جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج12

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
460 /
201

على الثنتين، بل ربما يظهر من

صحيح ابن الريان (1) الذي أفتى بمضمونه الشهيدان أنه لا ينبغي الفصل بين أداء الأربع بزمان و نحوه اختيارا، قال: «كتبت إلى الماضي الأخير (عليه السلام) أسأله عن رجل صلى صلاة جعفر ركعتين ثم تعجله عن الركعتين الأخيرتين حاجة أو يقطع ذلك بحادث يحدث أ يجوز له أن يتمها إذا فرغ من حاجته و إن قام عن مجلسه أم لا يحتسب بذلك إلا أن يستأنف الصلاة، و يصلي الأربع ركعات كلها في مقام واحد؟ فكتب بلى إن قطعه عن ذلك أمر لا بد منه له فليقطع ثم ليرجع فليبن على ما بقي منها إن شاء الله»

بل هو ظاهر في معاملتها معاملة الفريضة الرباعية التي هي بتسليمة واحدة، قال في مصابيح الظلام فيما حكي عنه: «يأتي بالأخيرتين بعد زوال العذر بلا فصل احتياطا، كما أن الفصل بين الأربع لا يفصل من غير عذر احتياطا للخبر المزبور» إلى آخره، و لا ريب في أنه أحوط و إن كان الجزم به لا يخلو من نظر، خصوصا بعد ما ورد من قصر الكيفية للمستعجل التي قد يدعى أولويتها من الكمية،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبان (2): «من كان مستعجلا يصلي صلاة جعفر (عليه السلام) مجردة ثم يقضي التسبيح و هو ذاهب في حوائجه»

و قال في خبر أبي بصير (3) أيضا: «إذا كنت مستعجلا فصل صلاة جعفر مجردة ثم اقض التسبيح»

و لا بأس به بعد ورود الدليل به و فتوى مثل الشهيدين به في الدروس و الذكرى و النقلية و الروض و غيرها، كما أنه لا بأس بصلاتها في المحمل في السفر كما نص عليه في الذكرى و غيرها، و قد

كتب علي بن سليمان (4) في الصحيح إلى الرجل (عليه السلام) يسأله «ما تقول في صلاة التسبح في المحمل؟ فكتب إذا كنت مسافرا فصل»

بل لا يبعد أنها على

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 4.

202

طريقة سائر النوافل، فيجري حينئذ فيها ما يجري فيها، لكن عن مصابيح الأستاذ الأكبر أن الأولى و الأحوط العمل بالصحيحة، و بما يظهر من الشهيد من الاقتصار على المحمل للمسافر.

و كيف كان فكيفيتها أن يقرأ في الأولى الحمد مرة اتفاقا و نصوصا و إذا زلزلت مرة و في الثانية العاديات و في الثالثة إذا جاء و في الرابعة قل هو الله أحد وفاقا للمشهور بين الأصحاب و تحصيلا، بل لا أجد فيه خلافا سوى ما في الفقيه من قوله بعد أن ذكر ما سمعت: «و إن شئت صليت كلها بالحمد و الإخلاص» بل عن مقنعه أنه يقرأ بعد الحمد الإخلاص في الجميع، و جعل المشهور رواية، بل عنه في الهداية «أنه يقرأ في الأولى العاديات، و في الثانية الزلزلة، و في الثالثة النصر، و في الرابعة التوحيد» قيل: و هو المنقول عن رسالة أبيه، بل و الموجود في فقه الرضا (عليه السلام) (1) و سوى ما عن صاحب الشافية من اختياره ما في خبر أبي البلاد (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: أي شيء أقرأ فيها؟ و قلت: أعترض القرآن قال:

لا، اقرأ فيها إذا زلزلت و إذا جاء نصر الله و إنا أنزلناه و قل هو الله أحد»

و ما عن مجمع البرهان من التخيير، و ما عن الحسن بن عيسى من قراءة الزلزلة في الأولى، و النصر في الثانية، و العاديات في الثالثة، و التوحيد في الرابعة، و لا دليل على رخصة الفقيه بالخصوص فضلا عما سمعته عن مقنعه سوى ما في الروض و المسالك من أنه

في بعض الأخبار (3) «إن شئت صليت كلها بالحمد و قل هو الله أحد»

و لم نعثر عليه مسندا، و التمسك لها أي الرخصة المذكورة بإطلاق الأمر بالقراءة في بعض النصوص و بسورة

____________

(1) المستدرك- الباب- 2- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 2 لكن رواه عن ابن أبي البلاد.

(3) المستدرك- الباب- 2- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

203

في آخر مع أنه لا ينبغي الاختصاص بالتوحيد ينافيه النهي في خبر أبي ولاد المزبور عن اعتراض القرآن فيها الذي هو بمعنى الوقوع فيه و اختيار ما يشاء من السور،

و ما في رواية ابن المغيرة (1) من أن الصادق (عليه السلام) قال: «اقرأ في صلاة جعفر (عليه السلام) بقل هو الله أحد و قل يا أيها الكافرون»

و نحوه صحيح بسطام (2) عنه (عليه السلام) أيضا مع أنا لم نجد من أفتى بمضمونهما لا اختصاص فيهما بالتوحيد، و كذا لا دليل لما سمعته عن الحسن بن عيسى بالخصوص، بل و لا ما في الهداية سوى ما سمعته عن فقه الرضا (عليه السلام) و أنه في رسالة علي بن بابويه التي هي مضامين النصوص، و صاحب الشافية و إن اختار ما في خبر أبي ولاد لكنه أعرض عن خبر المفضل (3) و خبر إبراهيم بن عبد الحميد (4) عن أبي الحسن (عليه السلام) المعتضدين بما عرفت من الشهرة، و نسبة الصدوق له في المقنع إلى الرواية، بل ظاهره في الفقيه أن الفضل فيه و إن رخص بالتوحيد، بل لو لا ما فيه من الإتيان بليلة القدر لأمكن إرجاعه إلى خبر المفضل، ضرورة أنه بالواو التي هي لمطلق الجمع، و من ذلك يعرف ما في التخيير الذي اختاره المقدس الأردبيلي و إن كان هو أقرب من غيره، بل كان ينبغي له ذكر ما في خبر ابن المغيرة و الصحيح المزبور فردا آخر للتخيير، و لا ريب أن الأولى على كل حال ما عليه المشهور و إن كان يقوى الجواز بجميع ذلك بل و بغيره، للإطلاق مع حمل النهي المزبور على إرادة الإرشاد للأفضلية لا لعدم أصل الجواز، و الله أعلم.

ثم يقول: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر خمس عشرة مرة بلا خلاف أجده في هذا العدد، بل و في غيره مما تسمعه من الأعداد عدا ما ستعرفه

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 3.

204

نصا و فتوى، بل و لا في ترتيب الذكر نصا و فتوى أيضا سوى ما عن الفقيه من التخيير بينه و بين تقديم التكبير جمعا بين النصوص (1) المتضمنة للأول و بين خبر الثمالي (2) المشتمل على تقديم التكبير، و لا ريب أن الأول أحوط و أولى، خصوصا بعد معروفية هذا الترتيب في الفريضة و في قصر المجبورات، بل ورد أنه المراد بالصالحات الباقيات، و كذا لا أجد خلافا بين الأصحاب فيما يستفاد من لفظ «ثم» في المتن و غيره من تقديم القراءة على الذكر في سائر الركعات للنصوص (3) أيضا عدا ما يحكى عن الفقيه أيضا و الأردبيلي من جواز تقديمه عليها جمعا أيضا بين تلك النصوص و بين صحيح الثمالي المزبور أو خبره، و لا ريب أن الأول أحوط و أولى.

ثم يركع و يقولها عشرا بلا خلاف أيضا نصا و فتوى، لكن هل تكون عوض الذكر أو هي بعده؟ الأحوط الثاني، بل قد يومي اليه عدم التصريح بالعوضية في نصوص المسألة، بل قد يومي اليه زيادة على ذلك ما دل (4) على قضاء الذكر بعد الصلاة للمستعجل، إذ من المستبعد بل الممتنع تجرد الركوع هناك عن الذكر، مع أن ظاهر هذين الخبرين تأخر التسبيح خاصة للاستعجال من دون مخالفة أخرى للكيفية، و معارضة ذلك باشتماله على ذكر العدد خاصة من غير تعرض لذكر الركوع مع قابلية هذا الذكر للبدلية يدفعها احتمال الاتكال على المعلومية، كما يرشد اليه الاقتصار على العدد فيما هو من المعلوم عدم سقوطه به كالتشهد و الاستغفار بين السجدتين و التكبير للركوع و السجود و الرفع منهما و التسميع و نحو ذلك، و احتمال الالتزام بسقوط ما عدا الأول أيضا مع أن الأول كاف في الإرشاد المزبور واضح المنع.

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع).

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع).

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة جعفر (ع).

205

و هكذا يقولها عشرا بعد رفع رأسه من الركوع و في سجوده و بعد رفعه و في سجوده ثانيا و بعد الرفع منه، فيكون في كل ركعة خمس و سبعون مرة و ثلاثمائة في الأربع ركعات، و مجموع الكلمات ألف و مائتا تكبيرة و تهليلة و تسبيحة و تحميدة كما نص على ذلك كله في خبر أبي بصير (1) و غيره، بل لا خلاف أجده في الفتاوى أيضا إلا ما يحكى عن ابن أبي عقيل من أنها خمس و ستون في كل ركعة، لأنه قال: «ثم يرفع رأسه من السجود و ينهض قائما و يقول ذلك عشرا ثم يقرأ»

و هو- مع أنه لا صراحة فيه بذلك، لاحتمال عدم إسقاطه العدد بعد القراءة أيضا، كما يومي اليه ما يحكى عنه من أنه وافق على إيقاع التسبيح بعد القراءة، و إلا فمقتضاه حينئذ سبعون لا خمس و ستون- لا دليل عليه، بل صريح الأدلة خلافه، كما أن صريح بعضها و ظاهر آخر إيقاع العشرة بعد الرفع من السجدة الثانية و هو قاعد، فما عساه يظهر منه من قوله ذلك بعد النهوض لا دليل عليه أيضا، بل الدليل على خلافه، و لعله يسقط الذكر بعد الرفع بجعل ما ذكره بعد النهوض ما يفعل بعد القراءة، إلا أنه قدمه عليها لصحيح الثمالي أو خبره لا أنه الوظيفة بعد الرفع، و إن كان ينافيه ما سمعته من المحكي عنه آنفا لكن لا ريب في ضعفه على كل حال، ثم إنه من المعلوم وقوع التسبيح قبل التشهد في الثانية و الرابعة كما صرح به صحيح الثمالي، كما أنه من المعلوم أن للأربع ركعات قنوتين على حسب غيرها من النوافل، و أنهما بعد التسبيح قبل الركوع، و عن بعضهم نفي الخلاف فيه، لكن يقال: إنه بعد الركوع في خبر (2) مروي في احتجاج الطبرسي، و لم يحضرني الكتاب المزبور، إلا أن العمل على خلافه.

فاتضح من جميع ما ذكرنا تمام الكلام في كيفيتها و أنه يقرأ في الركعة الأولى

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

206

بعد الحمد إذا زلزلت، و في الثانية منها الحمد و العاديات، و في الثالثة الحمد و إذا جاء نصر الله و الفتح، و في الرابعة الحمد و قل هو الله أحد و لا وقت موظف لهذه الصلاة بحيث لا يجوز في غيره للنصوص و الفتاوى، نعم قال في القواعد: «إن أفضل أوقاتها الجمع» و لعله

للتوقيع (1) من الناحية المقدسة في جواب سؤال الحميري في صلاة جعفر (عليه السلام) «أي أوقاتها أفضل؟ فوقع (عليه السلام) أفضل أوقاتها صدر النهار يوم الجمعة»

بل لا يبعد شدة تأكدها في كل وقت شريف كشهر رمضان و ليالي القدر منه و غير ذلك لما عرفت.

و في المروي (2) عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) «انه كان يصلي في آخر الليل أربع ركعات بصلاة جعفر (عليه السلام) إلى أن قال: و يحتسبها في صلاة الليل»

و لا بأس بالاحتساب المزبور بعد فتوى غير واحد من الأصحاب به، بل ربما ادعى بعضهم الشهرة عليه، بل في المصابيح نسبته إلى عامة المتأخرين بعد أن حكاه فيها عن الصدوق و ابني حمزة و سعيد و العلامة و الشهيد، و بعد تظافر النصوص به، منها ما سمعت، و منها

خبر أبي بصير (3) عن الصادق (عليه السلام) «صل صلاة جعفر أي وقت شئت من ليل أو نهار، و إن شئت حسبتها من نوافل الليل، و إن شئت حسبتها من نوافل النهار حسب لك من نوافلك و تحسب لك في صلاة جعفر»

و منها

صحيح ذريح (4) عنه (عليه السلام) أيضا «إن شئت صل صلاة التسبيح بالليل، و إن شئت بالنهار، و إن شئت في السفر، و إن شئت جعلتها من نوافلك، و إن شئت جعلتها من قضاء صلاة»

و منها

خبره الآخر (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة جعفر أحتسب بها من نافلتي

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها- الحديث 24.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 2.

207

فقال: ما شئت من ليل أو نهار»

فما عن ابن الجنيد بعد أن ذكر جواز جعلها من قضاء النوافل قال: «لا أحب الاحتساب بها من شيء من التطوع الموظف عليه» و ما عن ابن أبي عقيل من أنه لا بأس بصلاتها في الليل إلا أنه لا يحسبه من ورده فيه ضعيف جدا، و إن كان قد يشهد لهما

خبر بسطام (1) المروي عن أربعين الشهيد بسند فيه ضعف عن الصادق (عليه السلام) أنه قال في صلاة جعفر (عليه السلام): «و لا تصلها من صلاتك التي كنت تصلي قبل ذلك»

لكنه كما ترى قاصر عن معارضة ما عرفت، خصوصا بعد ما قيل من اضطراب متنه أيضا كسنده، لما يحكى عن بعض النسخ «و صلها من صلاتك» فلا يصلح قطعا لمعارضة ذلك الصحيح المؤيد بغيره و عمل الأكثر، بل قيل:

و ما ثبت من احتسابها من نوافل شهر رمضان كما صرح به الأصحاب، و ورد به النقل (2) عن الأئمة (عليهم السلام).

