهم ذلك لما حبس الله عنهم المطر و أعقم أرحام نسائهم أربعين سنة،

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه (3): «إن الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات و حبس البركات و إغلاق طريق الخيرات ليتوب تائب، و يقلع مقلع، و يتذكر متذكر، و يزدجرد مزدجر، و قد جعل سبحانه الاستغفار سببا لدرور الرزق، و رحمة للخلق، فقال: استغفروا ربكم إنه كان غفارا»

إلى آخرها

و في خطبة أخرى له (عليه السلام) أيضا «و لو أن أهل المعاصي و كسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعمة الله و حلول نقمته و تحويل عافيته أيقنوا أن ذلك من الله جل ذكره بما كسبت أيديهم، فأقلعوا و تابوا و فزعوا إلى الله جل ذكره بصدق نياتهم و إقرار منهم بذنوبهم و إساءتهم لصفح لهم عن كل ذنب، و إذا لأقالهم على كل عثرة، و لرد عليهم كل كرامة و نعمة، ثم أعاد لهم من صالح أمرهم و ما كان أنعم به عليهم كل ما زال عنهم و فسد عليهم»

و عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما

____________

(1) سورة هود (عليه السلام)- الآية 54 و 55.

(2) سورة نوح (عليه السلام)- الآية 9 و 10 و 11.

(3) المستدرك- الباب- 7- من أبواب الاستسقاء- الحديث 1.

133

السلام) (1) «من أعطي أربعا لم يحرم أربعا: من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة، و من أعطي الاستغفار لم يحرم التوبة، و من أعطي الشكر لم يحرم الزيادة، و من أعطي الصبر لم يحرم الأجر»

و الروايات في هذا المعنى أكثر من أن يحيط بها السير، فلنكتفي بهذا المقدار.

و بالجملة لا كلام في رجحان الاستسقاء إذا ظهر الجدب عند جميع المسلمين، بل بالضرورة من الدين، و خلاف أبي حنيفة في الصلاة لذلك خاصة، و إلا فقد استسقى النبي و الأنبياء من قبله و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) من بعده و أمروا به، و قد جاء عنهم في ذلك خطب بليغة و أدعية بديعة،

روى الكليني في الكافي كما عن المجالس للشيخ بإسنادهما عن أبي العباس و زريق الخلقاني عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) و اللفظ للأول قال: «أتى قوم رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا: يا رسول الله: ان بلادنا قد قحطت و توالت السنون علينا، فادع الله تعالى يرسل السماء، فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمنبر فأخرج و اجتمع الناس فصعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و دعا و أمر الناس أن يؤمنوا فلم يلبث أن هبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد أخبر الناس أن ربك قد وعدهم أن يمطروا يوم كذا و كذا و ساعة كذا و كذا فلم يزل الناس ينتظرون ذلك اليوم و تلك الساعة حتى إذا كانت تلك الساعة أهاج الله ريحا فأثارت سحابا و جللت السماء و أرخت عز إليها فجاء أولئك النفر بأعيانهم إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقالوا: يا رسول الله ادع الله أن يكف السماء عنا فانا قد كدنا أن نغرق فاجتمع الناس و دعا النبي (صلى الله عليه و آله) و أمر الناس أن يؤمنوا على دعائه فقال له

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الدعاء- الحديث 16 من كتاب الصلاة.

(2) روضة الكافي ص 217- الرقم 266 المطبوعة بطهران عام 1377 و المستدرك الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 7 و فيهما أبى العباس زريق الخلقاني.

134

رجل: يا رسول الله أسمعنا، فكل ما تقول ليس يسمع، فقال: قولوا اللهم حوالينا و لا علينا، اللهم صبها في بطون الأودية و في منابت الشجر و حيث يرعى أهل الوبر، اللهم اجعلها رحمة و لا تجعلها عذابا»

و عن مجالس الشيخ أبي علي بإسناده عن مسلم القلانسي (1) قال: «جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: و الله يا رسول الله لقد أتيناك و ما لنا بعير باط و لا غنم يعظ، ثم أنشأ يقول:

أتيناك يا خير البرية كلها * * *لترحمنا مما لقينا من الأزل

أتيناك و العذراء تدمى لبانها * * *و قد شغلت أم البنين عن الطفل

و ألقى بكفيه الفتى استكانة * * *من الجوع ضعفا لا يمر و لا يحل

و لا شيء مما يأكل الناس عندنا * * *سوى الحنظل العامي و العلف الغل

و ليس لنا إلا إليك فرارنا * * *و أين فرار الناس إلا إلى الرسل

فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن هذا الأعرابي يشكو قلة المطر و قحطا شديدا ثم قام يجر بردائه حتى صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه و كان فيما حمده به أن قال:

الحمد لله الذي علا في السماء فكان عاليا، و في الأرض قريبا دانيا أقرب إلينا من حبل الوريد، و رفع يديه إلى السماء و قال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مرتعا مريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائف، نافعا غير ضار تملأ به الضرع، و تنبت به الزرع، و تحيي به الأرض بعد موتها، فما رد يده إلى نحره حتى أحدق السحاب بالمدينة كالإكليل و ألقت السماء بأرزاقها و جاء أهل البطاح يقولون: يا رسول الله الغرق الغرق، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) اللهم حوالينا و لا علينا فانجاب السحاب عن السماء، فضحك رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قال: لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله، فقام عمر بن الخطاب: فقال: عسى أردت يا رسول الله:

____________

(1) البحار- ج 18 ص 955 من طبعة الكمباني.

