جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج12

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
460 /
151

إمكان دعوى استفادته من الأدلة باعتبار أن المقصود و المراد من تلك الأفعال لم يحصل و لأن المتعارف في السائلين تكرار السؤال إذا لم يجابوا بأول مرة، فما عن إسحاق من المنع من التكرير لأنه (صلى الله عليه و آله) لم يخرج إلا مرة واحدة ضعيف كدليله، إذ لعله (صلى الله عليه و آله) استغنى عن المعاودة لأنه أجيب، و كون التحقيق أن الأمر ليس للتكرار لا يقتضي عدم إرادة التكرار على وجه خاص لدليل خاص غير الأمر كما هو واضح.

إنما الكلام في أنهم إذا كرروا الصلاة كرروا سائر ما تقدمها من الصوم و نحوه كالاستسقاء الأولى أولا، الظاهر الأول إذا كان تكريرهم ذلك وقع بعد مضي مدة من الاستسقاء الأول بحيث أفطروا مثلا، أما إذا كان متصلا بالأول فيكفي فيه على الظاهر الصوم الأول مع فرض الاتصال بصوم يوم التكرير كما يفهم من المحكي عن الكاتب، قال: «إن لم يمطروا أولا و لا أظلتهم غمامة لم ينصرفوا إلا عند وجوب صلاة الظهر، و لو أقاموا بقية نهارهم كان أحب إلى، فان أجيبوا و إلا تواعدوا على المعاودة يوما ثانيا و ثالثا» و لا بأس به في الجملة و إن كنا لم نقف على نص دال عليه، فتحصل مما ذكرنا حينئذ أن للتكرير كيفيتين: الأولى بعد أيام، و الثانية متصلة بيوم الاستسقاء، و الظاهر جواز الأمرين معا، كما أن الظاهر جواز استئناف الصوم و الصلاة إذا لم يجابوا بأول يوم، قال في الذكرى: «و لو تأخرت الإجابة كرروا الخروج حتى يجابوا إما بصوم مستأنف أو بالبناء على الأول» و هو في غاية الجودة، أما التكرار للصلاة مثلا في مجلس واحد إذا لم تظهر أمارات الإجابة من الغمام و نحوه فلا يخلو من إشكال، لفقد النص و ظهور كلام الأصحاب في توقف مشروعية التكرير على عدم الإجابة و لم تعرف حتى تمضي مدة في الجملة، فتأمل جيدا.

و اعلم أنه كما يجوز هذه الصلاة عند قلة الأمطار فإنها تجوز عند جفاف

152

مياه العيون و الآبار عند علمائنا كافة كما عن التذكرة، و هو الحجة بعد إمكان التنقيح بين المنصوص في الأدلة من قلة الأمطار و بين الجفاف المزبور باعتبار اشتراكهما في تسبيب الجدب و حلول الخوف من الغضب، قال في المسالك: «و كذا تجوز عند كثرة الغيوث إذا خيف الضرر بها، و تسمى صلاة الاستضحاء، و هي نوع من صلاة الحاجة، و كذا لو غزرت مياه العيون و الأنهار بحيث خيف منها الضرر شرعت صلاة الحاجة، بل هي من مهام الحوائج» قلت: لا إشكال في مشروعية صلاة الحاجة عند ذلك و عند غيره كما نص عليه، بل و على الصوم أيضا في الذكرى، إنما الكلام في مشروعية خصوص صلاة الاستسقاء التي هي كيفية خاصة في أمثال ذلك، و الأولى الاقتصار فيها على قلة المياه بحيث يخشى منها الجدب سواء كان من الغيوث و العيون.

ثم إنه لا ريب في أنه لا أذان و لا إقامة لصلاة الاستسقاء للنص و للإجماع المحكي عن المعتبر، نعم يقول بدلهما: «الصلاة الصلاة» بالرفع و النصب، كما أنه لا ريب في استحباب الجهر بالقراءة فيها للنص أيضا (1) بل في الذكرى و بالقنوت لما مر في صلاة العيد، و لو سقوا قبل الخروج لم يخرجوا، و كذا لو خرجوا فسقوا قبل الصلاة، نعم يستحب في المقامين صلاة الشكر، و لو سقوا في أثناء الخطبة أتموها، كما أنه كذلك لو كان في أثناء الصلاة و إن سقطت الخطبة حينئذ و الأذكار معا، و يجوز الاستسقاء بغير صلاة قطعا، إما في خطبة الجمعة و العيدين أو في أعقاب المكتوبات أو يخرج الإمام إلى الصحراء فيدعو و الناس يتابعونه، كما يستفاد ذلك كله من النصوص، بل الظاهر الجواز بصلاة بغير الكيفية المزبورة فيفعل مجرد ركعتين لكن بعنوان صلاة الحاجة، ضرورة أن ذلك من أهم الحوائج، و احتمال مشروعية صلاة خاصة لخصوص هذه الحاجة بحيث الجواهر- 19

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الاستسقاء- الحديث 1.

153

لا يجوز صلاة غيرها باطل قطعا.

و يستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء لما

روي (1) «أن النبي (صلى الله عليه و آله) رفعهما حتى رأي بياض إبطيه»

و الظاهر أن هيئته كهيئة أيدي القانتين بأن يقلب ظهرهما إلى الأرض و وجههما إلى السماء و يجعلهما بإزاء وجهه، لكن في الذكرى أنه

روى العامة (2) عن أنس «أن النبي (صلى الله عليه و آله) استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء»

و هكذا دعاء رفع البلاء، و يمكن أن يكون في بعض الأحيان فعل ذلك (صلى الله عليه و آله).

و لا ريب في استحباب استسقاء أهل الخصب لأهل الجدب بالدعاء و نحوه ك ما صنعه رسول الله (صلى الله عليه و آله) للأعرابي (3) و لأن الله أثنى على من قال:

«رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا» (4) و أما الجواز بالصلاة و الخطبة و نحوها كما لو كانوا هم أهل الجدب فلا يخلو من إشكال.

و يجوز نذر صلاة الاستسقاء قطعا، للإطلاق و لكن في وقتها، أما في غير وقتها فالأقرب عدم الانعقاد، لعدم التعبد بمثله في غير وقته. ثم يخرج الباذر بنفسه، قيل:

و يستحب له دعاء من يجيبه إلى الخروج، و خصوصا من يطيعه من أهله و أقربائه، و لا يجب عليهم الإجابة، و ليس له إكراههم عليها سواء بقي الجدب أو وقع الغيث، و لو سقوا بعد النذر قبل الخروج ففي وجوب الخروج حينئذ نظر، و ربما قيل بالوجوب، و لعله لإيجاد الصورة شكرا لله تعالى.

____________

(1) سنن البيهقي ج 3 ص 357.

(2) سنن البيهقي ج 3 ص 357.

(3) البحار- ج 18 ص 955 من طبعة الكمباني.

(4) سورة الحشر- الآية 10.

154

و هل تجب الخطبة بنذر الصلاة؟ إشكال اختار في الذكرى العدم، لانفصالها عنها، فان نذرهما معا وجبتا، و لا يجب القيام فيها و لا كونها على المنبر و إن وجبا لو قيدها به، بل لا تجزيه الخطبة على مرتفع غيره من حائط و نحوه، و هل يجب على ناذر الاستسقاء الصلاة في الصحراء؟ ظاهر الشيخ ذلك لأنه المعتاد و الأفضل، و فيه نظر، نعم لو قيده به وجب، و لو قيده في منزله أو المسجد جاز له العدول بناء على عدم الانعقاد بالنسبة إلى الأفضل، لكن صرح الشيخ بعدم جوازها في الصحراء مع التقييد بالمسجد، و هو حسن، و تسمع ما له نفع في المقام في نذر النافلة إن شاء الله.

و يستحب الدعاء عند نزول الغيث، ل ما روي (1) عنه (صلى الله عليه و آله) من الأمر بالدعاء في ثلاث: التقاء الجيوش و إقامة الصلاة و نزول الغيث، و هو مأثور (2) عن أهل البيت (عليهم السلام).

قيل: و يستحب التمطر في أول المطر بأن يخرج فيه ليصيبه، و كان ابن عباس إذا وقع الغيث قال لغلامه: أخرج فراشي و رحلي يصيبه المطر، فقال له أبو الجوزاء:

لم تفعل هذا يرحمك الله؟ قال: لقول الله سبحانه و تعالى (3) «وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً» فأحببت أن يصيب البركة فراشي و رحلي، و لا يجوز نسبة الأمطار إلى الأنواء بمعنى أنها مؤثرة بنفسها، و أن لها مدخلا في التأثير قطعا، لقيام البرهان على أن ذلك من فعل الله، و تحقق الإجماع عليه، و لأنها تختلف كثيرا تتقدم و تتأخر، و لو قال غير معتقد مطرنا بنوء كذا فظاهر الشيخ عدم الجواز، قال: لنهي النبي (صلى الله عليه و آله)، و لعله أشار إلى ما في رواية الجهني (4) من أنه «صلى بنا

____________

(1) المستدرك- الباب- 21- من أبواب الدعاء- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة.

(3) سورة ق- الآية 9.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب آداب السفر- الحديث 10 من كتاب الحج.

155

رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء من الليل، فلما انصرف الناس فقال: هل تدرون ما ذا قال ربكم؟ قالوا: الله و رسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر بالكواكب، و كافر بي و مؤمن بالكواكب، من قال مطرنا بفضل الله و رحمته فذلك مؤمن بي و كافر بالكواكب، و أما من قال مطرنا بنوء كذا و كذا فذاك كافر بي و مؤمن بالكواكب»

لكنه كما ترى ظاهر في اعتقاد المدخلية، قبل: و النوء سقوط كوكب في المغرب و طلوع رقيبه من المشرق، و منه الخبر من أمر الجاهلية الأنواء، و حكي عن أبي عبيدة أنها ثمانية و عشرون نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة، يسقط في كل ثلاث عشر ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر، و يطلع آخر بمقابله من ساعته، و انقضاء هذه الثمانية و عشرون مع انقضاء السنة، و كانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم و طلع آخر قالوا: لا بد من أن يكون عند ذلك مطر، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى النجم، فيقولون مطرنا بنوء كذا، و إنما سمي نوءا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءا أي نهض، فسمي النجم به، قال: و قد يكون النوء السقوط، أما لو قال مطرنا بنوء كذا و أراد به فيه أي في وقته و أنه من فعل الله تعالى ففي الذكرى قيل: لا يكره، لأنه ورد أن الصحابة استسقوا بالمصلي ثم قيل للعباس: كم بقي من نوء الثريا فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا بعد وقوعها، فما مضت السبع حتى غيث الناس، و لم ينكر ذلك أحد، و الله أعلم بحقيقة الحال.

[الثاني صلاة الاستخارة]

الثاني مما لا يختص وقتا معينا من الصلوات المرغبات صلاة الاستخارة و هي طلب الخيرة كما في المصباح و عن القاموس و النهاية و مجمعي البرهان و البحرين، قال في الأخير: «خار الله لك أي أعطاك ما هو خير لك، و الخيرة بسكون الباء اسم منه و الاستخارة طلب الخيرة كعنبة، و أستخيرك بعلمك أي أطلب منك الخير متلبسا

156

بعلمك بخيري و شري، و في الحديث (1) «من استخار الله راضيا بما صنع خار الله له حتما»

أي طلب منه الخيرة في الأمر،

و فيه (2) «استخر ثم استشر»

و معناه أنك تستخير الله أولا بأن تقول: اللهم إني أستخيرك خيرة في عافية، و تكرر ذلك مرارا ثم تشاور بعد ذلك فيه، فإنك إذا بدأت بالله أجرى الله لك الخيرة على لسان من يشاء من خلقه، و خر لي و اختر لي أي اجعل أمري خيرا و ألهمني فعله، و اختر لي الأصلح» انتهى. و المراد بطلب الخيرة الدعاء و التوسل في أن يكون ما أراد فعله أو تركه من الأمور خيرا له، و من هنا قال في المحكي عن إشارة السبق: يصلي ركعتين إلى أن قال: و يسأل الخير فيما قصد اليه، و معتبر المصنف تصلي ركعتين و تسأل الله سبحانه أن يجعل ما عزمت عليه خيرة، فالصلاة لها بهذا المعنى من صلاة الحوائج حينئذ و لذا قال في الغنية بعد ذكر الركعتين و الدعاء: و يذكر حاجته التي قصد الصلاة لأجلها.

لكن الإنصاف أني لم أجد في النصوص ما هو صريح في إرادة ذلك من الاستخارة التي يصلي لها، نعم يحتمله

صحيح عمر بن حريث (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): صل ركعتين و استخر الله فو الله ما استخار الله مسلم إلا خار الله له»

بل لعله الظاهر منه عند التأمل،

و المرسل عن العنبري (4) سئل أبو عبد الله (عليه السلام) أيضا «عن الاستخارة فقال: استخر الله في آخر ركعة من صلاة الليل و أنت ساجد مائة مرة و مرة، قال: كيف أقول؟ قال: تقول: أستخير الله برحمته أستخير الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 2 مع الاختلاف في اللفظ.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1 لكن روى عن عمرو بن حريث.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 2- لكن رواه عن محمد بن خالد القسري.

