التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج4

- الشيخ علي الغروي المزيد...
552 /
55

و لا فرق بين أقسام التراب (1) و المراد من الولوغ شربه الماء، أو مائعا أخر (2) بطرف لسانه، و يقوى إلحاق لطعه (3) الإناء بشربه. و أما وقوع لعاب فمه فالأقوى فيه عدم اللحوق و ان كان أحوط، بل الأحوط إجراء الحكم المذكور في مطلق مباشرته و لو كان بغير اللسان من سائر الأعضاء حتى وقوع شعره أو عرقه في الإناء.

____________

(1) لإطلاق الصحيحة من حيث افراد التراب فيشمل الطين الأرمني و الطين الأحمر و غيرهما من أفراده فهي و إن كانت خاصة بالتراب إلا انها عامة من حيث إفراده.

(2) كما عرفت.

(3) ان عنوان الولوغ لم يرد في شيء من الاخبار المعتبرة نعم ورد في النبويين المتقدمين إلا أنهما ضعيفان كما مر و العمدة صحيحة البقباق و هي انما وردت في خصوص الشرب مشتملة على عنوان الفضل و لا تشمل اللطع بوجه و التعدي من الشرب إليه يحتاج الى القطع بعدم الفرق بينهما و هو غير موجود لانه من الجائز أن تكون للشرب خصوصية في نظر الشارع إذ لا علم لنا بمناطات الأحكام الشرعية.

و أصعب من ذلك ما إذا لم يشرب الكلب من الإناء و لا انه لطعه و انما وقع فيه شيء من لعاب فمه لعطسة و نحوها فإن إلحاق ذلك بالشرب في الحكم بوجوب التعفير و غسله ثلاث مرات لا وجه له سوى القطع بوحدة المناط و لا قطع لنا بذلك و أوضح منهما- اشكالا- ما إذا أصاب الكلب الإناء بغير لسانه كيده و رجله و غيرهما من أعضاء جسده. و ذلك لعدم القطع بالتسوية بين الشرب بلسانه و بين اللمس ببقية أعضائه. نعم ورد في رواية الفقه الرضوي المتقدم نقلها (1)

____________

(1) في ص 52.

56

(مسألة 6) يجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرات (1) و كذا

____________

«ان وقع كلب في الماء أو شرب منه أهريق الماء ..» و هو صريح في التسوية للقطع بان وقوع الكلب في الإناء بتمام جسده لا خصوصية له و وقوعه ببعضه كاف في صدق وقوع الكلب في الإناء الذي يترتب عليه الحكم بالغسل مرة بالتراب و مرتين بالماء. إلا ان الرواية ضعيفة لا يعتمد عليها و لا سيما في المقام لذهاب المشهور فيه إلى اختصاص الحكم بالولوغ.

(1) لصحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) حيث قال: و سألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات (1).

و قد يستبعد إيجاب الغسل سبع مرات بأنه (عليه السلام) في صدر الصحيحة قد اكتفي في تطهير الثوب من الأثر المنتقل اليه من الخنزير بمطلق الغسل و طبيعية حيث قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر و هو في صلاته كيف يصنع؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه اثر فيغسله. و معه كيف يوجب الغسل سبع مرات في الإناء فان إزالة الأثر من الثوب أصعب من إزالته من الإناء. و يؤيد ذلك باعراض أكثر القدماء عن ظاهر الصحيحة و عدم التزامهم بمضمونها.

و يدفعه أن الوجوه الاستحسانية و الاستبعادات العقلية غير صالحة للركون عليها في الأحكام الشرعية التعبدية لأنه من المحتمل أن تكون للإناء الذي شرب منه الخنزير خصوصية لأجلها اهتم الشارع بشأنه و شدد الأمر فيه بل الأمر كذلك واقعا لأن الإناء معد للأكل و الشرب فيه. و اما المشهور فلم

____________

(1) المروية في ب 13 من أبواب النجاسات من الوسائل.

57

في موت الجرذ (1) و هو الكبير من الفأرة البرية، و الأحوط في الخنزير التعفير قبل السبع أيضا. لكن الأقوى عدم وجوبه (2).

(مسألة 7) يستحب في ظروف الخمر الغسل سبعا (3) و الأقوى كونها

____________

يثبت اعراضهم عن الصحيحة بل اعتنوا بشأنها و حملوها على الاستحباب فالاستبعاد في غير محله.

و على الجملة يجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرات كما يجب في ولوغ الكلب ثلاث مرات و انما الفرق بينهما في أن في ولوغ الكلب لا يجب التعدد إلا إذا غسل بالماء القليل لاختصاص الموثقة له و إطلاقات الأمر بالغسل في الماء غير القليل تبقى بحالها. و أما في ولوغ الخنزير فيجب فيه الغسل سبع مرات بلا فرق في ذلك بين الغسل بالماء القليل و بين الغسل بغيره و ذلك لإطلاق الصحيحة المتقدمة فلاحظ.

(1) لموثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) .. اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات (1).

(2) لعدم الدليل عليه فان الصحيحة المتقدمة غير مقيدة بالتعفير و قد حكي عن الشيخ في الخلاف إلحاق الخنزير بالكلب مستدلا عليه بتسميته كلبا في اللغة و معه لا بد من القول بوجوب التعفير فيه. و فيه ان الخنزير ليس من الكلب في شيء فلو أطلق عليه أحيانا في بعض الموارد فهو إطلاق مجازي بلا ريب و لا يمكن معه اسراء حكم الكلب إليه.

(3) لموثقة عمار عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الإناء يشرب فيه النبيذ فقال تغسله سبع مرات و كذلك الكلب (2) و موثقته الأخرى عنه (عليه السلام) .. في

____________

(1) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 30 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

58

كسائر الظروف في كفاية الثلاث (1).

____________

قدح أو إناء يشرب فيه الخمر قال: تغسله ثلاث مرات. (1) لان مقتضى الجمع بينهما هو الحكم بوجوب الغسل في ظروف الخمر ثلاث مرات و استحباب غسلها سبعا و الجمع بينهما بذلك هو الذي يقتضيه الفهم العرفي في أمثال المقام و أما الأخذ بالأكثر بأن يؤخذ بالثلاثة التي دلت عليها إحداهما و تضاف عليها الأربعة التي تضمنتها رواية السبع لتكون النتيجة وجوب الغسل في ظروف الخمر سبع مرات فلا يراه العرف جمعا بين الدليلين.

(1) ما افاده (قده) من أن ظروف الخمر كسائر الظروف المتنجسة مما لا يمكن المساعدة عليه و ذلك لان وجوب الغسل ثلاث مرات في سائر الأواني المتنجسة انما يختص بغسلها في الماء القليل و أما إذا غسلت بالماء العاصم فقد تقدمت الإشارة إلى انه لا يعتبر فيه التعدد بل يكفي غسلها فيه مرة واحدة كما يأتي تفصيله عن قريب و ذلك لمكان الإطلاقات الواردة في غسل الإناء المقتضية لكفاية الغسل مرة واحدة و انما رفعنا عنها اليد بتقييدها ثلاث مرات لموثقة عمار المتقدمة و هي خاصة بالماء القليل فالاطلاقات المقتضية لكفاية المرة الواحدة في الماء العاصم بحالها.

و هذا بخلاف الظروف المتنجسة بالخمر لان مقتضى الجمع بين الموثقتين المتقدمتين وجوب غسلها ثلاث مرات مطلقا بلا فرق في ذلك بين غسلها بالماء القليل أو بالماء العاصم كما أن بذلك نرفع اليد عن المطلقات المقتضية لكفاية مطلق الغسل في الأواني المتنجسة بالخمر و «منها» صدر الموثقة حيث قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خل أو كامخ أو زيتون؟

____________

(1) المروية في ب 51 من النجاسات و 30 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

59

(مسألة 8) التراب الذي يعفّر به يجب أن يكون طاهرا قبل الاستعمال (1)

____________

قال: إذا غسل فلا بأس بناء على انها في مقام البيان من هذه الجهة.

(1) قد يقال- كما قيل- إن الوجه في ذلك هو انصراف النص إلى الغسل بالطاهر من التراب إلا انه من الفساد بمكان لعدم الفرق بين النجس و الطاهر فيما هو المستفاد من النص- لو لم ندع أن الغالب في التعفير هو التعفير بالتراب النجس.

فالصحيح في المقام أن يقال: إن الغسل بالتراب ان أريد به مسح الإناء بالتراب- كما هو أحد المحتملين في معني الغسل به- من دون اعتبار مزجه بالماء فلا مانع من اعتبار الطهارة في التراب حينئذ إما لأجل ما هو المرتكز في الأذهان من عدم كفاية الغسل أو المسح بالمتنجس في التطهير متفرعا على القاعدة المعروفة من أن فاقد الشيء لا يكون معطيا له فالتراب المتنجس لا يوجب طهارة الإناء المغسول به و إما لأجل أن التراب طهور للإناء و قد مر أن الطهور هو ما يكون طاهرا في نفسه و مطهرا لغيره فالتراب النجس لا يطهر الإناء.

و أما إذا أريد به الغسل حقيقة باستعانة التراب كما هو الحال في مثل الغسل بالصابون و نحوه لما تقدم من ان معني ذلك ليس هو مسح المغسول بالصابون- مثلا- و انما معناه غسله بالماء باستعانة الصابون فلا وجه لاعتبار الطهارة في التراب و ذلك لان التراب ليس بطهور للإناء حينئذ و انما مطهره الماء.

و توضيحه: ان التراب الذي يصب في الإناء و يصب عليه مقدار من الماء ثم يمسح به الإناء لا بد من أن يزال أثره بالماء بعد المسح لوضوح أن مجرد مسح الإناء بالطين اى بالتراب الممتزج بالماء- من غير أن يزال أثره بالماء لا يسمى تعفيرا و غسلا بالتراب و عليه فهب ان التراب متنجس و الماء الممتزج به أيضا قد تنجس بسببه إلا أن الإناء يطهر بعد ذلك بالماء الطاهر الذي لا بد

60

(مسألة 9) إذا كان الإناء ضيقا لا يمكن مسحه بالتراب فالظاهر كفاية (1) جعل التراب فيه و تحريكه إلى أن يصل إلى جميع أطرافه. و أما إذا كان مما لا يمكن فيه ذلك (2) فالظاهر بقاؤه على النجاسة أبدا (3) إلا عند من يقول بسقوط التعفير في الغسل بالماء الكثير.

____________

من صبه على الإناء لإزالة اثر التراب عنه- و هو جزء متمم للتعفير- ثم يغسل بالماء مرتين ليصير مجموع الغسلات ثلاثا فالمطهر هو الماء و هو طاهر في الغسلات الثلاث و معه لا موجب لاعتبار الطهارة في التراب، و من هنا ذكرنا في التعليقة أن اشتراط الطهارة في تراب التعفير مبني على الاحتياط.

(1) لان معنى الغسل بالتراب هو إيصال التراب إلى جميع أجزاء المغسول به سواء أ كان ذلك بواسطة اليد أو بالخشبة أو بتحريك الإناء. نعم مجرد التلاقي لا يكفي في تحقق الغسل بالتراب بل لا بد من وصوله إليه بالضغط فلا يعتبر فيه المسح أو الدلك و ما عبر به هو (قده) و عبرنا به من المسح لا يخلو عن مبالغة، و عليه فلو فرضنا أن الإناء ضيق على نحو لا يدخل فيه اليد أو الإصبع مثلا فلا مانع من تطهيره بإيصال التراب الى جميع أجزائه بخشبة أو بجعل مقدار من التراب فيه ثم تحريكه شديدا.

(2) الظاهر أن ذلك مجرد فرض لا واقع له و على تقدير الوقوع لا بد من فرضه فيما إذا كان فم الإناء وسيعا أولا بحيث يتمكن الكلب من الولوغ فيه ثم عرضه الضيق إذ لا يتصور الولوغ فيما لم يمكن صب التراب فيه لضيق فمه.

(3) لأن الأمر بتعفير ما اصابه الكلب- في الصحيحة- ليس من الأوامر النفسية حتى تسقط بالتعذر و انما هو إرشاد إلى نجاسة الإناء و الى طهارته بالتعفير فوزانه وزان الجملة الخبرية كقولنا: يتنجس الإناء بالولوغ و يطهر بالتعفير. و بما انه مطلق فمقتضاه بقاء الإناء على نجاسته إلى ان يرد عليه

61

(مسألة 10) لا يجري حكم التعفير في غير الظروف (1) مما تنجس بالكلب و لو بماء ولوغه أو بلطعه.

____________

المطهر و هو التعفير فإذا فرضنا عدم التمكن منه يبقى على النجاسة إلى الأبد.

فما في طهارة المحقق الهمداني (قده) من أن المتبادر من مثل قوله (عليه السلام) اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء ليس إلا إرادته بالنسبة إلى ما أمكن فيه ذلك فالاوانى التي ليس من شأنها ذلك خارجة عن مورد الرواية. مما لا ترى له وجها صحيحا.