135

و ما حملت من ناقة فوق ظهرها * * *أبر و أوفى ذمة من محمد

فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): هذا من قول حسان بن ثابت، فقام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: كأنك أردت يا رسول الله:

و أبيض يستسقي الغمام بوجهه * * *ربيع اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم * * *فهم عنده في نعمة و فواضل

إلى آخره. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أجل، فقام رجل من بني كنانة فقال:

لك الحمد و الحمد ممن شكر * * *سقينا بوجه النبي المطر

دعا الله خالقه دعوة * * *و أشخص منه اليه البصر

فلم يك إلا كإلقاء الرداء * * *و أسرع إلا أتانا الدرر

وفاق الغرابل عم البقاع * * *أغاث به الله عليا نصر

فكان كما قاله عمه * * *أبو طالب ذا رواء أغر

به الله يسقي صوب الغمام * * *فهذا العيان و ذاك الخبر

فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا كناني بواك الله بكل بيت بيتا في الجنة»

و عن قرب الاسناد للحميري (1) و في الفقيه (2) عن الصادق (عليه السلام) و اللفظ للأول قال: «اجتمع عند علي (عليه السلام) قوم فشكوا قلة المطر، و قالوا:

يا أبا الحسن ادع لنا بدعوات في الاستسقاء، قال: فدعا علي بالحسن و الحسين (عليهم السلام) فقال للحسن: ادع لنا»

إلى آخره. و من دعاء علي بن الحسين (عليهما السلام) (3)

____________

(1) المستدرك- الباب- 11- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

(2) الفقيه ج 1 ص 338- الرقم 1517 من طبعة النجف.

(3) الصحيفة السجادية ص 97 رقم الدعاء 19.

136

في الاستسقاء عند الجدب، و هو من أدعية الصحيفة، إلى غير ذلك، بل

عن فائق الزمخشري (1) من العامة فضلا عن الخاصة رواية الصلاة للاستسقاء أيضا، قال:

«خرج النبي (صلى الله عليه و آله) للاستسقاء فتقدم فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة و كان يقرأ في العيدين و الاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و سبح اسم ربك الأعلى، و في الركعة الثانية بفاتحة الكتاب و هل أتاك حديث الغاشية، فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه و قلب رداءه ثم جثى على ركبتيه و رفع يديه و كبر تكبيرة قبل أن يستسقي (صلى الله عليه و آله) ثم قال: اللهم اسقنا و أغثنا، اللهم اسقنا غيثا مغيثا و حيا ريعا و جدا طبقا غدقا مغدفا مونقا عاما هنيئا مريئا مربعا مريعا مرتعا وابلا سائلا سبلا مجللا ديما ديما درا نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث غيثا تحيي به البلاد، و تغيث به العباد، و تجعله بلاعا للحاضر منا و الباد، اللهم أنزل علينا بأرضها سكنها، و أنزل علينا من السماء ماء طهورا، فأحيى به بلدة ميتا واسعة مما خلقت لنا أنعاما و أناسي كثيرا»

و عن نوادر الراوندي (2) بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال علي (عليه السلام):

مضت السنة في الاستسقاء أن يقوم الإمام فيصلي ركعتين ثم يبسط يده و ليدع، قال:

و قال علي (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) دعا بهذا الدعاء في الاستسقاء اللهم أنزل علينا رحمتك بالغيث العميق»

إلى آخره.

و في الفقيه و التهذيب (3) «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب بهذه الخطبة في صلاة الاستسقاء الحمد لله سابغ النعم، و مفرج الهم»

إلى آخرها، و هي من الخطب الجليلة، و المراد أنه صلى و خطب لها

____________

(1) البحار- ج 18 ص 954.

(2) البحار- ج 18 ص 950.

(3) الفقيه ج 1 ص 335- الرقم 1504 و التهذيب ج 3 ص 151- الرقم 328 المطبوعان في النجف.

137

كما عن الشيخ روايتها بهذا اللفظ في المصباح، و له (عليه السلام) خطبتان أخريان (1) في النهج، و كيف كان فلا كلام عندنا في استحباب الصلاة للاستسقاء بعد تظافر النصوص أو تواترها بذلك، و في الذكرى أنه استسقى النبي و علي و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) و الصحابة و صلوا ركعتين.