157

برحمته»

و صحيح حماد بن عثمان (1) عنه (عليه السلام) أنه قال في الاستخارة: «أن يستخير الله الرجل في آخر سجدة من ركعتي الفجر مائة مرة و مرة، و يحمد الله و يصلي على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم يستخير الله خمسين مرة، ثم يحمد الله و يصلي على النبي (صلى الله عليه و آله) و يتم المائة و الواحدة»

بل أظهر منه

خبر حماد بن عيسى عن ناجية (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه كان إذا أراد شراء العبد أو الدابة أو الحاجة الخفيفة أو الشيء اليسير استخار الله عز و جل فيه سبع مرات، فإذا كان أمرا جسيما استخار الله مائة مرة»

و نحوه

خبر معاوية بن ميسرة (3) عنه (عليه السلام) أنه قال: «ما استخار الله عبد سبعين مرة بهذه الاستخارة إلا رماه الله بالخيرة، يقول:

يا أبصر الناظرين و يا أسمع السامعين و يا أسرع الحاسبين و يا أرحم الراحمين و يا أحكم الحاكمين صل على محمد و أهل بيته و خر لي في كذا و كذا»

و قال في الفقيه: قال أبي رضي الله عنه في رسالته إلى: إذا أردت يا بني أمرا فصل ركعتين و استخر الله مائة مرة و مرة، فما عزم لك فافعل، و قل في دعائك: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، رب بحق محمد و آله صل على محمد و آله، و خر لي في كذا و كذا الدنيا و الآخرة خيرة في عافية» إلا أنه و إن كان ظاهر الدعاء فيه يقتضي ما ذكرنا لكن قوله: «فما عزم لك فافعل» قد يشعر بإرادة طلب تعرف ما فيه الخيرة باتفاق حصول العزم من المستخير الذي كان مترددا في الفعل و عدمه كما صرح به في السرائر في كيفية الاستخارة، و هو مضمون

خبر اليسع القمي (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أريد الشيء فأستخير الله فيه فلا يوفق فيه الرأي أفعله أو أدعه؟

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

158

فقال: انظر إذا قمت إلى الصلاة- فإن الشيطان أبعد ما يكون من الإنسان إذا قام إلى الصلاة- أي شيء يقع في قلبك فخذ به، و افتح المصحف فانظر إلى أول ما ترى فيه فخذ به إن شاء الله»

إذ قوله: «فلا يوفق فيه الرأي» كالصريح في إرادة عدم حصول العزم كي يتعرف ما فيه الخيرة، و لذا أمره (عليه السلام) بما سمعت، و خبر ابن فضال (1) قال: «سأل الحسن بن الجهم أبا الحسن (عليه السلام) لابن أسباط فقال: ما ترى له و ابن أسباط حاضر، و نحن جميعا نركب البر أو البحر إلى مصر، و أخبره بخبر طريق البر، فقال: البر و ائت المسجد في غير وقت صلاة الفريضة فصل ركعتين و استخر الله مائة مرة ثم انظر إلى ما يقع في قلبك فاعمل به، و قال الحسن: البر أحب إلى قال:

له و إلى»

و موثق ابن أسباط أو صحيحه (2) قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك ما ترى آخذ برا أو بحرا، فان طريقنا مخوف شديد الخطر، فقال: اخرج برا و لا عليك أن تأتي مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و تصلي ركعتين في غير وقت فريضة، ثم تستخير الله مائة مرة و مرة، ثم تنظر فان عزم الله لك على البحر فافعل».

و خبر إسحاق بن عمار (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت له: ربما أردت الأمر تفرق مني فريقان: أحدهما يأمرني و الآخر ينهاني قال: فقال: إذا كنت كذلك فصل ركعتين و استخر الله مائة مرة و مرة، ثم انظر أجزم الأمرين لك فافعل فإن الخيرة فيه إن شاء الله، و ليكن استخارتك في عافية، فإنه ربما خير للرجل في قطع يده و موت ولده و ذهاب ماله»

و روي عن كتاب الدعاء (4) «إن أبا جعفر الثاني (عليه السلام) كتب إلى إبراهيم بن شيبة فهمت ما استأمرت به في ضيعتك التي تعرض السلطان فيها، استخر الله تعالى مائة مرة خيرة في عافية، فإن

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 7.

159

أحلل بقلبك بعد الاستخارة بيعها فبعها، و استبدل غيرها إن شاء الله، و لا تتكلم بين أضعاف الاستخارة حتى تتم المائة». و عن الكليني أنه روي في كتاب رسائل الأئمة (1) أن الجواد (عليه السلام) كتب بمثل ذلك إلى علي بن أسباط،

و يقرب من ذلك ما رواه

هارون بن خارجة (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا أراد أحدكم أمرا فلا يشاور فيه أحدا من الناس حتى يبدأ فيشاور الله تعالى، قال: قلت: و ما مشاورة الله تعالى جعلت فداك؟

قال: تبدأ فتستخير الله فيه أولا ثم تشاور فيه، فإنه إذا بدأ بالله تعالى أجرى له الخيرة على لسان من يشاء من الخلق»

إذ هو و إن لم يكن فيه تعرف الخيرة بالعزم عليه لكن فيه التعرف بما يقع على لسان المشير، و أما

خبره الآخر عنه (عليه السلام) أيضا (3) «من استخار الله راضيا بما صنع الله له خار الله له حتما»

فيحتملهما معا،

كالمرسل (4) عن الصادق (عليه السلام) «كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم السورة من القرآن، ثم قال:

ما أبا لي إذا استخرت على أي جنبي وقعت»

إلا أن الأظهر إرادة التفويض إلى الله من الأول مع الدعاء و السؤال لأن يختار له ما هو خير له كما يتفق للإنسان في بعض الأمور التي تتعارض عليه فيها المصالح و المفاسد في الفعل و الترك فيبقى متحيرا مترددا ما يدري كيف يفعل، فينبغي له حينئذ أن يستخير الله و يفوض أمره اليه و يطلب منه توفيقه لما يختاره له مما هو خير له في عافية، فإذا فعل ذلك فلا بد أن يختار الله له حتما، بل لعل المراد من الثاني أيضا ذلك، بل قد يحمل عليه

مرسل عثمان بن عيسى (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إن أبغض الخلق إلى الله من يتهم الله، قال السائل:

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 10.

(5) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الاستخارة- الحديث 3.

160

و أحد يتهم الله قال: نعم من استخار فجاءه الخيرة بما يكره فسخط فذلك يتهم الله»

بل

و خبر البرقي (1) عنه (عليه السلام) «من دخل في أمر بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر»

و إن كان الظاهر من قوله (عليه السلام): «دخل في أمر» إرادة الاستخارة بالمعنى الأول لا الثاني.

نعم هو ظاهر

خبر مرازم (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أراد أحدكم شيئا فليصل ركعتين ثم ليحمد الله و ليثني عليه و ليصل على محمد و على أهل بيته، و يقول: اللهم إن كان هذا الأمر خيرا لي في ديني و دنياي فيسره لي و اقدره، و إن كان غير ذلك فاصرفه عني، فسألته أي شيء أقرأ فيهما؟

فقال: اقرأ ما شئت، و إن شئت قرأت فيهما قل هو الله أحد و قل يا أيها الكافرون»

و خبر جابر (3) عن الباقر (عليه السلام) قال: «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا هم بأمر حج أو عمرة أو بيع أو شراء أو عتق تطهر ثم صلى ركعتي الاستخارة و قرأ فيهما بسورة الحشر و سورة الرحمن، ثم يقرأ المعوذتين و قل هو الله أحد إذا فرغ و هو جالس في دبر الركعتين، ثم يقول: إن كان كذا و كذا خيرا لي في ديني و دنياي و عاجل أمري و آجله فصل على محمد و آله، و يسره لي على أحسن الوجوه و أجملها، اللهم و إن كان كذا و كذا شرا لي في ديني و دنياي و آخرتي و عاجل أمري و آجله فصل على محمد و آله، و اصرفه عني، رب صل على محمد و آله، و اعزم لي على رشدي و إن كرهت ذلك أو أبته نفسي».

و قد جمع بين الاستشارة و بين طلب تيسر ما فيه الخير في خبر إسحاق بن

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 3.

161

عمار (1) المروي عن كتاب الدعاء لابن طاوس «إذا أراد أحدكم أن يشتري أو يبيع أو يدخل في أمر فيبتدئ بالله و يسأله، قلت: فما يقول؟ قال: يقول: اللهم إني أريد كذا و كذا، فان كان خيرا لي في ديني و دنياي و آخرتي و عاجل أمري و آجله فيسره لي، و إن كان شرا لي في ديني و دنياي فاصرفه عني، رب اعزم لي على رشدي و إن كرهته و أبنته علي نفسي، ثم يستشير عشرة من المؤمنين، فان لم يصبهم و أصاب خمسة فيستشير خمسة مرتين، و إن كان رجلان فكل واحد خمسا، و إن كان واحد فليستشره عشرا»

و لا بأس به، و على كل حال فهو معنى آخر غير المعنيين الأولين المتقدمين و إن قيل: إنه قريب من أولهما، بل مآلهما غالبا إلى واحد، و فيه أنه إلى الثاني و هو طلب العزم على ما هو الخيرة و التوفيق له أقرب منه إلى الأول الذي هو الدعاء بأن يجعل الخيرة في الأمر الفلاني الذي قد عزم على فعله كما هو واضح، أقصاه تعرف حصول الخيرة من الله بالعزم على الفعل، أو بما يقع على لسان المستشار، فليس حينئذ قسما مستقلا، و مع التسليم فلا يبعد مشروعية الاستخارة بالمعاني الثلاثة و مشروعية الصلاة لها و تكرار الدعاء المزبور بمقدار العدد المذكور لكن لا على جهة الشرطية، بل هو من المكملات، بل لا يبعد اختلافه باختلاف الأمور في الاهتمام و العظمة و عدمهما كما أومأ إليه خبر ناجية المتقدم، بل يومي اليه اختلاف الروايات في العدد بمائة مرة و مرة أو السبعين أو الخمسين و غيرها.

كما أنه من المكملات ملاحظة شرف المكان على ما يومي اليه خبر ابن أسباط (2) و الجهم (3) المتقدمان، بل و الزمان كما يومي اليه خبر اليسع (4) المتقدم، بل و الحال

____________

(1) المستدرك- الباب- 4- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

162

كما في السجود و في حال الطهارة، و قال في فهرست الوسائل: «باب استحبابها أي الاستخارة حتى في العبادات المندوبات و كيفياتها، و في ذلك ثلاث عشر حديثا، و أن الأفضل إيقاعها في الأوقات الشريفة و الأماكن الكريمة، خصوصا عند قبر الحسين (عليه السلام)» و هو جيد و إن لم تكن النصوص صريحة في جميع ما ذكره، لكن يستفاد منها أن كل ما له مدخلية في استجابة الدعاء و بعد الشيطان عنه من مكان أو زمان أو غيرهما ينبغي ملاحظته، لأن المقام نوع منه، كما يومي اليه أيضا زيادة على ما سمعت خبر يسع القمي (1) المتقدم، و يستفاد منها أيضا القطع في الدعاء على الوتر، و عدم التكلم في أثناء الاستخارة، و اشتراط العافية إلا إذا طابت نفسه، و لم يتهم الله في شيء مما يفرض وقوعه من موت ولد و ذهاب مال و غيرهما، لأنه هو الذي اختاره الله بدليل ما سمعته من النصوص الدالة على أنه متى استخار الله فلا بد أن يختار له، و معرفة ذلك إما بما يتفق وقوعه من المستخير، أو بالعزم عليه، أو بما يجري على لسان المستشار.

و من هنا يقوى أن للاستخارة معنيين لا غير: أحدهما أن يسأل من الله سبحانه أن يجعل الخير فيما أراد إيقاعه من الأفعال، و الثاني أن يوفقه لما يختاره له و ييسره له، نعم لتعرف الثاني طرق، و لعلها تتبع إرادة المستخير بالمعرفة، فتارة يشاء و يطلب من الله معرفة ذلك بالعزم منه على ما هو مختار، و تارة بما يقع على لسان المستشار.

و تارة بالرقاع كما في خبر هارون بن خارجة (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا أردت أمرا فخذ ست رقاع فاكتب في ثلاث منها بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة افعل، و ثلاث منها كذلك لا تفعل، ثم

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

163

ضعها تحت مصلاك ثم صل ركعتين فإذا فرغت فاسجد سجدة و قل فيها مائة مرة أستخير الله برحمته خيرة في عافية، ثم استو جالسا و قل: اللهم خر لي و اختر لي في جميع أموري في يسر منك و عافية، ثم اضرب بيدك إلى الرقاع فشوشها و اخرج واحدة واحدة، فإن خرج ثلاث متواليات افعل فافعل الأمر الذي تريده، و إن خرج ثلاث متواليات لا تفعل فلا تفعله، و إن خرجت واحدة افعل و الأخرى لا تفعل فأخرج من الرقاع إلى خمس فانظر أكثرها فاعمل به، و دع السادسة لا تحتاج إليها».

و تارة بالبنادق كما في مرفوع علي بن محمد (1) عنه (عليه السلام) «أنه قال لبعض أصحابه و قد سأله عن الأمر يمضي فيه و لا يجد أحدا يشاوره كيف يصنع؟ قال:

شاور ربك، قال: فقال له: كيف؟ قال: انو الحاجة في نفسك ثم اكتب رقعتين في واحدة لا و في واحدة نعم، و اجعلهما في بندقتين من طين، ثم صل ركعتين و اجعلهما تحت ذيلك و قل: يا الله إني أشاورك في أمري هذا و أنت خير مستشار و مشير، فأشر علي بما فيه صلاح و حسن عاقبة، ثم أدخل يدك فان كان فيها نعم فافعل، و إن كان فيها لا فلا تفعل، هكذا تشاور ربك».

و تارة بالسبحة كما

روي عن الصادق (عليه السلام) (2) و صاحب الزمان (عليه السلام) (3) و عليهما العمل في زماننا هذا من العلماء و غيرهم، و صورتها «أن يقرأ الحمد عشر مرات أو ثلاثا أو مرة، و إنا أنزلناه كذلك، و هذا الدعاء ثلاث مرات أو مرة، اللهم إني أستخيرك لعلمك بعاقبة الأمور، و أستشيرك لحسن ظني بك في المأمول و المحذور، اللهم إن كان الذي قد عزمت عليه مما قد نيطت بالبركة أعجازه و بواديه و حفت بالكرامة أيامه و لياليه فخر لي، اللهم فيه خيرة ترد شموسه ذلولا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

164

و تقعض أيامه سرورا، اللهم إما أمرا فأئتمر، و إما نهيا فأنتهي، اللهم إني أستخيرك برحمتك خيرة في عافية، ثم تقبض على السبحة و تنوي إن كان المقبوض وترا كان أمرا و إن كان زوجا كان نهيا، أو بالعكس»

و قال في الذكرى: لم تكن هذه الاستخارة مشهورة في العصور الماضية قبل زمان السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الآوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدس الغروي رضي الله عنه، و قد رويناها عنه، و جميع مروياته عن عدة من مشايخنا عن الشيخ الكبير الفاضل الشيخ جمال الدين بن المطهر عن والده رضي الله عنهما عن

السيد رضي الدين عن صاحب الأمر (عليه السلام) «يقرأ الفاتحة عشرا و دونه ثلاث و دونه مرة، ثم يقرأ القدر عشرا و يقول» إلى آخر الدعاء

ثم قال: و قال ابن طاوس (رحمه الله) في كتاب الاستخارات: وجدت بخط أخي الصالح الرضي

الآوي محمد بن محمد الحسيني ضاعف الله سيادته و شرف خاتمته بما هذا لفظه عن الصادق (عليه السلام) «من أراد أن يستخير الله فليقرأ الحمد عشر مرات و إنا أنزلناه عشر مرات ثم يقول» و ذكر الدعاء، إلا أنه قال عقيب «و المحذور»: اللهم إن كان أمري هذا قد نيطت، و عقيب «سرورا» يا الله إما أمر فأئتمر و إما نهي فأنتهي اللهم خر لي برحمتك خيرة في عافية ثلاث مرات ثم يأخذ كفا من الحصى أو السبحة،

انتهى.

