جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج12

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
460 /
401

الثامنة أن يراد بالسهو الثاني الشك، و لكن على حذف مضاف

أي موجب الشك بالفتح كالركعات للاحتياط، فإنه لا حكم للسهو فيها بالمعنى المتقدم في موجب السهو بالفتح، فمن سها فيها مثلا عما يوجب سجود السهو فإنه لا حكم له حينئذ، فلا يجب سجدتا السهو بعد الفراغ، و نقل عن جماعة من الأصحاب التصريح به، بل عن بعضهم نقل الشهرة عليه، و ربما علل ذلك مضافا إلى قولهم: «لا سهو في السهو» بأن ما دل على وجوب سجود السهو ظاهر في الصلاة اليومية، فيقتصر عليه، نعم عن بعضهم أنه لا يشمل- بناء على هذا التفسير- ما لو نسي السجدة مثلا، فيجب حينئذ قضاؤها بعد الفراغ، و فيه نظر أو منع، بل قد يقال أيضا: إن ما دل على وجوب قضاء السجدة بعد الفراغ ظاهر في اليومية، كما ذكر ذلك في سجدتي السهو.

و لو سها عن بعض الواجبات في الركعات الاحتياطية و ذكر قبل تجاوز المحل فالمنقول عن جماعة من الأصحاب وجوب التدارك، و فيه إشكال أيضا، لكونه سهوا في موجب السهو أي الشك، فينبغي عدم الالتفات، و الحاصل أنه يعامل عندهم معاملة الصلاة الأصلية في النسيان، و كذلك بالنسبة إلى الزيادة و النقيصة في الأركان إلا في وجوب سجود السهو، فلا يوجبونه هنا لمكان «لا سهو في السهو» و أنت خبير بما فيه لصدق العبارة على جميع ذلك، فينبغي تمشية الحكم في الجميع، و من هنا كان الظاهر الاقتصار في تفسير هذه الفقرة على أن يراد بالسهو الأول الشك و السهو الثاني الشك أو السهو على إرادة الموجب، فيكون المعنى لا شك في موجب شك أو سهو بالفتح و على عموم المجاز، و المراد حينئذ عدم الالتفات إلى الشك في أعدادها، أما الشك في أفعالها فهل هو كذلك أو يبقى على القاعدة من التلافي في المحل و عدمه في خارجه؟ الظاهر الثاني، و أما الشك في أصل الإيقاع فالظاهر عدم اندراجه، و عن ظاهر جملة من المتأخرين إمكان إرادة الثمان من هذه الفقرة، و هو مشكل، لمخالفته لمقتضى الأصل

402

في جملة منها، و الخروج عنه بمثل هذا النص المجمل مشكل، بل قد عرفت ظهور سياق النص و الفتوى في إرادة الشك من السهو الأول كما سمعته من منتهى الفاضل، و أظهر منه ما عن الشيخ، فإنه قال بعد نقل العبارة: و له تفسيران: الأول أن الشك فيما يوجبه الشك كالاحتياط و سجود السهو، الثاني أن يشك هل شك أم لا، قال: و كلاهما مما لا حكم له، و يبني في الأول على الأكثر، لأنه فرضه، بل في الرياض استظهار إرادة الشك من السهو الثاني أيضا منهما و من غيرهما، بل استظهر عدم الخلاف فيه من عبارة الأول منهما بعد أن ادعى أن نقلهما في مثل ذلك حجة، و عليه فلا يمكن إرادة السهو بالمعنى المعروف مطلقا، و يندفع أكثر وجوه الاجمال، و يبقى من حيث الاختلاف بين التفسيرين و لا ريب في مطابقة الثاني لمقتضى الأصل في كثير من موارده، فلا يحتاج إلى النص و إن أكده على تقدير وضوح دلالته على ما يطابقه، و إنما المحتاج اليه الأول لمخالفته الأصل الدال على لزوم تحصيل المأمور به على وجهه، و لا يتم إلا مع عدم الشك، مضافا إلى إطلاق ما دل على لزوم تدارك المشكوك مع بقاء المحل مثلا، و لما كان النص يحتمله، و الثاني لم يمكن التمسك به لإثباته إلا أن يرجح باخبار الفاضل كونه مراد الفقهاء، مع ظهوره من كلماتهم و استدلالهم بالنص على أنه لا سهو في سهو بناء على أن ظاهره إثبات حكم مخالف للأصل لا موافق له، و ليس إلا على تقدير التفسير الأول مع اعتضاده بما قيل من الاعتبار، و هو أنه لو تداركه أمكن أن يسهو ثانيا، و لا يتخلص من ورطة السهو، و لأنه حرج فيسقط اعتباره، و لأنه شرع لازالة حكم السهو، فلا يكون سببا لزيادته.

و مما ذكرنا ظهر استقامة الحكم على كلا التفسيرين كما هو ظاهر كلام الشيخ المتقدم و هو لازم لكل من اختار التفسير الأول، لموافقة الثاني للأصل في جملة من موارده كما أوضحناه سابقا، فلاحظ، إلا أنه مع ذلك كله يقوى في النظر إرادة الأعم من

403

الشك و السهو المعروف من السهو الثاني لكن على تقدير الموجب بالفتح كما قدمناه سابقا بل لو لا وحشة الانفراد لأمكن القول بأن المراد من النص عدم الحكم لخصوص كل من السهو و الشك في كل من موجبهما، فلا يلتفت للشك في العدد في موجب الشك، و لا للسهو في موجب السهو خاصة، دون الشك في موجب السهو و السهو في موجب الشك، فيكون المراد كل واحد بالنسبة إلى مجانسه، بل قد يؤيده ما في الصحيح (1) المتضمن لذلك، و لا على الإعادة إعادة إذ أظهر التفسيرين له أنه إذا أعاد الصلاة لخلل موجب للإعادة ثم حصل أمر موجب لها لا يلتفت اليه، كما يعضده

الصحيح (2) «لا تعودوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة، فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود»

و الاعتياد لغة يحصل بالمرتين كما صرح به في الحيض و إن استشكله بعض مشايخنا بعدم حصول الاعتياد عرفا بالمرتين أولا، و بعدم وضوح القائل به ثانيا، بل ظاهر حصر الفتاوى لمقتضي عدم الالتفات للشك في أمور مخصوصة غير ما في الصحيح عدمه، لكن فيه أنه لا بأس بإثبات ذلك كله بهذا الصحيح لحجيته و ظهور دلالته و اعتضاده بغيره و عدم القطع بشذوذه، و إن لم يظهر قائل صريح به، فان ذلك لا يستلزم الإجماع على خلافه، فلا حاجة حينئذ لحمله على إرادة خروجه مخرج الغالب من كثير الشك، لأنه الذي يحصل له الشك بعد الإعادة أيضا غالبا دون غيره، فنفي الإعادة حينئذ على الإعادة للكثرة، إذ فيه- مع إمكان المناقشة في الغلبة المزبورة- أنه يقضي بإرادة نحوه فيما تضمنه هذا الصحيح من نفي السهو عن السهو، ضرورة سياق الجميع فيه مساقا واحدا، و هو مخرج له عن صلاحية الاستدلال به على نفي السهو في السهو من حيث هو سهو في سهو و إن لم يكن هناك كثرة كما هو الفرض فيما تقدم، بل هو خلاف طريقة الأصحاب

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

404

المستدلين به لذلك، و كذا لا حاجة لالتزام حصول الكثرة بالشك في الإعادة و لو مرة إذ هو كما ترى، لكن و مع ذلك فالإنصاف عدم ترك الاحتياط بالإعادة إلى أن يحصل مزيل حكم الشك من الكثرة و نحوها، فتأمل جيدا.

[حكم شك الإمام و المأموم و سهوهما]

و كذا لا يلتفت إذا سها أي شك المأموم إلى شكه لكن ليس له البناء حينئذ على الأقل أو الأكثر بل عول على صلاة الامام و كذا لا شك على الإمام إذا حفظ عليه من خلفه بلا خلاف أجده في كل من الحكمين، بل في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه، و يدل عليه مضافا إلى ذلك

مرسلة يونس (1) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن الامام يصلي بأربعة أنفس أو خمسة فيسبح اثنان على أنهم صلوا ثلاثة و يسبح ثلاثة على أنهم صلوا أربعا، و يقول هؤلاء قوموا، و يقول هؤلاء اقعدوا و الامام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم فما يجب عليه؟ قال: ليس على الامام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق منهم، و ليس على من خلف الامام سهو إذا لم يسه الامام»

و خبر حفص بن البختري (2) عنه (عليه السلام) أيضا، قال: «ليس على الامام سهو و لا على من خلف الامام سهو»

إلى آخره،

و صحيحة علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) «سألته عن رجل يصلي خلف الامام لا يدري كم صلى هل عليه سهو؟ قال: لا».

و ظاهر إطلاق النص و الفتوى عدم الفرق بين كون المأموم متحدا أو متعددا ذكرا أو أنثى عدلا أو فاسقا، بل عن الدرة نسبة الأخير إلى الأصحاب، بل قد يقال بشموله للصبي المميز بناء على شرعية عبادته على إشكال، لكونه من الأفراد الخفية، و عدم قبول خبره، مع إمكان منع الخفاء، على أن الرواية مشتملة على العموم اللغوي

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1.

405

و عدم الاعتماد على خبره في غير ذلك لا يقضي بعدمه هنا كما في الفاسق، و الفرق بين الفاسق و الصبي بالتكليف و عدمه، و بأن الفاسق مصدق بالنسبة إلى فعله فهو في الحقيقة مخبر عن فعله، و الامام يعتمد على فعله لا على إخباره عن فعل الامام يدفعه أن العمدة في المقام النص الذي قد عرفت شموله كإطلاق الفتاوى الجابرة له، فما عن بعض المتأخرين- من عدم الجواز في الصبي إلا إذا أفاد ظنا فحينئذ يعتمد على ظنه، و ربما نقل عن بعضهم بل عن آخر عدم التعويل عليه و إن أفاد ظنا- ضعيف جدا، خصوصا الأخير، و أضعف منه ما عن ثالث من الإشكال إذا كان المأموم امرأة.

و كذا يستفاد من إطلاق النص و الفتوى أنه لا فرق في ذلك بين حصول الظن و عدمه، بل يؤيده أيضا ذكرهم هذا الحكم بالخصوص، و إلا فلو كان المدار على حصول الظن لم يكن لذلك مزية، فإنه إن حصل من غير المأموم أو غير الامام اكتفي به أيضا كما صرح به بعضهم، لما تقدم سابقا من جواز الاعتماد عليه في أعداد الركعات غير مقيد بسبب خاص، نعم يتجه اعتماد كل منهما على حفظ الآخر إذا لم يحصل له ظن بل كان باقيا على شكه، أما إذا كان ظانا فيشكل اعتماده على غيره مع أنه موهوم عنده، و إن صرح به بعض الأصحاب، بل قد يقال: إن الظاهر من لفظ السهو المنفي نصا و فتوى الشك، على أنه كيف يعتمد على غيره مع أنه يحتمل أن يكون غيره ظانا أيضا، بل قد عرفت التوقف من بعضهم في الاعتماد إذا لم يحصل له ظن بمقتضى حفظ الإمام أو المأموم لظهور المرسلة في الرجوع إلى الآخر و الاستناد اليه و الاعتماد عليه، و لأن ذلك خرج مخرج الغالب من حصول الظن حينئذ، ففي المقام بطريق أولى.

و الحاصل رجوع الظان إلى غيره إن لم يقم عليه إجماع فهو في غاية الإشكال، لعموم ما دل على الاعتماد على الظن كما تقدم سابقا، مع أنه على تقدير تسليم شمول الدليل في المقام فهو من باب التعارض من وجه، و الترجيح لتلك، فتأمل، و ما يقال:

406

إن لفظ السهو المنفي حكمه في الفتاوى و النصوص يشمل الظن لأعميته لغة منه و من الشك مع أن

في الخبر (1) «الامام يحفظ أوهام من خلفه»

و الوهم شامل للظن، لإطلاقه عليه شرعا، بل معنى حفظه للأوهام أن المأموم يترك وهمه و يرجع إلى يقين الإمام، فإذا ثبت ذلك فيه ثبت في الآخر لعدم تعقل الفرق، مع أنه لا قائل به- لا يخلو من تأمل، لمنع شمول لفظ السهو لذلك، بل الظاهر من ملاحظة أسئلة الأخبار إرادة الشك منه هنا، و المراد بالخبر ضمان الامام ما يتوهم به من خلفه، كما ستسمع إن شاء الله في الاستدلال على عدم سجود السهو على المأموم و نحوه، بل ما ذكره في تفسيره لا يكاد يعقله أحد منه.

نعم يمكن التمسك عليه بما في مرسلة يونس السابقة المشتمل سؤالها على كون الإمام مائلا إلى أحدهما أو معتدل الوهم، مع أن الجواب فيها ظاهر في أنه إذا حفظ من خلفه باتفاق منهم رجع إليهم و إن كان مائلا، فتأمل، لكن فيه من التكلف و البعد ما لا يخفى، و لا جابر لها في خصوص ذلك، لأنه و إن صرح به بعضهم إلا أنه لم يصل إلى حد الشهرة و المقطوع به بين الأصحاب، كما في المدارك أنه لا شك مع حفظ الإمام أو بالعكس.

