التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج4

- الشيخ علي الغروي المزيد...
552 /
105

بطهارته أيضا لانغساله بغسل الثوب (1).

(مسألة 39) في حال إجراء الماء على المحل النجس من البدن أو الثوب إذا وصل ذلك الماء الى ما اتصل به من المحل الطاهر- على ما هو المتعارف- لا يلحقه حكم ملاقي الغسالة (2) حتى يجب غسله ثانيا، بل يطهر المحل النجس بتلك الغسلة، و كذا إذا كان جزء من الثوب نجسا فغسل مجموعه، فلا يقال إن المقدار الطاهر تنجس بهذه الغسلة، فلا تكفيه، بل الحال كذلك إذا ضم مع المتنجس شيئا آخر طاهرا، و صب الماء على المجموع، فلو كان واحد من أصابعه نجسا، فضم إليه البقية و أجرى الماء عليها، بحيث وصل الماء الجاري على النجس منها إلى البقية، ثم انفصل تطهر بطهره. و كذا إذا كان زنده نجسا، فأجرى الماء عليه، مجرى على كفه ثم انفصل، فلا يحتاج الى غسل الكف لوصول ماء الغسالة إليها و هكذا. نعم لو طفر الماء من المتنجس حين غسله

____________

(1) قدمنا في المسألة السادسة عشرة أن الأجسام غير القابلة للعصر- كالطين و دقاق الأشنان في مفروض الكلام- إذا نفذ الماء المتنجس في جوفها فان كانت جافة كفى في تطهيرها أن تغمس في الماء العاصم أو يصب عليها الماء بمقدار يصل الى أعماقها.

و أما إذا كانت رطبة فيشكل الحكم بطهارتها بذلك إلا أن تجفف أو يحرك فيها الماء على نحو يغلب على الرطوبات الكائنة في جوفها أو تبقى في الماء الكثير مدة تحصل فيها غلبة الماء على رطوبتها.

(2) الكلام في هذه المسألة يقع في مراحل ثلاث:

«المرحلة الأولى»: ما إذا كانت الغسالة طاهرة كما في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل- بناء على طهارتها- كما هو الصحيح و لا إشكال في طهارة ملاقي تلك الغسالة فإنه لا مقتضى لنجاسته و هذه الصورة غير مرادة للماتن (قده)

106

..........

____________

لأن كلامه إنما هو في طهارة ملاقي الغسالة المتنجسة و عدمها.

«المرحلة الثانية»: ما إذا كانت الغسالة محكومة بالنجاسة كما في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل.

و التحقيق في هذه الصورة عدم طهارة الملاقي، لنجاسة الغسالة و ملاقاة المتنجس تقتضي النجاسة و هو ظاهر، و لم يرد مخصص على قاعدة منجسية المتنجس في المقام و لا بد معه من غسل ملاقي الغسالة كما يجب غسل المتنجس من ثوب و غيره و يكفي في طهارتهما الغسل مرة واحدة و لو في غسالة المتنجس بالبول، و ذلك لأن المتنجس فرضنا انه قد غسل مرة واحدة و إلا لم يكن له غسالة حتى يحكم على ملاقيها بالنجاسة أو الطهارة فإذا غسل مرة ثانية حكم بطهارته لا محالة.

و أما كفاية المرة الواحدة في ملاقي الغسالة فلأجل عدم كونه متنجسا بالبول حتى يجب غسله مرتين و إنما هي متنجس بالمتنجس به و هي الغسالة.

«المرحلة الثالثة»: ما إذا كانت الغسالة من الغسلة المتعقبة بطهارة المحل إلا أنا بنينا على نجاستها كما التزم به جماعة و منهم الماتن (قده).

و لا ينبغي الإشكال في هذه الصورة في أن ملاقي الغسالة- في الجملة- محكوم بطهارته و ذلك للسيرة القطعية الجارية على الاكتفاء بالغسل في تطهير المتنجسات مع أن غسل المتنجس يقتضي سراية الغسالة إلى جزء آخر من الأجزاء الطاهرة لا محالة و لا يمكن عادة غسل الموضع المتنجس من غير أن تسري الغسالة إلى شيء من أطراف المحل هذا.

بل لا يمكن الالتزام بنجاسة ملاقي الغسالة في نفسه إذ مع القول بها لا يتيسر الاكتفاء بالغسل في تطهير المتنجسات إذ لا بد من غسل كل جزء لاقته الغسالة لنجاستها و إذا امتنع تطهير مثل الأرض أو غيرها من الأشياء الكبار فان غسل الموضع المتنجس منها يوجب سراية الغسالة و جريانها الى جزء

107

..........

____________

آخر من الأرض فلا يتحقق تطهير الأرض- مثلا- إلا بغسل الكرة بأسرها هذا.

على أنه يمكننا الاستدلال على طهارة الملاقي في مفروض الكلام بالأدلة الواردة في تطهير المتنجسات و ذلك بدلالة الاقتضاء، و بالإطلاق المقامي حيث دلت على طهارة البدن أو الثوب بغسل الناحية التي أصابها دم أو مني أو غيرهما من النجاسات.

فلو قلنا بنجاسة ملاقي الغسالة لم يمكن تطهيرهما و لا تطهير غيرهما من المتنجسات بصب الماء على الموضع المتنجس منهما و غسله إذ كلما طهرنا جانبا نجسنا جانبا آخر فلا تتيسر الطهارة إلا بغسلهما بأسرهما و معه تصبح الأدلة الدالة على كفاية غسل الناحية المتنجسة منهما لغوا ظاهرا فإنه أي فائدة في غسل تلك الناحية مع عدم حصول الطهارة به؟! مضافا الى أنا نقطع بعدم وجوب غسل البدن و الثوب أو غيرهما من المتنجسات بتمامه فيما إذا أصابت النجاسة جانبا منهما.

فإلى هنا ظهر أن ملاقي الغسالة- في الجملة- محكوم بالطهارة و إن قلنا بنجاسة الغسالة في نفسها، الا أن ما ذكرناه انما هو في خصوص المقدار الذي تصل إليه الغسالة عادة و حسب ما يقتضيه طبع الغسل. و لا يعم ما إذا لم تكن اصابة الغسالة لمثله أمرا عاديا أو مما يقتضيه الغسل بطبعه.

و السر في ذلك أن طهارة الملاقي في مفروض الكلام لم تثبت بدليل لفظي حتى يتمسك بعمومه أو إطلاقه بالإضافة الى جميع الملاقيات و انما أثبتناها بالسيرة و دلالة الاقتضاء و لا بد فيهما من الاقتصار على المقدار المتيقن و هي المواضع التي تصيبها الغسالة عادة و حسب ما يقتضيه طبع الغسل.

و أما في المقدار الزائد على ذلك فاطلاقات الأدلة الدالة على نجاسة ملاقي

108

على محل طاهر من يده أو ثوبه يجب (1) غسله- بناء على نجاسة الغسالة- و كذا لو وصل بعد ما انفصل عن المحل الى طاهر منفصل، و الفرق أن المتصل بالمحل النجس يعد معه مغسولا واحدا بخلاف المنفصل.

(مسألة 40) إذا أكل طعاما نجسا فما يبقى منه بين أسنانه باق

____________

النجاسات و المتنجسات يقتضي الحكم بنجاسته كما إذا طفرت الغسالة من موضع جريانها و أصابت جسما آخر أو أنها أصابت جسما طاهرا ملاصقا للمتنجس المغسول و لكن العادة لم تكن جارية على وصول الغسالة إليه كما إذا تنجست إحدى أصابعه فضمها الى غيرها من أصابعه و غسلها مرة واحدة أو أنه وضع إصبعه على رأسه و غسلها و رأسه أو جميع بدنه دفعة واحدة.

و ذلك لوضوح عدم جريان العادة على غسل سائر الأصابع و الرأس أو بقية أجزاء البدن في غسل واحدة من الأصابع لا مكان الفصل بينهما و بهذا ظهر ما في كلام الماتن من المناقشة فلاحظ.

(1) قد استثنى (قده) من الحكم بطهارة ملاقي الغسالة النجسة موردين:

«أحدهما»: ما إذا طفرت الغسالة من موضع جريانها الى محل طاهر آخر.

و «ثانيهما»: ما إذا انفصلت الغسالة من محلها و أصابت جسما آخر منفصلا عن المحل النجس و الأمر فيهما كما أفاده على ما فصلناه في التعليقة المتقدمة فراجع هذا.

ثم إن في كلام الماتن تقييد ان لم نقف على مأخذهما و لعلهما من سهو القلم:

«أحدهما»: تقييد الحكم بنجاسة الملاقي بما إذا انفصلت الغسالة عن المحل. مع أن انفصالها غير معتبر في الحكم بنجاسة الملاقي قطعا لأنها إذا أصابت جسما آخر- و هي في المحل- أيضا حكمنا بنجاسته إذا لم تجر العادة على وصول

109

على نجاسته، و يطهر بالمضمضة (1) و أما إذا كان الطعام طاهرا فخرج دم من بين أسنانه، فان لم يلاقه لا يتنجس، و إن تبلل بالريق الملاقي للدم، لأن الريق لا يتنجس بذلك الدم، و إن لاقاه ففي الحكم بنجاسته اشكال (2) من حيث انه لاقى النجس في الباطن لكن الأحوط الاجتناب عنه، لان القدر المعلوم ان النجس في الباطن لا ينجس ما يلاقيه مما كان في الباطن، لا ما دخل اليه من الخارج. فلو كان في أنفه نقطة دم لا يحكم بتنجس باطن الفم، و لا يتنجس رطوبته، بخلاف ما إذا أدخل إصبعه فلاقته، فان الأحوط غسله.

____________

الغسالة إليه كما مر.

و «ثانيهما»: تقييده بما إذا أصابت جسما منفصلا عن المحل النجس.

و هو أيضا كسابقه لأنه تقييد بلا سبب لوضوح أن الغسالة بعد انفصالها أو قبله إذا أصابت جسما متصلا بالمحل النجس أيضا أوجبت نجاسته. بل لو أصابت- بعد انفصالها- نفس الموضع المغسول بها كانت موجبة لنجاسته ثانيا، فالتقييد بما إذا كان الجسم منفصلا مما لا وجه له.

(1) لأن الطعام المتنجس لا يعتبر في تطهيره أن يكون خارج الفم فان تطهيره في داخله كخارجه، فإذا تمضمض على نحو وصل الماء الى جوف المتنجس- و هو في الفم- حكم بطهارته.

(2) قد أسبقنا الكلام على هذه المسألة في بحث النجاسات و قلنا انه لم يقم دليل على كون النجاسات في الباطن منجسة لملاقياتها و من جملتها الدم حيث أن الأدلة الواردة في نجاسته و منجسيته تختص بالدم الخارجي كدم القروح و الجروح و الرعاف و غيرها من أقسام الدماء.

كما ذكرنا أن الجسم الطاهر إذا دخل الجوف و لاقى في الباطن نجسا لم يحكم بنجاسته فيما إذا خرج نظيفا و من هنا قلنا بطهارة شيشة الاحتقان الخارجة

110

(مسألة 41) آلات التطهير كاليد و الظرف الذي يغسل فيه تطهر بالتبع (1) فلا حاجة الى غسلها، و في الظرف لا يجب غسله ثلاث مرات، بخلاف ما إذا كان نجسا قبل الاستعمال في التطهير، فإنه يجب غسله ثلاث مرات كما مر (2).

____________

نظيفة و إن علم ملاقاتها شيئا من النجاسات الباطنية و التفصيل موكول الى محله.

(1) الطهارة التبعية في مثل اليد و الظروف و غيرهما من الآلات لم يقم عليها دليل، و السيرة و ان جرت على عدم تطهير آلات الغسل بعد تطهير المتنجس إلا انها غير مستندة الى الطهارة التبعية.

بل الوجه فيها ان الآلات غالبا تغسل بنفسها حين غسل المتنجس فطهارتها مستندة الى غسلها كما أن طهارة المغسول مستندة الى تطهيره. و من ثمة لو أصاب الماء أعالي اليد و الظرف- في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل- و لم يصلها الماء في الغسلة المطهرة لم يمكن الحكم بطهارتها لعدم الدليل على الطهارة التبعية كما مر.

و الإطلاق المقامي في صحيحة محمد بن مسلم (1) لو تم فإنما يقتضي الحكم بالطهارة التبعية في المركن فحسب و لا دلالة لها على الطهارة التبعية في الإناء و ذلك لأن المركن غير الإناء على ما مر تفصيله في محله (2) و المتحصل أن الآلات المستعملة في تطهير الأشياء المتنجسة إنما يحكم بطهارتها فيما إذا غسلت مع المغسول دون ما إذا لم تغسل كذلك.

(2) تقدم الوجه في ذلك و الجواب عنه في المسألة الواحدة و العشرين و سابقتها فليراجع.

____________

(1) المروية في باب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) راجع ص 87.