و قد يقوى إرادة التمثيل من الحصى و السبحة لكل معدود، إلا أن الأحوط الاقتصار عليهما، كما أن الأولى الاقتصار على السبحة الحسينية و إن كان الأقوى الاكتفاء بكل ما يسبح به، خصوصا إذا كانت من تراب الرضا (عليه السلام) و نحوه بل كل معدود، و لا يعتبر العدد المخصوص في السبحة كالثلاث أو الأربع و الثلاثين، لعدم الدليل.

165

و تارة تكون بالقرعة و المساهمة ك

ما اتفق ليونس، فإنه روي (1) «أنه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله تعالى فركب في السفينة فوقفت، فقالوا هذا عبد آبق فاقترعوا فخرجت القرعة عليه، فرمى بنفسه في الماء فالتقمه الحوت»

و في الوسائل عن علي بن طاوس في كتاب الاستخارات و أمان الأخطار بإسناده إلى عبد الرحمن بن سيابة (2) قال: «خرجت إلى مكة و معي متاع كثير، فكسد علينا، فقال بعض أصحابنا: ابعث به إلى اليمن فذكرت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال:

ساهم بين مصر و اليمن ثم فوض إلى الله عز و جل، فأي البلدين خرج اسمه في السهم فابعث اليه متاعك، فقلت: كيف أساهم؟ قال: اكتب في رقعة بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنه لا إله إلا أنت عالم الغيب و الشهادة، و أنت العالم، و أنا المتعلم فانظر في أي الأمرين خير لي حتى أتوكل عليك فيه و أعمل به، ثم اكتب مصر إن شاء الله، ثم اكتب في رقعة أخرى مثل ذلك ثم اكتب اليمن إن شاء الله، ثم اكتب في رقعة أخرى مثل ذلك ثم اكتب يحبس إن شاء الله فلا تبعث به إلى بلدة منهما، ثم اجمع الرقاع و ادفعها إلى من يسترها عنك ثم أدخل يدك فخذ رقعة و توكل على الله و اعمل بها».

و قد وقفت على خيرة بالقرعة بغير هذا الطريق بل هي بالأصابع في كيفية أخرى طويلة، و ربما ادعي تجربتها إلا أني لم أعرف سندها معرفة يعتد بها في الركون إلى مثل ذلك، خصوصا إن قلنا بعدم التسامح في مثله، لعدم اندراجه في السنن، بل هو تعرف للغيب، و إن كان الأظهر أن استحباب الاستخارة بهذا الطريق أو غيره لا ريب في أنه من السنن التي يتسامح في أدلتها، فلا بأس في نية القربة للمستخير بذلك حينئذ، و لا ينافيه اشتمال الدليل على علامة الخيرة، إذ لا ريب في أن للفاعل إيقاع فعله كيف شاء،

____________

(1) مجمع البيان ج 3 ص 135 من طبعة صيدا- سورة يونس (عليه السلام) الآية 98.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

166

و مباح له الفعل و الترك، فلا حرج عليه بإناطة الفعل و الترك بهذه العلامة لاحتمال إصابتها الواقع، و لا تشريع فيه، و من ذلك تعرف أنه لا بأس حينئذ بالأخذ بجميع ما سمعت من أقسام الاستخارات و إن ضعف سند دليل بعضها.

فما في السرائر- من الاقتصار في الاستخارة على ذات الصلاة و الدعاء، ثم فعل ما يقع في القلب، و التشديد في الإنكار على الاستخارة بالرقاع و البنادق و القرعة، قال:

لأن رواتها فطحية مثل زرعة و رفاعة و غيرهما ملعونون، فلا يلتفت إلى ما اختصا بروايته، و المحصلون من أصحابنا ما يختارون في كتب الفقه إلا ما اخترناه، و لا يذكرون البنادق و الرقاع و القرعة إلا في كتب العبادات دون كتب الفقه، فشيخنا أبو جعفر لم يذكر في نهايته و مبسوطة و اقتصاده إلا ما ذكرناه و اخترناه، و كذلك شيخنا المفيد في رسالته إلى ولده لم يتعرض للرقاع و لا للبنادق، بل أورد روايات كثيرة فيها صلوات و أدعية، و لم يتعرض لشيء من الرقاع، و الفقيه عبد العزيز أورد ما اخترناه، و قال:

قد ورد في الاستخارة وجوه عديدة أحسنها ما ذكرناه، و أيضا فالاستخارة في كلام العرب الدعاء، و هو من استخارة الوحش، و ذلك بأن يأخذ القانص ولد الظبية، فيفرك (فينفرك خ ل) أذنيه فيبغم، فإذا سمعت أمه بغامه لم تملك أن تأتيه فترمي بنفسها عليه فيأخذها القانص حينئذ، و استدل على ذلك بقول حميد بن ثور الهلالي، ثم قال: و كان يونس بن حبيب اللغوي يقول: إن معنى قولهم: استخرت الله استفعلت من الخير أي سألت الله أن يوفق لي خير الأشياء أي أفضلها، فمعنى صلاة الاستخارة على هذا صلاة الدعاء- محل للنظر من وجوه، و إن تبعه المصنف فيما حكي من معتبره حيث قال:

و أما الرقاع و ما يتضمن افعل و لا تفعل ففي حيز الشذوذ، نحو ما يحكى عن بعض نسخ المقنعة من أن هذه الرواية- مشيرا به إلى رواية الرقاع- شاذة ليست كالذي تقدم، لكنا أوردناها على وجه الرخصة دون محض العمل، لكن عن ابن طاوس أن النسخ

167

الصحيحة العتيقة لم توجد فيها هذه الزيادة، و لم يتعرض الشيخ في التهذيب لها، و قال:

«إني قد اعتبرت كلما قدرت عليه من كتب أصحابنا المتقدمين و المتأخرين، فما وجدت و لا سمعت أن أحدا أبطل هذه الاستخارة» انتهى. و لقد أجاد الفاضل في المختلف- بعد أن نقل ما سمعته من السرائر- في قوله: و هذا الكلام في غاية الرداءة، و أي فرق بين ذكره في كتب الفقه و كتب العبادات، فان كتب العبادة هي المختصة به، و مع ذلك فقد ذكره المفيد في المقنعة و هي كتاب فقه، و الشيخ في التهذيب و هو أصل الفقه، و أي محصل أعظم من هذين، و هل استفيد الفقه إلا منهما، و أما نسبة الرواية إلى زرعة و رفاعة فخطأ، فإن المنقول روايتان ليس فيهما زرعة و لا رفاعة، ثم أخذ يشنع عليه بعدم معرفته بالروايات و الرجال، و أن زرعة و رفاعة ليسا من الفطحية، و أن من حاله كذلك كيف يجوز له أن يقدم على رد الروايات و الفتاوى، و يستبعد ما نص عليه الأئمة (عليهم السلام)، و هلا استبعد القرعة و هي مشروعة إجماعا في حق الأحكام الشرعية و القضاء بين الناس، و شرعها دائم في جميع المكلفين، و أمر الاستخارة سهل يستخرج منه الإنسان معرفة ما فيه الخير في بعض أفعاله المباحة المبتنية عليه منافعها و مضارها الدنيوية.

و عن ابن طاوس في كتاب الاستخارات ردا على السرائر أيضا أنه ما روينا عن زرعة و سماعة شيئا، و إنما روينا عمن اعتمد عليه ثقات أصحابنا، و كأن ما حضره من نسخة السرائر فيها إبدال رفاعة بسماعة، و عن وسائل الحر أن ابن طاوس روى الاستخارة بالرقاع بعدة طرق، و في الذكرى إنكار ابن إدريس الاستخارة بالرقاع لا مأخذ له مع اشتهارها بين الأصحاب و عدم راد لها سواه و سوى الشيخ نجم الدين في المعتبر، و كيف تكون شاذة و قد دونها المحدثون في كتبهم و المصنفون في مصنفاتهم، و قد صنف السيد السعيد العالم العابد صاحب الكرامات الظاهرة و المآثر الباهرة أبو الحسن علي بن طاوس الحسني كتابا ضخما في الاستخارات، و اعتمد فيه على رواية

168

الرقاع، و ذكر من آثارها عجائب و غرائب أرانا الله تعالى إياها، و قال: «إذا توالى الأمر في الرقاع فهو خير محض، و إن توالى النهي فهو شر محض، و إن تفرقت كان الخير و الشر موزعا بحسب تفرقها على أزمنة ذلك الأمر بحسب ترتبها» و في الفوائد الملية «و نحن قد جربنا ما ذكره ابن طاوس فوجدناه كما قال» و في الروض «أن ذات الرقاع الست أشهر الاستخارات» و في مفتاح الكرامة أن ابن طاوس قد ادعى الإجماع على الاستخارة بالرقاع ممن روى ذلك من أصحابنا و من الجمهور، لأنه نقل هذه الاستخارة عن جماعة كثيرين من العامة، و جعل الأخبار الواردة بالدعاء و ما يقع في الخاطر و غيرها محمولة على الضرورة، كعدم التمكن من الكتابة و لو لعدم معرفتها، بل نزل جملة منها على إرادة الرقاع، و من هذا كله مضافا إلى ما سمعته سابقا من التسامح في أدلة الاستخارة كما أومأ إليه في المختلف تعرف وجوه النظر فيما سمعته من السرائر، و ما أبعد ما بينه و ما بين ما ذهب اليه بعض مشايخنا من التوسعة في أمر الاستخارة حتى جعل مدارها ما ينوي المستخير تعرف الخيرة به كائنا ما كان، و ربما يؤيده ما سمعته في بعض الروايات السابقة ك رواية (1) الاستخارة بالحصى و السبحة و نحوهما بل قد يدعى أنه المستفاد من مجموع الروايات، نعم ينبغي للمستخير أن يسأل من ربه الخيرة و يتضرع له في ذلك ثم يطلب منه تعرف الخير بما يشاء مما يقع في ذهنه، و في الوافي بعد ذكر مرفوعة البنادق قال: و طريق المشاورة لا ينحصر في الرقعة و البندقة بل يشمل كل ما يمكن استفادة ذلك منه مثل ما مضى في حديث الرقاع و مثل ما يأتي في باب القرعة و غير ذلك، و إنما ذكر البندقة تعليما و إرشادا للسائل، لكنك خبير بما في مثل هذه التوسعة، كما أنك خبير بما في مثل ذلك الجمود، فالأولى الاقتصار على ما في

____________

(1) الوسائل- الباب- 2 و 8- من أبواب صلاة الاستخارة.

169

النصوص الواردة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) الذين هم المرجع و المعول في هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله، و معادن سره و خزان وحيه.

و كيف كان فالمعروف في كيفيتها ما سمعته في الخبر الذي هو الأصل فيها، لكن في النفلية زيادة الغسل أولا و لم نعرف له مستندا، اللهم إلا أن يكون مأخذه رجحان الغسل في نفسه كالوضوء، فينبغي للمستخير ملاحظة ما له مدخلية في إجابة الدعاء، أو أنه من الغسل للحاجة، إذ هي أعم من طلب الخيرة من الله، أو لغير ذلك، و لعله لذا و نحوه قال في الفوائد الملية بعد أن أنكر وجود النص على الغسل: و لا ريب أنه أكمل، كما أنه حكي في الروض عن ابن طاوس «أن من آدابها أن تكون صلاة المستخير بها صلاة مضطر إلى معرفة مصلحته التي لا يعلمها إلا من علام الغيوب، فيتأدب في صلاته، و أن يكون عند قوله: أستخير الله برحمته خيرة في عافية بقلب مقبل على الله و نية حاضرة صافية، و إذا عرف وقت سجوده أنه قد غفل عن ذكر الله بين يدي عالم الخفيات أن يستغفر و يتوب في تلك الحال من ذلك الإهمال، و إذا رفع رأسه من السجود يقبل بقبلة على الله و يتذكر أنه يأخذ رقاع الاستخارة من لسان حال الجلالة الإلهية و أبواب الإشارة الربانية، و أنه لا يتكلم بين أخذ الرقاع مع غير الله جل جلاله، و أنه إذا خرجت مخالفة لإرادته لا يقابل مشورة الله تعالى بالكراهة، بل يقابله بالشكر» انتهى هذا، و قد سمعت أن الموجود في النص ابن فلانة و افعل و لا تفعل بغير هاء، لكن عن المقنعة ابن فلان، و عن أكثر نسخ النفلية افعله بالهاء، بل في الفوائد الملية أنه كتب عليها المصنف في بعض كتبه لفظ «صح» تأكيدا لإثباتها، و لا يخفى عليك أن العمل بما في النص المزبور أولى.