و مما تقدم لك سابقا يظهر لك الإشكال في رجوع الشاك منهما إلى الظان إذا لم يحصل له ظن، لما عرفت من الإشكال في رجوعه كذلك إلى المتيقن فضلا عن الظان مضافا إلى أن الظاهر من الحفظ الموجود في المرسلة الذي قيدت به باقي الأخبار المشتملة على نفي حكم السهو العلم لا الظن، و دعوى أنه بمنزلته ممنوعة بالنسبة إلى غير الظان، كدعوى أن المراد بالحفظ هنا عدم الشك، فيدخل حينئذ الظان، بل لا يمكن إرادة اليقين منه هنا، إذ كيف يعرف ذلك من الامام أو المأموم و لا يرى الامام من المأموم

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

407

و بالعكس سوى البناء على الفعل المحتمل أن يكون منشأه ظنا أو علما، فالأمر بالرجوع مع غلبة عدم معرفة الحال دليل على ذلك، إذ أقصى ما يقضى به ذلك أنه ليس يجب معرفة العلم باليقين، بل يكفي الظن به أو احتماله أيضا، و هو غير الاكتفاء بالظن بعد العلم به، على أنه يجوز أن تظهر الثمرة بعد الصلاة و اختبار حال من رجع اليه، كما أنه يجوز أن يتمسك الإمام أو المأموم عند إرادة الاعتماد على أصالة عدم عروض الشك أو الظن بل البقاء على اليقين السابق، و لا حاجة حينئذ إلى اختباره بعد الصلاة، فتأمل جيدا.

و الحاصل أن الصور في المقام ثلاثة: الأولى رجوع الشاك إلى المتيقن، و الظاهر أنه كذلك و إن لم يحصل معه الظن، لتناول الأدلة له، مع أنه نقل عن بعضهم دعوى الشهرة عليه، فما تقدم سابقا من الاشكال فيه من بعض مشايخ مشايخنا ضعيف، الثانية رجوع الظان اليه، و قد عرفت الكلام فيه، الثالثة رجوع الشك إلى الظان، و قد عرفت الاشكال فيه أيضا و إن كان قد يقوى رجوعه، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه، و قد ذكر في الحدائق في المقام صورا تبلغ خمس عشرة صورة كلها يظهر حكمها مما تقدم و يأتي، فتأمل.

أما المتيقنان فلا يرجع أحدهما إلى الآخر من غير خلاف أجده، و وجهه واضح نعم عن بعضهم أنه قال: لو قيل بوجوب متابعة المأموم الامام كان له وجه، و كأنه للإطلاق، و هو معارض بالإطلاق الآخر، على أن المرسل قد اشترط في رجوعه إلى الامام عدم سهوه، و الفرض أنه علم سهوه، ثم إنه كيف يجتزي بصلاة يقطع أنها خمس ركعات، و ما دل على المتابعة لا يشمل ذلك قطعا، إذ المراد منها أنها في الصلاة.

و أما الشاكان فان اتحد محل الشك فلا إشكال في لزومهما حكمه، و لا رجوع لأحدهما إلى الآخر، إذ هو ترجيح بلا مرجح، و إن اختلف محل الشك فقد قال الشهيد الثاني في روضته و تبعه عليه بعض من تأخر عنه: إنه إن جمع لشكهما رابطة رجعا إليها،

408

كالثلاث لو شك الامام بين الاثنتين و الثلاث و المأموم بين الثلاث و الأربع أو بالعكس و إلا تعين الانفراد، كما لو شك الامام بين الاثنتين و الثلاث و المأموم بين الأربع و الخمس أو بالعكس، و ربما ظهر من المحكي عن موجز أبي العباس الفرق بين الصورتين في الأول، قال: «لو شك الامام بين الاثنتين و الثلاث و المأموم بين الثلاث و الأربع وجب الانفراد، و لو انعكس فلا سهو و وجب الإتمام بركعة» و فيه ما ستعرف، و لا فرق في الرجوع إلى الرابطة بين ما يكون أحدهما موجبا للبطلان أولا كما عن بعضهم التصريح به، فلو شك أحدهما بين الثلاث و الخمس و الآخر بين الاثنتين و الثلاث رجعا إلى الثلاث، بل و لا بين كون الرابطة شكا أو لا، كما لو شك المأموم بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الامام بين الثلاث و الأربع أو بالعكس، إذ يسقط حينئذ حكم الاثنتين عن المأموم و يرجع شكهما معا بين الثلاث و الأربع، إذ المراد بالرابطة الطرف الذي اشتركا به في شكيهما، كالثالثة في المثال الأول، و الرابعة لو كان الشك بين الثلاث و الأربع و الأربع و الخمس و نحو ذلك، و كان الوجه في الرجوع إليها رجوع كل منهما إلى يقين الآخر، فإنه يقتضي في المثال الأول البناء على الثالثة، إذ يقين الإمام أنها ليست رابعة ينفي أحد الطرفين من المأموم، و يقين المأموم أنها ليست ثانية ينفي أحد الطرفين من الامام، فإذا زال احتمال الرابعة لمكان يقين الامام و زال احتمال الثانية لمكان يقين المأموم تعين أن يكون ثالثة، و لا فرق في ذلك بين الامام و المأموم، فما يظهر من الموجز كما سمعت عبارته من الفرق لا وجه له.

و أما إذا كان الرابطة شكا فقد تكون التبعية من طرف واحد كما في المثال الذي سمعته، و هو فيه الامام لمكان يقينه أنها ليست ثانية، و قد يكون من الطرفين كما إذا دخلت الخامسة في شك الإمام، فإنه يتحقق الرجوع في كل منهما.

409

و الظاهر جريان حكم الرابطة في الفرائض التي تبطل بنفس الشك فيها كالمغرب مثلا، فإنه إذا شك الامام بين كونها ثانية أو ثالثة و المأموم شك بين كونها ثالثة أو رابعة لم يلتفت كل منهما إلى شكه لمكان يقين الآخر، و بنيا على الثالثة، و كذلك في في الصبح لو شك أحدهما بين كونه واحدة أو ثانية و الآخر بين كونها ثانية أو ثالثة، فتأمل جيدا.

لكن لا يخفى عليك أن ذلك كله محل للنظر و التأمل، لما فيه من تخصيص أدلة الشك إبطالا و حكما بتخريج غير ظاهر من النصوص و الفتاوى، بل الظاهر من

قولهم (عليهم السلام) (1): «إذا لم يسه الامام»

و «إذا حفظ من خلفه» (2)

حفظ عدد الصلاة غير غافل عنها لا أنه حافظ قدرا مشتركا و إن كان ساهيا بالنسبة إلى شيء آخر بل بناء الامام على الثالثة في المثال لم يكن ليقين منه و لا ليقين من المأموم، فكونها ثالثة غير محفوظ منهما، و كذلك غيره، فكيف يسوغ له البناء عليها مع عدم الاحتياط، و يجترئ على تخصيص تلك الأدلة المحكمة بها، لا أقل من الشك، و كأنه لذا ربما ظهر من المحكي عن السهوية المنسوبة للمحقق الثاني الميل اليه، قال: «إذا شك المأموم بين الثلاث و الأربع و الامام بين الاثنتين و الثلاث قيل: فيه احتمالات: رجوع الإمام إلى يقين المأموم، و هو الثلاث، الثاني رجوعه إلى شك المأموم و هو الأربع، و الثالث وجوب الانفراد، لضعف الأول بالبناء على الأقل، و ضعف الثاني برجوعه إلى يقين المأموم لا إلى شكه» انتهى. لكن الاحتمال الثاني لا أعرف وجهه.

بل قد يرد عليهم أن المتجه على ما ذكروه عدم لزوم حكم الشك مع عدم الرابطة إذ لا مانع في المثال المفروض من بناء الامام على الثالثة من غير احتياط لمكان قطع المأموم أنها ليست ثانية، و بناء المأموم على الرابعة لمكان قطع الإمام أنها ليست خامسة

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 8.

410

فلا يجب عليه سجود سهو في حال الجلوس، فتأمل، و احتمال أن المراد في ذكر الرابطة بقاء الإتمام (1) الذي- لا يجري هنا، بل قد يمنع من أصله، لتعين الانفراد في المقام فلا يثمر ضبط أحدهما للآخر- يدفعه ظهور كلماتهم في عدم الاعتداد بحفظهما أصلا في الفرض، و أن الانفراد متأخر فلا يقدح في الضبط المتقدم، فتأمل.

و نحو ذلك أيضا يرد على ما وقع لهم من أنه إن تعدد المأمومون و اختلفوا هم و إمامهم فالحكم ما تقدم من الرابطة و عدمها، نعم يشترط أن يكون ما يرجع إليه الإمام من اليقين متفقا عليه عند جميع المأمومين، كما إذا شك الامام مثلا بين الاثنتين و الثلاث و أحد المأمومين بين الثلاث و الأربع و الآخر بين الثلاث و الخمس فإنهم جميعا يرجعون إلى الثالثة، لحصول اليقين من جميع المأمومين أنها ليست ثانية، و حصوله من الامام أنها ليست رابعة و لا خامسة، أما لو كان ذلك من بعض المأمومين كما لو كان الشك للإمام و بعض من خلفه بين الاثنتين و الثلاث و البعض الآخر بين الثلاث و الأربع فقد يقال حينئذ بوجوب الاحتياط على الامام و البعض الموافق له دون الآخر، لعدم إمكان رجوع الإمام إلى يقين بعض المأمومين أنها ليست ثانية، إذ الفرض موافقة البعض له في الشك، و من شرط جواز رجوعه حفظ من خلفه باتفاق، كما سمعته في المرسل (2) المنجبر بعمل الأصحاب كما قيل، بل هو ظاهر المصنف هنا و في النافع و عن غيره، و كونه في بعض النسخ بإيقان بدل «اتفاق» لا يقدح في الدلالة بعد ظهور لفظ «من» مع السؤال فيه، مع كون المشهورة الأولى، و لا احتياط على البعض المخالف لمكان يقين الإمام أنها ليست رابعة، و يبقى الائتمام للجميع، و إنما يحصل الخلاف بعد الفراغ.

لكن في الروضة «و لو تعدد المأمون و اختلفوا فالحكم كالأول في رجوع

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و لكن الصحيح «الائتمام».

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 8.

411

الجميع إلى الرابطة، و الانفراد بدونها، و لو اشترك بين الامام و بعض المأمومين رجع الإمام إلى الذاكر منهم و إن اتحد، و باقي المأمومين إلى الامام» و فيه أولا ما عرفت من احتمال اشتراط رجوع الامام بحفظ جميع المأمومين، و إن كان عدمه لا يخلو من قوة لعدم معارضة الشاك للحافظ، و منافاته التخفيف المقصود بمشروعية هذا الحكم، ضرورة عسر علم الامام باتفاق الجميع، سيما مع كثرة المأمومين، و غير ذلك، و ثانيا لا دليل على وجوب رجوع باقي المأمومين إلى الامام في هذه الصورة، لعدم حفظه، و رجوعه التعبدي لمكان حفظ بعض المأمومين ليس يقينا و لا منزلا منزلته، هذا.

و يظهر من صاحب المدارك بل هو المنقول عن جده أيضا بل ربما تبعه عليه بعض من تأخر عنه أنه لا فرق في الحكم بين الأفعال و الركعات، بل نسبه في المدارك إلى الأصحاب، و هو لا يخلو من تأمل للشك في شمول الأدلة له.

أما الظانان فالظاهر أنه لا رجوع لأحدهما إلى الآخر ما لم ينقلب ظنه إلى الأقوى، بل الحكم أنهما إن اتفقا على محل الظن بقي الائتمام (1) أما إذا اختلف فقيل:

إنه يتعين الانفراد، و هو جيد إن كان المراد عند محال الافتراق، و إلا فلا مانع من بقاء الائتمام (2) قبله، و لا يقدح فيه اختلافهما، فتأمل.

هذا كله في السهو بالنسبة إلى كل من الامام و المأموم بمعنى الشك، أما السهو بالمعنى المتعارف فهو إما أن يختص بالإمام أو المأموم أو يشتركا فيه، أما الأول فالظاهر أنه لا إشكال في جريان جميع الأحكام المتقدمة سابقا بالنسبة إلى المنفرد عليه، لعموم الأدلة، فإذا سها عن ركن زيادة أو نقيصة بطلت صلاته، أو سها عن شيء كان في المحل وجب عليه التدارك، و إن تجاوز و كان مما يقضى قضاه، و إن كان مما يوجب سجود سهو وجب عليه من غير خلاف أجده في جميع ذلك، و ما في بعض العبارات من إطلاق

____________

(1) و في النسخة الأصلية «الإتمام» لكن الصواب ما أثبتناه.

(2) و في النسخة الأصلية «الإتمام» لكن الصواب ما أثبتناه.

412

أن لا سهو على الإمام كإطلاق بعض الأخبار (1) مراد منه الشك كما هو واضح، نعم ذكر الشيخ في المبسوط و عن الوسيلة و السرائر أنه يجب على المأموم متابعته في سجود السهو و إن لم يفعل موجبه، بل فيه إن سبقه الامام للسجود بنقص صلاته جاء به المأموم بعد ذلك، بل فيه إن ترك ذلك الامام عمدا أو سهوا وجب على المأموم الإتيان بهما، نعم قال (رحمه الله): «إن دخل المأموم في صلاة الامام و قد كان سبقه بالركعة أو الركعتين فان كان سهو الامام فيما قد مضى من صلاته التي لم يأتم بها المأموم فلا سجود للسهو على المأموم، و إن كان سهوه فيما ائتم به وجب على المأموم السجود».

لكن الأشهر بين المتأخرين كما في الرياض، و المشهور بين الأصحاب كما في الذخيرة اختصاص سجود السهو بالإمام دون المأموم، و هو الأقوى في النظر، للأصل من غير معارض سوى ما قيل من عموم ما دل على وجوب متابعة المأموم الإمام الممنوع في مثل سجود السهو، لخروجه عن الصلاة، مع عدم جريانه في بعض ما ذكره من الصور لعدم وجود المتابعة فيها، و الموثق (2) «عن الرجل يدخل مع الامام و قد سبقه الإمام بركعة أو أكثر فسها الامام كيف يصنع؟ فقال: إذا سلم الامام سجد سجدتي السهو و لا يسجد الرجل الذي دخل معه، و إذا قام و بنى على صلاته و أتمها و سلم سجد الرجل سجدتي السهو»

الذي هو- مع مخالفته المشهور بين أصحابنا، و موافقته للمشهور بين العامة، بل في المنتهى أنه مذهب فقهاء الجمهور كافة- محتمل لاشتراكهما في السهو، و لذا استدل به العلامة في المنتهى عليه، و طريق الاحتياط غير خفي.