(1) لأن العمدة في المقام انما هو صحيحة البقباق و هي انما دلت على وجوب التعفير في فضل الكلب، و الفضل و إن كان بمعنى الباقي من المأكول و المشروب و هو بإطلاقه يشمل ما إذا كان ذلك في الإناء و ما إذا كان في غيره إلا أن الضمير في قوله (عليه السلام) «و اغسله بالتراب ..» غير ظاهر المرجع لجواز رجوعه إلى كل ما اصابه الفضل من الثياب و البدن و الفرش و غيرها كما يحتمل رجوعه إلى مطلق الظروف المشتملة على الفضل و لو كان مثل يد الإنسان فيما إذا اغترف الماء بيده و شرب منه الكلب أو الصندوق المجتمع فيه ماء المطر أو غيره إذا شرب منه الكلب، كما يمكن رجوعه إلى كل ما جرت العادة بجعل الماء فيه لكونه معدا للأكل و الشرب منه- و هو المعبر عنه بالإناء- دون مطلق الظروف الشاملة لمثل اليد و الصندوق بل الدلو فإنه أعدّ لان ينزح به الماء لا لأن يشرب منه و هكذا غيرها مما لم تجر العادة بجعل الماء فيه لعدم إعداده للأكل و الشرب منه و حيث ان مرجع الضمير غير مصرح به في الصحيحة و هو يحتمل الوجوه المتقدمة فلا مناص من ان يقتصر فيه على المقدار المتيقن منه و هو الظروف التي جرت العادة بجعل الماء أو المأكول فيها لكونها معدة لذلك دون مطلق الظروف و لا مطلق ما يصيبه الفضل كمثل الثوب و البدن و غيرهما مما لم يقل أحد بوجوب

62

نعم لا فرق بين أقسام الظروف في وجوب التعفير حتى مثل الدلو (1) لو شرب الكلب منه، بل و القربة و المطهرة و ما أشبه ذلك.

(مسألة 11) لا يتكرر التعفير (2) بتكرر الولوغ من كلب واحد أو أزيد بل يكفي التعفير مرة واحدة.

____________

التعفير فيه و عليه فالحكم يختص الإناء و لا يأتي في غيره.

و يؤيد ما ذكرناه ورود لفظة الإناء في النبويات و الفقه الرضوي المتقدمة و ان لم نعتمد عليها لضعفها.

(1) قدمنا ان الحكم يختص بالظروف المعدة للأكل و الشرب منها و لا يشمل مطلق الظروف كالدلو و نحوه لأنه أعدّ لان ينزح به الماء و لم يعد للأكل أو الشرب منه.

(2) مقتضى القاعدة- على ما حققناه في محله- و إن كان عدم التداخل عند تكرر السبب إلا أن ذلك خاص بالواجبات نظير كفارة الإفطار في نهار رمضان فيما إذا جامع- مثلا- مرتين أو جامع و اتى بمفطر آخر فإن القاعدة تقتضي وجوب الكفارة حينئذ مرتين.

و أما في موارد الأوامر الإرشادية و غير الواجبات- التي منها المقام- فلا مناص فيها من الالتزام بالتداخل و ذلك لان الأوامر الإرشادية كالجملات الخبرية ليس فيها اقتضاء للوجود عند الوجود حتى يلتزم بعدم التداخل كما في الأوامر المولوية. بل مقتضى إطلاقها التداخل و عدم الفرق في ترتب الحكم على موضوعه بين تحقق السبب و الموضوع مرة واحدة و بين تحققهما مرتين أو أكثر فعلى ذلك إذا شرب الكلب من إناء مرتين أو شرب منه كلبان- مثلا- لم يجب تعفيره إلا مرة واحدة كما هو الحال في غيره من النجاسات لوضوح أن البول- مثلا- إذا أصاب شيئا مرتين لم يجب تطهيره متعددا هذا.

63

(مسألة 12) يجب تقديم التعفير على الغسلتين (1) فلو عكس لم يطهر.

(مسألة 13) إذا غسل الإناء بالماء الكثير لا يعتبر فيه التثليث (2) بل يكفي مرة واحدة حتى في إناء الولوغ.

____________

على أن الموضوع للحكم بوجوب التعفير في الصحيحة هو الفضل و عدم تعدده بتعدد الشرب غير خفي و معه لا وجه لتكرر التعفير عند تكرر الولوغ فبذلك اتضح أن الوجه فيما افاده الماتن (قده) من عدم تكرر التعفير بتكرر الولوغ هو ما ذكرناه لا الإجماع المدعى- كما قيل-

(1) لانه مقتضى الصحيحة المتقدمة حيث ورد فيها «و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء» و قد أشرنا سابقا إلى أن ما حكي عن المفيد (قده) من أن الإناء يغسل من الولوغ ثلاثا وسطاهن بالتراب أو إحداهن بالتراب كما عن محكي الخلاف و الانتصار من دون تخصيصه بالغسلة الأولى مما لا دليل عليه.

(2) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:

«أحدهما»: في تطهير الإناء لمتنجس بغير الولوغ- كالمتنجس بالخمر أو بولوغ الخنزير أو موت الجرذ فيه- و غيره من المتنجسات التي يعتبر فيه التعدد كالثوب المتنجس بالبول حيث يجب غسله مرتين و يقع الكلام فيه في انه إذا غسل بالماء العاصم من الكر و الجاري و المطر فهل يعتبر فيه ذلك العدد كما إذا غسل بالماء القليل أو يكفي فيه الغسل مرة واحدة؟

التحقيق أن المتنجسات المعتبر فيها العدد لا يفرق الحال في تطهيرها بين الغسل بالماء القليل و غسلها بغيره من المياه المعتصمة و ذلك لإطلاق ما دل على وجوب غسلها متعددا فان تقييده بالغسل بالماء القليل مما لم يقم عليه دليل و معه لا بد من اعتبار العدد في تطهيرها مطلقا.

هذا و لكن المعروف بينهم سقوط التعدد في الغسل بغير الماء القليل بل

64

..........

____________

ظاهر الكلام المحكي عن الشهيد (قده) أن المسألة كالمتسالم عليها عندهم حيث قال: «لا ريب في عدم اعتبار العدد في الجاري و الكثير ..» و إنما الكلام في مدرك ذلك. و قد استدلوا عليه بوجوه:

«الأول»: دعوى انصراف ما دل على اعتبار التعدد إلى الغسل بالقليل و مع عدم شموله الغسل بالماء الكثير و نحوه لا مناص من الرجوع فيه إلى المطلقات و هي تقتضي كفاية الغسل مرة واحدة.

و فيه ان دعوى الانصراف لا منشأ لها غير غلبة الوجود لغلبة الغسل بالماء القليل فان الأحواض المعمولة في زماننا لم تكن متداولة في تلك العصور و انما كان تطهيرهم منحصرا بالمياه القليلة إلا بالإضافة إلى سكنة السواحل و أطراف الشطوط، و قد ذكرنا في محله أن غلبة الوجود غير مسببة للانصراف و لا سيما إذا كان المقابل أيضا كثير التحقق في نفسه كما هو الحال في المقام لان الغسل بالماء الكثير أيضا كثير كما في البراري و الصحار و لا سيما في أيام الشتاء لكثرة اجتماع المياه- الناشئة من المطر و غيره- في الغدران حينئذ فدعوى الانصراف ساقطة.

«الثاني: ما أرسله العلامة في المختلف عن أبي جعفر (عليه السلام) مشيرا إلى ماء في طريقه: إن هذا لا يصيب شيئا إلا طهره .. (1) فإنه يدل على ان مجرد الإصابة كاف في التطهير بالماء الكثير من غير توقفه على الغسل فضلا عن تعدده فان للحديث نوع حكومة و نظر على الأدلة القائمة على لزوم الغسل في المتنجسات و يدفعه أن الرواية ضعيفة بإرسالها و دعوى أنها منجبرة بعمل الأصحاب غير قابلة للإصغاء إليها لأنا لو قلنا بانجبار الرواية الضعيفة بعمل الأصحاب على طبقها فإنما هو في غير المقام لان هذه الرواية ليس لها عين و لا أثر في جوامع

____________

(1) تقدم نقله عن المستدرك في ص 20.

65

..........

____________

الاخبار و لا في كتب الاستدلال قبل العلامة (قده) فأين كانت الرواية قبله؟

و هو انما ينقلها عن بعض علماء الشيعة و لا ندري انه من هو؟ نعم قيل إن مراده ابن أبي عقيل إلا انه مجرد حكاية لم تثبت مطابقتها للواقع لاحتمال ارادة غيره فالرواية مرسلة و غير قابلة للانجبار بعملهم.

«الثالث» مرسلة الكاهلي «كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر» (1) حيث دلت على كفاية مجرد الرؤية في التطهير بماء المطر و بعدم القول بالفصل بينه و بين غيره من المياه العاصمة، يتم المدعى فلا حاجة في التطهير بها إلى تعدد الغسل.

و يندفع هذا «أولا»: بأنها مرسلة و لا يعتمد عليها في شيء و «ثانيا»: بان الاتفاق على عدم الفصل بين المطر و غيره لم يثبت بوجه فان دعواهم ذلك لا يزيد على الإجماع المنقول بشيء. بل الدعوى المذكورة معلومة الخلاف كيف و قد فصلوا بين ماء المطر و غيره بعدم اعتبارهم العصر في الغسل بالمطر بخلاف الغسل بغيره من المياه و هذا كاشف قطعي عن عدم التلازم بينهما في الأحكام فالحكم على تقدير ثبوته خاص بالمطر و لا يمكن تعديته الى غيره.

فلو تنازلنا عن ذلك فغاية الأمر أن نتعدى إلى الجاري فحسب- بناء على أن ماء المطر كالجاري- كما قيل- فان التشبيه على تقدير ثبوته و إن كان من طرف ماء المطر إلا انا ندعي- مما شاة للمستدل- أن الجاري أيضا كالمطر و ان الاحكام المترتبة على أحدهما مترتبة على الآخر إلا أن إلحاق غيره- كالكثير- يحتاج إلى دليل و لا دليل عليه.

«الرابع»: إطلاق أدلة التطهير بالماء كالآيات و الاخبار المتقدمتين في أوائل الكتاب و إطلاق ما دل على أن المتنجس يطهر بغسله من غير تقييده بمرتين أو أكثر على ما تقدم في البحث عن اعتبار التعدد في البول فراجع.

____________

(1) المروية في ب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

66

..........

____________

و يدفعه أن العبرة انما هو بإطلاق دليل المقيد و هو ما دل على لزوم التعدد في غسل الثوب المتنجس بالبول و الإناء المتنجس بالخمر أو بولوغ الخنزير أو بوقوع ميتة الجرذ فيه و مقتضى إطلاقه عدم الفرق في اعتبار التعدد بين غسله بالماء القليل و غسله بالكثير.

«الخامس»: صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة (1) بتقريب ان جملة فإن غسلته في ماء جار فمرة بيان للمفهوم المستفاد من الجملة السابقة عليها أعنى قوله (عليه السلام) الغسلة في المركن مرتين. الذي يدل على لزوم التعدد في غسل المتنجس بالبول بالماء القليل، و يستفاد من مفهومها عدم اعتبار التعدد فيما إذا غسل بغيره من المياه العاصمة بلا فرق في ذلك بين غسله بالماء الكثير و غسله بالجاري و نحوهما مما لا ينفعل بالملاقاة. و أما تعرضه (عليه السلام) للغسل بالجاري دون الكثير فلعله مستند إلى قلة وجود الماء الكثير في عصرهم (عليهم السلام) فالتصريح بكفاية المرة في الجاري لا دلالة له على اختصاص الحكم به بل الجاري و غيره من المياه العاصمة سواء و التعدد غير معتبر في جميعها.

و هذه الدعوى كما ترى مجازفة و لا مثبت لها لأنها ليست بأولى من عكسها فلنا ان نعكس الدعوى على المدعي بتقريب أن جملة «اغسله في المركن مرتين» تصريح و بيان للمفهوم المستفاد من الجملة المتأخرة عنها أعنى قوله (عليه السلام) فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة. إذا تدلنا الصحيحة على أن الغسلة الواحدة تكفي في الجاري خاصة و لا تكفي في غيره من المياه بلا فرق في ذلك بين الماء القليل و الكثير و انما صرح بالغسل بالقليل دون الكثير من جهة قلة وجود الكر في عصرهم (عليهم السلام) لانه لم يكن يوجد وقتئذ إلا في الغدران الواقعة في الصحاري

____________

(1) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

67

..........

____________

و القفار فالاحتمالان متساويان و لا يمكن الاستدلال بالصحيحة على أحدهما، فالصحيح أن الصحيحة لا تعرّض لها على كفاية المرة في الغسل بالكثير إثباتا و لا نفيا «السادس»: ما ورد في صحيحة داود بن سرحان (1) من أن ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري. و تقريب دلالتها على المدعى أن المياه الكائنة في الحياض الصغار- مع انها ماء قليل- انما نزلت منزلة الماء الجاري الذي يكفي فيه الغسل مرة واحدة لاعتصامها بمادتها اعنى الماء الموجود في الخزانة و هو كثير إذا فنفس المادة التي هي الماء الكثير أولى بأن تنزل منزلة الجاري في كفاية الغسل مرة واحدة و على ذلك فالكثير كالجاري بعينه و لا يعتبر فيه التعدد.