111

«الثاني»: من المطهرات الأرض (1) و هي تطهر باطن القدم، و النعل بالمشي عليها

مطهرية الأرض

____________

(1) قد اتفقوا على ان الأرض تطهر باطن القدم و النعل و الخف و غيرها مما يتعارف المشي به كالقبقاب بعد زوال العين عنه، بل ادعوا على ذلك الإجماع في كلماتهم. و المسألة مما لا خلاف فيه عدا ما ربما يحكى عن الشيخ (قده) في الخلاف من قوله إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه في الأرض حتى زالت تجوز الصلاة فيه عندنا .. الى أن قال: دليلنا: أنا بينّا فيما تقدم أن ما لا تتم الصلاة فيه بانفراده جازت الصلات و ان كانت فيه نجاسة و الخف لا تتم الصلاة فيه بانفراده ..

فان الظاهر من هذا الكلام أن الخف إذا أصابته النجاسة لا ترتفع نجاسته بالدلك على الأرض. نعم يعفى عن نجاسته لأنه مما لا تتم فيه الصلاة.

و عن المحقق البهبهاني أن استدلال الشيخ (قده) بذلك غفلة منه.

و ما ذكره (قده) هو الوجيه و لا مناص من حمل الاستدلال المذكور على الاشتباه و ذلك لأن تجويزه الصلاة في الخف في مفروض الكلام لو كان مستندا الى كون الخف مما لا تتم فيه الصلاة لأصبحت القيود المأخوذة في كلامه- المتقدم نقله- لغوا ظاهرا.

حيث أن صحة الصلاة فيما لا تتم فيه غير مقيدة بوصول النجاسة إلى أسفله و لا بزوال النجاسة عنه و لا على إزالتها بدلكه بالأرض ضرورة أن النجاسة فيما لا تتم الصلاة فيه لا تكون مانعة عن صحتها سواء أصابت أسفله أم أعلاه و سواء زالت عنه العين أم لم تزل كما في القلنسوة إذا أصابها البول و وضعها المكلف

112

..........

____________

على رأسه فصلى مع بقاء العين فيها كما ورد في رواية زرارة (1) و ان لم يكن فيها تصريح ببقاء العين حال الصلاة و أيضا سواء دلكه بالأرض أم لم يدلكه.

و حيث أن تقييد موضوع الحكم بما لا يترتب عليه أي أثر لغو ظاهر و بعيد الصدور من مثل الشيخ (قده) فلا محالة يكون أخذها في كلامه قرينة ظاهرة على أن تجويزه الصلاة في الخف المتنجس مستند إلى طهارة أسفل الخف بالمشي به أو بدلكه على الأرض فالاستدلال المتقدم محمول على الاشتباه.

و لا نرى مانعا من صدور الاشتباه منه (قده) لعدم عصمته عن الخطأ حيث أن العصمة لأهلها.

فالمتلخص أن مطهرية الأرض لباطن النعل و القدم و الخف و غيرها ما يتعارف التنعل به مما لا ينبغي الخلاف فيه.

و تدل على ذلك النصوص الواردة في المقام، و جملة منها و ان كانت ظاهرة في إرادة الرجل و القدم أعني نفس العضو و البشرة فلا تعم ما قد يقترن بها من خف أو نعل أو غيرهما- لعدم كونها نفس العضو و البشرة و لو تجوزا بعلاقة المشارفة- و معه لا تكون الأرض مطهرة لغير العضو مما يتنغل به عادة.

إلا أنه لا بد من التعدي عن البشرة الى كل ما يتعارف المشي به على الأرض لما ستقف عليه من الوجوه.

و توضيح الكلام في المقام يتوقف على نقل الأخبار الواردة في المسألة «منها»: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل وطأ على عذرة

____________

(1) قال قلت لأبي عبد اللّٰه(ع) إن قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثم صليت فقال: لا بأس. المروية في باب 31 من أبواب النجاسات من الوسائل.

113

..........

____________

فساخت رجله فيها، أ ينقض ذلك وضوءه؟ و هل يجب عليه غسلها؟ فقال:

لا يغسلها إلا أن يقذرها، و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلي (1) و هي تامة الدلالة و السند إلا أنها مختصة بالرجل الظاهرة في إرادة نفس البشرة.

و «منها»: ما عن معلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء، أمر عليه حافيا؟

فقال: أ ليس وراءه شيء جاف؟ قلت: بلى. قال: فلا بأس إن الأرض يطهر بعضها بعضا (2) و هي كسابقتها من حيث الدلالة و اختصاصها بالبشرة.

«منها»: رواية حفص ابن أبي عيسى قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) إن وطأت على عذرة بخفي و مسحته حتى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه؟

فقال: لا بأس (3) و هي واردة في الخف.

و لكن قد يقال إن نفي البأس عن الصلاة في الخف بعد مسحه و ازالة العين عنه لعله مستند الى أن الخف مما لا تتم فيه الصلاة فلا يتيسر- مع هذا الاحتمال- أن يستدل بها على طهارة الخف بالمسح.

و يدفعه أن الظاهر المستفاد من السؤال و الجواب الواردين في الرواية أنهما راجعان إلى طهارة الخف و نجاسته، و لا ظهور للرواية في السؤال عن كون الخف مما لا تتم فيه الصلاة ليكون الجواب ناظرا اليه.

على أن الامام (عليه السلام) قرر السائل على ما ارتكز في ذهنه من عدم جواز الصلاة في الخف على تقدير عدم ازالة العين عنه. و لا خفاء في أن صحة الصلاة فيه لو كانت مستندة إلى كونه مما لا تتم فيه الصلاة لم يفرق في ذلك بين صورتي وجود العين و إزالتها على ما تقدمت الإشارة إليه سابقا.

و هذه قرينة واضحة على أن الرواية سيقت لبيان طهارة الخف بالمسح

____________

(1) المروية في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المروية في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل.

114

..........

____________

فلا مانع من الاستدلال بالرواية من هذه الجهة.

نعم الرواية ضعيفة السند بحفص بن أبي عيسى المجهول فلا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة.

و «منها»: صحيحة الأحول عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا قال: لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك (1) و هي أيضا مطلقة كما يأتي عليها الكلام.

و «منها»: ما رواه محمد الحلبي قال: نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال: أين نزلتم؟ فقلت نزلنا في دار فلان، فقال: إن بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا، أو قلنا له: إن بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس إن الأرض تطهر بعضها بعضا.

قلت و السرقين الرطب أطأ عليه فقال: لا يضرك مثله (2) و هي غير مقيدة بالقدم و البشرة. بل مقتضى إطلاقها أن الأرض تطهر باطن القدم و الخف و غيره مما يتنعل به عادة.

و «منها» ما رواه في آخر السرائر نقلا عن نوادر أحمد بن أبي نصر عن المفضل بن عمر، عن محمد الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قلت له: إن طريقي الى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه و ليس عليّ حذاء فيلصق برجلي من نداوته، فقال: أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت بلى قال: فلا بأس إن الأرض تطهر بعضها بعضا قلت: فأطأ على الروث الرطب؟

قال: لا بأس أنا و اللّٰه ربما وطئت عليه ثم أصلي و لا أغسله (3). و هي مقيدة بالقدم كما هو ظاهر.

____________

(1) المروية في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المروية في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل.

115

..........

____________

و ربما يورد على هاتين الروايتين بأنهما متنافيتان- نقلا- لأن ظاهرهما الحكاية عن قضية واحدة نقلها محمد الحلبي و غاية الأمر أن الراوي عن الحلبي شخصان و قد رواها أحدهما مقيدة بالرجل و رواها الآخر مطلقة فأحد النقلين يناقض الآخر.

هذا و لا يخفى أن الروايتين إن حملناهما على تعدد الواقعة- كما هو غير بعيد- بأن يقال إن الراوي سأله (عليه السلام) عن مسألة واحدة مطلقة تارة و مقيدة بالرجل أخرى حتى يطمئن بحكمها فإن المشي حافيا لا يناسب الحلبي و لا يصدر عن مثله إلا نادرا فسأله عن حكمه مرة ثانية حتى يطمئن به فهما روايتان و لا مانع من كون إحداهما مطلقة و الأخرى مقيدة بالرجل فنأخذ معه بإطلاق المطلقة و هي تقتضي اطراد الحكم في كل ما يتعارف المشي به من أسفل القدم و الخف و غيرهما.

و أما إذا قلنا بوحدة الواقعة في الروايتين لاستبعاد التعدد في الواقعة- و لا نرى أي بعد في تعددها كما مر- سقطت الروايتان عن الاعتبار للعلم بعدم صدور إحداهما عن الامام (عليه السلام) و لا ندري أنه أيهما.

و الوجه في اختلاف النقل حينئذ أن الحلبي إما انه نقل الرواية لأحد الروايين بألفاظها و نقلها للآخر بمعناها بتوهم عدم اختلاف المعنى بذلك أو أنه نقلها لكلا الروايين بالألفاظ، إلا أن أحدهما نقل الرواية على غير النمط الذي سمعه.

ثم انك إذا أحطت خبرا بالأخبار الواردة في المقام عرفت أن الصحيح عدم اختصاص الحكم بالرجل و البشرة و أنه مطرد في كل ما يتنعل به عادة. و يمكن الاستدلال على ذلك بوجوه:

«الأول»: التقريب المتقدم في الاستدلال برواية حفص- مع الغض عن سندها- فإنها دلت على طهارة الخف بمسحه بالأرض، و حيث أن الخف لا يحتمل أن تكون له خصوصية في المقام فيستكشف بذلك عمومية الحكم للنعال

116

..........

____________

و غيره مما يتعارف المشي به.

«الثاني»: عموم التعليل الوارد في بعض الأخبار المتقدمة (1) أعني قوله (عليه السلام) «إن الأرض يطهر بعضها بعضا» حيث يدل على أن الأرض تطهر النجاسة الحاصلة منها مطلقا من دون فرق في ذلك بين أسفل القدم و الخف و غيرهما.

بيان ذلك أن نجاسة أسفل القدم أو الخف أو غيرهما انما حصلت من الأرض كما أشير إليه في بعض الروايات بقوله (عليه السلام) ان طريقي الى المسجد في زقاق يبال فيه (2) و في آخر: ان بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا (3) و لأجله صح أن يقال ان الأرض الطاهرة تطهر الأرض النجسة و هذا لا بمعنى أنها تطهر الأرض النجسة بنفسها بل بمعنى أنها تطهر الأثر المترشح من الأرض القذرة و هو النجاسة فوزان ذلك وزان قولنا: الماء يطهر البول و الدم و غيرهما من الأعيان النجسة مع أن العين النجسة غير قابلة للتطهير و لا يكون الماء مطهرا لها بوجه إلا أنه لما أمكن أن يكون مزيلا و مطهرا من الآثار الناشئة عن الأعيان النجسة و هي النجاسة صح أن يقال ان الماء مطهر للبول.

و هذا تعبير صحيح و لا حاجة معه الى تفسير الجملة المذكورة بما عن المحدث الكاشاني (قده) من انها بصدد بيان أمر عادي و هو انتقال القذارة من الموضع المتنجس من الأرض إلى الموضع الآخر منها بوضع القدم و رفعها حتى لا يبقى على الأرض شيء من النجاسة.

و لا الى تفسيرها بما عن الوحيد البهبهاني (قده) من أن معناها أن بعض

____________

(1) تقدمت هذه الجملة في الرواية الاولى و الثانية للحلبي و رواية المعلى و تأتي في حسنة محمد بن مسلم الآتية.

(2) و هي الرواية الثانية للحلبي.

(3) و هي الرواية الأولى للحلبي.

117

..........

____________

الأرض- أي الطاهرة منها- يطهر بعض المتنجسات كالنعل، لمكان أن- بعضا- نكرة.

و ذلك لما عرفت من أن ظاهره حسب المتفاهم العرفي أن الأرض الطاهرة تطهر الأرض النجسة بالمعنى المتقدم، و هي واردة لبيان أمر شرعي فحملها على ارادة بيان أمر عادي أو على كون الأرض مطهرة لبعض المتنجسات خلاف الظاهر و لا يمكن المصير اليه.

ثم إن تلك الجملة و إن كانت مجملة في بعض مواردها كما في حسنة محمد بن مسلم قال: كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) إذ مر على عذرة يابسة فوطأ عليها فأصابت ثوبه، فقلت: جعلت فداك قد وطئت على عذرة فأصابت ثوبك! فقال:

أ ليس هي يابسة؟ فقلت: بلى قال: لا بأس ان الأرض يطهر بعضها بعضا (1) لأن عدم تنجس ثوبه (عليه السلام) و طهارته من جهة يبوسة العذرة غير مرتبطة بقوله: إن الأرض يطهر بعضها بعضا. و هو كمضمون رواية عمار: كل شيء يابس زكي (2) و من الواضح ان ذلك أجنبي عن التعليل الوارد في الرواية فالجملة مجملة في الحسنة.

