التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج4

- الشيخ علي الغروي المزيد...
552 /
155

..........

____________

الشمس أو أصابته و جففته.

فالمدار على إصابة الشمس و جفاف المتنجس باشراقها، و هذا كما يتحقق مع الرطوبة المسرية كذلك يتحقق فيما إذا كانت الأرض أو السطح ندية فيقال انها كانت ندية فجففت باشراق الشمس عليها فاللازم في مطهرية الشمس اشتمال المتنجس على النداوة لتوقف صدق الجفاف و اليبس عليها و على ذلك يحمل قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع: كيف يطهر من غير ماء. و أما الزائد على ذلك أعني الرطوبة المسرية فلا دليل على اشتراطه هذا.

و قد يقال: الجفاف غير اليبوسة إذ الأول في مقابل الرطوبة المسرية.

و الثاني في قبال النداوة و بما أن بينهما بحسب المورد عموم من وجه، لأن الأول يتوقف على الرطوبة المسرية و يصدق بذهابها و إن بقيت النداوة في الجملة.

و الثاني يكفي فيه مجرد النداوة و لا يصدق إلا بذهاب النداوة بتمامها كان مقتضى الجمع بين صحيحة زرارة المشتملة على اعتبار الجفاف و بين الموثقة المتضمنة لاعتبار اليبوسة هو الاكتفاء بكل من الرطوبة المسرية و النداوة بحيث لو كانت في الموضع المتنجس رطوبة مسرية فاذهبتها الشمس طهر و لو مع بقاء نداوته لصدق الجفاف بذهاب الرطوبة. و إن كانت فيه نداوة طهر بذهابها لصدق اليبس بالشمس هذا.

و لا يخفى أن اليبس و الجفاف على ما يظهر من اللغة مترادفان فيقال: جففه اى يبسه، و يبّس الشيء: جففه. و الارتكاز العرفي و ملاحظة موارد الاستعمالات أقوى شاهد على المدعى.

و عليه فالمعتبر انما هو ذهاب النداوة بالشمس حتى يصدق معه اليبوسة و الجفاف، إذ لو أذهبت الشمس بالرطوبة و بقيت النداوة لم يصدق معه شيء منهما فلا يقال ان الشيء جاف أو يابس فلا يحكم بطهارته.

156

و أن تجففها بالإشراق عليها (1) بلا حجاب عليها كالغيم و نحوه و لا على المذكورات فلو جفت بها من دون إشراقها، و لو باشراقها على ما يجاورها، أو لم تجف أو كان الجفاف بمعونة الريح لم تطهر (2).

نعم الظاهر أن الغيم الرقيق أو الريح اليسير على وجه يستند التجفيف إلى الشمس و إشراقها لا يضر.

____________

(1) اعتبار استناد الجفاف إلى إشراق الشمس على المتنجس هو المصرح به في رواية الحضرمي حيث قال: كل ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر. فبناء على اعتبار الرواية لا غبار في هذا الاشتراط و لعلها المستند في المسألة عند الماتن و غيره ممن ذهب إلى ذلك، و تبع الرواية في التعبير بالإشراق.

و أما إذا لم نعتمد على الرواية- كما لا نعتمد- فالمدرك في هذا الاشتراط موثقة عمار. و قد ورد فيها: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة .. (1) لوضوح أن الإصابة لا تصدق مع الحجاب على الشمس أو علي المتنجس كالغيم و الحصير الملقى على الأرض و غيره مما يمنع من إشراق الشمس عليه فلا يكفي الجفاف حينئذ لعدم اصابة الشمس عليه.

(2) أما إذا جفت بالمجاورة فلما تقدم من اعتبار اصابة الشمس و إشراقها على المتنجس و مع انتفائها لا يكفي مطلق الجفاف و ما ورد في صحيحة زرارة من قوله: إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر (2) و إن كان مطلقا يشمل الجفاف بالمجاورة إلا أنه لا بد من تقييدها بما إذا كان الجفاف مستندا إلى إصابة الشمس و إشراقها بمقتضى موثقة عمار.

____________

(1) المتقدمة في ص 143.

(2) المتقدمة في ص 140.

157

..........