و يرد على هذا الاستدلال أن التنزيل في الصحيحة انما هو بلحاظ الاعتصام و هو الذي نطقت به جملة من الروايات و ليس من جهة أن ماء الحمام حكمه حكم الجاري مطلقا حتى يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على الجاري:

و توضيحه: أن المياه الكائنة في الحياض الصغار في الحمامات ماء قليل ينفعل بملاقاة النجس لا محالة و كونها متصلة بالماء الكثير في موادها لا يوجب التقوي لدى العرف لعدم تقوى الماء السافل بالعالي حسب الارتكاز كما أن النجاسة لا تسرى من السافل الى العالي لأنهما ماءان متغايران عرفا و معه فمقتضى القاعدة انفعال الماء في الأحواض الصغار و لأجل هذه الجهة سألوهم (عليهم السلام) عن حكمها و انها تنفعل بالملاقاة أولا تنفعل فأجابوا (عليهم السلام) انها معتصمة لاتصالها بالمواد فالسؤال عن حكمها انما هو من جهة أن اعتصامها على خلاف القاعدة و التشبيه بالجاري في كلامهم (عليهم السلام) لدفع توهم الانفعال ببيان ان مياه الأحواض الصغار لا تنفعل بالملاقاة لا ان حكمها حكم الجاري مطلقا حتى يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على الجاري فالصحيح عدم الفرق في الموارد التي اعتبر فيها التعدد

____________

(1) المروية في ب 7 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

68

..........

____________

بين الغسل بالماء القليل و الغسل بالكثير.

نعم خرجنا عن ذلك في خصوص غسل المتنجس بالبول في الجاري للصحيحة المتقدمة المشتملة على قوله (عليه السلام) «فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة» هذا كله في هذا المقام.

و «ثانيهما»: الإناء المتنجس بالولوغ و أنه إذا غسلناه بالماء العاصم فهل يعتبر فيه التعدد أو يكفي فيه الغسل مرة؟

و قد نسب القول بالتعدد إلى جماعة في المقام إلا أن الصحيح عدم الاعتبار كما افاده الماتن (قده) و ذلك لما قدمناه من أن موثقة عمار الآمرة بغسل الإناء المتنجس ثلاث مرات مختصة بالماء القليل فان صب الماء فيه و تفريغه لا يتحقق عادة إلا في القليل و بها قيدنا المطلقات المقتضية للاجتزاء بالغسلة الواحدة في الماء القليل.

و أما الغسل بالمياه العاصمة فمقتضى إطلاق صحيحتي البقباق و محمد بن مسلم كفاية الغسل مرة واحدة و لم يرد عليهما ما يقتضي التقييد في الكثير و نحوه فلا موجب لرفع اليد عن إطلاقهما حينئذ في غير الماء القليل. نعم إذا بنينا على أن صحيحة البقباق مشتملة على كلمة «مرتين» بعد قوله ثم بالماء كما نقله المحقق (قده) كان اللازم اعتبار التعدد حتى في الغسل بالمياه العاصمة لإطلاق الصحيحة و عدم اختصاصها بالماء القليل. و لكن الزيادة لم تثبت كما مر إذ لا اثر منها في الجوامع المعتبرة و الكتب الفقهية.

و تعيّن الأخذ بالزيادة- عند دوران الأمر بين احتمالي الزيادة و النقيصة نظرا إلى أن احتمال الغفلة في طرف الزيادة أضعف و أهون من احتمالها في طرف النقيصة لأن الناقل قد يغفل فيترك شيئا و ينقصه و أما انه يغفل فيزيد فهو احتمال ضعيف- لو تم فإنما هو في الموارد التي كان احتمال الغفلة في طرف الزيادة

69

نعم الأحوط عدم سقوط التعفير فيه، بل لا يخلو عن قوة (1) و الأحوط التثليث حتى في الكثير.

____________

ضعيفا و أهون.

و أما إذا كان احتمال الغفلة و الاشتباه في طرف الزيادة أقوى و أكد- كما في المقام- لتفرد المحقق في نقلها فلا وجه لتعين الأخذ بالزيادة بوجه، و المحقق (قده) و إن كان من أجلاء أصحابنا إلا أن تفرده في نقل الزيادة يؤكد احتمال الغفلة في نقلها إذا لا مثبت للتعدد في غسل الإناء المتنجس بالولوغ بالمياه العاصمة

(1) ما أفاده (قده) في هذه المسألة مناقض صريح لما مر منه (قده) في أوائل الكتاب من جعله التعفير في الولوغ من شرائط التطهير بالماء القليل إلا انه في المقام ذهب إلى اشتراطه في الغسل بالكثير أيضا و هما أمران متناقضان و قد أشرنا إلى المناقضة أيضا هناك و الصحيح ما أفاده في المقام.

و ذلك لإطلاق صحيحة البقباق و عدم اختصاصها بالماء القليل فالتعفير معتبر في كل من الغسل بالماء الكثير و القليل. و أما الغسل بالمطر فهل يعتبر فيه التعفير أيضا أولا يعتبر؟ مقتضى مرسلة الكاهلي. كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر (1) عدم اعتباره في الغسل بالمطر لدلالتها على كفاية مجرد الرؤية في تطهير المتنجسات سواء أ كان المتنجس إناء الولوغ أم غيره. و مقتضى صحيحة البقباق المتقدمة اعتباره مطلقا حتى في الغسل بالمطر فهما متعارضتان في غسل إناء الولوغ بالمطر و النسبة بينهما عموم من وجه.

فقد يقال حينئذ بعدم اعتبار التعفير في الغسل بالمطر نظرا إلى أن المتعارضين يتساقطان بالمعارضة و معه لا يبقى هناك ما يقتضي التعفير في الغسل بالمطر و يكفي في الحكم بعدم الوجوب عدم الدليل عليه أو يرجح المرسلة على

____________

(1) المروية في ب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

70

(مسألة 14) في غسل الإناء بالماء القليل يكفي صب الماء فيه و إدارته إلى أطرافه ثم صبه على الأرض ثلاث مرات كما يكفي أن يملأه ماء ثم يفرغه ثلاث مرات (1).

____________

الصحيحة من جهة أن دلالتها بالعموم و دلالة الصحيحة بالإطلاق، و العموم متقدم على الإطلاق عند المعارضة و النتيجة على كلا التقديرين عدم وجوب التعفير في الغسل بالمطر هذا.

و لكن الصحيح أن الولوغ يعتبر التعفير فيه حتى إذا غسل بالمطر.

و ذلك أما «أولا»: فلأجل أن الرواية ضعيفة بإرسالها و لا يعتمد على المرسلة بوجه فالصحيحة غير معارضة بشيء.

و أما «ثانيا»: فلان الظاهر من المرسلة أنها ناظرة إلى بيان أن الغسل بالمطر لا يعتبر فيه انفصال الغسالة و ان شئت قلت ان التطهير بالمطر لا يعتبر فيه الغسل لأنه- لغة- متقوم بخروج الغسالة و انفصالها فلا غسل بدونه و من هنا اعتبرناه في التطهير بكل من الماء القليل و الكثير و المرسلة دلتنا على أن المطر يكفي رؤيته في تطهير المتنجسات من غير حاجة الى غسلها و إخراج غسالتها.

و أما أن التعفير أو غيره من الشرائط المعتبرة في التطهير بغير المطر لا يعتبر في التطهير به فدون استفادته من المرسلة خرط القتاد و عليه فالتعفير معتبر في إناء الولوغ مطلقا بلا فرق في ذلك بين الغسل بالماء القليل و الغسل بالكثير أو المطر أو غيرهما من المياه.

(1) ورد في موثقة عمار المتقدمة الأمر بتحريك الإناء عند تطهيره بعد صب الماء فيه و من هنا وقع الكلام في أن تحريك الإناء هل له موضوعية في تطهير الإناء أو انه انما ذكر مقدمة لإيصال الماء إلى أجزائه بحيث لو أوصلناه إليها بتوسط أمر آخر من دون تحريكه كفى في تطهيره كما إذا

71

(مسألة 15) إذا شك في متنجس أنه من الظروف حتى يعتبر غسله ثلاث مرات أو غيره حتى يكفي فيه المرة فالظاهر كفاية المرة (1).

____________

أملأناه ماء؟

الذي يستفاد من الأمر بتحريك الإناء في الموثقة حسب المتفاهم العرفي أنه طريق إلى إيصال الماء إلى أجزاء الإناء و لا موضوعية له في تطهيره. و إن استشكل فيه صاحب الجواهر (قده) نوع اشكال جمودا على ظاهر الموثقة إلا أن مقتضى الفهم العرفي ما ذكرناه، و من المستبعد أن يفصل في تطهير الأواني بين ما يمكن أن يستقر فيه الماء على نحو يمكن تحريكه و مالا يستقر فيه الماء و لا يمكن تحريكه كما إذا كان مثقوبا من تحته بحيث لا يبقى الماء فيه فهل يحكم ببقائه على النجاسة فيما إذا أوصلنا الماء إلى جميع اجزائه لغزارته؟! و المتحصل أن الماء الملاقي للإناء كالغسالة يقتضي طهارته بالانفصال عنه

(1) الشك في أن المتنجس من الظروف و الأواني ليجب غسله ثلاثا أو سبعا أو انه من غيرهما ليكتفى في تطهيره بالغسلة الواحدة يتصور على نحوين:

فتارة يشك في ذلك من جهة الشبهة المفهومية لتردد مفهوم الإناء بين الأقل و الأكثر كما إذا شككنا في أن الطست- مثلا- هل يطلق عليه الإناء أو انه خارج عن حقيقته لعدم كونه معدا للأكل و الشرب منه.

و أخرى يشك فيه من جهة الشبهة الموضوعية لعمى أو ظلمة و نحوهما.

أما إذا شك فيه من جهة الشبهة المفهومية فيكتفى في تطهيره بالغسلة الواحدة و ذلك لما حررناه في محله من أن تخصيص اىّ عام أو مطلق و إن كان موجبا لتعنون العام المخصص بعنوان عدمي إذا كان العنوان المأخوذ في دليل المخصص عنوانا وجوديا، لاستحالة الإهمال في مقام الثبوت فاما أن يكون الموضوع في دليل العام مطلقا بالإضافة إلى العنوان الوارد في دليل الخاص.

72

..........

____________

و إما أن يكون مقيدا بوجوده أو بعدمه.

و الإطلاق و التقييد بالوجود لا معنى لهما مع التخصيص فيتعين أن يكون مقيدا بعدم ذلك العنوان الوارد في دليل المخصص و لا يفرق في ذلك بين العموم اللفظي و غيره فان المدار انما هو على ما يستفاد منه عموم الحكم و سريانه سواء كان لفظيا أم غيره.

إلا أن هذا التقييد أعنى تخصيص المطلق أو العام و رفع اليد عن إطلاقه أو عمومه انما هو بمقدار ما قامت عليه الحجة و الدليل. و أما الزائد المشكوك فيه فالحكم فيه هو الإطلاق أو العموم إذا عرفت هذا فنقول:

إن العمومات و الإطلاقات دلتا على كفاية الغسلة الواحدة في تطهير المتنجسات كقول (عليه السلام) في موثقة عمار: و اغسل كلما اصابه ذلك الماء .. (1)

و قد ورد عليهما التخصيص بالإناء لوجوب غسله ثلاثا أو سبعا و حيث انه مجمل على الفرض فيؤخذ منه بالمقدار المتيقن و هو الأفراد التي يصدق عليها عنوان الظرف و الإناء لأنها مما قامت الحجة على خروجها عن العام فيتقيد بعدمه.

و أما ما يشك في صدق الإناء عليه و هو المقدار الزائد المشكوك فيه فيرجع فيه إلى عموم العام أو إطلاقه لعدم قيام الحجة القطعية على خروجه عن العام حتى يتقيد بعدمه. و مقتضى العموم أو الإطلاق كفاية الغسل مرة واحدة.

و أما إذا شك فيه من جهة الشبهة الموضوعية فلا مجال فيه للتمسك بعموم العام أو إطلاقه لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية لتردده بين دخوله تحت احدى الحجتين فهل يتعين حينئذ الرجوع إلى استصحاب بقاء النجاسة فيما يشك في كونه ظرفا بعد غسله مرة واحدة- بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية- أو أن هناك أصلا آخر ينقح به الموضوع.

____________

(1) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

73

(مسألة 16) يشترط في الغسل بالماء القليل انفصال الغسالة على المتعارف (1) ففي مثل البدن و نحوه مما لا ينفذ فيه الماء يكفي صب الماء عليه، و انفصال معظم الماء، و في مثل الثياب و الفرش مما ينفذ فيه الماء لا بد من عصره (2) أو ما يقوم مقامه كما إذا داسه برجله أو غمزه بكفه، أو نحو ذلك، و لا يلزم انفصال تمام

____________

التحقيق هو الثاني لاستصحاب عدم كون الموجود الخارجي المشكوك فيه إناء، و لا يبتني هذا الأصل على جريان الأصل في الأعدام الأزلية بوجه لأن جريان الأصل فيها و ان كان هو الصحيح إلا أن الأصل الجاري في المقام انما يجري في العدم النعتي دون الأزلي و ذلك لأن الظرف و الإناء لا يتكون إناء من الابتداء بل انما يتشكل بشكل الإناء بعد كونه مادة من الخزف أو الصفر أو النحاس أو نحوها و عليه فيصح أن يقال ان هذا الجسم الخارجي لم يكن إناء في زمان قطعا و الأصل انه الآن كما كان فمقتضى الاستصحاب الجاري في العدم النعتي أن المشكوك فيه ليس بإناء.