نعم لو قلنا باتحاد التسليم فيها كما هو ظاهر الصدوق أمكن حينئذ المنع، لمكان الاختلاف، أما على المختار فلا جهة لمنع الاحتساب المزبور، بل هو في الحقيقة اجتهاد في مقابلة النص الحاكم على أصالة عدم هذا الاحتساب، لأنه من التداخل، و ما أبعد ما بينه و بين ما عن الشهيد في البيان من جواز احتسابها من الفرائض، و ربما مال إليه في الذكرى و الروض بعد أن حكياه عن ظاهر بعض الأصحاب حيث عللاه بأنه ليس فيه تغيير فاحش، بل حكاه في فوائد الشرائع عن الذكرى ساكتا عليه، بل يشهد له مضافا إلى التعليل المزبور صحيح ذريح السابق، لكن لأصالة عدم التداخل خصوصا الواجب و الندب، و عدم إجزاء النفل عن الفرض، و وضوح قصور التعليل المذكور- إذ مع تسليم أنه لا تغيير فاحش باعتبار أن الزائد أذكار لا يقدح في الصلاة، لكن

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 1.

208

متى جيء بها بقصد صلاة جعفر لم يصح قصد الفريضة معها، و احتمال صحيح ذريح قضاء النوافل أو ظهوره في ذلك، و إلا لذكر الأداء من الفرض، و عدم معهودية ذلك من فعلهم (عليهم السلام) بل المعهود منه غيره، و عدم الفتوى به ممن عدا ما عرفت- لم يجتر على مخالفة هذا الأصل العظيم بذلك، بل قد يومي الاقتصار في الاحتساب بالنوافل إلى عدمه زيادة على ذلك، و إلا كانت الفرائض أولى بالذكر، اللهم إلا أن يقال بإرادة احتسابها في الفرائض بمعنى أن المكلف ينوي الفريضة خاصة من غير ضم نية نفل معها إلا أنه يختار هذه الكيفية في أدائها التي لا تنافي الفرض، لأنها أذكار، فيعطى حينئذ فضلا من الله ثواب صلاة جعفر، فلا مخالفة فيه حينئذ للأصل، إذ ليس من التداخل على هذا التقدير، بل لعل كل الاحتساب من هذا القبيل، لكن فيه أن ظاهر أدلة الاحتساب قصد أنها صلاة جعفر و النافلة الموظفة مثلا لا أنه قهري، على أن دعوى أن تلك الكيفية لا تنافي الفرض محل منع، ضرورة أنها هيئة أخرى و إن كان الزائد أذكارا، كيف و قد جاء بهذه الأذكار بقصد التوظيف في هذه الأحوال لا بعنوان رجحان الذكر المطلق، بل لا يبعد دعوى عدم الاجتزاء بهذه الكيفية و إن لم يقصد الخصوصية بهذه الأذكار، إذ لا أقل من الشك في براءة الذمة بها باعتبار عدم العهدية في مثل هذا الفصل و التراخي في أفعالها، و شيوع عدم منافاة الذكر للصلاة يراد منه ما لم يستلزم تغيير الهيئة مثل هذا التغيير، كقولهم بعدم منافاة القرآن لها، مع أن من الواضح أنه لو قرأ سورة البقرة أو هي مع غيرها بين السجدتين أو قبل الهوي للسجود أو نحو ذلك لم تصح صلاته، لتغيير الهيئة المعهودة، و لعله حينئذ لا ينافيه قولهم:

لا يبطل الصلاة القرآن و الدعاء، إذ قد عرفت أنه ليس البطلان لذلك، بل إنما هو لما فاته من طول الفصل و نحوه مما هو مغير للهيئة، و كيف كان فلا ريب في أن الأحوط

209

و الأولى عدم احتسابها في الفرائض، هذا.

و لو سها عن التسبيح أو عن بعضه في بعض الأحوال قضاه في الحالة التي ذكره فيها،

للتوقيع (1) عن الناحية المقدسة في جواب سؤال محمد بن عبد الله بن جعفر «عن صلاة جعفر (عليه السلام) إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود و ذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكره أم يتجاوز في صلاته؟ فوقع (عليه السلام) إذا سها في حالة عن ذلك ثم ذكر في حالة أخرى قضى ما فاته في الحالة التي ذكره»

و حكي العمل به عن ظاهر جماعة و صريح مجمع البرهان و مصابيح الظلام و الحدائق، و لا بأس به و إن كان الأحوط له قضاؤه بعد الفراغ مع ذلك، و أحوط منه استئنافها جديدا، و الله أعلم.

و يستحب أن يدعو في آخر سجدة من هذه الصلاة بعد التسبيح بالدعاء المخصوص بها المروي في مرفوع السراد (2) «يا من لبس العز و الوقار، يا من تعطف بالمجد و تكرم به، يا من لا ينبغي التسبيح إلا له، يا من أحصى كل شيء علمه، يا ذا النعمة و الطول، يا ذا المن و الفضل، يا ذا القدرة و الكرم أسألك بمعاقد العز من عرشك، و بمنتهى الرحمة من كتابك، و باسمك الأعظم الأعلى و كلماتك التامات أن تصلي على محمد و آل محمد و أن تفعل بي كذا و كذا»

أو المروي في خبر أبي سعيد المدائني (3) «سبحان من لبس العز و الوقار، سبحان من تعطف بالمجد و تكرم به، سبحان من لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان من أحصى كل شيء علمه، سبحان ذي المن و النعم، سبحان ذي القدرة و الكرم، اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك،

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 2 لكن روى عن ابن بسطام.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صلاة جعفر (ع)- الحديث 1.

210

و منتهى الرحمة من كتابك، و اسمك الأعظم، و كلماتك التامة التي تمت صدقا و عدلا صل على محمد و أهل بيته، و افعل بي كذا و كذا»

و الأحوط له جمعهما معا، و لعل من لا يستحضر الألفاظ يستحب له ذكر المعاني و ما يقاربها و لو بألفاظ أخر، و كذا يستحب أن يدعو بعد الفراغ منها بالمنقول كما في الذكرى.

و قد ظهر لك مما سمعته من النصوص فضلا عما لم تسمعه مقدار فضيلة هذه الصلاة و شدة الاهتمام بها، و ربما كان فعلها أشد فضلا مما روي عنهم (عليهم السلام) من الصلوات و إن نسبت إليهم كصلاة علي و فاطمة (عليهما السلام)، بل و ما يحكى من صلاة النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «انها ركعتان يقرأ في كل ركعتين الحمد و إنا أنزلناه خمس عشرة مرة، فإذا ركع قرأها كذلك، فإذا انتصب قرأها كذلك، فإذا سجد قرأها كذلك، فإذا رفع رأسه من السجود قرأها كذلك، ثم يقوم و يصلي ركعة أخرى كذلك»

قيل: فإذا سلم دعا بالمنقول في المصباح فينصرف و ليس بينه و بين الله عز و جل ذنب إلا غفر له، و فعلها (صلى الله عليه و آله) يوم الجمعة، و إن كان الأولى له فعل الجميع قطعا، و مع التعارض لا ريب في أولوية اختيار صلاة جعفر (عليه السلام)، إذ لا أقل أنها قطعية بخلاف غيرها مما نقل بأخبار الآحاد كالصلوات السابقة و كصلاة الحسين (عليه السلام)، قال في الذكرى: «تصلي يوم الجمعة أيضا أربع ركعات يقرأ في الأولى بعد التوجه الحمد خمسين مرة و كذا الإخلاص، فإذا ركع قرأ الحمد عشرا و كذا الإخلاص، و كذا في الأحوال، ففي كل ركعة مائتي مرة ثم يدعو بالمنقول» و غيرها من الصلوات المنقولة في يوم الجمعة و غيره و بين العشاءين من كل يوم و غيره المروية في المصباح و غيره.

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

211

[في استحباب ركعتي الغفيلة بين العشاءين]

بل تعرض لبعضها جماعة من الأصحاب منهم العلامة في القواعد، قال:

«يستحب

بين المغرب و العشاء صلاة ركعتين يقرأ في الأولى الحمد و قوله تعالى: «وَ ذَا النُّونِ» إلى آخر الآية (1) و الثانية الحمد و قوله تعالى «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها» إلى آخر الآية (2) ثم يرفع يديه فيقول: اللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا أنت أن تصلي على محمد و آل محمد و أن تفعل بي كذا، اللهم أنت ولي نعمتي، و القادر على طلبتي، تعلم حاجتي، فأسألك بحق محمد و آل محمد لما قضيتها لي و يسأل حاجته فإنه يعطيه ما سأل» و قد رواها الشيخ في المصباح عن هشام بن سالم (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: «من صلى بين العشاءين ركعتين»

و ذكر الكيفية المزبورة، بل

و كذا عن فلاح ابن طاوس (4) مع زيادة، «فإن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: لا تتركوا ركعتي الغفيلة، و هما ما بين العشاءين»

و ظاهر ذكر الكيفية في النص و الفتوى بل ربما كان صريح البعض أنها غير ركعتي الرواتب، و إن حكي احتماله عن بعضهم، و أن المراد بين صلاة المغرب و العشاء إذا صليتا في وقت فضيلتهما لا وقتها كما حكي عن بعضهم أيضا، بل الظاهر أن هذين الركعتين غير الركعتين اللتين ذكرهما في القواعد أيضا، و رواهما

الشيخ في المصباح أيضا (5) عن الصادق (عليه السلام) قال:

«أوصيكم بصلاة ركعتين بين العشاءين يقرأ في الأولى الحمد مرة و الزلزلة ثلاث عشرة مرة، و في الثانية الحمد مرة و التوحيد خمس عشرة مرة»

و إن كان الظاهر أن هذين ليسا من الأربع أيضا، فما عن بعضهم من الميل إلى أنهما من الأربع أيضا محل للنظر، إذ

____________

(1) سورة الأنبياء- الآية 87.

(2) سورة الأنعام- الآية 59.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 2.

(4) المستدرك- الباب- 15- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 17- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

212

الأصل تعدد الفعل بتعدد الأمر و إن كانا معا مطلقين.

أما إذا كان أحدهما مطلقا و الآخر مقيدا تقييدا يحتمل اندراجه في ذلك المطلق فقد يقال بعدم الحكم بالاتحاد أيضا، للأصل بمعنى الظاهر من اللفظ و عدم التنافي، لعدم إحراز الاتحاد، بل لعله كذلك أيضا مع إحرازه أيضا، لإمكان حمل الأمر بالمقيد على زيادة الفضيلة التي لا تنافي الفضل المستفاد من أمر المطلق، فلا تنافي حينئذ بخلاف الأمر الوجوبي، فإنه لا ريب في حصول التنافي مع فرض اتحاد المأمور به، كما هو واضح، و من ذلك يعلم أنه لا ينبغي التأمل في التعدد إذا كان المقيد على وجه يظهر منه عدم الاندراج في ذلك المطلق أو تقطع، و لعل ما نحن فيه من هذا القبيل، ضرورة عدم اندراج الركعتين الذين أمر فيهما بقراءة الحمد و تلك الآيات المزبورة في الركعتين المأمور بهما بقراءة الحمد فيهما و سورة كالرواتب و ركعتي الوصية المذكورة آنفا، و الحمل على التخيير في الكيفية لا دليل عليه، بل ظاهر الدليل خلافه، كما أن ظاهر دليل الوصية المشتمل على تلك الكيفية عدم اندراجه في مطلق الأمر بالركعات المحمول على الرواتب، و كون منشأ فعلها إنها ساعة الغفلة لا يقتضي الاتحاد، كل ذلك مع التسامح في دليل المستحب، فلا ريب أن التعدد حينئذ أحوط و أولى، و قد تقدم لنا بعض البحث في ذلك في أول كتاب الصلاة.

[في استحباب صلاة الكاملة يوم الجمعة]

و يستحب أيضا يوم الجمعة الصلاة الكاملة، و هي على ما رواه

الشيخ في المصباح (1) مسندة إلى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من صلى أربع ركعات يوم الجمعة قبل الصلاة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب عشرا و المعوذتين و الإخلاص و الجحد و آية الكرسي عشرا عشرا.»

قال في المصباح:

و في رواية (2) أخرى «إنا أنزلناه عشرا و شهد الله عشر مرات

____________

(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 2.

213

فإذا فرغ من الصلاة استغفر الله مائة مرة، ثم يقول: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم مائة مرة، و يصلي على النبي (صلى الله عليه و آله) مائة مرة، قال: من صلى هذه الصلاة و قال هذا القول رفع الله عنه شر أهل السماء و الأرض»

إلى غير ذلك من الصلوات الكثيرة المذكورة في المصابيح و غيرها من كتب الأصحاب شكر الله سعيهم و أجزل ثوابهم و جزاهم الله خيرا.

[الثانية صلاة ليلة الفطر]

الثانية صلاة ليلة الفطر مما يختص وقتا معينا صلاة ليلة الفطر و هي على ما رواه السياري (1) مرفوعا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ركعتان يقرأ في الأولى الحمد مرة و ألف مرة قل هو الله أحد، و في الثانية الحمد مرة و قل هو الله أحد مرة

قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من صلى ليلة الفطر ركعتين يقرأ في أول ركعة منهما الحمد مرة و قل هو الله أحد ألف مرة، و في الركعة الثانية الحمد مرة و قل هو الله أحد مرة واحدة لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه» بل عن مسار الشيعة للمفيد أن في الرواية «لم ينفتل و بينه و بين الله عز و جل ذنب إلا غفر له»

قلت: و خصوصا إذا سأل من الله ذلك.

