جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج12

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
460 /
301

كل زيادة تدخل عليك أو نقصان» بل في الوافي زاد فيها «و من ترك سجدة فقد نقص»

لكن المعروف و المنقول في كتب الاستدلال و غيرها كالوسائل عدمها، و الظاهر أنها من عبارة الشيخ في التهذيب في بيان وجه الاستدلال بالخبر المزبور على وجوب سجدتي السهو على من ترك السجدة و إن قضاها، فلاحظ، و ما في سنده من الوهن منجبر بما عرفت، و خبر جعفر بن بشير السابق (1) و خبر منهال القصاب (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أسهو في الصلاة و أنا خلف الامام فقال: إذا سلم فاسجد سجدتين و لا تهب»

فان تعليقه الحكم على مطلق السهو يشمل ما نحن فيه، و لا يقدح خروج كثير من الأفراد، لما عرفت أن ذلك يقدح في العموم اللغوي.

و ربما استدل عليه ب

خبر الفضيل بن يسار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «من حفظ سهوه و أتمه فليس عليه سهو، إنما السهو على من لم يدر أ زاد في صلاته أم نقص»

و نحوه غيره، إما لأن المراد منه الشك في الخصوصية بعد معلومية أحدهما كما لعله المعنى الحقيقي لهذه العبارة، فيجب حينئذ هنا، لعدم القول بمدخلية هذا الشك، أو لأنه إذا وجب للشك في الزيادة و النقيصة فمع التيقن بطريق أولى، و ربما نوقش بأنه لا أولوية عقلية و لا لفظية، بل هذا الخبر بالدلالة على خلاف المطلوب أوضح، لدخول قاضي السجدة تحت من حفظ سهوه و أتمه، و قد تدفع بأنها عرفية، و عدم رفع الفعل بعد الصلاة اسم النقصان، بل و لا هو معنى التتمة.

و عن ظاهر المنقول عن المفيد في الغرية و أبي جعفر بن بابويه و والده عدم الوجوب بل عن أمالي الأول منهما أنه من دين الإمامية، للأصل، مضافا إلى

مضمرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب السجود- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 6.

302

أبي بصير (1) المشتملة بعد الأمر بقضائها بعد الانصراف على قوله (عليه السلام):

«و ليس عليه سهو»

كمضمر محمد بن منصور (2) «سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها. فقال: إذا خفت أن لا تكون وضعت جبهتك إلا مرة واحدة فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة و تضع جبهتك مرة و ليس عليك سهو»

و يؤيده مع ذلك خلو الأخبار (3) الصحيحة الكثيرة الواردة في مقام البيان عن الأمر بهما، و الموثق (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سهو ما يجب فيه سجدتا السهو قال: إذا أردت أن تقعد فقمت أو أردت أن تقوم فقعدت أو أردت أن تقرأ فسبحت أو أردت أن تسبح فقرأت فعليك سجدتا السهو، و ليس في شيء مما يتم به الصلاة سهو- إلى أن قال- و سئل عن الرجل ينسى الركوع أو ينسى سجدة هل عليه سجدتا السهو، قال: لا، قد أتم الصلاة»

إلى آخره.

و في الكل نظر، أما الأول فهو- مع كونه مضمرا ضعيفا لا جابر له موهنا باعراض المشهور عنه- معارض للإجماعات السابقة محتمل لأن يراد بالسهو المنفي الموجب للإعادة أو غيرها لا سجدتيه، أو لحال التدارك، بل رواية الفقيه له مسندا صحيحا لا تجدي أيضا بعد الاعراض المزبور، و ما سمعته من محكي الإجماع المسطور، و أما الثاني ففيه مع ذلك أيضا أنه صريح أو كالصريح في صورة الشك، و الكلام في النسيان و إن استفيد حكمه منها، و أما التأييد بالخلو المتقدم فهو غير صالح لأن يعارض ما سمعت من الأدلة المتقدمة، و كذلك الموثق مع قصور دلالته و اشتماله على ما لا يقول به الخصم و الحصر في السؤال، و معلومية إرادة حال التدارك منه بقرينة ذكر الركوع و غيره، فكان الأول هو الأقوى، فما وقع من بعض المتأخرين كالفاضل المعاصر في

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب السجود- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب السجود- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب السجود.

(4) التهذيب ج 2 ص 353- الرقم 1466 من طبعة النجف.

303

الرياض و غيره من الميل اليه ضعيف.

و أما وجوبهما لنسيان التشهد ففي المدارك أنه لا خلاف فيه، بل في الخلاف الإجماع عليه في موضعين، و عن الغنية الإجماع عليه أيضا، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة غاية الاستفاضة التي قد تقدم بعضها في البحث عن قضائه، فما عن ظاهر بعضهم من العدم لعده مواضع السجود مع تركه له ضعيف جدا، و الظاهر أنه لا فرق بين الأول و الثاني كما تقدم سابقا، و يأتي الكلام إن شاء الله في باقي ما يجب له سجدتا السهو في الخاتمة.

[في الخلل الواقع في الصلاة شكا]

و أما الخلل الحاصل في الصلاة بسبب طرو الشك فيها، و المراد به التردد مع تساوي الطرفين

[ففيه مسائل]

ففيه مسائل:

[الأولى من شك في عدد الواجبة الثنائية أعاد]

الأولى من شك في عدد الواجبة الثنائية أعاد كالصبح و صلاة السفر و صلاة العيدين إذا كانت فريضة و الكسوف عند علمائنا كما في التذكرة و المعتبر مع زيادة الجمعة فيهما، و ترك التمثيل بالكسوف و صلاة العيدين في ثانيهما، بل في المنتهى «ذهب إليه علماؤنا أجمع إلا ابن بابويه» و إن ترك التمثيل فيه بالعيدين أيضا، على أن النقصان و الزيادة في التمثيل غير قادحين، و لذا حكى الإجماع العلامة الطباطبائي في المصابيح على البطلان في كل شك تعلق بغير الرباعية و صلاة الاحتياط من الفرائض، و عن الانتصار و الغنية الإجماع في الفجر و السفر، و في الخلاف «من شك في صلاة الغداة أو المغرب فلا يدري كم صلى أعاد- إلى أن قال-: دليلنا إجماع الفرقة- ثم قال-: من شك في صلاة السفر أو صلاة الجمعة وجب عليه الإعادة- إلى أن قال-: دليلنا ما قلناه في المسائل الأول من إجماع الفرقة و طريقة الاحتياط» و الظاهر أنه لا يريد بقوله في العبارة الأولى «فلا يدري» تخصيص نوع الشك، بل هو ما يشمل ما نحن فيه بقرينة استدلاله بأخبار ليست خاصة في ذلك، و كيف كان فلم أعثر على مخالف في هذا الحكم، بل و لا من حكي عنه ذلك سوى ما نقله بعضهم عن ابن بابويه من تجويز البناء على

304

الأقل، و ستعرف ضعفه، على أنه غير ثابت، بل أطال بعض المتأخرين في بيان فساد هذا النقل عنه.

و الذي يدل على الحكم المذكور- مضافا إلى ما سمعت من الإجماعات الصريحة و الظاهرة- الأخبار المستفيضة، منها

قول أحدهما (عليهما السلام) في خبر زرارة (1) قال: «قلت له: رجل لا يدري واحدة صلى أم اثنتين؟ قال: يعيد»

و منها

رواية إسماعيل الجعفي و ابن أبي يعفور (2) عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) قالا:

«إذا لم تدر واحدة صليت أم اثنتين فاستقبل»

و منها

مضمرة سماعة (3) قال: «سألته عن السهو في صلاة الغداة قال: إذا لم تدر واحدة أم اثنتين فأعد الصلاة من أولها، و الجمعة أيضا إذا سها فيها الامام فعليه أن يعيد الصلاة، لأنها ركعتان»

و منها

خبر محمد (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدري واحدة صلى أم اثنتين؟ قال: يستقبل حتى يستيقن أنه قد أتم، و في الجمعة و في المغرب و في الصلاة في السفر»

و منها

خبر عنبسة بن مصعب (5) «إذا شككت في الفجر فأعد»

و منها

مرسلة يونس (6) «ليس في الفجر سهو»

إلى غير ذلك من الأخبار، لكنها لم تتعرض لخصوص العيدين و الكسوفين، إلا أن الإطلاق و التعليل بالنسبة إلى الجمعة بكونها ركعتين مع الاعتضاد بما سمعت كاف في الدلالة على ذلك.

و ما في بعض الأخبار ك

خبر عمار الساباطي (7) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يدر صلى الفجر ركعتين أو ركعة قال: يتشهد و ينصرف ثم يقوم فيصلي

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 16.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 18.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3.

(7) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 12.

305

ركعة، فإن كان صلى ركعتين كانت هذه تطوعا، و إن كان صلى ركعة كانت هذه تمام الصلاة»

لا ينبغي أن يلتفت اليه، بل قال الشيخ في الاستبصار: «أنه خبر شاذ مخالف للأخبار كلها، و اجتمعت الطائفة على ترك العمل به» انتهى، كبعض الأخبار الأخر (1) المتضمنة للبناء على الركعة للشاك في الواحدة و الثنتين، فإنها مع عدم الجابر لأسانيدها و إعراض الأصحاب عنها محتملة للحمل على النافلة، أو استقبال الصلاة.

فوائد: منها أنه يظهر من بعض الأصحاب هنا أن البطلان على مقتضى القاعدة، لعدم العلم ببراءة الذمة لاحتمال الزيادة و النقيصة، و فيه إشكال، إذ لا مانع من الاعتماد على استصحاب الصحة، و على أصل عدم الفعل، فينفى به الزائد حيث يتعلق به الشك و يتم الناقص، و ما يقال: إنه مكلف بمصداق الصلاة في الخارج و أصالة العدم لا يقضي بتحقق الصدق يدفعه بعد منعه أنه مناف لكلامهم في كثير من المقامات بالنسبة إلى الشك في الأركان و غيرها زيادة و نقيصة، كاحتمال أن ذلك كله الدليل، إذ هو مناف لما يظهر من تمسكهم بالأصل فيه، بل و كذا القول: إن أصالة العدم تقضي أيضا بعدم تحقق هيئة المأمور به، فهي معارضة لذلك، لأن الظاهر أن الهيئة من جملة التوابع، فبعد الحكم الشرعي بوجوب الإتيان مثلا تتبع الهيئة هذا، و المسألة لا تخلو من تأمل، و ستسمع لها تتمة إن شاء الله بعد الفراغ من البحث عن صور الشك الأربعة.

و منها أن الذي يظهر من

قولهم (عليهم السلام) (2): «إذا شككت في الفجر فأعد»

و نحوه البطلان بمجرد وقوع الشك، فيكون حينئذ حاله كحال الحدث كما عن الفاضل الشيرواني، و لكن الذي صرح به بعض الأصحاب كالفاضل و ثاني الشهيدين و غيرهما العدم، فلو زال الشك قبل فعل المنافي صح، و هو كذلك، بل قد يدعى أن

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 23.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 5.

306

مثل العبارة المتقدمة ظاهرة في استمرار الشك لا إذا زال، و لم يذكره أحد في المبطلات للصلاة على كل حال، إنما الذي يظهر من ملاحظة الأخبار إرادة تحصيل اليقين بهما الذي لا ينافيه مجرد وقوع الشك و إن زال، على أن فيه من العسر و الحرج ما لا يخفى إذ اشتراط حصول اليقين أو الظن من أول الصلاة إلى آخرها بأول التفات الذهن لا يتيسر في أغلب الأوقات.

ثم على تقدير ذلك فهل يجب عليه التروي أو يجوز له القطع قبله؟ وجهان لا يخلو أولهما مع كونه أحوط من قوة، بل صرح به ثاني الشهيدين في المسالك، بل لعله ظاهر روضته، إلا أن الأقوى خلافه، للأصل و إطلاق الأدلة سيما في غير المقام من أفراد الشك في الركعات و الأفعال الذي لم يذكر أحد فيه وجوب التروي، و دعوى عدم صدق أنه شاك قبل التروي واضحة الفساد، و إلا لاقتضى جواز الأفعال حال التروي لعدم حصول الشك، كما أنه لا دلالة في نصوص ذهاب الوهم على ذلك، ضرورة إمكان إرادة اتفاق ذهاب الوهم، أو أنه لو تروى أو نحو ذلك مما لا دلالة فيه على الوجوب، فمن الغريب ما في المسالك من الاستدلال بنحو ذلك، و لذا أنكر عليه سبطه في المدارك، و منه يعلم ما في كلام الفاضل البهبهاني في شرح المفاتيح، فالتحقيق حينئذ جواز البناء مع التذكر قبل صدور المنافي منه كالسكوت الطويل و فوات الموالاة في أفعال الصلاة و نحو ذلك، و له استئناف الصلاة مع صدق الشك، لإطلاق الأمر بالإعادة عند حصوله المقيد بما إذا لم يتفق الذكر له قبل صدور المنافي الذي له أن يفعله حال الشك، بل له استئناف الصلاة و الاكتفاء بالشك مبطلا من غير حاجة إلى فعل مبطل آخر غيره، هذا.

و على تقدير وجوب التروي فهل يقدر بخروجه عن الصلاة مثلا و نحو ذلك أم لا؟ لا يبعد الثاني، فيتروى مقدار يكتفي به الناس في مثل ذلك، فتأمل، و لو أوقع

307

بعض الأفعال حال الشك ثم زال الشك عنه يحتمل قويا البطلان و إن كان ما فعله موافقا، لأنه فعل غير مأمور به في الصلاة، و كونه كذلك في الواقع مع عدم العلم به غير نافع لفوات النية و الاستدامة، و احتمال الاكتفاء بالنية الأولى بعيد، نعم ربما يتوهم الصحة إذا وقع الفعل بنية القربة المطلقة إذا كان مما يصح فيه ذلك مثل قراءة القرآن، إلا أن المتجه القول ببطلان ذلك الواقع ثم إعادته، لعدم الاكتفاء بالواقع أولا حيث لم يصادف الجزم في الصلاة الذي هو عبارة عن الاستدامة، و عدم إفساده للصلاة، لكونه لم ينوه أنه لها، و الفرض أنه مما لا يبطلها.