و أما كيفيتها فهي مثل كيفية صلاة العيد إجماعا محكيا عن الخلاف و التذكرة و المنتهى، و في الاستبصار هذه الرواية- مشيرا إلى موثق إسحاق بن عمار (2) المتضمن تقديم الخطبة على الصلاة في الاستسقاء- مخالفة لإجماع الطائفة المحققة، لأن عملها على الرواية الأولى لمطابقتها للأخبار (3) التي رويت في أن صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد، و في حسن هشام بن الحكم (4) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن صلاة الاستسقاء فقال: مثل صلاة العيدين يقرأ فيها و يكبر كما يقرأ و يكبر فيها، يخرج الامام فيبرز إلى مكان نظيف في سكينة و وقار و خشوع و مسألة، و يبرز معه الناس فيحمد الله و يثني عليه و يجتهد في الدعاء و يكثر من التسبيح و التهليل و التكبير، و يصلي مثل صلاة العيدين ركعتين في دعاء و مسألة و اجتهاد، فإذا سلم الامام قلب ثوبه و جعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر، و الذي على الأيسر على الأيمن، فإن النبي (صلى الله عليه و آله) كذلك صنع».

و لا ريب كما أنه لا خلاف في شمول المماثلة للقراءة و عدد الركعات و التكبيرات و القنوتات، بل في الذخيرة الإجماع عليه غير أنه يجعل مواضع القنوت في العيد استعطاف الله سبحانه و سؤاله الرحمة بإرسال الغيث لأنه هو المقصود و المراد و يتخير

____________

(1) المستدرك- الباب- 11- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 2 و 3.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث- 1.

138

من الأدعية في القنوت و بعد الصلاة ما تيسر له للأصل و ظاهر النصوص و الفتاوى و إلا يختر الأخذ بهذه الرخصة. بل إذا أراد الأفضل فليقل ما نقل في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم أعرف من غيرهم بما ينبغي أن يناجي به رب العباد ضرورة كون الوزير أدرى من الرعية بما يؤدي إلى استجلاب الخير و نيل المقصود من الملك قطعا، و يمكن أن تكون العبارة من صناعة القلب، و النكتة فيه جواز الدعاء بما تيسر و إن أمكن المنصوص، و إلا فليس المراد ظاهرها قطعا، لكن لم نقف على دعاء مخصوص في القنوت هنا، و يمكن استحباب ما ورد فيه بالعيد و إن كان بتغيير مقتضى المقام، فينبغي أن يكون بالاستغفار و الدعاء بإنزال الرحمة و توفير المياه، و على كل حال فليبدأ بالصلاة على النبي و آله (عليهم الصلاة و السلام) و يختم بها، لما

روي (1) عن علي (عليه السلام) «إذا سألتم الله حاجة فصلوا على النبي (صلى الله عليه و آله) فان الله تعالى إذا سئل عن حاجتين أستحيي أن يقضي إحداهما دون الأخرى»

و ليقدم الثناء على الله تعالى ل حسن هشام المتقدم (2) و ليعترف بذنبه طالبا من الله العفو و الرحمة، قال الله تعالى (3) «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى» و غير ذلك مما لا يخفى على من له معرفة بكيفية الدعاء المستجاب المستفادة من نصوص أهل العصمة و بعض آيات الكتاب إنما الكلام في شمول المماثلة المزبورة للوقت و نحوه من الأمور الخارجة عن الكيفية و عدمه، و فيه قولان أحوالهما الأول، بل في الذكرى أنه ظاهر كلام الأصحاب و أقوالهما الثاني للإطلاقات السالمة عن معارضة إطلاق المماثلة في النص، إذ حسن هشام كغيره يستفاد منه المماثلة في ذلك الأمر الخاص، و دعوى المدارك دلالته عليه محل منع،

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الدعاء- الحديث 18.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

(3) سورة الأعلى- الآية 14 و 15.

139

على أن شمول إطلاقها لمثله كذلك لانسياق الكيفية منه، فمعاقد الإجماعات تنصرف حينئذ إلى غيره قطعا، خصوصا بعد ما حكي من الإجماع عن نهاية الأحكام على عدم التوقيت، و عن التذكرة نفي الخلاف فيه، نعم لا بأس بتطلب بعض الأزمنة الشريفة لها، لأنها أرجى للإجابة، و لعله لذا حكي عن التذكرة أن الأقرب عندي إيقاعها بعد الزوال، لأن ما بعد العصر أشرف و إن كان هو لا يخلو من بحث، خصوصا بعد ما قيل من أنه مشهور بين العامة التي جعل الله الرشد في خلافها، و في الذكرى أنه نقله ابن عبد البر عن جماعة العلماء من العامة، و الأمر سهل.

و من مسنونات هذه الصلاة أن يصوم الناس ثلاثة أيام لأنه أرجى للإجابة، و ل

خبر السراج (1) قال: «أرسلني محمد بن خالد إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أقول له: إن الناس قد أكثروا علي في الاستسقاء فما رأيك في الخروج غدا؟ فقلت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي: قل له: ليس الاستسقاء هكذا، فقل له:

يخرج فيخطب الناس و يأمرهم بالصيام اليوم و غدا، و يخرج بهم في اليوم الثالث و هم صيام قال: فأتيت محمدا فأخبرته بمقالة أبي عبد الله (عليه السلام) فجاء فخطب الناس و أمرهم بالصيام كما قال أبو عبد الله (عليه السلام): فلما كان في اليوم الثالث أرسل إليه ما رأيك في الخروج؟»

و خبر مرة مولى محمد بن خالد (2) قال: «صاح أهل المدينة إلى محمد ابن خالد في الاستسقاء فقال لي: انطلق إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فاسأله ما رأيك؟

فإن هؤلاء قد صاحوا إلى، فأتيته فقلت له فقال لي: قل له: فليخرج، قلت له: متى يخرج جعلت فداك؟ قال: يوم «الاثنين».