و كيف كان فلا خلاف أجده بين الأصحاب في هذه الصلاة و لا في كيفيتها، قال في الذكرى: إن السياري و إن كان معدودا في الضعفاء إلا أن الأصحاب تلقوها بالقبول، لكن عن البيان أنه يقرأ في الأولى الحمد مرة و مائة مرة التوحيد، و في الثانية الحمد مرة و التوحيد مرة، و لعله أراد غير هذين الركعتين.

ثم إن ظاهر النص و الفتوى عدم اختصاص هذه الصلاة بوقت خاص من ليلة الفطر، لكن عن الكفعمي أنه ذكر استحباب صلاة ركعتين بين العشاءين صفتهما ما سمعته عن البيان، قال: و روي قراءة التوحيد في الركعة الأولى ألفا و قد يتوهم منه إرادة هذين الركعتين إلا أنه يمكن حمله على إرادة غيرهما، خصوصا بعد قوله:

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

214

«و روي» مما يشعر بتمريضه في الجملة، مع أنك عرفت أنها الرواية المعمول عليها بين الأصحاب، فيعلم حينئذ إرادة غير هذين الركعتين، مضافا إلى أن الشيخ نص في المصباح على أن ذات الألف بعد الفراغ من جميع صلواته.

[الثالثة صلاة يوم الغدير]

و منها صلاة يوم الغدير و هو الثامن عشر من ذي الحجة قبل الزوال بنصف ساعة لكن الموجود في خبر العبدي (1) عن الصادق (عليه السلام) «إن من صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة يسأل الله عز و جل يقرأ في كل ركعة سورة الحمد مرة و عشر مرات قل هو الله أحد و عشر مرات آية الكرسي و عشر مرات إنا أنزلناه عدلت عند الله عز و جل مائة ألف حجة و مائة ألف عمرة، و ما سأل الله عز و جل حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة إلا قضيت له كائنة ما كانت الحاجة، و إن فاتتك الركعتان و الدعاء قضيتها بعد ذلك»

و لعله قريب إلى ما ذكره المصنف و غيره من توقيت الصلاة بذلك، و إن كان الموجود فيه الاغتسال في الوقت المزبور لا الصلاة إلا أنه من المقدمات لها، فلعل مرادهم بالصلاة ما يشمل ذلك، أو أن المراد بالساعة في الفتاوى النجومية، و في النص التي وردت بها الأدعية في كل يوم و الرابعة فيها من ارتفاع الشمس إلى الزوال، إذ لا ريب في أنه إذا اغتسل قبل الزوال بنصف هذه الساعة كانت صلاته المتعقبة لغسله قبل الزوال بنصف ساعة نجومية، و لعله اليه يرجع ما قيل من أنه يغتسل قبل النصف الذي هو للصلاة بنصف ساعة، بل و ما في المصباح من أنه يغتسل صدر النهار، إذ المراد بالصدر القريب من الرأس بالنسبة إلى الآخر كصدر الإنسان، و إلا فلا مأخذ لهما بالخصوص، على أن الأمر فيه سهل بناء على ما عن المنتهى من أن هذه الصلاة تستحب في هذا اليوم، و أشده تأكيدا قبل الزوال بنصف ساعة، و هو لا يخلو من قوة.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

215

و كيف كان فلا خلاف أجده في هذه الصلاة بين قدماء الأصحاب و متأخريهم كما عن بعضهم الاعتراف به عدا ما في الفقيه من أن شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد (رضي الله عنه) كان لا يصحح هذا الخبر، و كان يقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني، و كان كذابا غير ثقة، و كلما لم يصححه ذلك الشيخ و لم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح، و أنت خبير بما فيه، خصوصا و الحكم استحبابي و خصوصا بعد المحكي عن المصنف في المعتبر من أنه روي في ذلك روايات، منها رواية داود بن كثير (1) و إن كنا نحن لم نعثر على رواية أخرى غير المذكورة في كيفية الصلاة المزبورة، إلا أنه هو أدرى أو يريد رواية أصل الصلاة لا هي مع الكيفية.

ثم إن مقتضى كون الواو لمطلق الجمع عدم الترتيب هنا و في غيره بين ما يقرأ بعد الحمد، فلا خلاف حينئذ في التقديم و التأخير في الفتاوي لو كان، لكن في السرائر بعد أن عبر بنحو ما في الخبر من تقديم آية الكرسي على القدر قال: و روي أن آية الكرسي تكون آخرا و قبلها إنا أنزلناه، و هو يعطي أنه قصد الترتيب بالواو، و عليه تكون المسألة خلافية لتقديم جماعة- كما قيل-: القدر على آية الكرسي، نعم الأولى بناء على ذلك المحافظة على ترتيب الخبر المزبور، كما أن الأولى قراءة آية الكرسي إلى قوله تعالى «هُمْ فِيها خالِدُونَ» لكن بقصد القربة المطلقة فيما بعد قوله تعالى «الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» لما قيل: إن المقرر عند القراء و المفسرين من أن آية الكرسي إليها إلا إذا نص على الزيادة، بل قد يقال بأن له نية الخصوصية أيضا، لإمكان دعوى أن المتعارف فيها بين المتشرعة هذا الحد، و لعله لذا نص عليه في القواعد هنا، بل أرسل في المصباح (2)

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 2 و فيه داود ابن كثير عن أبى هارون العبدي.

(2) الوسائل- الباب- 47- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

216

عن الصادق (عليه السلام) في كيفية صلاة الرابع و العشرين من ذي الحجة ثم قال: و هذه الصلاة بعينها رويناها يوم الغدير، و هو ظاهر في أن المراد بآية الكرسي في يوم الغدير إلى «خالِدُونَ» لنصه عليها هنا، هذا.

و في المختلف عن التقي أن من وكيد السنن الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه و آله) في يوم الغدير بالخروج إلى ظاهر المصر عند الصلاة قبل أن تزول الشمس بنصف ساعة لمن يتكامل له صفات إمامة الجماعة بركعتين، إلى أن قال: «و تقتدي به المؤتمون، و إذا سلم دعا بدعاء هذا اليوم و من صلى خلفه، و ليصعد المنبر قبل الصلاة فيخطب خطبة مقصورة على حمد الله تعالى و الثناء و الصلاة على محمد و آله، و التنبيه على عظم حرمة يومه و ما أوجب الله فيه من إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الحث على امتثال أوامر الله سبحانه و رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيه، و لا يبرح أحد من المؤمنين و الامام يخطب، فإذا انقضت الخطبة تصافحوا و تهانوا و تفرقوا» انتهى، متضمنا لجملة أحكام لم نقف لها على دليل معتبر، كاستحباب الجماعة فيها التي قد أشبعنا البحث فيها في ذلك الباب، و كالخروج إلى الصحراء فإنه لا دليل له سوى أن النبي (صلى الله عليه و آله) فعلها كذلك في ذلك اليوم، لكن لم يكن قد خرج بل نزل الوحي عليه في أثناء الطريق فأداه كما نزل في ذلك الوقت و على ذلك الحال، فلا تشمله حينئذ أدلة التأسي قطعا، بل هو كأفعاله العادية، و كاستحباب الخطبة فإنه لم نقف أيضا على رواية صريحة في ذلك سوى ما ستسمع، لكن لعلها لا بأس بها لأنها ذكر لله سبحانه و تمجيده و تحميده و ذكر لله و رسوله و آله و صلاة عليهم و موعظة و أمر بالمعروف و نهي عن المنكر و نحو ذلك، و الكل حسن مرغوب شرعا في كل وقت، و يوم الغدير أشرف الأيام، و الحسنات تتضاعف فيه، و قد خطب فيه النبي (صلى الله عليه و آله) مضافا إلى ما

في

217

المصباح (1) مسندا عن الرضا (عليه السلام) من أن أمير المؤمنين (عليه السلام) صعد المنبر على خمس ساعات من نهار هذا اليوم فحمد الله و ذكر الخطبة- إلى أن قال-: ثم أخذ في خطبة الجمعة و جعل صلاة جمعته صلاة عيده،

و لم يرو له صلاة لليوم بعد الخطبة و قبلها و لعل الذي دعا التقي إلى جميع ما سمعت إجراء أحكام العيد على يوم الغدير و المحافظة على حفظ ما وقع فيه، و لذا و لتأكيد الاخوة و تثبيت المودة و التشبيه بالصحابة أمر فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذيل خطبته المزبورة بالتصافح و التهاني و نحوهما.

ثم إن الخبر المزبور قد صرح فيه بقضاء هذه الصلاة لو فاتت، و عن المنتهى التصريح به، كما أنك قد عرفت أن الشيخ أرسل عن الصادق (عليه السلام) صلاتها أيضا في اليوم الرابع و العشرين من ذي الحجة، و الله أعلم.

[الرابعة صلاة ليلة النصف من شعبان]

و منها صلاة ليلة النصف من شعبان و عن مجمع البرهان أنها مشهورة، بل في المصباح أنه رواها ثلاثون رجلا من الثقات، قال في القواعد: و هي أربع ركعات بتسليمتين يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، و الإخلاص مائة مرة ثم يعقب و يعفر، و كأنه أخذ التسليمتين من الأصل و القاعدة في النوافل، و إلا فلم يذكر في النص بل و جملة من الفتاوى كما قيل، بل و لم يذكر فيه و لا فيها التعفير بل و لا التعقيب، نعم قال في المصباح متصلا بالخبر المزبور: فإذا فرغت فقل: «اللهم إني إليك فقير» إلى آخره، لكن الواقف على فضل هذه الليلة و ما ورد فيها يعلم أنه ينبغي أن يفعل كلما يتمكن منه من فعل الخير، و لا وقت خاص بها من هذه الليلة لا في النص بل و لا في الفتوى إلا ما يحكى عن المراسم من أن وقتها بعد العشاء الآخرة، و لعله أخذه مما ورد في غيرها من صلوات هذه الليلة، و من أن ذلك هو مبدأ التوجه إلى الأعمال المرادة في مثلها، لأنه أول وقت الفراغ من الفريضة و توابعها و مما يحتاجه لاستقامة بدنه من القوت

____________

(1) مصباح المتهجد- ص 524.

218

و نحوه، و الأمر في ذلك كله سهل، و قد ذكر في هذه الليلة صلوات فلتطلب من مظانها

[الخامسة صلاة ليلة نصف رجب و ليلة المبعث و يومه]

و منها صلاة ليلة نصف رجب و ليلة المبعث و يومه و هي على ما في القواعد اثنتا عشر ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد و يس، بل هو المحكي أيضا عن النهاية في يوم المبعث، و عن السرائر و بعض نسخ المصباح فيه و في ليلته، و عن أكثر النسخ الحمد و سورة في ليلة النصف و يوم المبعث، كما عن المعتبر و المنتهى في اليوم، و التذكرة في ليلة النصف، و عنها و التحرير و المعتبر و المنتهى في ليلة المبعث كل ركعة الحمد مرة و المعوذتين و التوحيد أربع مرات، بل كذلك عن الأول بالنسبة إلى يوم المبعث، و لا يبعد الاكتفاء بأي سورة، و لذا حكي عن النهاية و السرائر أنه إن لم يتمكن من قراءة يس قرأ ما تيسر، بل الموجود في المحكي في المصباح عن أبي القاسم الحسين ابن روح مما يعلم أنه أخذه من الامام (عليه السلام) ذلك أيضا من غير اشتراط عدم التمكن، كما أن الموجود في خبر أبي الصلت (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) مطلق السورة أيضا، نعم قال: «فإذا فرغت قرأت الحمد أربعا و قل هو الله أحد أربع مرات و المعوذتين أربعا، و قلت: لا إله إلا الله و الله أكبر و سبحان الله و الحمد لله و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم أربعا، الله ربي لا أشرك به شيئا أربعا، لا أشرك بربي أحدا أربعا»

إلا أن مورد الخبر المزبور يوم النصف و يوم المبعث، و تمام البحث في تفصيل هذه الصلوات و غيرها و ما يقال فيها و بعدها مذكور في كتب العبادات لأصحابنا شكر الله سعيهم و أجزل ثوابهم.

[خاتمة]

[في أفضلية القيام في النوافل على القعود]

خاتمة كل النوافل يجوز أن يصليها الإنسان قاعدا اختيارا على المشهور، بل عن المعتبر و المنتهى و التذكرة و النهاية و البيان الإجماع عليه، بل لا أجد فيه خلافا إلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 4 و هو خبر ريان بن الصلت.

219

من الحلي، فمنعه إلا في الوتيرة و على الراحلة مدعيا خروجهما بالإجماع للأصل مع شذوذ الرواية المجوزة، و لا ريب في ضعفه بعد ما عرفت، و منه يعلم ما في النسبة إلى الشذوذ، و إن أراد رواية لا عملا فهو أغرب من الأول، إذ هي مع أنها معتبرة في أعلى درجات الاستفاضة إن لم تكن متواترة، مضافا إلى ما يشعر به جواز الجلوس في ركعات الاحتياط المعرضة للنافلة، فالنافلة أولى، و مضافا إلى التسامح، إذ هو كما يجري في الأصل يجري في الكيفية، لاندراجها عند التأمل في قوله (عليه السلام) (1): «من بلغه ثواب على عمل»

و في غيره من أدلته، فلا ينبغي التوقف حينئذ في ذلك.

و لكن فعلها عدا الوتيرة قائما أفضل بلا خلاف أيضا، لظاهر النصوص و لأن أفضل الأعمال أحمزها، أما الوتيرة فظاهر الأكثر و صريح الروض أن الجلوس فيها أفضل، لتضمن المعتبرة أنها ركعتان من جلوس يعدان بركعة من قيام، و لأنها شرعت لتكميل النوافل و صيرورتها ضعف الفرائض، و هو إنما يتأتى مع الجلوس فيها، إذ الظاهر تثنيتها على تقدير القيام فيها كما صرح به في الروض، و تسمعه في الصحيح الآتي، على أنه مضافا إلى ذلك مناف لنصوص الإحدى و خمسين، و دعوى احتسابهما واحدة كما صرح به المحقق و حكي عن غيره بعيدة، كما عن كشف اللثام لا دليل عليها إلا البدلية عن الجلوس المقتضية أنهما واحدة، و هو كما ترى أيضا، و ظاهر ذكري أول الشهيدين و صريح روضة ثانيهما أفضلية القيام فيها أيضا، بل حكي ذلك عن الفاضل و جماعة من المتأخرين، و لعله لإطلاق ما دل (2) على رجحان القيام في النافلة، و رجحان الأحمز من الأعمال، و لصريح الموثق (3) أن القيام أفضل، و ظاهر

الصحيح (4)

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمة العبادات من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب القيام من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب القيام- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها- الحديث 9.