و منها أن الظاهر من بعض الأخبار المتقدمة و كلام الأصحاب عدم الفرق بين تعلق الشك بالنسبة للزيادة و النقيصة، و ما في بعضها من وقوع السؤال عمن لا يدري واحدة أم اثنتين لا يقتضي تقييدا ل

قوله (عليه السلام) (1): «مثلا إذا شككت في الفجر فأعد»

و دعوى أن مثل هذه العبارة لم تقع في كل ثنائية حتى يتمسك بها يدفعها عدم القول بالفصل، على أن عبارات الأصحاب و ظاهر إجماعاتهم كافية في ذلك.

و منها أنه قد نقل عن جماعة التصريح بأنه لا فرق في هذا الحكم بين الواجبة بالأصل و العارض كالمنذورة و نحوها، و لعله لإطلاق النصوص و الفتاوى، مضافا إلى التعليل بأنها ركعتان، و لا يعارض ما دل على حكم النافلة، لخروجها بالنذر عنها، و إن كان لا يخلو من تأمل، للشك في شمول الإطلاق و في أن لحوق الحكم في النافلة لوصف النفل أو أنه لذاتها و إن ألزمها النذر، لكن لا يبعد البطلان إن قلنا إنه مقتضى القاعدة نعم لو قلنا مقتضاها الصحة اتجه ذلك، هذا، و قد يستفاد من إجرائهم حكم الواجب على النافلة التي تجدد لها الوجوب بنذر و نحوه جريان حكم النفل على الواجب الذي عرض له وصف الندب كصلاة العيدين و المعادة احتياطا أو بقصد الجماعة و التبرعية عن الغير

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 5.

308

و نحو ذلك، فلا تبطل حينئذ بالشك، لكنه لا يخلو من إشكال بل منع، خصوصا فيما كان الحكم فيه معلقا على الاسم كالمغرب و نحوه، و ستسمع تمام الكلام إن شاء الله في البحث عن حكم الشك في النافلة.

و لو شك المسافر في مواضع التخيير بعد إكمال الركعتين احتمل البطلان مطلقا، و الصحة كذلك، و الصحة إذا كان الشك مسبوقا بقصد الإتمام، لتناول الأدلة حينئذ لها، و ليس له العدول حينئذ إلى القصر لإرادة الابطال و إن جوزناه له قبل هذا العارض، لحرمة الابطال، و اقتصارا على المتيقن من محل العدول، أما لو كان من أول الأمر قصده القصر فالمتجه حينئذ البطلان، لكونه شكا في ثنائية، خلافا للعلامة الطباطبائي فاستقرب الصحة معينا عليه التمام حينئذ، للمنع من بطلان العمل، و امتناع التخيير بين الصحيح و الفاسد، و فيه أنه بطلان لا إبطال، و لا تخيير بين الصحيح و الفاسد بل هو فاسد بحث، و لذا لم يكن له العدول، نعم لو فرض أنه شك و لم يكن قصد القصر أو التمام من أول الأمر بناء على أن له تأخير ذلك إلى محل الافتراق أمكن القول بذلك، و أنه يتعين عليه اختيار التمام، لما سمعت، مع أنه لا يخلو من نظر للشك في جواز اختيار التمام له حينئذ، إذ المتيقن من جوازه حال قابليته لكل منهما، لكن قد يقال: إن القصرية و التمامية ليستا من المقومات للماهية، و لذا لم يجب التعرض لهما في النية، فتخبيره حينئذ بينهما يرجع إلى إرادة الاجتزاء بما يقع منه من الأربع و الاثنين، فلا عدول فيه يحتاج إلى الدليل كالظهرية و العصرية، بل و لا تخييره يحتاج إلى النية كي يرد ما سمعت، و منه يظهر وجه الصحة في السابق مطلقا، فتأمل جيدا.

و منها ما صرح به جمع الأصحاب في صلاة الكسوف أنه متى تعلق الشك بعددها بطلت، و متى تعلق بركوعاتها فان كان في المحل جاء بالمشكوك فيه، و إلا لم

309

يلتفت إلا إذا تعلق شكه بالركوع بما يرجع إلى الشك في الركعات، كما إذا شك في أنه هل هو في الخامس أو في السادس، فان كان في الخامس كان في الأولى، و إن كان في السادس كان في الثانية، لكن هناك قولان آخران نقلهما الشهيد في الذكرى بالنسبة للشك في الركوع:

أحدهما عن قطب الدين الراوندي، و هو أنه إذا لم يتعلق شكه بما يزيد على الاحتياط المعهود فإنه يحتاط، لدوران الشك في اليومية مع الركوع، و لا تضر زيادة السجود في الاحتياط، لأنه تابع، أما إذا زاد كما لو شك بين الاثنين و الخمس فان الاحتياط يكون بثلاث ركعات، و هو زائد على الاحتياط المعهود، فلا تعرض في كلامه له، و لو كان بين الأربع و الخمس تلافى بركعة، لأنه غير زائد على الاحتياط المعهود، و هو الجبر بركعة أو ركعتين، و إن لم يكن كذلك في اليومية، للعلم بإحراز الأربع فيها و أصالة عدم الزيادة، و لو كان شكه بين الواحد و الاثنين احتاط أيضا بركعة، لعدم زيادته على الاحتياط المعهود و إن كان هو مبطلا في اليومية، و قد يحتمل ذلك في كلامه، فيكون كصاحب البشرى بالنسبة إلى ذلك، و الله العالم.

و ثانيهما عن صاحب البشرى، و هو معاملة ركوعات الأولى معاملة اليومية، فمتى وقع بين الأول و الثاني بطل، و في غيره يصح، إلى أن قال: «أما إذا وقع بين الرابع و الخامس فنهاية ما يلزمه سجدتا السهو، و هل يسجد عند ذلك بناء على أنه صلى خمسا أم لا؟ وجوه ثلاثة: الأول البناء أخذا ب رواية عمار (1) أنه يبني على الأكثر ثم يتلافى ما نقص بعد الصلاة، الثاني التخيير بين الركوع و عدمه جمعا بين الرواية السابقة و بين قاعدة من شك في الركوع و هو قائم أتى به، فان اختار الأول تلافى بعد الصلاة ما نقص، و إلا فلا، الثالث البناء على الأقل و يركع ثم يهوي إلى السجود- ثم قال-:

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

310

و حكم ما بعد الخمسة حكم الخامسة، و إن قلنا إن الحكم في الخمس الثانية مثل الخمس الأولى كان له وجه» ثم أطال في ذلك بعبارات تقضي بأن المسألة لديه في كمال التردد و عدم التنقيح، و لا يخفى عليك ضعفهما، أما الأول فلعدم المطابقة بين الفائت و الاحتياط لمكان زيادة السجدتين، و قوله: «إنه تابع» أول البحث، إذ لا دليل عليه، و أما الثاني فهو مبني على تسمية الركوعات ركعات، و هو ممنوع، و على تسليمه فالأخبار الواردة في الشك كادت تكون صريحة في عدم شمولها لمثل ما ذكر، كما لا يخفى على المتأمل فيها، على أن في كلامه مواضع أخر للنظر تركناها خوف الإطالة.

و كذا المغرب تفسد بالشك فيها على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل حكاه عليه جماعة نصا و ظاهرا، بل عن الأمالي أنه من دين الإمامية، و بذلك يظهر ما في نسبة الخلاف اليه أو إلى والده، مع أن المنقول عنه في المقنع أنه قال: إذا شككت في المغرب أعدت، و روي (1) «إذا شككت في المغرب و لم تدر واحدة صليت أم اثنتين فسلم ثم قم فصل ركعة، و إن شككت في المغرب و لم تدر في ثلاث أنت أم في أربع و قد أحرزت الاثنتين في نفسك و أنت في شك من الثلاث و الأربع فأضف إليها ركعة أخرى، و لا تعتد بالشك، فان ذهب وهمك إلى الثالثة فسلم و صل ركعتين و أربع سجدات و أنت جالس»

و هي كما ترى غير ظاهرة فيما نقل عنه، بل الظاهر منها موافقة الأصحاب و نسبة ذلك إلى الرواية، و يؤيده أيضا ما نقل عنه قبل من التصريح بأنه إذا شك في المغرب أعاد، و إذا شك في الفجر أعاد، و أما عبارة الفقيه المنقولة عنه فهي و إن كانت غير نقية من الاضطراب لكنها غير صريحة فيما نقله عنه الأصحاب من جواز البناء على الأقل كما نقل ذلك عن والده أيضا.

____________

(1) المقنع ص 30 المطبوع بطهران عام 1377 «باب السهو في الصلاة» و ذيله لا يوافق ما في الجواهر.

311

و كيف كان فخلافهما على تقدير تحققه غير قادح، لما سمعت من الإجماع المنقول على لسان جملة من الفحول، و بعض الأخبار المتقدمة في المسألة السابقة، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة (1) الآمرة بالإعادة عند الشك في المغرب، و هي كثيرة، فما في خبر عمار (2) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل شك في المغرب فلم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا قال: يسلم ثم يقوم فيضيف إليها ركعة، ثم قال: هذا و الله مما لا يقضى أبدا»

كخبره الآخر (3) «قلت: يصلي المغرب فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا قال:

يتشهد و ينصرف ثم يقوم فيصلي ركعة، فإن كان صلى ثلاثا كانت هذه تطوعا، و إن كان صلى اثنتين كانت هذه تمام الصلاة، و هذا و الله مما لا يقضى أبدا»

- بعد الاعراض عنهما من أكثر الأصحاب، بل في الاستبصار قد اجتمعت الطائفة على ترك العمل بهما- لا مناص من حملهما على التقية أو طرحهما أو غير ذلك، و هو واضح، كوضوح جريان الفوائد المتقدمة، هذا، بل صرحت بعض الأخبار هنا بالفساد إن تعلق الشك بالزيادة كما في خبر موسى بن بكر (4) سأله الفضيل عن السهو، فقال: «إذا شككت في الأولتين فأعد»

و قال: «في صلاة المغرب إذا لم تحفظ ما بين الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك» (5)

و في الاستبصار (6) «إذا جاز الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك»

و هو مع إطلاق كلام الأصحاب و إجماعاتهم مضافا إلى

قوله: «إذا شككت في المغرب فأعد» (7)

يقضي بعدم الفرق بين تعلق الشك بالزيادة و النقيصة، فما عن المقنع من أنه إذا تعلق بالزيادة أضاف ركعة ضعيف مع عدم ثبوت هذا النقل عنه، و لعله للعبارة المتقدمة لكن قد عرفت نسبته للرواية فيها خاصة، اللهم إلا أن يكون ذلك من كلامه لا منها،

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 11.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 12.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 19.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 9.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 10.

(7) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

312

و على تقديره فمن المحتمل كون المراد حال الشك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع بعد إحراز الاثنتين بأن حدث بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة، فيكون إضافة الركعة حينئذ لاحتمال النقيصة و عدم الاعتداد بغيره من الاحتمال، و الله العالم.

[المسألة الثانية إذا شك في فعل شيء من أفعال الصلاة]

المسألة الثانية إذا شك في فعل شيء من أفعال الصلاة واجبا كان أو مستحبا ثم ذكر فان كان الشك و هو في موضعه أي قبل أن يدخل في فعل آخر واقع بعده كالشك في التكبير قبل أن يدخل في القراءة، و كالشك في القراءة قبل الركوع، و الركوع قبل السجود، إلى غير ذلك من الأفعال المذكورة في كتب الفقهاء المختص كل واحد منها باسم كالنية و التكبير و القراءة و الركوع و السجود و التشهد و القيام أتى به و أتم، و إن كان قد انتقل عنه و كان داخلا في غيره مضى في صلاته سواء كان ذلك الفعل ركنا أو غيره إجماعا محكيا على لسان جماعة إن لم يكن محصلا، و نصوصا (1) بل و سواء كان في الأولتين من الرباعية أو الأخيرتين على الأظهر الأشهر، بل المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، إذ لم يعرف الخلاف في ذلك إلا عن الشيخين و ابن حمزة في الوسيلة و العلامة في التذكرة، قال في مفتاح الكرامة:

أما المفيد فقد قال: «كل سهو يلحق الإنسان في الركعتين الأولتين من فرائضه فعليه إعادة الصلاة» و أما الشيخ فلعل الناقل أراد قوله في النهاية من أنها تبطل بالشك بالركوع أو السجود من الأوليين، أو مع ما في التهذيب من أنه لو نسي سجدة من الأوليين تبطل الصلاة، و لعله لم يقف على غير ذلك في كتب الشيخ، على أن ما ذكره عنه في التهذيب مبني على أن القول بالبطلان فيها يستلزم البطلان هنا، و قد يمنع، و عن ابن حمزة في الوسيلة أنه قال: «تبطل بالشك في الركوع من الأوليين بعد الفراغ من السجود

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

313

أو في السجود في واحدة منهما بعد الفراغ من الركوع» و في التذكرة «ليس بعيدا من الصواب الفرق بين الركن و غيره، فتبطل إن شك في الأوليين في ركن، لأن الشك فيه في الحقيقة شك في الركعة، بخلاف ما إذا كان المشكوك فيه غير ركن» لكن لا يخفى عليك أنهم لم يتفقوا على معنى واحد، بل عبارة المفيد محتملة لإرادة النسيان من السهو دون الشك، و عبارة النهاية ليست عامة، كما أن عبارة الوسيلة ظاهرة في أنه حيث لا يمكن التدارك، و عبارة التذكرة خاصة في الركن.