قيل: و نحوه خبر العيون (3) عن مولانا العسكري (عليه السلام).

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 2.

140

و من ذلك يعرف استحباب أن يكون خروجهم يوم الثالث كما عن التذكرة نسبته إلى علمائنا خلافا لما عن الشافعي فقال: رابع أيام الصيام و منه يعرف أيضا أنه يستحب أن يكون ذلك الثالث الاثنين و لذا اقتصر عليه جماعة، بل في الرياض نسبة ذلك إلى الأكثر، لكن قال المصنف فان لم يتيسر ف يوم الجمعة و لم نقف له على دليل بالخصوص، إلا أنه لا بأس به لشرفه و كونه محلا لإجابة الدعاء بل

ورد (1) «أن العبد ليسأل الحاجة فتؤخر الإجابة إلى يوم الجمعة»

و لعله لذا خير غير واحد بينهما، بل قيل: إنه المشهور بين المتأخرين، و أنه يظهر من التذكرة الإجماع عليه، بل عن المفيد و أبي الصلاح الاقتصار على الجمعة، و كأنه ل ما ورد (2) في ذم يوم الاثنين، و أنه يوم نحس لا تطلب فيه الحوائج، و أن بني أمية تتبرك به و تتشاءم منه آل محمد (صلى الله عليه و آله) لقتل الحسين (عليه السلام) فيه، حتى ورد أن من صامه أو طلب الحوائج فيه متبركا حشر مع بني أمية، مع ترجيح ذلك على الخبرين المزبورين لكن لا يخفى عليك ما فيه بعد عمل الأصحاب بهما، و فيهم من لا يعمل إلا بالقطعيات كالحلي و غيره و إن اختلفوا في الترتيب أو التخيير، بل لعل أحوط القولين منهما أقواهما هذا مع إمكان حمل ذلك على من أراد الفعل بقصد التبرك بيوم الاثنين كما يفعله بنو أمية، و الله أعلم.

و كذا يستفاد من التأمل في الخبرين المزبورين و غيرهما كخبر هشام بن الحكم (3) أنه يستحب أيضا أن يخرجوا في هذه الصلاة إلى الصحراء كما هو

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب آداب السفر من كتاب الحج و الباب 21 من أبواب الصوم المندوب- الحديث 3 من كتاب الصوم.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

141

مجمع عليه نقلا في الذكرى و عن المعتبر و المنتهى و التذكرة و غيرها إن لم يكن تحصيلا، بل في خبر أبي البختري (1) عن الصادق (عليه السلام) «مضت السنة أنه لا يستسقى إلا بالبراري حيث ينظر الناس إلى السماء، و لا يستسقى بالمساجد إلا بمكة»

و ليكن خروجهم إليها حفاة و في المسالك و لكن نعالهم بأيديهم، و لم نعرف له شاهدا على سكينة و وقار و ذكر الله و إخبات، لأنه أبلغ في الخشوع و أرجى للإجابة، و ل

قوله (عليه السلام) في خبر مولى محمد بن خالد (2): «يمشى كما يمشى يوم العيدين»

و في خبر هشام بن الحكم (3) «فيبرز إلى مكان نظيف في سكينة و وقار و خشوع و مسألة» و زاد في أولهما أن «بين يديه- أي الإمام- المؤذنون في أيديهم عنزهم»

أي عصيهم و في المسالك يخرجون في ثياب البذلة بكسر الباء، و هي ما يمتهن من الثياب.

و لا يصلوا هذه الصلاة في المساجد و إن كانت مكشوفة للخبر السابق، لكن قد عرفت أنه صريح في استثناء مكة من ذلك، فإنه يستسقى في المسجد الحرام منها، و لا بأس به خصوصا بعد ما عن المنتهى من الإجماع عليه منا و من أكثر أهل العلم فما عساه يظهر من عدم استثناء المصنف له كغيره ممن نقل عنه ذلك من العدم في غير محله كالمستفاد من ظاهر عبارة الكاتب من إلحاق مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) به، لعدم المستند له سوى القياس الذي لا ينبغي الاقتصار معه على خصوص مسجد النبي (صلى الله عليه و آله)، بل ينبغي حينئذ إلحاق مسجد الكوفة و نحوه من المساجد المعظمة المشرفة به، و هو كما ترى مخالف لصريح الخبر المزبور و ظاهر غيره، و الأسرار الربانية لا تدور مدار الشرف، نعم في الذكرى لو حصل مانع من الصحراء لخوف و شبهه جازت في المساجد، و لا بأس به.