220

«و ركعتان بعد العشاء الآخرة كان أبي يصليهما و هو قاعد، و أنا أصليهما و أنا قائم»

فإن مواظبته (عليه السلام) على القيام فيهما يدل على رجحانه، و لا ينافيه مواظبة أبيه (عليه السلام) على الجلوس بعد أن كان محتملا أنه لمشقة القيام عليه (عليه السلام) لكثرة اللحم كما يظهر من بعض الروايات، ك

خبر سدير (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أ تصلي النوافل و أنت قاعد؟ فقال: ما أصليها إلا و أنا قاعد منذ حملت هذا اللحم و بلغت هذا السن»

بل قيل: إنه يشهد للمطلوب أيضا

الصحيح الآخر (2) «كان أبو عبد الله (عليه السلام) يصلي ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية و لا يحتسب بهما، و ركعتين و هو جالس يقرأ فيهما بالتوحيد و الجحد، فان استيقظ في الليل صلى و أوتر، و إن لم يستيقظ حتى يطلع الفجر صلى ركعة و احتسب الركعتين اللتين صلاهما بعد العشاء وترا»

فان فيه إشعارا بأن الأولتين هما الوتيرة و أنه صلاهما قائما على أظهر معنييه، و هو كما ترى، لكن و مع ذلك كله فلا ريب في أن الأحوط اختيار الجلوس فيهما، للاتفاق على صحته فيهما، بخلاف ما لو صلى قائما فإنه قد يلوح من بعض عباراتهم تعيين الجلوس فيهما و عدم مشروعية غيره، حيث اقتصروا عليه في مقام البيان، و كذا في بعض الأخبار (3) و أما غيرها من النوافل فلا ريب نصا و فتوى في أن صلاتها قائما أفضل و أحوط.

[في استحباب تضعيف الركعات لو صلى النوافل قاعدا]

و كذا لا ريب في أنه إن جعل كل ركعتين من جلوس مفصولتين مكان ركعة من قيام كان أفضل من الصلاة جالسا ركعة ركعة قطعا، بل لا أجد فيه خلافا أيضا للنصوص، منها

خبر ابن مسلم (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب القيام- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 15 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب القيام- الحديث 3.

221

عن رجل يكسل أو يضعف فيصلي التطوع جالسا قال: يضعف ركعتين بركعة»

و صحيح الصيقل (1) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): إذا صلى الرجل جالسا و هو يستطيع القيام فليضعف»

و خبر علي بن جعفر (2) عن أخيه (عليه السلام) المروي عن كتابه، قال: «سألته عن المريض إذا كان لا يستطيع القيام قال يصلي النافلة و هو جالس، و يحتسب كل ركعتين بركعة، و أما الفريضة فيحتسب كل ركعة بركعة»

و لا ينافي ذلك النصوص (3) المتضمنة عدد الرواتب مثلا بعد إمكان حملها على إرادة العدد بصلاة القائم، بل هو الظاهر إن لم يكن المقطوع به، إذ احتمال إرادة تضاعف الأجر خاصة من هذه النصوص واضح الفساد، و إن كان ربما يشهد له

خبر أبي بصير (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: إنا نتحدث نقول: من صلى و هو جالس من غير علة كانت صلاته ركعتين بركعة، و سجدتين بسجدة، فقال: ليس هو هكذا هي تامة لكم»

لكن يمكن حمله كما في الذكرى و عن المبسوط على إرادة بيان أصل الجواز و غيره على الاستحباب أو على غير ذلك، كوضوح فساد احتمال إرادة الاحتساب المزبور من غير فصل بالتسليم للإطلاق، فتكون النافلة حينئذ من جلوس التي هي عوض عن ركعتي القيام أربع ركعات بتسليمة واحدة، ضرورة تنزيل الإطلاق المذكور على المعلوم من نصوص أخر (5) معتضدة بالفتاوى من تثنية النوافل عدا ما خرج بالدليل كصلاة الأعرابي (6).

و كيف كان فقد يساوي التضعيف المزبور في الفضل أو يفضل عليه، بل هو

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب القيام- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب القيام- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب القيام- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 15- من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها.

(6) الوسائل- الباب- 39- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 3.

222

كصلاة القائم تلفيق كل ركعة من القيام و القعود بمعنى أنه يقرأ القراءة مثلا و هو جالس فإذا أراد أن يختمها قام فركع، كما في صحيح زرارة (1) «قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

الرجل يصلي و هو قاعد فيقرأ السورة، فإذا أراد أن يختمها قام فركع بآخرها قال:

صلاته صلاة القائم»

و في صحيح حماد (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) «فإذا كنت في آخر السورة فقم فأتمها و اركع فتلك يحتسب لك بصلاة القائم»

و في خبره الآخر أو صحيحه (3) عن الصادق (عليه السلام) «فإذا بقي من السورة آيتان فقم فأتم ما بقي و اركع و اسجد فذلك صلاة القائم».

و لو اقتصر على ذلك في إحدى الركعتين لم يبعد جوازه مع نقصان ربع الأجر أو أزيد منه بيسير بناء على نقصان الملفقة عن الركعة التي يقام فيها قياما، نعم هو ربع لا غير لو صلى ركعة من قيام و أخرى من جلوس لو قلنا بجوازه كما هو الظاهر، لعدم الفرق في الجلوس في النافلة بين الجميع و البعض، بل هو ظاهر دليل الجواز، و قد يقال بالمنع لعدم التوظيف، و الأول أولى، لكن ليس له التضعيف للركعة الباقية في هذا و نحوه، لاقتضائه التسليم على الركعة الواحدة المنافي للتثنية في النوافل.

و لا يخفى أن الظاهر من هذه النصوص الجلوس حتى في تكبيرة الإحرام، و إنما يقوم في آخر السورة لكن في شرح المقدس البغدادي أن في تخصيص القراءة بالجلوس دلالة على أن التكبير للإحرام في القيام من حيث أن القيام هو الأصل الذي كان عليه في الاستعداد للصلاة، و ظاهره وقوع التكبير للإحرام فيه في إدراك فضل صلاة القائم و فيه بحث واضح.

ثم إن ظاهر المصنف و غيره ممن اقتصر على الجلوس عدم جواز غيره من الاستلقاء و الاضطجاع و نحوهما اختيارا، بل هو صريح الشهيد و غيره، بل ظاهر الاقتصار في نقل

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب القيام- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب القيام- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب القيام- الحديث 2.

223

الخلاف في ذلك من غير واحد على العلامة في النهاية فأجازه عدمه من غيره للأصل الذي لا يقطعه ما يستدل به للفاضل من أن الكيفية تابعة للأصل فلا يجب، و النبوي (1) «من صلى نائما فله نصف أجر القاعد»

إذ الأول كما ترى، ضرورة أن المراد بالوجوب المعنى الشرطي كالطهارة، و أما الثاني فهو ليس من طريقنا، فلا يتمسك به لإثبات مثل هذا الحكم المخالف لأصالة التوقيف في العبادة، لكن قد يقال بجريان دليل التسامح في كيفية العبادة كأصلها، فيكفي حينئذ في إثباته فتوى مثل الفاضل المزبور و الخبر المذكور و إن لم يكن من طريقنا، و فحوى النصوص (2) الواردة في جواز فعلها حال الجلوس و المشي و على الراحلة و نحو ذلك مما يومي إلى أن المراد وجودها في الخارج على أي حال يكون، و خصوص

خبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «صل في العشرين من شهر رمضان ثماني بعد المغرب و اثنتي عشر ركعة بعد العتمة- إلى أن قال-: قلت: جعلت فداك فان لم أقو قائما؟ قال: فجالسا، قلت: فان لم أقو جالسا؟

قال: فصل و أنت مستلق على قفاك»

و من المعلوم إرادة الضعف في الجملة عن الأداء جالسا من نفي القوة كما يومي اليه تعليق فعلها جالسا على ذلك مما علم عدم اشتراطه به، فتأمل جيدا.

ثم إن إطلاق أكثر النصوص و الفتاوى يقتضي التخيير في الجلوس بين جميع كيفياته، بل في بعضها (4) نفي البأس عن التربع و مد الرجلين و أن ذلك واسع

و في آخر (5) «عن الصلاة في المحمل فقال: صل متربعا و ممدود الرجلين و كيف أمكنك»

____________

(1) سنن أبى داود ج 1 ص 344 الطبعة الثانية عام 1369 مع الاختلاف في اللفظ.

(2) الوسائل- الباب- 15 و 16- من أبواب القبلة و الباب 4 من أبواب القيام من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 5 من كتاب الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القيام.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القيام- الحديث 5.

224

نعم يكره الإقعاء و هو كما قيل: أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلس على عقبيه كما يفعله العامة،

للصحيح (1) «إياك و القعود على قدميك فتتأذى بذلك»

و كذا إقعاء الكلب، للنهي عنه (2)، و تمام الكلام في البحث فيه في غير المقام، لكن في مصابيح الطباطبائي «أنه يستحب للجالس مطلقا أن يتربع في جلوسه، فإذا ركع ثنى رجليه بلا خلاف للحسن (3) و هو أن ينصب فخذيه و ساقيه، كذا قالوا» إلى آخره، بل عن ظاهر المنتهى و غيره و صريح الخلاف الإجماع على استحباب التربيع قارئا، كما عن ظاهر المعتبر و غيره استحباب ثني الرجلين راكعا، و لا بأس به، ل

حسن حمران بن أعين (4) عن أحدهما (عليهما السلام) «كان أبي إذا صلى جالسا تربع، فإذا ركع ثنى رجليه»

و أما ما يشعر به بعض الأخبار من كراهة فعله مطلقا حتى

في بعضها (5) «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يجلس جلسة القرفصاء و على ركبتيه و كان يثني رجلا واحدة و يبسط الأخرى عليها، و لم ير متربعا قط»

فلعل المراد بالتربيع فيه ما عن مجمع البيان أن يقعد على وركيه و يمد ركبته اليمني إلى جانب يمينه، و قدمه إلى جانب شماله، و اليسرى بالعكس، بل هو المحكي عن الجوهري و الزمخشري و فقه الثعالبي و غيرها كذلك، بل لعله هو الذي يشهد له

خبر أبي بصير (6) عن الصادق عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) «إذا جلس أحدكم على الطعام فليجلس جلسة العبد، و لا يضع إحدى

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب السجود من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القيام- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القيام- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 74- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 1 من كتاب الحج.

(6) الوسائل- الباب- 9- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

225

رجليه على الأخرى، و لا يتربع، فإنها جلسة يبغضها الله و يبغض صاحبها»

فيكون التربيع الذي ذكرناه في الصلاة غير ذلك، بل هو ما سمعته من نصب الفخذين و الساقين جلسة العبد المتهيّئ للامتثال و القيام إذا دعا، و الظاهر عدم وضع الأليتين فيه على الأرض، و إلا كان من الإقعاء المنهي عنه في وجه، و لعله ظاهر من اقتصر في تفسيره على نصب الفخذين و الساقين، لكن الذي حكي عن غير واحد التصريح بوضع الأليتين على الأرض فيه، و له وجه، و لا بأس بتعدد معنى التربيع فتأمل، قال في القاموس: «تربع في جلوسه خلاف جثى و أقعى» و مقتضاه كما في الحدائق أنه على غير هذه الحالتين من هيئات الجلوس، هذا، و قد ذكر في الذكرى عن بعض الأصحاب أنه احتمل في كيفية ركوع القاعد وجهين متقاربين ذكرهما العامة، و تمام البحث فيهما و فيما يتعلق بالقاعد من الفروع بالنسبة إلى تمكنه من أقل الركوع و أكمله فقط، فهل يجب عليه أن يفاوت بينه و بين السجود بالانخفاض أو لا يجب؟ يذكر في بحث القيام في الصلاة، فلاحظ و تأمل، إذ مثله يأتي في المقام أيضا.

ثم إنه يستفاد من التأمل فيما ذكرنا أن معنى جواز الجلوس في النافلة استحباب هذه الكيفية من الصلاة أيضا و إن كان الصنف القيامي أفضل منه، لكن هو صنف مستقل برأسه راجح بالنسبة إلى تركه مرجوح بالنسبة إلى غيره، بل هو بالنسبة إلى أفراده مختلف المرتبة في الفضيلة أيضا كما عرفته سابقا، فمن نذر الصلاة جالسا حينئذ انعقد نذره كما في الذكرى و عن غيرها، و لعله لعموم الأمر بالوفاء به، و كون الصلاة جالسا مرجوحة بالنسبة إلى الصلاة قائما لا يقضي ببطلان النذر بعد أن كان هذا الفرد راجحا في نفسه أيضا و لو لعدم رجحان الخصوصية بنفسها بل هي من التوابع، إذ لا يشترط في صحة النذر رجحانه مطلقا، و إلا لاقتضى عدم انعقاده في المسجد مثلا إذا كان غيره أشرف منه، و كذا لا يقضي بانعقاد المطلق دون المقيد،

226

إذ هو تفكيك مخالف لقصد الناذر مع اتحاده، نعم يتم لو كان له قصدان مستقلان تعلق أحدهما بالمطلق و الآخر بالمقيد على معنى نذر الصلاة و أن يكون جالسا فيها أمكن ذلك حينئذ.