و كيف كان فيدل على المطلوب إطلاق الأخبار الكثيرة، بل في بعضها ظهور في خصوص الركعتين الأولتين، فضلا عن العموم و الإطلاق و ترك الاستفصال في آخر، منها

قول أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1) «عن الرجل يشك و هو قائم لا يدري ركع أم لم يركع، قال: يركع و يسجد»

و نحوه خبر عمران الحلبي (2) و مثلهما خبر أبي بصير أيضا و الحلبي (3)

و في خبره الآخر (4) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر سجد سجدة أم ثنتين قال:

يسجد حتى يستيقن أنهما سجدتان»

و مثله خبر الشحام (5) عن الصادق (عليه السلام) أيضا، و منها

صحيح زرارة (6) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل شك في الأذان و قد دخل في الإقامة قال: يمضي، قلت: رجل شك في الأذان و الإقامة و قد كبر قال يمضي، قلت: رجل شك في التكبير و قد قرأ قال: يمضي، قلت: رجل شك في القراءة و قد ركع قال: يمضي، قلت: شك في الركوع و قد سجد قال: يمضي على صلاته، ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء»

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الركوع- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الركوع- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الركوع- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 15- من أبواب السجود- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 15- من أبواب السجود- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

314

و هو كالصريح في شموله للأولتين، و عدم فرقه بين الأركان و غيرها، و في صحيح ابن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو»

و في خبر أبي بصير (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن شك في الركوع بعد ما يسجد فليمض، و إن شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شيء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه»

ك صحيح إسماعيل بن جابر (3) إلى غير ذلك، مضافا إلى ما تقدم م ما دل (4) على خصوص نسيان السجدة و القراءة و نحوها، بل و ما دل (5) على أن نسيان غير الركن لا يبطل الصلاة، و إلى نفي الخلاف و إطلاق الإجماعات على أن من سها عن شيء و ذكره قبل أن يتجاوز محله أتى به، إلى غير ذلك من الأدلة التي يقصر القلم عن إحصائها على التفصيل، فإن إعطاء هذه القواعد الشرعية و حملها على كونها في غير الأولتين و إجرائها بالنسبة للمسافر في خصوص المغرب مما لا يقبله طبع فقيه.

حجة المفيد الأصل، و قول أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر عنبسة بن

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

(2) نقله في الوافي- في باب الشك في أجزاء الصلاة- عن التهذيب بإسناده عن أبي بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) و لكنا لم نعثر عليه في الوسائل و التهذيب و الاستبصار بعد الفحص في مظانها، و لا يخفى أن صحيحة إسماعيل بن جابر تشتمل على فرعين، اشتركت في الفرع الأول رواية إسماعيل و أبي بصير و أوردهما في الوسائل في الباب 14 من أبواب السجود- الحديث 1- 4 و أما الفرع الثاني فلم يرد إلا في صحيحة إسماعيل التي ذكرها في الوسائل في الباب 13 من أبواب الركوع- الحديث 4 و الباب 15 من أبواب السجود- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الركوع- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب السجود و الباب 28 من القراءة في الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 29- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

315

مصعب (1) قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا شككت في الركعتين الأولتين فأعد»

و نحوه غيره، و في حسنة الوشاء (2) قال: «قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام):

الإعادة في الركعتين الأولتين، و السهو في الركعتين الأخيرتين»

و خبر عامل بن جذاعة (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا سلمت الركعتان الأولتان سلمت الصلاة»

و خبر البقباق (4) قال: «قال لي: إذا لم تحفظ الركعتين الأولتين فأعد صلاتك»

إلى غير ذلك مما دل على الأمر بالإعادة بمجرد الشك في الفجر و الجمعة و السفر و الأولتين.

و فيه أما الأصل فهو- مع إمكان منعه بأن يقال: أما في الشك قبل تجاوز المحل فالأصل يقضي بعدم الفعل، فيأتي به، و استصحاب الصحة تحكم، و أما في الشك فيه بعد تجاوز محله فلأن استصحاب الصحة يقضي بعدم الالتفات، فتأمل- مقطوع بما سمعت من الأدلة، و أما الأخبار فلا يخفى على من لاحظها أنها ظاهرة في الشك بالنسبة للعدد، كما يقضي به اشتمال بعضها على المغرب أيضا، و قوله (عليه السلام) في آخر (5): «فأعدهما حتى تثبتهما»

بل لو لم تكن ظاهرة في ذلك لوجب تنزيلها عليه، لما سمعت من الأدلة المتقدمة، لرجحانها عليها من وجوه متعددة، فالقول بأنه يمكن تقييد تلك بالركعتين الأولتين مع أنه لا يتأتى في بعضها كما ترى تقديم للمرجوح من وجوه، منها إعراض المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، فلا محيص عن الركون إلى إطلاق تلك القاعدة المدلول عليها بمحكي الإجماع أو محصله، و ما سمعت من الأخبار المعتضدة و المنجبرة بما عرفت بل المطابقة لما يقتضيه التدبر و الاعتبار، بل و ما هو لسائر بني آدم في جميع

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 14.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 13.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 15.

316

أفعالهم المدار (1).

إنما البحث في تعيين الموضع المعبر عنه في كلام بعض بالمحل و الغير في الرواية الذي يدور التلافي و عدمه مداره بالإجماع بقسميه و النصوص، و الذي يقوى في النظر و إن قل المفتي به إن لم ينعقد إجماع على خلافه أن المراد به كلما صدق عليه الغيرية عرفا واجبا أو مستحبا لكن إذا كان مرتبا شرعا، لظاهر ما سمعت من المعتبرة المؤيدة بظاهر حال المسلم من عدم الدخول في المرتب على شيء قبل فعل ذلك الشيء، بل هو الموافق لسهولة الملة و سماحتها، بل قد يدعى أن في غيره حرجا، ضرورة صعوبة التكليف بذكر قراءة أول السورة مثلا في آخرها، خصوصا السور الطوال، بل الإنسان في أغلب

____________

(1) اعلم أولا أن هنا قاعدتين: الأولى كل شيء شك فيه قبل أن يدخل في غيره يجب الإتيان به، الثانية إذا شك فيه بعد أن دخل في غيره لا يلتفت اليه، و يدل على الأولى- بعد الإجماع المنقول المعتضد بنفي الخلاف و بأصالة عدم الفعل فيجب التلافي- الأخبار، و فيها الصحيح و غيره، منها

خبر أبى بصير سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل شك و هو قائم لا يدرى ركع أم لم يركع قال: يركع و يسجد»

و مثله خبر الحلبي، و مثلهما الأخبار الآمرة بإعادة السجدة عند الشك فيها، و تتم دلالة الجميع بعدم القول بالفصل، و منها مفهوم

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء،

و

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو»

و

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبى بصير: «كل شيء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه»

و مثله خبر إسماعيل بن جابر، و المناقشة في حجية المفهوم في هذه الأخبار أو عمومه لا يلتفت إليها سيما في المقام، لما سمعت من دعوى الإجماع، بل يمكن التحصيل، و منطوق هذه الأخبار المعتضد بغيره من الروايات الدالة على عدم الالتفات بالنسبة للركوع و السجود المتممة للدلالة بعدم القول بالفصل حجتنا على القاعدة الثانية، مضافا إلى الإجماع المنقول و يشهد له التتبع فيمكن دعوى التحصيل (منه (رحمه الله)).

317

أحواله يعتريه السهو و شغل الذهن بحيث لا يفيق إلا و هو في جزء من أجزاء الصلاة، و جميع ما تقدم لا يعلم أنه وقع أو ما وقع، و لا كيف وقع، بل لعل بناء الناس في جميع أحوالهم و أمورهم على ذلك حتى الحداد في حدادته و النجار في نجارته و جميع أرباب الصنائع في صنائعهم لا يلتفتون إلى شيء بعد الانتقال عنه و الدخول في غيره.

لكن في المسالك أن المفهوم من الموضع محل يصلح لإيقاع الفعل المشكوك فيه كالقيام بالنسبة إلى الشك في القراءة و أبعاضها و صفاتها، و الشك في الركوع، و كالجلوس بالنسبة إلى الشك في السجود و التشهد، ثم قال: «و هو في هذه الموارد جيد لكنه يقتضي أن الشاك في السجود و التشهد في أثناء القيام قبل استيفائه لا يعود اليه، لصدق الانتقال عن موضعه، و كذا الشاك في القراءة بعد الأخذ في الهوي و لم يصل إلى حد الراكع، أو في الركوع بعد زيادة الهوي عن قدره و لما يصر ساجدا، و الرجوع في هذه المواضع كلها قوي، بل استقرب العلامة في النهاية وجوب العود إلى السجود عند الشك ما لم يركع، و هو غريب» انتهى. و هو مع كونه تقييدا للغير في النصوص من غير مقيد يقتضي وجوب تلافي التكبير بعد الشروع في القراءة، بل و بعد تمامها قبل الركوع، مع أنه هو و نظيره مورد القاعدة في صحيح زرارة (1) السابق (2) و لعل الذي ألجأه إلى ذلك التعبير بالمحل في كلام بعضهم، فالأولى حينئذ التعبير بما في الرواية و يظهر منه في الروضة و تبعه عليه بعض المتأخرين أن المراد به الأفعال المعهودة شرعا المفردة بالتبويب كالنية و التكبير و القراءة و الركوع و السجود و التشهد و نحو ذلك، فكل

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(2)

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «رجل شك في التكبير و قد قرأ، قال: يمضى، قلت: رجل شك في القراءة و قد ركع، قال: يمضى، قلت: شك في الركوع و قد سجد، قال: يمضى على صلاته، ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء»

(منه (رحمه الله)).

318

شيء شك فيه منها قبل أن يدخل في الفعل الآخر وجب تلافيه، و كل شيء شك فيه بعد دخوله في آخر منها لا يلتفت، و هو مع أنه تخصيص أيضا لهذه القاعدة الجارية في أكثر أبواب الفقه يقتضي وجوب تلافي كل ما شك فيه إذا كان في مقدمات الأفعال لا فيها أنفسها، كما إذا شك في الركوع و هو هاو إلى السجود و لما يسجد، و كذلك الشك في القراءة و هو هاو إلى الركوع قبل أن يصل إلى حد الركوع، و كذلك لو شك في التكبير و القراءة و الركوع و هو هاو إلى السجود و لما يسجد، و الموجود في الرواية الصحيحة (1) عدم الالتفات إلى الركوع المشكوك فيه في أثناء الهوي إلى السجود، و كأنه (رحمه الله) أخذه من سؤال السائل عن هذه الأفعال المفردة في التبويب، لكن ذلك لا يقتضي التخصيص في جواب الامام، بل الظاهر عدم إرادة التقييد في خبري أبي بصير (2) و إسماعيل بن جابر (3) الظاهرين في أن مساقهما مساق غيرهما من النصوص، سيما بعد التصريح بعدم الالتفات إلى الركوع المشكوك فيه في أثناء الهوي إلى السجود، و دعوى أن العطف بثم التي هي للترتيب و التراخي يقضي بوجود الواسطة بين الخروج من المنسي و الدخول في آخر، و ليست إلا هذه المقدمات ممنوعة، سيما بعد أن كان من موردها المصرح به فيها نحو الشك في التكبير و قد دخل في القراءة، و لا مقدمات بينهما، فليس المراد حينئذ إلا عدم الالتفات إلى المشكوك فيه بعد الدخول في الغير المترتب عليه أي غير كان، لا غيرا مخصوصا، فكان الأولى أو الأقوى هو الأول و إن خالف المشهور في بعض المسائل التي ستسمعها المتفرعة على ما ذكرنا.

منها لو شك في قراءة الحمد أو بعضها و هو في السورة، أو شك في السورة أو بعضها و هو في القنوت، أو في الجميع و هو في الهوي إلى الركوع، و نحو ذلك، فإنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الركوع- الحديث 6.

(2) راجع التعليقة «2» على ص 314.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الركوع- الحديث 4.

319

لا يلتفت على الأول، بل لا يلتفت عليه لو شك في بعض الآيات بعد الدخول في الآية الأخرى، بل في الكلمة و الكلمة الأخرى، بخلاف الآخرين فيتلافى الحمد عليهما إذا شك فيه في السورة كما هو المحكي عن المشهور و الشيخ، لكن ظاهر معتبر المصنف و عن سرائر الحلي حاكيا له فيها عن رسالة المفيد إلى ولده و ناسبا له إلى أصول المذهب عدم التلافي كما قلنا، بل مال اليه أو قال به بعض متأخري المتأخرين، و يؤيده أنه من المستبعد جدا بل من الممتنع تذكر المصلي و لو على جهة الظن و هو في آخر سورة طويلة جميع ما تقدم و أنه وقع منه من غير تغيير بإعراب أو تشديد أو نحوهما بحيث متى شك و هو في آخر السورة في حرف من حروف الفاتحة وجب عليه تلافي الحمد و تلك السورة أو غيرها، و كيف و المصلي غالبا يسهو حال الصلاة و يشتغل ذهنه بالأمور الدنيوية، على أن ذلك بعيد من سهولة الملة و سماحتها، بل و عمل العلماء في كل عصر، بل ربما أورد عليه زيادة على ما عرفت أنه إذا شك في قراءة الحمد بعد تمام السورة و قلنا بوجوب التلافي وجب عليه إعادة السورة أيضا مراعاة للترتيب، و فيه احتمال القران إن قرأ سورة أخرى غير تلك السورة، بل و إن قرأ تلك السورة أيضا على وجه، أو قراءة أزيد من سورة المنهي عنه أيضا مطلقا، لكن قد يدفع بأن المشهور في صورة النسيان عدم وجوب تعيين تلك السورة عليه، و ما هو إلا لأن مثله لا يعد من القران كاندفاع ما يستدل به للمشهور من مفهوم تقييد المضي بالركوع في صحيح زرارة المتقدم بأن ذلك إنما وقع في كلام السائل الذي لا يحكم على الجواب، و من ذلك كله يظهر لك أن الوجه عدم الرجوع لو شك في القراءة كلا أو بعضا و هو في الهوي إلى الركوع، كما هو مقتضى الأوليين بخلاف الأخير.