ثم على وجوب المتابعة فلا يجب على المأموم بمجرد أنه يراه يسجد للسهو إذا لم يعلم بوقوع السبب الموجب لاحتمال كونهما ليسا لسبب موجب، أو أنهما للسهو في صلاة سابقه كان قد نسيه أو غير ذلك، لكن عن الشهيد في الذكرى وجوبه، لأن الظاهر منه أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 7.

413

يؤدي ما وجب عليه مع عدم مشروعية التطوع بهما، و فيه نظر يعرف مما سبق، مع إمكان منع عدم مشروعية التطوع بهما، فإنه قد يحمل بعض الأخبار المشتملة عليهما عليه لمكان المعارض.

و أما إذا اختص السهو بالمأموم فالظاهر أنه لا إشكال في جريان حكمه عليه في غير سجود السهو و قضاء ما يتدارك بعد الصلاة، فلو نقص ركنا أو زاد في غير المستثنى بطلت صلاته، و يجب عليه أن يتدارك المنسي ما دام لم يدخل في ركن آخر، لإطلاق الأدلة، بل قد يقال: إنه إذا دخل في ركن سهوا بزعم دخول الامام فيه فبان عدمه فرجع إلى حال الامام وجب تدارك المنسي، و لا يقدح ذلك الدخول، و ما في بعض العبارات كبعض الأخبار من نفي السهو عن المأموم مراد منه غير ذلك، كما لا يخفى على من أمعن النظر فيها.

و أما قضاء السجدة و نحوها فالمشهور بين الأصحاب على ما حكي أنه يجب عليه القضاء، و به صرح في التذكرة و البيان و السهوية المنسوبة للمحقق الثاني، و هو المنقول عن غيرها، لعموم ما دل على القضاء السالم عن المعارض سوى ما تسمعه في سجود السهو خلافا لما عن المعتبر، فلا قضاء عليه، و الأول هو الأقوى.

و أما سجود السهو فالظاهر لا خلاف في أنه لا يجب على الإمام شيء حينئذ، كما في المنتهى و عن مجمع البرهان و الغرية الاعتراف به للأصل و غيره، لكن هل يجب مع ذلك على المأموم أولا؟ قولان، و في الرياض «أن الأول هو الأشهر بين المتأخرين» و عن بعضهم أنه المشهور إلا أنه لم أعثر على مفت قبل العلامة (رحمه الله) في المنتهى و التحرير، و عن المختلف و في التذكرة لو قيل به لكان وجها، و من هنا حكي عن كشف الالتباس أن المشهور الثاني، بل في الخلاف الإجماع عليه، بل قيل و تبعه عليه بعض من تأخر عنه كالمصنف و العلامة و أبي العباس و الشهيدين في الذكرى و المقاصد

414

و نقله في المنتهى عن المرتضى في المصباح، و في المفتاح أنه ظاهر الفقيه و المقنع و كذا الكافي، كصريح جمل العلم و العمل، بل عن كشف الالتباس أنه لم يقل بالأول إلا العلامة وحده، و تبعه في موضع من الموجز، و في آخر وافق الأصحاب.

و كيف كان فحجة الأول- مضافا إلى ما دل على وجوب السهو (1) بأسبابها من غير تفصيل و إلى الموثق السابق- خصوص

صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم قال: يتم صلاته ثم يسجد سجدتين»

و الظاهر أن الرجل مأموم، و خبر منهال القصاب (3) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أسهو في الصلاة و أنا خلف الامام قال: فقال: إذا سلم فاسجد سجدتين و لا تهب»

و ما سمعت من الشهرة المحكية جابرة لما يقال في السند و الدلالة.

حجة الثاني بعد الإجماع المعتضد بالشهرة المحكية خصوص

الموثق (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن الرجل سها خلف الامام بعد ما افتتح الصلاة فلم يقل شيئا و لم يكبر و لم يسبح و لم يتشهد حتى سلم فقال: قد جازت صلاته و ليس عليه شيء إذا سها خلف الامام، و لا سجدتا السهو، لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه»

و لعله لما أشار إليه ذيل الخبر يمكن الاستدلال أيضا عليه بما عن

الصدوق من خبر محمد ابن سهل (5) عن الرضا (عليه السلام)، قال: «الامام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الإحرام»

و بتبديل الإحرام بالافتتاح على ما عن الكليني و الشيخ، و ربما

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و الصواب «سجدة السهو».

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2.

415

استدل عليه بما تقدم سابقا من الأخبار المتضمنة أن ليس على الامام سهو إذا حفظ من خلفه، و أن ليس على المأموم سهو إذا لم يسه الامام.

و هو لا يخلو من قوة و إن كان الأول أقوى، لما عرفت من معارضة الموثق بأصح منه سندا المعتضد بغيره، و العمومات في سجود السهو مع ترجيحه عليه بمخالفته لما أطبق عليه الجمهور إلا مكحولا كما حكاه في المنتهى، و الرشد في خلافهم، و معارضة ما اشتمل عليه من التعليل بما تضمنته الأخبار (1) الأخر من أن الامام لا يضمن صلاة المأموم، و منها مطلق فيما عدا القراءة (2) و في بعضها ما يشير إلى مذهب العامة في ذلك ك

صحيح معاوية بن وهب (3) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أ يضمن الإمام صلاة الفريضة؟ فإن هؤلاء يزعمون أنه يضمن، فقال: لا يضمن، أي شيء يضمن إلا أن يصلي بهم جنبا أو غير متطهر»

و بذلك يعرف الحال في قوله (عليه السلام): «الامام يحمل أوهام من خلفه»

مع عدم العمل بها في غير سجود السهو، و لعل المراد منه رجوعهم اليه عند الشك، و أما ما دل على نفي السهو فالظاهر إرادة الشك بقرينة

قوله (عليه السلام) (4): «و ليس على الامام سهو»

على أن إرادة الشك مقطوع بها، فيمتنع إرادة غيره معه، إذ لا وجه له حينئذ إلا المجازية، و لا قرينة، اللهم إلا أن يجعل السهو من المتواطئ بالنسبة إلى الشك و غيره، و هو بعيد، كل ذا مع موافقته للاحتياط المطلوب في العبادة فحينئذ لو سلم المأموم قبل الامام لظنه سلامه فبناء على عدم الاجتزاء به يجب عليه سجود السهو كما عن التذكرة، خلافا لما عن الذكرى من أنه يعيد المأموم التسليم و لا سجود عليه، و هو ضعيف، أما لو اشترك السهو بينهما عملا معا بمقتضاه، و لو تركه أحدهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب صلاة الجماعة.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب صلاة الجماعة.

(3) الوسائل- الباب- 36- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

416

لا يسقط عن الآخر، قيل: و المأموم مخير بين إتيانه به مع الإمام بنية الائتمام و بين الانفراد، و لعل الثاني أولى، لعدم ثبوت مشروعية الائتمام فيه بعد خروجه عن الصلاة فوجوب المتابعة لا يشمله قطعا، و إن كان هو لازم من أوجبه على المأموم تبعا لمجرد عروض السبب للإمام، ضرورة أولوية العروض لهما منه، لكنه ضعيف جدا.

[في حكم كثير الشك و السهو]

و لا حكم للسهو مع كثرته كما صرح بذلك جماعة من الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به في الحدائق و الرياض، و مع ذلك فللمعتبرة المستفيضة، منها

حسنة زرارة و أبي بصير (1) أو صحيحتهما، «قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى و لا ما بقي عليه، قال: يعيد، قلنا: يكثر عليه ذلك كلما عاد شك قال: يمضي في شكه، ثم قال: لا تعودوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه، فان الشيطان خبيث معتاد لما عود به، فليمض أحدكم في الوهم، و لا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد اليه، قال زرارة: ثم قال: إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم»

و منها

صحيح محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك، فإنه يوشك أن يدعك، إنما هو من الشيطان»

و عن الفقيه «فدعه» مكان «فامض في صلاتك» و منها

خبر ابن سنان (3) عن غير واحد عن الصادق (عليه السلام) «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك»

و منها

الموثق (4) عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدري أ ركع أم لا، و يشك في السجود فلا يدري أ سجد أم لا، فقال: لا يسجد و لا يركع، يمضي في صلاته حتى يستيقن يقينا»

إلى غير ذلك.

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 5.

417

و ظاهرها كالفتاوى إرادة البناء على وقوع المشكوك فيه و عدم الالتفات للشك من عدم الحكم للسهو، بل صرح به في الرواية الأخيرة، و هو المراد بالمضي في الصلاة حينئذ الواقع في غيرها، بل اليه يشير التعليل السابق زيادة على ذلك من غير فرق بين الأعداد و الأفعال، و لا بين الشك المفسد و غيره، و لا بين الثنائية و غيرها، نعم ذلك كله حيث لا يؤدي البناء على الوقوع فسادا، أما إذا أدى إلى ذلك كأن يكون الشك كثيرا في الأربع و الخمس مثلا أو زيادة الركوع فإنه حينئذ يبني على الأقل كما صرح به بعضهم، و كأنه للأصل و لما يظهر من إطلاق الفتوى عدم الحكم له، و من الأدلة أن ذلك تخفيفا على المكلف و رغما لأنف الشيطان، فيتعين حينئذ البناء على المصحح هنا، لكن عن الأردبيلي التخيير بين البناء على ما ذكرنا من البناء على الأكثر إلا إذا استلزم فسادا و بين البناء على مقتضى الشك إن فسادا ففسادا و إن احتياطا فاحتياطا، و عن الشهيد في الذكرى احتمال عدم الالتفات لكثير الشك رخصة، فيجوز أن يعمل على مقتضى الشك، فيتلافى إن كان في المحل مثلا، و في السهوية المنسوبة للمحقق الثاني التخيير لكثير السهو بين البناء على وقوع المشكوك فيه و بين البناء على الأقل و يتم صلاته.

إلا أن الجميع مخالف للظاهر من النص و الفتوى من غير مستند، و قوله (عليه السلام) في خبر أبي بصير المتقدم «يعيد»- مما عساه يستدل به للأردبيلي بتقريب أن الجمع بينه و بين

قوله (عليه السلام): «يمضي في شكه»

يقتضي التخيير- فيه- مع عدم شموله لتمام المدعى، و عدم الشاهد عليه في المقام- انه محتمل لإرادة الكثرة في أطراف الشك:

أي لا يدري واحدة أم ثنتين أم ثلاثا أم أربعا بقرينة

قوله (عليه السلام): «حتى لا يدري كم صلى و لا ما بقي عليه»

لا الكثرة المبحوث عنها في المقام، و لذا لما ذكر السؤال عنها أجاب (عليه السلام) بأنه يمضي في شكه، فلا يجسر بمجرد ذلك على مخالفة الظاهر من النص و الفتوى و ارتكاب المجاز في مثل

قوله (عليه السلام): «يمضي في صلاته»

و قوله (عليه السلام):

418

«لا يعد»

و نحو ذلك مما فيه خروج عن أصول المذهب، هذا، و لم أجد في الأدلة ما يدل على ما ذكره الشهيد و المحقق الثاني إلا مجرد كونه احتمالا في الدليل، فلا يصلح للفقيه البناء عليه، و حينئذ لو تلافى ما شك فيه فالظاهر بطلان صلاته، لكونه زيادة منهيا عنها إلا حيث يكون الفعل المشكوك فيه مما يصح فعله في الصلاة كالقراءة، فله أن يأتي بها لا بنية الجزئية بل بنية القربة، فتأمل.

و هل المراد بلفظ السهو الموجود في العبارة و غيرها من النص و الفتوى مجرد الشك أو هو و السهو بالمعنى المتعارف؟ وجهان بل قولان، أظهرهما الأول، للقطع بعدم إرادة المعنى الحقيقي من لفظ السهو، بل المراد إما الشك أو المعنى الشامل له و للحقيقي على عموم المجاز، فالمتيقن حينئذ إرادة الشك، فيقتصر عليه، و بمجرد احتمال إرادة غيره معه لا يهجم على تخصيص ما دل على حكم السهو الشامل للمقام، و دعوى أن التعميم أقرب المجازين للحقيقة فيتعين الحمل عليه لذلك ممنوعة، و ما عساه يقال- لا داعي إلى ارتكاب المجاز في لفظ السهو، لاشتمال الأدلة على الشك و السهو، فيستدل على الأول بما دل على حكمه فيها، كخبري أبي بصير (1) و عمار (2) المتقدمين، و تبقى أخبار السهو له خاصة فلا تجوز فيه- يدفعه أنه و إن كان محتملا بالنسبة للأخبار، لكنه غير محتمل بالنسبة إلى كلام الأصحاب، لتعبيرهم عن هذا الحكم بلفظ السهو، و هو العمدة في المقام، بل مما يؤيد حمل لفظ السهو على الشك زيادة على ما عرفت نقل الإجماع إن لم يكن محصلا على أن جميع أحكام السهو من تلافي المسهو عنه إن كان في المحل، و عدم تلافيه في خارجه و القضاء خارج الصلاة لو كان سجدة و نحوها، و بطلان الصلاة لو كان ركنا إلى غير ذلك تجري بالنسبة إلى كثير السهو كما اعترف به من عمم لفظ السهو لهما كالشهيد في الروضة و غيره، فلم يبق حينئذ معنى لانتفاء حكم السهو سوى سقوط سجدتي السهو،

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 5.

419

و في استفادة ذلك من الأدلة نظر، لاشتمالها على

قوله (عليه السلام): «فامض في صلاتك»

و نحوه، و لا دلالة فيه على سقوطهما، لأن الأمر بالمضي في الصلاة لا ينافي وجوبهما خارجها.