و منه يعلم أن المتجه البطلان فيما لو قيده المطلق بأمر لا يشرع معه، كما لو نذر الصلاة بدون طهارة، كما هو ظاهر القواعد و صريح الذكرى و عن غيرها، و إن كان اللازم لاولهما حيث حكم بانعقاد النذر بالنسبة إلى المطلق دون القيد فيما لو نذر النافلة جالسا الحكم بالصحة هنا أيضا كذلك، لكنه لا يخفى عليك ما فيه في المقامين، و إن كان الثاني منهما أوجه من الأول، لأن نذرها جالسا لا يقتضي حرمة القيام عليه فيها، إذ النذر لا ينعقد في ترك الراجح و فعل المرجوح بالنسبة إلى غيره، و لا جهة رجحان في خصوصية نفسها، و الاكتفاء برجحان طبيعة الفرد التي تتبعه الخصوصية يستلزم انعقاده في الأماكن المكروهة و نحوها، فلا يراد حينئذ من نذرها جالسا عدم فعلها قائما، و لو أراده لم ينعقد بالنسبة إلى ذلك، نعم يبرأ بكل منهما، كما أنه يأثم بتركهما معا، و هو معنى وجوب المطلق دون القيد، و ليس هو كإطلاق نذر الركعتين المنصرف إلى القيام مع غفلة الناذر عن خصوص القصد و إناطته بما ينصرف اليه اللفظ، و فيه أنه مع فرض عدم قصد الناذر التقييد خروج عن موضوع المسألة، و مع فرضه لا يتجه إلزامه بالمطلق الذي لم يقصده الناذر، ضرورة أنه غير المقيد، فما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع، بل المتجه حينئذ البطلان كما عن المحقق الثاني، لعدم إمكان انعقاد ما نذره على وجه يحرم عليه الأفضل منه و عدم قصد غيره، بل لعله عند التأمل كما لو علق النذر بالقيد كأن يقول: لله علي أن أكون على الراحلة أو جالسا أو مستدبرا عند راتبة الظهر اليوم نعم ينعقد القيد إن قال: لله علي إن استويت على الراحلة أو جلست على الأرض مثلا أن أكون عليها مصليا، لأن المعتبر حينئذ رجحان الصلاة على تركها، و ليس ما نحن فيه

227

منه قطعا، بل هو أقرب شيء إلى الأول، ضرورة انصراف قوله: لله علي أن أصلي النافلة جالسا إلى إرادة إلزام القيد الزائد لا أصل المطلق و إلزام هذا القيد بهذا النذر بدعوى الاكتفاء في انعقاد النذر برجحان الفرد لرجحان الطبيعة فيه، و إن لم يكن للخصوصية مدخلية يقتضي الإلزام بسائر المشخصات من الأمكنة و الأزمنة و سائر المقارنات من اللباس و بعض الأحوال الراجعة للمصلي و غيره مما هو معلوم عدمه عند التأمل الجيد، كما هو واضح.

[الركن الرابع في التوابع]

الركن الرابع في التوابع و فيه فصول:

[الفصل الأول في الخلل الواقع في الصلاة]

الفصل الأول في الخلل الواقع في الصلاة المفروضة اليومية و إن شاركها غيرها من الفرائض و النوافل في كثير من الأحكام كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى و هو إما أن يكون عن عمد أي قصد مع تذكر المصلي كونه في الصلاة، بل محل ما يجب الشيء فيه، و إلا لدخلت كثير من أحكام السهو في العمد كما ستعرف إن شاء الله تعالى أو سهو و هو كما عن الفقهاء عزوب المعنى عن القلب بعد خطوره بالبال، و لعل عدم تعريفه أولى لظهوره، و تساوي الخاص و العام في معرفته، كوقوعه و عدم خلو غير المعصوم منه، و إلا فتعريفه بما سمعت لا يخلو من إجمال، و لا فرق في أحكام السهو بين العالم و الجاهل فكما يقع من العالم السهو فيخل ببعض ما يعلم وجوبه كذلك من الجاهل بالوجوب بالنسبة للعزم على الفعل و التعود على وقوعه، فيكون المدار حينئذ على سبب الترك، فان

228

كان الجهل كان من العامد، و إن كان السهو كان من الساهي، و إن كان الجهل سببا للسهو فوجهان أو شك و المراد به تردد الذهن من غير ترجيح، قيل و الفرق بينه و بين ما تقدمه بالنسبة للإخلال كونه نفسه خللا في الصلاة بخلاف الأولين، فإنهما سببان للخلل الذي هو نقص مثلا، و فيه تأمل، فإنه قد يكون أيضا سببا للخل، بقي الكلام في الخلل الواقع من سبق اللسان، فإنه لا يندرج في أحد الثلاثة و إن كان الظاهر عدم بطلان الصلاة به مع التدارك بالصحيح، و لو أراد الجهر مثلا فأخفت أو بالعكس على وجه لا يندرج في العامد و لا الناسي و لا الجاهل ففي التدارك جهرا أو إخفاتا نظر، و لو كان الخلل وقع اضطرارا بفعل أجنبي مثلا فإنه لا يدخل في أحد الثلاثة أيضا.

و لو كان بمثل الطمأنينة في القراءة ففي إعادتها مطمئنا نظر.

[في الخلل الواقع في الصلاة عمدا]

أما أحكام العمد فمن أخل بشيء من واجبات الصلاة لها أو فيها عامدا فقد أبطل صلاته لقوله: شرطا كان ما أخل به كالوضوء و التستر و طهارة الثوب و البدن و نحو ذلك أو جزء منها كالقراءة و السجود أو كيفية كالجهر و الإخفات أو تركا كالكلام و الالتفات و القهقهة و نحو ذلك، لما تبين في الأصول من اقتضاء النهي في العبادة الفساد من غير فرق بين ما يتعلق بنفس العبادة أو شرطها أو خارج عنها فيها، كالنهي عن التكفير و الكلام و إن كان اقتضاؤه في البعض عقليا و في الآخر عرفيا، لكنهما مشتركان في أنه لم يأت بالمأمور به على وجهه، لكون الإخلال بالجزء إخلالا بالكل، و لانعدام المشروط بانعدام الشرط، فيبقى في عهدة التكليف، على أن الحكم في المقام إجماعي على الظاهر، و عن نهاية الأحكام أنه لا خلاف فيه، فما وقع من بعض المتأخرين من أن النهي إذا لم يتعلق بنفس العبادة أو شرطها لا يقتضي فسادها و إنما يثبت البطلان بدليل من خارج كما في الكلام و الالتفات ليس في محله.

229

نعم قد عرفت أنه لا بد في العامد من تذكر كونه في الصلاة، بل لا بد من تذكر كونه في المحل الذي يجب فيه الشيء، فمن تكلم عامدا غافلا عن كونه في الصلاة أو من ترك الطمأنينة غافلا عن كونه في السجود مثلا ليس من العامد في شيء، و أولى منه ما لو زعم نفسه أنه خارج عن الصلاة، و إلا لوجب الحكم بفساد صلاة من سلم زاعما الإتمام على أنه عن المنتهى «أنه لو تكلم ناسيا للصلاة لم تبطل صلاته، و عليه علماؤنا أجمع» فما يقال-: إن القاعدة تقتضي البطلان في الجميع، و المعلوم خروجه من السهو إذا كان في نفس الشيء، كأن يقع الكلام مثلا عن غير قصد أو يترك السجود كذلك فيبقى الباقي، و لا بأس بالحكم بفساد صلاة المسلم مع زعم الإتمام بعد فرض كونه من المسألة، إلا أن يدل دليل، و ما عن المنتهى لا صراحة فيه في كون الكلام وقع عمدا، و على تقديره فهو أخص من الدعوى- ضعيف جدا، لإطلاق النص و الفتوى في السهو، بل لعل الغالب في أفراده ذلك، مع ما يظهر من ملاحظة الأخبار من إطلاق السهو على المسلم بزعم الإتمام و نحوه، و لعلك تسمع لهذا الكلام تتمة إن شاء الله تعالى.

و كيف كان فلا فرق بين العالم بالحكم الشرعي التكليفي و الوضعي و الجاهل بهما أو بأحدهما معذورا كان الجاهل أو غير معذور على الأصح في الأخير، و لذلك قال:

و كذا أي تبطل صلاته لو فعل ما يجب تركه أو ترك ما يجب فعله جهلا بوجوبه أو بتوقف الصحة عليه، فيكون كالعامد غير معذور، و عن الدرة الإجماع عليه، كما عن شرح الألفية للكركي أن جاهل الحكم عامد عند عامة الأصحاب في جميع المنافيات من فعل أو ترك، مضافا إلى

قول الصادق (عليه السلام) في خبر مسعدة بن زياد (1) في قوله تعالى (2) «فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي

____________

(1) أمالي المفيد (ره) المجلس الخامس و الثلاثون- الحديث 1 ص 172.

(2) سورة الأنعام- الآية 150.

230

أ كنت عالما؟ فان قال: نعم قال له: أ فلا عملت بعلمك (بما علمت خ ل)؟ و إن قال:

كنت جاهلا قال: أ فلا تعلمت حتى تعمل، فيخصمه، فتلك الحجة البالغة»

فما يقال في الجاهل المعذور: إنه مأمور، و الأمر يقتضي الإجزاء يدفعه أنه لا أمر حقيقة بل هو تخيل الأمر، و وجوب العمل عليه بما تخيله للنهي عن الجرأة على المعصية لا يقتضي الاجزاء عن المراد و المطلوب واقعا، و إلا لانهدمت قاعدة واقعية الشرائط و الأجزاء كما هو واضح.

إلا الجهر و الإخفات فإنه يعذر الجاهل بذلك إجماعا محصلا و منقولا كما تبين في محله من غير فرق فيه بين المتنبه و غيره، إلا إذا لم يمكن نية القربة من جهته، بل لا يشترط في ذلك سبق تقليده بالمعذورية و إن فعل محرما بترك السؤال مع التنبه، إذ لا تلازم بين صحة (1) العبادة و فعل المحرم من جهة أخرى في مواضعهما و المتيقن منه القراءة في الأولتين مع احتمال الإطلاق، بل ظهوره في القراءة في الأخيرتين، بل و الذكر فيهما، لشمول رواية زرارة (2) المتقدمة سابقا له، نعم قد يخص ذلك بما إذا لم يكن وجوب الإخفات من حيث المأمومية، فإنه لا يعذر الجاهل فيه كما يأتي إن شاء الله، و اقتصارا فيما خالف الأصل على ما هو المنساق من غير المفروض و مثل الجهر و الإخفات القصر و الإتمام، لا يستثنى من الجاهل بالحكم بالنسبة إلى الصحة و البطلان غير هذين المسألتين و إن تحققت المعذورية في الإثم في غيرهما، و الظاهر تناول معذوريته في المقام لما لو علم بعد الفراغ من القراءة قبل الركوع، بل لو علم في الأثناء مضى ما كان جاهلا فيه و وجب الباقي، و هل المراد بالجهل ما يشمل الجهل

____________

(1) في النسخة الأصلية هكذا و لكن حق العبارة هكذا «بطلان العبادة» أو «لا تنافي بين صحة العبادة و فعل المحرم».

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

231

بالخصوصية كما لو علم مثلا في الجملة وجوب الجهر في بعض الفرائض و الإخفات في أخرى إلا أنه لم يعلمهما بالتفصيل؟ وجهان، أقواهما عدم الشمول، اقتصارا على المتيقن من النص و الفتوى.

و لو جهل غصبية الثوب الذي يصلى فيه أو المكان فلا قضاء و لا إعادة بلا خلاف أجده، لعدم النهي، و لم يثبت اشتراط كونه ليس مغصوبا في الواقع، نعم يتجه البطلان مع العلم بالغصبية، لعدم جواز اجتماع الأمر و النهي في شيء أو جهل نجاسة الثوب أو البدن و لو الجبهة، بل و ما تسمعه من الشعر و لو مسترسلا و نحوه مما يصدق معه إصابة الشخص المصلي المندرج في نحو

قول علي (عليه السلام) (1): «ما أبالي أ بول أصابني أو ماء إذا لم أعلم»

فإنه معذور بالنسبة للقضاء من غير خلاف معتد به، و أما الإعادة في الوقت ففيها قولان تقدما سابقا، كما أنه تقدمت الأدلة على ذلك أو بنجاسة المقدار المعتبر من موضع السجود أي ما يسجد عليه فلا إعادة فيه أيضا كما في النافع و الذكرى و التحرير و القواعد و الإرشاد و عن المعتبر و الهلالية و حاشية الإرشاد و الروض، بل حكي عن المبسوط و الجمل و إن كان لا يخلو من نظر، لكن على كل حال ما في الرياض- من أنه لم يتقدم لحكم السجود على الموضع النجس جهلا ذكر لا هنا و لا في شيء مما وقفت عليه من كتب الفقهاء عدا الشهيد الثاني في الروض فألحقه بالثوب و البدن في الأحكام- في غير محله، كما أن ما حكاه عن روض الشهيد كذلك أيضا، لظاهر ما دل على اشتراط طهارة ما يسجد عليه، إذ مقتضاه ثبوت الإعادة و لو مع الجهل، و إلحاقه بالثوب و البدن من غير دليل يقتضيه قياس لا نقول به، فلا يخرج عن إطلاق الأمر السالم عن المعارض فيه، بل قضية ذلك وجوب القضاء أيضا عليه، لصدق اسم الفوات عليه بظهور الشرطية في الواقع، لكن

____________

(1) الوسائل- الباب- 37- من أبواب النجاسات- الحديث 5 من كتاب الطهارة.

232

في الرياض أنه لم يعلم وجوب القضاء بناء على كونه فرضا مستأنفا، و لا دليل عليه هنا عدا عموم الأمر بقضاء الفوات، و هو فرع تحقق الفوات، و لم يتحقق بعد احتمال اختصاص الشرطية بحال العلم كما في النظائر، فيندفع القضاء بالأصل السالم عن المعارض و هو كما ترى.