و منها لو شك في القراءة أو بعضها و هو في القنوت، فلا يرجع على الأول كما في المدارك و الرياض و عن مجمع البرهان و الذخيرة و الكفاية، بخلاف الثاني بل و الثالث

320

إن لم يكن القنوت من الأفعال المفردة بالتبويب، فيرجع كما عن الشهيدين.

و منها لو شك في الركوع بعد الهوي إلى السجود ففي الروضة و عن الذكرى الرجوع، و الأقوى عدم الرجوع لما عرفت، و خبر البصري (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أ ركع أم لم يركع؟ قال: قد ركع»

و منها لو شك في السجود و قد قام، و على الأول بل و الأخيرين ينبغي عدم الرجوع كما هو خيرة الأكثر، بل عن السرائر دعوى الإجماع عليه، و هو الحجة، مضافا إلى

قوله (عليه السلام) (2): «و إن شك في السجود بعد ما قام فليمض»

فما عن الشيخ و الفاضل في نهايتهما من القول بالرجوع ما لم يركع ضعيف جدا.

و منها الشك في التشهد في حال القيام، و هو كسابقه حتى في دعوى السرائر الإجماع عليه أيضا، فما عن بعضهم من وجوب الرجوع لا يلتفت اليه، و لعله اشتباه فيه و في السابق بين صورة الشك و النسيان.

و منها لو شك في السجود و هو في التشهد، و على الأول و الأخير ينبغي عدم الرجوع أيضا، بخلاف الثاني فالرجوع كما عن بعضهم، و لعله ل

قوله (عليه السلام) في خبر البصري (3) قلت: «رجل نهض من سجوده فشك قبل أن يستوي قائما فلم يدر أ سجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد»

فإنه شامل لما كان القيام عن تشهد و غيره، لكن فيه أن الظاهر من قوله: «نهض من سجوده» القيام بعد السجود لا بعد التشهد.

و منها لو شك في السجود و هو آخذ بالقيام و لم يستقم قائما، و على الأول و الثاني ينبغي عدم الرجوع، إلا أني لم أعثر على مخالف هنا في وجوب الرجوع، نعم عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الركوع- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الركوع- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب السجود- الحديث 6.

321

ظاهر الإشارة عدم الرجوع، و كان الأول أقوى و إن كان مقتضى ما سمعت عدم الالتفات، لأنه قد دخل في غيره، لكن مع احتمال أن يقال: إن هذا ليس غيرا، لكونه ليس من أفعال الصلاة، بل هو مقدمة للقيام قد دل عليه الدليل بخصوصه، و هو الرواية المتقدمة، فلا مانع من تخصيص القاعدة بها، لا يقال: إن العمل بها ينافي ما تقدم في الشك في الركوع و قد هوى للسجود، ضرورة أن المقدمات إن كانت تسمى غيرا اتجه عدم الالتفات في المقامين، و إلا اتجه الرجوع فيهما، لأنه لا مانع من اختيار الأول، و جريان الأولى على القاعدة المتقدمة، و كون الثانية مخصصة لها، و المناقشة في الأولى بأنها غير ظاهرة في حصول الشك في الركوع قبل الدخول في السجود- فان

قوله: «هوي للسجود فلم يدر أ ركع أم لم يركع؟»

قاض بأن ذلك الشك واقع بعده لا حينه- ضعيفة، لظهور الفاء في الرواية في التعقيب و حصول الشك حينه، هذا، مع أنه يمكن الفرق بين المقامين بأن الهوي للسجود واجب أصلي ليس مقدمة، و لذلك يجب تلافيه مع نسيانه بخلاف الأخذ في القيام، فإنه ليس غيرا بل مقدمة للقيام.

و منها الشك في التشهد كذلك، و فيه وجهان، و لعل التدارك إلحاقا له بالسجود لا يخلو من قوة و إن كان هو كما ترى، نعم قد يفرق بأن الهوي للسجود مستلزم للانتصاب الذي منه أهوى له، و الانتصاب فعل آخر غير الركوع و قد دخل فيه و تجاوز عن محل الركوع، بخلاف النهوض قبل أن يستتم قائما، فإنه بذلك لم يدخل في فعل آخر، و لكن فيه أيضا منع.

و منها لو شك في الانتصاب من الركوع بعد الجلوس للسجود، و قضية ما تقدم منا عدم الالتفات، كما أنه لا يخفى عليك مقتضى تطبيق الوجهين السابقين فيه و فيما لو شك و هو هاو للسجود و لما يسجد، فتأمل جيدا.

322

و منها لو شك في النية و قد كبر فلا يلتفت بناء على ما قلناه، و كذا على الثالث و أما على الثاني فينبغي التدارك، لكونه في محل تصح فيه، و ما يقال: إن الشك في النية خارج عن المسألة، لأن الكلام بعد انعقاد الصلاة، فإذا شك في شيء منها و قد دخل في غيره لا يلتفت، لا مع عدم معلومية الانعقاد يدفعه أن المفهوم من الأخبار عدم الفرق، ضرورة اشتمالها على التكبير المتوقف انعقادها عليه أيضا، و لذا قال الشيخ في المبسوط: «و من شك في النية فإنه يجدد إن كان في محلها، و إن انتقل إلى حالة أخرى مضى في صلاته» على أنه من المعلوم أنه لو شك في النية و هو في الركعة الثانية مثلا لا يلتفت قطعا.

و ينبغي التنبيه هنا لأمور: منها ما قد عرفت سابقا أنه لا فرق عندنا في الأمور المترتبة بين المستحب و الواجب، فمن شك في واجب بعد الدخول في مستحب لا يلتفت كمن شك في القراءة و هو في القنوت، بل و كذا من شك في التكبير و هو في الأذكار المتقدمة على القراءة، أخذا بظاهر الأخبار، لتحقق الغيرية في الجميع، و إطلاق كثير من الأصحاب وجوب التلافي للتكبير إن لم يكن قد قرأ محمول على عدم الاشتغال بشيء قبل القراءة، أو يراد بالقراءة ما يشمل ذلك، أو يكون مبنيا على أحد الوجهين السابقين في تفسير الغير، و لو كان المكلف على هيئة المصلي كما لو كان منصتا أو مشغولا بتسبيح حال قراءة الامام و شك في التكبير مثلا فيمكن القول بعدم الالتفات، لأن هذه الأحوال غير بالنسبة للتكبير، و كذلك في المنفرد، نعم لو كان في حال ليس مترتبا بعد التكبير يلتفت.

و منها أن الظاهر من التلافي في المحل و عدمه في خارجه العزيمة لا الرخصة، كما هو ظاهر الأخبار، فمن ترك التلافي في محله أو تلافى في غير المحل بطلت صلاته، و ما عن بعضهم من احتمال كون عدم التلافي رخصة كما في الذكرى فلا يقدح تلافي المشكوك فيه بعد خروجه

323

من المحل ضعيف، لظاهر قوله (عليه السلام): «يمضي» المقتضي للوجوب، و ما يقال:

إنه على تقدير تسليم الوجوب فهو لا يقضي إلا بحرمة التلافي، و هو لا يفسد الصلاة ضعيف لما بين في الأصول من اقتضاء النهي فيها الفساد، نعم بناء على ما ذكرناه من الوجوه في المراد بالمحل هل يمكن الاحتياط، فعلى المختار مثلا فيه يمكن التدارك في الأثناء احتياطا على الوجهين الأخيرين؟ الظاهر العدم في أغلب الأحوال، ضرورة أنه من تعارض الواجب و المحرم، نعم قد يتأتى فيما لو شك في الحمد مثلا و هو في السورة بأن يعود إلى الحمد بنية القربة المطلقة على وجه الاحتياط بناء على اقتضائه شرعية مثل ذلك نحو دفع المال على وجه الصدقة زكاة و إلا فصدقة، و ليس هذا ترديدا في النية كما أوضحناه في محله، لكن لا يقرأ سورة غير الأولى تخلصا من القران، لا فيما لم يكن من هذا القبيل، كمن شك في السجدة و هو في التشهد مثلا، لاستلزامه زيادة سجدة شرعا، فاحتياطه فيه و في أمثاله حينئذ منحصر بتكرير الصلاة مرتين، أما على تقدير الرخصة فوجه الاحتياط فيه واضح، فتأمل جيدا.

و منها أن الظاهر جريان حكم الشك في غير صلاة المختار على نحو صلاته، فمن كان فرضه الصلاة جالسا و قد شك حال الجلوس الذي عزم عليه أنه بدل القيام في أنه هل سجد أم لا أو تشهد أم لا لا يلتفت لخروجه عن المحل بالنسبة اليه، و لعل المسألة مبنية على أن مثل هذه الأشياء في صلاة المضطر أبدال و أعواض عنها في صلاة المختار على وجه يجري عليها الحكم المزبور، كما يجري عليها حكم الكيفية كالطمأنينة في التكبير و القراءة و ركنية الانتصاب للركوع على نحو القيام المتصل به و نحو ذلك، أو أنها ليست كذلك بل هي أمور كانت تجب عند الاختيار و أسقطها الشارع عند الاضطرار من غير بدل لها الظاهر الأول، فتجري عليه جميع الأحكام، و كذلك الحكم بالنسبة للمستلقي و المضطجع و نحو ذلك، بل الظاهر جريان أحكام الأركان على الايماءات التي جعلها الشارع عوضا

324

عن الركوع و السجود، و الانصاف أن المسألة لا تخلو من إشكال، بل للتأمل فيها مجال، إذ لم أعثر على من بحث فيها هنا، نعم نقل عن الموجز الحاوي و كشف الالتباس أنهما قالا: «لو كان يصلي جالسا لعجزه عن القيام ثم شك في سجود الركعة الثانية أو في التشهد سجد أو تشهد ثم استأنف القراءة» و في مفتاح الكرامة «قد احتمل بعضهم في المقام المضي» قلت: قد عرفت أنه الأقرب في النظر سيما في الفرض الذي قد دخل فيه في القراءة التي لا ريب في أنها غير فعلا، إنما الإشكال في الغيرية الاعتبارية كالجلوس المنوي به قياما، ضرورة عدم صدق كونه غيرا فعلا، و أنه لا دليل واضح على جريان الحكم عليه مع هذه النية، إذ ليس إلا

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «من لم يستطع القيام فليصل من جلوس»

و هو لا يقتضي أزيد من الاتحاد في الكيفية التي أشرنا إليها لا ما يشمل ذلك و نحوه مما هو حكم خارجي، و الله العالم.

و منها الظاهر أن المراد بتلافي المشكوك ما دام في المحل هو قبل الخروج عنه إلى غيره و لو سهوا، فمن كان في حال القيام و قد شك في السجود ثم ذكر أنه كان نسي التشهد فرجع اليه لا يسجد حينئذ، للشك في شمول أدلة الشك قبل الدخول في الغير لمثل هذا الفرد، مع ظهور ما دل على عدم الالتفات فيه، فتأمل، و كذا لو طرأ له الشك بعد الجلوس للتشهد، و ربما ظهر من بعضهم القول بالوجوب، و لعله لصدق الشك فيه في المحل، لكن الأقوى خلافه، و قد تقدمت الإشارة إليه سابقا.

و منها أن الشك في الصحة و البطلان هل هو كالشك في أصل الوقوع و عدمه، فيتلافى في المحل، و لا يلتفت إذا خرج، فمن شك قبل القراءة مثلا أنه هل جاء بتكبيرة الإحرام على الوجه الصحيح أولا أعاد، و إن كان بعد القراءة مضى، أو أنه ليس كذلك؟ ربما ظهر من بعضهم الأول، لأنه ينحل إلى الشك فيه في فوات شيء

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 18.

325

فيجري عليه الحكم، و يحتمل العدم، لظهور الأخبار في الشك في أصل الوقوع، فيقتصر عليه، و يحكم بالصحة في محل المسألة، لأصالتها في كل فعل يقع من المسلم، و لعله الأقوى.

و منها لو شك في النية بعد تمام التكبير لم يلتفت، و قبل الشروع فيه أتى بها، و في أثنائه لم يلتفت على المختار، لكن في الذكرى الأقرب الإعادة، و خصوصا إذا أوجبنا استحضارها إلى آخر التكبير، قلت: أما على هذا القول فظاهر، و أما على غيره فلعله لعدم انعقاد الصلاة قبل إتمامه، و إنما تنعقد بتكبير مقرون بالنية، و الأصل العدم و أما بعد انعقادها فالأصل الصحة، لكنه كما ترى، خصوصا بعد ما ذكرناه سابقا، و الله العالم.

و منها الشك في ذكر الركوع و السجود أو الطمأنينة فيهما أو السجود على بعض الأعضاء السبعة بعد رفع الرأس عنهما، فعن بعض (الروض خ ل) أنه قد وقع الاتفاق على عدم العود في هذه الأشياء مع أنه لم يدخل في فعل آخر، و أجاب بأن رفع الرأس من الركوع و السجود واجب مستقل لا مقدمة، و بأن العود يستلزم زيادة ركن، و التزم أن السجدة الواحدة و عدم البطلان بها استثناء من القاعدة، و الجميع كما ترى، ضرورة أن المفروض من فوات المحل في النسيان فضلا عن الشك، لأن هذه الأمور واجبات فيهما لا أنها واجبات مستقلة، كما هو واضح، و قد سمعت نظيره في الطمأنينة في القراءة مثلا، و الله العالم.