إلا أن إجمالها في مورد لا يضرها في غيره لما عرفت من أنها واضحة الدلالة على مطهرية الأرض للأثر الناشئ من الأرض النجسة. و كيف كان فمقتضى عموم التعليل اطراد الحكم و شموله لكل ما يتنعل به عادة.

«الثالث»: صحيحة الأحول المتقدمة (3) حيث انها مطلقة لعدم استفصاله (عليه السلام) بين وطء الموضع حافيا و وطئه متنعلا. و ترك الاستفصال يدل

____________

(1) المروية في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 31 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

(3) في ص 114

118

أو المسح بها (1) بشرط زوال عين النجاسة (2) إن كانت، و الأحوط (3)

____________

على عدم اختصاص الحكم بأسفل القدم.

و هذه الرواية صحيحة السند و تامة الدلالة غير انها اشتملت على تحديد المشي بخمسة عشر ذراعا. و المشهور لا يلتزم به لذهابهم إلى كفاية مطلق المشي و أن الحد هو النقاء و لو حصل بالمشي بما هو أقل من خمسة عشر ذراعا.

إلا أن ذلك لا يضر بالاستدلال بها. بل ان أمكننا حمله على الاستحباب أو على بيان أن النقاء- عادة- لا يتحقق بأقل من المقدار المذكور فهو و إلا فلا مناص من الأخذ به و تحديد المشي بخمسة عشر ذراعا.

(1) كما ورد في صحيحة زرارة و رواية حفص المتقدمتين (1).

(2) و ذلك مضافا إلى الارتكاز- فان التطهير بالأرض لا يزيد على التطهير بالماء و قد مر اعتبار ازالة العين فيه- تدل عليه صحيحة زرارة: و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها. و رواية حفص حيث حكم (عليه السلام) فيها بحصول الطهارة فيما فرضه السائل بقوله: إن وطئت على عذرة بخفي و مسحته حتى لم أر فيه شيئا.

و معه يعتبر في مطهرية الأرض لأسفل النعل و القدم زوال عين النجس بحيث لو انجمدت تحتهما- كما في الدم و نحوه- و لم تزل بالمشي أو المسح لم يحكم بطهارتهما

(3) و الوجه في هذا الاحتياط اعنى الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة و عدم التعدي إلى النجاسة الحاصلة من الخارج كما إذا انفجر ما في أسفل قدمه من الدمل لدى المشي و أصاب الدم خفه أو رجله.

هو أن الروايات المتقدمة إنما وردت في النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض كوطء العذرة الموجودة فيها و المرور على الطريق المتنجس و غيرها من الموارد. و لا مناص معه من الاقتصار على المقدار المتيقن من الاخبار و هي النجاسة الحاصلة من المشي

____________

(1) في ص 113

119

..........

____________

و أما المقدار الزائد على ذلك فيرجع فيه إلى عموم أو إطلاق ما دل على أن النجاسة يعتبر في إزالتها الغسل بالماء لانه مقتضى القاعدة عند إجمال المخصص لدورانه بين الأقل و الأكثر.

و يؤيده ما تقدم في تفسير قوله (عليه السلام) ان الأرض يطهر بعضها بعضا. من أن تعبيره (عليه السلام) عن مطهرية الأرض لباطن النعل و القدم و غيرهما بقوله إن الأرض انما هو من جهة أن النجاسة كانت ناشئة من الأرض و لأجله صح أن يقال: إن الأرض الطاهرة مطهرة للأرض القذرة أي للنجاسة الناشئة منها. و مع كون الأثر و هي النجاسة مستندة إلى غير الأرض لا يصح التعبير المذكور بوجه هذا.

و قد يقال بالتعدي إلى النجاسة الحاصلة من الخارج و يستدل عليه بأمرين «أحدهما»: ما ورد في صحيحة زرارة جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان و لا يغسله و يجوز أن يمسح رجليه و لا يغسلهما (1) فان قوله (عليه السلام) يجوز أن يمسح رجليه يدلنا- بإطلاقه- على مطهرية المسح في كل من النجاسة الناشئة من الأرض و النجاسة الناشئة من غيرها.

و يدفعه «أولا»: أن من المحتمل القوي أن يكون قوله: و يجوز أن يمسح رجليه. ناظرا إلى المسح في الوضوء لنفي ما يزعمه أهل الخلاف من اعتبار غسل الرجلين فيه، و من هنا قال: و يجوز أن يمسح .. مع أن مسحهما من الشرائط المعتبرة في الوضوء فهو أمر لازم لا جائز. و عليه فالرواية أجنبية عما نحن بصدده.

و «ثانيا»: أن الرواية لو سلم كونها ناظرة إلى مطهرية المسح فلا شك في أنها ليست بصدد البيان للقطع بعدم كون المسح مطهرا مطلقا كالمسح بالخرقة

____________

(1) المروية في ب 30 من أبواب أحكام الخلوة و في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل.

120

..........

____________

أو الخشب و نحوهما فلا إطلاق للرواية حتى يدل على مطهرية الأرض من النجاسة الحاصلة من الخارج.

و «ثانيهما»: ما ذكره المحقق الهمداني (قده) و توضيحه أن مقتضى الارتكاز عدم الفرق في مطهرية الأرض بين النجاسة الحاصلة من الأرض و بين الحاصلة من غيرها، إذ لا يتبادر من الاخبار سوى أن المسح أو المشي مطهر للرجل أو الخف من النجاسة من غير أن تكون لكيفية وصولها إلى الرجل مدخلية في الحكم.

و من هنا لا يتوهم أحد فرقا بين أن تكون العذرة التي يطؤها برجله مطروحة على الأرض أو على الفراش. و بهذا الارتكاز العرفي نتعدى عن مورد الروايات الى مطلق النجاسة سواء حصلت بالمشي على الأرض أو بغيره هذا.

و لا يخفى أن الارتكاز العرفي و إن كان يقتضي عدم الفرق بين كون العذرة مطروحة على الأرض أو على الفراش إلا أن الكلام في المقام غير راجع إلى النجاسة المستندة إلى المشي و ان لم تكن ناشئة من الأرض و ذلك إذ قد لا تصل النعل أو الرجل إلى الأرض أصلا لحيلولة العذرة أو غيرها من النجاسات بينهما كما أشير إليه في صحيحة زرارة حيث قال: فساخت رجله فيها (1) أو لكون العذرة الموطوءة مطروحة على خرقة أو خشبة أو غيرهما من الأشياء الموجودة في الطريق فلا يعتبر أن تكون النجاسة ناشئة من الأرض و انما يعتبر استناد النجاسة إلى المشي سواء أ كانت العذرة واقعة على الأرض أم على الفراش فما أفاده (قده) خارج عن محل الكلام.

و انما كلامنا فيما إذا استندت النجاسة إلى الخارج و غير المشي كما في المثال المتقدم حيث أن تنجس الأصابع بالدم حينئذ غير مستند إلى المشي

____________

(1) المتقدمة في ص 113

121

الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة دون ما حصل من الخارج و يكفى مسمى المشي أو المسح (1) و إن كان الأحوط المني خمس عشرة خطوة (2)

____________

و في مثله إن أقمنا دليلا قطعيا على عدم الفرق بين النجاسة الحاصلة بالمشي و النجاسة الحاصلة بغيره فهو و إلا فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن و هو النجاسة الحاصلة بالمشي و في المقدار الزائد يرجع إلى العموم أو الإطلاق و هما يقتضيان إناطة تطهير المتنجس بالغسل بالماء. و لا سبيل لنا إلى مناطات الأحكام الشرعية و ملاكاتها و نحتمل- وجدانا- أن تكون لكيفية وصول النجاسة بالمشي مدخلية في الحكم.

و يشهد على ذلك ملاحظة أحجار الاستنجاء لأنها مطهرة من العذرة في المحل و أما إذا كانت في غيره من الثوب و البدن و نحوهما فالاحجار لا ترفع أثرها بوجه.

(1) لإطلاق النصوص عدا صحيحة الأحول (1) حيث حددت المشي بخمسة عشر ذراعا.

و لكن الصحيح كفاية المسمى لأن دلالة صحيحة زرارة على أن المناط في حصول الطهارة هو النقاء و زوال عين النجس أقوى من دلالة الصحيحة المتقدمة على التحديد بخمسة عشر ذراعا، لانه من المحتمل أن يكون التحديد في الصحيحة جاريا مجرى الغالب من توقف إزالة النجاسة على المشي بذلك المقدار و يتقوى هذا الاحتمال بملاحظة قوله (عليه السلام) أو نحو ذلك. فلاحظ.

(2) الذي ورد في صحيحة الأحول انما هو خمسة عشر ذراعا. و ليس من خمس عشرة خطوة عين و لا أثر في الروايات، و الفرق بين الخطوة و الذراع

____________

(1) المتقدمة في ص 114.

122

و في كفاية مجرد المماسة (1) من دون مسح أو مشي إشكال (2)

____________

بالثلث، فلا وجه لما ذكره الماتن من أن الأحوط المشي خمس عشرة خطوة.

فلو أنه أراد أن يبين مقدار خمسة عشر ذراعا بالخطوات لوجب أن يقول الأحوط المشي عشر خطوات لان الفاصل بين القدمين مقدار ذراع و مكان القدمين بمقدار نصف ذراع فتكون الخطوة الواحدة ذراعا و نصفا كما أن خمسة عشر ذراعا يعادل عشر خطوات على ما أشرنا إليه في التعليقة فليراجع.

(1) كما إذا وقعت نعله على الأرض و بذلك زالت عنها عين النجس أو أنها وقعت على الأرض و تحققت المماسة إذا لم تكن مشتملة على عين النجس.

(2) و لعل الوجه فيه أن رواية الحلبي (1) دلت على انحصار المطهر بالمشي و ذلك من جهتين:

«إحداهما»: قوله (عليه السلام) أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ لأنه (عليه السلام) بصدد البيان و التحديد و ذكر في هذا المقام أ ليس تمشي .. و هو حينئذ ظاهر الدلالة على حصر المطهر في المشي.

و «ثانيتهما»: قوله (عليه السلام) فلا بأس و قد فرع قوله هذا على المشي فدل ذلك على أن قوله: فلا بأس تصريح بتالي المقدم المحذوف و حاصله: إن مشيت بعد ذلك فلا بأس. و دلالته حينئذ على عدم كفاية غير المشي لا تقبل الإنكار إلا أنا خرجنا عن ذلك في المسح بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها .. و قوله لا بأس في رواية حفص- على تقدير اعتبارها- جوابا عما سأله الراوي بقوله: إن وطئت على عذرة بخفي و مسحته حتى لم أر فيه شيئا. فبهاتين الروايتين يقيد مفهوم الرواية المتقدمة و يكون النتيجة أن المطهر أمران: المشي على الأرض و المسح بها.

____________

(1) المتقدمة في ص 114

123

و كذا في مسح التراب عليها (1)

____________

و أما مجرد المماسة فمقتضى الرواية عدم كفايتها فلو شككنا في ذلك و لم ندر أن المماسة كافية أو ليست بكافية فالمرجع هو المطلقات الدالة على اعتبار الغسل بالماء في إزالة النجاسات.

(1) كما إذا أخذ حجرا أو شيئا من التراب و مسح به رجله أو نعله.

و ظاهر الماتن أن الاشكال في هذه الصورة انما نشأ عن احتمال أن يكون المعتبر هو مسح الأرض بالرجل أو النعل فلو انعكس بان مسحهما بالأرض لم يمكن الحكم بكفايته هذا.

و لكن الصحيح أن الاشكال في هذه الصورة إنما ينشأ من انفصال الاجزاء الأرضية من الأرض لأن الحجر أو المقدار المأخوذ من التراب و ان كان حال كونه متصلا بالأرض مما لا إشكال في كفاية المسح أو المشي عليه.

و لكنه إذا انفصل لم يمكن الحكم بكفايته و ذلك لانه ليس بأرض و انما هو من الأرض و الاخبار المتقدمة إنما دلت على مطهرية الأرض فحسب و أما ما هو جزء من الأرض و لكنه ليس بأرض فلم يقم دليل على مطهريته.

و يدل على ذلك التعليق في بعضها بأن الأرض يطهر بعضها بعضا بمعنى أن الأرض الطاهرة تطهر الأرض النجسة بالمعنى المتقدم. فإن مقتضاه أن الأرض مطهرة لا ما هو من أجزائها.

و من ثمة لا يفرق في الأشكال الذي ذكرناه بين أن يمسح الرجل أو النعل بالحجر أو التراب المأخوذين من الأرض و بين أن يمسح الحجر أو التراب المأخوذين من الأرض بالنعل أو الرجل فإن الماسحية و الممسوحية في الاشكال سواء و هذا بخلاف ما إذا كان منشأ الاشكال هو ما يوهمه ظاهر الماتن فان لازمة الحكم بكفاية المسح في الصورة الثانية كما لعله ظاهر.