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

142

و كذا يستحب أن يخرجوا معهم أهل الصلاح و الورع و نحوهم ممن يظن إجابتهم بل الشيوخ و الأطفال و العجائز على المشهور كما في الكفاية و الذخيرة لأنهم أقرب إلى الرحمة و أسرع للإجابة، و للنبوي (1) «لولا أطفال رضع و شيوخ ركع و بهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا»

و في المحكي عن

فقه الرضا (عليه السلام) من الخطبة (2) «اللهم ارحمنا بمشايخ ركع و صبيان رضع و بهائم رتع و شباب خضع»

لكن قد اشتمل على ذكر الشباب، و لم يذكره أحد من الأصحاب هنا، و لعل المراد أهل الورع و التقوى منهم كما يومي اليه الوصف المزبور، فيندرجون حينئذ فيما ذكروه من إخراج أهل التقوى و الصلاح.

و عليه فالظاهر إرادة الذكور من الشباب خاصة لا النساء، لما في خروجهن من الفتنة، و لذا صرح غير واحد بعدم خروجهن، بل لعله ظاهر الاقتصار على الشيوخ و الأطفال و العجائز من الجميع، و على كل حال فقد يتأكد الخروج المزبور في أبناء الثمانين فصاعدا، ل

قوله (عليه السلام) (3): «إذا بلغ الرجل ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر»

قيل: و عن الكيدري زيادة البله، كما عن ابن حمزة و الفاضل و الشهيدين و أبي العباس و غيرهم زيادة البهائم أيضا، و لا بأس به، بل و بكل ما يرجى فيه الإجابة و استجلاب الرأفة و الرحمة، و عن الصادق (عليه السلام) (4) «ان سليمان ابن داود خرج ليستسقي فرأى نملة قد استلقت على ظهرها و هي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك و لا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بني آدم و هي رافعة قائمة من

____________

(1) سنن البيهقي ج 3 ص 345.

(2) المستدرك- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 4.

(3) البحار- الجزء الثالث من المجلد 15 ص 164 الباب 64.

(4) الفقيه ج 1 ص 333- الرقم 1493 المطبوع في النجف.

143

قوائمها إلى السماء فقال (عليه السلام): ارجعوا فقد سقيتم بغيركم»

و كأنه في بالي أن

عالم قوم يونس (عليه السلام) أمرهم بإخراج البهائم و تفريق أطفالها عنها فكشف الله عنهم العذاب (1)

و الله أعلم.

و صرح غير واحد من الأصحاب بأنهم لا يخرجوا معهم ذميا لقوله تعالى (2) «وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلّا فِي ضَلالٍ» بل منه و نحوه زيد جميع الكفار و المتظاهرين بالفسق و المنكر و نحوهما من المسلمين، و لعله لبعد الرحمة بهم، و عدم محبة الله سماع أصواتهم، فحضورهم أبعد للإجابة، و نقض للغرض، لكن قد يقال: إن مثل هؤلاء إذا خضعوا و اعترفوا بذنبهم كانت الإجابة لهم أقرب من غيرهم، أو يقال:

إنه ربما تعجل إجابتهم لعدم محبة الله سماع أصواتهم عكس المؤمن الذي يحب سماع صوته فيؤخر إجابة دعائه كما

ورد في الخبر (3) و عن الصادق (عليه السلام) (4) «أنه جاء أصحاب فرعون اليه فقالوا له: غار ماء النيل و فيه هلاكنا فقال: انصرفوا اليوم، فلما كان الليل توسط النيل و رفع يديه إلى السماء و قال: اللهم إنك تعلم أني أعلم أنه لا يقدر على أن يجيء بالماء إلا أنت فجئنا به فأصبح النيل يتدفق»

الخبر. و قد خرج المنافقون مع النبي (صلى الله عليه و آله) للاستسقاء، و المخالفون مع الرضا (عليه السلام)، و عن المنتهى بعد أن ذكر خبر خروج فرعون فعلى هذه الرواية لو خرجوا جاز أن لا يمنعوا لأنهم يطلبون أرزاقهم من الله تعالى، و قد ضمنها لهم في الدنيا، فلا يمنعون من طلبها، فلا يبعد إجابتهم، و قول من قال: إنهم ربما ظنوا أن ما حصل من السقيا بدعائهم ضعيف،

____________

(1) تفسير الصافي سورة يونس (عليه السلام)- الآية 98.

(2) سورة الرعد- الآية 15.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة.

(4) الفقيه ج 1 ص 334- الرقم 152 المطبوع في النجف.

144

لأنه لا يبعد أن يتفق نزول الغيث يوم خروجهم بانفرادهم فيكون أعظم لفتنتهم.

و يستحب أيضا في المشهور كما في الكفاية أن يفرقوا بين الأطفال و أمهاتهم لما فيه من الهيبة بكثرة البكاء و الضجيج ما يستوجب الرقة و الرأفة و الرحمة كما يشهد له فعل ذلك من قوم يونس بأمر عالمهم فكشف الله تعالى عنهم العذاب، إلا أنه ينبغي مراعاة حفظ الأطفال الواجب، فيفرقهم حينئذ بأن يدفع كل واحد إلى غير أمه أو غير ذلك إذا أمن الضرر معه، و ظاهر المتن أن هذه الأحكام من المستحب الكفائي حيث لم يوجهها كالنصوص إلى أحد بعينه، خلافا لظاهر الذكرى فوجهها جميعا أو بعضها إلى الامام، و لعل الأول أولى.