[تفريع]

تفريع إذا تحقق نية الصلاة و انتقل عن محلها و شك في أنه هل نوى ظهرا أو عصرا مثلا أو فرضا أو نفلا استأنف الصلاة احتياطا كما عن المبسوط، علم ما قام إليه في أثناء الصلاة أو بعد الفراغ منها، لقاعدة الشغل، إذ لا مفرغ شرعي حتى الأصول لتعارضها، لكن في البيان و المسالك و جامع المقاصد و ظاهر كشف اللثام و المدارك بل و المنتهى و عن الذكرى و المنتهى تقييده بما إذا لم يعلم ما قام اليه، و إلا بنى

326

عليه، بل اليه يرجع ما في القواعد و التذكرة حيث قال في أولهما: «بنى على ما هو فيها» و في ثانيهما «على ما علم عليه فعله» و إن كانا لا يخلو ان من نوع إجمال، للأصل بمعنى الظاهر بل و بمعنى العدم بالنسبة للسهو أو العدول، بل و بمعنى الصحة في بعض الوجوه التي ستعرفها، و قول الصادق (عليه السلام) لابن أبي يعفور على ما في التذكرة و المنتهى و كشف اللثام: «إذا قمت في فريضة فدخلك الشك بعد فأنت في الفريضة، و إنما يحتسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته» بل هو فيما حضرني من نسخة الوسائل (1) أدل من ذلك على المطلوب، قال: «سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة و هو ينوي أنها نافلة قال: هي التي قمت فيها، و قال: إذا قمت و أنت تنوي الفريضة فدخلك الشك بعد فأنت في الفريضة على الذي قمت له، و إن كنت دخلت فيها و أنت تنوي نافلة ثم إنك تنويها بعد فريضة فأنت في النافلة، و إنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته».

بل قد تتجه الصحة حتى إذا لم يعلم ما قام لها إذا كان الشك دائرا بين فعلين:

أحدهما صحيح و الآخر فاسد، كما لو شك مثلا في أنه نوى الظهر أو العصر و كان في وقت الاختصاص بالظهر، لأصالة الصحة في فعل المسلم المشخصة أنه الظهر حينئذ، مضافا إلى وضوح بطلان إطلاق وجوب الاستئناف في خصوص ما في المتن من المثال الأول ضرورة توجه الصحة مع فرض الوقوع في الوقت المشترك، إذ له العدول من العصر إلى الظهر، و دعوى اختصاص ذلك في المعلوم أنه العصر لا المشكوك فيه يدفعها وضوح أولوية المقام منه، كوضوح الصحة أيضا لو كان شكه بعد الفراغ في الفرض، إذ الواقع إما ظهر أو عصر، و كل منهما صحيح، فيبرأ حينئذ قطعا برباعية مرددة بين الظهر و العصر كما احتمله في التذكرة، و حكاه قولا في البيان، و جعله طريق البراءة في المسالك

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النية- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

327

بل احتمل تعينه في جامع المقاصد، و إن كان لم يستبعد قبل ذلك في الفرض المذكور البناء على الظهر، كما احتمل في التذكرة أيضا، بل اختاره في البيان و المسالك و عن الذكرى عملا بالظاهر، إذ الفرض أنه لم يعلم ما قام اليه كما قيده به في البيان.

إلا أنه قد يناقش في جميع ذلك بمنع ثبوت حجية الأول بالمعنى الأول، و عدم صلاحيته للتشخيص بالمعنى الثاني، بل و الثالث أيضا، و عدم سلامة السند في الخبر المذكور بل و الدلالة، لاحتمال إرادة ما علم افتتاح الصلاة عليه و إن سها في الأثناء و ظن غيره، كما يومي اليه

قوله (عليه السلام): «في أول صلاته»

بل و قوله (عليه السلام): «قمت في فريضة»

إذ القيام للشيء غير القيام فيه، بل لعل المراد من قوله (عليه السلام):

«له» فيما نقلناه عن الوسائل ذلك أيضا بقرينة ما قبله و ما بعده، بل هو المتعارف في السؤال عنه و بيان حكمه في غيره من الأخبار بنحو هذه العبارة، ففي

خبر عبد الله بن المغيرة (1) عن كتاب حريز أنه قال: «إني نسيت أني في صلاة فريضة حتى ركعت و أنا أنويها تطوعا فقال: هي التي قمت فيها، إذا كنت قمت و أنت تنوي فريضة ثم دخلك الشك فأنت في الفريضة، و إن كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فأنت في النافلة، و إن كنت دخلت في فريضة ثم ذكرت نافلة كانت عليك فامض في الفريضة»

و خبر يونس بن معاوية (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظن أنها نافلة، أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه»

فتأمل.

و بمنع صحة العدول هنا اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، بل لعله لا يتصور وقوعه إلا على جهة الترديد، لعدم الجزم بالمعدول عنه، كمنع الاجتزاء برباعية

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النية- الحديث 1- 2 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النية- الحديث 1- 2 من كتاب الصلاة لكن روى عن يونس عن معاوية.

328

مرددة في الصورة السابقة، لعدم حصول الجزم بالنية، و إن كان لا يخلو اعتبار مثل ذلك في مثل ما نحن فيه من بحث أو منع، لكن على كل حال المتجه في أكثر ما تقدم مراعاة الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة بالاستئناف، بل و بالإتمام ثم الاستئناف فيما سمعت.

كما أن المتجه الاستئناف لو لم يعلم شيئا و لو على الاجمال، فلم يدر مثلا فرضا أو نفلا، أو قضاء أو أداء، أو ظهرا أو عصرا، أو غير ذلك بلا خلاف أجده فيه في أثناء الصلاة أو بعد الفراغ، لعدم الترجيح، بل لعله لا يجوز له الإتمام في الأول اعتمادا على النية الأولى، لعدم حصول الاستدامة التي هي التنبه لما هو فيه بخصوصه بعد الالتفات و التنبيه، و لا يكفي إجماله، و إلا لاكتفى به في الأول، ضرورة عدم تفاوت كيفية اعتبار النية بين الأول و غيره، كما هو مقتضى

«إنما الأعمال بالنيات» (1)

و نحوه، و دعوى أنه أولى بالصحة ممن نوى الفريضة ثم أتمها بنية النفل سهوا أو بالعكس ممنوعة، بل هو من القياس المحرم، نعم قد يظهر بالتأمل مما قدمنا وجه صحة لبعض الصور إذا كان بعد الفراغ تركنا التعرض لتفصيلها خوف الإطالة و اتكالا على ما تقدم، فتأمل جيدا.

[المسألة الثالثة إذا شك في أعداد الرباعية]

المسألة الثالثة إذا شك في أعداد الرباعية فإن كان في الأولتين بأن لم يدر ما صلاة ركعة أو ركعتين أعاد على المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا شهرة كادت تكون إجماعا، بل حكاه عليه في الانتصار و الخلاف و الغنية و السرائر و عن الناصرية و إرشاد الجعفرية و من رواه عن البشرى، بل حكي أيضا عن ظاهر التذكرة و المعتبر، بل لم أعرف أحدا نسب الخلاف فيه إلى أحد منا قبل المنتهى، فحكى الإجماع

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 10.

329

عليه ممن عدا أبي جعفر محمد بن بابويه، فخير بين الإعادة و البناء على الأقل، نعم تبعه في نقل ذلك بعض من تأخر عنه، بل ربما مال إليه في الكفاية، بل اختاره في المفاتيح و إن كان ذلك منه غريبا، لكنه ليس بالغريب، و قبل المختلف فحكى عن علي بن بابويه أنه قال: «إذا شك في الركعة الأولى أو الثانية أعاد، و إن شك ثانيا و توهم الثانية بنى عليها، ثم احتاط بعد التسليم بركعتين قاعدا، و إن توهم الأولى بنى عليها و تشهد في كل ركعة، فإن تيقن بعد التسليم الزيادة لم يضر، لأن التشهد حائل بين الرابعة و الخامسة، فإن تساوى الاحتمالان تخير بين ركعة قائما و ركعتين جالسا» بل حكى عنه أيضا أنه قال: «إن شككت فلم تدر واحدة صليت أو اثنتين أم ثلاثا أم أربعا صليت ركعة من قيام و ركعتين من جلوس».

و هما- مع معلومية نسبهما و مخالفتهما المحكي من الإجماع مستفيضا إن لم يكن متواترا كالمعتبرة المستفيضة (1) حد الاستفاضة الدالة بأنواع الدلالة، و عدم خلاف الثاني فيما نحن فيه خصوصا عبارته الثانية و إن كانت تؤول إليه بالأخرة- لا دليل للمحكي أولا عن ثانيهما بل و ثانيا و إن استدل له بما أرسله ولده في فقيهه، و صحيح ابن يقطين (2) سأل أبا الحسن (عليه السلام) «عن الرجل لا يدري كم صلى أ واحدة أم ثنتين أو ثلاثا قال:

يبني على الجزم، و يسجد سجدتي السهو و يتشهد تشهدا خفيفا»

على معنى إرادة البناء على الأكثر ثم التدارك بصلاة الاحتياط من الجزم فيه، لكن هما- مع إرسال أولهما، و معارضتهما ب

صحيح ابن أبي يعفور (3) عن الصادق (عليه السلام) «إذا شككت فلم تدر أ في ثلاث أنت أم في اثنتين أم في واحدة أم في أربع فأعد و لا تمض على الشك»

و غيره، و تخلف ما ذكره الخصم من الاحتياط الخاص عن إفادة الجرم على المعنى المذكور

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

330

بحصول الصلاة على بعض الفروض، كما إذا فرض كون الواقع أنه صلى ركعة- قد أجيب عن الثاني منهما بأن المراد الإعادة من الأمر فيه بالبناء على الجزم، كإرادة الاستحباب حينئذ من الأمر بسجدتي السهو، و إن كان قد يشكل بأنه لا يجمع بين سجدتي السهو و إعادة الصلاة وجوبا و لا استحبابا، إلا أنه قد يدفع بأنه لا مانع من الاكتفاء به دليلا لذلك.

بل و المحكي عن أولهما أيضا عدا أخبار (1) قاصرة عن المعارضة سندا و عددا و عملا، بل و دلالة حتى منه نفسه من حيث ظهورها في لزوم البناء على الأقل المنافي لما عنده من التخيير بينه و بين الإعادة، و دعوى أن ذلك مقتضى الجمع بين الجميع يدفعها أنه فرع التكافؤ المفقود هنا من وجوه عديدة، منها موافقة هذه الأخبار للعامة بعد إعراض سائر الأصحاب عنها عداه، بل هو على ما اعترف به بعض الأساطين من مشايخنا، حتى أنه نسب الناقل عنه ما عرفت إلى التوهم و الغفلة، و قال: إن محل التوهم لذلك بعض عبارات فقيهه خاصة، و إلا فهو في الأمالي موافق للأصحاب في الإعادة، بل نسبه فيها إلى دين الإمامية، و لم يتعرض لذلك أصلا في الهداية، كما أنه ليس في المقنع إلا روي ابن علي ركعة، ثم إنه أطنب (رحمه الله) في بيان فساد محل الوهم من الكتاب المزبور، و لعل التدبر و التأمل في أطراف كلماته فيه يشهد له، فلاحظ، و لو لا خلو الإطالة في تحقيق ذلك عن الفائدة- ضرورة قطعية الحكم عندنا في حالتي وفاقه و خلافه- لذكرنا ذلك كله مفصلا.

ثم إنه هل يندرج في الرباعية بالنسبة إلى هذا الحكم و غيره من الأحكام التي ستسمعها الرباعية التي هي نفل بالأصل كصلاة الأعرابي، كما لعله يظهر من إطلاق بعضهم بل جزم به العلامة الطباطبائي في مصابيحه حاكيا عن الروض أنه استظهره، أو يقتصر

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 22 و 23 و 24.

331

على خصوص الفريضة الرباعية، و إلا فهي يجري عليها أحكام النافلة؟ وجهان لا يخلو الثاني منهما من قوة، مع احتمال مراعاة ما تقتضيه الأصول و القواعد من هذه الأحكام لتبادر غيرها من أدلة كل من الفريضة و النافلة بالنسبة إلى ذلك، فتأمل.

و كذا الحال في وجوب الاستئناف إذا لم يدر كم صلى لما عرفته مما تقدم حتى الأدلة السابقة على البطلان في الصورة الأولى، إذ هي من بعض أفرادها عند التحقيق، لأنه لم يدر أيضا واحدة صلى أو ثنتين، و من هنا كانت الإجماعات السابقة و غيرها الحجة هنا، مضافا إلى ظاهر المنتهى و ما عن ظاهر إرشاد الجعفرية أو صريحه من الإجماع عليه، و إلى الصحيح (1) السابق و غيره من المعتبرة

كخبر صفوان (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إن كنت لا تدري كم صليت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة»

و خبر علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال:

«سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فلا يدري صلى شيئا أم لا؟ قال: يستقبل»

و منه بل و غيره يعلم إرادة ما يشمل الواحدة أيضا على معنى عدم إحرازها، و الله العالم، فالمسألة حينئذ من الواضحات وضوحا لا يقدح فيه ما سمعته سابقا من علي بن بابويه بعد أن عرفت ضعفه في الغاية، كما لا يقدح فيه ما عساه يظهر من بعض الأخبار (4) القاصرة عن المقاومة من وجوه من خلاف ذلك، سيما مع إمكان تنزيله على ما لا ينافيه إن لم يكن ظاهرا في ذلك.

[في وجوب صلاة الاحتياط إذا شك في الزائد عن الأوليين و مسائله أربع]

و إن تيقن الأولتين أو ظن بناء على مساواته له فيهما كما ستعرف إن شاء الله و شك في الزائد وجب عليه الاحتياط للأدلة الآتية و مسائله العامة البلوى

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 22 و 23 و 24.