نعم قد يتم ذلك لو قلنا بأن وجوب الإعادة عليه في الوقت لعدم العلم بالصحة الذي يتوقف العلم ببراءة الذمة عليه لا للحكم بفساد ما وقع و لو لظهور الشرطية فيما تقدم ضرورة حجية الظواهر كالنصوص، بخلاف الأول فإن عدم الحكم بالصحة أعم من الحكم بالفساد المتوقف عليه اسم الفوات الذي هو موضوع القضاء شرعا، مع أنه لا يخلو من تأمل، لإمكان الاكتفاء في تحقيق الفوات بأصالة عدم حصول المطلوب منه، فتأمل جيدا فإنه قد يقال: إن العمدة في شرطيته الإجماع المفقود في المقام بعد فتوى من عرفت بالعفو عنه الذي يمكن أن يستفاد من نصوص العفو عنه في اللباس مثلا، سيما خبر زرارة (1) المشتمل على التعليل المؤكد لقاعدة الاجزاء في العمل بقاعدة اليقين و نحوها، إلا أن ظاهر الأصحاب عدم العمل بعموم التعليل المذكور كما ستعرفه فيما يأتي إن شاء الله.

[فروع]

فروع:

[الأول إذا توضأ بماء مغصوب]

الأول إذا توضأ بماء مغصوب أذن له فيه الغاصب أولا مع العلم أو ما يقوم مقامه شرعا، و في الاكتفاء بخبر الواحد العدل فيما لو فرض كونه في يد مسلم مثلا إشكال، لاحتمال صيرورته من قبيل المدعي فلا يقبل قوله بالغصبية سواء كان جاهلا بالحكم أو عالما إلا إذا كان جهلا بالحرمة يعذر فيه، فان الظاهر الصحة، لعدم توجه النهي، و عدم ثبوت شرطية الإباحة في الواقع، فيكون الحكم الوضعي في

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب النجاسات- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

233

المقام تابعا للتكليفي و صلى أعاد الطهارة وحدها إن لم يصل و إلا أعاد الصلاة أيضا، لما دل على شرطية عدم العلم بغصبية ماء الوضوء من قاعدة و إجماع منقول و غيرهما و أما لو جهل غصبيته لم يعد إحداهما و جاز له أن يدخل بذلك الوضوء في عبادة أخرى بلا خلاف أجده في ذلك، و قد يلحق به الناسي للغصبية أيضا، لعدم توجه النهي فيهما، و لا دليل على اشتراط إباحة الماء في الواقع، بخلاف نجاسته فإنه لا يعذر الجاهل فيها على الأصح و إن جاز له الإقدام بأصالة الطهارة، و ذلك لما دل على اشتراط الطهارة في الواقع، و المشروط ينعدم بانعدام شرطه، بل في الدرة السنية بعد أن ذكر حكم الجهل بغصبية الماء قال: و ليس الجهل بنجاسة الماء كذلك إجماعا، و لو علم بالغصب في الأثناء فالظاهر صحة ما وقع منه و تتميمه بالماء المباح لصحة الجزء، إذ صحة كل شيء بحسبه، نعم قد يأتي وجهان فيما لو علم بعد تمام الغسل قبل المسح، منشأهما صيرورة ذلك تلفا فينتقل للقيمة، و أنه باق على مملوكية مالكه الأصلي و إن خوطب بالقيمة، و كذلك لو علم بعد الصب على العضو للتتميم بالنسبة إلى إجراء ما على اليد من الماء على المكان الذي لم يصل اليه الماء.

[الثاني إذا لم يعلم أن الجلد ميتة]

الثاني إذا لم يعلم يقينا و لا ما يقوم مقامه أن الجلد جلد ميتة فصلى فيه ثم علم بعد الإتمام لم يعد إذا كان قد أخذه من يد مسلم شرعا أو اشتراه من سوق المسلمين و إن كان فيه كفار ممن لا يعرف إسلامه بالخصوص، لقاعدة الاجزاء، و ظاهر الأخبار المتقدمة سابقا في اللباس معتضدين باتفاق الأصحاب عليه في الظاهر، بل لو لا ه لأمكنت المناقشة فيه بأن الظاهر مما تقدم سابقا كون التذكية شرطا فينعدم المشروط بانعدامها، و جعل الشارع يد المسلم و سوق المسلمين بمنزلة العلم بالتذكية لا يقضي بالصحة حتى لو تبين الخلاف، بل أقصاه الصحة مع استمرار خفاء الحال، و بمنع قاعدة الاجزاء في مثله، و إلا لانهدمت قاعدة الشرائط، فتأمل جيدا، و تقدم

234

سابقا كثير من مباحث المسألة.

فإذا أخذه من يد غير مسلم أو وجده مطروحا و لو في بلد الإسلام بل و لو في أسواقهم و كان عليه أثر الاستعمال على ما يقتضيه إطلاق العبارة و إن كان لا يخلو من نظر، لما يفهم من بعض المعتبرة من الاكتفاء بالصلاة في الفراء المصنوعة بأرض الإسلام و إن كان فيها غير مسلمين لكن بشرط غلبة المسلمين أعاد الصلاة و إن لم يظهر أنه ميتة، لكون التذكية شرطا كما دلت عليه الأخبار (1) المعتبرة، منها

قول الصادق (عليه السلام) في حسنة زرارة (2) بإبراهيم بن هاشم: «فان كان مما يؤكل لحمله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و ألبانه و كل شيء جائز إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح».

و غيره من الأخبار، و هي الحجة، مع أن الأصل عدم التذكية مؤيدا بفتوى من وقفت على كلامه من الأصحاب هنا، إلا أنه مع ذا يظهر من بعضهم الاشكال فيه، و ربما يؤيده بالنسبة إلى بعض الأفراد، مضافا إلى ما سمعته آنفا ما تقدم لنا في آخر مباحث الطهارة، و لكن هو الحكم بطهارة المطروح في بلد الإسلام الذي عليه أثر الاستعمال، و هي أعم من جواز الصلاة فيه، لاحتمال الاكتفاء فيها في مثل المفروض بعدم العلم بالميتة، و هو أعم من الحكم بالتذكية التي هي شرط الصلاة و إن كان ذلك لا يخلو من نظر، نعم الظاهر الصحة لو صلى فيه بل و سائر ما تقدم مع إمكان نية التقرب و صادف أنه مذكى في الواقع، و احتمال أن سبق العلم بتذكيته شرط و لم يحصل ممكن، لكنه بعيد جدا.

[الثالث إذا لم يعلم أنه من جنس ما يصلى فيه]

الثالث إذا لم يعلم أنه من جنس ما يصلى فيه كأن لم يعلم كونه جلد مأكول اللحم أو لا أو حريرا أولا و صلى أعاد الصلاة بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل في المدارك هذا الحكم مقطوع به بين الأصحاب، لاستصحاب شغل الذمة، و عدم العلم

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلى- الحديث 1.

235

بتحقق الساتر المعتبر شرعا، و الشك في الشرط شك في المشروط، و المناقشة فيه بمنع كون الشرط ذلك بل هو التستر بما لم يعلم تعلق النهي به، و لو كان الملبوس غير ساتر كالخاتم و نحوه فأولى بالجواز يدفعها أنها لا تتم في مثل ما ورد فيه الأمر، ك

قوله (عليه السلام) (1): «لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى فيما أحل الله أكله»

بل و لا في ما كان الوارد فيه النهي (2) أيضا كالحرير و نحوه بناء على أن اسم العبادة للصحيح و إن قلنا إن المستفاد منه مانعية الحرير لا شرطية غيره، لكن من المعلوم أن العلم غير داخل في مفاهيم الألفاظ، فليس معنى قوله: لا تصل في الحرير المعلوم أنه حرير، بل النهي فيه منصرف إلى الواقع، و يستفاد منه حكمان وضعي و تكليفي بمقتضى الفهم العرفي، بل ليس الوضعي فيه تبعا للتكليفي، فيثبت بطلان عبادة الجاهل مع ظهور كونه حريرا، كما أنه لا ريب في عدم العلم بالامتثال إذا لم يعلمه من جنس ما يصلى فيه، لعدم العلم بكونها صلاة، فلا يجزى إلا الاحتياط اللازم فيما اشتغلت الذمة به بيقين.

و أما بناء على أنها للأعم أو الصحيح المجتمع من الأجزاء دون الشرائط و الموانع فقد يقال: إن المتجه الصحة حال عدم العلم لصدق اسم الصلاة عليها، فتدخل تحت الإطلاقات، فيحكم بالصحة حتى تعلم الحريرية، فحينئذ تكون فاسدة و يجب الإعادة لظهور

قوله (عليه السلام) (3): «لا تصل في حرير محض»

بذلك، لكن قد يمنع للفرق بين الشك في أصل المانعية و الشك في موضوع ما ثبت مانعيته، و الأول هو المثمر اندراجه في الإطلاقات كما سمعت دون الثاني، و شيوع الفرق بين الشرط و المانع بوجوب العلم بإحراز الأول و الاكتفاء بعدم العلم في الثاني إنما هو فيما كان عدم المانع مقتضى الأصل و نحوه لا في مثل ما نحن فيه مما لا نصيب للأصل فيه، مع أن الواقع فيه المانع

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلى- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلي.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلى- الحديث 2.

236

كما عرفت، أو يدعى أن المفهوم من مثله- فضلا عما تعلق الأمر به كجلد مأكول اللحم- شرطية غير الحرير في صحة الصلاة، فمع عدم العلم به كما هو الفرض لم يعلم الخروج عن العهدة عما ثبت التكليف به من شخصي الصلاة و إن قلنا إن اسمها للأعم، و لعل القطع بوجوب الإعادة في كلام الأصحاب يرشد إلى ذلك، أو للبناء على الأول لما عرفت من أنهم يفهمون من مثل هذه الخطابات أي «لا تصل في الحرير» و نحوه شرطية الصلاة في غير الحرير و لو لأنه لما ورد النهي عن الصلاة في الحرير مثلا كان مقيدا للأوامر الظاهرة في الاكتفاء بالصلاة في كل شيء، فهو من قبيل المقسم له إلى قسمين:

الصلاة في غير الحرير و الصلاة فيه، فتبقى الصلاة في مجهول الحال غير داخلة في واحد منهما، فلم يعلم الامتثال بها، هذا، مع أنه قد يظهر من عبارة ذلك المناقش الحكم بالصحة حتى لو علم بالحريرية مثلا بعد ذلك، و هو معلوم البطلان.

و حاصل البحث في جميع ما تقدم أن الجاهل إما أن يكون بالحكم أو بالموضوع أي متعلق الحكم أما الأول فكالعامد بالنسبة للصحة و البطلان إلا في المسألتين السابقتين و في الجاهل بالحكم جهلا يعذر فيه مع تبعية الحكم الوضعي للتكليفي كالجاهل بحرمة الغصب مثلا جهلا يعذر فيه، و أما الجاهل بالموضوع فالظاهر أنه كذلك أيضا بالنسبة للصحة و البطلان إلا في مسائل ثلاث: الغصبية و النجاسة في الثوب و البدن و محل السجود على الأقوى و الميتة بشرط الأخذ ممن تقدم ذكره، بل يدخل فيه كل ما رخص الشارع بالأخذ فيه من طريق خاص كما في بعض مسائل القبلة و نحوها.

و هل يدخل في ذلك خطأ البينة و حكم الحاكم و نحوهما؟ وجهان، أقواهما العدم تحكيما لقاعدة الشرطية و نحوها، فلو قامت البينة على كون الجلد جلد مأكول اللحم مثلا أو أن هذه القطعة أرض ثم تبين الخطأ فالأقوى وجوب الإعادة، فتأمل، فإنه قد يقال باقتضاء قاعدة الإجزاء عدمها، لكن قد يمنع ظهور أمر العمل بنحو ذلك في الاجزاء.

237

و مثله العمل بخبر الواحد و ظن المجتهد و نحو ذلك، نعم إنما يسلم ذلك في خصوص بعض الموارد التي أمر فيها بالصلاة على الوجه المخصوص الظاهر في كون ذلك مجزيا و إن لم يطابق الواقع كما سمعته في الصلاة بالمأخوذ من سوق المسلمين، مع احتمال كون المراد منه الاذن في الاقدام، و أنه طريق من الطرق ما لم يعلم الواقع، بل مقتضى التأمل في كلام الأصحاب و حصرهم معذورية الجاهل بالحكم في المسألتين و بموضوع الشرائط فيما عرفت للأدلة هدم قاعدة الاجزاء من أصلها بالمعنى المزبور.

و أما عند التردد بين المصحح و المفسد كالأرضية للسجود فالظاهر الإعادة إلا مع نية التقرب و مصادفة الواقع على تأمل في البعض، لاحتمال كون الشرط فيه سبق العلم لا من جهة التوصل إلى نية التقرب، و الظاهر أن ما ذكرناه بالنسبة إلى ما لا يعلم أنه من جنس ما يصلى فيه من الحكم بالبطلان لا يجري بالنسبة إلى العوارض الطارية له، أو لبدن المصلي من الرطوبة التي لا يعلم كونها مما يؤكل لحمه أو لا و نحو ذلك من الفضلات بل و كذلك الشعرات التي لا يعلم كونها من مأكول اللحم أو لا، للسيرة المستقيمة من العلماء و الأعوام في عدم التجنب لمثل ذلك حتى يعلم، بل قد يتمسك بالاستصحاب أيضا بأن يقال كان هذا الساتر أو البدن خاليا عن المانع فليكن الآن كذلك، و إن كان هو كما ترى بعد الإحاطة بما ذكرناه، مع احتمال القول بوجوب التجنب لما تقدم سابقا و لإطلاق بعض الكلمات، و الأول هو الأقوى، و يجري هذان الاحتمالان في غير الساتر من اللباس، بل و في المحمول بناء على المنع منه من غير مأكول اللحم، بل لا يخلو الفساد من قوة عند القائلين بوضع أسماء العبادة للصحيح، بل و مطلقا بناء على ما عرفته من كون المراد من النهي عن ذلك و نحوه الواقع، و لا طريق له إلا العلم بالعدم، و لا سيره في المقام كما في العوارض، مع أنه يمكن منعها في العوارض أيضا بالنسبة إلى الإعادة لو بان الواقع، و الله العالم فتأمل.