و قال في الرياض في الجواب عن ذلك: «إن المراد من نفي حكم السهو نفي موجبه، و هو ليس إلا سجدتا السهو، لأن تدارك المسهو عنه في الصلاة أو في خارجها لم ينشأ من السهو حتى يكون ذلك من جملة أحكامه، بل نشأ من عموم الأدلة الموجبة له، فلا موجب للسهو حينئذ إلا السجدتان، فيسقطان، فيتجه حينئذ نفي الحكم عن السهو لكثيره، و كذا فساد الصلاة كما إذا سها عن ركن لم ينشأ من نفس السهو، بل من حيث الترك حتى لو حصل من غير جهته» و فيه أن هذا الكلام بعينه يمكن أن يجري بالنسبة إلى الشك أيضا، فيقال: إن المراد من نفي الحكم عنه نفي موجبه، و ليس إلا الركعات الاحتياطية و السجود، و أما تلافي المشكوك فيه فليس منه، بل هو من جهة أصالة عدم الإتيان، فيبقى مخاطبا به، فينبغي أن يتلافى مع الكثرة، فإنه لا معنى للتفرقة، مع أن المؤدى لهما عبارة واحدة، و هي لا حكم للسهو مع الكثرة، و أيضا دعوى أن تدارك السجدة المنسية و التشهد المنسي خارج الصلاة ليس من موجب السهو في غاية البعد، إذ الدليل الأول غير شامل لمثل ذلك قطعا، بل قد يقال أيضا بالنسبة إلى تدارك المنسي في الصلاة إنه ليس مشمولا للدليل الأول، ضرورة وجوب السجود قبل القيام، فإذا قام سهوا لم يشمله الدليل الأول، و لذا كان مقتضى القاعدة الفساد، نعم لما دل الدليل أنه يجب عليك السجود و قلنا به فهو مما وجب للسهو، و إن كان لا يخلو من نظر، بل لا يخفى (1) على الناظر نحو قوله للأدلة «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك و لا

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و الظاهر أن في العبارة تقديم و تأخير و الصواب أن يقال: «بل لا يخفى على الناظر للأدلة نحو قوله (ع).».

420

تعد» أن المراد منها عدم الالتفات إلى المسهو عنه، فلو أريد بلفظ السهو ما يشمل الحقيقي لوجب الالتزام بعدم وجوب الالتفات إلى المسهو عنه ركنا كان أو غيره إذا كان كثير السهو، فيقتصر حينئذ على ثلاث للظهر مثلا إذا سها عن الرابعة إن كان كثير السهو و إن ذكر ذلك قبل الخروج من الصلاة، و قد التزم بذلك كله صاحب الحدائق حيث رجح إرادة ما يشمل الشك و المعنى الحقيقي من لفظ السهو، و هو كما ترى منشأه الخلل في الطريقة و الاعراض عن كلمات الأصحاب و إجماعاتهم، فحينئذ يقتصر في الحكم على الشك، و لا يتعدى منه إلى السهو، فيجب السجدتان و غيرهما تحكيما لأدلتهما السالمة عن المعارض، و ما يقال: إن تلك الأدلة ظاهرة فيما إذا كان السهو جاريا على حسب الغالب في الناس لا فيما إذا كان خارجا عن أغلبهم، فيشك في شمول الأدلة لمثل المقام ضعيف، و إلا لجرى بالنسبة إلى تدارك المنسي في الصلاة و خارجها، و هو لا معنى له، فالأدلة بإطلاقها شاملة للمقام قطعا.

و أما سقوط سجود السهو الذي يوجبه الشك فلا إشكال فيه، و ما يقال: إن الأمر بالمضي و نحو ذلك لا يدل عليه ضعيف، و إلا لجرى في مثل ركعات الاحتياط، بل الظاهر من الأخبار أن هذه الكثرة من الشيطان، فلا يعمل بموجبها حتى لا يطاع فلا يعود، كما هو واضح.

و لو كثر شكه في فعل بعينه كالركوع مثلا فهل يعد كثير الشك بذلك، فيجري عليه حكمه بالنسبة إلى غيره من الأفعال و الأعداد أو يقتصر عليه فقط؟ وجهان، قد اختار أولهما في المدارك و الرياض و عن غيرهما، للإطلاق المؤيد بالتعليل بأن ذلك من الشيطان، و الأقوى الثاني لأنه المتبادر من النصوص، لظهورها في عدم الالتفات إلى ما كثر سهوه فيه، و ما ذكر من التعليل فهو للثاني أولى منه للأول، فتبقى الأدلة الأول على حكم الشك محكمة، بل يحتمل اختصاص الحكم بالنسبة إلى الركعات، فمن كان كثير

421

الشك في ركوع الأولى مثلا لا يكون كذلك بالنسبة للثانية، كما هو محتمل أيضا بالنسبة إلى الفرائض، فمن كان كثير الشك في ركوع ركعات الصبح مثلا لا يتعدى منه بالنسبة إلى الظهر.

و مما ذكرنا يظهر الحكم فيما لو كان كثير الشك في الشيء حيث لا حكم له كأن يشك في الركوع مثلا بعد تجاوز المحل، أو يشك كم صلى بعد الفراغ و نحو ذلك، فإنه لا يكون بذلك كثير الشك لا فيه و لا في غيره، فلو شك في الركوع قبل التجاوز تلافى لما سمعت سابقا، و للأمر بالمضي في الصلاة الظاهر في عدم الالتفات حيث يكون له حكم، بحيث لو لم يكن كثيرا لجاء به، و لو لا فهم الأصحاب التعميم لمطلق الشك لأمكن الاستظهار من بعض الأدلة قصر الحكم أعني عدم الالتفات في الشك المفسد الموجب للإعادة، لا فيما جعل الشارع له علاجا، كالشك بين الثلاث و الأربع مثلا.

و المدار على كثرة السهو في الصلاة لا الكثرة في نفسها، فمن كان كثير السهو في نفسها إلا أنه في الصلاة ليس كذلك جرى عليه حكمه، كما ينبئ عنه الموثق (1) المتقدم و غيره، فتأمل.

ثم الذي يظهر من أدلة المقام أنه لا يجب على كثير السهو ضبط صلاته بنصب قيم أو بالحصى أو بالخاتم و نحو ذلك من التخفيف و غيره و إن كان متمكنا منه، حتى لو علم أنه يعرض له ذلك في صلاة يريد أن يشرع بها لم يجب عليه ذلك، و ما في بعض الأخبار (2) من الأمر بالادراج لكثير السهو أي ثلاث تسبيحات في الركوع و السجود كناية عن التخفيف، و الأمر بالإحصاء بالحصى محمول على إرادة بيان علاج

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3 و الباب 28 منها.

422

السهو، أو ان (1) ذلك مما ينبغي، كما يشعر به

قول الصادق (عليه السلام) في خبر الحلبي (2): «ينبغي تخفيف الصلاة من أجل السهو»

و نفي البأس في خبر المعلى (3) سأل الصادق (عليه السلام) فقال له: «إني رجل كثير السهو فما أحفظ صلاتي إلا بخاتم أحوله من مكان إلى مكان، فقال: لا بأس به».

أما من كان كثير الظن أو القطع فالظاهر البناء على ظنه و قطعه إلا إذا كان ما استفاد منه الظن أو القطع معلوما و كان لا يستفاد منه ذلك عند العقلاء، فإنه حينئذ يشكل البناء عليه.

و يرجع في تحقق مسمى الكثرة إلى ما يسمى في العادة كثيرا كما صرح به جملة من الأصحاب، بل قيل: إنه مذهب الأكثر، كأن يسهو مثلا في كثير من أفعال صلاة واحدة أو يشك فيها شكا مفسدا فيعيدها فيشك ذلك الشك و هكذا، لأنها المحكمة فيما لم يرد فيه بيان من الشارع، و تحديده بالثلاث في الصحيح (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو»

مع ما فيه من الاجمال المسقط للاستدلال قد قيل: إن أظهر ما يراد منه أن لا يسلم من سهوه ثلاث صلوات متتالية، و هو غير مناف للعرف، بل لعله بيان له و ليس حصرا، لكن فيه أن مجرد تحقق السهو في ثلاث لا يتحقق به الكثرة مع اختلاف المحل، فلعل الأولى إرادة السهو في كل شيء من جزء أو غيره ثلاث مرات:

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و لكن الصواب «و أن» و إلا لزم أن يكون ما قبل «أو» على وجه الوجوب.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2 و هو خبر حبيب بن المعلى.

(4) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 7.

423

أي بأن يسهو في الركوع مثلا ثلاث مرات و لو في ضمن ثلاث صلوات مع احتمال الاقتصار على الفريضة الواحدة، لكن الأقوى خلافه خلافا للمنقول عن ابن حمزة من تحقق الكثرة بأن يسهو ثلاث مرات متوالية، و لعل مراده في شيء واحد كالركوع مثلا من غير تخلل ركوع معلوم الذكر، و لا يريد الحصر بل يكون بيانا لبعض مصداق العرف، و إلا فلا حجة له سوى ما سمعت من الرواية على إجمالها.

و لعله الذي أراده المصنف بقوله و قيل بأن يسهو ثلاثا في فريضة إذ لم أعثر على من نقل هذا غيره، و لابن إدريس (1) فتحقق بأن يسهو في شيء واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرات أو في أكثر الخمس أعني الثلاث فيها، فيسقط في الفريضة الرابعة، و هو الذي أشار المصنف اليه بقوله و قيل بأن يسهو مرة في ثلاث فرائض و لا مستند له فيما أجد سوى ما سمعت، و لعل مراده بيان تحديد العرف، فيرتفع النزاع و إن كان في انطباقه إشكال و الأول أظهر لما عرفت، و لو شك في تحقق الكثرة بنى على عدمها للأصل، كما لو شك في زوالها بعد تحققها لذلك، إذ كما أن المرجع في تحققها إلى العرف كذلك هو المرجع في زوالها بحيث يصدق عليه أنه ليس كثير الشك في ذلك، نعم على تقدير التحديد بالثلاث يحتمل أن يكون المدار في زوالها على سلامة الثلاث أيضا، فتأمل جيدا.

[المسألة الخامسة من شك في عدد النافلة]

المسألة الخامسة من شك في عدد النافلة بنى على الأكثر أو الأقل مخيرا بينهما كما صرح به جماعة، بل في المصابيح و عن المعتبر الإجماع عليه، بل في الرياض إجماعا على الظاهر المصرح به في جملة من العبائر مستفيضا، بل في مفتاح الكرامة عن الأمالي عد من دين الإمامية أن لا سهو في النافلة، فمن سها فيها بنى على ما شاء، بل فيه أيضا عن ظاهر التهذيب الإجماع عليه أيضا، حيث قال: «عندنا» بل ربما حكي

____________

(1) معطوف على قوله (قده): «للمنقول عن ابن حمزة».

424

أيضا عن المنتهى الإجماع عليه مستثنيا ابن بابويه حيث جوز البناء على الأقل و الإعادة إلا أني لم أجد شيئا من الإجماع و الاستثناء فيه، و ظني أنه وهم.

نعم في التذكرة «لا حكم للسهو في النافلة، و لو شك في عددها بنى على الأقل استحبابا، و إن بنى على الأكثر جاز، و لا يجبر سهوه بركعة و لا سجود عند علمائنا أجمع» و قد يستفاد من تفريعه حكم الشك على نفي حكم السهو في النافلة نحو ما سمعته من الأمالي بل و غيرها من عباراتهم أنه المراد أو بعضه من مثل هذه العبارة، فيكون حينئذ معقد إجماع الغنية حيث حكاه على نفي حكمه في النافلة و كثير الشك و جبر السهو و غيرها بل و الخلاف أيضا، حيث قال: «لا سهو في النافلة، و به قال ابن سيرين، و قال باقي الفقهاء: حكم النافلة حكم الفريضة فيما يوجب السهو، دليلنا إجماع الفرقة، و أيضا الأصل براءة الذمة، فمن أوجب حكما فعليه الدليل، و أخبارنا في ذلك أكثر من أن تحصى» انتهى.

بل و منه تظهر دلالة

صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) عليه أيضا، قال: «سألته عن السهو في النافلة فقال: ليس عليك شيء»

أو «سهو» على ما عن نسخة أخرى المعتضد

بالخبر (2) «لا سهو في نافلة»

إذ المراد بالسهو فيه الغفلة الشاملة لحال الشك، كما هو ظاهر غيره من الأخبار التي عبرت به عنه كما تسمع بعضها فنفيه حينئذ على إحدى النسختين الذي يراد به نفي حكمه أو نفي شيء عليه على النسخة الأخرى ظاهر في إرادة التعريض به لحكم الفريضة التي يكون حكمه فيها الجبر بعد البناء على الأكثر إن كانت رباعية، و البطلان إن كانت ثنائية، فالنفي حينئذ شامل لهما أي

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

425

لا بطلان و لا جبر مع البناء على الأكثر، لكن تنحصر حينئذ دلالته على البناء على الأكثر و لعله الذي فهمه منه الكليني، و لذا قال بعد روايته الصحيح المزبور: و روي أنه إذا سها في النافلة بنى على الأقل، إلا أنه لا بأس به للاكتفاء في جواز البناء على الأقل حينئذ بالأصل و المرسل المزبور بعد صرف ظهور تعيين البناء فيه على الأقل إلى التخيير جمعا أو الأفضلية و نحوها، أو يقال: إن التخيير لازم للنفي المذكور في الصحيح المزبور، ضرورة اندراج ما عداه من البطلان أو تعين الأكثر أو الأقل في المنفي على النسختين، سيما الأولى منهما، لصدق وجوب شيء حينئذ عليه و كونه حكما للسهو، و لعله لذا استدل بالصحيح المزبور في مصابيح العلامة الطباطبائي على التخيير بعد الإجماع كما أنه أيده به في المنتهى.

و كيف كان فما عساه يلوح من المدارك بل و الذخيرة- من التوقف في جواز البناء على الأكثر، لوضوح ضعف ما ذكره بعضهم دليلا له من جواز قطع النافلة اختيارا الذي من المعلوم صدور مثل ذلك منهم عند وضوح الحكم في المسألة- مما لا يصغى اليه بعد ما عرفت، مضافا إلى إمكان دعوى استفادة جواز البناء على الأكثر هنا من ثبوته في الفريضة، بل ربما كان في أدلته هناك ما يشمل المقام، فلا ينبغي التوقف حينئذ في التخيير.