نعم إذا فرضنا ظرفا مخلوق الساعة بإعجاز و نحوه و شككنا في أنه إناء أو غيره لم يجر فيه استصحاب العدم النعتي إذ لا حالة سابقة له و ينحصر الأصل حينئذ باستصحاب العدم الأزلي فما أفاده الماتن (قده) من كفاية الغسلة الواحدة فيما شك في كونه إناء هو الصحيح.

(1) لأن عنوان الغسل يتوقف صدقه على انفصال الغسالة عن المغسول لوضوح انه لو أخذ كفه و صب الماء عليه بحيث لم تنفصل عنها الغسالة لم يصدق انه غسل يده.

(2) لما مر من أن انفصال الغسالة معتبر في تحقق الغسل و هي فيما يرسب فيه الماء و ينفذ في أعماقه لا تنفصل إلا بعصره فالعصر أيضا معتبر في تحقق مفهوم الغسل و صدقه إلا أنه لا بما هو هو بل بما أنه مقدمة لانفصال الغسالة

74

الماء، و لا يلزم الفرك و الدلك (1) إلا إذا كان فيه عين النجس أو المتنجس

____________

عن المغسول بحيث لو انفصلت بغيره مما يفيد فائدته من فرك أو دلك أو نحوهما كفى في تحقق الغسل و طهارة المغسول.

و ربما يتوهم اعتبار العصر بما هو هو لوروده في حسنة الحسين بن أبي العلاء حيث قال (عليه السلام): «و تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره (1) و يدفعه أن العصر في الحسنة محمول على الاستحباب كما مرت الإشارة إليه سابقا.

على أنه يحتمل أن يكون من جهة الجري مجرى العادة لأن العصر هو الغالب في غسل الثوب و نحوه.

(1) هل يعتبر في التطهير الدلك بعد الغسل؟

قد يقال باعتباره نظرا الى وروده في تطهير الإناء كما في موثقة عمار:

و سئل أ يجز به أن يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرات (2) و نسب اعتباره إلى العلامة (قده) و انه تعدى عن إناء الخمر و أوجب الدلك في مطلق المتنجسات الصلبة.

و يدفعه: أن الموثقة إنما اشتملت على الدلك بعد الصب و لم تدل على لزوم الدلك بعد الغسل كما انها انما وردت في الإناء المتنجس بالخمر لا في مطلق المتنجس بمطلق النجاسات.

و لعل اعتبار الدلك في مورد الموثقة مستند إلى أن للخمر- على ما يدعون- ثخونة- و رسوبا لا تزولان بصب الماء عليه و لا سيما في الأواني المصنوعة من الخشب أو الخزف بل يتوقف على الدلك و عليه فاعتباره في مورد الموثقة مطابق للقاعدة من دون اختصاصه بالإناء المتنجس بالخمر لان المتنجس

____________

(1) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 51 من أبواب النجاسات من الوسائل.

75

و في مثل الصابون و الطين و نحوهما مما ينفذ فيه الماء و لا يمكن عصره فيطهر ظاهره (1) بإجراء الماء عليه، و لا يضره بقاء نجاسة الباطن على فرض نفوذها فيه

____________

لا بد من غسله على نحو يزول عنه عين النجس فان كانت العين مما يزول بالصب أو الغسل فهو و إلا فلا بد من دلكها حتى تزول.

و يدل على ذلك ما ورد في حسنة الحسين بن أبي العلاء حيث سأل عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء .. (1) حيث علل كفاية الصب في التطهير عن البول بأنه كالماء أمر قابل للارتفاع بالصب و إنما لا يكتفى بالصب فيما لا يزول به، فاعتبار الدلك في الموثقة مستند إلى ما ذكرناه و غير مستند إلى اعتباره في تطهير المتنجسات.

و يؤيده بل يدل عليه عدم ورود الأمر بذلك في شيء من الاخبار الواردة في التطهير.

(1) قد تعرض (قده) في هذه المسألة لعدة فروع.

«منها»: تطهير المتنجس الذي لا يرسب فيه الماء و لا ينفذ إلى أعماقه و قد تقدم آنفا أن في تطهيره بالماء القليل يكفي مجرد الصب عليه مشروطا بانفصال الغسالة عنه كما في البدن و نحوه.

و «منها»: تطهير المتنجس الذي يرسب فيه الماء و هو قابل للعصر أو ما يقوم مقامه. و قد عرفت أن في تطهيره بالماء القليل لا بد من صب الماء عليه و عصره أو دلكه أو غيرهما مما ينفصل به الغسالة عن الجسم.

و «منها»: المتنجس الراسب فيه الماء و هو غير قابل للعصر و شبهه كالصابون و الطين و الحنطة و الشعير و نحوهما فقد ذكر (قده) أن إجراء الماء على مثله يكفي في الحكم بطهارة ظاهره و لا يضره بقاء الباطن على نجاسته على

____________

(1) المروية في ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

76

..........

____________

تقدير نفوذها فيه. و هذه المسألة يقع الكلام فيها من جهات ثلاث:

«الأولى»: أن الجسم القابل لان يرسب فيه الماء إذا تنجس ظاهره بشيء فهل يمكن تطهير ظاهره بالماء القليل؟

قد يقال بعدم إمكان ذلك لاشتراط انفصال الغسالة عن المغسول في الغسل بالماء القليل و هذا لا يتحقق في الأجسام غير القابلة للعصر فيما إذا نفذ الماء في جوفها لانه لا ينفصل عن مثلها سوى المقدار غير الراسب في جوفها و مع عدم انفصال الغسالة يبقى المتنجس على نجاسته، لان الماء الكائن في جوفها ماء قليل لاقاه المتنجس و نجسه و هو يوجب نجاسة المغسول لا محالة.

هذا و لا يخفى عدم إمكان المساعدة عليه و ذلك لأنا و إن اشتراطنا انفصال الغسالة في التطهير إلا أن المعتبر إنما هو انفصالها عن الموضع المتنجس المغسول لا عن تمام الجسم بحيث لو انفصلت عن محل الغسل و اجتمعت في مكان أخر من الجسم كفت في طهارة الموضع الذي انفصلت الغسالة عنه- مثلا- إذا غسل الموضع المتنجس من يده و انفصلت الغسالة عنه و اجتمعت في كفه حكم بطهارة ذلك الموضع لا محالة. و كذلك الحال في تطهير الموضع المتنجس من الأرض فإن انفصالها عن موضع الغسل يكفي في طهارته و إن اجتمعت في جانب أخر من الأرض و عليه يكفي انفصال الغسالة عن ظاهر مثل الصابون في الحكم بطهارة ظاهره و ان صارت مجتمعة في جوفه فلا مانع من تطهير الأجسام غير القابلة للعصر بالماء القليل و إن نفذ في جوفها.

«الجهة الثانية»: أن الغسالة النافذة في جوف الأجسام المذكورة هل تنجس بواطنها- بناء على نجاسة الغسالة-؟

التحقيق انها لا تنجس البواطن، لان ما ينفذ في جوفها انما هو من الاجزاء المتخلفة من الغسالة و المتخلف منها محكوم بالطهارة بطهارة المحل، لانه من

77

..........

____________

لوازم الغسل التي يحكم بطهارتها بتماميته.

و ذلك للأمر بغسل المتنجسات و دلالة الروايات على طهارتها بذلك و معه لا مناص من الالتزام بطهارة كل ما هو من لوازم غسلها و تطهيرها و قد عرفت أن بقاء مقدار من الغسالة في المغسول أمر لازم لغسله فنفوذ الغسالة في الأجسام المذكورة لا يوجب نجاسة بواطنها.

«الجهة الثالثة»: ان بواطن الأجسام المذكورة إذا تنجست قبل غسلها و تطهيرها فهل تطهر بصب الماء على ظواهرها بمقدار يصل جوفها؟

فقد يقال بالمنع عن طهارة جوفها بذلك بدعوى: أن الطهارة إنما تحصل بالغسل، و صب الماء على ظاهر الجسم لا يعد غسلا لباطنه بوجه هذا، و الصحيح كفاية ذلك في تطهير بواطن الأجسام لأن غسل كل شيء انما هو بحسبه فرب شيء يكتفى في غسله بصب الماء عليه و انفصال الغسالة عنه كما في البدن و نحوه. و شيء يعتبر فيه عصره و لا يكفى صب الماء عليه، ففي بواطن الأجسام المذكورة يكتفى بصب الماء على ظواهرها إلى أن يصل الماء الطاهر إلى جوفها لانه غسلها. و أما استكشاف أن ذلك يعدّ غسلا للبواطن فهو إنما يحصل بملاحظة كيفية إزالة القذارات لدى العرف فترى أن العرف يكتفي- في تطهير ما وقع في البالوعة و تقذر جوفها لذلك- بصب الماء على ظاهره حتى ينفذ الماء الطاهر في أعماقه. فإذا كان هذا طريق الإزالة لدى العرف فلا مناص من الحكم بكفايته في حصول الطهارة لدى الشرع، لان ما أمر به في الروايات من الغسل انما هو الغسل الذي يكون غسلا لدى العرف. و عليه فمقتضى عموم أو إطلاق ما دل على طهارة المتنجس بغسله طهارة البواطن أيضا بما ذكرناه هذا.

و قد يستدل على طهارة البواطن بصب الماء على ظواهرها بحديث نفى الضرر لأن بقائها على نجاستها ضرر على مالكها، إذ النجاسة مانعة عن أكلها

78

..........

____________

أو استعمالها فيما يشترط فيه الطهارة. و يجاب عنه بان الحديث إنما ينفي الأحكام الضررية التكليفية و لا يعم الأحكام الوضعية التي منها الطهارة و النجاسة.

و هذا الاستدلال و الجواب لا يرجعان إلى محصل:

أما الجواب فاما قدمناه في محله من أن حديثي الرفع و نفي الضرر و كذلك ما دل على نفي العسر و الحرج غير مختصة بالأحكام التكليفية، و من هنا استدلوا على عدم لزوم المعاملة الغبنية بحديث نفي الضرر و لم يستشكل عليهم بعدم جريان الحديث في الأحكام الوضعية.

و اما الاستدلال فلما بيناه في حديث نفي الضرر من انه انما ينظر إلى الأحكام المجعولة في الشريعة المقدسة، و يدل على أن ما يلزم منه الضرر في مورد فهو مرفوع لا محالة و لا نظر لها إلى الأحكام المعدومة بوجه فلو لزم من عدم جعل حكم في مورد ضرر على أحد المكلفين لم يقتض الحديث جعل ذلك الحكم في الشريعة المقدسة، فإن عدم جعل الحكم ليس من الأحكام الضررية، و الأمر في المقام كذلك، لان الضرر إنما ينشأ عن عدم جعل مطهر لتلك الأجسام فالحديث لا يقتضي جعل مطهر لها في الشرع.

نعم لو أرجعنا الحديث إلى منشأ عدم جعل الطهارة للبواطن و هو نجاسة تلك الأجسام صح أن يقال انها حكم ضرري فيرتفع بالحديث إلا أن ارتفاع النجاسة عن الأجسام المذكورة خلاف المقطوع به لليقين بنجاستها على الفرض على أن ذلك خلاف ما نطقت به الاخبار حيث انها تدل على نجاسة جملة من الأمور الموجبة للضرر، كما دل على لزوم اهراق الا باءين الذين وقع في أحدهما غير المعين نجس (1) و ما ورد في نجاسة الدهن بوقوع النجس عليه و انه

____________

(1) راجع حديثي عمار و سماعة المرويتين في ب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

79

و أما في الغسل بالماء الكثير فلا يعتبر انفصال الغسالة (1) و لا العصر (2) و لا التعدد (3) و غيره، بل بمجرد غمسه في الماء بعد زوال العين يطهر، و يكفي

____________

يطرح أو يستصبح به إذا كان ذائبا (1) مع ان نجاسة الماء أو الدهن موجبة للضرر على المكلفين فالصحيح في الحكم بطهارة بواطن الأجسام المذكورة ما ذكرناه من التمسك بالعمومات و المطلقات.

(1) شرع (قده) في أحكام الغسل بالماء الكثير و ذكر أن الأجسام التي لا ترسب فيها النجاسة و لا ينفذ فيها الماء تطهر بوصول الماء الكثير إليها من غير حاجة إلى انفصال غسالتها، و الأمر كما افاده لصدق عنوان الغسل في الأجسام التي لا يرسب فيها الماء بمجرد وصوله إليها من دون أن يتوقف على انفصال الغسالة عنها فلو ادخل يده المتنجسة في الماء الكثير صدق انه غسل يده و ان لم يخرجها عن الماء.

(2) عدم اعتبار العصر و انفصال الغسالة انما هو فيما لا يرسب فيه الماء و لا يمكن عصره. و أما ما ينفذ الماء في جوفه و هو قابل للعصر- كالثياب المتنجسة بالبول و نحوه- فلا يفرق الحال في تطهيره بين غسله بالماء الكثير و غسله بالقليل.

و ذلك لان العصر و إن لم يرد اعتباره في شيء من رواياتنا إلا أنا بينا أن الغسل لا يتحقق بدونه و انه مأخوذ في مفهومه بما هو طريق إلى إخراج الغسالة لا بما هو هو و من هنا نكتفي في تحققه بالدلك و غيره مما يقوم مقامه و معه لا وجه لتخصيص اعتبار العصر بالغسل في القليل.

(3) أي في تطهير الأجسام التي لا ينفذ فيها الماء و قد قدمنا تفصيل الكلام في ذلك و قلنا إن التعدد المدلول عليه في موثقة عمار المقيدة لإطلاقات أدلة الغسل في الأواني انما يختص بالغسل بالماء القليل.