و كيف كان ف إذا فرغ الامام من صلاته حول استحبابا رداءه بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل عن صريح الخلاف و ظاهر المعتبر الإجماع عليه للنصوص المستفيضة (1) و التفاؤل و التأسي به (صلى الله عليه و آله) (2) بل للأخير خصوصا مع التعليل في صحيح هشام (3) و إمكان دعوى التناول لهما في صحيح ابن بكير (4) و اشتراك التفاؤل بذلك لتحويل الجدب خصبا الذي هو المقصود من هذا التحويل كما يومي اليه

بعض النصوص (5) «سألته عن تحويل النبي (صلى الله عليه و آله) رداءه إذا استسقى قال: علامة بينه و بين أصحابه يحول الجدب خصبا بين الامام و المأموم»

صرح الشيخ و الثانيان باستحبابه لهما معا، و قواه في الذكرى، بل في ظاهر المحكي من خلاف الشيخ الإجماع عليه، خلافا لظاهر المتن و غيره، بل هو صريح المحكي عن معتبره،

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الاستسقاء من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الاستسقاء من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 2.

145

فيختص بالإمام، بل عن ظاهر المنتهى عدم الخلاف فيه بيننا حيث نسبه إلى بعض العامة و لعله الأقوى نظرا إلى تطابق النصوص (1) و أكثر الفتاوى على ذكره للإمام خاصة، بل لعل التأمل فيها يشرف الفقيه على القطع بذلك و إن كان الحق عدم حجية مفهوم اللقب ما لم تقتضها القرائن، و المنساق من صحيح ابن بكير (2) الامام.

و المراد بتحويل الرداء للإمام جعل ما على اليمين على اليسار و بالعكس، كما نص عليه في الصحيحين و غيرهما، و فسره به غير واحد، بل عن التذكرة الإجماع عليه سواء كان مربقا (مربعا خل) أو مقورا، و قال الكركي و الشهيدان: «لا يشترط جعل الظاهر باطنا و بالعكس، و لا الأسفل أعلى و بالعكس و إن كان جائزا» و في روضة الثاني منهما بعد أن فسر التحويل بجعل اليمين يسارا و بالعكس قال: «و لو جعل مع ذلك أعلاه أسفله و ظاهره باطنه كان حسنا» و فيه أن المنساق إلى الذهن من التحويل لا يكون إلا بأحد الأمرين خاصة، فلا معنى حينئذ لعدم اشتراطهما، و لا لجمعهما مع التحويل، اللهم إلا أن يراد بالتحويل جعل ما على اليمين على اليسار أو بالعكس بمعنى جمعهما على أحد الجانبين، أو يراد تحويل الرداء حيث يكون موضوعا على أفضل حالية بأن كان على المنكبين مع رد ما على الأيسر على الأيمن، فإن تحويله حينئذ يتحقق بعكس هذه الهيئة و لو برد ما على الأيمن على الأيسر من دون حاجة إلى جعل ظاهره باطنه و أعلاه أسفله لكنهما معا كما ترى خلاف المنساق إلى الذهن من التفسير المزبور، بل لعل قول الأصحاب و بالعكس صريح في خلافه، خصوصا بالنسبة إلى الأخير، كما أن ما في صحيح هشام (3) عن الصادق (عليه السلام) كذلك أيضا، قال فيه: «فإذا سلم الامام قلب

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1 و الباب 3 منها.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

146

ثوبه و جعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر، و الذي على الأيسر على الأيمن، فإن النبي (صلى الله عليه و آله) كذلك صنع»

و نحوه في صحيح ابن بكير.

ثم إن ظاهر المصنف و غيره استحباب ذلك مرة واحدة، بل هو ظاهر النصوص و صريح المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) و إن كان ظاهر خبر مولى محمد بن خالد أن وقته بعد صعود الامام المنبر، و قد سمعت ما في صحيح هشام، و في خبر ابن بكير «يصلي ركعتين و يقلب رداءه» و لعله لا تنافي بينها بعد حمل مطلقها على المقيد، اللهم إلا أن يشكل بأن شرطه التنافي، و مع عدم العلم باتحاد المأمور به كما في المقام لم يحمل المطلق على المقيد، و بأن المستحبات لا مقتضي لحمل مطلقا على مقيدها أيضا، و بإمكان دعوى عدم قابلية صحيح هشام للتقييد، لضعف احتمال إرادة القلب فيه بعد التسليم و صعود المنبر، و لعله لذا و لزيادة التفاؤل و للعمل بالأخبار الكثيرة كان خيرة المفيد و سلار و القاضي و الراوندي فيما حكي عنهم استحباب تثليث التحويل، لكن المتجه بناء على ذلك تخصيص استحباب التحويلين منهما بما بعد الصعود و بعد التسليم و إطلاق الثالث، كما أن المتجه بناء على اتحاده كونه بعد الفراغ من الصلاة و الصعود إلى المنبر قبل الخطبة، إذ هو الحاصل من حمل الأخبار بعضها على بعض. و كيف كان فلا ريب أن الأقوى الأول و إن كان الثاني أحوط.