و لكن إن بنى على الأقل كان أفضل كما صرح به غير واحد، بل في الرياض لا خلاف فيه يظهر، بل قد يظهر من الذخيرة و عن غيرها الإجماع عليه، بل في المدارك لا ريب فيه، بل في المصابيح و عن المعتبر الإجماع عليه صريحا عملا باليقين و أخذا بالأشق، و للمرسل السابق، بل يتعين البناء على الأقل حيث لا يصح الأكثر كما صرح به بعضهم فيما إذا شك في الموظف و الزائد أو الزائد و الناقص حتى لو قلنا بجواز قطع النافلة، فإن القطع غير البناء، و إطلاق الأصحاب التخيير منزل على غير ذلك مما يصح الفعل بكل منهما قطعا، فما عن بعضهم- من احتمال إبقاء الإطلاق على حاله بحيث يشمل

426

الأقل و الأكثر مع الصحة و عدمها، و يتعين عليه حينئذ الإعادة لو اختار الثاني- كما ترى ضعيف جدا، خصوصا لو قلنا بحرمة قطع النافلة، فلو شك في الوتر حينئذ بنى على الركعة و لم تبطل بالإجماع المحكي في المصابيح إن لم يكن محصلا، لكن في المعتبرة (1) الأمر بإعادتها مع الشك، و ينبغي حملها على الوجوب بالعارض أو على إعادتها بالشك بين الاثنتين و الثلاث في الثلاثة المفصولة، فإنه حينئذ شك في وقوع المفردة، فتعاد كما يعاد غيرها من النوافل بالشك في الوقوع، إذ احتمال إرادة التخيير أيضا بالنسبة إليه بحيث لو شك في أنه صلى من نوافل الزوال أو صلاة الليل مثلا أربعا أو ستة كان مخيرا أيضا بعيد جدا، بل كأنه مقطوع بعدمه.

نعم لا فرق في الحكم المزبور بين النوافل كلها ثنائيها كما هو المعظم منها و ثلاثيها كالوتر على القول بأنها ثلاث ركعات يجوز فيها الوصل و رباعيها كما في صلاة الأعرابي بل و صلاة جعفر (عليه السلام) على ما أرسل عن بعض القول به فيهما، بل عن الشيخ أنه روى في المصباح في صلاة ليلة الجمعة صلاة أربع ركعات لا يفرق بينها و إحدى عشر ركعة بتسليمة واحدة و إن كان في ذلك منع ليس ذا محله، بل قيل: إن المشهور المجمع عليه في السرائر المعهود في الشرع تثنية سائر النوافل عدا الوتر و صلاة الأعرابي، للأمر بالفصل بالتسليم في الكل، و النهي عن الوصل بينها في النص، و لتمام البحث فيه محل آخر.

و كيف كان فيندرج هنا في النافلة حيث كان المراد بها ما قابل الفريضة بالنسبة للتخيير المذكور صلاة العيد مع اختلال شرائط الوجوب كما صرح به العلامة الطباطبائي في مصابيحه، بل عن الشهيد الثاني (رحمه الله) التصريح به في الروض معللا له بأنها نافلة في هذا الحال، بل قيل: إنه مقتضى كلام الفاضلين أيضا و غيرهما حيث قيدوا بطلانها بالشك إذا كانت فرضا، بل في المصابيح التصريح باندراج المعادة ندبا بإدراك

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 7 و 14 و 15.

427

الجماعة أو احتمال الخلل أو وجود المخالف أو غيرها من الأسباب المخصوصة المقتضية لاستحباب الإعادة في مواردها المنصوصة يومية كانت أو غيرها كالكسوف المعادة قبل الانجلاء في حكم النافلة أيضا، بل قال فيها: «و كذلك الصلوات المتبرع بها عن الأموات و الواقعة بالمعاطاة من غير لزوم» و لعله لإطلاق النص و الفتوى، فإنها في جميع ذلك نافلة و ليست بفريضة و إن لم نشترط في صدق المشتق بقاء المبدأ، لاختلاف الموضوع في الصلاتين، فإن المعادة غير الأولى، و الواقعة نفلا غير الواقعة فرضا، مع طريان الوصف المضاد المانع من الصدق على تقدير الاتحاد.

لكن لا يخفى عليك أن ذلك جميعه محل للنظر و التأمل خصوصا اليومية منها، و خصوصا التبرعية و الاحتياطية منها، للشك في تناول الإطلاق لها، بل قد يدعى ظهور سائر أدلة أحكام الشك و نحوها في تعلقها بذوات هذه الصلوات من غير مدخلية للفرض و النفل فيها حتى لو وقعت من الصبي بناء على شرعية عباداته كباقي أحكام السهو و النسيان و الزيادة و النقصان و قراءة السورة و اشتراط القيام و الاستقبال و الاستقرار و حرمة القطع و نحوها، كما لا يخفى على من لاحظها، بل ليس في شيء منها ظهور في لحوق شيء من أحكام الشك للفريضة من حيث كونها فريضة، بل إن كان ذكر مثل هذا الوصف في شيء منها فهو خارج مخرج الغالب، على أن في جملة من نصوص الشك (1) تعليق الحكم على اسم المغرب و الغداة و نحوهما الشامل للفرض و النفل، و دعوى ظهورها في الأول ليس بأولى من دعوى ظهور النافلة في غيرها، لا أقل من ثبوت التعارض المقتضي لمراعاة الاحتياط، إذ ترجيح إطلاق النفل عليه بالأصل و العمومات و ظاهر الأصحاب و ثبوت حكم النافلة لما يستحب من سائر الصلوات كالعيد و الكسوف و الطواف و حكم الفريضة للنافلة الملتزمة بالنذر و غيره الذي يفهم منه دوران حكم الشك

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

428

على وجوب المشكوك فيه و ندبه من غير فرق بين اليومية و غيرها كما ترى بين معارض و بين ممنوع، بل لا يبعد دعوى نظير ذلك في النافلة أيضا، فيقال بثبوت جميع أحكامها لها و إن عرض لها الوجوب بنذر أو أمر سيد أو والد أو إجارة أو نحوها، إلا ما علم تبعيته للنفل من حيث كونه نفلا كالتطوع في الوقت و نحوه لا غيره مما علم عدمه، أو لم يعلم كالشك و عدم وجوب قراءة السورة و نحوه، خصوصا الأحكام الموافقة للأصل الذي ينبغي الرجوع اليه عند الشك في شمول كل من دليلي الفريضة و النافلة لها، و دعوى ظهور التعليق على النافلة في العدم عند عدم الوصف- و إن سلم عدم ظهوره في ذلك فلا ريب في عدم استفادة مساواة حكم المفهوم للمنطوق منه- يدفعها عدم حجية مفهوم الوصف أولا و خصوص الخارج مخرج الغالب منه، و خصوصا بالنسبة إلى زائل الوصف من موضوع المنطوق، بل الظاهر في مثله جريان الاستصحاب بعد الشك في مدخلية الوصف في الحكم لاحتمال إرادة ذات الموضوع غير المقيد بدوام الوصف، بل لعل أكثر موارد الاستصحاب من هذا القبيل، و ليس هو من تغير الموضوع بعد فرض عدم معلومية مدخلية الوصف فيه، كما أنه لا يحتاج بعد الاستصحاب في ثبوت الحكم المزبور إلى دعوى صدق المشتق، ضرورة ثبوت الحكم حينئذ و إن صح سلب اسم النافلة عنه، للاستصحاب الذي لا ينافيه انتفاء حكم المشتق من حيث انتفاء الصدق، لعدم توقف حجيته على شيء من ذلك، و لتحريره زيادة على ما سمعت مقام آخر إن شاء الله.

هذا كله في الشك في العدد، أما الشك في الأفعال فيقوى في النظر مساواة النافلة فيه الفريضة، فيتدارك مع بقاء المحل، و لا يلتفت مع خروجه، وفاقا للمدارك و عن الروض و فوائد الشرائع، بل تشعر عبارة الرياض بكونه إجماعيا، تحكيما للقاعدة المستفادة من الأخبار فيه المؤيدة في الجملة بالاعتبار المحكمة غاية الأحكام الظاهرة في عدم الفرق فيه بين النافلة و الفريضة، بل و غيرهما من العبادات و غيرها إلا ما خرج

429

بالدليل كالوضوء على نفي السهو في الصحيح المتقدم و نحوه لو قلنا بشموله لنحو المقام، و إلا فقد يمنع و يدعى أن التدارك في المحل ليس من أحكام السهو، بل هو لأصالة عدم الإتيان بالفعل، خصوصا إذا لم يتلبس بشيء بعده، بناء على أن المحل شيء مخصوص لا مطلق الدخول في شيء آخر.

و خلافا للرياض و محتمل الذخيرة و عن مجمع البرهان فلم يوجبوا التدارك و لو في المحل ركنا أو غيره، لعموم الصحيح (1) و الخبر (2) و أولويته من العدد، و في الأول ما عرفت، و في الثاني منع واضح، و أولى منه تدارك المنسي في محله، إذ احتمال عدم الالتفات للصحيح المزبور أو البطلان لتوقيفية العبادة في غاية الضعف، بل لعل الثاني مقطوع بعدمه، كما أن الأول مبني على عموم السهو فيه للنسيان أيضا، و لا بأس به، إذ المراد منه الغفلة كما في المصباح المنير، و على أن تدارك المنسي في المحل من أحكام السهو كي يندرج حينئذ في النفي المذكور، و هو في حيز المنع، بل قد يستفاد من

خبر الصيقل (3) عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يصلي الركعتين من الوتر فيقوم فينسى التشهد حتى يركع، و يذكر و هو راكع قال: يجلس من ركوعه فيتشهد ثم يقوم فيتم، قال: قلت: أ ليس قلت في الفريضة: إذا ذكر بعد ما يركع مضى ثم يسجد سجدتين بعد ما ينصرف فيتشهد فيهما؟ قال: ليس النافلة كالفريضة»

صحة التدارك بعد الخروج عن المحل، ك

خبر الحلبي (4) «سألته عن رجل سها عن ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتى قام فركع في الثالثة قال: يدع ركعة و يجلس و يتشهد و يسلم ثم يستأنف الصلاة بعد»

على معنى إلقاء ما في يده من الركن مثلا ثم يتدارك المنسي ثم

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب التشهد- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 4.

430

يستأنف أفعالا أخر غير الأولى، لكن في الموجز «أنه إذا سها في ركعتي الغفيلة عن قراءة الآي الموظف لها حتى ركع قرأ الآي في ركوعه إن ذكر و هو راكع، و في سجوده إن ذكر و هو ساجد، و لو لم يذكر حتى رفع رأسه من سجدة الثانية صارت مطلقة، و يجوز له الاقتصار على ركعة واحدة و يستأنف الغفيلة، و لو سها عن قنوتها تداركه قبل سجوده، و يقضيه بعد سلامه، و يكبر له مستقبلا، و الأفضل قراءة الآي و القنوت عليها» انتهى، و لم نعرف مدركا لشيء من هذه الأحكام.

نعم يظهر من الخبرين المزبورين أن زيادة الركن سهوا في النافلة غير قادحة، كما هو صريح الموجز و ظاهر الدروس خلافا للمدارك و عن الروض، بل لعله مندرج في نفي السهو في الصحيح و غيره، بل قد يتسلق منه إلى عدم قادحية نقصان الركن أيضا نسيانا و لم يذكره إلا بعد تمام النافلة بحيث لا يسعه التدارك أبدا و إن لم أجد أحدا صرح به، بل في الدروس و المدارك و عن فوائد الشرائع و الروض و مجمع البرهان و غيرها ما يقتضي البطلان كما هو صريح الموجز، و لا بأس به، لأنه الموافق للاحتياط المطلوب في العبادة التوقيفية، بل ينبغي مراعاة الاحتياط في سابقه أيضا.

نعم ينبغي الجزم بنفي سجدتي السهو لما يوجبها كما صرح به في المنتهى و المدارك و غيرهما، بل هو بعض معاقد الإجماعات السابقة، بل في الرياض عن ظاهر الأول و صريح الخلاف نفي الخلاف فيه، بل هو مندرج في نفي السهو في الصحيح و غيره بناء على إرادة الأعم من الشك منه على معنى نفي الموجب بالفتح، بل لعله المفهوم من الخبرين السابقين أيضا، كما أنه ينبغي الجزم بنفي مشروعية قضاء ما يقضى في الفريضة فيها من السجدة و التشهد المنسيين، بل يتداركهما مع الإمكان، و لا يلتفت مع عدمه، كما إذا تخلل ما يخرج به عن كونه مصليا و لو لطول الزمان من الفراغ، بناء على اختلاف الفريضة و النافلة في إمكان تدارك المنسي للخبرين السابقين و إن كان العمل بهما لا يخلو من نظر

431

خصوصا مع التعدي لغير موردهما، لكن يستفاد منهما و من غيرهما من الأخبار سهولة الأمر في النافلة و إن لم تقف بتفصيل ذلك، كما أنها ما وفت في تمام ما يتعلق بالتخيير بين الأقل و الأكثر من بيان حاله لو بنى على الأقل ثم ظهر الأكثر أو العكس بعد الفراغ أو قبله، و هل تحتسب له أو ينبغي له الإعادة، و إن كان قد يستفاد حكم بعض ذلك مما ذكرنا، كما أنه يمكن بعد ما سمعت أولوية ثبوت كل ما شرع في الفريضة مما هو مناسب للتخفيف في النافلة، فتأمل جيدا.

خاتمة في سجدتي السهو

و هما واجبتان حيث ذكرناه و زيادة فيمن تكلم في الصلاة ساهيا و لو لظن الخروج منها أو سلم في غير موضعه كذلك على المشهور بين الأصحاب قديما و حديثا نقلا و تحصيلا، بل في الفقيه و المنتهى و عن ظاهر الشافية و صريح النجيبية بل و آراء التلخيص على ما عن غاية المراد الإجماع عليه فيهما، كما عن الحسن بن عيسى على ما في المختلف نسبة أولهما إلى آل الرسول (عليهم السلام) و هو الحجة بعد

صحيح ابن الحجاج (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول:

أقيموا صفوفكم، فقال: يتم صلاته ثم يسجد سجدتين»

و ابن أبي يعفور (2) الوارد في الشك بين الثنتين و الأربع عن الصادق (عليه السلام)، قال فيه: «و إن تكلم فليسجد سجدتي السهو»

بل و سعيد الأعرج (3) المشتمل على قصة ذي الشمالين عن الصادق (عليه السلام)، قال فيه: «و سجد سجدتين لمكان الكلام»

و منه حينئذ يظهر دلالة

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 16.