332

بل قيل بوجوب معرفتها عينا على سائر المكلفين، دون غيرها من مسائل الشك و السهو فيجب كفاية، بل ربما قيل باشتراط صحة الصلاة بمعرفتها و إن كان في الأخير منع واضح، و في التفرقة في سابقه نظر و تأمل أربع

[الأولى إذا شك بين الاثنتين و الثلاث]

الأولى إذا شك بين الاثنتين و الثلاث بعد إحراز الاثنتين بما ستعرف تحقيقه إن شاء الله في آخر البحث كانت صلاته صحيحة و لا إعادة عليه إجماعا كما في المعتبر و المنتهى و عن التذكرة و الغرية، بل هو قضية ما تسمعه من الإجماعات و غيرها على البناء على الثلاث، ف ما في بعض الأخبار (1) من الأمر بالإعادة المخالف لما عليه الأصحاب مطرح أو محمول على حصوله قبل إكمال السجدتين أو غير ذلك، و إن كان قد يظهر من المقنع الفتوى به، لأنه رواه فيه مع أنه معارض بالمحكي عنه صريحا في موافقته الأصحاب و بنى على الثلاث و أتم و تشهد و سلم على المشهور نقلا و تحصيلا شهرة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في الخلاف و الانتصار و الغنية، و عن ظاهر السرائر و مجمع البرهان بل عن الصدوق في الأمالي أنه من دين الإمامية، كما عن الحسن دعوى تواتر الأخبار به، مضافا إلى خصوص

خبر زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «قلت له: رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا قال: إن دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الأخرى و لا شيء عليه»

و لعل المراد بدخوله في الثالثة إحراز الثنتين، كما أن المراد بقوله: «مضى في الثالثة» الثالثة المحتملة على معنى تصييرها رابعة، و يراد بقوله (عليه السلام) حينئذ «الأخرى» الركعة الاحتياطية، و لا يقدح عدم فصلها في الرواية، فإن كثيرا من الأخبار على نحو هذا التعبير عن الركعة الاحتياطية، و يحتمل إرادة البناء على أنها ثالثة من المضي فيها على إرادة مضي الشك فيها أي ذهابه و انعدامه، فتكون حينئذ من روايات البناء على الأقل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

333

و أوضح منه خبر قرب الاسناد (1) الذي تسمعه، بل

و مقطوع محمد بن مسلم (2) «إنما السهو ما بين الثلاث و الأربع، و في الاثنتين و الأربع بتلك المنزلة، و إن سها فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا و اعتدل شكه قال: يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد و يسلم و يصلي ركعتين و أربع سجدات و هو جالس»

إلى آخره، فإنه و إن كان ظاهر قوله: «صلى» فيما مضى، لكنه لا يوافق ما فيه من الأمر بالقيام لإتمام الركعة مع الأمر بركعتين من جلوس للاحتياط لا على القول بالبناء على الأكثر و لا على القول بالأقل، فلا بد من حمله على إرادة الشك فيما في يده أنها ثالثة أو رابعة، و فرضه حينئذ على المختار البناء على أنها رابعة ثم يحتاط بركعتين من جلوس.

بل قد ينقدح من ذلك استفادة حكم ما هنا من الصورة الثانية، ضرورة عدم تصور للشك بين الاثنتين و الثلاث على وجه يكون صحيحا إلا على كون ما في يده ثالثة أو رابعة، فهو حينئذ أحد فردي الشك بين الثلاث و الأربع، بل من لوازمه على هذا الفرض، و سيأتي إن شاء الله تتمة لذلك في المسألة الثانية، فتأمل جيدا، على أن العمدة في المقام ما سمعت من الإجماعات، بل قاعدة الأخذ بالأكثر عند الشك المستفادة من المعتبرة المستفيضة فعن

الفقيه (3) قال أبو عبد الله (عليه السلام) لعمار ابن موسى: «يا عمار إلا أجمع لك السهو كله في كلمتين: متى ما شككت فخذ بالأكثر و إذا سلمت فأتم ما خلت أنك نقصته»

و عن التهذيب عن الساباطي (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شيء من السهو في الصلاة فقال: ألا أعلمك شيئا إذا فعلته ثم ذكرت أنك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء؟ قلت: بلى، قال: إذا

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

334

سهوت فابنة على الأكثر، فإذا فرغت و سلمت فقم فصل ما ظننت أنك نقصت، فان كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء، و إن ذكرت أنك نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت»

بل في خبره الآخر (1) أيضا «قال أبو عبد الله (عليه السلام): كلما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الأكثر، قال: فإذا انصرفت فأتم ما ظننت أنك نقصت».

و لا ينافيه قاعدة البناء على اليقين المستفادة من أخبار أخر (2) بل في بعضها (3) «إن هذا أصل فقال: نعم يرجع اليه»

لقصورها عن مقاومتها من وجوه، مع احتمال كون المراد منها ما يوافق الأولى، إذ قد عرفت أن اليقين بصحة الصلاة يحصل بالبناء على الأكثر، بل لا يحصل بالأقل، لما فيه من احتمال زيادة الركعة المبطلة للصلاة سهوا و عمدا بخلاف الأول، إذ ليس فيه سوى كون التسليم في غير محله الذي هو غير قادح، لجريانه مجرى السهو، بل قد يؤيده

المروي عن قرب الاسناد (4) «رجل صلى ركعتين و شك في الثالثة قال: يبني على اليقين، فإذا فرغ تشهد و قام و صلى ركعة بفاتحة الكتاب» إذ لو أراد باليقين الأقل لم يكن لصلاة الركعة وجه، بل عن بعض النسخ «يبني على الثلاث».

و من هنا تعرف ما في نسبة الخلاف إلى المرتضى في الناصريات حيث قال فيها على ما حكي عنه بعد قول الناصر في المسألة الثانية: من شك في الأوليين استأنف، و من شك في الأخيرين بنى على اليقين: «ما نصه هذا مذهبنا، و الصحيح عندنا، و باقي الفقهاء يخالفوننا في ذلك- إلى أن قال-: و الدليل على صحة ما ذهبنا إليه الإجماع»

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2 و 5 و 6.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

335

إذ قد عرفت أن مراده باليقين ما ذكرناه، بل صرح به في الانتصار ردا على العامة بل قد يرشد إلى ذلك قوله فيها أيضا: «و باقي الفقهاء» إلى آخره، إذ المنقول عنهم البناء على الأقل، فلو كان مراده باليقين ذلك لم يتجه نقل الخلاف عنهم، فظهر حينئذ إرادة البناء على النقصان بعد التسليم من اليقين بمعنى معاملتها معاملة الناقصة تحصيلا لليقين، بل لعل هذا وجه ما في بعض الأخبار (1) أيضا من البناء على النقصان، على أن بعضها (2) مشتمل على ما لا يقول به من البناء عليه أيضا حتى في الشك بين الواحدة و الثنتين، كما أن جميعها موافق للعامة، فان لم تكن قابلة لذلك كان حملها حينئذ على التقية متجها، لمخالفتها تلك الأخبار المتلقاة بين الأصحاب بالقبول المنقول على مضمونها الإجماعات كما سمعت.

و من جميع ما تقدم تعرف فساد ما عن علي بن الحسين بن بابويه من التخيير بين البناء على الأقل و التشهد بكل ركعة و بين البناء على الأكثر مع الركعة بعد التسليم، إذ هو- مع ما سمعت من نسبة ولده في الأمالي المشهور إلى دين الإمامية، و ما كان ليخفى عليه مذهب والده مع أنه من رؤسائهم سيما عنده- لا أعرف له مستندا في ذلك سوى أنه جمع بين أخبار البناء على الأكثر و أخبار البناء على الأقل، و هو- بعد تسليم أن مثل هذا الجمع لا يحتاج إلى شاهد، بل ينتقل اليه من اللفظ، و الغض عن دلالة الثانية، بل هي خالية عن الأمير بالتشهد في كل ركعة، بل فيها الأمر بالسجود الخالي منه كلامه- فرع التكافؤ المفقود من وجوه، فما وقع من بعض متأخري المتأخرين من أن القول به متجه أو أقرب أو أصوب لا ينبغي أن يلتفت اليه.

ثم استأنف وجوبا ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس مخيرا بينهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 22 و 23.

336

على المشهور نقلا مستفيضا و تحصيلا شهرة كادت تبلغ الإجماع، بل حكى عليه ذلك في الخلاف و عن الانتصار و الغنية، كما عن كشف الرموز هو فتوى الأصحاب لا أعرف فيه مخالفا، بل في ظاهر النافع و عن صريح السرائر نسبته إلى الرواية، بل في الرياض عن الذكرى و الروض أنهما نقلا عن العماني تواتر الأخبار به، و لكن الظاهر أنه وهم، لأنه نقل في الذكرى أن الجعفي و ابن أبي عقيل لم يذكرا التخيير بل اقتصرا على الركعتين من جلوس، و لعل سبب اشتباهه ما في الذكرى قبل ذلك «و أما الشك بين الثنتين و الثلاث فأجراه معظم الأصحاب مجرى الشك بين الثلاث و الأربع، و لم نقف على رواية صريحة، و نقل فيه ابن أبي عقيل تواتر الأخبار و خالف علي بن إلى آخره.

و الظاهر أن مراده بقرينة ما بعده البناء على الأكثر لا في كيفية ركعة الاحتياط، فتأمل.

و كيف كان فيدل عليه مضافا إلى ذلك ما تسمعه من المرسل (1) المنجبر بعمل الأصحاب الدال على التخيير في الصورة الثانية، و لا قائل بالفصل بينها و بين هذه الصورة كما اعترف به في الرياض، بل يمكن الاستدلال عليه حينئذ بأن ظاهر الأخبار المتقدمة الآمرة بإتمام ما نقصت الركعة من قيام احتياطا، و لا ينافيه الحكم فيها بأنها نافلة إذا تبين التمام، فان كونها ركعة لا يمنع من ذلك، فمنه حينئذ و من المعتبرة (2) في الصورة الثانية الآمرة بركعتين من جلوس- لعدم القول بالفصل بينهما- يستفاد التخيير، فما عن العماني و الجعفي من الاقتصار على ذكر الركعتين من جلوس في الصورتين لورود الأخبار في الصورة الثانية مع عدم القول بالفصل ضعيف جدا إن أرادا عدم جواز غيره، كالمحكي عن الكاتب و المفيد و القاضي من تعيين الركعة من قيام فيهما، لظاهر

قوله (عليه السلام): «فأتمم ما نقصت»

و لا ينافي ذلك اعتبار القيام في الفريضة

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

337

بعد أن كان جبرا شرعا، سيما مع الالتفات إلى ما ورد من تنزيل الركعتين من جلوس منزلة الركعة من قيام، و الله العالم.

ثم إن الظاهر تعذر الاحتياط بالنسبة إلى هذه الأقوال حتى في الجمع بين الركعة القيامية و الجلوسية، للزوم الفاصلة المخلة بالاحتياط على كل من المذهبين، فما يظهر من بعضهم من أن الاحتياط هنا في مذهب الكاتب، و في الثانية بمذهب الجعفي و العماني لا يخلو من نظر، نعم هو كذلك بالنظر إلى الأخبار دون الأقوال، هذا.

و لكن ينبغي أن يعلم أنهم اختلفوا فيما يحصل به إكمال الركعتين الأولتين كي يكون الشك الواقع بعد ذلك معتبرا، و المحصل من ملاحظة كلماتهم خصوصا الشهيدين و المحقق الثاني منهم في الذكرى و فوائد الشرائع و الروض و الروضة و المسالك و المقاصد العلية أن في ذلك أربعة وجوه أو أقوال.

الأول تحقق الإكمال برفع الرأس من السجدة الأخيرة، و لعله ظاهر المشهور كما يستفاد من الذكرى و المدارك، بل لعله الظاهر أيضا من عرف المتشرعة، إذ المفهوم من إطلاقاتهم أن الركعة مجموع الأفعال إلى الرفع، و لذا لو دعا أو أطال الذكر في السجدة الثانية من أي ركعة صدق عرفا أنه دعا و أطال في تلك الركعة، كما أنه يمتثل بفعله كذلك لو كان ناذرا مثلا، بل لعله المنساق إلى الذهن من النصوص الواردة في سائر المقامات المشتملة على ذكر أعداد الركعات في النوافل و الفرائض، و هو الذي اختاره العلامة الطباطبائي في مصابيحه حاكيا له عن جماعة من المتأخرين و عن صريح العلامة و غيره ممن تأخر عنه في مسألة إدراك الوقت بإدراك الركعة، ضرورة أن الركعة معنى واحد لا يختلف باختلاف المواضع، و لأن الأصل بقاء الركعة حتى يثبت الانتقال منها و الخروج عنها، و لم يثبت إلا بالرفع، فيكون الشك قبله مبطلا، و لأن حكم الشك قبل الذكر الابطال فكذا بعده قبل الرفع، استصحابا للحكم الثابت مع عدم العلم بالمزيل، و لا

338

يعارضهما أصل صحة الصلاة، فإنهما واردان عليه و مخصصان له، و لأن الركعة من الحقائق الشرعية التي ضابطها و مرجعها إلى عرف المتشرعة، و المتبادر منها فيه ما عرفت من مجموع الأفعال إلى الرفع، فتكون كذلك شرعا، و لعموم الأمر بإعادة الصلاة بالشك بين الثنتين و الثلاث و الثنتين و الأربع، بل بمطلق الشك المتعلق بالثنتين، كما يستفاد من حصر الصحة في بعض المعتبرة (1) في الشك بين الثلاث و الأربع، خرج عنه الشك بعد الرفع، فيبقى غيره.