ثم إذا صعد المنبر و حول رداءه استقبل القبلة و كبر مائة تكبيرة رافعا بها صوته و بعده سبح الله ملتفتا إلى الناس عن يمينه مائة تسبيحة كذلك رافعا بها صوته و بعده هلل الله مائة تهليلة ملتفتا إلى الناس عن يساره رافعا بها صوته مثل ذلك و بعده استقبل الناس بوجهه و حمد الله مائة مرة كما صرح بذلك كله في خبر مولى محمد بن خالد، و زاد غير واحد من الأساطين كالحلي و الشهيدين و غيرهم بل في الذكرى نسبته إلى الأصحاب رفع الصوت بالتحميد أيضا،

147

و لا بأس به و إن كان الخبر خاليا منه، إذ قد يفهم من التصريح به فيه في الأولين إرادته في الأخير، فكأنه حذف منه لدلالة سابقه عليه، نعم لا وجه للاقتصار عليه في كلام بعضهم في التكبير خاصة مع التصريح به في الخبر في التسبيح، و أضعف منه عدم ذكر الرفع أصلا، كما أنه لا وجه لعدم ذكر البعض أيضا ذلك بعد التحويل مع التصريح به في الخبر أيضا، و كذا لم نقف على دليل لما في الغنية و المحكي عن غيرها من جعل التحميد عن اليسار و الاستغفار مائة عند استقبال الناس بوجهه، و لا للمحكي عن إشارة السبق من جعل التحميد عن اليمين و التسبيح عن اليسار و الاستغفار عند استقبال الناس بوجهه، بل و لا لغيره أيضا مما حكي في المقام، إذ قد عرفت أن الموجود في الخبر الذي هو دليل الحكم هنا ما سمعت، و أنه بعد التحميد يرفع يديه فيدعو ثم يدعون.

كما أنه ليس فيه ما ذكره المصنف و غيره من أن الامام يذكر و هم أي المأمون يتابعونه في كل ذلك لكن لعله لأنه ذكر الله، و لأن وظيفة المأموم المتابعة للإمام و لما فيه من الضجيج و الدوي ما هو أرجى لتحصيل المقصود من غيره، و من هنا نص ابن حمزة و الثانيان على متابعته في رفع الصوت، بل هو المحكي عن إشارة السبق و التقي و الكيدري و البيان و ظاهر القاضي، بل لعله ظاهر المصنف و كل من عبر بمثل عبارته، و لا بأس به و إن خلا النص عنه، خلافا للسرائر و المحكي عن الإسكافي فلا يتابعونه في الرفع، و عن الفقيه و المقنع أنهم يتابعونه في رفع الصوت و الدعاء، و ظاهر هما الاقتصار عليهما، و الأولى ما عرفت من المتابعة في الجميع أي الأذكار و الدعاء، و قد يستفاد من خبر زريق أبي العباس (1) أنهم يؤمنون على دعاء الإمام، فحينئذ مقتضى الجمع بينه و بين غيره التخيير في خصوص الدعاء بين المتابعة و بين التأمين كما هو ظاهر السرائر، نعم لا يتابعونه في الالتفات إلى الجهات كما صرح به غير واحد، بل لعله ظاهر الجميع،

____________

(1) روضة الكافي ص 217- الرقم 266 المطبوعة بطهران عام 1377.

148

بل لعله مقطوع به بالنسبة إلى جميع الجهات، لتصريحهم باستقباله الناس بالتحميد كما عليه الأكثر، أو الاستغفار كما عليه البعض، و لو تابعوه في الجهات لم يتحقق ذلك، اللهم إلا أن يكون جهتهم حينئذ استقبال الامام، و الأمر سهل.

ثم يخطب و يبالغ في تضرعاته كما بالغ

أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته (1) التي أولها «الحمد لله سابغ النعم»

إلى آخرها، و هي من الخطب العجيبة البديعة، و الأولى له اختيارها أو غيرها من المأثور عنهم (عليهم السلام)، ضرورة أنهم أعرف من غيرهم بذلك و بكيفية الخطاب معه تعالى، فان لم يحسنها خطب من نفسه بما يتمكن من الحمد و الثناء، و عقبهما بالتضرع و الدعاء كما صنع العباس عم النبي (صلى الله عليه و آله) لما قال له عمر بن الخطاب قم و استسق، فإنه قام و حمد الله و أثنى عليه، ثم قال: «اللهم إن عندك سحابا و إن عندك مطرا» إلى آخره. و ظاهر المتن أن الخطبة بعد الصلاة بل و بعد فعل الأذكار، و لا ريب فيه بالنسبة إلى الأول، بل في السرائر و عن الخلاف و التذكرة الإجماع عليه و إن كان قد نفى البأس في الأخير بعد ذلك عن المحكي عن أحمد في إحدى الروايات من التخيير بين إيقاعها قبل الصلاة و بعدها، لورود الأخبار بهما، كما أنه استحسنه في المحكي عن المعتبر على تقدير القول به، و في خبر طلحة بن زيد (2) عن الصادق (عليه السلام) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى للاستسقاء ركعتين و بدأ بالصلاة قبل الخطبة و كبر سبعا و خمسا و جهر بالقراءة»

و نحوه المرسل (3) عن الباقر (عليه السلام) بل و غيره أيضا في أصل تأخير الخطبة عن الصلاة، بل لا خلاف فيه في النصوص سوى

خبر إسحاق بن عمار (4) عن الصادق (عليه السلام) «الخطبة

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 435- الرقم 1504 من طبعة النجف.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 2.