432

غيره من الأخبار المشتملة على ذكر فعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) إياهما فقط من دون بيان أنه للكلام أو للسلام أو لهما، بل و موثق عمار (1) عن الصادق (عليه السلام) «عن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام ثم ذكر من قبل أن يقدم شيئا أو يحدث شيئا قال:

ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشيء»

و صحيح العيص (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر أنه لم يركع قال:

يقوم فيركع و يسجد سجدتين»

و موثق عمار (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ثلاث ركعات و هو يظن أنها أربع فلما سلم ذكر أنها ثلاث قال: يبني على صلاته متى ذكر و يصلي ركعة و يتشهد و يسلم و يسجد سجدتي السهو و قد جازت صلاته»

إلى غير ذلك.

فما عن ظاهر الصدوقين و الجعفي- من عدم الوجوب فيهما، بل ربما مال إليه في الثاني المدارك، بل لعله أيضا ظاهر اقتصار الحسن بن عيسى و المفيد و علم الهدى و ابن حمزة و سلار في المحكي عنهم على الكلام ناسيا من غير ذكر السلام معه عكس المحكي عن أبي علي في الذكرى- ضعيف جدا، بعد الإغضاء عن ضعف هذا الاستظهار الذي منشأه الاقتصار، بل عن الفقيه و بعض نسخ المقنع النص على الكلام المحتمل إرادته منه ما يشمل السلام نحو كلام أولئك الأعلام، كما نفي عنه الريب في الذكرى، بل لعل ذكر السلام في كلام أبي علي مثالا للكلام، فيرتفع النزاع حينئذ في المقام، و يمكن دعوى الشهادة على أن ذلك الإجماع تام، على أنا لم نعثر لشيء مما ذكر على دليل قاطع للعذر سوى الأصل المعلوم عدم صلاحيته لمعارضة بعض ما تقدم فضلا عن جميعه، و قوله (عليه السلام) (4):

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 14.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5.

433

«لا شيء عليه»

في بعض المعتبرة الواجب تخصيصه بتلك الأدلة كما هو قضية أصول المذهب، لا حملها على الاستحباب من جهته المستلزم ترجيح الأضعف من وجوه على الأقوى من وجوه، كما هو واضح.

أو شك بين الأربع و الخمس وفاقا لصريح جماعة من الأصحاب، بل في المقاصد و الذخيرة أنه المشهور، و في السرائر نسبته إلى الأكثرين المحققين، بل في المفاتيح نفي الخلاف فيه، كما عن مجمع البرهان نفي الشك فيه، بل في الغنية الإجماع عليه كما عن الحسن بن عيسى نسبته إلى آل الرسول (عليهم السلام) للمعتبرة، ك

صحيح عبد الله بن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) «إذا كنت لا تدري أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما»

و صحيح الحلبي (2) عنه (عليه السلام) أيضا «إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد و سلم و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة تتشهد فيهما تتشهدا خفيفا»

و غيرهما، لكنها كما ترى ظاهرة بمعونة المضي في «صليت» فيها و الاقتصار على ذكر التشهد و التسليم و غيرهما في وقوع الشك في ذلك بعد إكمال الركعة برفع الرأس من سجودها الأخير أو بتمام الذكر أو بوضع الرأس على المسجد لا قبله، و لا بأس به بناء على انحصار الصحة في هذا الشك بذلك كما سمعته سابقا، ضرورة عدم السجود حينئذ للفاسد، أما على القول بالصحة حتى لو كان قبل السجدتين أو بينهما أو حال الركوع أو بعده بأن يكمل الركعة حينئذ و يندرج في النصوص فلا يبعد حينئذ القول بوجوب سجود السهو أيضا إذ هو فرع الاندراج، لصدق عدم علمه بأنه صلى أربعا أو خمسا بعد أن أكمل الركعة إلا أنك قد عرفت فيما مضى أن الأصح الفساد في ذلك كله.

نعم لو كان الشك قبل الركوع صح، لكن بالعلاج في إرجاعه للشك بين

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 4.

434

الثلاث و الأربع بأن يهدم قيامه، فسجود السهو حينئذ لو كان لزيادة القيام أو احتماله لا للشك بين الأربع و الخمس، كما أنه يصح أيضا لو كان شكه بين الخامسة و السادسة قبل الركوع بأن يهدم و يرجع شكه إلى ما بين الأربع و الخمس، و يجب عليه حينئذ سجودان للسهو، لزيادة القيام حينئذ، و للشك بناء على تعدده بتعدد السبب، كما هو واضح، و قد تقدم الكلام سابقا فيما يصح من صور الشك بين الأربع و الخمس و يفسد، و كيف كان فما عساه يظهر من حصر بعضهم موجبات السجود في غيره أو كالحصر من عدم الوجوب فيما نحن فيه ضعيف جدا، كما هو واضح، فلاحظ و تأمل.

و قيل و القائل بعض أصحابنا كما في الخلاف تجب سجدتا السهو في كل زيادة في الصلاة و نقيصة منها إذا لم يكن مبطلا إلا أنا لم نعرف قائله صريحا قبل المصنف، بل أطلق في الدروس عدم معرفة قائله و مأخذه، كما أنه أطلق في الذخيرة و الرياض أن المشهور عدم الوجوب لذلك من غير تقييد بين المتقدمين أو غيرهم، لكن عن الجواهر المضيئة «أن المشهور وجوبهما لكل زيادة و نقصان» بل عن غاية المرام «أن الذي عليه المتأخرون وجوبهما في كل موضع لو فعله أو تركه عمدا بطلت صلاته» فيخرج حينئذ نسيان القنوت و فعل الذكر و الدعاء بغير قصد و نحوهما مما لا يقدح عمدا و في المقاصد بعد نقل ذلك عن بعضهم «أن النص و الفتوى مطلقان».

و على كل حال فالوجوب خيرة المختلف و التذكرة و التحرير و الإرشاد في احتمال و اللمعة و الموجز و الجعفرية و الذكرى و فوائد الشرائع و الروضة و المقاصد العلية و عن الإيضاح و الهلالية و السهوية و تعليق النافع و التنقيح و إرشاد الجعفرية و الغرية و الدرة السنية و الجواهر المضيئة و ظاهر غاية المراد أو صريحه، و مال اليه على ما قيل في المهذب البارع، و قد سمعت أنه حكاه في الخلاف عن بعض أصحابنا، و كأنه تردد فيه المصنف هنا بل و معتبره، و نسبه بعضهم إلى الصدوق أيضا، و كأنه يقرب إليه في الجملة ما عن

435

المفيد من وجوبهما على من لم يدر زاد سجدة أو نقص سجدة أو زاد ركوعا أو نقص ركوعا و لم يتيقن ذلك و كان شكه فيه حاصلا بعد مضي وقته و هو في الصلاة، و ما عن التقي من إيجابهما للشك في كمال الفرض و زيادة ركعة و اللحن في الصلاة نسيانا، بل ربما يستفاد من المحكي في الذكرى في مسألة محل السجدتين عن أبي علي أيضا إن لم يكن ظاهره أو صريحه، فمن العجيب ما سمعته من الدروس مع أنه خيرة الفاضل قبله و خيرته نفسه فيما سمعته من كتبه، بل قد سمعت أنه حكي عن الصدوق أيضا، و ربما استفيد من المحكي عن أبي علي كما عرفت.

و لا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى ل

مرسل ابن أبي عمير عن سفيان بن السمط (1) عن الصادق (عليه السلام) «تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان»

و هو و إن كان مرسلا إلا أن المرسل ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، فهو صحيح بناء على إرادة عدم قدح جهالة من بعده من هذه العبارة، و أيضا مراسيل ابن أبي عمير بحكم المسانيد، لأنه ممن لا يروي إلا عن الثقة، فسفيان ابن السمط حينئذ ثقة عنده و عند غيره من العصابة و إن كان مجهولا عندنا الآن، فتأمل و صحيح الحلبي (2) المتقدم بناء على كون المعطوف عليه فيه فعل الشرط لا معمول «درى» بل و إن قلنا بذلك أيضا، و المرسل في المحكي من عبارة ابن الجنيد عن النبي (صلى الله عليه و آله) «من ترك شيئا من صلاته فليسجد سجدتي السهو بعد سلامه»

إما لأولوية العلم من الشك أو لعدم القول بالفصل صريحا، أو لأن المراد منه بقرينة استقراء أمثاله من التراكيب الشك في خصوصية الزيادة و النقصان بعد القطع بوقوع

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 4.

436

أحدهما لا الشك في أصل وقوع كل منهما و عدمه، فيكون السجود حينئذ للعلم بوقوع مقتضية، إذ احتمال أنه أحدهما لا قائل به.

و منه حينئذ يظهر وجه نسبة ذلك للصدوق، إذ المحكي عنه في الفقيه و الأمالي إيجابهما على من لم يدر أ زاد أم نقص، كما أنه تظهر بذلك دلالة

صحيح زرارة (1) أيضا، قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):

إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد في صلاته أم نقص فليسجد سجدتين و هو جالس و سماهما رسول الله (صلى الله عليه و آله) المرغمتين»

و الفضيل بن يسار (2) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن السهو فقال: من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، و إنما السهو على من لم يدر زاد في صلاته أم نقص»

و غيرهما، بل قد يدل عليه أيضا

موثق عمار (3) سأل الصادق (عليه السلام) «عن السهو ما تجب فيه سجدتا السهو؟

قال: إذا أردت أن تقعد فقمت أو أردت أن تقوم فقعدت أو أردت أن تقرأ فسبحت أو أردت أن تسبح فقرأت فعليك سجدتا السهو، و ليس في شيء مما تتم به الصلاة سهو»

و لو بمعونة عدم القول بالفصل بين القراءة و التسبيح و غيرهما، مضافا إلى التأييد بما دل عليه في نسيان السجدة و القيام في محل القعود و بالعكس و غيرها، و بتسميتهما في النص بالمرغمتين للشيطان الذي أصل حصول السهو نسيانا و شكا منه، و بغير ذلك.

فيجب الخروج عن الأصل الذي لا يجري في المقام فضلا عن حاجته إلى قاطع بناء على شرطية صحة الصلاة بفعل السجدتين لا أنهما واجبتان تعبدا خاصة، و على وجوب الاحتياط في الصلاة و نحوها مما اشتغلت الذمة فيها بيقين، و عن إشعار خلو

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

437

المعتبرة المستفيضة (1) الواردة في نسيان ذكر الركوع و الجهر و الإخفات و غيرها عن البيان للحاجة بعدم الوجوب، بل قيل: إن في جملة (2) من الصحاح منها التصريح بلا شيء عليه الشامل للسجود و غيره، كما أن في بعضها (3) أيضا التصريح بنفيه لنسيان السجدة، و لا قائل بالفصل.

ضرورة عدم صلاحية معارضة مثل ذلك لتلك الأدلة بحيث تطرح له أو تحمل على الندب الذي لم أعرف قائلا به هنا، بل قد سمعت فيما تقدم أن الشهيد في الذكرى قال: لم يشرع بهما التطوع، خصوصا الأول، فإنهم (عليهم السلام) بمنزلة متكلم واحد كما أن كلامهم (عليهم السلام) كذلك، فتركه في بعض الأحوال سيما إذا كان بصدد بيان أصل الصحة و الفساد لا ينافي النص عليه في الآخر، بل و الثاني، إذ يجب الخروج عن شمول ذلك العام بما سمعت، و حمله على إرادة نفي الإعادة و الإثم و نحوهما لا ما يشمل نحو المقام، و قد سمعت فيما تقدم الكلام بالنسبة للسجدة.

نعم قد يناقش في دلالة تلك المعتبرة أولا بظهور إرادة الشك منها بمعنى عدم علم الزيادة و النقيصة و التمام و إن لم ينص على الأخير، إلا أنه صار كالمتعارف إرادة هذا المعنى من مثل هذه العبارة، فيرجع الحاصل حينئذ إلى أنه لم يدر زاد أو لا، و نقص أو لا، كما يشهد له في الجملة خبر السكوني (4) الذي تسمعه، و منع الأولوية، لاحتمال صلاحية السجود لتدارك المشكوك فيه لا المتيقن، و ثانيا بظهوره في إرادة

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الركوع و الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 6 و الباب 26 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب السجود- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

438

الركعات، كما لعله يومي اليه صحيح الحلبي (1) السابق، بل ربما يومي اليه في الجملة أيضا

خبر السكوني (2) عن الصادق (عليه السلام) «إنه أتى رجل إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله أشكو إليك ما ألقى من الوسوسة في صلاتي حتى لا أدري ما صليت من زيادة أو نقصان»

إذ لا ريب في ظهوره في إرادة الركعات من هذه العبارة، كما أنه لا ريب في ظهوره في إرادة الشك لا ما إذا علم أحدهما و شك في الخصوصية، على أن ذلك فرض نادر لا تحمل عليه تلك الأخبار.