124

و لا فرق في الأرض بين التراب و الرمل و الحجر الأصلي (1) بل الظاهر كفاية (2) المفروشة بالحجر، بل بالآجر، و الجص و النورة.

____________

نعم يأتي منافي المسألة الثانية من مسائل المقام ما يدل على كفاية المسح بالاجزاء المنفصلة من الأرض فيما لا يمكن عادة أن يمسح بالاجزاء المتصلة منها فليلاحظ.

(1) كما إذا كانت الأرض ذات رمل، أو حجر، أو تراب من الابتداء و ذلك لإطلاق الأرض الواردة في الاخبار و لعل هذا مما لا اشكال فيه.

و انما الكلام في كفاية الأرض الرملية أو الحجرية بالعرض و هو الذي أشار إليه بقوله: بل الظاهر كفاية المفروشة ..

(2) لان المفروشة بالحجر أو بغيره من الاجزاء الأرضية يصح أن يقال انها أرض حقيقة فإن الحجر- مثلا- من الاجزاء الأرضية كما عرفت و انما انتقل من مكانه إلى مكان آخر و من الواضح أن الانتقال غير مانع من صدق عنوان الأرض بوجه.

ثم ان فرش الأرض بالحجر أو بغيره من أجزائها أمر متعارف بل هو أمر غالبي في البلاد و ليس من الأمور النادرة ليدعى انصراف الأرض عن المفروشة بالحجر أو بغيره.

ثم لو قلنا بعدم صدق الأرض على المفروشة بشيء من الاجزاء الأرضية فهل يمكننا الحكم بطهارة باطن الرجل أو النعل بالمسح أو المشي عليها؟

قد يقال بطهارتهما بذلك نظرا إلى أن استصحاب نجاستهما السابقة يعارض استصحاب مطهرية الاجزاء الأرضية المفروشة فيتساقطان كما هو الحال في جميع الاستصحابات التعليقية فإن استصحاب المطهرية تعليقي في المقام و تقريبه: أن تلك الاجزاء المفروشة كالحجر و غيره كانت- قبل أن تنتقل من مكانها- مطهرة

125

نعم يشكل كفاية المطلي بالقير (1) أو المفروش باللوح من الخشب،

____________

لباطن الرجل أو الخف لو مسح أو مشي عليها و إذا انتقلت عن مكانها حكم بكونها أيضا كذلك بالاستصحاب و هو يعارض باستصحاب نجاستهما السابقة و لأجل ذلك يتساقطان و تنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة و ببركتها يحكم بطهارة باطن الرجل أو النعل في مفروض الكلام.

و فيه بعد الغض عن عدم اعتبار الاستصحابات التعليقية في نفسها و عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية- التي منها استصحاب النجاسة- في المقام أن المورد ليس من موارد الرجوع إلى قاعدة الطهارة بل لا بد من الرجوع فيه إلى الإطلاقات المقتضية لاعتبار الغسل بالماء في تطهير المتنجسات و عدم جواز الاكتفاء بغيره.

فان المقدار المتيقن مما خرج عن تلك المطلقات انما هو صورة المسح أو المشي على الأرض غير المفروشة و أما الزائد المشكوك فيه فيبقى تحت المطلقات لا محالة

(1) لعدم صدق الأرض عليها و كذا الحال في المفروش بالصوف أو القطن أو غيرهما مما ليس من الاجزاء الأرضية. نعم ورد في صحيحة الأحول و رواية المعلى المتقدمتين (1) ما بإطلاقه يشمل المقام و هو قوله «مكانا نظيفا» و «شيء جاف» لشمولهما المطلي بالقير و المفروش بالقطن و نحوه إلا أن مقتضى التعليل الوارد في جملة من الاخبار المتقدمة أعني قوله (عليه السلام) «إن الأرض يطهر بعضها بعضا» تقييد الروايتين المتقدمتين بالأرض و عدم ترتب الطهارة على المشي فيما ليس بأرض، و يؤيده رواية السرائر عن الحلبي لاشتمالها على اعتبار المشي في الأرض اليابسة.

____________

(1) في ص 113- 114.

126

مما لا يصدق عليه اسم الأرض، و لا إشكال في عدم كفاية المشي (1)-

____________

(1) يتصور المشي على الأرض بوجوه:

«الأول»: أن يقع المشي على الاجزاء الأرضية الأصلية كما في الأراضي الحجرية أو الرملية و نحوهما و لا إشكال في مطهرية المشي حينئذ على تفصيل قد تقدم «الثاني»: أن يقع المشي على الاجزاء العرضية كالمشي على الأرض المفروشة بالأحجار- مثلا- و قد قدمنا أن المشي عليها أيضا مطهر لأنها من الأرض.

«الثالث»: أن يقع المشي على أجزاء عرضية تعد بالنظر العرفي من الأرض و إن لم تكن كذلك حقيقة و هذا كالمشي على الأرض المفروشة بالقير المعبر عنه- في زماننا هذا- بالتبليط أو المفروشة بالالواح و نحوها لأنها خارجة عن الأرض حقيقة إلا أنها لمكان اتصالها بها تعد من الأرض- مسامحة- و الأقوى في هذه الصورة. عدم كفاية المشي عليها لأنها و ان كانت تطلق عليها الأرض عرفا و مسامحة الا أنها ليست من الأرض حقيقة.

«الرابع»: أن يقع المشي على الاجزاء العرضية غير المعدودة من الأرض عرفا و لا حقيقة لانفصالها من الأرض و ذلك كالالواح المطروحة على الطريق و عدم كفاية المشي في هذه الصورة أظهر من سابقتها لان الاجزاء العرضية كانت في الصورة السابقة متصلة بالأرض و الاتصال مساوق للوحدة.

و هذا بخلاف هذه الصورة لانفصال الاجزاء فيها من الأرض و لا موجب معه نتوهم الاجزاء ابدا. و المشي على النبات و الزرع كالمشي على القير فلا يكتفى به في التطهير بل النبات غير متصل بالأرض- كالقير- و إن كانت مادته و أصوله متصلتين بها فعدم الكفاية في المشي على النبات أظهر، كما أن المشي على الفرش و الحصير و البواري كالمشي على الألواح المطروحة في الطريق و قد عرفت حكمها.

127

على الفرش، و الحصير، و البواري، و على الزرع و النباتات، إلا أن يكون النبات قليلا (1) بحيث لا يمنع عن صدق المشي على الأرض، و لا يعتبر أن تكون في القدم أو النعل رطوبة (2) و لا زوال العين بالمسح أو المشي (3) و إن كان أحوط.

____________

(1) لصدق المشي على الأرض عند قلة النبات و لا سيما في البلدان- دون البوادي- لأن الأرض فيها لا تخلو عن الاجزاء العرضية كأجزاء الحطب أو الخرق مما ليس من الاجزاء الأرضية و مع ذلك يصدق المشي على الأرض عرفا

(2) لإطلاق الروايات.

(3) فإذا زالت العين- قبل المسح أو المشي- بخرقة أو خشبة و نحوهما ثم مسح رجله أو نعله أو مشى بهما على الأرض كفى في الحكم بطهارتهما فلا يعتبر أن يكون زوال العين بالمسح أو المشي.

أما عدم اعتبار زوال العين بالمشي فلعدم تقييد الأدلة الدالة على مطهريته بما إذا زالت العين بالمشي و انما هي مطلقة كقوله (عليه السلام) أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ (1) و أما عدم اعتبار زوالها بالمسح فلا طلاق صحيحة زرارة الدالة على مطهرية المسح كالمشي فإن قوله: و لكنه يمسحها (2) غير مقيد بان يكون المسح بالأرض فيعم المسح بغيرها إلا أنه لا بد من تقييد إطلاقه بذلك نظرا إلى أن المستفاد من النصوص أن المسح قائم مقام المشي في التطهير، و المشي هو الانتقال من مكان إلى مكان بوضع القدم و رفعها.

فغاية ما يمكن استفادته من الروايات أن الشارع ألغى خصوصية الانتقال

____________

(1) المتقدمة في ص 114.

(2) المتقدمة في ص 112- 113.

128

و يشترط طهارة الأرض (1)

____________

من مكان إلى مكان و اكتفى بمجرد وضع الرجل على الأرض و رفعها اعنى المسح و هو في مكانه من غير أن ينتقل الى مكان آخر. و اما إلغاءه خصوصية الأرض فلا يسعنا استفادته منها بوجه، و على ذلك فلا يعتبر في مطهرية الأرض زوال العين بالمسح لانه كما مر قائم مقام المشي و قد مر عدم اعتباره فيه.

(1) ذهب إلى ذلك جماعة نظرا إلى أن المتنجس لا يكفي في تطهير مثله و لا سيما بملاحظة ما هو المرتكز في الأذهان من أن فاقد الشيء لا يكون معطيا له و الى قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» (1) لان معنى الطهور هو ما يكون طاهرا في نفسه و مطهرا لغيره. و إلى غير ذلك من الوجوه.

و عن جماعة منهم الشهيد الثاني «ره» عدم الاشتراط بل ذكر (قده) أن مقتضى إطلاق النص و الفتوى عدم الفرق في الأرض بين الطاهرة و غيرها هذا و ربما ناقش بعضهم في الاشتراط بأن الأحكام الشرعية تعبدية محضة و لا مجال فيها لإعمال المرتكزات العرفية فمن الجائز أن يكون النجس مطهرا لغيره بالتعبد الشرعي. و استقراء موارد التطهير بالمياه و الأحجار في الاستنجاء و غيرها مما اعتبرت فيه الطهارة لا يفيد القطع باعتبارها في كل مطهر.

و الصحيح هو ما ذهب اليه الماتن و غيره من اشتراط الطهارة في مطهرية الأرض و ذلك لوجهين:

«أحدهما»: أن العرف حسب ارتكازهم يعتبرون الطهارة في أي مطهر و لا يجوز عندهم أن يكون المطهر فاقدا للطهارة بوجه و لا سيما بملاحظة أن فاقد الشيء لا يكون معطيا له و لا نرى أى مانع من الاستدلال بالارتكاز. و إن كان قد يناقش فيه. بأنه لا ارتكاز عرفي في التطهير بالأرض و لكنه كما ترى.

____________

(1) راجع ب 7 من أبواب التيمم من الوسائل.

129

و جفافها (1) نعم الرطوبة غير المسرية غير مضرة،

____________

«و ثانيهما»: صحيحة الأحول المتقدمة (1) في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا، قال: لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك. فان قيد النظافة في المكان و ان ورد في كلام السائل دون الامام (عليه السلام) الا أنه يمكن، أن يستدل بالصحيحة على اعتبار الطهارة من جهتين:

«إحداهما»: أن قوله (عليه السلام) لا بأس نفي له عما أخذه السائل في كلامه من القيود و معناه أنه لا بأس بما فرضته من وطء الموضع الذي ليس بنظيف مع وطء المكان النظيف بعده و هذا في الحقيقة بمنزلة أخذ القيود المذكورة في كلام الامام (عليه السلام).

و «ثانيتهما»: أن نفي البأس في كلامه (عليه السلام) قد علق على ما إذا كان خمسة عشر ذراعا. و الضمير في قوله: كان، يرجع الى المكان النظيف أي لا بأس إذا كان المكان النظيف خمسة عشر ذراعا.

و نحن و ان ذكرنا أن التحديد بذلك من جهة أن الغالب توقف زوال العين بالمشي خمسة عشر ذراعا الا أن تعليقه (عليه السلام) عدم البأس على ما إذا كان المكان النظيف كذلك يرجع- بحسب اللب- إلى أنه لا بأس إذا كان المكان النظيف بمقدار تزول عنه العين بالمشي عليه، فإذا لم يكن المكان النظيف بهذا المقدار انتفى المعلق عليه- و هو عدم البأس- لا محالة.

(1) لرواية محمد الحلبي: أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ (2) و رواية المعلى بن خنيس: أ ليس وراه شيء جاف؟ (3) و هما يقتضيان

____________

(1) المتقدمة في ص 114.

(2) المتقدمة في ص 114.

(3) المتقدمة في ص 113.

130

و يلحق بباطن القدم و النعل حواشيهما بالمقدار المتعارف (1) مما يلتزق بهما من الطين و التراب حال المشي و في إلحاق ظاهر القدم أو النعل بباطنهما إذا كان يمشي بهما، لاعوجاج في رجله وجه قوي (2) و إن كان لا يخلو عن اشكال،

____________

اعتبار الجفاف في الأرض، و على ذلك فالأرض الرطبة- مسرية كانت أم لم تكن- لا تكون مطهرة لشيء الا أن تكون الرطوبة قليلة بحيث يصدق معها الجفاف و يصح أن يقال ان الأرض يابسة لأنها غير مضرة حينئذ.