و تارة بالمصحف الشريف كما سمعته في خبر اليسع القمي (1) المتقدم سابقا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

170

لكن هل المراد بأول ما ترى فيه من الآيات أو الصفحة؟ وجهان، حقيقة اللفظ تقتضي الثاني، و المناسب لتعرف الاستخارة الأول، و هو الذي اختاره بعض مشايخنا مدعيا أنه صريح الخبر المزبور، و ناقلا له عن تصريح البعض، إلا أن الخبر كما سمعت، و لم نعثر على ذلك البعض، بل في الذكرى و عن الموجز الحاوي التعبير بما في النص، نعم قد يقال إن الظاهر عدم العبرة بالمقام و السوق، بل المدار على ما يتبادر من لفظ الآية كما صرح به بعض مشايخنا، فلو أنه وقع نظره على قوله عز و جل (1) «إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ»- كما وقع لبعض حيث استخار على المهاجرة الطلب العلم فوقع نظره على هذه الآية الكريمة فهاجر فوفق لما أراد و بلغ المراد- قلنا له: استخارتك حسنة جيدة و لا نعتبر المقام، لأنه كان مقام استهزاء، فنقول: هي غير جيدة، لكن ملاحظة المقام إنما هي للعارف الخريت الماهر، فإنه إذا لاحظها ظهر له من ذلك الأسرار الغريبة، و قد يقال إنه لما لم يعلم المراد بالأول في الخبر المزبور الآيات أو الكلمات، و على الأول فهل المدار على أول آية في صفحة النظر أو على أول الآية من الصفحة السابقة على صفحة النظر، إذ الفرض كون محل النظر بعض الآية في هذه الصفحة و البعض الآخر في الصفحة السابقة، و لم يعلم أيضا اعتبار المقام و السوق و عدمه، و لم نقف على خبر غير الخبر المزبور، كان المتجه الاقتصار في الجيدة و الردية على الجامعة لجميع ذلك، و إلا جدد الاستخارة به بعد التوسل و الدعاء في أن يريه الله رشده صريحا، لأنه لم يوفق له في الرأي في الاستخارة الأولى، هذا.

و ربما أشكل أصل الاستخارة بالمصحف بما

روي (2) في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «لا تتفأل بالقرآن»

و أجيب بأنه إن صح الخبر أمكن التوفيق

____________

(1) سورة هود (عليه السلام)- الآية 89.

(2) الوسائل- الباب- 38- من أبواب قراءة القرآن- الحديث 2.

171

بينهما بالفرق بين التفؤل و الاستخارة، فإن التفؤل إنما يكون فيما سيقع و يتبين الأمر فيه كشفاء المريض أو موته و وجدان الضالة و عدمه، و مآله إلى تعجيل تعرف ما في علم الغيب، و قد ورد النهي عنه و عن الحكم فيه بتة لغير أهله، و كره النظر في مثله، بخلاف الاستخارة فإنها طلب لمعرفة الرشد في الأمر الذي يراد فعله أو تركه، و تفويض الأمر إلى الله تعالى في التعيين و استشارته، كما

قال (عليه السلام) (1): «تشاور ربك»

و بين الأمرين فرق واضح، و إنما منع التفؤل بالقرآن و إن جاز بغيره إذا لم يحكم بوقوع الأمر على البت، لأنه إذا تفأل بغير القرآن ثم تبين خلافه فلا بأس، بخلاف ما إذا تفأل بالقرآن ثم تبين خلافه، فإنه يقضي إلى إساءة الظن بالقرآن، و لا يتأتى ذلك في الاستخارة، لبقاء الإبهام فيه بعد و إن ظهر السوء، لأن العبد لا يعرف خيره من شره قال الله (2) «عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً» الآية، و فيه أنه بناء على صحة الخبر المزبور يبعد حمله على ذلك، لأن التفؤل إن لم يكن هو أقرب إلى موضوع الاستخارة من تعرف علم الغيب فهو بالنسبة إليهما على حد سواء، لصدقه على كل منهما.

نعم يسهل الخطب عدم صحة الخبر المزبور، على أنه قد يعارضه ما يحكى عن ابن طاوس في كتاب الاستخارات من أنه ذكر للتفؤل بالقرآن بالمعنى المذكور وجوها يستبعد بل يمتنع عدم وصول نصوص فيها اليه، بل ظاهر بعض عباراته أو صريحها وقوفه على ذلك، قال: «منها أنك تصلي صلاة جعفر و تدعو بدعائها ثم تأخذ المصحف و تنوي فرج آل محمد (عليهم السلام) بدء و عودا ثم تقول: اللهم إن كان في قضائك و قدرك أن تفرج عن وليك و حجتك في خلقك في عامنا هذا و في شهرنا هذا فاخرج لنا آية من كتابك نستدل بها على ذلك، ثم تعد سبع ورقات و تعد عشرة أسطر من ظهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 2.

(2) سورة البقرة- الآية 213.

172

الورقة السابعة و تنظر ما رأيته في الحادي عشر من السطور، ثم تعيد الفعل ثانيا لتفسيره فإنه تتبين حاجتك إن شاء الله- ثم إنه بين معنى قوله في عامنا هذا- أن العلم بالفرج عن وليه يتوقف على أمور كثيرة، فيكون كل وقت يدعى له بذلك في عامي هذا أو شهري هذا يفرج الله أمرا من تلك الأمور الكثيرة فيسمى ذلك فرجا- و ذكر أيضا عن بندر بن يعقوب- أنك تدعو للأمر و النهي أو ما تريد الفأل فيه بفرج آل محمد (عليهم السلام) و ذكر نحوا من ذلك الدعاء، و قال: ثم تعد سبعة أوراق ثم تعد من الوجهة الثانية من الورقة السابعة ستة أسطر، و تتفأل بما يكون في السطر السابع قال: و في رواية أخرى تدعو بالدعاء ثم تفتح المصحف و تعد سبع قوائم، و تعد ما في الوجهة الثانية من الورقة السابعة، و ما في الوجه الآخر من الورقة الثامنة من لفظ الجلالة، ثم تعد قوائم بعدد اسم الجلالة، ثم تعد من الوجهة الثانية من القائمة التي ينتهي العدد إليها، و من غيرها مما يأتي بعدها سطورا بعدد لفظ الجلالة، و تتفأل بآخر سطر من ذلك» انتهى.

و هو كما ترى ظاهر فيما قلنا، و منه ينقدح إرادة البت و القطع من النهي عن التفؤل في الخبر المزبور، لا على أنه أمارة لا يورث تخلفها في نفس المتفئل شيئا من ظن السوء بالقرآن، بل لعل المراد بالنهي المزبور إنما هو لعامة الناس الذين لا يعلمون الكيفية و لا يفهمون المعنى و المراد، و إذا تخلف الأمر يظنون ظن السوء بالقرآن الكريم، بل لعل الاستخارة فيه أيضا بالنسبة إليهم كذلك فضلا عن التفؤل بالمعنى المتقدم، فمن المحتمل قويا أن يراد حينئذ بالتفؤل المنهي عنه المعنى الذي يشمل الاستخارة أيضا، و الله أعلم.

و هناك استخارة أخرى مستعملة عند بعض أهل زماننا، و ربما نسبت إلى مولانا القائم (عليه السلام)، و هي أن يقبض على السبحة بعد قراءة و دعاء و يسقط ثمانية ثمانية، فإن بقي واحد فحسنة في الجملة، و إن بقي اثنان فنهى واحد، و إن بقي ثلاثة

173

فصاحبها بالخيار، لتساوي الأمرين، و إن بقي أربعة فنهيان، و إن بقي خمسة فعند بعض أنها يكون فيها تعب، و عند بعض أن فيها ملامة، و إن بقي ستة فهي الحسنة الكاملة التي تجب العجلة، و إن بقي سبعة فالحال فيها كما ذكر في الخمسة من اختلاف الرأيين أو الروايتين، و إن بقي ثمانية فقد نهي عن ذلك أربع مرات، إلا أنا لم نقف عليها في شيء من كتب الأصحاب قديمها و حديثها أصولها و فروعها كما اعترف به بعض المتبحرين من مشايخنا، نعم قد يقال بإمكان استفادتها من استخارة السبحة المتقدمة المقتضية إيكال الأمر في علامة الجودة و الرداءة بالشفع و الوتر على قصد المستخير، و إن كان الذي يسقط في تلك اثنان اثنان.

و يخطر بالبال أني عثرت في غير واحد من المجاميع على فأل لمعرفة قضاء الحاجة و عدمها ينسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يقبض قبضة من حنطة أو غيرها ثم يسقط ثمانية ثمانية، و يحتمل أنه على التفصيل المزبور، و لعله هو المستند في ذلك، و إلا فالاستفادة الأولى لا تنطبق على هذه الكيفية الخاصة التي يكون القصد في الحقيقة تابعا لها لا العكس، على أنه فيها تقسيم الأمر المستخار إلى أزيد من الأمر و النهي المستفادين من تلك الأخبار المتقدمة حتى في ذات الرقاع، بل لم أعرف استخارة قسم الأمر المستخار فيها إلى أمر و نهي و مخير فيه سوى ما حكاه في الحدائق عن كتاب السعادات لوالده، قال: قال فيه

خيرة مروية (1) عن الامام الناطق جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) «يقرأ الحمد مرة و الإخلاص ثلاثا، و يصلي على محمد و آله خمس عشر مرة، ثم يقول: اللهم إني أسألك بحق الحسين و جده و أبيه و أمه و أخيه و الأئمة التسعة من ذريته أن تصلي على محمد و آل محمد، و أن تجعل لي الخيرة في هذه السبحة، و أن تربني ما هو الأصلح لي في الدين و الدنيا، اللهم إن كان الأصلح في ديني و دنياي و عاجل أمري

____________

(1) المستدرك- الباب- 7- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 2.

174

و آجله فعل ما أنا عازم عليه فمرني، و إلا فانهني، إنك على كل شيء قدير، ثم تقبض قبضة من السبحة و تعدها سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله إلى آخر القبضة، فإن كان الأخيرة سبحان الله فهو مخير بين الفعل و الترك، و إن كان الحمد لله فهو أمر، فإن كان لا إله إلا الله فهو نهي»

بل ظاهر الدعاء في هذه الاستخارة أيضا الحصر في النهي و الأمر كالروايات السابقة، نعم ذيل الرواية صريح في ثبوت التخيير، و ربما جمع بينها بإرادة الأعم من الراجح و المساوي من الأمر في تلك، أي عدم الضرر انضمت معه مصلحة أولا، و بإرادة خصوص الراجح و المرجوح من الأمر و النهي هنا، فجاز التخيير، و ربما قيل برجوع ذلك إلى قصد المستخير، و عليه حينئذ فله تكرير الاستخارة على عدم الضرر مثلا إذا كان استخارته أولا على الأرجحية.

و لا يخفى عليك أنه بناء على ما ذكرنا سابقا لا بأس على الإنسان في تعرف الرشد و عدمه بشيء من ذلك كله، ضرورة أن له إيقاع فعله كيف أراد، و منه وقوع فعله على مقتضى هذه الأمور لاحتمال إصابة الرشد فيها، إذ احتمال اشتراط الإصابة بجزمه بذلك أو أخذه من دليل معتبر واضح المنع، بل هو بالنسبة إلى هذا المعنى أوسع تسامحا من السنن، إذ قد يتوقف في مشروعية نية التقرب بمجرد قيام الاحتمال الناشئ من نحو تلك المراسيل، مع أنه لا بأس به أيضا بناء على ابتناء التسامح فيها على الاحتياط العقلي، بل و على غيره لمكان تلك الأخبار المرسلة و إن كانت هي في غاية الضعف من الإرسال، بل قد سمعت ما حكيناه عن بعض فضلاء مشايخنا من أن المستفاد من أخبار الاستخارة الإناطة بما يشاؤه المكلف من الطرق لمعرفة رشده و إن لم يكن لها أثر في النصوص بعد الدعاء و التوسل و التضرع لله تعالى و نحوها في أن يبين له رشده بذلك، و إن قلنا إنه محل للتأمل أو للمنع، خصوصا بعد ما قيل من أنه في الوسائل روي (1)

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة الاستخارة- الحديث 1.

175

عن الطبرسي بإسناده إلى صاحب الأمر (عليه السلام) خبرا ظاهره أنه لا استخارة في الخواتيم بأن يكتب في أحدهما افعل و في الآخر لا تفعل، و لا ريب أن الأولى الاقتصار في الاستخارة على تلك الطرق الثابتة بما عرفت.

كما أن الأولى الاقتصار على استخارة الإنسان نفسه لما يريده من أموره، فان لم يكن عالما بكيفيتها تعلمها كما سمعته في الخبر السابق «إنا كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم السورة من القرآن»

الخبر. إذ لا ريب في أنه أولى من الاستنابة، لخلو النصوص الواردة في هذا الباب عن الإشارة إليها، بل قد يومي التأمل فيها إلى عدمها، خصوصا و الامام (عليه السلام) بين أظهرهم حتى أنه يستشيرونه في الأمر فيأمرهم بالاستخارة كما سمعته في خبر ابن أسباط، بل لعل مقتضى الأصل عدم مشروعية النيابة فيها، لأنها من المستحبات المشتملة على التضرع و التوسل و الدعاء و نحوها مما لا يجري الاستنابة فيها، إلا أن المعروف في زماننا هذا بل و ما تقدمه بين العلماء فضلا عن الأعوام الاستنابة فيها، قال جدي العلامة ملا أبو الحسن (رحمه الله) فيما حكي عنه في شرح المفاتيح: لا يخفى أن المستفاد من جميع ما مر أن الاستخارة ينبغي أن تكون ممن يريد الأمر بأن يتصداها هو بنفسه، و لعل ما اشتهر من استنابة الغير على جهة الاستشفاع، و ذلك و إن لم نجد له نصا إلا أن التجربات تدل على صحته، و هو في غاية الجودة، و ربما يؤيده- مضافا إلى إطلاقات الوكالة و عموماتها و رؤيا بعض الصالحين من المعاصرين ما يقتضي جواز الاستنابة فيها- ان الاستخارة بمعانيها ترجع إلى الطلب، و أن من طلب حاجة من سلطان عظيم الشأن فإن الأرجح و الأنجح في حصولها أن يوسط بعض القريبين إلى حضرة ذلك السلطان في سؤالها، و أن الاستخارة مشاورة، و لا ريب في صحة النيابة فيها، كما استشار ابن الجهم أبا الحسن (عليه السلام) لابن أسباط، بل مشاورة المؤمن نوع منها، و قد فعلها غير المستشير، بل إن كان المقصود من خطاب

176

أبي الحسن (عليه السلام) ابن الجهم كان صريحا في الاستنابة، و غير ذلك، بل حكي عن الشيخ سليمان البحراني الاستدلال عليها بوجوه عشرة بعد اعترافه بعدم نص فيها، منها أن علماء زماننا مطبقون على استعمال ذلك، و نقلوا عن مشايخهم نحو ذلك، و لعله كاف في مثله، لكن الإنصاف أن الجميع كما ترى، و من المعلوم أن المراد بالاستنابة غير استخارة الإنسان نفسه على أن يشور على الغير بالفعل أو عدمه بعد أن يشترط على الله المصلحة لمن يريد الاستخارة له، إذ هي ليست من النيابة قطعا، بل قد يقال إنه ليس من النيابة ما لو دعا المستخير لنفسه و سأل من ربه صلاحه و استناب غيره في قبض السبحة أو فتح المصحف أو نحوهما و إن دعا هو معه، و لعل الاستنابة المتعارفة في أيدينا من هذا القبيل، و الله أعلم.