و من هنا قال في الرياض: «إنه كما يمكن تخصيص «لا شيء» السابق بما هنا لأنه أظهر دلالة يمكن العكس بأن يقيد هذه المعتبرة بما إذا كان المشكوك فيه ركعة، و هذا أرجح للأصل المعتضد بالشهرة الظاهرة و المحكية في كلام جماعة» إلى آخره، لكن قد تدفع بمنع ظهور هذا التركيب في إرادة الشك كما لا يخفى على من له خبرة بكلام أهل اللغة و العربية، بل و العرف بعد التأمل و التروي، على أنه مؤيد بمرسل ابن أبي عمير (3) السابق، و لذا جزم المولى الأكبر في شرح المفاتيح بأن المعنى الحقيقي لهذه العبارة الشك في الخصوصية، و ندرته بعد استفادة حكم غير النادر منه أي معلوم الزيادة و معلوم النقيصة غير قادحة، و بمنع عدم انسياق الأولوية منه بعد تسليم إرادة الشك منه، خصوصا بعد ظهور ضعف الاحتمال المذكور، على أنه يمكن دعوى عدم القول بالفصل بين وجوبهما للشك في الزيادة و النقيصة و بينه للعلم بأحدهما، إذ هو خيرة العلامة و جماعة أيضا ممن تأخر عنه ممن ذهب إلى الوجوب هنا إن لم يكن جميعهم، نعم ربما قيل بالعكس كما هو خيرة المولى الأكبر في الشرح المزبور على الظاهر، و لعله لأن الظاهر أو المعلوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

439

عدمه بالنسبة للأجزاء، للمعتبرة (1) الكثيرة الدالة على تلافي المشكوك فيه في محله، و عدمه في غيره الظاهرة في أن «لا شيء عليه» غير ذلك، و كذلك بالنسبة للركعات إذ هو بين مبطل كالشك في الثنائية و نحوها و بين ما كان حكمه الاحتياط بالركعات من غير سجود للسهو عند معظم الأصحاب و إن حكي عن الجعفي وجوبهما لخصوص الشك بين الثلاث و الأربع، نعم هو كذلك في خصوص الشك بين الأربع و الخمس، و من المعلوم عدم إرادة خصوص ذلك من هذه الأخبار، بل هو مقطوع بعدمه بالنسبة إلى صحيح الحلبي و نحوه مما ذكر فيه العبارة السابقة بعد ذكر الأربع و الخمس، اللهم إلا أن يقال: إن المراد به من لم يعلم الزيادة و النقيصة و التمام بعد الفراغ أو كان كثير الشك، كما يومي اليه خبر السكوني المتقدم، و تحمل الأخبار حينئذ على الندب الذي لا يقدح فيه عدم تعرضهم له حينئذ، فتأمل.

و من ذلك كله تعلم ما في كلام الرياض المتقدم و ترجيحه الحمل المزبور بالأصل الذي عرفت حاله، و بالشهرة الظاهرة و المحكية اللتين يمكن مناقشته فيهما معا، إذ ليس عدم الوجوب صريح أحد من المتأخرين سوى الخراساني في ظاهر ذخيرته و صريح كفايته و حكي عن مجمع البرهان و الشافية، نعم هو ظاهر كل من حصر موجبات السجود و عددها من القدماء، و المحكية معارضة بحكايتها ممن عرفت، فلا ريب في أن الأحوط الوجوب إن لم يكن الأقوى، بل لعله كذلك أيضا فيما لو شك في النقيصة و الزيادة كما اختاره من عرفت بناء على ظهور العبارة السابقة فيه، و إن استفيد منها حينئذ حكم المعلوم بالأولوية أو بعدم القول بالفصل، و لعل منه حينئذ الشك بين الأربع و الخمس.

لكن الإنصاف أنه أضعف من السابق إن لم يكن عدم الوجوب فيه أظهر، للأصل السالم عن معارض، بل المعتضد بظاهر ما عرفت من النصوص و غيرها، مضافا

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

440

إلى إمكان دعوى العسر فيه، إذ لا أحد إلا و هو لا يعلم النقيصة في صلاته و الزيادة، اللهم إلا أن يخص ذلك بمن تساوى الطرفان لديه، كما هو الظاهر من عبارة المفتي به لا من احتمل ذلك و إن غلب على ظنه السلامة، و إن قيل: إنه ربما تعطيه عبارة الإرشاد لكنه ليس قولا لأحد.

ثم إن الظاهر استثناء المندوبات كالقنوت و نحوه مما عرفت، فلا يجب سجود السهو بنسيانه بعد العزم على فعله كما نص عليه الفاضل و الشهيدان، بل قد سمعت ما حكاه في غاية المرام، اقتصارا فيما خالف الأصل على المنساق المتيقن من النقص، خلافا لظاهر بعضهم، بل و المحكي عن أبي علي من أنه لو نسي القنوت قبل الركوع أو بعده قنت قبل أن يسلم في تشهده و سجد سجدتي السهو، أما لو زاد مندوبا ففي التذكرة سجد للسهو، و لا ريب في أنه أحوط و إن كان فيه نظر كما في الروضة، لعدم زيادة السهو على العمد، و لا سجود للنقيصة إذا تدوركت و لما يصدر ما يحصل بسببه زيادة في الصلاة و إن كان هو قد سها عنها، لنفي السهو عمن حفظ سهوه فأتمه، و عدم صدق النقيصة، و خبر الحلبي (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد فقال: يرجع فيتشهد، قلت: أسجد سجدتي السهو؟ فقال: لا، ليس في هذا سجدتا السهو»

و غير ذلك، لكن في الموجز وجوبه لكل سهو و إن تدارك فيها أو بعدها، و فيه منع، نعم ليس التدارك بعد تمام الصلاة يرفع صدق النقيصة فيها في وجه، فيجب حينئذ للتشهد المنسي و أبعاضه و السجدة المنسية و إن لم نقل بوجوبه لهما من حيث أنفسهما كما أنه يجب حينئذ بناء على ذلك في سائر صور الشك الصحيحة إذا تبين بعد الاحتياط نقصها أو قبله بناء على الصحة و عدم وجوب الإعادة و إن تبين، نعم الظاهر إرادة

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التشهد- الحديث 4.

441

الزيادة في الصلاة بأن يكرر مثلا أفعالها سهوا لا ما يشمل نحو وقوع فعل خارج عنها فيها و إن لم يكن بعنوان أنه منها، إذ لا يعد نحوه زيادة في الصلاة، كما هو واضح، و الله أعلم.

و يسجد المأموم مع الامام واجبا إذا عرض له السبب على الأصح، و لا يسقط عنه بسبب عروضه للإمام كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا في المسألة الرابعة من مسائل الكتاب، و لعل ذا هو المراد بالمعية لا فعله بنية الائتمام، لعدم ثبوت مشروعيته فضلا عن وجوبه كما قدمناه سابقا أيضا بل و تقدم أيضا أن الأصح فيما لو انفرد أحدهما لعروض السبب له كان له حكم نفسه خلافا لمن أوجبه على المأموم بمجرد عروضه على الامام، فلاحظ و تأمل.

و محلهما أي السجدتين بعد التسليم سواء كانتا للزيادة أو النقصان أو غيرهما مما يجبان له و قيل لكن لم نعرف قائله كما اعترف به غير واحد: محلهما قبله، و قيل بالتفصيل بينهما، فالأول للأول، و الثاني للثاني، و القائل أبو علي في ظاهر المحكي عن كلامه أو صريحه في الدروس و البيان، و إن قال في الذكرى: إنه ليس فيه تصريح بما يرويه عنه بعض الأصحاب من التفصيل، نعم هو مذهب أبي حنيفة و كيف كان ف الأول أظهر و أشهر، بل هو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا بل عليه عامة المتأخرين كما في الرياض، بل هو خيرة المقنع و ما تأخر عنه في مفتاح الكرامة، بل هو مذهب الأصحاب عن كشف الرموز، و علمائنا عن نهاية الأحكام بل عليه الإجماع في الخلاف و عن مصابيح المولى الأكبر و الأمالي و الناصرية و غيرها، للمعتبرة (1) المستفيضة حد الاستفاضة المتفرق كثير منها في المسائل السابقة الصريح بعضها بأنهما بعد التسليم جواب السؤال عن محلهما، و المعتضدة بما سمعت مما ينفي احتمال

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

442

المناقشة في دلالة بعضها، بل و بإمكان أصالة عدم قابلية الصلاة لنخلل ذلك في أثنائها، خصوصا لو قلنا إنهما معا من زيادة الركن المفسدة و إن لم يكن فعلا بنية أنهما منها، بل و بمخالفة المحكي عن أبي حنيفة أو غيره من العامة التي جعل الله الرشد في خلافها، و بأنهما ليسا أولى من التشهد و السجدة اللذين يقضيان بعد السلام، و من هذا ينقدح مؤيد آخر أيضا، و هو استلزام السجود في الأثناء له تقديم سجود السهو على السجدة و التشهد لو كانا هما السبب له، أو فعلهما في الأثناء قبله أيضا، و هما معا مخالفان لظاهر الأدلة.

فما في ضعيف أبي الجارود (1)- «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): متى أسجد سجدتي السهو؟ قال: قبل التسليم، لأنك إذا سلمت فقد ذهبت حرمة صلاتك»

و صحيح سعد بن سعد الأشعري (2) قال: «قال الرضا (عليه السلام) في سجدتي السهو: إذا نقصت قبل التسليم و إذا زدت فبعده»

كصحيح صفوان بن مهران (3) عن الصادق (عليه السلام)- يجب طرحه أو حمله على التقية كما عن الصدوق و الشيخ، فما في الذخيرة من احتمال التخيير جمعا بين الأخبار ضعيف جدا.

و على كل حال ف صورتهما أن ينوي و يكبر مستحبا ثم يسجد على الأعضاء السبعة واضعا جبهته على ما يصح السجود عليه مطمئنا ثم يرفع رأسه بأن يجلس مطمئنا أيضا ثم يسجد و يرفع رأسه كذلك و يتشهد تشهدا خفيفا ثم يسلم أما النية فقد صرح بوجوبها الفاضل و غيره، بل نسب إلى السرائر و أكثر ما تأخر عنها، بل في المفاتيح أنه المشهور، بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به في الرياض و إن لم يتعرض لذكرها المصنف هنا و النافع كالفاضل في الإرشاد، بل قيل: و الصدوق في

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6.

443

المقنع و المفيد و السيد و الشيخ و أبي علي (1) و أبي الصلاح فيما نقل عنه، لكن الظاهر أنه لوضوحها و معلوميته، و الاتكال على ذكرهم اعتبار ذلك في أوائل كتبهم بالنسبة إلى سائر العبادات لا لعدم الوجوب عندهم، ضرورة أنهما عبادة كما هو الأصل في كل مأمور به، و مندرجان تحت عموم أدلة النية سواء قلنا إن محلها قبل التسليم أو بعده، و إن قال الشهيد في الحواشي البخارية: إنه ينبغي الاستغناء عن النية بناء على الأول، و كأنه لأنهما عليه يكونان كالجزء من الصلاة، فيستغني بنيتها عن نيتهما، لكنه لا يخلو عن بحث، على أنك عرفت أن المختار كونهما بعده، و احتمال الاستغناء عليه أيضا لكونهما من توابع الصلاة و من أحكام السهو فيها فيكتفى بنيتها عن نيتهما ضعيف جدا، و خروج عن ظاهر الأدلة بتهجم و تهجس.

نعم لا يجب فيهما تعيين السبب وفاقا للذخيرة و الكفاية، لإطلاق الأدلة و صدق الامتثال، و خلافا لنهاية الفاضل على ما حكي عنها و الذكرى و تعليقي الإرشاد للكركي و ولده فيجب، و لعله لتوقف صدق الامتثال على ملاحظة ذلك، فهي كالظهرية بالنسبة إلى الظهر، و فيه منع واضح، و ربما فرع على هذا الخلاف ما لو ظن سهوه كلاما فسجد له فتبين له أنه كان نسيان سجدة مثلا، فيعيد على الثاني كما في النهاية و الهداية (و الهلالية خ ل) الحكم به و إن احتمل في الأخير العدم دون الأول، و فيه أنه يمكن القول بالإعادة عليه أيضا، للفرق بين عدم النية و بين نية الخلاف، و لعله لذا قال في الموجز: و لا يتعين سببه، و لو عين فأخطأ أعاد و إن كان الأقوى في النظر عدم الفرق بينهما، و أن التعيين في الواقع كاف و إن لغى في نية الخلاف سهوا، إذ الكلام مثلا مسبب (2) للسجدتين لا أنه قيد في المأمور به، نعم قد يقدح في ذلك العمد، لانحلاله

____________

(1) و في النسخة الأصلية «و أبى يعلى».

(2) هكذا في النسخة الأصلية و لكن الأولى أن يقال: «سبب للسجدتين».

444

إلى عدم النية حينئذ و عدم الإتيان بالمأمور به.

كما أن الأقوى عدم وجوب تعيين السبب لو تعدد أيضا، بناء على الأصح من عدم التداخل في أسباب السجود اتحد الجنس أو اختلف الذي هو خيرة التحرير و التذكرة و الذكرى و الدروس و البيان و الموجز و حاشية الألفية للكركي و عن غيرها، للأصل و توقف البراءة اليقينية عليه، و لأن كل واحد سبب تام، فكذا مع الاجتماع لأنه لا يخرج الحقيقة عن مقتضاها، فالتداخل يستلزم خرق الإجماع، أو تخلف المعلول عن علته التامة لغير مانع، أو تعدد العلل التامة مع تشخص المعلول، أو الترجيح بلا مرجح، أو عدم تساوي المتساويات في اللوازم، و الكل محال، و كون علل الشرع علامات لا مؤثرات حقيقية غير مجد بعد معاملتها معاملة الحقيقية بالنسبة إلى ذلك و غيره، كما هو واضح.

نعم يتعدد السجود بتعدد السبب ما لم يكن بعضا من جملة توالت كالقراءة مثلا إذا تركها نسيانا، فإنه لا يجب عليه بكل حرف سجدتان و إن كان لو انفرد لأوجب لاتحاد السبب هنا و تعدده هناك، بل ما في الذكرى- من أنه لو نسيها في الركعات نسيانا مستمرا لا تذكر فيه فالظاهر أنه سبب واحد، و لو تذكر ثم عاد إلى النسيان فالأقرب تعدد السبب، و كذا لو تكلم بكلمات متوالية أو متفرقة و لم يتذكر فكلام واحد، و لو تذكر تعدد- لا يخلو من وجه و إن كان يمكن المناقشة فيه حيث يصدق التعدد من غير تخلل ذكر، إذ اتحاد السهو الباعث على صدور ذلك لا يقضي باتحاد السهو فيه حتى لو حصل معه فصل مثلا يتحقق به التعدد، فتأمل.