هذا و لكن الروايتين ضعيفتان فان في سند إحداهما المفضل بن عمر و الراوي في الثانية المعلى بن خنيس و هو و ان كنا نعتمد على رواياته الا أن الصحيح أن الرجل ضعيف لا يعول عليه و معه لا يمكن الاستدلال بهما على اعتبار الجفاف في الأرض فلا مانع على ذلك من الالتزام بمطهرية الأرض الندية بمقتضى الإطلاقات. نعم إذا كانت رطبة على نحو تسري رطوبتها الى الرجل لم يكن المشي عليها مطهرا لأنه كل ما يصل من الرطوبة إلى المحل النجس فهو ينجس بالملاقاة فلا بد من زواله في حصول طهارته.

و لعله الى ذلك ينظر ما ذكره الماتن بقوله: نعم الرطوبة غير المسرية غير مضرة.

(1) دون الزائد عن المقدار المتعارف و ذلك لإطلاق الروايات بداهة أن اصابة الأرض أو نجاستها لباطن الرجل أو النعل بخصوصه من دون أن تصيب شيئا من حواشيهما بالمقدار المتعارف مما يلتزق بهما حال المشي قليلة الاتفاق بل لا تحقق لها عادة.

(2) و الوجه في القوة هو أن في مفروض المسألة يصدق وطء الأرض و العذرة، و المشي على الأرض و غير ذلك من العناوين المأخوذة في لسان الاخبار لأن الوطء هو وضع القدم على الأرض من دون أن تؤخذ فيه خصوصية معينة

131

كما أن إلحاق الركبتين و اليدين بالنسبة الى من يمشي عليهما أيضا مشكل (1) و كذا نعل الدابة، و كعب عصا الأعرج، و خشبة الأقطع (2)، و لا فرق في النعل (3) بين أقسامها من المصنوع من الجلود و القطن و الخشب و نحوها مما هو متعارف.

____________

إذا الوطء في كل شخص بحسبه، و بما أن الاعوجاج في الرجل أمر متعارف و كثيرا ما ينفق في كل بلدة و مكان فلا يمكن دعوى انصراف الروايات عن مثله و معه لا مجال للإشكال في المسألة بوجه.

(1) و ذلك لأن وضع اليد أو الركبة على الأرض أجنبي عن المشي بالرجل و القدم، و الأخبار مختصة بالمشي بهما، و ليس فيها ما يعم وضع اليد أو الركبة على الأرض.

و التعليل الوارد في بعضها ان الأرض يطهر بعضها بعضا أيضا لا عموم له، و ذلك لأن الأخبار المشتملة على التعليل انما وردت لبيان عدم انحصار المطهر في الماء و للدلالة على أن الأرض أيضا مطهرة في الجملة، و لم ترد لبيان أنها مطهرة على وجه العموم بل لا يمكن حملها عليه- أي العموم- لاستلزامه تخصيص الأكثر المستهجن.

و أما صحيحة الأحول فهي و ان كانت متضمنة على الوطء، دون المشي الا أنها أيضا غير شاملة للمقام إذ الوطء هو وضع القدم على الأرض، و أما وضع الركبة أو اليد عليها فلا يسمى وطأ بوجه و انما يطلق عليه الوضع.

فإذا لم تشمل الأخبار الواردة للركبتين. و اليدين بالنسبة الى من يمشي عليهما كان إطلاق ما دل على عدم زوال النجاسة بغير الغسل بالماء محكما في المقام

(2) إذ لا يصدق فيها الوطء و لا المشي فلا تشملها الأخبار الواردة في المقام، و لم يقم دليل على أن مجرد المماسة مطهر في الأشياء المذكورة بخصوصها.

(3) لإطلاق الأخبار و شمولها لكل ما يتنعل به عادة و لا يحتمل أن تكون

132

و في الجورب إشكال (1) إلا إذا تعارف لبسه بدلا عن النعل.

____________

لبعض الخصوصيات مدخلية في الحكم.

(1) أشرنا في التعليقة الى أن الجورب محل اشكال و ان تعارف لبسه بدلا عن النعل.

و السر في ذلك أن ما تعارف لبسه- بعد زمانهم (عليهم السلام) غير مشمول للاخبار كما إذا تعارف إلصاق خشبة على باطن القدم أو تعارف لبس شيء جديد وراء الأمور المتعارفة في عصرهم (عليهم السلام) بل الروايات مختصة بالأمور المتعارفة هناك.

و ذلك لأن تلك الروايات غير واردة على نحو القضية الحقيقة حتى تشمل كل ما تعارف لبسه من غير اختصاص في ذلك بعصر دون عصر، إذ لو كان الأمر كذلك لم يكن وجه لاختصاص الروايات بالأشياء المتعارف لبسها بل كانت تشمل كل ما يلبسه الرجل أو غيره و ان لم يكن متعارفا. و هذا مما لا يلتزم به الأصحاب لعدم الخلاف عندهم في اختصاصها بالأمور المتعارف لبسها. و هذا قرينة على أن الأخبار الواردة في المسألة انما هي على نحو القضية الخارجية و انها ناظرة إلى الأمور المتعارفة في عصرهم (عليهم السلام).

ثم ان المتعارف في تلك الأزمنة انما كان أمران: «أحدهما»: المشي حافيا. و «ثانيهما»: المشي متنعلا أو لابسا للخف و نحوهما و لم يدلنا دليل في غير الأمرين المذكورين على حصول الطهارة بالمسح أو المشي. و لا يتعدى عنهما الى غيرهما بوجه.

و التعدي الى جميع أفراد الخف و النعل انما هو من جهة القطع بعدم اعتبار خصوصية نعل دون نعل أو خف و نحوهما لا أنه من جهة كون القضية حقيقية فتعارف لبس الجورب لا يكاد أن تترتب عليه الطهارة بالمشي.

133

و يكفي في حصول الطهارة زوال عين النجاسة و إن بقي أثرها (1) من اللون و الرائحة، بل و كذا الأجزاء الصغار التي لا تتميز (2)، كما في الاستنجاء بالأحجار (3) لكن الأحوط اعتبار زوالها، كما أن الأحوط زوال الأجزاء الأرضية اللاصقة بالنعل و القدم

____________

(1) لأن زوال الأثر بمعنى اللون و الرائحة لا يعتبر في الغسل بالماء فكيف بالتطهير بالتراب. بل اللون و الرائحة لا يزولان بالغسل المتعارف و لا بالمسح و لا المشي و لو بمقدار خمسة عشر ذراعا فعلى فرض القول باعتبار زوالهما فلا مناص من المسح أو المشي الى أن يذهب جلد القدم أو أسفل النعل أو الخف بل قد لا يرتفعان بذلك أيضا، مع أن مقتضى الإطلاقات كفاية مطلق المشي أو المسح فاعتبار الزائد على ذلك خلاف ما نطقت به الروايات.

و أما ما ورد في صحيحة زرارة من قوله: حتى يذهب أثرها (1) فالمتيقن منها ارادة ذهاب العين على نحو لا يبقى منها شيء يعتد به- كما هو المتعارف في الاستعمالات- و أما زوال اللون و الرائحة فقد عرفت أنه لا دليل على اعتباره في الغسل بالماء فضلا عن التطهير بالتراب.

(2) و إن اعتبر زوالها في الغسل بالماء و الوجه في عدم اعتبار زوالها في المقام وضوح أن النجس لا ينقطع بهما على وجه لا يبقى منها اجزاءها الصغار إلا في الأجسام الشفافة لانفصال الأجزاء الصغار عنها بالمسح و مع ذلك حكموا (عليهم السلام) بكفاية المسح و المشي في التطهير، و عليه فمقتضى إطلاقات الأخبار عدم اعتبار زوال الأجزاء الصغار في التطهير بهما.

(3) و في بعض النسخ و لعله الأكثر «كما في ماء الاستنجاء» و الظاهر أنه من سهو القلم و الصحيح أن يشبّه المقام بأحجار الاستنجاء على ما أشرنا إليه في التعليقة كما في بعض النسخ، لأن كلامنا إنما هو في أن المتنجس لا يعتبر في

____________

(1) المتقدمة في ص 113.

134

و إن كان لا يبعد طهارتها أيضا (1).

(مسألة 1) إذا سرت النجاسة إلى داخل النعل لا تطهر بالمشي (2) بل في طهارة باطن جلدها إذا نفذت فيه اشكال و إن قيل بطهارته بالتبع.

____________

تطهيره بالمسح أو المشي زوال الأجزاء الصغار، و أحجار الاستنجاء أيضا كذلك لأنها غير قالعة للأجزاء الصغار عن المحل مع كونها كافية في التطهير و ليس الكلام فيما يتطهر به و أن وجود الأجزاء الصغار غير مانع عن حصول الطهارة به فلا تغفل.

(1) لم يرد بذلك بيان ان الأجزاء الأرضية اللاصقة بباطن القدم و النعل من التراب و غيره طاهرة حتى يستدل عليها بالدلالة الالتزامية و يقال إن الدليل القائم على الطهارة بالمسح يدل بالدلالة الالتزامية على طهارة الأجزاء المتخلفة من الأرض في باطن النعل أو القدم.

و الوجه في عدم ارادة ذلك أن طهارة الأجزاء الأرضية الملاصقة بباطن القدم- مثلا- مقطوع بها لما قدمناه من أن المطهر لا بد من أن يكون طاهرا في نفسه و معه إذا كانت الأرض مطهرة فلا مناص من أن يكون أجزائها أيضا طاهرة.

بل المراد به أن الملاصق بالنعل أو القدم من التراب المتعارف ملاصقته في المشي على الأرض إذا تنجس كنفس الرجل أو القدم و طهرناهما بعد ذلك بالمسح أو المشي طهرت الأجزاء الملاصقة أيضا بالتبع و ذلك لإطلاق الأخبار فإن المشي من دون أن يلتصق شيء من الأجزاء الترابية بباطن الرجل أو القدم لا يكاد أن يتحقق خارجا اللهم إلا أن تكون الأرض حجرية من دون أن يكون فيها شيء من التراب.

(2) لأن ظاهر قوله في صحيحة الأحول: في الرجل يطأ على الموضع

135

(مسألة 2) في طهارة ما بين أصابع الرجل إشكال (1)

____________

الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا .. و غيرها من الأخبار الواردة في طهارة الرجل أو القدم بالمسح أو المشي إنما هو تنجس السطح الخارج من النعل أو القدم بالعذرة أو بالبلل المتنجس بملاقاة الخنزير أو بغيرهما و أن ذلك السطح الخارج يطهر بالمسح أو المشي.

و أما طهارة داخلهما أو جوفهما فلا يستفاد من الأخبار الواردة في المسألة و لم يقم عليها دليل آخر فان التطهير بالأرض لا يزيد على التطهير بالماء فكما أن في غسل السطح الظاهر بالماء لا يمكن الحكم بطهارة الجوف و الداخل فليكن الحال في التطهير بالأرض أيضا كذلك.

(1) لأن النصوص الواردة في المقام- كما عرفت- إنما تدل على طهارة السطح الظاهر من القدم أو النعل بالمسح أو المشي. و أما طهارة مثل ما بين الأصابع الخارج عن سطح القدم أو النعل فلا يمكن أن تستفاد منها بوجه.

نعم ورد في صحيحة زرارة: رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها أ ينقض ذلك وضوءه؟ و هل يجب عليه غسلها؟ فقال: لا يغسلها إلا أن يقذرها و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلي (1) و مقتضاها طهارة ما بين الأصابع أيضا بالمسح لأن الغالب مع السوخ وصول العذرة الى ما بين الأصابع بل الأمر دائما كذلك و مع هذا حكم (عليه السلام) بطهارة الرجل بالمسح فيستفاد منها أن المسح فيما بين الأصابع أيضا مطهر.

بل يدلنا هذا على كفاية المسح بالأجزاء المنفصلة من الأرض فيما يتعذر مسحه بالأجزاء المتصلة منها كما بين الأصابع فإن المتيسر في مثله أن يؤخذ حجر أو مدر من الأرض و يمسح به ما بين الأصابع فإطلاق قوله (عليه السلام) يمسحها

____________

(1) المتقدمة في ص 113.

136

و أما أخمص القدم فان وصل الى الأرض يطهر، و إلا فلا (1) فاللازم وصول تمام الأجزاء النجسة إلى الأرض، فلو كان تمام باطن القدم نجسا و مشى على بعضه لا يطهر الجميع، بل خصوص ما وصل الى الأرض.

(مسألة 3) الظاهر كفاية المسح على الحائط، و إن كان لا يخلو عن إشكال (2).

____________

يقتضي كفاية المسح بتلك الكيفية أيضا و قد أشرنا الى ذلك فيما تقدم و مع ذلك فقد منعنا عن كفاية المسح بالأجزاء المنفصلة في مثل سطح الرجل أو النعل و غيرها مما يمكن أن يمسح بالأجزاء المتصلة من الأرض بسهولة.