[الثالث صلاة الحاجة]

و منها صلاة الحاجة بلا خلاف أجده فيها نصا و فتوى، بل قيل: إنه ذكر الصدوق و الشيخان في الفقيه و الهداية و المقنع و المقنعة و المصباح صلوات شتى للحاجة، قلت: منشأ ذلك النصوص (1) المستفيضة جدا إن لم تكن متواترة كما لا يخفى على من لاحظها في مثل وافي الكاشاني و نحوه مما أعد لجمع الروايات، و منها ما هو مطلق في صلاة الركعتين و طلب الحاجة ك

خبر الحارث بن المغيرة (2) عن الصادق (عليه السلام) «إذا كانت لك حاجة فتوضأ فصل ركعتين ثم احمد الله و اثن عليه و اذكر من آلائه ثم ادع تجب»

و في خبره الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا «إذا أردت حاجة فصل ركعتين و صل على محمد و آل محمد و سل تعطه»

و منها ما قد اشتمل على ذكر مقدمات و كيفيات لها، منها ما ذكره في القواعد من صلاة ركعتين بعد صوم ثلاثة أيام آخرها

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب بقية الصلوات المندوبة.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب بقية الصلوات المندوبة الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب بقية الصلوات المندوبة الحديث 3.

177

الجمعة، كما في صحيح صفوان بن يحيى و محمد بن سهل (1) عن أشياخهما عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا حضرت لك حاجة مهمة إلى الله عز و جل فصم ثلاثة أيام متوالية: الأربعاء و الخميس و الجمعة، فإذا كان يوم الجمعة إن شاء الله فاغتسل و ألبس ثوبا جديدا، ثم اصعد إلى أعلى بيت في دارك، و صل فيه ركعتين، و ارفع يديك إلى السماء، ثم قل: اللهم إني حللت بساحتك لمعرفتي بوحدانيتك و صمدانيتك، و أنه لا قادر على حاجتي غيرك، و قد علمت يا رب أنه كلما تظاهرت نعمتك علي اشتدت فاقتي إليك، و قد طرقني هم كذا و كذا و أنت بكشفه عالم غير معلم، واسع غير متكلف، فأسألك باسمك الذي وضعته على الجبال فنسفت، و وضعته على السماء فانشقت، و على النجوم فانتشرت، و على الأرض فسطحت، و أسألك بالحق الذي جعلته عند محمد و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) و تسميهم إلى آخرهم أن تصلي على محمد و أهل بيته، و أن تقضي حاجتي، و أن تيسر لي عسيرها، و تكفيني مهمها، فان فعلت فلك الحمد، و إن لم تفعل فلك الحمد، غير جائر في حكمك، و لامتهم في قضائك، و لا حائف في عدلك، و تلصق خدك بالأرض، و تقول: اللهم إن يونس بن متى عبدك دعاك في بطن الحوت و هو عبدك فاستجبت له، و أنا عبدك أدعوك فاستجب لي، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): لربما كانت الحاجة لي فأدعو بهذا فأرجع و قد قضيت»

و في خبر أبي علي الخزاز (2) صلاة أربع ركعات بكيفية مخصوصة مع صوم الأيام المزبورة، إلى غير ذلك من النصوص المتضمنة لصلاة الحاجة المشتملة على ذكر كيفيات و مقدمات و أدعية خاصة لها، من أرادها فليطلبها من مظانها.

نعم ينبغي الاقتصار في فعل ما لا يخالف ما علم عدمه من إطلاق أدلة أخر

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

178

كالتربيع و القرآن بين السورتين و نحوهما، إلا إذا كان فيها دليل معتبر، لأن التسامح في أدلة السنن حتى في مثل ذلك لا يخلو من نظر أو منع، فتأمل.

ثم إن ظاهر النصوص و الفتاوى عدم الفرق في الحاجة بين قضاء الدين و دفع المرض و هلاك العدو و غيرها، بل ظاهر خبر إسماعيل بن الأرقط (1) و خبر جميل (2) منها أنه لا فرق في الحاجة بين أن ترجع للمصلي نفسه و بين أن ترجع إلى غيره كشفاء مرض ولده أو غيره، إذ هي حاجة له أيضا كما هو واضح،

قال في أولهما: «مرضت في شهر رمضان مرضا شديدا حتى ثقلت و اجتمعت بنو هاشم ليلا للجنازة و هم يرون أني ميت فجزعت أمي فقال لها خالي أبو عبد الله (عليه السلام): اصعدي إلى فوق البيت فابرزي إلى السماء و صل ركعتين فإذا سلمت فقولي: اللهم إنك وهبته لي و لم يكن شيئا، اللهم إني أستوهبك مبتدئا فأعرنيه، قال: ففعلت فأفقت و قعدت، و دعوا بسحور لهم هريسة فتسحروا بها و تسحرت معهم»

و قال في ثانيهما: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخلت عليه امرأة و ذكرت أنها تركت ابنها و قد قالت بالملحقة على وجهه ميتا، فقال لها: لعله لم يمت فقومي فاذهبي إلى بيتك فاغتسلي و صلي ركعتين و ادعي و قولي يا من وهبه لي و لم يك شيئا جدد هبته لي ثم حركيه و لا تخبري بذلك أحدا، قالت: ففعلت فحركته فإذا هو قد بكى».

و من الأخير يستفاد استحباب الغسل كما ذكرناه في الأغسال.

كما أنه يستفاد من

صحيح زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) استحباب الصدقة أيضا، قال: «في الأمر يطلبه الطالب من ربه، قال: تصدق في يومك على ستين مسكينا على كل مسكين صاعا بصاع النبي (صلى الله عليه و آله)، فإذا كان الليل

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

179

اغتسلت في الثلث الباقي، و لبست أدنى ما تلبس من تعول من الثياب، إلا أن عليك في تلك الثياب إزارا، ثم تصلي ركعتين، فإذا وضعت جبهتك في الركعة الأخيرة للسجود هلكت الله و عظمته و قدسته و مجدته و ذكرت ذنوبك فأقررت بما تعرف منها مسمى، ثم رفعت رأسك، ثم إذا وضعت رأسك للسجدة الثانية استجرت الله مائة مرة، اللهم إني أستجيرك ثم تدعو بما شئت و تسأله إياه، و كلما سجدت فأفض بركبتيك إلى الأرض ثم ترفع الإزار حتى تكشفهما، و اجعل الإزار من خلفك بين ألييك و باطن ساقيك»

و نحوه رواه مرازم في الحسن (1) كالصحيح عن العبد الصالح موسى بن جعفر (عليهما السلام)، و في خبر يونس بن عمار (2) «شكوت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) رجلا كان يؤذيني، فقال: ادع عليه، فقلت: قد دعوت عليه فقال: ليس هكذا، و لكن أقلع عن الذنوب و صم و صل و تصدق، فإذا كان آخر الليل فأسبغ الوضوء ثم قم فصل ركعتين ثم قل و أنت ساجد: اللهم إن فلان بن فلان قد آذاني، اللهم أسقم بدنه و اقطع أثره و انقص أجله و عجل له ذلك في عامي هذا، قال: ففعلت فما لبث أن هلك»

و نحوه

خبر ابن أذينة (3) عن شيخ من آل سعد قال: «كان بيني و بين رجل من أهل المدينة خصومة ذات خطر عظيم، فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فذكرت ذلك له و قلت: علمني شيئا لعل الله يرد علي مظلمتي، فقال: إذا أردت العدو فصل بين القبر و المنبر ركعتين أو أربع ركعات، و إن شئت ففي بيتك، و تسأل الله أن يعينك، و خذ شيئا مما تيسر فتصدق به على أول مسكين تلقاه، قال: ففعلت ما أمرني فقضي لي ورد علي مظلمتي»

إلى غير ذلك من النصوص التي يطول ذكرها تماما، و الله أعلم

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 33- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

(3) الفقيه ج 1 ص 352- الرقم 1550 المطبوع في النجف.

180

[الرابع صلاة الشكر]

و منها صلاة الشكر لله تعالى عند تجدد النعم بلا خلاف أجده فيها أيضا، و هي ركعتان يقرأ في الأولى الحمد و الإخلاص، و في الثانية الحمد و الجحد، و يقول في ركوع الركعة الأولى و سجوده: الحمد لله شكرا شكرا و حمدا، و يقول في ركوع الركعة الثانية و سجودها: الحمد لله الذي استجاب دعائي و أعطاني مسألتي، كما صرح بذلك كله في خبر هارون بن خارجة (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا أنعم الله عليك بنعمة فصل ركعتين تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب و قل هو الله أحد، و تقرأ في الثانية بفاتحة الكتاب و قل يا أيها الكافرون، و تقول في الركعة الأولى في ركوعك و سجودك: الحمد لله شكرا شكرا و حمدا، و تقول في الركعة الثانية في ركوعك و سجودك: الحمد لله الذي استجاب دعائي و أعطاني مسألتي» لكن عن الصدوقين أنه يقول في ركوع الأولى: «الحمد لله شكرا، و في سجودها شكرا لله و حمدا، و يقول في ركوع الثانية و سجودها: الحمد لله الذي قضى حاجتي و أعطاني مسألتي»

و لم نعثر عليه في رواية، بل قد سمعت خلافه في الرواية المزبورة، كما أن فيها أيضا خلاف ما في النفلية من إطلاق القول المزبور في الركوع و السجود من الركعتين، ثم قال: و تقول بعد التسليم: الحمد لله الذي قضى حاجتي و أعطاني مسألتي، ثم تسجد سجدة الشكر، إلا أن الأمر في ذلك كله سهل، بل لا يبعد استفادة مطلق ذكر هذا المعنى من الخبر المزبور بأي عبارة كانت، بل لا يبعد أيضا عدم اعتبار تلك الكيفية المخصوصة فيها، بل هي مستحب في مستحب، و لا الكيفية المذكورة في خبر محمد بن مسلم المروي (2) عن كشف اللثام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إذا كسا الله المؤمن ثوبا جديدا فليتوضأ و ليصل ركعتين يقرأ فيهما أم الكتاب و آية الكرسي و قل هو الله أحد و إنا

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 1.

181

أنزلناه في ليلة القدر، ثم ليحمد الله الذي ستر عورته و ذريته في الناس، و ليكثر من قوله: لا حول و لا قوة إلا بالله فإنه لا يعصى الله فيه، و له بكل سلك فيه ملك يقدس له و يستغفر له و يترحم عليه»

على أنه لم يعلم منه إرادة قراءة ذلك في كل منهما من قوله فيه: «فيهما» أولا.

و كيف كان فظاهر النص و الفتوى أن محلها عند تجدد النعم، فما عن ابن البراج من أن وقت صلاة الشكر عند ارتفاع النهار لم نعرف مستنده، و لعله يريد الصلاة في هذا الوقت إذا فرض تجدد النعمة عند طلوع الشمس مثلا، فليجتنب عن إيقاع النافلة في ذلك الوقت إلى ارتفاع النهار، لما فيه من الجمع بين صدق العندية ضرورة إرادة العرفية منها و بين التجنب عما يقال من كراهة التنفل في هذا الوقت، ثم لا فرق على الظاهر في استحباب الصلاة المزبورة بين تجدد النعم و بين دفع النقم و قضاء الحوائج كما صرح به بعضهم، بل قيل: إنه يشير اليه كلام الصدوقين أيضا، بل الظاهر استحبابها في تجدد كلما يستحب الشكر له.

[الخامس صلاة الزيارة]

و منها صلاة الزيارة للنبي و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) و تحية المساجد و الإحرام عند حصول أسبابها بالنصوص و الإجماع كما عن كشف اللثام، و المعروف المعمول عليه تعقيب صلاة الزيارة لفعلها، لكن في الغنية صلاة الزيارة للنبي أو أحد الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) ركعتان عند الرأس بعد الفراغ من الزيارة، فإذا أراد الإنسان الزيارة لأحدهم (عليهم السلام) و هو مقيم في بلده قدم الصلاة ثم زاره عقيبها، و يصلي الزائر لأمير المؤمنين (عليه السلام) ست ركعات ركعتان له (عليه السلام) و أربعة لآدم و نوح (عليهما السلام)، و عن إشارة السبق أنه يبتدئ بهما قبل الزيارة إن كانت عن بعد، و إلا بعدها عند رأس المزار لمن حضره، و لم أعثر لهما على نص في ذلك، كما أن الظاهر عدم اعتبار الوقوع عند الرأس فيهما، و إن كان لعله بحيث يجعل القبر

182

على يساره و لا يستقبل منه شيئا أفضل من غيره، بل مكانهما مطلق مشهد المزور، بل و ما قاربه مما خرج عنه خصوصا إذا كان متصلا به، و لتفصيل البحث في كيفية زيارات النبي و فاطمة و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) و غيرهم من الشهداء و العلماء و الصلحاء مقام آخر.