____________

(1) راجع ب 6 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل.

80

في طهارة أعماقه- إن وصلت النجاسة إليها- نفوذ الماء الطاهر (1) فيه في الكثير، و لا يلزم تجفيفه أولا. نعم لو نفذ فيه عين البول- مثلا- مع بقائه فيه يعتبر تجفيفه، بمعنى عدم بقاء مائيته فيه، بخلاف الماء النجس الموجود فيه، فإنه بالاتصال بالكثير يطهر فلا حاجة فيه الى التجفيف.

____________

و أما في الغسل بالكثير فمقتضى الإطلاقات عدم اعتبار التعدد فيه. و أما التعدد المدلول عليه بالمطلقات- كما في التعدد في المتنجس بالبول أو الإناء الذي شرب منه الخنزير أو مات فيه الجرذ- فهو عام لا يختص اعتباره بالغسل بالقليل بل مقتضى الإطلاق وجوب التعدد في كل من القليل و الكثير.

نعم خرجنا عن ذلك في خصوص غسل المتنجس بالبول في ماء جار لصحيحة محمد بن مسلم المصرحة بكفاية الغسل فيه مرة واحدة (1).

(1) تعرض (قده) لحكم الأجسام التي ينفذ فيها الماء و هي غير قابلة لعصر كالصابون و الحنطة و الطين و رأى أن نفوذ الماء الطاهر الكثير في أعماقها كاف في الحكم بطهارتها و ان ما في جوفها إذا كان غير العين النجسة كالماء المتنجس لم يلزم تجفيفها أولا. بل يطهرها مجرد اتصال ما في جوفها بالماء الكثير لكفاية اتصال الماء المعتصم في طهارة الماء المتنجس.

و أما إذا كان ما في جوفها هو العين النجسة- كالبول- فلا مناص من تجفيفها أولا حتى تذهب مائيتها و ان بقيت رطوباتها ثم يوصل الماء الكثير إلى جوفها و ذلك لان العين الموجودة في جوف الأجسام المذكورة مانعة عن وصول الماء المعتصم إليها. هذا ما افاده (قده) في المقام.

و لا يمكن المساعدة عليه لان الموجود في أعماق الأجسام المتنجسة لا يطلق عليه الماء ليكتفي في تطهيره بمجرد اتصاله بالماء الكثير و انما هو رطوبات

____________

(1) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

81

(مسألة 17) لا يعتبر العصر و نحوه (1) فيما تنجس ببول الرضيع و ان كان مثل الثوب، و الفرش و نحوهما، بل يكفي صب الماء عليه مرة على وجه يشمل جميع أجزائه، و ان كان الأحوط مرتين. لكن يشترط أن لا يكون متغذيا، معتادا بالغذاء، و لا يضر تغذيته اتفاقا نادرا، و أن يكون ذكرا لا أنثى على الأحوط، و لا يشترط فيه أن يكون في الحولين، بل هو كذلك ما دام يعد رضيعا غير متغذ، و ان كان بعدهما كما أنه لو صار معتادا بالغذاء قبل الحولين لا يلحقه الحكم المذكور، بل هو كسائر الأبوال،

____________

و المستفاد من صحيحة ابن بزيع و غيرها إنما هو كفاية الاتصال بالماء العاصم في تطهير المياه المتنجسة و أما غيرها فلا دليل على طهارتها بذلك فلا يمكن الحكم بطهارة الرطوبات المتنجسة باتصالها بالماء المعتصم في بعض أطرافها، كما أن الاتصال كذلك بالنجس لا يوجب نجاسة الجميع.

حيث أن النجس إذا لاقى أحد أطراف الجسم الرطب لم يحكم بنجاسة سائر جوانبه بدعوى أن الرطوبات متصلة. فكما أنها لا توجب السراية في ملاقاة الأشياء النجسة كذلك لا توجب سراية الطهارة في موارد الاتصال بالماء الكثير أ ترى أن الجسم الرطب إذا لاقى أحد جوانبه الطاهرة مع الماء العاصم يكفي ذلك في تطهير الجانب النجس منه؟! و عليه فلا بد في تطهير أمثال هذه الأجسام المتنجسة من إبقائها في الماء المعتصم بمقدار يصل إلى جميع أجزائها الداخلية لغلبته على ما في جوفها من الرطوبات أو تحريك الماء في جوفها على نحو تحصل الغلبة.

(1) قدمنا الكلام على ذلك في المسألة الرابعة مفصلا، و تعرضنا هناك لجميع ما تعرض لها الماتن (قده) هنا من الشروط سوى اشتراط كون اللبن من المسلمة و انه إذا كان من الكافرة أو الخنزيرة حكم بوجوب غسله. و يقع

82

و كذا يشترط (1) في لحوق الحكم أن يكون اللبن من المسلمة فلو كان من الكافرة لم يلحقه، و كذا لو كان من الخنزيرة.

____________

الكلام فيها و فيما دل على هذا الاشتراط في التعليقة الآتية فليلاحظ.

(1) قد يقال: الوجه في هذا الاشتراط هو ما يستفاد من التعليل الوارد في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) قال:

لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لان لبنها يخرج من مثانة أمها، و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا من بوله قبل أن يطعم، لان لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين (1).

حيث يستفاد منها أن العلة في الغسل من لبن الجارية و بولها هي نجاسة لبنها لخروجه من مثانة أمها، كما أن العلة في عدم لزوم الغسل من لبن الغلام و بوله طهارة لبنه لانه يخرج من العضدين و المنكبين و بتعليلها هذا يتعدى من موردها إلى كل لبن نجس كلبن الكلبة و الخنزيرة و المشركة و الكافرة فإذا ارتضع به الولد وجب الغسل من بوله.

و هذا الاستدلال مخدوش من جهات:

«الأولى»: أن لازم هذا الكلام هو الحكم بوجوب الغسل من بول الغلام فيما إذا ارتضع بلبن امرأة ولدت جارية، و عدم وجوبه من بول الجارية التي ارتضعت بلبن امرأة ولدت ذكرا، و الوجه في الملازمة ظاهر لأن الجارية حينئذ ارتضعت باللبن الطاهر دون الغلام و قد فرضنا أن نجاسة اللبن هي العلة في الحكم بوجوب الغسل من بول الجارية، و هذا مما لا يلتزم به أحد.

«الثانية»: أن خروج اللبن من المثانة- على تقدير تسليمه- لا يقتضي نجاسته كيف فان المذي و الودي أيضا يخرجان من المثانة من دون أن يحكم

____________

(1) المروية في ب 3 من أبواب النجاسات من الوسائل.

83

..........

____________

بنجاستهما، فان ما خرج من المثانة لم يدل دليل على نجاسته إلا إذا كان بولا أو منيا.

«الثالثة»: أن الرواية لا يحتمل صحبتها و مطابقتها للواقع ابدا للقطع بعدم اختلاف اللبن في الجارية و الغلام من حيث المحل بأن يخرج لبن الجارية من موضع و يخرج لبن الغلام من موضع آخر لان الطبيعة تقتضي خروج اللبن عن موضع معين في النساء بلا فرق في ذلك بين كون الولد ذكرا أو أنثى، فإذا سقطت الرواية عن الحجية من هذه الجهة أعني دلالتها على خروج لبن الجارية من مثانة أمها فلا محالة تسقط عن الحجية في الحكم المترتب عليه و هو الحكم بوجوب الغسل من بول الرضيع فيما إذا ارتضع باللبن النجس.

و «دعوى»: أن سقوط الرواية عن الحجية في بعض مداليلها لا يكشف عن عدم حجيتها في بعض مدلولاتها الأخر لعدم قيام الدليل على خلافه.

«مدفوعة»: بما ذكرناه غير مرة من أن الدلالات الالتزامية تابعة للدلالات المطابقية حدوثا و حجية فإذا سقطت الرواية عن الاعتبار في مدلولها المطابقي سقطت عن الحجية في مدلولها الالتزامي أيضا لا محالة، و حيث أن في الرواية ترتب الحكم بوجوب الغسل من لبن الجارية على خروج لبنها من مثانة أمها و قد سقطت الرواية عن الحجية فيما يترتب عليه ذلك الحكم لعامنا بعدم مطابقته للواقع سقطت عن الحجية في الحكم المترتب أيضا و هو وجوب الغسل من لبن الجارية و بولها.

و ما أشبه دعوى بقاء الرواية على حجيتها في مدلولها الالتزامي بعد سقوطها عن الحجية في المدلول المطابقي باستدلال بعض أهل الخلاف على جواز الجمع بين الفريضتين للمطر و الخوف و المرض- بل و للسفر و نحوه من الاعذار- بما رووه عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من انه جمع بينهما في الحضر من غير عذر و قالوا ان هذه الرواية و ان كان لا بد من طرحها لكونها مقطوعة الخلاف إلا انها تدلنا على

84

(مسألة 18) إذا شك في نفوذ الماء النجس في الباطن في مثل الصابون و نحوه بني على عدمه (1) كما إنه إذا شك بعد العلم بنفوذه في نفوذ الماء الطاهر فيه بني على عدمه (2) فيحكم ببقاء الطهارة في الأول و بقاء النجاسة في الثاني.

(مسألة 19) قد يقال بطهارة الدهن المتنجس إذا جعل في الكر الحار بحيث اختلط معه، ثم أخذ من فوقه بعد برودته لكنه مشكل (3) لعدم حصول العلم بوصول الماء إلى جميع اجزائه، و إن كان غير بعيد إذا غلى الماء مقدارا من الزمان.

____________

جواز الجمع بينهما للمطر و غيره من الأعذار المتقدمة بالأولوية [1].

فإنهم قد أسقطوا الرواية في مدلولها المطابقي عن الاعتبار بدعوى انها مقطوعة الخلاف مع تمسكهم بمدلولها الالتزامي كما عرفت و هو من الغرابة بمكان «الجهة الرابعة»: و هي أسهل الجهات أن الرواية ضعيفة السند فان في طريقها النوفلي عن السكوني، و السكوني و إن كان لا بأس برواياته إلا أن النوفلي ضعيف و لم يوثقه علماء الرجال.

(1) لاستصحاب عدم نفوذ الماء النجس في باطنه.

(2) لاستصحاب عدم نفوذ الماء الطاهر فيه.

(3) و الوجه في ذلك أن الدهن المنتشر في الماء قد تكون اجزاؤه المتفرقة من الدقة و الصغر بمكان يعد عرفا من الاعراض الطارئة على الماء، و إن

____________

[1] الجزء الثاني من المنتقى لابن تيمية الحراني ص 4 ان النبي «ص» جمع بين الظهر و العصر و بين المغرب و العشاء بالمدينة من غير خوف و لا مطر قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ان لا يخرج أمته. قلت: و هذا يدل بفحواه على الجمع للمطر و للخوف و للمرض، و إنما خلف و ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإجماع و لأخبار المواقيت فيبقى فحواه على مقتضاه. انتهى

85

..........

____________

كان في الحقيقة باقيا على جوهريته السابقة على الانتشار إذ الجواهر يمتنع أن يتبدل عرضا، إلا أنه إذا تشتت و صارت أجزاء صغارا عد- بالنظر العرفي- عرضا على الماء، نظير الدسومة السارية من اللحم إلى اليد أو الإناء، فإنها لدقتها و صغارتها معدودة من عوارض اليد و طواري، الإناء و إن كانت- في الحقيقة- جوهرا و قابلا للانقسام إلى اليمين و اليسار و إلى غير ذلك من الجهات بناء على استحالة الجزء الذي لا يتجزأ.

و لا مانع في هذه الصورة من الحكم بطهارة الدهن إذا أخذت أجزاؤه المنتشرة على الماء لكونها مأخوذة من الماء الطاهر على الفرض. و لعل الماتن إلى ذلك أشار بقوله: و إن كان غير بعيد إذا غلى الماء مقدارا من الزمان.

إلا أن هذه الصورة خارجة عن محل الكلام لان البحث إنما هو في طهارة الدهن المتنجس مع بقائه على دهنيته و جوهريته لا فيما إذا انعدم موضوعه بصيرورته من عوارض الماء.

و قد يلقى الدهن المتنجس على الكر فيغلي و بعد ما برد يؤخذ من علا الماء مع بقائه على دهنيته من دون أن يصير من عوارض الماء.

و لا يمكن الحكم بطهارته في هذه الصورة بوجه لان المطهر لا يصل إلى جميع أجزاء الدهن مرة واحدة، و إنما يلاقي الماء جانبا من الاجزاء الدهنية فحسب و لا يلاقي بقية جوانبها، و هذا لا يكفي في الحكم بطهارة الدهن أبدا، لأن الغليان يوجب الانقلاب و به يتبدل الداخل خارجا و بالعكس، و معه إذا طهرنا الجانب الخارج من الدهن بإيصال الكر اليه تنجس بملاقاة الجانب الداخل عند صيرورة الخارج داخلا بالغليان، لعدم وصول المطهر الى الاجزاء الدهنية بجميع جوانبها و أطرافها دفعة واحدة.