و أيضا فأجزاء الصلاة تختلف باعتبار الانتهاء و الكمال، فالأقوال منها كالقراءة و الذكر و الدعاء تنتهي بنفسها، و لا يتوقف إكمالها على الدخول في غيرها بخلاف الأفعال، فإن الإكمال فيها لا يحصل إلا بالانتقال إلى فعل آخر، فالقائم قائم ما لم يركع، و الراكع راكع ما لم يرفع، و كذا الساجد، فان السجود فعل واحد ممتد لا يتحقق الفراغ منه إلا بالرفع، سواء في ذلك السجدة الأولى و الثانية، و القدر الزائد منه على الذكر الواجب و هو المتصل بالرفع جزء من السجود، غاية الأمر عدم اتصافه بالوجوب بناء على جواز اختلاف أجزاء الفعل الواحد المتصل باختلاف ما يقع فيه كالقيام، فإنه إنما يقتضي جواز تركه لا عدم توقفه على الرفع على تقدير وجوده كما هو المفروض، و يمتاز الرفع عن سائر الأفعال بعدم توقف إكماله على الدخول في غيره، لكونه من الأفعال المنقضية الغير الباقية، فجاز من هذا الوجه دخوله في الركعة و انتهائها به، و لا يلزم من توقف إكمال السجود عليه توقفه على شيء آخر، كما أنه لا ينافي خروج الرفع عن حقيقة السجود و الركوع توقف إكمالهما عليه، بل لا بأس بعده من واجباتهما بهذا الاعتبار، لتوقف الامتثال على الإكمال المتوقف عليه، و لا يلزم من ذلك عد الركوع من واجبات القيام و إن أمكن بالاعتبار المذكور، لأن الأمور الاعتبارية لا يلزم فيها الاطراد، على أن

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

339

الركوع لما كان ركنا مستقلا لم يجعل تابعا لغيره، بخلاف الرفع. و للصحيح أو الحسن عن زرارة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «قلت له: رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا؟ قال له: إن دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الأخرى و لا شيء عليه»

فان قضية المفهوم توقف الصحة على الدخول في الثالثة المترددة بينها و بين الرابعة، فتبطل الصلاة بالشك الواقع قبل رفع الرأس من سجود الركعة المترددة بينها و بين الثانية، و قد يناقش بأن الدخول في الثالثة ليس إلا بالخروج عن الثانية، و القائل بعدم توقفه على الرفع يدعى الخروج عنها و إن لم يرفع، فان بني الاستدلال على التوقف لزم الدور، و إلا لم يثبت الابطال، لمكان الاحتمال المانع من الاستدلال، لكن قد تدفع بمنع دعوى القائل المزبور الخروج عنها و إن لم يرفع، بل أقصى دعواه أنها تتم بذلك لا أنه يدخل في الثالثة حينئذ، إذ مبدئها عنده على الظاهر الرفع، فلا يصدق الدخول فيها قبله، و لو قال: إن الرفع أمر خارج عنهما أمكن دعوى عدم صدق الخروج عن الثانية قبله أيضا و إن لم يكن مبدأ الثالثة، فتأمل.

الثاني تحقق الإكمال بالركوع كما حكاه في الذكرى عن بعضهم، و في المصابيح عن السيد بن طاوس في البشرى و المحقق في الفتاوى البغدادية، لإشعار بعض النصوص (2) أو ظهورها فيه، و لأن الركعة واحدة الركوع كما أن السجدة واحدة السجود، و لحصول معظم الأجزاء بالركوع، فيجتزى به تنزيلا للأكثر منزلة الجميع و ل ما ورد (3) في صلاة الآيات أنها عشر ركعات يقنت في كل ركعتين منها، و لأنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الركوع من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صلاة الكسوف و الآيات- الحديث 6.

340

هو المخلص في حكم المشهور بصحة الصلاة إذا شك بين الأربع و الخمس بعد الركوع قبل إكمال السجود، فان النصوص تشمل هذه الصورة لو قيل بتحقق الركعة بالركوع و إلا فهي خارجة عنها، لعدم إتمام الركعة، فلا يصدق معه الشك بين الأربع و الخمس لكن الجميع كما ترى حتى الأخير الذي هو بعد تسليمه يتم لو انحصر وجه الصحة في تلك النصوص، و هو ممنوع لإمكان إثباتها بدليل آخر.

الثالث الاكتفاء بوضع الجبهة في السجدة الثانية و إن لم يتشاغل بالذكر، كما مال إليه في ظاهر الذكرى، لكمال الركعة بمسمى هذه السجدة، و فيه أن الذكر من واجباتها فلا تكمل إلا يفعله، و عدم بطلان الصلاة بالإخلال به سهوا لا يقتضي حصول الإكمال بدونه، و إلا لحصل بمسمى السجدة الأولى، لعدم بطلان الصلاة بنسيان السجدة الأولى (1) كما هو المشهور.

الرابع الاكتفاء بإكمال الذكر الواجب في السجدة الثانية و إن لم يرفع رأسه منها كما اختاره الشهيد الثاني في الروض و الروضة و المسالك و المقاصد، و كأنه مال اليه المحقق الثاني في فوائد الشرائع، بل نسب إلى الشهيد الأول أيضا، لكن لا صراحة في كلامه به، لأن الرفع ليس جزء من السجود، و لا دخل له فيه، و إنما هو واجب مستقل أو مقدمة لواجب آخر كالتشهد و القراءة، و فيه أن الرفع عندهم معدود من واجبات الركوع و السجدة الأولى، فجاز أن يكون من واجبات الثانية، لأن تعلقه بها كتعلقه بهما من غير فرق، و خروجه عن السجود لا ينافي توقف إكماله عليه كما عرفت، فإنه فعل واحد مستمر لا ينتهي إلا به، مع أن الصحة منوطة بإكمال الركعتين، و من الجائز

____________

(1) الصواب أن يكتب لفظة «الواحدة» أو «الثانية» مكان لفظة «الأولى» لعدم معقولية نسيان الأولى من حيث أنها أولى مع الإتيان بالثانية كذلك، لأنه إذا سجد واحدة كانت هي الأولى قهرا و اتصف الثانية بالنسيان.

341

دخول الرفع في الركعة و إن خرج عن السجود و لم يتوقف إكماله عليه، لكن قد يدفعه أن مجرد الجواز غير مجد بعد ظهور العدم، إذ الإنصاف صدق تمام مسمى الركعة في عرف المتشرعة بإكمال الذكر الواجب، و لا ينافيه صدقة أيضا بالرفع، لاحتمال كون الرفع من مشخصات الفرد لا المسمى من حيث التسمية، فالركعة للقدر الذي يتحقق بإكمال الذكر، و من أفراد مسماها ما تحقق معه الرفع لا أن الصدق موقوف عليه، و من هنا كان هذا الأخير لا يخلو من قوة، بل بما ذكرنا يتضح لك النظر في أكثر أدلة الأول، نعم لو قلنا: إن المعتبر الشك حال الدخول في الثالثة لا حال الإكمال خاصة أمكن عدم اعتبار الشك حينئذ بعد الذكر قبل الرفع، لعدم صدق الدخول في الثالثة حينئذ، لكن قد يناقش أولا بأنه مشترك الإلزام بناء على أن تمام الرفع من الركعة الأول، إذ لا ريب في اعتبار الشك بعد الرفع كما حكى الإجماع عليه في المصابيح و المقاصد، مع عدم صدق الدخول في الثالثة، اللهم إلا أن يفرق بين ابتدائه و انتهائه، فالأول من تتمة الأولى، و الثاني مبدأ الثالثة، و هو كما ترى، و ثانيا بأنه يمكن إدراجه في النص بالعلاج حينئذ، إذ هو و إن طرأ له الشك بعد الذكر مثلا لكن له رفع رأسه قطعا، لعدم كونه من المبطلات، فإذا رفع اندرج فيها، اللهم إلا أن يقال بظهور الأدلة في البطلان حينئذ، فلا يكون للعلاج محل، و بهذا يفرق بين المقام و بين الصور العلاجية بالهدم و نحوه مما ستسمعه فيما يأتي مما لا يعارض العلاج فيه ظاهر نص، لكن قد يمنع ذلك فيما نحن فيه أيضا، فتأمل جيدا، فإن الذي استقر عليه رأينا القول الأول، و هو اعتبار رفع الرأس في اعتبار الشك، و إن كان الاحتياط لا ينبغي تركه سيما بالنسبة إلى القول الأخير، و الله العالم.

[المسألة الثانية من شك بين الثلاث و الأربع]

و كيف كان فالمسألة الثانية من شك بين الثلاث و الأربع في أي حال كان قبل إكمال السجدتين أو بعدهما إذ هو لا يكون إلا بعد إحراز الركعتين كانت صلاته

342

صحيحة بلا خلاف أجده، بل نقل عليه الإجماع جماعة، كما أنه حكي عن أخرى، بل هو قضية ما تسمعه من أدلة البناء على الأربع من الأخبار و غيرها، بل في بعضها (1) لا يعيد الصلاة فقيه من هذا الشك و بنى على الأربع و تشهد و سلم على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك، إذ لا يقدح فيه ما حكي من الخلاف فيه على تقدير تحققه، و لذا حكاه عليه في الخلاف و الانتصار و الغنية و عن ظاهر الأمالي و السرائر و المعتبر و الروض، و هو و ما تقدم من النصوص الآمرة بالأكثر الحجة، مضافا إلى الأخبار الخاصة المعتبرة سندا و دلالة و لو من جهة الانجبار بما عرفت، منها

خبر عبد الرحمن بن سيابة و البقباق (2) عن الصادق (عليه السلام) «إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا- إلى أن قال-: و إن اعتدل وهمك فانصرف و صل ركعتين و أنت جالس»

و منها

مرسل جميل (3) عنه (عليه السلام) أيضا فيمن لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا و وهمه في ذلك سواء، فقال: «إذا اعتدل الوهم في الثلاث و الأربع فهو بالخيار إن شاء صلى ركعة و هو قائم، و إن شاء صلى ركعتين و أربع سجدات و هو جالس»

و منها

خبر الحلبي (4) «و إن كنت لا تدري ثلاثا صليت أم أربعا و لم يذهب وهمك إلى شيء فسلم ثم صل ركعتين و أنت جالس، تقرأ فيهما أم الكتاب».

فما عن أبي علي و ابن بابويه من التخيير بين الأقل و الأكثر مع عدم ثبوته عن الثاني ضعيف جدا، بل لا مستند له سوى ما تقدم سابقا من الجمع بين روايات الأقل و الأكثر بما قد عرفت ما فيه من أنه بعد تسليم عدم احتياجه إلى الشاهد فرع التكافؤ المفقود لوجوه متعددة، فوجب طرح المقابل أو حمله على التقية أو غير ذلك، كما سمعت سابقا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 5.

343

نعم ظاهر النصوص و بعض الفتاوى وقوع الشك بعد كمال مسمى الركعة، إذ هو الظاهر من

قوله (عليه السلام): «ثلاثا صليت أم أربعا»

ضرورة إرادة أنه لم يدركون الذي وقع منه ثلاثا أم أربعا، فلا يشملان ما لو وقع الشك في ذلك حال القيام مثلا كما في المقام، إذ مرجعه أنه لم يدركون الذي في يده ثالثة أو رابعة، لا أن ما فعله ثلاث أو أربع.

و كشف الحال أن يقال: إن الشك بين الأقل و الأكثر له صورتان: الأولى أن يشك في أنه أتى بالأقل تاما أو بالأكثر كذلك، كما لو شك في أنه صلى ركعتين أو ثلاثا، فهو حينئذ جازم بالركعتين التامتين شاك في الثالثة، و هكذا في غيره، و كون ذات الأقل مقطوعا به لا ينافيه الشك فيه باعتبار وصف القلة بمعنى الإتيان به وحده، و هذه الصورة هي مورد غالب النصوص و الفتاوى في صور الشك المعروفة.

الثانية أن يشك أنه في الأقل أو الأكثر كأن يشك أنه في الثانية أو الثالثة، أو في الثالثة أو الرابعة، أو في الرابعة أو الخامسة، و الشك في هذه الصورة لا يقتضي القطع بالأقل بمعنى كونه فيه، لاحتمال كونه في الأكثر، و لا بوقوع الأقل منه تاما، لاحتمال كونه فيه، لكنه يقتضي القطع بمتلو الأقل، و هو العدد المتصل به من جهة النزول، فلو قال: لا أدري في ثانية أنا أو في ثالثة كان قاطعا بالركعة الواحدة شاكا بينها و بين الثنتين، و لو قال: لا أدري في ثالثة أو رابعة فهو محرز للثنتين شاك بينهما و بين الثلاث، و لو قال: في رابعة أو خامسة فهو قاطع بالثلاث شاك بينها و بين الأربع، فهذه الصورة ترجع إلى الأولى بعود كل منها إلى المرتبة النازلة عن نظيرها من السابقة، و يستفاد حكمها منها إذا اختص الدليل بها، فتبطل الصلاة في الأولى، لكونه شكا بين الواحدة و الثنتين، و تصح في الثانية، ضرورة أنه يرجع إلى الشك فيما وقع منه قبل هذا القيام الذي هو فيه المتردد بين كونه ثالثة أو رابعة بين الاثنتين و الثلاث،

344

و فرضه البناء على الثلاث، فيتم الذي بيده على أنه رابعة، و كذلك الحال في الصورة الثالثة التي ترجع بنحو هذا التقرير إلى الشك فيما قبل هذا القيام بين الثلاث و الأربع، فيهدم حينئذ إذا كان قبل الركوع و يتشهد و يسلم، أما إذا كان بعد الركوع قبل الإكمال فهو و إن كان شكا أيضا بين الثلاث و الأربع إلا أن البناء على الأربع فيه يقتضي الفساد، و النص فيه مسوق للصحة، فلا يتناوله، فينتقل إلى دليل آخر على الصحة، أو يقال بالبطلان، فعلم من ذلك كله حينئذ أن حكم الشك في الصورة الثانية يستفاد من حكمه في الصورة الأولى لا من النصوص الواردة فيه، إذ هي ظاهرة في وقوع الشك بعد الكمال للركعة لا حال النقصان من القيام و نحوه.