238

[في الخلل الواقع في الصلاة سهوا]

و أما حكم الخلل الناشئ عن السهو و الظاهر شموله للترك الناشئ عن الغفلة عن الشيء و عدم خطوره في الذهن إما له نفسه أو لعدم خطور الصلاة، و للترك لزعم الإتيان به، فان لفظ السهو صادق على كل منهما، و ترتب الأحكام بالنسبة إليهما متحد، و أما الترك لنسيان الحكم الشرعي فالظاهر أنه من العمد

[حكم الإخلال بالركن]

فإن أخل بركن أي ترك ركنا من الأركان الخمسة المتقدم معناه سابقا أعاد الصلاة إن لم يذكر إلا بعد تجاوز المحل من غير فرق بين التكبير و غيره، ف ما في بعض الأخبار (1)- من عدم بطلان الصلاة بالسهو عن التكبير حتى لو ركع القاضي بعدم ركنيتها- مخالف لإجماعنا المحكي على لسان جماعة، بل و المسلمين أيضا عدا الزهري و الأوزاعي، نعم تسمع الخلاف فيما يأتي في مثل الركوع، أما لو ذكر قبل تجاوزه فلا بطلان بل كان عليه أن يأتي به بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في المنتهى، قال فيه: «لو أخل بركن في الصلاة سهوا و كان محله باقيا أتى به بلا خلاف بين أهل العلم» و الظاهر بعد إمعان النظر أن المراد بالمحل في المقام عدم الدخول في ركن آخر في غير التكبير، و أما فيه فهو الدخول في القراءة كما هو الظاهر من المصنف هنا و النافع و التحرير و المنتهى و غيرها، فيكون الوجه حينئذ في الأول عدم استلزام التلافي سوى زيادة ما لا تقدح زيادته سهوا كما أشار إليه في المنتهى بقوله بعد نفي الخلاف المتقدم: فإن الإتيان به ممكن على وجه لا يؤثر خللا و لا إخلالا بهيئة الصلاة، لكن فيه أنه لا يتم في السهو عن الركوع حتى دخل في السجود، لكون زيادة سجدة واحدة سهوا غير قادحة في الصلاة، كما أنه لا يتم الاستدلال عليه أيضا بفحوى الأخبار (2) الآمرة بالإعادة على المشكوك فيه مع بقاء المحل، إذ فيه أن المراد بالمحل فيهما مختلف على الظاهر لأن المراد به على الأصح في

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الركوع و الباب 15 من أبواب السجود.

239

الشك الدخول في فعل آخر، و المراد به هنا عدم الدخول في ركن.

و أما في التكبير فعن الدرة و الذكرى الإجماع على بطلان صلاة من سها عن التكبير حتى قرأ و إن لم أجده فيهما، بل الموجود الإجماع على الركنية و الابطال سهوا، نعم حكي عن إرشاد الجعفرية و النجيبية و الشافية الإجماع على ذلك، و في المدارك أن هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب على ما نقله جماعة، قلت: قد يظهر الخلاف في ذلك من السرائر حيث أنه جعل فيها من السهو الموجب لإعادة الصلاة السهو عن تكبيرة الافتتاح ثم لا يذكرها حتى يركع، و جعل من السهو الموجب للتلافي السهو عن التكبيرة ثم ذكرها و هو في القراءة قبل الركوع، فأوجب عليه أن يكبر ثم يقرأ، بل ربما يظهر من المنقول عن المراسم، لقوله: كمن سها عن تكبيرة الإحرام حتى يركع، فإنه ظاهر في عدم القدح بالدخول في القراءة، بل قد يدعى ظهوره من كل من اشترط في إبطال السهو عن الركن الدخول في ركن آخر، لأن القراءة ليست ركنا.

و كيف كان فالأقوى الأول بعد الإغضاء عن عدم تصور الثاني كما ستعرفه لما سمعته من الإجماعات المنقولة، مضافا إلى

قول أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح (1): «عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح قال: يعيد»

إذ الظاهر إرادة إعادة الصلاة، ك

قول أحدهما (عليه السلام) في رواية محمد (2) في الذي يذكر أنه لم يكبر في أول صلاته فقال: «إذا استيقن أنه لم يكبر، فليعد و لكن كيف يستيقن»

و قول الصادق (عليه السلام) (3): «عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة فقال: يعيد الصلاة و لا صلاة بغير افتتاح»

و قوله (عليه السلام) أيضا في خبر ابن أبي يعفور (4) «في الرجل يصلي فلم يفتتح بالتكبير هل تجزيه تكبيرة الركوع؟ فقال: لا، بل يعيد صلاته

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 1.

240

إذا حفظ أنه لم يكبر»

و لا ينافي ذلك

خبر ذريح المحاربي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن الرجل ينسى أن يكبر حتى قرأ قال: يكبر»

و خبر زرارة أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «قلت له: الرجل ينسى أول تكبيرة من الافتتاح فقال: إن ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرأ ثم ركع».

و خبر أبي بصير (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة فنسي أن يكبر فبدأ بالقراءة فقال: إن ذكرها و هو قائم قبل أن يركع فليكبر، و إن ركع فليمض في صلاته»

و ذيله لا يخرجه عن الحجية كما ذكرنا، إذ هي- بعد الغض عما في السند بالنسبة للبعض و اشتمالها على ما لا يقول به الأصحاب، و رجحان الأخبار السابقة عليها بالإجماعات المنقولة و غيرها- محتملة لأن يراد بالأمر بالتكبير فيها إعادة الصلاة، و احتمال العكس- مع أنك قد عرفت رجحان الأولة- لا يقبله بعضها، بل يؤيد الأول أيضا ما نقل من الإجماع على وجوب مقارنة النية تكبيرة الإحرام الشامل لصورتي العمد و السهو، و من هنا نقل عن السيد حسن بن السيد جعفر جعل مقارنة النية للتكبير من الأركان، و كأن الذي دعاه إلى ذلك هو حكمهم ببطلان الصلاة مع السهو عن التكبير و الدخول في القراءة.

على أن هذا كله مبني على أن المراد بالنية الاخطار و التصور الفكري مع اشتمالها على نية الوجه و نحوها كما هو الظاهر منهم حتى يتجه ثمرة لهذا النزاع من استقبال التكبير خاصة أو الصلاة، و إلا فبناء على ما اخترناه من أن النية هي الداعي فالظاهر سقوط ذلك لكونها لازمة لإعادة التكبير، و يكون استقبالا للصلاة، بل هو مبني أيضا على كون النية جزءا من الصلاة و أن الدخول في الصلاة يتحقق بها، و التكبير لتحريم القطع، و إلا فبناء على أنها شرط و أن الصلاة لا تنعقد إلا بالتكبير يسقط البحث من جهة أنه لم يحصل

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 10.

241

دخول في الصلاة حتى يقال: إنه سها عن ركن فيها، لأن الكلام بعد انعقاد الصلاة و كونها صحيحة، و لعله لذا لم يحرروا هذه المسألة و أطلقوا أن السهو عن الركن يتدارك ما لم يدخل في ركن آخر مع ذكرهم أن السهو عن التكبير لا يتدارك بالدخول في القراءة أو لأن التلافي في الحقيقة عين الإعادة، بل هو مبني أيضا على عدم اشتراط مقارنة النية في مثل هذا الحال، و إلا سقط البحث من أصله أيضا.

و الظاهر أنه لا فرق في وجوب الإعادة بين الشروع في القراءة و غيرها من الأذكار التي تقرأ أمام القراءة و إن كان ظاهر عبارتهم يقضي بالتخصيص في القراءة، لكنه مبني على الغالب، و إلا فالمراد أنه متى سها عن التكبير وجب إعادة الصلاة.

هذا كله في المحل بالنسبة للتكبير، و أما بالنسبة للقيام فقد ذكر جمع منهم المصنف أن من أخل به حتى نوى بطلت صلاته، و صريح بعضهم جعله من الأركان، و لا يخفى ما فيه، لأنه مبني على جزئية النية، بل على جزئية القيام معها أيضا، و لعل مقصودهم بيان ما تبطل الصلاة بتركه و لو سهوا بالنسبة إلى أجزاء الصلاة أو ما يقرب من أجزائها فنقول حينئذ: من سها عن القيام حتى نوى فالظاهر بطلان صلاته، أما بناء على كون النية جزء من الصلاة فيمكن الاستدلال عليه حينئذ بعد الأصل في نحو العبادة التوقيفية بالأخبار الدالة على وجوبه في الصلاة، ك

قوله (عليه السلام) في خبر زرارة (1): «من لم يقم صلبه فلا صلاة له»

و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) «من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له»

و قول أبي جعفر (عليه السلام) (3) في قوله تعالى (4):

«فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»: النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه و نحره»

إلى غير ذلك، مضافا إلى ما نقل من الإجماع على وجوبه في الصلاة و أنه ركن، و أما بناء على كون

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام- الحديث 3.

(4) سورة الكوثر- الآية- 2.

242

النية شرطا خارجا عن حقيقة الصلاة فكذلك أيضا، لأنه يعتبر فيها حينئذ جميع ما يعتبر على تقدير الجزئية كما يظهر من جماعة من الأصحاب، و كأن وجهه ما نقل من الإجماع على وجوب مقارنة النية تكبيرة الإحرام، و لا ريب في شرطية القيام بالنسبة إليها، و هو متجه بناء على أن المراد بالمقارنة ما هو الظاهر منها من كون الزمان الواحد ظرفا لهما، و كذلك إن أريد بها إيقاعها بين الالف و الراء، أو أريد بها بسط النية على التكبير بالابتداء و الانتهاء، أما إن أريد بالمقارنة وقوع التكبيرة في آخر جزء من النية فيمكن القول حينئذ أنه إن سها عن القيام حتى نوى ثم ذكر قبل أن يكمل بحيث أمكنه المقارنة صحت، و إلا فلا، بل قد يدعى أنه حينئذ لا دليل على البطلان بتعمد مثل ذلك فضلا عن سهوه، و تصريح الجماعة بخلافه ما لم يكن إجماعا لا حجة فيه، نعم يمكن أن يدعى ظهور ما دل على اعتبار القيام في الصلاة من الأخبار المذكورة و من

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر أبي حمزة الصحيح (1): «يصلي قائما»

و نحوه مع أغلبية وقوع النية عند الفعل في ذلك، بل يمكن للمتتبع تحصيل الإجماع على أنها على تقدير شرطيتهما للصلاة لا بد من تأخرها عن جميع شرائط الصلاة سيما القيام، و من هنا وقع الخلاف في كونها جزءا أو شرطا، لكن ذلك كله بناء على ما هو الظاهر في معنى النية لا على مختارنا فيها، فإنه لا يتأتى شيء من ذلك.

و أما بطلان الصلاة بالسهو عن النية حتى كبر فالإجماع محصلا و منقولا عليه، مضافا إلى

قولهم (عليهم السلام) (2): «لا عمل إلا بنية»

و لا ريب في عدم صدقه بعد فوات التكبير، إلى جميع ما ذكرنا أشار المصنف و إن تسامح بإطلاق لفظ الركن على ما ليس ركنا اصطلاحا بقوله كمن أخل بالقيام حتى نوى أو بالنية حتى كبر

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات من كتاب الطهارة.

243

أو بالتكبير حتى قرأ ثم قال أو بالركوع حتى سجد أو بالسجدتين معا حتى ركع فيما بعد، و قيل يسقط الزائد من الركوع و السجود و يأتي بالفائت مع ما بعده و يبني، و قيل يختص هذا الحكم أي الإسقاط مع الإتيان بالفائت بالأخيرتين، و لو كان في الأولتين استأنف، و الأول أي البطلان أظهر من غير فرق بين الأولتين و الأخيرتين، أما في الأول أي الإخلال بالركوع حتى سجد فهو المشهور، بل ربما نسب إلى عامة المتأخرين، كما أنه حكي عن المفيد و المرتضى و سلار و ابني إدريس و البراج و أبي الصلاح، بل هو ظاهر المحكي عن ابن أبي عقيل أيضا، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، إذ لم يعلم أن التدارك وجه له، و ل

قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح عن رفاعة (1) «سألته عن رجل نسي أن يركع حتى يسجد و يقوم قال:

يستقبل»

و موثقة إسحاق بن عمار (2) «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يركع قال: يستقبل حتى يضع كل شيء من ذلك موضعه»

و قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (3): «إذا أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة»

و خبره الآخر (4) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ينسى أن يركع قال: عليه الإعادة»

و صحيح زرارة (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) «لا تعاد الصلاة إلا من خمس: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».

بل يمكن الاستدلال عليه أيضا في الجملة ب

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر زرارة و بكير (6): «إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها و استقبل صلاته»

و ما في البعض من الضعف على تقدير وجوده منجبر بالشهرة المحصلة و المنقولة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الركوع الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الركوع الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الركوع الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الركوع الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الركوع الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

244

بل في المنقول عن الغنية الإجماع عليه، بل قد يستدل بما عن النجيبية أيضا «ان من سها عن ركن من الأركان الخمسة أعاد إجماعا» و بما في السرائر في المسألة من الإجماع على أن الركوع ركن متى أخل به ساهيا أو عامدا حتى فات وقته و أخذ في حالة أخرى بطلت صلاته، و دعوى أن بعض هذه الروايات ليست بصريحة في الذكر في الأثناء بل لا تأبى الحمل على نسيان الركوع أبدا يدفعها مع أن البعض الآخر كاف في ذلك أنه مطلق لا استفصال فيه، و هو حجة كما بين في محله، و كذلك دعوى أنها ليست دالة على الإخلال بمجرد الدخول في السجود، على أنه على تقدير سجوده سجدة واحدة لا يحصل بالتدارك إلا زيادة سجدة واحدة سهوا، و هي غير قادحة، و لم يقم إجماع على عدم جواز التلافي بمجرد الدخول في ركن آخر، إذ مع أنه لا قائل بالفصل في المقام يكفي في ذلك إطلاق جملة من المعتبرة المتقدمة، مع إطلاق إجماع الغنية أيضا، بل قد يقال: و إجماع النجيبية و السرائر المتقدمين، بل هو مقتضى القاعدة أيضا، و عدم البطلان بزيادة السجدة مع عدم ترك الركوع لا يلزم منه صحة ما نحن فيه، و القياس لا نقول به، فحينئذ لا يشمله

قول أبي عبد الله (عليه السلام) (1) «في رجل استيقن أنه زاد سجدة لا يعيد الصلاة من سجدة»

لأن الظاهر أن المراد منه زيادة سجدة خاصة لا ما إذا كانت الزيادة مع نسيان الركوع، بل هو من التخريج الذي لا نقول به، فتأمل.