نعم إذا انقلب ذلك الجزء الداخل المتنجس خارجا طهر لاتصاله بالكسر

86

(مسألة 20) إذا تنجس الأرز أو الماش (1) أو نحوهما يجعل في وصلة (خرقة) و يغمس في الكر، و ان نفذ فيه الماء النجس يصبر حتى يعلم نفوذ الماء الطاهر الى المقدار الذي نفذ فيه الماء النجس، بل لا يبعد تطهيره بالقليل بان يجعل في ظرف و يصب عليه، ثم يراق غسالته، و يطهر الظرف أيضا بالتبع (2) فلا حاجة الى التثليث فيه و إن كان هو الأحوط. نعم لو كان الظرف أيضا نجسا فلا بد من الثلاث.

____________

و عليه فكل واحد من الاجزاء الخارجية إذا دخل الجوف تنجس، و إذا خرج طهر فلا يحصل بذلك طهارة الدهن كما عرفت.

نعم يمكن تطهير الدهن المتنجس بطريق آخر أشار الماتن إليه في المسألة الرابعة و العشرين و هو بأن يلقى الدهن المتنجس على العجين فيطبخ و إذا صار خبزا سلط الماء عليه بمقدار يصل الى جميع اجزائه و جوانبه.

و الوجه في طهارته بذلك أن الدهن حينئذ من عوارض الخبر لعدم كونه معدودا من الجواهر عرفا، و معه إذا طهرنا الخبز طهرت عوارضه تبعا لا محالة و حاصل هذا الطريق تطهير الادهان المتنجسة بإعدام موضوعها و قلبها عرضا.

(1) قد اتضح حكم هذه المسألة مما أسلفناه في تطهير الصابون و غيره من الأجسام التي ينفذ في جوفها الماء و لا يمكن إخراج غسالتها بعصرها فان الأرز و الماش أيضا من هذا القبيل، و قد بينا أن تطهير تلك الأجسام انما هو بإيصال الماء الطاهر الى جوفها فراجع هذا.

و قد تعرض الماتن في هذه المسألة لحكم فرع أخر- و هو طهارة ظرف المتنجس بالتبع- نتعرض له في التعليقة الآتية فليلاحظ.

(2) ذهب (قده) الى أن المحل الذي يجعل فيه المتنجس لا يحتاج إلى تطهيره بعد غسل المتنجس فيه بل يحكم بطهارة المحل بالتبع فإذا كان ذلك المحل

87

..........

____________

من الأواني و الظروف التي يعتبر في تطهيرها الغسل ثلاث مرات و كانت طاهرة قبل أن يغسل فيها المتنجس لم يجب غسلها ثلاثا نعم إذا كانت متنجسة قبل ذلك لم يكن بد من غسلها ثلاث مرات.

و ذلك لأنها إذا كانت متنجسة سابقا شملها إطلاق موثقة عمار الآمرة بغسل الإناء ثلاث مرات (1) و هذا بخلاف ما إذا كانت طاهرة قبل ذلك فان مقتضى صحيحة محمد بن مسلم «اغسله في المركن مرتين» (2) هو الحكم بطهارة الإناء أيضا لأنها دلت على أن الثوب المتنجس يطهر بغسله في المركن مرتين و لازمة الحكم بطهارة المركن أيضا بذلك و إلا لم يصح الحكم بطهارة الثوب حينئذ لملاقاته المركن و هو باق على نجاسته- على الفرض- فالحكم بطهارة الثوب في الصحيحة يدل بالدلالة الالتزامية على طهارة المركن بالتبع هذا.

و لو سلمنا جواز التفكيك بين المركن و الثوب المغسول فيه من حيث الطهارة و النجاسة فسكوت الامام (عليه السلام) و عدم تعرضه لوجوب غسل المركن بعد الغسلة الاولى و الثانية يدل على طهارة المركن بعد الغسلتين لانه لو كان باقيا على نجاسته لأشار (عليه السلام) إلى وجوب غسله بعد غسل الثوب لا محالة هذا.

و لا يخفى عدم إمكان المساعدة على ذلك بوجه لأن غاية ما هناك أن الصحيحة تقتضي طهارة المركن بالتبع، إلا ان ذلك لا يوجب الحكم بطهارة الأواني التي تغسل فيها المتنجسات و ذلك للعلم بعدم صدق الإناء على المركن بوجه و لا أقل من احتماله، إذ الأواني هي الظروف المعدة للأكل و الشرب فيها فليس كل ظرف بإناء.

و على هذا لم يقم دليل على الطهارة التبعية في مطلق الإناء و انما الدليل

____________

(1) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

88

(مسألة 21) الثوب النجس يمكن تطهيره بجعله في طشت و صب الماء عليه (1) ثم عصره، و إخراج غسالته و كذا اللحم النجس، و يكفي المرة في غير البول و المرتان فيه، إذا لم يكن الطشت نجسا قبل صب الماء (2) و إلا فلا بد من الثلاث. و الأحوط التثليث مطلقا.

(مسألة 22) اللحم المطبوخ بالماء النجس أو المتنجس بعد الطبخ يمكن (3) تطهيره في الكثير، بل و القليل إذا صب عليه الماء، و نفذ فيه إلى المقدار الذي وصل إليه الماء النجس.

____________

قام عليها في خصوص المركن. و هو أجنبي عن الإناء فإطلاق موثقة عمار المتقدمة الآمرة بوجوب غسل الإناء ثلاثا- بالإضافة إلى الأواني التي تغسل فيها المتنجسات- باق بحاله، و هو يقتضي عدم حصول الطهارة لها بالتبع. نعم إذا كان الإناء طاهرا في نفسه و لم تطرأ عليه النجاسة من غير جهة غسله، و كان المغسول فيه مما لا يعتبر فيه التعدد لم يحكم بنجاسة الإناء أصلا- بناء على ما هو الصحيح من أن غسالة الغسلة المتعقبة بالطهارة طاهرة.

(1) اعتبار جعل المتنجس في الطشت أولا ثم صب الماء عليه كاعتباره في المسألة السابقة يبتني على القول باشتراط الورود في التطهير بالماء القليل.

و قد أسلفنا تفصيل الكلام على ذلك في شرائط التطهير بالماء القليل فليراجع.

(2) عرفت في المسألة السابقة أن الظروف التي تغسل فيها المتنجسات لا بد من غسلها ثلاث مرات بعد غسل المتنجس و تطهيره لأن الطهارة التبعية لم يقم عليها دليل في غير المركن كما مر.

(3) ورد في تطهير اللحم المتنجس روايتان:

«إحداهما»: رواية زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير، قال: عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير، قال: يهراق المرق، أو يطعمه

89

..........

____________

أهل الذمة أو الكلب، و اللحم اغسله و كله .. (1) و ظاهرها أن ظاهر اللحم قد تنجس بالنجاسة الواقعة في المرق و أنه إذا غسل بعد ذلك حكم بطهارته.

و «ثانيتهما»: رواية السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فأرة قال: يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل (2) و هذه الرواية ظاهرة في أن اللحم كما انه تنجس ظاهره بملاقاة المرق المتنجس كذلك تنجس باطنه بنفوذ المرق المتنجس في أعماقه لفرض طبخه في ذلك المرق. و بإطلاقها دلت على أن غسل ظاهر اللحم يكفي في تطهيره و جواز اكله بلا فرق في ذلك بين أن يكون باطنه أيضا متنجسا و عدمه، لأنه إذا طهر ظاهره حكم بطهارة الباطن تبعا من دون حاجة إلى اشتراط نفوذ الماء في أعماق اللحم.

و من هنا استدل بعضهم بهذه الرواية على أن البواطن المتنجسة تطهر بالتبع عند غسل ظواهرها.

هذا و فيه أن مورد الرواية انما هو تنجس ظاهر اللحم دون باطنه و ذلك فان اللحم قد يكون جافا كما هو المتعارف في بعض البلاد و مثله إذا طبخ نفذ الماء في جوفه بحيث لو كان الماء متنجسا لا وجب نجاسة باطن اللحم لا محالة.

إلا أن هذه الصورة خارجة عما هو منصرف الرواية حيث أن ظاهرها ارادة اللحم المتعارف غير الجاف.

و اللحم غير الجاف إذا وضع على النار انكمش كانكماش الجلد و به تتصل

____________

(1) المروية في ب 38 من أبواب النجاسات و 26 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(2) المروية في ب 5 من أبواب الماء المضاف و 44 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

90

(مسألة 23) الطين النجس اللاصق بالإبريق يطهر (1) بغمسه في الكر و نفوذ الماء إلى أعماقه، و مع عدم النفوذ يطهر ظاهره، فالقطرات التي تقطر منه بعد الإخراج من الماء طاهرة، و كذا الطين اللاصق بالنعل بل يطهر ظاهره بالماء القليل أيضا بل إذا وصل إلى باطنه بأن كان رخوا طهر باطنه أيضا به.

(مسألة 24) الطحين و العجين النجس يمكن تطهيره (2) بجعله خبزا،

____________

اجزاؤه المنفصلة و تنسد خلله و فرجه، و يندفع ما في جوفه من الماء و الرطوبات إلى خارجه، و لا ينفذ الماء في أعماقه لينجس جوفه و باطنه، و على الجملة أن اللحم الرطب مما لا تسرى النجاسة إلى جوفه فالمتنجس بالمرق حينئذ ليس إلا ظاهره، و مع الغسل بالماء الطاهر يحكم بطهارته لا محالة، فلا دلالة للرواية على طهارة الباطن بالتبع فيما إذا سرت إليه النجاسة على أن الروايتين ضعيفتان بحسب السند فحكم اللحم حينئذ حكم الطين الآتي في التعليقة الآتية.

(1) الطين اللاصق بالإبريق أو الكوز و نحوهما حكمه حكم الصابون و غيره من الأجسام التي ينفذ الماء في أعماقها و لا تنفصل غسالتها بالعصر. و عليه فإذا كان ذلك الطين جافا كفى في تطهيره أن يغمس في الكر أو يصب الماء عليه حتى ينفذ في أعماقه بمقدار نفذ فيه الماء النجس، فان هذا يكفي في صدق الغسل عليه حيث أن غسل كل شيء بحسبه.

و أما إذا كان رطبا فقد تقدم الإشكال في تطهير مثله بالصب أو بإلقائه في الكر. اللهم إلا أن يجفف أو يحرك الماء فيه بمقدار يغلب الماء الطاهر على ما في جوفه من الرطوبات المتنجسة، أو يبقى في الكر بمقدار تحصل به غلبة الماء الطاهر على الرطوبات الكائنة في جوفه.

(2) و حاصله- كما مر- هو إعدام الموضوع الأول و قلبه موضوعا أخر قابلا للطهارة.

91

ثم وضعه في الكر حتى يصل الماء إلى جميع أجزائه و كذا الحليب النجس (1) بجعله جبنا و وضعه في الماء كذلك.

(مسألة 25) إذا تنجس التنور يطهر بصب الماء في أطرافه من فوق إلى تحت، و لا حاجة فيه الى التثليث (2) لعدم كونه من الظروف، فيكفي المرة في غير البول، و المرتان فيه، و الأولى أن يحفر فيه حفيرة يجتمع الغسالة فيها و طمها بعد ذلك بالطين الطاهر.

____________

(1) ربما يستشكل في تطهير الحليب بأن حاله حال سائر المائعات و المياه المضافة التي لا تكون قابلة للطهارة باتصالها بالماء المعتصم، لما تقدم في بحث المضاف من أن الاتصال بالكر و شبهه إنما يكفي في تطهير المياه، و لا دليل على كفايته في تطهير المضاف.

و فيه أن الحليب قد يراه تطهيره و هو حليب، و الحال فيه و إن كان كذلك حيث أنه كسائر المائعات و المياه المضافة غير قابل للتطهير بالاتصال. إلا أن هذا ليس بمراد الماتن (قده) قطعا لأنه إنما حكم بطهارته بعد صيرورته جبنا- لا في حال كونه حليبا.

و قد يراد تطهيره بعد صيرورته جبنا- مثلا- و لا ينبغي الإشكال في قبوله التطهير حينئذ، لأن حال الجبن حال الصابون و غيره من الأجسام التي نفذ فيها الماء في أعماقها إلا انها غير قابلة للعصر و قد تقدم أن طريق تطهيرها صب الماء أو تسليطه على ظواهرها بمقدار يصل إلى أعماقها و ذلك لانه غسلها و غسل كل شيء بحسبه.

(2) لعدم صحة إطلاق الإناء عليه و الغسل ثلاث مرات انما يجب في الإناء فما افاده الماتن (قده) هو الصحيح، إلا أن الغسالة المجتمعة من غسل التنور محكومة بالنجاسة- بناء على نجاسة الغسالة- و هي تقتضي نجاسة موضعها

92

(مسألة 26) الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجر و الحجر (1) تطهر بالماء القليل إذا أجرى عليها، لكن مجمع الغسالة يبقي نجسا (2)، و لو أريد تطهير بيت أو سكة فإن أمكن إخراج ماء الغسالة- بأن كان هناك طريق لخروجه- فهو، و الا يحفر حفيرة ليجتمع فيها، ثم يجعل فيها الطين الطاهر، كما ذكر في التنور، و ان كانت الأرض رخوة بحيث لا يمكن اجراء الماء عليها، فلا تطهر إلا بإلقاء الكر أو المطر أو الشمس (3) نعم إذا كانت رملا يمكن تطهير ظاهرها (4) بصب الماء عليها و رسوبه في الرمل فيبقى الباطن نجسا بماء الغسالة، و إن كان لا يخلو عن اشكال (5) من جهة احتمال عدم صدق انفصال الغسالة.