كما أنه يمكن استفادة حكم الصورة الأولى من الثانية لو فرض اختصاصها بالدليل دونها، لكن بالصعود لا بالنزول عكس الأولى، فلو شك في الثنتين و الثلاث كان شاكا في الثالثة و الرابعة، و لو شك في الثلاث و الأربع كان شاكا في الرابعة و الخامسة بناء على أن إكمال الأقل يستلزم الدخول في الأكثر، إلا أنك عرفت ورود النصوص غالبا في الصورة الأولى دون الثانية، فالحاجة اليه نادرة، و لو كان شاكا بين الثلاث و الأربع و هو قائم ثم ذكر نسيان سجدة من الركعة السابقة على القيام المذكور فالظاهر بطلان صلاته، لصيرورته شاكا بين الاثنتين و الثلاث قبل إكمال السجدتين، و البناء على الأربع في حال الشك السابق لا يجعل السابقة ثالثة على وجه يكون النسيان فيها ثالثة، ضرورة ترددها واقعا بين الثانية و الثالثة، نعم لو فرض الحال المزبور بعد الركوع في الرابعة التي بنى عليها أنها رابعة لم يبعد الحكم بصحة صلاته و عدم الالتفات إلى الشك المزبور الظاهر في عدم اندراجه في أدلته، و الله العالم، هذا و لكن قد يطلق الشك في الركعات في عبارات الأصحاب و يراد به المعنى

345

الأعم من الصورتين كما يومي اليه تقسيمهم الشكوك إلى الأقسام المتعددة بحسب وقوعهما في الأحوال المختلفة من كونها قبل الركوع أو بعده قبل إكمال السجدتين أو بعد الإكمال و قولهم: إن الشك بين الثلاث و الأربع تصح معه الصلاة مطلقا، بخلاف الشك بين الثنتين و الثلاث مثلا، فإنه تصح الصلاة فيه بعد إكمال الركعتين لا قبله، إذ المنقسم إلى ذلك يمتنع أن يراد به أحد المعنيين بعينه، بل يتعين فيه الحمل على الأعم المتناول للركعة التامة و الناقصة على سبيل المجاز، كما هو واضح.

و كيف كان بنى على الأربع في مفروض المتن و احتاط كالأولى بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس مخيرا بينهما على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في الخلاف و الانتصار و الغنية و عن ظاهر غيرها، مضافا إلى مرسل جميل (1) المتقدم المنجبر بالعمل بين الأصحاب، بل هو و الإجماع قرينة على أن المراد بالأمر بالجلوس في غيره أحد فردي المخير، كما أنهما شاهدا الجمع بين ظاهر أخبار تتميم الناقص (2) و الأخبار الآمرة بالجلوس (3) لو كان مثله محتاجا إلى شاهد، فما عن بعض القدماء من تعيين القيام لا يلتفت اليه، خصوصا بعد تصريح الروايات بالأمر بالجلوس هنا، كما أنه لا يلتفت إلى ما عن العماني و الجعفي من تعيين الجلوس، لما عرفت من الإجماعات و المرسل و غيره، مع أن خلافهما في ذلك غير متحقق، لأن المنقول عنهما أنهما لم يذكرا الركعة من قيام، و هو أعم من اختيار العدم، فما وقع من بعض متأخري المتأخرين من الميل اليه كما ترى.

[المسألة الثالثة من شك بين الاثنتين و الأربع]

المسألة الثالثة من شك بين الاثنتين و الأربع بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة أو بعد تمام الذكر و إن لم يرفع رأسه أو قبله أو بعد الركوع على اختلاف

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

346

الوجوه بل الأقوال في تحقق مسمى الركعة بنى وجوبا على الأكثر أي الأربع و تشهد و سلم بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل في الخلاف و عن الانتصار و ظاهر السرائر الإجماع عليه، بل في الرياض عن أمالي الصدوق أنه من دين الإمامية الذي يجب الإقرار به، و يدل عليه- مضافا إلى ذلك و إلى الأخبار الآمرة بالبناء على الأكثر عند الشك- خصوص المعتبرة المستفيضة المعمول بها بين الأصحاب قديما و حديثا، منها

صحيح محمد بن مسلم (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين فلا يدري ركعتان هي أو أربع قال: يسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين بفاتحة الكتاب فيتشهد و ينصرف»

و مثله غيره، ك خبر ابن أبي يعفور (2) الآتي و نحوه، بل و خبر زرارة (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «قلت له: من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين و قد أحرز الثنتين قال: يركع ركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهد و لا شيء عليه، و إذا لم يدر في ثلاث هو أوفي أربع و قد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها أخرى و لا شيء عليه، و لا ينقض اليقين بالشك، و لا يدخل الشك في اليقين، و لا يخلط أحدهما بالآخر، و لكنه ينقض الشك باليقين، و يتم على اليقين، فيبني عليه، و لا يعتد بالشك في حال من الحالات»

فإنه بقرينة غيره من النصوص يراد منه ركعتا الاحتياط و لذا أمر فيهما بفاتحة الكتاب و القيام و نحو ذلك مما يعلم عدم إرادة تتمة الصلاة فيه، كقوله (عليه السلام): «أضاف» بل و قوله (عليه السلام): «و لا يخلط» و نحوه مما فيه تعريض بالعامة القائلين بالبناء على الأقل مدعين أنه اليقين، مع أنه في الحقيقة نقض ليقين الصلاة المشغول بها الذمة يقينا بالشك، ضرورة احتمال الزائد على الأقل

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3 و ذيله في الباب 10 منها- الحديث 3.

347

المساواة و الزيادة، كما أنه خلط لليقين بالشك، أما على الاحتياط فإنه نقض للشك باليقين باعتبار تردده بين الإتمام و النفل، بل من ذلك يعلم المراد باليقين في النصوص كما أشرنا إليه سابقا.

و على كل حال فلا إشكال في الحكم المزبور، خلافا للمنقول عن المقنع من الإعادة لكن قال: و روي أنه يسلم فيقوم فيصلي ركعتين، و كان مراده التخيير بين الإعادة و المختار، و لعله للجمع بين ما تقدم و الصحيح الآخر (1) المنسوب إلى الندرة في المعتبر و المنتهى «سألته عن الرجل لا يدري صلى ركعتين أم أربعا قال: يعيد الصلاة»

و هو بعد تسليم عدم احتياج مثله إلى شاهد فيه أنه فرع التكافؤ المفقود من وجوه، خصوصا بعد دعوى الفاضلين في التذكرة و المنتهى و المعتبر الإجماع على بطلان القول بالإعادة عند التعرض للبناء على الأكثر أو الأقل، لكن لعل المراد تعينها، فلا ينافي حينئذ ما تقدم من عبارة المقنع على أحد الاحتمالين، و كيف كان فالمتجه طرح الصحيح المزبور أو حمله على غير الرباعية أو وقوع الشك قبل إحراز الركعتين أو غير ذلك.

و أضعف منه احتمال التخيير بين المختار و البناء على الأقل، جمعا بين ما تقدم و بين أخبار الأقل، إذ عرفت أن أخبار الأقل مطرحة بين الأصحاب موافقة للعامة معارضة بأقوى منها، بل أضعف منهما احتمال التخيير بين المختار و الإعادة و البناء على الأقل الذي منشأه و سابقيه اختلال الطريقة بالإعراض عن كلام الأصحاب و النظر إلى مجرد ما يقتضيه الأخبار، مع أن فيه من المنافاة لمقتضى قواعد الجمع ما لا يخفى، على أن ظاهر الأمر بالإعادة يقتضي البطلان، و لا وجه للتخيير بينه و بين غيره، اللهم إلا أن يراد الإبطال أو التخيير في الاحتياط بين صلاته و الإعادة، و نحو ذلك مما لا يخفى عليك ما فيه من التكلف المستبشع، و من هنا كان المتجه عدم إرادة التخيير من المرسل في المقنع.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 7.

348

و على كل حال فالمتجه ما عليه الأصحاب من أنه إذا شك بنى على الأكثر و أتى بركعتين من قيام بلا خلاف أجده، للمعتبرة المتقدم بعضها، و الإجماع المنقول، فلا يجوز الجلوس، لعدم الدليل، بل ظهور الدليل في العدم، و لا سجود للسهو لعدم سببه، و ما في خبر أبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا لم تدر أربعا صليت أم ركعتين فقم و اركع ركعتين ثم سلم و اسجد سجدتين و أنت جالس ثم سلم بعدهما»

لم أعثر على عامل به، للأصل، و قوله (عليه السلام) في المعتبرة السابقة: «لا شيء عليه»

بعد فعل الاحتياط، و مفهوم

خبر ابن أبي يعفور (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لا يدري ركعتين صلى أم أربعا قال: يتشهد و يسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين و أربع سجدات يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثم يتشهد و يسلم، فان كان صلى أربعا كانت هاتان نافلة، و إن كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الأربع، و إن تكلم فليسجد سجدتي السهو»

فما في خبر أبي بصير (3) عن الصادق (عليه السلام) مع أنه من أخبار البناء على الأقل التي قد عرفت حالها لم أعثر على عامل به، نعم عن جملة من المتأخرين حمله على الاستحباب، و لو لا التسامح لأمكن المناقشة فيه أيضا، و لعله لذا قيده بعضهم بالمفهوم السابق، و لم يذكر الاستحباب، و الأمر سهل.

[المسألة الرابعة من شك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع]

المسألة الرابعة من شك بين الاثنتين بعد إحرازهما على حسب ما تقدم و الثلاث و الأربع بنى وجوبا على الأكثر و هو الأربع و تشهد و سلم ثم أتى بركعتين من قيام و ركعتين من جلوس على المشهور نقلا و تحصيلا، بل في الانتصار و الغنية الإجماع على ذلك، و هو الحجة، مضافا إلى ما تقدم من الأدلة على البناء على الأكثر، و خصوص

مرسل ابن أبي عمير (4) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 4.

349

صلى فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا قال: يقوم فيصلي ركعتين من قيام ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين من جلوس و يسلم، فان كانت أربع ركعات كانت الركعتان نافلة، و إلا تمت الأربع»

فما عن ابن الجنيد من جواز البناء على الأقل ما لم يخرج الوقت في غاية الضعف لا دليل له سوى ما سمعت من الجمع بين هذه الأدلة و بين أخبار الأقل الذي قد عرفت الحال فيه.

إنما الكلام في مسائل ثلاث: الأولى أن ظاهر عبارة المصنف بل صريحها كغيرها من عبارات الأصحاب بل قد سمعت من الانتصار و الغنية دعوى الإجماع عليها عدم الاكتفاء بركعة من قيام و ركعتين من جلوس كما عن الصدوقين و أبي علي، بل عن الذكرى و غيرها «أنه قوي من حيث الاعتبار، مدفوع من حيث النقل و الاشتهار» و في اللمعة «أنه قريب» و لعل المراد بالاعتبار المشار إليه أنه إن كانت النقيصة اثنتين كانت الركعة من قيام مع الركعتين من جلوس بدلهما، و إن كانت واحدة كانت الركعة بدلا و الثانية نافلة، و إلا كانا معا كذلك، لكن فيه أنه فاقد لهيئة ما لعله ناقص على تقدير كون الفائت اثنتين، و التلفيق مع الفصل بالتسليم و تكبيرة الإحرام و كون إحداهما من قيام و الأخرى من جلوس غير موافق للاعتبار، على أنه لو كان الفائت اثنتين كانت تكبيرة الإحرام زائدة، و هي مما تقدح زيادتها عمدا و سهوا، و احتمال أن الركعتين من جلوس موصولة بالركعة القيامية ليست مفصولة، فلا يلزم ذلك يدفعه ظاهر المنقول عنهم، على أن الاجتزاء بالركعتين قائما حينئذ أولى.

نعم قد يستدل لهم

بالصحيح عن أبي إبراهيم (ع) (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا فقال: يصلي ركعة من قيام ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين و هو جالس»

و هو- مع أن سؤال الكاظم للصادق (عليهما السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

350

على هذا الوجه غير معهود، و عن بعض النسخ عن أبي إبراهيم (عليه السلام) بدون ذكر أبي عبد الله (عليه السلام)- معارض بما عن بعض النسخ «ركعتين من قيام» بل لعلها الأصح لتأيدها بالرواية السابقة الموافقة للمشهور بين الأصحاب المحكي عليه الإجماع، بل قد يؤيدها أيضا ما عرفت أن الشهيدين قوياه من حيث الاعتبار، و لو كان الخبر كذلك لكان أولى بالذكر، و ما عن الصدوق بعد ذكر هذه الرواية من غير فصل يعتد به أنه قال: و قد روي أنه يصلي ركعة من قيام و ركعتين و هو جالس، و لو كانت الرواية كذلك لم يكن لما ذكر وجه يعتد به، و تأييد النسخة الأولى بكونها هي المشهورة ضبطا كما قيل و بموافقتها للمنقول عن الفقه الرضوي (1) لا يقاوم ما سمعت فالأصح حينئذ ما عرفت.

الثانية هل يتحتم الجلوس في الركعتين، أو يجب الإتيان بركعة من قيام، أو يخير؟ احتمالات بل أقوال، أقواها الأول، للأخبار (2) الآمرة بذلك المعتضدة بظاهر فتوى الأصحاب و الإجماع المنقول، خلافا لما عن ظاهر المفيد في الغرية و الديلمي في المراسم و أبي العباس في الموجز فالثاني، و هو عجيب، لما فيه من المخالفة لما سمعت من غير دليل معتد به، فلعل مرادهم التخيير، و هو الثالث كما اختاره في التذكرة و المختلف و استحسنه في الروضة للجمع بين أوامر الجلوس و ظاهر

قوله (عليه السلام): «أتمم ما ظننت أنك نقصت» (3)

و لأن هذا الشك مركب من البسائط، فلا يزيد على ما وجب لكل واحد لو كان مستقلا، و هو لا يخلو من وجه، و إن كان الأوجه خلافه، و تسمع له تتمة إن شاء الله تعالى في آخر مسائل الشك.

____________

(1) المستدرك- الباب- 12- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.