[منها ما يختص وقتا معينا]

و منها ما يختص وقتا معينا، و هو صلوات:

[الأولى نافلة شهر رمضان]

الأولى نافلة شهر رمضان، و الأشهر في الفتاوى و الروايات استحباب هذه النافلة، بل هو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا شهرة كادت تكون إجماعا كما في فوائد الشرائع و غيره الاعتراف به، بل عن المنتهى بعد نسبته إلى أكثر أهل العلم قال: «الإجماع عليه إلا من شذ» بل في السرائر «لا خلاف في استحباب الألف إلا ممن عرف باسمه و نسبه، و هو أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه، و خلافه لا يعتد به، لأن الإجماع تقدمه و تأخر عنه» بل عن المهذب البارع «أن باقي الأصحاب على خلافه» بل في الذكرى و عن البيان «الفتاوى و الأخبار متظافرة بشرعيتها، فلا يضر معارضة النادر» بل عن المعتبر «عمل الناس في الآفاق على الاستحباب» و في المختلف «الروايات به متظافرة، و الإجماع عليه، و خلاف ابن بابويه لا يعتد به» بل عن التذكرة نسبته إلى علمائنا، بل عن المراسم نفي الخلاف في ذلك أو الإجماع على اختلاف النقلين، بل عن ظاهر خلاف الشيخ أو صريحه كصريح انتصار المرتضى الإجماع عليه.

و بالجملة لم نعثر على خلاف في ذلك مما عدا الصدوق، إذ اقتصار الإسكافي على زيادة الأربع ليلا و ترك التعرض من ابن أبي عقيل و علي بن بابويه ليس خلافا، بل المحكي عن أولهم التصريح بما عليه الأصحاب، بل قيل: إنه صرح بزيادة على الألف الذي ستسمعه عندهم، قال في الذكرى: قال ابن الجنيد: قد روي عن أهل البيت (عليهم السلام) زيادة في صلاة الليل على ما كان يصليها الإنسان في غيره أربع ركعات

183

تتمة اثنتي عشرة ركعة، مع أنه قائل بالألف أيضا، و هذه زيادة لم نقف على مأخذها إلا أنه ثقة و إرساله في قوة المسند، لأنه من أعاظم العلماء، بل ربما قيل لا يكاد يوجد منكر، لأن الصدوق موافق على الجواز، فكان اتفاقا من الكل، و إن كان الإنصاف أن التدبر في كلامه في الأمالي و الفقيه يقضي بأن مراده نفي المشروعية بالخصوص و إن استحب فعلها بعنوان استحباب مطلق الصلاة في كل ليلة، نعم هو في غاية الضعف بعد ما عرفت، و بعد النصوص المستفيضة المتعاضدة مع أن فيها المعتبر في نفسه أيضا، بل يمكن حصول القطع بمضمونها بملاحظة كثرتها و اشتمالها على تفاصيل الأدعية بين الركعات و اشتهار العمل بها بين الطائفة قديما و حديثا حتى وصل إلى ما سمعت، مضافا إلى المسامحة في أدلة السنن، و إلى ما يقتضيه شرف الزمان، و إلى غير ذلك، و من المعلوم أنه بدون ذلك يجب طرح المعارض و إن صح سنده و رده إليهم (عليهم السلام) أو تأويله و إن بعد، فالمناقشة حينئذ فيما ذكره الشيخ أو غيره- من التأويل في الروايات المعارضة المتضمنة لنفي الزيادة على النوافل المعتادة بإرادة النفي جماعة، أو بالحمل على التقية أو بإرادة نفي كونها مؤكدة كالرواتب، أو نفي الزيادة في الرواتب و نحو ذلك بالبعد عن المضمون، و بأن نصوص الإثبات أوفق بالتقية، لشهرة التراويح عندهم حتى قيل من جهة ذلك أن المسألة محل إشكال- واهية جدا، ضرورة أنه لا ينبغي الإشكال مع تعذر التأويل فضلا عن بعده بعد ما سمعت، إذ ليس من المستغرب طرح أخبار صحيحة بمجرد الهجر بين الطائفة علما و عملا فضلا أن يكون قد عارضها مع ذلك أخبار أخر متواترة أو قريبة منه كما هو معلوم من طريقة الأصحاب، خصوصا إذا كانت تلك الأخبار صحيحة غير محتملة الخفاء عليهم، إذ ذلك يزيدها و هنا عند التأمل.

[في استحباب ألف ركعة في ليالي شهر رمضان]

و كيف كان فهي ألف ركعة تختص في شهر رمضان زيادة على النوافل المرتبة بمعنى تأكد استحبابها في الشهر المزبور، و إلا فلا ريب في استحباب ذلك في

184

كل ليلة كما ينقل عنهم (عليهم السلام) فعلها كذلك،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر جميل بن صالح (1): «إن استطعت أن تصلي في شهر رمضان و غيره في اليوم و الليلة ألف ركعة فافعل، فان عليا (عليه السلام) كان يصلي في اليوم و الليلة ألف ركعة»

و قال أيضا في خبر ابن أبي حمزة (2) بعد أن سأله أبو بصير ما تقول في الصلاة في رمضان؟: «إن لرمضان لحرمة و حقا لا يشبهه شيء من الشهور صل ما استطعت في رمضان تطوعا بالليل و النهار، و ان استطعت في كل يوم و ليلة ألف ركعة فصل، إن عليا (عليه السلام) كان في آخر عمره يصلي في كل يوم و ليلة ألف ركعة».

إلا أنهم (عليهم السلام) لما علموا عدم وقوع ذلك من أكثر الناس بل عامتهم ندبوا إليها في خصوص شهر رمضان في مجموعه لتأكدها فيه باعتبار زيادة شرفه و عظمته و حرمته حتى

قال (صلى الله عليه و آله) في خطبته (3): «إن الله جعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة كمن تطوع بصلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور، و جعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير و البر كأجر من أدى فريضة من فرائض الله عز و جل، و من أدى فيه فريضة من فرائض الله عز و جل كم أدى سبعين فريضة من فرائض الله فيما سواه من الشهور».

و يكفيه من الفضل أن جعل فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، و من ذلك كله و غيره حثوا (عليهم السلام) على طلب الزيادة فيه، ف

قال الصادق (عليه السلام) في خبر المفضل بن عمر (4): «تصلي في شهر رمضان زيادة ألف ركعة»

و هي مستفادة أيضا من مجموع النصوص الواردة في ترتيبها كما ستسمعها، مضافا إلى الإجماع عليها ممن

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 11 من كتاب الصوم.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

185

قال بها فيه كما عن المعتبر، فهو حينئذ مذهب علمائنا عدا ابن بابويه كما عن المنتهى، لما عرفت من اختصاص الخلاف به، بل لم يستثنه في المحكي عن التذكرة كنفي الخلاف عن المراسم، بل في السرائر و عن ظاهر الانتصار أو صريحه الإجماع عليه، فما في الذكرى عن الشيخ الجليل ذي المناقب و المآثر أبي عبد الله محمد بن أحمد الصفواني في كتاب التعريف من أنها سبعمائة ركعة لا يخفى ما فيه، مع احتماله إرادة الألف و ترك زوائد ليالي الأفراد لشهرتها، على أن المنقول عنه في الكتاب المزبور في المحكي من إقبال ابن طاوس أن صلاة شهر رمضان تسعمائة ركعة، و في رواية ألف، و عن كشف اللثام أنه قال الصفواني: قد روي أن في ليلة تسع عشرة أيضا مائة ركعة، و هو قول من قال بالألف، و قضيته أنه إن كان له شك فهو في مائة من الألف، و الظاهر أنها وظيفة تسع عشرة بقرينة ما سمعته عنه في كشف اللثام.

و على كل حال فضعفه واضح، ضرورة أن احتمال الزيادة على المقدار المزبور أقرب من احتمال النقيصة، أما أولا فلما سمعته سابقا من المنقول في الذكرى عن الإسكافي، و أما ثانيا فلما يستفاد من تلك الأخبار السابقة من استحباب كل ما يستطاع فعله من الصلاة في شهر رمضان؛ و أما ثالثا فل

خبر سليمان بن عمرو (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من صلى ليلة النصف من شهر رمضان مائة ركعة يقرأ في كل ركعة بقل هو الله أحد عشر مرات أهبط الله عز و جل اليه من الملائكة عشرة يدرأون عنه أعداءه من الجن و الانس، و أهبط الله اليه عند موته ثلاثين ملكا يؤمنونه من النار»

و خبر أبي يحيى (2) عن عدة ممن يوثق بهم قالوا: قال: «من صلى ليلة النصف من شهر رمضان مائة ركعة يقرأ في كل ركعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث- 2 من كتاب الصلاة.

186

عشر مرات بقل هو الله أحد فذلك ألف مرة في مائة لم يمت حتى يرى في منامه من الملائكة ثلاثين يبشرونه بالجنة، و ثلاثين يؤمنونه من النار، و ثلاثين تعصمه من أن يخطئ، و عشرة يكيدون من كاده»

إذ الظاهر أن ذلك زيادة على الألف لما ستسمعه من ترتيبه مما يقتضي اختصاص ليلة النصف بعشرين ركعة، فيكون الزائد حينئذ ثمانين بل ربما يقال: إن المائة غير تلك الوظيفة، لأصالة عدم التداخل، خصوصا في المقام كما أفتى به في الدروس و الذكرى، قال في أولهما بعد أن ذكر الألف: و يستحب زيادة مائة ليلة النصف، و ربما يقف المتتبع للنصوص الواردة عنهم (عليهم السلام) على زيادات على ذلك، خصوصا بالنسبة إلى بعض، إلا أن بذل الجهد في جميع ما ورد مفض إلى منافاة الغرض، و لعل في ما في كتب أصحابنا المصنفة في العبادات الكفاية.

و أما ترتيب فعل الألف في تمام الشهر فهو أن يصلي في كل ليلة من العشرتين الأولتين عشرين ركعة إجماعا محكيا عن الانتصار و الخلاف و كشف اللثام إن لم يكن محصلا، و نصوصا (1) بل عن المنتهى نفي الخلاف فيه أيضا بين علمائنا القائلين بالوظيفة ثمان ركعات بعد المغرب و اثنتي عشرة ركعة بعد العشاء على الأظهر الأشهر، بل المشهور، بل عن ظاهر الانتصار و الخلاف الإجماع عليه، ل

خبر مسعدة بن صدقة (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «مما كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصنع في شهر رمضان كان يتنفل في كل ليلة، و يزيد على صلاته التي كان يصليها قبل ذلك منذ أول ليلة إلى تمام عشرين ليلة في كل ليلة عشرين ركعة، ثماني ركعات منها بعد المغرب، و اثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة، و يصلي في عشر الأواخر في كل ليلة ثلاثين ركعة، اثنتي عشرة منها بعد المغرب، و ثماني عشرة منها بعد العشاء الآخرة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث- 2 من كتاب الصلاة.

187

و يدعو و يجتهد اجتهادا شديدا، و كان يصلي في ليلة إحدى و عشرين مائة ركعة، و يصلي في ليلة ثلاث و عشرين مائة ركعة، و يجتهد فيهما»

و نحوه في الأمر بالعشرين و ترتيبها خبر علي بن أبي حمزة (1) و خبر أبي بصير (2) و خبر الحسن بن علي (3) و خبر محمد بن أحمد بن المطهر (4) بل و خبر محمد بن سليمان (5) الذي هو محكي عن عدة من أصحابنا أنهم اجتمعوا عليه منهم يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و صباح الحذاء عن إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) و سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال محمد بن سليمان: و سألت الرضا (عليه السلام) عن هذا الحديث فأخبرني به، و قال هؤلاء جميعا: «سألنا عن الصلاة في شهر رمضان كيف هي؟ و كيف فعل رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ فقالوا جميعا:

إنه لما دخلت أول ليلة من شهر رمضان صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) المغرب ثم صلى أربع ركعات التي كان يصليهن بعد المغرب في كل ليلة، ثم صلى ثمان ركعات، فلما صلى العشاء الآخرة و صلى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد العشاء الآخرة و هو جالس في كل ليلة قام فصلى اثنتي عشرة ركعة، ثم دخل بيته إلى أن قال: فلما كان ليلة تسع عشرة اغتسل حين غابت الشمس و صلى المغرب بغسل، فلما صلى المغرب و صلى أربع ركعات التي كان يصليها فيما مضى في كل ليلة بعد المغرب دخل إلى بيته، فلما أقام بلال الصلاة للعشاء الآخرة خرج النبي (صلى الله عليه و آله) فصلى بالناس فلما انفتل صلى الركعتين و هو جالس كما كان يصليها كل ليلة، ثم قام فصلى مائة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد و قل هو الله أحد عشر مرات، فلما فرغ من ذلك صلى صلاته التي كان يصلي كل ليلة آخر الليل و أوتر، فلما كان ليلة عشرين من شهر رمضان فعل كما كان

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 4 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 5 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 7 من كتاب الصلاة لكن روى عن الحسن بن على عن أبيه.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 6 من كتاب الصلاة.

188

يفعل قبل ذلك من الليالي، فلما كان ليلة إحدى و عشرين فعل فيها مثل ما فعل ليلة تسع عشرة فلما كانت اثنتين و عشرين زاد في صلاته فصلى ثمان ركعات بعد المغرب و اثنتين و عشرين ركعة بعد العشاء الآخرة، فلما كانت ليلة ثلاث و عشرين فعل فيها مثل ما فعل بتسع عشرة و إحدى و عشرين».

و على ذلك جرى الشيخ في التهذيب في تفصيل الدعوات، خلافا للمحكي عن القاضي فالعكس، و لعله ل مضمر سماعة (1) المشتمل على التصريح بذلك، لكن لا يبعد خصوصا مع رواية سماعة للأمرين معا الحكم بالتخيير كما صرح به ثاني الشهيدين و غيره ممن تأخر عنه تبعا للمحكي عن الفاضلين و بعض من تقدمهما، بل قد يقال بأن ذلك كله مستحب في مستحب، فله حينئذ بسط الألف كيف ما شاء.

و على كل حال فالظاهر أفضلية الفرد الأول على الثاني و إن لم أجد من صرح بها، كما أنه هو أي الثاني أفضل من غيره بناء على مشروعيته.