____________

و معه لا بد من إخراج الغسالة عن ذلك المكان و طم الموضع بالتراب فان بذلك يطهر ظاهره و ان بقي باطنه نجسا.

(1) أو بالقير- اعنى التبليط- أو بغير ذلك من الأمور.

(2) بناء على أن الغسالة نجسة. و لا يمكن تطهير المجمع بالماء القليل لعدم انفصال الغسالة عنه و انما يطهر بالمطر أو باتصاله بالماء الكثير.

(3) لأن في التطهير بالماء القليل يشترط انفصال الغسالة عن المتنجس المغسول، و الأرض الرخوة لا تنفصل عنها غسالتها حيث لا تنزل إلى جوف الأرض بتمامها بل يبقى منها مقدار في الاجزاء الأرضية و هو يقتضي تنجسها.

(4) إذ الغسالة في الأراضي الرملية تنزل إلى الجوف بأسرها و قد عرفت فيما سبق أن انفصال الغسالة عن اى جسم يقتضي طهارته في المقدار الذي انفصلت عنه الغسالة و ان لم تخرج عن تمام الجسم، و الرطوبات الكائنة في الاجزاء المنفصلة عنها غسالتها لا توجب سراية النجاسة إليها.

(5) و يندفع بما أشرنا إليه آنفا من أن المعتبر إنما هو انفصال الغسالة عن الموضع المغسول فحسب و لا يشترط انفصالها عن تمام الجسم، فإذا اجتمعت

93

(مسألة 27) إذا صبغ ثوب بالدم لا يطهر ما دام يخرج منه الماء الأحمر (1) نعم إذا صار بحيث لا يخرج منه طهر بالغمس في الكر أو الغسل بالماء القليل، بخلاف ما إذا صبغ بالنيل النجس، فإنه إذا نفذ فيه الماء في الكثير بوصف الإطلاق يطهر و ان صار مضافا (2) أو متلونا (3) بعد العصر كما مر سابقا.

____________

الغسالة في موضع آخر من الجسم و انفصلت عن المحل المغسول طهر المحل، و إلا فلا يمكن تطهير الأراضي الصلبة و البدن و نحوهما من الأجسام فيما إذا اجتمعت غسالتها في موضع آخر منها. و هو كما ترى.

(1) فان التغير بلون الدم يقتضي انفعال الماء و نجاسته و لا تحصل الطهارة بمثله ابدا.

(2) قد أسلفنا أن العصر يعتبر في كل من الغسل بالماء القليل و الكثير و انه مقوم لعنوان الغسل و تحققه فإذا غسلنا المصبوغ بمثل النيل في الكثير ولدي العصر خرج عنه ماء مضاف لم يحكم بطهارته لانه من الغسل بالمضاف و ليس من الغسل بالماء.

نعم بناء على عدم اعتبار العصر في الغسل بالكثير كما هو مسلك الماتن (قده) لا بد من الحكم بطهارته بالغمس في الكثير و ان خرج عنه ماء مضاف و ذلك لان الثوب قد طهر بمجرد وصول الماء الكثير إليه، و المضاف الخارج منه محكوم بطهارته لخروجه عن الثوب الطاهر حينئذ.

(3) تلون الماء بمثل النيل المتنجس غير مانع عن التطهير به و لو على القول باعتبار العصر في الغسل بالماء الكثير إذا التغير بأوصاف المتنجس غير موجب لانفعال الماء بوجه اللهم إلا أن يصير مضافا فإنه- على ما سلكناه- مانع عن تحقق الغسل بالماء كما عرفت.

94

(مسألة 28) فيما يعتبر فيه التعدد لا يلزم توالي الغسلتين (1) أو الغسلات فلو غسل مرة في يوم، و مرة أخرى في يوم آخر كفى. نعم يعتبر في العصر الفورية (2) بعد صب الماء على الشيء المتنجس.

(مسألة 29) الغسلة المزيلة للعين بحيث لا يبقى بعدها شيء منها تعد (3) من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدد، فتحسب مرة، بخلاف ما إذا بقي بعدها

____________

(1) لإطلاق ما دل على اعتبار التعدد و عدم تقيده بالتوالي في شيء من رواياته و عليه فلو غسل- ما يعتبر التعدد في غسله- مرة ثم بعد فصل طويل غسله مرة ثانية كفى في الحكم بطهارته.

(2) لا وجه لاعتبار الفورية في العصر لان اعتباره في الغسل لم يثبت بدليل خارجي و انما نعتبره لانه مقوم لمفهوم الغسل كما مر و انه لا بد في تحقق مفهومه من العصر. و لا يفرق في ذلك بين أن يكون العصر و إخراج الغسالة فوريا و بين أن لا يكون كما إذا عصره بعد دقائق فإنه يصدق بذلك أنه غسله.

و على الجملة حال الغسل في الأشياء المتنجسة شرعا إنما هو حاله في الأشياء المتقذرة بالقذارة العرفية و لا إشكال في أن العرف لا يعتبر فورية العصر في إزالة القذارة بل يكتفي بغسل المتقذر و عصره و لو بعد فصل زمان.

(3) تقدمت الإشارة إلى ذلك في ذيل المسألة الرابعة و قلنا إن دعوى وجوب إزالة العين قبل الغسلتين أو الغسلات أمر لا دليل عليه بل مقتضى إطلاق ما دل على اعتبار التعدد و عدم تقيده بكون العين زائلة قبل الغسلات كفاية زوالها بالغسلة الأولى بعينها و عليه فلا مانع من عد الغسلة المزيلة من الغسلات.

ثم إن الماتن في المقام و إن عد الغسلة المزيلة من الغسلات إلا انه ذكر في المسألة الرابعة: أن الغسلة المزيلة للعين غير كافية إلا أن يصب الماء مستمرا بعد زوال العين. فليلاحظ.

95

شيء من أجزاء العين، فإنها لا تحسب (1) و على هذا فإن أزال العين بالماء المطلق فيما يجب فيه مرتان كفى غسله مرة أخرى، و ان أزالها بماء مضاف يجب بعده مرتان أخريان.

(مسألة 30) النعل المتنجسة تطهر بغمسها في الماء الكثير (2) و لا حاجة فيها الى العصر، لا من طرف جلدها، و لا من طرف خيوطها. و كذا البارية.

بل في الغسل بالماء القليل أيضا كذلك، لان الجلد و الخيط ليسا مما يعصر، و كذا الحزام من الجلد كان فيه خيط أو لم يكن.

(مسألة 31) الذهب المذاب و نحوه من الفلزات إذا صب في الماء النجس أو كان متنجسا فأذيب ينجس ظاهره و باطنه (3)، و لا يقبل التطهير الا ظاهره.

____________

(1) لعدم كونها غسلا لما عرفت من أن الغسل متقوم بإزالة العين و اجزائها فلا غسل مع عدم الإزالة.

(2) أما جلدها فلعدم كونه قابلا للعصر فيكفي في غسله و تطهيره صب الماء عليه بمقدار ينفذ في أعماقه أو الغمس في الكثير لان غسل كل شيء بحسبه.

و أما خيوطها فلأنها تابعة للجلد أو الحزام أو غيرهما مما تستعمل فيه و ليس لها وجود مستقل فإذا لم يكن الجلد قابلا للعصر فتكون الخيوط القائمة به أيضا كذلك. و مجرد انها قد تكون قابلة لحمل مقدار معتد به من الماء، لا يقتضي كونها قابلة للعصر و ذلك لأنها لا تحمل من الماء أزيد مما يحمله الجلد، و لا خلاف في أن الجلد في النعل غير قابل للعصر.

فعلى ما ذكرناه يكفي في تطهيرها صب الماء عليها إلى أن يصل إلى جوفها أو يغمس في الكثير كما عرفته في الجلد.

(3) يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين:

«أحدهما»: ما إذا تنجس الفلز قبل أن يذاب و اذيب بعد تنجسه.

96

..........

____________

و «ثانيهما»: ما إذا طرأت عليه النجاسة حال ذوبانه كما إذا القي عليه ماء متنجس أو القي الفلز المذاب عليه فهل يحكم بذلك على نجاسة اجزائه الداخلية و الخارجية في كلا المقامين أو يتنجس بذلك ظاهره فحسب؟

أما المقام الأول فإن علم بعد اذابة الفلز و انجماده أن اجزاؤه الظاهرية هي التي أصابها النجس قبل إذابته فلا مناص من الحكم بنجاستها إلا انها إذا غسلت حكم بطهارتها كما هو الحال في بقية المتنجسات.

و أما إذا شككنا في جزء منها في أنه هو الذي أصابه النجس قبل الإذابة بمعنى أنه من الاجزاء الظاهرية التي علمنا بتنجسها سابقا أو أنه من الاجزاء الداخلية التي لم يلاقها النجس و ذلك لان اذابة الفلز انما هي غليانه و فورانه و الغليان هو القلب فان به تتبدل الاجزاء الداخلية خارجية و بالعكس و من هنا قد يشك في أن الجزء المشاهد الخارجي من الاجزاء الظاهرية للفلز حتى يحكم بنجاسته لملاقاته مع النجس قبل إذابته أو انه من الاجزاء الداخلية له ليكون طاهرا؟ فمقتضى القاعدة هو الحكم بطهارة ملاقي ذلك الجزء المشكوك طهارته لقاعدة الطهارة أو استصحاب عدم اصابة النجس له.

و أما نفس ذلك الجزء فلا يمكن الحكم بطهارته، لانه طرف للعلم الإجمالي بالنجس، حيث أن ما اصابه النجس قبل اذابة الفلز إما أن يكون هو ذلك الجزء الخارجي الذي نشك في طهارته و إما أن يكون هو الجزء النازل إلى الجوف بالغليان و العلم الإجمالي مانع عن جريان الأصول في أطرافه.

نعم ملاقي أحد أطراف العلم محكوم بطهارته إذ لا مانع من جريان الأصول فيه لعدم كونه طرفا للعلم الإجمالي على ما حررناه في بحث الأصول و ذلك لان الأصل الجاري فيه لا يعارضه شيء من الأصول الجارية في أطراف العلم في نفسها- اى مع قطع النظر عن العلم الإجمالي.

97

..........

____________

و دعوى انه طرف لعلم إجمالي آخر و هو العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر مدفوعة بأن العلم الإجمالي الآخر و إن كان موجودا كما ذكر إلا أنه مما لا اثر له لعدم ترتب التنجيز عليه فان المدار في تنجيز العلم الإجمالي انما هو تساقط الأصول في أطرافه بالمعارضة و قد عرفت أن الأصل الجاري في الملاقي غير معارض بشيء و تفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله.

فالمتحصل أن الملاقي للجزء المشكوك طهارته محكوم بطهارته بخلاف نفس ذلك الجزء أو غيره من الاجزاء الظاهرية للفلز بعد إذابته.

اللهم إلا أن تكون الاجزاء الباطنية خارجة عن قدرة المكلف فإنه لا مانع حينئذ من جريان الأصل في الاجزاء الظاهرية لعدم معارضته بالأصل في الطرف الخارج عن القدرة أو يقال بانحلال العلم الإجمالي بخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء مع تعميمه الى مثل الاجزاء الداخلية في المقام كما عممه- اى الخروج عن محل الابتلاء- شيخنا الأنصاري (قده) الى خارج الإناء و عليه حمل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) هذا كله بالإضافة إلى ظاهر الفلز بعد إذابته و انجماده.

و أما إذا استهلك ظاهره بالاستعمال أو بغيره حتى ظهرت اجزاؤه الداخلية فحالها حال الجزء الظاهر قبل الاستهلاك فان علم انها هي التي أصابها النجس حكم بنجاستها كما يحكم بطهارتها إذا غسلت.

و إذا شككنا في أنها هي التي أصابها النجس أو أنها غيرها؟ اتى فيه

____________

(1) قال: سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: إن لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس .. المروية في ب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

98

..........

____________

ما قدمناه في صورة الشك قبل الاستهلاك فلا نعيد.

أما المقام الثاني فقد يقال: ان اصابة النجس لجزء من أجزاء الفلز تقتضي سراية النجاسة إلى تمام أجزائه الظاهرية و الباطنية.

إما بدعوى أن الفلزات الذائبة كالمياه المضافة و المائعات- كالدهن و الحليب و نحوهما- فكما أن اصابة النجس لجزء من اجزائها يوجب تنجس الجميع فليكن الحال في المقام أيضا كذلك.

أو بدعوى أن الفلزات الذائبة إذا ألقيت على ماء متنجس أو القي عليها الماء المتنجس وصل الماء إلى جميع أجزائها الداخلية و الخارجية و بذلك يتنجس الجميع. و يدعى أن هذا هو الغالب في الفلز المذاب و لا يخفى ما في هاتين الدعويين أما الأولى منهما فلان سراية النجاسة من جزء الى غيره من الاجزاء الأخر انما هي في المياه المضافة و المائعات و لا دليل في غير ذلك على السراية بوجه فالزيبق- مثلا- و إن كان ذائبا إلا انه إذا صب على موضع متنجس أن لا يحكم بنجاسة شيء من اجزائه و ذلك لعدم المقتضى له.

و أما ثانيتهما فلان الدعوى المذكورة على خلاف ما ندركه بوجداننا حيث أن الفلزات الذائبة إذا لاقت الماء انجمدت فكيف يلاقي الماء المتنجس جميع اجزائها. بل لا يلاقي سوى بعضها و هو الاجزاء الظاهرية من الفلز.