لا يقال إن خبر أبي بصير الأول ظاهر في تقييد ذلك بالسجدتين فيقيد به تلك المطلقات، لأنه- مع كونه غير قابل للتقييد، لانجبار تلك المطلقات بفتوى الأصحاب من غير خلاف يعرف بينهم في المقام، إذ لم نقف على من فصل بين السجدة الواحدة و السجدتين سوى ما في مفتاح الكرامة من أنه في بعض العبارات حتى سجد سجدتين مع أني لم أقف عليها، بل هي غير صريحة في ذلك- غير ظاهر في التقييد بناء على حمل

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الركوع- الحديث 3.

245

الواو في قوله (عليه السلام): «و سجد سجدتين» على معنى أو، بل لا تعارض حينئذ بينه و بين تلك المطلقات، لكونه من قبيل التنصيص على أحد الأفراد، مع أن الظاهر من مفهومه هنا رفع اليقين لا اليقين مع السجدة الواحدة، و إن أريد بالركعة الركوع كان الواو في قوله (عليه السلام): «و ترك الركوع» بمعنى «أو» و كان شاهدا لنا، و لذلك لم يجعله المناقش في المقام منه، فتأمل جيدا.

و كذا لا يقال إن

قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الله بن سنان (1): «إن نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك سهوا»

أيضا مطلق شامل لما بعد السجدة الواحدة و قبلها، و بين المطلقين تعارض العموم من وجه، لأنا نقول: قد عرفت أن ما ذكرناه أرجح من وجوه متعددة لا تخفى فما ظهر من صاحب المدارك و تبعه صاحب الحدائق من المناقشة في البطلان مع الذكر قبل إتمام السجدتين ليس في محله، و قوله في الحدائق: إنه لا يوافق ما ذكروه في غير المقام من غير خلاف بينهم ان من سها عن واجب يمكن تداركه ثم تداركه صحت صلاته يدفعه أن الكلام في إمكان تداركه في المقام، نعم ظاهر كلام الأصحاب حيث يتحقق السجود و لو على ما لا يصح السجود عليه في الأقوى دون الهوي و نحوه، أما الواصل إلى حد السجود من غير تحقق سجود منه كما إذا كان محل سجوده فيه هبوط ففي إلحاقه به وجهان، أقواهما الإلحاق، تحكيما للقاعدة في البطلان، و يحتمل عدمه، لعدم صدق مسمى السجود، هذا.

و عن ابني الجنيد و بابويه الخلاف في أصل المسألة، قال الأول على ما في المختلف:

«لو صحت الأولى و سها في الثانية سهوا لم يمكن استدراكه كأن أيقن و هو ساجد أنه لم يكن ركع فأراد البناء على الركعة الأولى التي صحت له رجوت أن يجزيه ذلك،

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

246

و لو أعاد إذا كان في الأولتين و كان الوقت باقيا كان أحب إلى و في الثنائيتين أي الأخريين ذلك يجزيه» انتهى، و هو ظاهر في إرادة بطلان ما وقع منه، و ليس يريد إعادة ركوع ثم سجود، بل الظاهر أنه يوجب ركعة مستقلة من قراءة و نحوها، و لا يقدح ما وقع بين الأولى و الثانية و هكذا، و قال علي بن بابويه على ما في المختلف أيضا: «و إن نسيت الركوع بعد ما سجدت من الركعة الأولى فأعد صلاتك، لأنه إذا لم يثبت لك الأولى لم يثبت لك صلاتك، و إن كان الركوع من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين و اجعل الثالثة ثانية، و الرابعة ثالثة» انتهى. و مراده إلقاء ما وقع ما بين الأولى و غيرها و جعل الثالثة المقدرة على معنى كونها ثالثة لو كانت الثانية صحيحة ثانية، بل يظهر من المنقول عن الشيخ في النهاية عدم اشتراط سلامة الأولى في وجه أيضا، قال: «فان تركه ناسيا ثم ذكر في حال السجود وجب عليه الإعادة، فان لم يذكر حتى صلى ركعة أخرى و دخل في الثالثة ثم ذكر أسقط الركعة الأولى و بنى كأنه صلى ركعتين، و كذلك إن كان قد ترك الركوع في الثانية و ذكر في الثالثة أسقط الثانية و جعل الثالثة ثانية و تمم الصلاة» بل يظهر من المبسوط وجود قائل بالتلفيق مطلقا، لقوله في فصل السهو: «و في أصحابنا من قال: يسقط السجود و يعيد الركوع ثم يعيد السجود، و الأول أحوط، لأن هذا الحكم يختص بالأخيرتين» و نحوه عن الجمل و الاقتصاد، و قال في باب الركوع: «إن أخل به عامدا أو ناسيا في الأولتين مطلقا أو في ثالثة المغرب بطلت صلاته، و إن كان في الأخيرتين من الرباعية فإن تركه عمدا بطلت صلاته، و إن تركه ناسيا و سجد السجدتين أو واحدة منهما أسقط السجدة و قام و ركع و تمم صلاته» انتهى. و هو صريح في التفصيل الذي ذكره المصنف، و لا يخفى أن كلام هؤلاء المخالفين جميعهم ظاهر في أن زيادة السجدتين سهوا غير مبطلة، فما يأتي مما تسمعه من المدارك و الرياض و غيرهما من نفي الخلاف في بطلان الصلاة بزيادة السجدتين

247

سهوا في غير محله، إلا أن يكون مرادهم في غير ما نحن فيه، فتأمل، كما أنه لا يخفى عليك احتياج تحرير هذه الأقوال إلى زيادة تنقير، لكن لما كان المختار عدمها جميعها كان الاعراض عن ذلك أولى.

و كيف كان فمما يمكن الاستدلال به لذلك

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (1) «في رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع قال: فان استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما، فيبني على صلاته على التمام، و إن كان لم يستيقن إلا بعد ما فرغ و انصرف فليقم فليصل ركعة و سجدتين و لا شيء عليه»

و في الوسائل رواه الصدوق بإسناده عن العلاء، قلت: فيكون الرواية حينئذ صحيحة، لأن طريق الفقيه إلى العلاء صحيح لا على رواية الشيخ، و منه يظهر وجه وصف بعضهم لها بالصحة كما يظهر ما في طعن آخر فيها، و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح العيص بن القاسم (2) «في رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر أنه لم يركع يقوم و يركع و يسجد سجدتي السهو»

و فيه مع عدم كون الثاني مما نحن فيه إلا على وجه تسمعه فيما يأتي أنه لا يصلح حجة لتفصيل الشيخ، و لا لتفصيل ابن الجنيد و ابن بابويه، بل و لا لتفصيل النهاية في أحد الوجهين، لعدم الفرق فيه بين الأولى و غيرها، و لا بين الأولتين و الأخيرتين، و لا بين ما إذا ذكر في حال السجود في الأولى كما اشترطه في النهاية و غيره، و مجرد كون ذلك جمعا بين الأخبار لا يقضي به مع عدم الشاهد عليه، بل الجمع فرع التكافؤ، و ليس، لرجحان الأخبار الأولة من وجوه عديدة من الانجبار بالشهرة و الإجماع المنقول و غيرهما.

و احتمال أن الشاهد على التفصيل بين الأولى و غيرها

الرضوي (3) «و إن

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الركوع- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الركوع- الحديث 3.

(3) فقه الرضا (عليه السلام) ص 9.

248

نسيت الركوع بعد ما سجدت من الركعة الأولى فأعد صلاتك، لأنه إذا لم تصح لك الأولى لم تصح لك صلاتك، و إن كان الركوع من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين و اجعلها أعني الثانية الأولى، و الثالثة ثانية، و الرابعة ثالثة»

المؤيد ب ما عن العلل و العيون (1) كما في الرياض يدفعه بعد تسليم حجية الرضوي أنه لا يقاوم أيضا تلك الأخبار المنجبرة بالقاعدة و غيرها مما عرفت، فإنه لا يكفي في شاهد الجمع مجرد كونه حجة كما بين في محله، هذا.

و في الرياض تضعيف الصحيح الأول باشتماله على ما لا يقول به الخصم بل و لا أحد من وجوب صلاة ركعة مع سجدتين بعد الانصراف من الصلاة إذا استيقن ترك الركوع، قال: و منه يظهر شذوذ الثاني و عدم ارتباطه بما نحن فيه، قلت: هذا من جملة فروع المسألة، فإن القائلين بالتلفيق يلتزمون ذلك، لصيرورة الثالثة مثلا ثانية، و الرابعة ثالثة، فتكون الفريضة ناقصة ركعة، فإذا ذكرها بعد التمام جاء بها على القاعدة، و لذا جعله في المبسوط من فروع المسألة، و قوله: و منه يظهر شذوذ الثاني فيه أن له ارتباطا على تقدير أن يراد بالركعة فيه الركوع بقرينة قوله: لم يركع، فحينئذ يكون من المسألة، و يحمل قوله (عليه السلام) في الجواب: و يركع مع السجود معه، لأنه من قبيل من نقص ركعة، و الأمر سهل، نعم دلالة الجزء الأول على التلفيق مطلقا متجهة، لكن لم يعرف قائله و إن نسب إلى الشيخ، مع أنك قد عرفت أنه غير قابل للمعارضة لما سمعت من الأدلة.

و كذا ذكر في الرياض و غيره أنه لا شاهد للشيخ على ما ذكره من التفصيل بين الأولتين و الأخيرتين، و فيه أنه لعله الروايات التي ذكروها في باب الشك،

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الركوع- الحديث 2.

249

منها

قول الصادق (عليه السلام) (1): «إذا سلمت الركعتان الأولتان سلمت الصلاة»

و منها

قوله (عليه السلام) أيضا (2): «ليس في الركعتين الأولتين من كل صلاة سهو»

و منها

قول أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (3): «الإعادة في الركعتين الأولتين و السهو في الركعتين الأخيرتين»

إلى غير ذلك من الأخبار، بل في السرائر الإجماع على بطلان الصلاة إذا لم تسلم الأولتان، قال: ذلك في المسألة، نعم المتجه في الرد عليه حينئذ أن المراد بالسلامة و السهو في هذه الأخبار الشك في أعدادها لا كل سهو فيها كما لا يخفى على من لاحظها مع غيرها، على أنك قد عرفت انجبار الأخبار السابقة بما يوجب تأويل المقابل أو الطرح لا الجمع، لأنه فرع التكافؤ، فتأمل.

و أما البطلان في ناسي السجدتين حتى ركع فهو المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل عن النجيبية أنه لا خلاف فيه، و في المنقول عن الغنية الإجماع عليه أيضا، و قد عرفت أن كلام من تقدم في الركوع، نعم يظهر من المبسوط أن القائلين بالتلفيق لم يفرقوا بين السجدتين و الركوع، و كذلك بالنسبة إلى مذهبه من التفصيل بين الأولتين و الأخيرتين، بل تقدم في فصل السجود نسبة الخلاف إلى جماعة، فلا حظ، لكن قد عرفت أن الصحيح مخصوص في الركوع، فلا معنى للتعدية، و دعوى أن السجود كالركوع غير ثابتة، و على تقديرها كان جميع ما تقدم حجة عليه، و الأولى الاستدلال له بخبر عبد الله بن سنان المقدم.

و كيف كان فلا ريب أن الأقوى البطلان، لما عرفت من الإجماع و نفي الخلاف و القاعدة المتقدمة مع إطلاق جملة من الروايات السابقة، كقوله في صحيح زرارة المتقدم:

«لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»

بل يدل

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 10.

250

عليه أيضا ما دل على أن زيادة الركوع مبطلة على كل حال، ك

قول الصادق (عليه السلام) في خبر منصور بن حازم (1): «لا يعيد صلاة من سجدة و يعيدها من ركعة»

و مثله غيره، فان الظاهر من مقابلة السجدة أن يراد بالركعة الركوع كما فهمه بعضهم، مع إمكان الاستدلال عليه ب ما دل (2) على إعادة ناسي السجدة الواحدة ما لم يركع، فلاحظ و تأمل، بل و مفهوم

خبر محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) «ان الله عز و جل فرض الركوع و السجود، و القراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، و من نسي القراءة فقد تمت صلاته»

و موثق منصور بن حازم (4) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها فقال: أ ليس قد أتممت الركوع و السجود؟ فقلت: بلى، قال: فقد تمت صلاتك إذا كنت ناسيا»

على أنه أيضا سيأتي في المسألة نفي الخلاف من الرياض و المدارك عن البطلان بزيادة الركوع، و إن كان فيه ما فيه، إلا أن يريدوا في غير هذه المسألة لنقلهم الخلاف فيها عن قريب، و بجميع ما ذكرنا يخص

خبر عبد الله بن سنان المتقدم (5) قال: «إن نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك»

و كذا تبطل لو زاد في الصلاة ركعة أو ركوعا أو سجدتين أو تكبيرا، و حينئذ أعاد سهوا و عمدا بخلاف غيرها، فإنها لا تبطل زيادته، أما النية فلأنها القصد إلى الفعل، و هو إن لم يكن استحضاره مؤكدا لم يكن مفسدا، بل قد عرفت سابقا أن الذي تقتضيه الضابطة في وجه بل قول استحضار هذا القصد في

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الركوع- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب السجود- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 29- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الركوع- الحديث 3.