(1) لأن الأخبار الواردة في المقام دلت على طهارة الموضع الذي يمس الأرض بالمشي أو المسح دون المواضع التي لا تمسها. و من هنا لو تنجست رجله فمشى على أصابعه لم يحكم بطهارة غير الأصابع منها.

و يوضحه: أن التطهير بالأرض لا يكون أقوى من التطهير بالماء، و لم يختلف اثنان في أن الغسل بالماء لا يطهر سوى الموضع المغسول به فكيف تكون الأرض مطهرة للمواضع التي لا تمسها؟! فأخمص القدم لا تطهر إلا بالمسح أو المشي على الأراضي غير المسطحة حتى تصل إلى الأرض و تمسها.

(2) لا منشأ للاستشكال في كفاية المسح على الحائط لأنه من الاجزاء الأرضية و غاية ما هناك أنها أجزاء مرتفعة عن الأرض بالجعل، و لكن الارتفاع بالجعل كالارتفاع الأصلي في الجبال غير مانع عن كفاية المسح بوجه هذا.

بل لا مجال للتوقف في المسألة حتى بناء على اشتراط الاتصال، و ذلك لوضوح اتصال الحائط بالأرض فإذا مسح رجله على الحائط صدق أنه مسح رجله على الأرض فما ربما يتوهم من انصراف الأدلة عنه مما لا وجه له.

137

(مسألة 4) إذا شك في طهارة الأرض يبني على طهارتها (1) فتكون مطهرة إلا إذا كانت الحالة السابقة نجاستها، و إذا شك في جفافها لا تكون مطهرة إلا مع سبق الجفاف فيستصحب (2).

(مسألة 5) إذا علم وجود عين النجاسة أو المتنجس لا بد من العلم بزوالها (3) و أما إذا شك في وجودها (4) فالظاهر كفاية المشي (5) و إن لم يعلم بزوالها على فرض الوجود.

____________

(1) لما تقدم من اعتبار الطهارة في مطهرية الأرض فمع الشك في تحققها لا مانع من إحرازها بالاستصحاب لعدم كون الأرض متنجسة أزلا، و إذا فرضنا عدم جريانه لمانع كما إذا كانت الأرض مسبوقة بحالتين متضادتين بأن كانت طاهرة في زمان و متنجسة في زمان آخر و اشتبه المتقدم بالمتأخر منهما أيضا حكمنا بطهارتها بقاعدة الطهارة.

(2) لأن جفاف الأرض شرط في مطهريتها و الاستصحاب يحرزه إلا إذا لم تكن الأرض مسبوقة بالجفاف، لأنه أمر وجودي فمع الشك في تحققه يبني على عدمه بالاستصحاب.

(3) لأن زوال عين النجس شرط في حصول الطهارة بالمشي أو المسح على ما استفدناه من صحيحة زرارة: يمسحها حتى يذهب أثرها .. (1) فلا مناص من إحرازه، و مع الشك فيه لا يمكن الحكم بحصول الطهارة بوجه.

(4) بأن علم بتنجس نعله أو رجله و لم يدر بوجود عين النجس لاحتمال انفصالها عنهما بعد الاتصال و الملاقاة.

(5) لأن الأصل عدمها، هذا و لا يخفى أن مماسة الأرض لباطن القدم أو النعل معتبرة في مطهريتها

____________

(1) راجع ص 113.

138

(مسألة 6) إذا كان في الظلمة و لا يدري أن ما تحت قدمه أرض أو شيء آخر من فرش و نحوه لا يكفي المشي عليه فلا بد من العلم بكونه أرضا (1) بل إذا شك في حدوث فرش أو نحوه بعد العلم بعدمه يشكل الحكم بمطهريته أيضا (2).

____________

- كما مر- و مع الشك في وجود العين لا تحرز المماسة بوجه لأنها على تقدير وجودها حائلة بينهما و بين الأرض، و أصالة عدم العين لا أصل لها، إذ لا أثر شرعي يترتب على عدمها حتى يجري فيه الاستصحاب بل الأثر مترتب على مماسة الأرض لباطن القدم أو النعل، و استصحاب عدمها لإثبات المماسة من أظهر أنحاء الأصول المثبتة و هو نظير ما لو شك- بعد غسل المتنجس- في زوال العين و عدمه، فان استصحاب عدمها لا أثر له في نفسه و استصحابه لإثبات تحقق الغسل- لتقومه بزوال العين- مثبت و لا اعتبار بالأصول المثبتة بوجه ففي موارد الشك في وجود العين لا بد من العلم بزوالها على تقدير الوجود.

(1) لأن المطهر ليس هو مطلق المسح أو المشي، و إنما المطهر خصوص المسح أو المشي في الأرض فلا بد في طهارة القدم و النعل من إحراز وقوعهما على الأرض.

(2) و الوجه في الاستشكال أن استصحاب عدم كون الأرض مفروشة أو عدم حدوث الفرش لا يثبت وقوع المسح أو المشي على الأرض، و مع الشك في ذلك لا يمكن الحكم بمطهريتها.

و أشكل من ذلك ما إذا لم تكن الأرض موردا للاستصحاب كما إذا كانت مسبوقة بحالتين متضادتين ككونها مفروشة في زمان و غير مفروشة في زمان آخر، و اشتبه المتقدم بالمتأخر منهما، و ذلك لأنه ليس هناك استصحاب حينئذ ليتوهم كفايته في الحكم بمطهرية الأرض.

139

(مسألة 7) إذا وقع نعله بوصلة طاهرة فتنجست تطهر بالمشي (1) و أما إذا رقعها بوصلة متنجسة (2) ففي طهارتها اشكال لما مر من الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة.

«الثالث»: من المطهرات: الشمس (3).

____________

(1) لأن الرقعة فيما يتنعل به أمر شائع لا ندرة فيها، و معه يشملها إطلاق الروايات فإذا تنجست بعد توصيلها حكم بطهارتها بالمشي أو المسح لصيرورتها جزء من النعل بالعرض، و إن لم يكن من الأجزاء الأصلية لها إلا أن مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الأجزاء الأصلية و العرضية.

(2) بأن كانت الرقعة متنجسة قبل صيرورتها جزء من النعل. و ليس منشأ الاشكال حينئذ هو ما ذكره الماتن (قده) إذ لو لم نقتصر على النجاسة الناشئة من الأرض أيضا استشكلنا في طهارة الرقعة حينئذ.

و ذلك لأن النصوص الواردة في المسألة إنما تدل على أن الرجل أو النعل إذا تنجست بالنجاسة الحاصلة من الأرض أو من غيرها حكم بطهارتها بالمسح أو المشي فالموضوع في الحكم بالطهارة انما هو تنجس النعل أو الرجل لا تنجس غيرهما من الأمور و الرقعة حينما تنجست لم تكن داخلة في شيء منهما. كما انها بعد ما صارت جزء من النعل لم تتنجس على الفرض، فالمتحصل أن الأجزاء المتنجسة إذا صارت جزء من النعل لم يمكن الحكم بطهارتها بالمسح أو المشي.

مطهرية الشمس

(3) الكلام في مطهرية الشمس من جهات:

«الاولى»: أن الشمس هل هي كالماء مطهرة للأشياء المتنجسة- و لو في الجملة- أو أنها لا تؤثر إلا في العفو عن النجاسة في بعض آثارها كالتيمم

140

..........

____________

و السجود على الموضع المتنجس الذي جففته الشمس من الأرض و الحصر و البواري؟

«الثانية»: أن الشمس هل هي مطهرة للأرض بخصوصها أو أن مطهريتها غير مختصة بها؟ و على الثاني هل هي مطهرة لجميع المتنجسات المنقولة و غير المنقولة أو أنها مختصة بالمتنجس غير المنقول؟.

«الثالثة»: أن مطهريتها خاصة بالبول أو يعم جميع النجاسات و المتنجسات؟

«أما الجهة الاولى»: و هي التي أشار إليها الماتن بقوله: الشمس و هي تطهير .. فالمشهور بين أصحابنا أن الشمس من المطهرات في الجملة. بل عن بعضهم دعوى الإجماع في المسألة فجواز التيمم و السجود على ما جففته الشمس من المواضع المتنجسة مستند الى طهارتها بذلك، لا الى أن الشمس تؤثر في العفو عنهما مع بقاء الموضع على نجاسته، و عن المفيد و جماعة من القدماء و المتأخرين القول بالعفو دون الطهارة. و استدل للمشهور بجملة من الأخبار المستفيضة:

«منها»: صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه، فقال: إذا جففته الشمس فصلّ عليه فهو طاهر (1).

و هذه الصحيحة أظهر ما يمكن أن يستدل به في المقام و قد دلت على أن السطح و المكان المتنجسين بالبول يطهران باشراق الشمس عليهما و تجفيفهما، و مقتضى صريحها أن جواز الصلاة على المكان المتنجس بعد جفافه بالشمس مستند الى طهارته بذلك لا الى العفو عنه مع بقاء الموضع على نجاسته.

و هذا لا لأن قوله (عليه السلام) فصل عليه ظاهر في إرادة السجود على السطح أو المكان. و جواز السجود عليهما يقتضي طهارتهما لعدم جواز السجدة على

____________

(1) المروية في باب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

141

..........

____________

النجس. ليمنع بعدم ظهوره في إرادة السجود. بل لقوله (عليه السلام) فهو طاهر فإنه صريح في المدعى حتى بناء على حمل قوله: فصل عليه على إرادة الصلاة فيه كما ربما يراد منه ذلك.

و دعوى أن الطاهر لم يثبت كونه بالمعنى المصطلح عليه و إنما هو بمعنى النظيف مندفعة بأن الصحيحة إنما وردت عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) و إطلاق الطاهر في ذلك العصر و ارادة معناه اللغوي بعيد غايته، لأن الطهارة في تلك الأزمنة إنما كانت تستعمل لدى المتشرعة بالمعنى المرتكز منها في أذهانهم، و لعمري أن الكف عن التعرض لأمثال هذه المناقشة أولى و أحسن.

و «منها»: صحيحة زرارة و حديد بن الحكيم قالا: قلنا لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): السطح يصيبه البول أو يبال عليه يصلي في ذلك المكان؟ فقال:

إن كان تصيبه الشمس و الريح و كان جافا فلا بأس به، إلا أن يتخذ مبالا (1) و استدلوا بهذه الصحيحة أيضا في المقام لنفيها البأس عن الصلاة في المكان المتنجس بعد اصابة الشمس و جفافه، و ظاهرها أن ذلك من جهة طهارة المكان بالشمس، لا انه من جهة العفو مع بقائه على نجاسته- كما قيل- و الوجه في الظهور أن زرارة و صاحبه إنما سألا عن الصلاة في المكان المتنجس لاعتقادهما عدم جواز الصلاة في الأرض النجسة و عدم ثبوت العفو عنه و هو (عليه السلام) لم يردعهما عن هذا الاعتقاد، فقوله: إن كان تصيبه الشمس ..

فلا بأس به- بعد تقريرهما على ما اعتقداه- ظاهر في طهارة الأرض المتنجسة بإصابة الشمس و تجفيفها.

و أما قوله: و الريح- مع عدم مدخليتها في الحكم بالطهارة- فلا بد من حمله على بيان أمر عادي حيث أن جفاف الأرض كما انه يستند إلى إشراق الشمس

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

142

..........

____________

و إصابتها يستند أيضا- و لو بمقدار قليل- إلى هبوب الريح و جريان الهواء كما يأتي تفصيله فلا إشكال في الصحيحة من تلك الجهة.

نعم يمكن المناقشة في دلالتها بأن غاية ما هناك أنها دلت على جواز الصلاة في السطح المتنجس بعد جفافه بالشمس و هذا يجتمع مع القول بعدم طهارة المكان لجواز أن يكون ذلك مستندا الى العفو عنه، و لا تقرير في الصحيحة بوجه بل هي رادعة عن اعتقادهما حقيقة.

نعم لو كانت متضمنة لجواز الصلاة على السطح المتنجس بعد إصابة الشمس لم تكن خالية عن الإشعار للمدعى لعدم جواز السجدة على النجس، و بين العبارتين من الفرق ما لا يخفى، حيث أن الصلاة على الشيء قد يستعمل بمعنى السجدة عليه و هذا بخلاف الصلاة فيه لانه يصح أن يقال: صلى زيد في المسجد مع سجوده على غير المسجد من الترب و القرطاس و نحوهما و لا يصح استعماله بمعنى السجدة عليه.

ثم إن إطلاق قوله: و كان جافا. إما أن نقيده بما ذكر قبله، ليكون معناه اعتبار جفاف المتنجس بكل من الشمس و الريح، و إما أن يبقى بحاله ليكون معناه اعتبار مطلق الجفاف فيه بحمل ذكر الشمس و الريح على بيان أمر عادي غالبي لأنه على الغالب يستند إلى إصابة الشمس أو إلى الرياح، و المتلخص أن هذه الصحيحة- على خلاف الصحيحة المتقدمة- لا يمكن الاستدلال بها على مطهرية الشمس للأرض.