ثم إن صريح الخبر المزبور كون الثمان ركعات بعد نافلة المغرب كما عن المصباح و المراسم النص عليه، بل لا أجد فيه خلافا، و يؤيده ضيق وقتها، و هو ذهاب الحمرة عن تقديم تلك عليها، كما أن صريحه فعل الاثنتي عشرة بعد الوتيرة أيضا كما في النقلية و عن مجمع البرهان و بعض نسخ المراسم، بل في الذكرى أنه المشهور، بل في المفتاح عن الفوائد الملية ذلك أيضا، و استغفر به بعد أن حكى عن المختلف و الذكرى و المهذب البارع و كشف اللثام و الحدائق الشهرة على إيقاعها قبل الوتيرة قال: و به صرح في المراسم و السرائر و الغنية و إشارة السبق و الشيخ في المصباح في آخر كلامه، و كان الأولى نقلها عن الذكرى، و إلا فالتدبر في عبارة الفوائد يعطي عدم إرادته الشهرة على ذلك، و كيف كان فالدليل حينئذ مع الأول و الشهرة مع الثاني، و لعله لذا جوز الأمرين في

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

189

المسالك و الفوائد الملية، بل استظهر في الذكرى الجواز أيضا، و لا بأس به لسعة وقت الوتيرة، إلا أنه لا ريب في أفضلية الأول كما اعترف به في المسالك للخبر المزبور، و بالجملة فهذه أربعمائة من الألف.

و يصلي في كل ليلة من العشر الأواخر ثلاثين ركعة بلا خلاف أجده فيه، بل في الخلاف و ظاهر الانتصار الإجماع عليه، للنصوص المستفيضة (1) نعم في خبر علي بن أبي حمزة (2) منها و خبر محمد بن سليمان (3) الطويل المتقدم سابقا- و إن لم ينص فيهما إلا على ليلة اثنتين و عشرين و خبر علي بن فضال- إيقاعها على الترتيب المذكور أي ثمان بعد المغرب و اثنتين و عشرين بعد العشاء كما هو المشهور نقلا و تحصيلا و في خبر محمد بن أحمد بن المطهر (4) و موثق مسعدة بن صدقة (5) اثنتا عشرة بعد المغرب و ثمان عشرة بعد العشاء كما في الغنية و عن إشارة السبق و المهذب و الكافي، و في موثق سماعة (6) اثنتين و عشرين بعد المغرب و ثمان بعد العشاء، و للجمع بين الأولين خير في الذكرى و الروض و الروضة و عن غيرها، و للجمع بين الأول و الأخير خير بينهما في المسالك و عن المعتبر، و قد يقال: إن المتجه مراعاة الجمع بين الجميع، فيخبر حينئذ بين الأفراد الثلاثة و إن لم أجد من أفتى به، كما أني لم أجد من عين ما في موثق سماعة، بل قد يقال باستفادة تخيير المكلف في الفعل كيف ما شاء من اختلاف هذه النصوص و إطلاق غيرها، و إن ذلك مستحب في مستحب، لكن على كل حال لا ريب في أولوية اختيار ما عليه المشهور لكثرة أخباره و شدة اشتهاره فتوى حتى سمعت عن الخلاف الإجماع عليه، فهذه سبعمائة ركعة.

و يصلي زيادة على ذلك في ليالي الأفراد الثلاثة تسع عشرة و إحدى

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 4 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 6 من كتاب الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 10 من كتاب الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(6) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 3 من كتاب الصلاة.

190

و عشرين و ثلاث و عشرين كل ليلة مائة ركعة زيادة على الوظيفة السابقة وفاقا لجماعة، بل عن المنتهى نسبته إلى الأكثر، بل عن ظاهر الخلاف الإجماع عليه عملا بكل من الأمرين بكل من الوظيفتين فيها، و لصريح خبر محمد بن أحمد بن المطهر و ظاهر خبره الآخر (1) و ظاهر أو صريح موثق مسعدة بن صدقة و سماعة بن مهران، إلا أنها جميعا حتى الخبر الأول لم تصف (2) المائة ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين إلا أنه قد يتم بأنه لا قائل بالفصل بين الليالي الثلاث، مضافا إلى ما عن غرية المفيد أنه قال: «تصلي في العشرين ليلة عشرين ركعة ثمان بين العشائين و اثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة، و يصلي في العشر الأواخر كل ليلة ثلاثين ركعة، و يضيف إلى هذا الترتيب في ليلة تسع عشرة و ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين كل ليلة مائة ركعة، و ذلك تمام الألف ركعة، قال: و هي رواية محمد بن أبي قرة (3) في كتاب عمل شهر رمضان فيما أسنده عن علي بن مهزيار عن مولانا الجواد (عليه السلام)» و إلى ما سمعته سابقا عن الصفواني، و في السرائر أن ذلك مذهب شيخنا في مسائل الخلاف أفتى به و عمل عليه، و دل على صحته و جعل ما خالفه رواية لا يلتفت إليها، و مذهب شيخنا المفيد في كتاب الأشراف، و هو الذي أفتى به. و يقوى عندي، لأن الأخبار به أكثر و أعدل رواة، قلت: بل يظهر من المحكي عن كتاب مسار الشيعة للمفيد أن ذلك هو المعروف، قال فيه: أول ليلة من شهر رمضان فيها الابتداء بنوافل شهر رمضان و هي ألف ركعة من أول الشهر إلى آخره بترتيب معروف في الأصول عن الصادق

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 8 من كتاب الصلاة.

(2) هكذا في النسخة الأصلية و الصحيح «لم تضف المائة على ليلة.» إلخ أي لم يتعرض لليلة تسع عشرة.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 13 من كتاب الصلاة.

191

(عليه السلام)، ضرورة أن المحكي عن المفيد كما عرفت اختيار الترتيب المزبور.

و لكن روى المفضل بن عمر (1) عن الصادق (عليه السلام) أنه يقتصر في الليالي الأفراد الثلاثة على المائة حسب، فيبقى عليه ثمانون عشرون من ليلة التسع عشرة و ستون من الليلتين الأخيرتين يصلي في كل يوم جمعة من الجمع الأربع في الشهر مبتدئا بذلك من أول الشهر، لأن الفرض استعداده للعمل بهذه الرواية منه عشر ركعات بصلاة علي و فاطمة و جعفر (صلوات الله و سلامه عليهم) و في ليلة الجمعة في العشر الأواخر، لكن في المتن و القواعد و غيرهما في آخر جمعة عشرين بصلاة علي (عليه السلام) و هما، بمعنى إن أريد من الجمعة ليلتها لظهور الخبر المزبور في إرادة الأخيرة أيضا كالعبارة و في عشية تلك الجمعة أي ليلة السبت عشرين ركعة بصلاة فاطمة (عليها السلام) و نحوه في الاقتصار على المائة في ليلة تسع عشرة خبر محمد بن سليمان (2) المتقدم سابقا، و عليها في الليلتين الأخيرتين خبر ابن فضال (3) و به أفتى جماعة، بل في فوائد الشرائع أن كثيرا من الأصحاب عليه، و عليه رتب الشيخ الدعوات في المصباح، بل في الذكرى و غيرها نسبته إلى الأكثر، بل عن ظاهر الانتصار الإجماع عليه، و لعله للجمع بينهما خير في الغنية و الإرشاد و الدروس و الذكرى و اللمعة و فوائد الشرائع و النقلية و الروض و الروضة و القواعد و غيرها، و لا بأس به.

و من العجيب ما في السرائر «من أن ذلك تكليف ما لا يطاق، و هو قبيح في الفرض، و النافلة و الموقت لا بد من أن يفضل وقته عنه أو يساويه كالصوم، و من المعلوم أنه لو اتفق ليلة السبت مثلا في أقصر ليالي الصيف و هي تسع ساعات لا يتمكن

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 6 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 7 من كتاب الصلاة.

192

من الإتيان بصلاة فاطمة (عليها السلام) مع الفرض و الراتبة و الأكل و الشرب و قضاء ما لا بد منه من الحاجة، و من ادعى ذلك فقد كابر، و لو سلم له فهي صلاة على غير تؤدة، و لا تلاوة للقرآن كما أنزل، بل و لا ركوع و لا سجود» إلى آخره إذ هو كما ترى مكابرة للوجدان، و إنكار للمشاهدة بالعيان، بل جعل في الوسيلة الصلاة المزبورة سحر ليلة السبت، كما أنه جعل العشرين ركعة بصلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) في سحر الجمعة الأخيرة، على أن قصور الأوقات عن جميع ما ورد فيها من المستحبات غير قادح، لورودها على متعارف غالب الناس من عدم الاستغراق، بل كل منهم يفعل بعضا منها، و إلا فلا ريب في قصور اليوم و الليلة خصوصا بعض الأيام و الليالي عن فعل جميع ما ورد فيها من الصلوات و الأذكار و الأدعية و نحوها، كما هو واضح لمن له أدنى خبرة، و مع ذلك فهو متجه لو قلنا باعتبار ذلك شرطا في هذه النافلة، أما بناء على أنه مستحب في مستحب كما عن المراسم التصريح به، بل عن إشارة السبق أنه لم يتعرض لاستحباب كون عشرين ليلة السبت بصلاة فاطمة (عليها السلام)، بل و لا للعشرين في آخر ليلة جمعة بصلاة علي (عليه السلام) فحينئذ بناء على ذلك يصلي بصلاة فاطمة (عليها السلام) ما شاء ثم يصلي ركعتين إذا ضايقه الوقت، فتأمل جيدا.

ثم إن ظاهر النص و الفتاوى توزيع ذلك على ما هو الغالب المتعارف من كون الحاصل في الشهر أربع جمع، أما لو اتفق خمس جمع فيه ففي الروض و المسالك إشكال، لخلو النص و الفتاوى منه، فيحتمل حينئذ صلاة عشر فيها أيضا، و بسط الثلاثين الباقية ليلتها و عشيتها بجعل ست عشرة أولا و أربع عشر ثانيا، أو بالعكس، و يحتمل سقوط العشر في الجمعة الأخيرة و بقاء التوزيع بحاله، و زاد في الأخير احتمال إسقاط أي جمعة شاء، ثم قال: و الظاهر تؤدي الوظيفة بجميع الاحتمالات، كما أنه استظهر في الأول

193

ذلك فيما ذكره من الاحتمالين، و قال في فوائد الشرائع: إن الباقي عليه حينئذ ثلاثون ركعة، فيوزعها على ما سيأتي إلى حيث ينتهي، قلت: قد يقوى في النظر الاقتصار في توزيع الثمانين على الجمع الأربع السابقة كما عساه مال إليه في الفوائد الملية، إذ ليس في النص اعتبار إيقاع الباقي في آخر جمعة، و لو سلم ظهوره فهو مبني على الغالب، بل لا محيص عما ذكرناه إذا كانت الجمعة الخامسة محتملة من جهة سبق الهلال و تأخره لا متيقنة، أو كانت عشيتها ليلة العيد مثلا و لو احتمالا محافظة على أدائها بناء على أنه لو أخر البعض إليها فصادف كون تلك العشية ليلة العيد سقطت، لأنها نافلة شهر رمضان و قد خرج، و لذا قال في الروضة: «لو نقص الشهر سقطت وظيفة ليلة الثلاثين» و إطلاقه يقتضي عدم الفرق في ذلك بين الجمعة و غيرها، فلو اتفقت عشية الجمعة ليلة العيد حينئذ سقطت وظيفتها، لكن في الروض و المسالك أنه لا يؤخر وظيفة العشية إلى ليلة العيد، بل يصليها في آخر سبت من الشهر، و كأنه لعدم ظهور النص في اشتراط التأدية بعشية جمعة رابعة، إنما المراد فعلها في آخر عشية جمعة من رمضان، بل قد يقال بأن هذا الترتيب كيف ما كان هو مستحب في مستحب، و إلا فالمراد إيقاع هذه الألف ركعة في شهر رمضان، لإطلاق الدليل الذي لا ينافيه ذكر الترتيب المزبور، و منه حينئذ يعلم ما في دعوى السقوط المذكور في الروضة، اللهم إلا أن يريد أن المكلف أخر وظيفة الثلاثين اعتمادا على الاستصحاب و غلبة التمام فاتفق النقصان فان المتجه حينئذ السقوط و احتمال القضاء خارج الشهر، لإطلاق أدلة القضاء أو عمومها، خصوصا ما ورد في تفسير قوله تعالى (1) «وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً» من

قول الصادق (عليه السلام) (2): «كلما فاتك بالليل فاقضه بالنهار»

إلى آخره.

____________

(1) سورة الفرقان- الآية 63.

(2) الوسائل- الباب- 57- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.

194

يدفعه بعد التسليم عدم تحقق الخطاب بالأداء حتى يتحقق الفوات، لكون الفرض ظهور الليلة من شوال، و لعله لذا نص في الفوائد الملية كما قيل على عدم مشروعية القضاء، و لا بأس به، إلا أن يقال بما سمعته منا من تحقق الخطاب بدخول الشهر، و أن التوزيع المذكور مستحب في مستحب، و بناء عليه يظهر حينئذ ما في الذكرى من أنه لو فات شيء من هذه النوافل فالظاهر أنه يستحب قضاؤه نهارا، ثم قال: و بذلك أفتى ابن الجنيد، و كذا لو فاته الصلاة ليلة الشك ثم ثبت رؤيته، و تبعه في الروضة فقال:

يستحب قضاء الفائت و لو نهارا في غيره، و الأفضل قبل خروجه، إذ قد عرفت أن ذلك أداء لا قضاء مع فرض وقوعه في الشهر، كما هو واضح، و لعل في ترك لفظ اليوم و الليلة في المتن و غيره مع وجودهما في الخبر الذي هو الأصل في المسألة إشعارا ببعض ما ذكرنا من عدم اعتبار وقوع ذلك في اليوم أو الليلة و إن وقعا في النص، لصدق لفظ الجمعة في المتن و غيره عليهما، و إن كان من المستبعد إرادة الإطلاق من اللفظ المزبور، بل الظاهر إرادة أحدهما، و الخبر حينئذ قرينة، فيتوافقان، و الأمر سهل، هذا، و في هذا الخبر (1) «أنه اقرأ في هذه الصلوات كلها أعني صلاة شهر رمضان الزيادة منها بالحمد و قل هو الله أحد إن شئت مرة و إن شئت ثلاثا و إن شئت خمسا و إن شئت سبعا و إن شئت عشرا»

و لم أقف على من أفتى به، نعم في الدروس أنه يستحب قراءة التوحيد في الليالي الثلاثة في كل ركعة عشرا، و لعله ل خبر محمد بن سليمان (2) المتقدم المروي عن الرضا (عليه السلام)، و لا بأس به، كما أنه لا بأس بما فيها و الذكرى من استحباب الدعاء عقيب كل ركعتين بالمرسوم في تهذيب الشيخ (رحمه الله)، لكن قيده في الأخير بسعة الوقت، أما لو ضاق الوقت اقتصر على الصلاة، و كأنه لوضوحه

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 6 من كتاب الصلاة.