خلافا لما عن ظاهر المبسوط في أول كلامه من التداخل مطلقا، و اختاره في الذخيرة و الكفاية، و ما عن السرائر من التداخل في متحد الجنس لإطلاق الأدلة دون مختلف الجنس لعدم الدليل، بل ظاهر الدليل العدم، و فيه أن ظاهر الدليل العدم في الجميع.

445

و كيف كان فلا يجب تعيين السبب و إن تعدد للأصل و غيره، خلافا للمحكي عن جماعة فيجب، و لعل المراد وجوب نية التعيين بالسبب أو غيره من السبق و نحوه، لتعدد المكلف به و عدم تشخص الفعل لأحدها بغير النية، فلا يصدق الامتثال، لا وجوب نية خصوص السبب، فيرتفع الخلاف حينئذ من البين، إذ الظاهر وجوب التعيين بهذا المعنى، و احتمال أنه لما حصلت الأسباب الموجبة و تعدد الموجب بها صار كتعدد المأمور به بأمر واحد نحو صوم أيام و ضرب أشخاص، فلا يجب نية التعيين ضعيف مخالف لظاهر الأدلة، نعم الظاهر أنها كذلك بالنسبة للترتيب، فلا ترتيب في سجودات السهو وفاقا للشهيد في المقاصد العلية، للإطلاق، بل لعله ظاهر لفظ «ينبغي» في الذكرى أيضا، بل أوجب فيها تقديم سجود الأجزاء المنسية على غيرها و إن كان سبب الغير متقدما كالكلام في الركعة الأولى و نسيان سجدة في الثانية، لتقدم الجزء على السجود، و ارتباط سجوده به، و إن كان هو لا يخلو عن إشكال كما عن التذكرة، لعدم الدليل على وجوب ارتباطه به بحيث ينافيه نحو ذلك، بل في الروض لو قيل بوجوب تقديم الأسبق سببه كان أولى، بل جزم به المحقق الكركي في حاشية الألفية، كجزمه بالترتيب بين سجودات السهو للأجزاء المنسية فيما حكي عنه في الجعفرية، قيل و تبعه على ذلك شارحاها، و لعله لأن الذمة قد اشتغلت بإيقاع سجود السهو بعد الصلاة فورا بمجرد صدور السبب الأول و الثاني لما صدر على ذمة مشغولة بذلك، فتشتغل الذمة حينئذ بإيقاعه بعد تفريغها من الأول.

بل لعله من ذلك ينقدح وجوب تقديمه على الجزء أيضا بعد فرض تقدم سببه عليه، لاشتغال الذمة به على أن يؤدى بعد الصلاة فورا، و كون الفائت جزءا و سجود السهو أجنبي فيقدم عليه و إن تأخر سببه عنه- بل يقدم أيضا على ركعات الاحتياط مع فرض سبقه عليها، بل يجوز تقديمه عليها و إن تأخر عنها، لعدم كونها أجزاء يقينا،

446

نعم هي تتقدم على سجود السهو و إن تقدم سببه لمعلومية أجنبيته دونها- يدفعه أنه لا تلازم بين جزئيته و هذه الأحكام، إذ لا بأس بتأخره عن سجود السهو المتقدم سببه و إن كان جزءا، لأن الذمة اشتغلت به بعد اشتغالها بفعل سجود سهو فورا بعد الصلاة، فيكون قضاء الجزء حينئذ على هذا الحال، و نحوه الركعات الاحتياطية، فلا ينافيه تخلل سجود السهو.

و ربما يؤيده أيضا ظهور رواية علي بن حمزة (1) في تقديم السجدتين على التشهد المنسي كما اعترف به في الروض و الذخيرة، لكن لم أجد من جزم بذلك، بل ظاهر جميع من تعرض لذلك تقديم الجزء المنسي على سجود السهو و إن تقدم سببه إلا الشهيد الثاني في المقاصد، فإنه قد يظهر منه الجواز لا الوجوب، بل قد يظهر منه في الروض و من الخراساني في الذخيرة جواز تقديم السجود على الجزء و إن تأخر سببه فضلا عن أن يتقدم عليه، و إن كان الذي يقوى في الذهن تقديم الأجزاء المنسية و الركعات الاحتياطية على السجود مطلقا، و الأجزاء على الركعات، و بعضها على بعض السابق فالسابق، و التخيير بين السجودات و إن تقدمت أسباب بعضها على بعض نظرا إلى أنها جميعها واجبات فورية، يرجع في تقديم بعضها على الآخر إلى الترجيح، و هو بما ذكرنا، و لا دلالة في فوريته و سبق سببه على وجوب تقديمه، كما لا ظهور فيما دل على وجوب سجود السهو بمجرد حصول سببه و شغل الذمة به على تقديمه على الغير، لعدم كونه مساقا لذلك هذا، و يحتمل التخيير بين الجميع عدا الأجزاء بعضها مع بعض لضعف هذه المرجحات عن إفادة الوجوب، بل و بين الأجزاء أيضا و إن كان هو أضعف من سابقه، و قد خرجنا عما نحن فيه، لأن الحديث ذو شجون.

و كيف كان فلا يجب التعرض للأداء و القضاء في سجود السهو كما صرح به في

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2 عن على ابن أبي حمزة.

447

موضع من الألفية، و إن حكي عنه أنه قال: «إنه أحوط» و في المقاصد العلية «أنه أجود» و في الروضة «انه أولى» بل قال في موضع آخر منها كما عن الهلالية: «أن نيتهما أسجد سجدتي السهو في فرض كذا أداء لوجوبه قربة إلى الله تعالى» بل في البيان و حاشية الألفية للكركي و تعليقي الإرشاد له و ولده و عن غيرها وجوب التعرض للأداء و القضاء، فان خرج الوقت أو كانت الفريضة قضاء نوى القضاء كما صرح به في بعضها أيضا، و لا ريب في ضعفه، إذ التحقيق عندنا عدم وجوب ذلك في أصل الصلاة فضلا عن السجدتين اللتين يمكن دعوى عدم صحة ذلك فيهما فضلا عن وجوبه لكونهما من بعض أحكام السهو في الصلاة، بل لو لم يفعلا بعد الصلاة لم ينو فيهما القضاء لأن الفورية ليست توقيتا عندنا، و أضعف من ذلك ما في شرح الألفية للكركي من اعتبار تعيين المنوب عنه فيهما، و محل النية أول السجود بمعنى أنها تقارنه، لكن لا بأس لو نوى حال الهوي أو حال التكبير، لصدق المقارنة عرفا، و لعله لذا قال في البيان و تعليقي الإرشاد للكركي و ولده: يجوز مقارنة النية للتكبيرة و إن استحبت: أما لو نوى بعد الوضع ففي الروضة و المقاصد أن الأقوى الصحة، و لا يخلو من تأمل، كما أنه لا يخلو ما عن العويص للشيخ المفيد من أن آخرها يقارن أول الهوي من ذلك أيضا إن أراد الوجوب.

و أما التكبير فالأقوى عدم وجوبه، للأصل و إطلاق الأدلة و خصوص

الموثق (1) «سألته عن سجدتي السهو هل فيهما تسبيح أو تكبير؟ فقال: لا، إنما هما سجدتان فقط فان كان الذي سها الامام كبر إذا سجد و إذا رفع رأسه، ليعلم من خلفه أنه قد سها، و ليس عليه أن يسبح فيهما، و لا فيهما تشهد بعد السجدتين»

نعم ظاهره استحباب التكبير للإمام للاعلام لا للسجدتين، و من هنا قد يتوقف في استحبابه و إن نص عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3.

448

الفاضلان و الشهيد و غيرهم، بل في الرياض أنه المشهور لا لضعف الموثق كما في المدارك و الذخيرة، إذ هو حجة عندنا في إثبات الواجب فضلا عن المستحب، بل لعدم الدلالة كما عرفت، على أنها مختصة بالإمام، إلا أنه حيث كان الحكم استحبابيا يتسامح فيه أمكن الاجتزاء في إثباته بمثل فتوى من عرفت، بناء على كفاية الاحتياط العقلي في ذلك مؤيدا هنا ببعض الأخبار (1) الواردة في سهو النبي (صلى الله عليه و آله) في قصة ذي اليدين المشتملة على تكبير النبي (صلى الله عليه و آله) للسجدتين و إن كانت هي مطرحة عندنا.

و كيف كان فما عساه يظهر من المحكي عن المبسوط من الوجوب حيث قال: «إذا أراد أن يسجد سجدتي السهو استفتح و كبر و سجد عقيبه و يرفع رأسه» إلى آخره، ضعيف جدا، كاشكال الفاضل فيه في نهايته على ما حكي عنها، مع احتمال إرادة الشيخ الندب، كما يؤيده نسبة ذلك اليه و إلى جمع في المدارك، فما في المفاتيح من أن المشهور أنه ينوي ثم يكبر ثم يسجد ثم يرفع رأسه ثم يسجد إلى آخره. من الغرائب إن أراد الوجوب، إذ لم نعرف أحدا صرح به أو نسب اليه عدا الشيخ كما عرفت، و لذا حكي عن الشهيد في كنز الفوائد أن أكثر الأصحاب نصوا على الذكر فيهما دون القراءة و التكبير إلا الشيخ، فإنه قال: «إذا أراد أن يسجد استفتح بالتكبير».

و أما السجود على الأعضاء السبعة فقد صرح به في القواعد و غيرها، بل نسب إلى المفيد و جم غفير ممن تأخر عنه، بل في التذكرة و تعليق الإرشاد للكركي و ظاهر حاشية الألفية له و عن غيرها وجوب الطمأنينة في السجدتين، بل صرح في بعضها بوجوبها بينهما أيضا، بل قال المحقق الثاني و صاحب المدارك و الخراساني و عن غيرهم:

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 9.

449

«يجب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه فيه» بل في الذكرى و الدروس و البيان و اللمعة و الألفية و حاشيتها للكركي و الروضة و عن غيرها أنه يجب فيهما ما يجب في سجود الصلاة عدا الذكر، فتندرج حينئذ الطهارة و غيرها كما نص عليه بعضهم، و ليس في شيء من الأدلة تعرض لشيء من ذلك، و دعوى اعتبار جميع هذه الأمور في مسمى السجود واضحة الفساد خصوصا بالنسبة إلى البعض.

نعم قد يقال: إن الذمة لما اشتغلت به بيقين توقف العلم ببراءتها على الفرد المتيقن، بل قد يدعى أنه المنساق من أمر المصلي بالسجود لتدارك سهوه، إذ الظاهر إرادة السجود الصلاتي، لكن الإنصاف أن للتوقف أو المنع فيما زاد على ما يتحقق به مسمى السجود عرفا أو شرعا- لعدم ظهور أو انصراف معتد به في شيء من الأدلة، فيبقى الإطلاق سليما- مجالا، و لعله لذا قال في إرشاد الجعفرية على ما حكي عنه في ذلك- مشيرا به إلى دعوى أنه يجب فيه ما يجب في سجود الصلاة- نظر ظاهر، و توقف في القواعد و التذكرة في وجوب الطهارة و الاستقبال، بل استقرب العدم في التحرير في الطهارة، بل عن الجواهر ذلك فيهما معا، بل لعله ظاهر المصنف و جميع من ترك التعرض لهما و للستر و نحوه في مقام البيان، خصوصا مع نصه على التشهد و نحوه، لكن في الألفية و المقاصد و عن الهلالية و الدرة التصريح بأن الطهارة و الستر و الاستقبال شرط، و عن نهاية الأحكام «أن الأقرب وجوب الطهارة و الاستقبال» و عن السرائر اشتراط الطهارة.

و المنشأ ما عرفت أيضا من الاحتياط في العبادة المقتضي للاقتصار على المتيقن أو المنساق إلى الذهن، خصوصا و هما مكملتان و جابرتان للصلاة التي يشترط فيها ذلك، مضافا إلى ما ستسمعه عند البحث في الفورية، و إلى الأمر (1) بهما في الخبر قبل الكلام، فالمحدث أولى، أو أن ذلك مشعر باتصالهما بالصلاة اتصال الجزء، بل قد يومي

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التشهد- الحديث 3.

450

في الجملة الأمر (1) بهما في أثناء الصلاة إلى بعض ذلك و إن لم نقل به.

و أما منشأ عدم الوجوب فالأصل و إطلاق الأدلة أو عدم انصراف مفيد للشرطية، خصوصا مع ملاحظة ما ورد (2) من الأمر بفعلهما متى ذكر إذا نسيهما، و ملاحظة أنهما ليستا بصلاة و لا جزءا منها، و إنما هما كالعقوبة أو للرغم لأنف الشيطان و لعل ذلك هو الأقوى في النظر.

و أما الطمأنينة فيهما و بينهما بعد الجلوس فمستنده نحو ما تقدم أيضا مع زيادة توقف الاثنينية- المستفادة من الأدلة و المحكي عليها الإجماع في المعتبر- على الجلوس بينهما، بل عن مجمع البرهان «لعله لا خلاف في وجوب الجلوس بينهما مطمئنا» كما أنه نسبه في مفتاح الكرامة إلى الفاضل و جمهور من تأخر عنه، لكن قد يناقش بما سمعت سابقا، و بعدم توقف تحقق الاثنينية على الجلوس، فضلا عن الطمأنينة كما في سجدتي الشكر و زيادة السجود في الصلاة، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه في البراءة عن الشغل اليقيني.

و أما التشهد فالمشهور نقلا و تحصيلا وجوبه، بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا مشعرا بدعوى الإجماع عليه كالذكرى و عن غيرها، بل في المعتبر و عن المنتهى الإجماع عليه، و هو الحجة بعد المعتبرة المستفيضة (3) خلافا للمختلف فلم يوجبه للأصل و خلو بعض الأخبار (4) عنه في مقام البيان، بل كاد يكون صريح بعضها (5) الوارد في

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 4 و 5 و 6.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب التشهد- الحديث 6 و الباب 8 منها- الحديث 1 و الباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.