بل يمكن أن يقال: إن ظاهره يقتضي اعتبار الجفاف حال الصلاة لقوله:

و كان جافا فالجفاف الحاصل قبلها لا اعتبار به حتى إذا كان مستندا إلى إشراق الشمس و إصابتها كما إذا جففت الأرض باشراق الشمس أولا ثم ترطبت حال الصلاة.

143

..........

____________

و على ذلك فالصحيحة كما لا دلالة لها على مطهرية الشمس كذلك لا دلالة لها على ثبوت العفو عن نجاسة الأرض بعد إصابة الشمس إلا فيما إذا كانت يابسة حال الصلاة.

و الانصاف أن الصحيحة. إما أنها ظاهرة في ذلك و إما أنها مجملة لترددها بين المعنيين المتقدمين، فلا يمكن الاستدلال بها على كل حال.

و «منها»: موثقة عمار الساباطي عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال:

سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس، و لكنه قد يبس الموضع القذر قال: لا يصلى عليه، و أعلم موضعه حتى تغسله، و عن الشمس هل تطهر الأرض؟ قال: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة، و إن أصابته الشمس و لم ييبس الموضع القذر و كان رطبا فلا يجوز الصلاة حتى ييبس، و إن كانت رجلك و جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس، و إن كان غير الشمس أصابه حتى ييبس فإنه لا يجوز ذلك (1).

حيث أن قوله (عليه السلام) فالصلاة على الموضع جائزة. يدلنا على طهارة الموضع المتنجس بالشمس، و ذلك بقرينة أن السؤال في الرواية انما هو عن طهارة الموضع و نجاسته لقوله: و عن الشمس هل تطهر الأرض؟ فبذلك يظهر أن جواز الصلاة حينئذ من أجل طهارة المكان لا للعفو عن نجاسته حال الصلاة. و إلا لم يتطابق السؤال و الجواب هذا.

و قد يقال: إن الرواية لا يستفاد منها أزيد من سببية تجفيف الشمس

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

144

..........

____________

لجواز الصلاة فلا دلالة لها على الطهارة. بل ربما يستشعر من عدول الامام (عليه السلام) إلى الجواب بجواز الصلاة عدم الطهارة فيكون الرواية حينئذ شاهدة للقائلين بالعفو، و كذا ظاهر قوله (عليه السلام) و إن كانت رجلك رطبة .. بناء على رجوع الضمير في ييبس إلى الجبهة و الرجل لا إلى الموضع حتى يلزم التكرار.

مؤكدا ذلك بما عن الوافي و حبل المتين من قوله (عليه السلام): و إن كان عين الشمس بالعين المهملة و النون بدلا عن (غير الشمس) لأنها على ذلك صريحة في عدم طهارة الموضع بإصابة الشمس و إشراقها عليه و كلمة «إن» على تلك النسخة وصلية، كما أن قوله: فإنه لا يجوز ذلك. تأكيد لعدم جواز الصلاة على ذلك الموضع حتى ييبس.

و هذه الدعوى يبعدها أمور:

«الأول»: ما تقدم من أن الرواية بقرينة السؤال فيها ظاهرة في طهارة الموضع.

«الثاني»: أن الضمير في «ييبس» غير راجع إلى الجبهة أو الرجل بل الظاهر رجوعه إلى «الموضع» لقربه و لان مرجع الضمير لو كان هو الجبهة أو الرجل لكان الأولى أن يقول «حتى تيبس» بدلا عن «ييبس» و ذلك لان الجبهة و الرجل مؤنثتان إحداهما لفظية و الأخرى سماعية.

«الثالث»: أن كلمة «إن» لو كانت وصلية لكان المتعين أن يقول: و إن كان عين الشمس أصابته حتى يبس بدلا عن «ييبس» لأن «إن» الوصلية إنما يؤتى بها في الأمور مفروضة التحقق و الوجود، و هي مدلول الأفعال الماضية دون المستقبلة. و معنى الجملة حينئذ أن عين الشمس لا توجب طهارة الموضع و إن كانت أصابته و جففته و لا يصح في مثله أن يقال و لو كانت تجففه بعد ذلك بصيغة المضارع لأنه ينافي مفروضية التحقق بل استعمالها غلط أو شبه الغلط. نعم في

145

..........

____________

كلمة «إن» الشرطية لا يفرق الحال بين الماضي و المضارع.

«الرابع»: أن النسخة لو كانت هي «عين الشمس» وجب تأنيث الضمير في «إصابة» لأن الضمير المتأخر في المؤنثات السماعية لا بد من تأنيثه، و إن كان الضمير المتقدم جائز الوجهين كما في قولنا: طلع الشمس أو طلعت.

«الخامس»: أنه لا معنى محصل لاصابة عين الشمس شيئا لأن عينها بمعنى شخصها و نفسها لا تصيب شيئا أبدا، و انما يصيب نورها و شعاعها فاستعمال العين في مورد الرواية من الاغلاط. و بعبارة اخرى ان العين و النفس إنما يؤتى بهما للتأكيد و لدفع توهم الاشتباه فيقال- مثلا- رأيت زيدا بعينه حتى لا يشتبه على السامع أنه رأى أباه أو ابنه. و هذا لا معنى له في إصابة الشمس و غيرها مما لا يحتمل فيه ارادة عين الشيء و نفسه فلا مسوغ لإتيان كلمة «العين» في الرواية حتى يوجب التأكيد فالصحيح هو غير الشمس.

و يؤكد المدعى أن الرواية إنما أوردها الشيخ (قده) و استدل بها على مطهرية الشمس للأرض و مع كون الرواية «عين الشمس» كيف صح له الاستدلال بها على الطهارة فإن الرواية حينئذ صريحة في عدمها.

و «منها»: رواية أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا أبا بكر ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر (1) أو كل ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر (2) و هي على احدى الروايتين عامة و على الأخرى مطلقة.

و دلالتها على المدعى غير قابلة للمناقشة. نعم هي مطلقة من جهتين لا بد من تقييدهما:

«إحداهما»: إطلاقها من جهة اليبوسة و عدمها، حيث أنها تقتضي طهارة كل ما أشرقت عليه الشمس سواء يبس باشراقها أم لم ييبس فلا مناص من

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

146

..........

____________

تقييدها بصورة الجفاف بالإشراق لصحيحة زرارة المتقدمة الدالة على اعتبار الجفاف بالشمس في مطهريتها.

و «ثانيتهما»: إطلاقها من جهة كون المتنجس مما ينقل أو من غيره، مع أنهم لم يلتزموا بمطهرية الشمس في مثل اليد و غيرها من المتنجسات القابلة للانتقال فلا بد من تقييدها بغير الأشياء القابلة له.

و ذلك للأمر الوارد بغسل البدن و الثياب أو غيرهما من المتنجسات، حيث يدلنا على عدم حصول الطهارة بغير الغسل بالماء إذا الأمر في الأخبار المشتملة عليه و إن كان للإرشاد إلا أن ظاهره التعيين و أن الغسل بالماء متعين في التطهير، فالتخيير بين الغسل بالماء و غيره يحتاج إلى دليل و هو يختص بالأشياء غير القابلة للانتقال فلا يكتفى باشراق الشمس في تطهير الأمور القابلة له.

و يؤيده ما ورد في الفقه الرضوي من قوله (عليه السلام) ما وقعت الشمس عليه من الأماكن التي أصابها شيء من النجاسة مثل البول و غيرها طهرتها. و أما الثياب فلا يتطهر إلا بالغسل (1) حيث خص مطهرية الشمس بالأشياء غير القابلة للانتقال و بعد هذين التقييدين لا يبقى مجال للمناقشة في دلالة الرواية بوجه.

و انما الكلام في سندها و هو ضعيف و غير قابل للاستناد اليه لاشتماله على عثمان بن عبد اللّٰه و أبى بكر الحضرمي و الأول مجهول و الثاني غير ثابت الوثاقة، فإن قلنا بان اعتماد جماعة من المتقدمين و المتأخرين و عملهم على طبق رواية ضعيفة جابر لضعفها فهو و إلا لم يصح الاعتماد عليها في الاستدلال.

و ما ربما يقال من أن في رواية الأساطين لها كالمفيد و الشيخ و القميين كأحمد بن محمد بن عيسى و غيره نوع شهادة بوثاقة رواتها لأنهم لا ينقلون عن الضعفاء. بل كانوا يخرجون الراوي من البلد لنقله الرواية عن الضعيف فان

____________

(1) المروية في ب 22 من أبواب النجاسات من المستدرك.

147

..........

____________

قضية أحمد بن محمد و نفيه البرقي و إبعاده من بلدة قم معروفة في كتب الرجال، و مع هذا كيف يصح أن ينقل هو بنفسه عن الضعيف و معه لا مناص من الاعتماد على الرواية في المقام.

لا يمكن المساعدة عليه بوجه لان نقل هؤلاء الأعاظم من غير الثقة كثير و قد ذكرنا في محله أن مثل ابن أبي عمير قد ينقل عن الضعيف و لو في مورد فلا يمكن الاعتماد على مجرد روايتهم فإنها لا تستلزم توثيق المخبر بوجه.

و أما حديث نفي البرقي من «بلدة قم» فهو مستند إلى إكثاره الرواية عن الضعفاء كجعل ذلك شغلا لنفسه و ليس من باب أن النقل عن الضعيف و لو في مورد واحد أو موردين مذموم و موجب للقدح عندهم كيف و قد عرفت أن الموثق قد ينقل عن الضعيف فلا يمكن عدّه قدحا في حقه و إلا لزم القدح في أكثر الرواة الأجلاء بل جلهم حيث لا يكاد يوجد راو لم يرو عن الضعيف و لو في مورد و معه لا مانع عن أن ينقل أحمد بن محمد عن عثمان أو أبي بكر الضعيفين من دون أن يكون لنقله دلالة على وثاقتهما. فالإنصاف أن الرواية ساقطة سندا.

فالعمدة في المسألة صحيحة زرارة و موثقة عمار المتقدمتين.

و يعارضهما صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألته عن الأرض و السطح يصيبه البول و ما أشبهه هل تطهّر الشمس من غير ماء؟ قال: كيف يطهر من غير ماء! (1).

و الصحيح أنه لا تعارض بينها و بين الصحيحة و الموثقة و ذلك أن السائل لما ارتكز في ذهنه أن الشمس سبب في تطهير المتنجس- في الجملة- و من هنا قال: هل تطهر الشمس من غير ماء. و شك في أنها سبب مستقل في طهارة الأرض أو السطح المتنجسين أو أن لها شرطا سأله (عليه السلام) عن استقلال الشمس في

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

148

..........

____________

المطهرية و عدمها و الامام (عليه السلام) بيّن أن الشمس باستقلالها غير كافية في التطهير بل هي محتاجة إلى قيد آخر و هو الماء فالصحيحة انما تدل على اعتبار الماء في مطهرية الشمس، لا انها تنفي مطهريتها لتكون معارضة للصحيحة و الموثقة المتقدمتين، ثم إنه لما لم يحتمل أن تمس الحاجة الى الشمس و أصابتها بعد تطهير السطح أو الأرض بالماء تعين أن يراد به المقدار القليل غير الموجب للتطهير، كما و أن الصحيحة يستفاد منها أن موردها الأرض اليابسة و من هنا دلت على اعتبار وجود الماء في تطهيرها بالشمس، فتحصل أن الصحيحة غير معارضة للروايتين المتقدمتين.

و إن شئت قلت ان مقتضى إطلاقها عدم المطهرية عند عدم الماء سواء أ كانت الأرض رطبة أم لم تكن. و مقتضى صريح الصحيحة المتقدمة لزرارة طهارة الأرض الرطبة باشراق الشمس و تجفيفها، و النسبة بينهما عموم مطلق فيها تخرج الأرض الرطبة عن إطلاق صحيحة ابن بزيع و تبقى تحتها خصوص الأرض اليابسة و هي التي دلت الصحيحة على عدم مطهرية الشمس لها إلا مع الماء و ظاهر أن اعتبار الماء بالمعنى المتقدم في الأرض اليابسة مما لا كلام فيه هذا.

ثم لو سلمنا أنها ناظرة إلى نفي المطهرية عن الشمس و أنها معارضة للصحيحة و الموثقة فالترجيح معهما لأنهما روايتان مشهورتان قد عمل المشهور على طبقهما و مخالفتان للعامة لذهاب أكثرهم الى عدم مطهرية الشمس [1] كما ذكره صاحب

____________

[1] ففي الميزان للشعراني ج 1 ص 24 عند الأئمة الثلاثة ان الشمس و النار لا يؤثران في النجاسة تطهيرا، و قال أبو حنيفة إذا تنجست الأرض فجفت بالشمس طهر موضعها و جاز الصلاة عليها.