195

تركه في الأول، كما أنه ترك فيها ما ذكره في الذكرى هنا من حرمة الجماعة في هذه النافلة و بدعيتها لوضوحه و معلوميته بين الطائفة كما ذكرنا ذلك في مبحث الجماعة، بل ذكرنا هناك حرمتها في كل نافلة عدا ما استثني، فلاحظ، نعم كان عليه التعرض لما فيها أيضا من اختصاص استحباب هذه الصلاة المزبورة بالصائم أو تشمله و المفطر، ربما يستشعر من المحكي عن أبي الصلاح الأول، و في المختلف الثاني، بل ظاهره حكايته مما عداه من علمائنا، و لعله لإطلاق بعض النصوص، و لأنها عبادة شرعت لشرف الزمان، فلا تسقط بسقوط الصوم، و هو حسن.

[في كيفية صلاة أمير المؤمنين]

و أما كيفية صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) فهي أربع ركعات بتشهدين و تسليمين يقرأ في كل ركعة الحمد مرة و خمسين مرة قل هو الله أحد كما نص عليها في خبر المفضل المزبور (1) إلا أنه لم يذكر فيه التشهدين و التسليمين، و لعله للعلم بهما كالقنوت، ضرورة وضوح تثنية النوافل إلا ما استثني، و منه يعلم حينئذ ما في نسبة الخلاف في نحو ذلك لبعض قدماء الأصحاب الذي منشأه عدم النص فيه على ذلك، لكن قد عرفت أنه من المحتمل كونه لوضوحه، و لعلها هي التي رواها (2) أبو بصير و عبد الله بن سنان (3) عن الصادق (عليه السلام) و إن لم ينص في شيء منهما على تسميتها بصلاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل وصف الصلاة المزبورة،

و قال: «من صلاها انفتل و ليس بينه و بين الله ذنب».

[في كيفية صلاة فاطمة (عليها السلام)]

و كيفية صلاة فاطمة (عليها السلام) على ما في خبر المفضل (4) أيضا

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

(4) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 1 و ذيله في الباب 10 من أبواب التعقيب- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

196

ركعتان يقرأ في الأولى الحمد مرة و القدر مائة مرة، و في الثانية الحمد مرة و سورة التوحيد مائة مرة

قال فيه أيضا: «فإذا سلمت فسبح تسبيحها (عليها السلام) و هو الله أكبر أربعا و ثلاثين مرة، و سبحان الله ثلاثا و ثلاثين، و الحمد لله ثلاثا و ثلاثين، فو الله لو كان شيء أفضل منه لعلمه رسول الله (صلى الله عليه و آله) إياها»

و لا أعرف خلافا بين الأصحاب قدمائهم و المتأخرين في كيفية الصلاتين المزبورتين، نعم عكس النسبة في الدروس و النقلية و عن التحرير و البيان، كما أنه اقتصر في المحكي عن المنتهى على نسبة الأربع لفاطمة (عليها السلام) و على نقل النسبة المشهورة عن الشيخ ساكتا عليه لكنك خبير بأن ذلك منهم مع أنه خلاف ما في خبر المفضل المزبور لا فائدة يعتد بها تترتب عليه، لثبوت الاستحباب على كل من التقديرين، إذ لا إشكال في رجحان التأسي بالزهراء (عليها السلام) بعد عصمتها، مع أصالة الاشتراك معها في التكليف، على أنه لا قائل في ذلك بالنسبة إلى خصوص صلاتها المروية في خبر المفضل، لصراحته بعدم اختصاصها بهذا الاستحباب، فظهر حينئذ أنه لا ثمرة لهذا الخلاف إلا ما في المسالك حيث قال: عكس جماعة من الأصحاب النسبة و نسبوا الأربعة لفاطمة (عليها السلام) و الركعتين لعلي (عليه السلام)، و كلاهما مروي فيشتركان في النية، و تظهر الفائدة في النسبة حال النية، و فيه أنه لا مدخلية للنسبة في النية بعد تشخيص المكلف قصده الأربع أو الاثنين، و لو جعل الفائدة في النذر حيث ينيطه الناذر بصلاة فاطمة (عليها السلام) أو صلاة علي (عليه السلام) لكان أولى، و قد أنكر بعض من تأخر عنه الرواية، و هو في محله بالنسبة إلى رواية الركعتين لعلي (عليه السلام)، و إلا فالأربع قد

نسبت لفاطمة (عليها السلام) في صحيح هشام بن سالم (1) كما عن المنتهى و خبره عن الصادق (عليه السلام) الذي رواه الصدوق «من صلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بخمسين

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 2.

197

مرة قل هو الله أحد كانت صلاة فاطمة (عليها السلام)، و هي صلاة الأوابين»

لكن قد يظهر من الصدوق مع روايته الخبر المزبور الشك في ذلك، حيث قال عند عقد الباب: «باب ثواب الصلاة التي تسميها الناس صلاة فاطمة (عليها السلام) و يسمونها صلاة الأوابين» و قال أيضا: «و كان شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد يروي هذه الصلاة و ثوابها إلا أنه يقول لا أعرفها بصلاة فاطمة (عليها السلام) و أما أهل الكوفة فإنهم يعرفونها بصلاة فاطمة (عليها السلام)» إلى آخره، إلا أنه يعطي معروفيتها بذلك في الزمن السابق.

و كيف كان فلا إشكال في الأربع المزبورة، إذ أقصى ذلك نسبتها إليهما، و لعله لأنهما صلياها، و الظاهر انصراف نذر صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع عدم التعيين من الناذر إليها، لعدم ثبوت نسبة الركعتين اليه (عليه السلام)، و عدم منافاة شركة فاطمة (عليها السلام) إياه، أما لو نذر صلاة فاطمة (عليها السلام)، و قلنا إن كلا من الأربع و الاثنين صلاتها فلا يبعد انصرافه إلى الركعتين، لاختصاصهما بالنسبة في خبر المفضل إليها، و ربما قيل بالتخيير بينهما و بين الأربع، و فيه إشكال، بل لعل الانصراف إلى الجمع حينئذ أقرب منه.

ثم إنه بناء على ما ذكرنا من ثبوت الأربع لكل منهما (عليهما السلام) أو هي مع الاثنين أيضا كما سمعته ممن عرفت، بل في المسالك نسبته إلى الرواية فهل يستحب خصوص التكرير تأسيا بكل منهما، إذ الفعلان منهما بمنزلة الأمرين المقتضيين تعدد المسبب كما هو معنى أصالة تعدد المسببات بتعدد الأسباب أو لا يستحب، لعدم ظهور الفعل بالتعدد بخلاف الأمر، و هو الأقوى، و لعله لحظ الأول في المسالك في قوله فيما تقدم، و تظهر الفائدة في النية، ضرورة أن التشخيص حينئذ يكون بقصد النسبة المزبورة، لتعدد الفعل و الاتفاق بالكيفية.

198

و كيف كان فلا يتوهم اختصاص استحباب هذين الصلاتين و صلاة جعفر الآتية في شهر رمضان، بل هي مستحبة في كل وقت،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر المفضل المزبور: «اسمع و عه و علم ثقات إخوانك هذه الأربع و الركعتين، فإنهما أفضل الصلوات بعد الفرائض، فمن صلاها في شهر رمضان أو غيره انفتل و ليس بينه و بين الله عز و جل من ذنب»

نعم يتأكد استحبابها في خصوص شهر رمضان لزيادة شرفه، و للخبر المذكور و غيره.

كما أنه يتأكد استحباب صلاة فاطمة (عليها السلام) في أول يوم من ذي الحجة على ما نص عليه في القواعد و الذكرى، و لعله لأنه اليوم الذي تزوجت (صلوات الله عليها) بعلي (عليه السلام) فيه، فناسب صلاتها فيه كما عساه يفهم من المحكي عن الكفعمي، و قال الشيخ في المصباح: هذا اليوم يوم مولد إبراهيم الخليل (عليه السلام) و فيه زوج رسول الله (صلى الله عليه و آله) فاطمة من أمير المؤمنين (عليهما السلام) و روي (1) أنها كان يوم السادس، و يستحب أن يصلى فيه صلاة فاطمة (عليها السلام) و روي (2) أنها أربع ركعات مثل صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و يستفاد منه أن كون صلاة الأمير (عليه السلام) أربعا مفروغ منه، و أن الظاهر عنده كون صلاة فاطمة (عليها السلام) ركعتين، لنسبته الأربع إلى الرواية، و الأمر سهل، و لا ينافي ما ذكرناه من استحباب الصلاة المزبورة في هذا اليوم ما عن البحار من أنه قد ورد في بعض الأخبار صلاة ركعتين في هذا اليوم قبل الزوال بنصف ساعة بكيفية صلاة الغدير كما هو واضح.

[في كيفية صلاة جعفر الطيار (عليه السلام)]

و أما كيفية صلاة جعفر الطيار (عليه السلام) التي قد تظافرت الأخبار

____________

(1) البحار- ج 10 ص 27 و 29 من طبعة الكمباني.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 7.

199

باستحبابها المجمع عليه كما عن المنتهى و ظاهر المعتبر، بل عن غيرهما أنه من المتفق عليه بين علماء الإسلام إلا نادرا، و عن آخر أنها مشهورة بين الخاصة و العامة، و بلغت الأخبار بها التواتر، و الأئمة (صلوات الله عليهم) كانوا يصلونها، و لعل المراد بالنادر أحمد، فإنه قد حكي عنه عدم استحبابها، و لا ريب في شذوذه و بطلانه، كما أنه لا ريب في شذوذ ما يحكى عن بعض مبغضي العامة من أن الخطاب بهذه الصلاة و تعلمها وقع للعباس عن النبي (صلى الله عليه و آله)، بل في الذكرى أنه رواه الترمذي أيضا، إذ من الواضح أن رواية أهل البيت (عليهم السلام) أوثق، لأن صاحب الدار أدرى بالذي فيها، على أنه من الممكن خطاب النبي (صلى الله عليه و آله) لهما معا بها في وقتين.

و كيف كان فتسمى هذه الصلاة بصلاة الحبوة و بصلاة التسبيح، و وجه الثاني واضح، و أما الأول فلما في خبر أبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال:

«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لجعفر (عليه السلام): ألا أمنحك ألا أعطيك ألا أحبوك؟

فقال له جعفر: بلى يا رسول الله، قال: فظن الناس أنه يعطيه ذهبا أو فضة فتشرف الناس لذلك، فقال له: إني أعطيك شيئا إن أنت صنعته كل يوم كان خيرا لك من الدنيا و ما فيها، فان صنعته بين يومين غفر لك ما بينهما، أو كل جمعة أو كل شهر أو كل سنة غفر لك ما بينهما»

و خبر الثمالي (2) عن الباقر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لجعفر بن أبي طالب (عليه السلام): يا جعفر إلا أمنحك ألا أعطيك ألا أحبوك ألا أعلمك صلاة إذا أنت صليتها لو كنت فررت من الزحف و كان عليك مثل رمل عالج و زبد البحر ذنوبا غفرت لك؟ قال: بلى يا رسول الله»

و في خبر أبي البلاد (3) «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): أي شيء لمن صلى صلاة

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 2 و في الوسائل إبراهيم بن أبي البلاد.

200

جعفر (عليه السلام)؟ قال: لو كان عليه مثل رمل عالج و زبد البحر ذنوبا لغفرها الله له، قال:

قلت: هذه لنا قال: فلمن هي إلا لكم خاصة»

و قال إسحاق بن عمار (1) أيضا للصادق (عليه السلام): «من صلى صلاة جعفر (عليه السلام) هل يكتب له من الأجر مثل ما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لجعفر؟ قال: إي و الله»

و الظاهر أنه (صلى الله عليه و آله) حباه إياها يوم قدومه عليه من سفره كما يفهم من

خبر بسطام (2) و قد بشر في ذلك اليوم بفتح خيبر فقال (صلى الله عليه و آله): «و الله ما أدري بأيهما أنا أشد سرورا بقدوم جعفر (عليه السلام) أو بفتح خيبر، فلم يلبث أن جاء جعفر قال: فوثب رسول الله (صلى الله عليه و آله) فالتزمه و قبل ما بين عينيه، ثم قال: له: ألا أمنحك»

إلى آخره.

و كيف كان فهي أربع ركعات بلا خلاف نصا و فتوى، فمن اقتصر على الثنتين منها لم يأت بالوظيفة، بل هو مشرع في الدين إن قصد ذلك من أول الأمر من غير فرق في ذلك بين القول بأن الأربع بتسليمة واحدة كما يحكى عن ظاهر المقنع حيث قال: و روي أنها بتسليمتين و بين القول بأنها بتسليمتين كما هو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا، بل عن مصابيح الأستاذ الأكبر أنه كاد يكون إجماعا، بل لا أجد فيه خلافا إلا ما يحكى عمن سمعت، مع أنا لم نتحققه، بل أنكر غير واحد العبارة المزبورة فيه، نعم لم يذكر التسليم ككثير من النصوص المتضمنة للكيفية، و لعله لمعلومية تثنية النوافل كترك القنوت و التشهد، أو لأن المقصد الأهم في كيفيتها بيان مواضع التسبيح أو غير ذلك، على أنه محجوج ب خبر الثمالي (3) أو صحيحه المعتضد بالفتاوى، إذ من المعلوم أنه لا ملازمة بين اشتمالها على التسليمتين و بين جواز الاقتصار

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 5.