149

في الاستسقاء قبل الصلاة»

كما يحكى عن أبي علي اختياره، و قد أجاد في الاستبصار بقوله: إن هذه الرواية شاذة مخالفة لإجماع الطائفة المحقة، لأن عملها على الرواية الأولى لمطابقتها للأخبار التي رويت في أن صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد، و تبعه على ذلك أو نحوه غيره من الأصحاب.

قلت: على أنها محتملة الحمل على التقية و على إرادة الدعاء من الصلاة، أو الخطبة بأمر الناس بالصيام و التهيؤ للاستسقاء كما قاله (عليه السلام) في تعليم حماد السراج (1) و أما حسن هشام (2) فدلالته على تقديم الخطبة على الصلاة مبنية على كون الحمد و التمجيد و الثناء عبارة عن الخطبة مع إفادة الواو و التقديم الذكري الترتيب، و الأول و إن كان يمكن تسليمه لكن الثاني واضح المنع، خصوصا مع معارضته بالأخبار المصرحة بتقديم الصلاة على الخطبة، و مع اشتماله على التشبيه بصلاة العيد التي تتأخر فيها الخطبة بناء على اقتضائه مثل ذلك.

و أما الثاني أي تأخرها عن الأذكار فظاهر المتن و المبسوط و الوسيلة و الإرشاد و غيرها ذلك أيضا، بل عن الحدائق أنه المشهور بين المتأخرين، و لعله ل خبر مرة مولى محمد (3) بناء على إرادة الخطبة من الدعاء فيه خلافا للفاضل في المختلف و المحكي عن الصدوق و المفيد و علم الهدى و أبي يعلى و أبي المكارم و التقي و القاضي و غيرهم، فتقدم على الذكر، بل في الذكرى أنه المشهور، و ربما قيل بجوازهما معا، و هو قوي و إن كان سابقه أقوى منه كما يومي اليه ظاهر ما حكي من أفعالهم (عليهم السلام) من تمام عمل الاستسقاء بالخطبة و الدعاء و لم يحك عنهم فعل شيء آخر بعد ذلك، و خبر مرة يمكن حمله على الاكتفاء فيه بالأذكار عن الخطبة، بل لعله أولى من حمل الدعاء فيه على

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 2.

150

الخطبة، فتأمل جيدا.

و كذا ظاهر المتن اتحاد الخطبة، بل لعله ظاهر الأصحاب قبله أيضا لقولهم:

«يخطب» بل لعله ظاهر النصوص، لكن في الدروس و غيرها تعددها، بل عن المنتهى و الغرية الإجماع عليه، للتشبيه بصلاة العيد التي تتعدد فيها الخطبة، و هو و إن كان أحوط إلا أنه لم أعثر على خبر يتضمن التشبيه إلا حسن هشام، و هو كما عرفت إنما يدل على المشابهة في كيفيتها، و الخطبة خارجة عنها، و لعل المراد بإحدى الخطبتين التي تتقدم على الاستسقاء لتعليم الناس الصوم و نحوه له كما يومي اليه استدلال الذكرى عليه بخبر مرة، و لا ريب في أنه أمر خارج يفعل للتعليم حيث يكون الناس في حاجة إليه.

ثم إنه قد يظهر من قول المصنف و غيره: «و يبالغ في تضرعاته» أن المراد بالخطبة هذا الدعاء و الابتهال و التضرع كما يومي اليه عبارتا الذكرى و الروض أنه «يستحب المبالغة في التضرع و الإلحاح في الدعاء في الخطبتين» بل و ما عن المصباح من أنه «يستحب أن يدعو بخطبة أمير المؤمنين (عليه السلام)» و ما في خبر مولى محمد السابق من أنه بعد الأذكار يدعو ثم يدعون حيث لم يتعرض فيه لذكر خطبة غير هذا، كما أنه حكي عن المقنع مثل ذلك أيضا، لكن اشتمال خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) على المعنى المعروف منها و على الدعاء يؤيد عدم الاكتفاء بالدعاء المحض عن الخطبة بالمعنى المعروف، نعم قال بعض الأصحاب إنه إن لم بحسن الخطبة بالمروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) اقتصر على الدعاء.

و كيف كان فلا ريب في أن الأحوط بل و الأقوى الخطبة بالحمد و الثناء و نحوهما أولا ثم تعقيب ذلك بالدعاء مبالغا في التضرع كما صنعوا (صلوات الله عليهم) فإن تأخرت الإجابة كرروا الخروج إجماعا محكيا عن المعتبر و المنتهى و التذكرة، بل عن الغرية الإجماع على هذا التكرير حتى تدركهم الرحمة و هو الحجة حينئذ، مضافا إلى