هذا ثم لو سلمنا- على فرض غير واقع- أنها لا تنجمد إلا أن غاية ما هناك أن يلاقي الماء الاجزاء الظاهرية من الفلز. و أما بواطنها فلا ينفذ الماء المتنجس فيها بأسرها، و لا محالة تبقى على طهارتها.

و على الجملة لا دليل على تنجس الاجزاء الداخلية في مثل الفلز المذاب.

هذا ثم لو فرضنا في مورد وصول الماء المتنجس إلى جميع الأجزاء الداخلية و الخارجية للفلز- و لو باذابته مرات كثيرة و إلقائه في كل مرة على الماء المتنجس

99

..........

____________

بحيث لا يشك في ملاقاة الماء المتنجس لكل واحد من أجزاء الفلز- لم يقبل الطهارة بعد ذلك أبدا لعدم التمكن من غسل باطنه ضرورة عدم وصول المطهر إلى جوف الفلز.

نعم لا مانع من تطهير ظاهره إلا أن الظاهر لو استهلك باستعمال الفلز فالجزء البادي بعد الاستهلاك باق على نجاسته و هو أيضا قابل للغسل و التطهير- بصيرورته من الاجزاء الظاهرية- هذا كله فيما إذا علمنا أن الجزء انما ظهر بعد استهلاك ظاهر الفلز.

و أما إذا شككنا في أنه من الاجزاء الظاهرية- التي طهرناها بغسلها- أو أنه مما ظهر بعد الاستهلاك فهو باق على نجاسته فهل يحكم بطهارته أو لا بد من غسله؟

تبتني هذه المسألة على مسألة أصولية و هي أن الحالة السابقة إذا علم انتقاضها في بعض افراد المتيقن السابق و علم عدم انتقاضها في فرد آخر و شك في فرد بعد ذلك في أنه الفرد المعلوم انتقاض الحالة السابقة فيه أو انه الفرد الذي علمنا بعدم انتقاض حالته السابقة فهل يجري فيه الاستصحاب أولا؟

ذهب شيخنا الأستاذ (قده) إلى عدم جريان الأصل فيه بدعوى أنه من الشبهة المصداقية للاستصحاب و ذلك للشك في ان رفع اليد عن الحالة السابقة حينئذ نقض لليقين بالشك أو أنه من نقض اليقين باليقين و لا مجال معه للتمسك بعموم ما دل على حرمة نقض اليقين بالشك هذا.

و لكنا أسلفنا في محله أن اليقين و الشك و غيرهما من الأوصاف النفسانية لا يتعقل فيها شبهة مصداقية بوجه لانه لا معنى للشك في الشك أو اليقين بان يشك الإنسان في انه يشك في أمر كذا أو لا يشك أو أنه متيقن منه أولا يقين له لأنه إذا راجع وجدانه يرى انه يشك أو يتيقن فلا معنى الشك في أمثالهما و عليه

100

فإذا اذيب ثانيا بعد تطهير ظاهره تنجس (1) ظاهره ثانيا. نعم لو احتمل عدم وصول النجاسة إلى جميع اجزائه و أن ما ظهر منه بعد الذوبان الاجزاء الطاهرة، يحكم بطهارته (2) و على اى حال بعد تطهير ظاهره لا مانع من استعماله و إن كان مثل القدر من الصفر.

____________

فلا مانع من الرجوع إلى استصحاب الحالة السابقة في الفرد المشكوك فيه.

و هذا كما إذا ذبحنا حيوانا و خرج منه المقدار المتعارف من الدم فإنه حينئذ يقتضي الحكم بطهارة المقدار المتخلف منه المقدار المتعارف من الدم فإنه السابقة فيه فلو شككنا بعد ذلك في دم أنه من الدم المتخلف أو المسفوح فعلى ما سلكناه لا مانع من التمسك باستصحاب نجاسته لعدم كونه من الشبهات المصداقية للنقض الحرام.

و على ذلك لما علمنا في المقام بانتقاض الحالة السابقة في الاجزاء الظاهرية للفلز للعلم بتطهيرها و علمنا أيضا بعدم انتقاضها في الاجزاء الداخلية لم يكن أى مانع من الرجوع إلى استصحاب بقاء النجاسة فيما إذا شككنا في جزء أنه من الاجزاء الظاهرية أو الداخلية.

نعم بناء على ما سلكه شيخنا الاسناد (قده) لا يبقى مجال للاستصحاب و تنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة في الجزء المشكوك فيه.

(1) لوضوح أن الفلز إذا اذيب و كانت أجزاؤه الداخلية متنجسة حكم بنجاسة اجزائه الظاهرية لا محالة.

و هذا لا لان الذوبان يقتضي نجاستها بل لان الاجزاء الظاهرية هي الأجزاء الداخلية المتنجسة- على الفرض- و قد ظهرت بالغليان و الذوبان.

(2) ظهر مما تلوناه عليك في التعليقة السابقة عدم إمكان الحكم بطهارة الجزء المشكوك فيه لانه طرف للعلم الإجمالي بإصابة النجاسة له أو للجزء الداخل إلى

101

(مسألة 32) الحلي الذي يصوغه الكافر إذا لم يعلم ملاقاته له مع الرطوبة يحكم بطهارته (1) و مع العلم بها يجب غسله و يطهر ظاهره، و إن بقي باطنه على النجاسة إذا كان متنجسا قبل الإذابة.

(مسألة 33) النبات المتنجس يطهر بالغمس في الكثير، بل و الغسل بالقليل إذا علم (2) جريان الماء عليه بوصف الإطلاق و كذا قطعة الملح. نعم لو صنع النبات من السكر المتنجس أو انجمد الملح بعد تنجسه مائعا لا يكون حينئذ قابلا للتطهير (3).

(مسألة 34) الكوز الذي صنع من طين نجس أو كان مصنوعا للكافر يطهر ظاهره بالقليل (4) و باطنه أيضا إذا وضع في الكثير فنفذ الماء في أعماقه.

____________

الجوف بالغليان.

(1) فمجرد أن الصائغ غير مسلم لا يوجب الحكم بنجاسة الحلي. بل لو شككنا في أن ذلك الحلي هل أصابته نجاسة رطبة و لو كانت هي يد الصائغ بنينا على طهارته باستصحابها أو بقاعدة الطهارة.

نعم مع العلم بإصابة النجس له يحكم بنجاسة ظاهره أو جميع أجزائه الظاهرية و الباطنية على التفصيل المتقدم في التعليقة السابقة فليراجع.

(2) و كذلك الحال فيما إذا شك في بقائه على إطلاقه و ذلك لاستصحاب بقائه على الإطلاق و عدم صيرورته مضافا بالجريان.

(3) لعدم إمكان وصول المطهر إلى أعماقه- و هو مطلق- لان نفوذه في مثل النبات يستلزم صيرورته مضافا، و مع فرض كثرة الماء و غلبته يخرج النبات المتنجس عن كونه كذلك بالاستهلاك في الماء.

(4) ظهر حكم هذه المسألة مما بيناه في تطهير الصابون و غيره من الأجسام التي ينفذ فيها الماء و هي غير قابلة للعصر فليراجع.

102

(مسألة 35) اليد الدسمة إذا تنجست تطهر في الكثير و القليل إذا لم يكن لدسومتها جرم (1) و إلا فلا بد من إزالته أولا، و كذا اللحم الدسم و الألية فهذا المقدار من الدسومة لا يمنع من وصول الماء.

(مسألة 36) الظروف الكبار التي لا يمكن نقلها، كالحب المثبت في الأرض و نحوه إذا تنجست يمكن تطهيرها بوجوه (2) «أحدها»: أن تملأ ماء ثم تفرغ ثلاث مرات «الثاني»: أن يجعل فيها الماء ثم يدار إلى أطرافها بإعانة اليد أو غيرها، ثم يخرج منها ماء الغسالة ثلاث مرات. «الثالث»: أن يدار الماء إلى أطرافها، مبتدئا بالأسفل إلى الأعلى، ثم يخرج الغسالة المجتمعة ثلاث مرات. «الرابع»: أن يدار كذلك لكن من أعلاها إلى الأسفل ثم يخرج ثلاث مرات. و لا يشكل بأن الابتداء من أعلاها يوجب اجتماع الغسالة في أسفلها قبل أن يغسل، و مع اجتماعها لا يمكن إدارة الماء في أسفلها، و ذلك لان المجموع يعد غسلا واحدا، فالماء الذي ينزل من الأعلى يغسل كل ما جرى

____________

(1) بان عدت الدسومة من الاعراض الطارئة على اليد- مثلا- فان العرض غير مانع عن وصول الماء إلى البشرة و يمكن معه تطهير اليد أو اللحم أو غيرهما بغسلها.

و أما إذا كانت الدسومة معدودة من الجواهر و الأجسام فلا ينبغي الشبهة في كونها مانعة عن الغسل و وصول الماء إلى البشرة فلا بد في تطهيرها حينئذ من إزالة الدسومة أولا.

(2) و الدليل على تلك الوجوه موثقة عمار الواردة في كيفية تطهير الكوز و الإناء بضميمة ما قدمناه في المسألة الرابعة عشرة من أنه لا موضوعية للتحريك الوارد في الموثقة و انما هو مقدمة لا يصال الماء الطاهر إلى جميع أجزاء الكوز و الإناء بأي وجه اتفق فليلاحظ.

103

عليه إلى الأسفل، و بعد الاجتماع يعد المجموع غسالة، و لا يلزم تطهير آلة (1)

____________

(1) من اليد و الخرقة و نحوهما. و قد يقال:

بان الآلات المستعملة لإخراج الغسالة متنجسة لملاقاتها الغسالة و هي نجسة في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل و معه لا بد من تطهيرها كل مرة قبل إدخالها الإناء لإخراج الغسالة الثانية لاستلزام بقائها على نجاستها نجاسة الظروف المغسولة بملاقاتها ثانيا.

و هذا هو الصحيح و ذلك لان الوجه في الحكم بعدم لزوم تطهير الآلات المذكورة أحد أمرين:

«أحدهما»: إطلاق موثقة عمار الدالة على طهارة الظروف بغسلها ثلاث مرات من غير تقييدها بتطهير الآلات المستعملة لإخراج الغسالة.

و «ثانيهما»: أن الغسالة لا تكون منجسة لما غسل بها و هذان الوجهان ساقطان.

أما أولهما فلما أورده صاحب الجواهر (قده) من أن الموثقة غير مسوقة لبيان ذلك و انما وردت لبيان أن الطهارة في مثل الكوز و الإناء تحصل بغسله ثلاث مرات، و الأمر كما افاده (قده).

و أما ثانيهما فلان الغسالة و ان لم تكن منجسة لما غسل بها مطلقا قلنا بطهارة الغسالة أم لم نقل، لان القول بكونها منجسة له يستلزم القول بتعذر تطهير المتنجسات و عدم إمكانه بغسلها و ذلك لفرض أن الغسالة منجسة للمغسول بملاقاته فكيف تحصل الطهارة بغسله حينئذ؟! و على الجملة أن الغسالة غير منجسة لما غسل بها اما لطهارتها في نفسها.

و اما بتخصيص ما دل على منجسية المتنجسات بالإضافة إلى الغسالة فرارا عن المحذور المتقدم ذكره، إلا أن ذلك انما هو حال الغسل بالماء و إجرائه على المغسول

104

إخراج الغسالة كل مرة و ان كان أحوط، و يلزم (3) المبادرة إلى إخراجها عرفا في كل غسلة، لكن لا يضر الفصل بين الغسلات الثلاث، و القطرات التي تقطر من الغسالة فيها لا بأس بها، و هذه الوجوه تجري في الظروف غير المثبتة أيضا و تزيد بإمكان غمسها في الكر أيضا، و مما ذكرنا يظهر حال تطهير الحوض أيضا بالماء القليل.

(مسألة 37) في تطهير شعر المرأة و لحية الرجل لا حاجة الى العصر (4) و ان غسلا بالماء القليل، لانفصال معظم الماء بدون العصر.

(مسألة 38) إذا غسل ثوبه المتنجس، ثم رأى بعد ذلك فيه شيئا من الطين أو من دقاق الأشنان الذي كان متنجسا، لا يضر ذلك بتطهيره. بل يحكم

____________

و أما بعد غسله و إخراج الغسالة فلا يفرق بين تلك الغسالة و غيرها من المتنجسات- بناء على أن الغسالة نجسة- بحيث لو أصابت الإناء- المغسول بها- ثانيا أوجبت نجاسته.

و عليه لا بد من تطهير الآلة المستعملة لإخراج الغسالة قبل إدخالها الإناء حتى لا يتنجس بها ثانيا.

(3) لزوم المبادرة العرفية إلى إخراج ماء الغسالة في كل غسلة ممنوع بتاتا على ما أسلفناه في المسألة الثامنة و العشرين.

على انه يمكن أن يستدل على ما ذكرناه في خصوص المقام بإطلاق موثقة عمار (1) و سكوته (عليه السلام) فيها عن بيانه- مع انه في مقام البيان.

(4) إلا أن يكون الشعر كثيفا لا ينفصل عنه الماء بطبعه فان حاله حال الصوف المجعول في اللحاف و لا بد في مثله من إخراج الغسالة بالعصر أو بغيره.

____________

(1) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.