و في نيل الأوطار للشوكاني ج 1 ص 37- ان عدم كفاية الشمس في التطهير- مذهب العترة و الشافعي و مالك و زفر و قال أبو حنيفة و أبو يوسف هما-

149

و هي تطهّر الأرض و غيرها (1) من كل ما لا ينقل، كالأبنية، و الحيطان، و ما يتصل بها، من الأبواب، و الأخشاب، و الأوتاد، و الأشجار، و ما عليها من الأوراق، و الثمار، و الخضراوات، و النباتات ما لم تقطع و إن بلغ أو ان قطعها، بل و إن صارت يابسة ما دامت متصلة بالأرض أو الأشجار.

و كذا الظروف المثبتة في الأرض، أو الحائط، و كذا ما على الحائط.

و الأبنية مما طلي عليها من جص و قير و نحوهما،

____________

الوسائل و غيره. و صحيحة ابن بزيع موافقة لهم فلا بد من طرحها هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.

(1) هذه هي الجهة الثانية من الجهات المتقدمة الثلاث و هي أن الشمس هل هي مطهرة للأرض بخصوصها أو أنها مطهرة للأعم منها و من غيرها؟ المشهور أن الشمس تطهر الأرض و غيرها مما لا ينقل حتى الأوتاد على الجدار و الأوراق على الأشجار.

و ذهب بعضهم إلى اختصاص الحكم من غير المنقول بالأرض مع التعدي إلى الحصر و البواري مما ينقل. و عن ثالث الاقتصار عليهما فحسب إلى غير ذلك مما يمكن أن يقف عليه المتتبع من الأقوال.

و استدل للمشهور برواية أبي بكر الحضرمي لأن عمومها أو إطلاقها يشمل الجميع. نعم خرجنا عن عمومها أو إطلاقها في المنقول بالإجماع و الضرورة

____________

- مطهران لأنهما يحيلان الشيء.

و في كتاب الام ج 1 ص 45 إذا صب على الأرض شيئا من الذائب كالبول و الخمر و الصديد و شبهه، ثم ذهب أثره و لونه و ريحه فكان في شمس أو غير شمس فسواء و لا يطهره إلا ان يصب عليه الماء و ذهب الى ذلك الشيخ عبد القادر الشيباني الحنبلي في نيل المآرب ج 1 ص 20 و ابن مفلح الحنبلي في الفروع ج 1 ص 153 و غيرهم.

150

من نجاسة البول، بل سائر النجاسات و المتنجسات (1).

____________

و إطلاق ما دل على لزوم غسل المتنجسات بالماء فيبقى غير المنقول مشمولا لهما.

و دلالة الرواية و إن كانت ظاهرة كما ذكر إلا انها غير قابلة للاستدلال بها لضعف سندها بعثمان و أبي بكر الحضرمي كما مر.

و الصحيح أن يستدل عليه بصحيحة زرارة و موثقة عمار المتقدمتين، لاشتمال الاولى على «المكان» و الثانية على «الموضع» و هما أعم من الأرض فتشملان الألواح و غيرها من الأشياء المفروشة على الأرض إذا كان بمقدار يتيسر فيه الصلاة، إذ يصدق على مثله الموضع و المكان فإذا قلنا بمطهرية الشمس لغير الأرض من الألواح أو الأخشاب المفروشة على الأرض و هما مما لا ينقل تعدينا إلى غير المفروشة منهما كالمثبتة في البناء أو المنصوبة على الجدار- كالأبواب- بعدم القول بالفصل.

فإذا قد اعتمدنا في القول بمطهرية الشمس لغير الأرض في غير المنقول على إطلاق الصحيحة و الموثقة- بنحو الموجبة الجزئية- كما أنا اعتمدنا فيها على الإجماع و عدم القول بالفصل- بنحو الموجبة الكلية- فتحصل أن مطهرية الشمس و ان كانت غير مختصة بالأرض إلا انها لا تعم المنقولات كما مر.

نعم استثنوا عنها الحصر و البواري و يقع الكلام عليهما بعد التعليقة الآتية فانتظره.

(1) هذه هي الجهة الثالثة من الجهات المتقدمة و يقع الكلام فيها في أن الشمس مطهرة من خصوص نجاسة البول أو أنه لا فرق في مطهريتها بين البول و غيره من النجاسات و المتنجسات؟

الصحيح كما في المتن هو الثاني، لأن صحيحة زرارة و ان لم تشتمل على غير البول إلا أن الموثقة مطلقة تشمل النجاسة البولية و غيرها لأن المأخوذ فيها

151

و لا تطهّر من المنقولات إلا الحصر و البواري (1) فإنها تطهرهما أيضا على الأقوى.

____________

هو القذر و هو أعم بل هي مصرحة بالتعميم بقوله: من البول أو غير ذلك و كذا يستفاد ذلك من صحيحة ابن بزيع لاشتمالها على السؤال عن البول و ما أشبهه نعم هي مضمرة إلا أن الإضمار غير قادح في أمثال ابن بزيع و غيره من الأجلاء.

(1) قد وقعت طهارتهما بالشمس مورد الكلام فالأشهر أو المشهور على طهارتهما بالشمس و انهما مستثنيان من الأشياء المنقولة. و استدل عليه بوجوه:

«الأول»: رواية أبي بكر الحضرمي (1) فإن عموم قوله: كل ما أشرقت عليه الشمس أو إطلاق قوله ما أشرقت .. يشمل الحصر و البواري و انما خرجنا عن عمومها أو إطلاقها في غيرهما من المنقولات بالإجماع و الضرورة و هما مختصتان بغيرهما.

و قد يناقش في شمول الرواية للحصر و البواري بأن ظاهرها مطهرية الشمس فيما من شأنه أن تشرق الشمس عليه و هو مختص بالمثبتات لعدم كون المنقولات كذلك حيث أنها قد توضع في قبال الشمس و تدخل بذلك فيما من شأنه أن تشرق عليه الشمس. و قد توضع في مكان آخر لا تشرق الشمس عليه.

و فيه أن اعتبار كون المتنجس أمرا قابلا لاشراق الشمس عليه و ان كان غير قابل للمناقشة، لأن الموضوع في الرواية هو ما أشرقت عليه الشمس و هو ظاهر في الفعلية و الفعلية فرع القابلية، الا أن اختصاص القابلية بالمثبتات مما لا وجه له، فان كل شيء مثبت أو غيره قابل لاشراق الشمس عليه إذا كان في محل تصيبه الشمس كما أنه ليس بقابل له إذا كان في محل لا تصيبه، كما إذا كانت الشجرة تحت الجبل- مثلا- و بعبارة أخرى كل شيء قابل لاشراق الشمس عليه فيما إذا

____________

(1) المتقدمة في ص 145.

152

..........

____________

لم يحجز عنه حاجب من دون أن يكون ذلك مختصا بالمثبتات.

فالصحيح أن دلالة الرواية على المدعى غير قابلة للمناقشة، و انما لا نعتمد عليها لضعف سندها كما مر.

«الثاني»: صحيحة على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) في حديث قال: سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تغسل؟

قال: نعم لا بأس (1).

فإنها و إن كانت مطلقة من حيث جفافها بالشمس أو بغيرها، لعدم تقييدها الجفاف بها، إلا أنه لا بد من تقييدها بذلك صحيحة زرارة الدالة على اعتبار كون الجفاف بالشمس. و بذلك تدل الصحيحة على طهارة البواري فيما إذا أصابتها الشمس و جففتها، إذ الصلاة على البواري ظاهره، ارادة السجود عليها و لا يتم هذا إلا بطهارتها.

و يمكن المناقشة في هذا الاستدلال بأن الصلاة على الشيء و إن كان مشعرا بإرادة السجود عليه إلا أنه لا يبلغ مرتبة الظهور لتعارف التعبير بذلك في اتخاذ الشيء مكانا للصلاة، حيث أن لفظة «على» للاستعلاء و هو متحقق عند اتخاذ شيء مكانا للصلاة، لاستعلاء المصلي على المكان.

و يشهد على ذلك استعمال هذه الجملة في صحيحة زرارة بالمعنى الذي ذكرناه قال: سألته عن الشاذ كونة يكون عليها الجنابة أ يصلي عليها في المحمل قال:

لا بأس بالصلاة عليها (2) و نظيرها من الاخبار، و مع هذا الاحتمال لا يبقى مجال للاستدلال بالصحيحة على المدعى.

و يتضح مما ذكرناه أنه لا حاجة إلى تقييد إطلاق الصحيحة بحمل الجفاف

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 30 من أبواب النجاسات من الوسائل.

153

و الظاهر أن السفينة و الطرادة من غير المنقول (1) و في الگري و نحوه

____________

على الجفاف بالشمس و ذلك لان المكان إذا جف جازت الصلاة عليه سواء استند جفافه إلى الشمس أم استند إلى غيرها.

«الثالث»: الاستصحاب لان الحصر و البواري كانا قبل قطعهما و فصلهما بحيث لو أشرقت عليهما الشمس طهرتا- لكونهما من النبات و هو مما لا ينقل- فلو شككنا- بعد فصلهما- في بقائهما على حالتهما السابقة و عدمه نبني على كونهما بعد القطع أيضا كذلك للاستصحاب التعليقي و مقتضاه الحكم بكون الشمس مطهرة للحصر و البواري.

و قد يقال: بمعارضته بالاستصحاب التنجيزي أعني استصحاب نجاستهما المتيقنة قبل إشراق الشمس عليهما و يحكم بتساقطهما و الرجوع إلى قاعدة الطهارة. و في كلا الأمرين ما لا يخفى.

أما في التمسك بالاستصحاب فلانه من استصحاب الحكم المعلق، و الاستصحابات التعليقية غير جارية- في نفسها و إن قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية فضلا عما إذا لم نقل به.

و أما جعله معارضا بالاستصحاب التنجيزي و الحكم بالتساقط و الرجوع إلى قاعدة الطهارة فلعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية «أولا» و لعدم كون المورد من موارد الرجوع إلى قاعدة الطهارة «ثانيا» لان المرجع في المقام بعد تساقط الأصلين انما هو العمومات أو المطلقات الدالة على اعتبار الغسل بالماء في تطهير المتنجسات و المتلخص أنه لا دليل على إلحاق الحصر و البواري بالأرض بل حالهما حال غيرهما من المنقولات.

(1) لما تقدم من أن مطهرية الشمس غير مختصة بالأرض، لأن عنوان «الموضع القذر» أو «السطح» أو «المكان الذي يصلى فيه» كما ورد في الاخبار

154

إشكال (1) و كذا مثل الچلابية و القفة، و يشترط في تطهيرها أن يكون في المذكورات رطوبة مسرية (2).

____________

المتقدمة من العناوين الشاملة لغير الأرض أيضا فيشمل الطرادة و السفينة لا محالة لصحة أن يقال أن كلا منهما سطح أو مكان يصلى فيه بمعنى أنه قابل و معد للصلاة فلا إشكال في طهارتهما بالشمس.

(1) لانه و نظائره من «الچلابية و القفة» و غيرهما من المراكب البحرية أو البرية غير معدة و لا قابلة للصلاة فيها لصغرها و ضيقها فلا يصدق عليها عنوان السطح أو المكان الذي يصلى فيه.

و نحن و إن قلنا بطهارة الأخشاب و نظائرها بالشمس نظرا إلى أنها إذا كانت مثبتة و مفروشة على الأرض صح أن يطلق عليها السطح أو المكان الذي يصلى فيه. و ذكرنا أنها إذا صدق عليها شيء من العناوين المتقدمة في مورد تعدينا إلى سائر الموارد أيضا و ان لم يصدق عليها تلك العناوين كما إذا كانت مثبتة في البناء للإجماع القطعي و عدم القول بالفصل.

إلا أن هذا فيما إذا كانت الأخشاب مما لا ينقل. و أما إذا كانت من المنقول: فلا إجماع قطعي حتى يسوغ التعدي بسببه. نعم لو كنا اعتمدنا على رواية الحضرمي لم يكن مانع من الحكم بالطهارة في «الگارى» و نظائره بالشمس لعموم قوله (عليه السلام) كل ما أشرقت .. أو إطلاق قوله ما أشرقت و لكنك عرفت عدم كون الرواية قابلة للاعتماد عليها في الاستدلال.

(2) اشتراط الرطوبة المسرية في مطهرية الشمس لا دليل عليه لأن ظاهر السؤال في الروايات عن البول يكون على السطح أو عن السطح يصيبه البول أو يبال عليه و ان كان هو اشتمال المتنجس على الرطوبة المسرية إلا أن حكمه (عليه السلام) لم يترتب على ما فيه رطوبة مسرية، و انما حكم (عليه السلام) بعدم البأس فيما أشرقت عليه