____________

و أما إذا جفت بمعونة الريح بان استند الجفاف إلى إشراق الشمس و إلى غيره كالهواء و الريح و غيرهما. فهل يكفي في الطهارة اشتراكهما في التجفيف أو لا بد من استناده إلى الإشراق بالاستقلال؟

فالصحيح أن يفصل بين ما إذا كان تأثير الريح- مثلا- في التجفيف بالمقدار المتعارف و بين ما إذا كان المقدار الزائد عليه.

و أما في الصورة الاولى فلا ينبغي الإشكال في كفاية التجفيف المشترك، لانه المتعارف في الإشراق و إليه تنظر الإطلاقات فان إشراق الشمس و تأثيرها في الجفاف من دون أن يشترك معها غيرها و لو بمقدار يسير أمر نادر أو لا تحقق له أصلا.

و أما الصورة الثانية كما إذا استند التجفيف في مقدار نصفه إلى الإشراق و في النصف الآخر إلى النار أو الهواء؟

فقد يقال فيها: بكفاية التجفيف أيضا بدعوى أن المعتبر حسب ما يستفاد من الأخبار استناد الجفاف إلى الشمس و هو حاصل في فرض الاشتراك و أما عدم استناده إلى غير الشمس فهو مما لم يقم عليه دليل، و لا يستفاد من الاخبار.

و يؤيد ذلك بموثقة عمار لما ورد فيها من قوله: فأصابته الشمس ثم يبس الموضع، لإطلاق اليبوسة فيها و عدم تقييدها بكونها مستندة إلى الشمس فحسب فمع الاشتراك يصدق أن الأرض مما أصابته الشمس ثم يبست، هذا.

و لا يخفى أن موثقة عمار و إن كانت مطلقة من تلك الجهة إلا أنه على خلاف الإجماع القطعي عندنا لصدقها على ما إذا أصابت الشمس شيئا في زمان و لم يحصل معها الجفاف و لكنه حصل بعد مدة كيوم أو أقل أو أكثر، لبداهة صدق أن الشيء أصابته الشمس ثم يبس حينئذ، مع أنه غير موجب للطهارة من

158

..........

____________

غير نكير فسوء التعبير مستند إلى عمار، و على أى حال لا يمكن الاعتماد على إطلاق الموثقة و عليه فلا بد من ملاحظة أنه هل هناك دليل على لزوم استقلال الشمس في التجفيف و عدم استناده الى غيرها أو لا دليل عليه؟

فنقول: إن قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر (1) يقتضي بظاهره لزوم استناد التجفيف الى الشمس باستقلالها، و ذلك لان الجفاف عن رطوبة لا يعقل فيه التعدد و التكرار، لأنه أي الجفاف عرض غير قابل للتعدد عن رطوبة واحدة.

و إذا أسند مثله إلى شيء فظاهره أنه مستند إليه بالاستقلال لانه لو كان مستندا إلى شيئين أو أكثر كالشمس و النار و نحوهما لم يصح إسناده إلى أحدهما لأنه مستند الى المجموع على الفرض و لا يعقل فيه التعدد، فإذا استند الى شيء واحد كما في الخبر حيث أسند فيه الى الشمس فحسب كان ظاهرا في الاستناد بالاستقلال، و ليست اليبوسة كأكل زيد و نحوه مما لا ظهور له في نفي صدور الفعل عن غيره لوضوح أن قولنا: أكل زيد لا ظهور له في عدم صدور الأكل من عمرو- مثلا.

و السر فيه أن الأكل- في نفسه- أمر قابل للتعدد و التكرار فيمكن أن يستند الى زيد كما يستند الى عمرو لتعدده و هذا بخلاف الجفاف و اليبس، لان الشيء الواحد لا يجف- عن رطوبة واحدة- مرتين، فعلى ذلك يعتبر في الطهارة بالشمس استناد الجفاف الى الشمس بالاستقلال فمع استناده إليها و الى غيرها لم يحكم بالطهارة، و أما ما ورد في صحيحة زرارة و حديد من قوله (عليه السلام) إن كان تصيبه

____________

(1) المتقدمة في ص 140.

159

و في كفاية إشراقها على المرآة مع وقوع عكسه على الأرض إشكال (1).

____________

الشمس و الريح و كان جافا فلا بأس (1) فقد قدمنا أنها أجنبية عن مورد الكلام، و انما تدل على جواز الصلاة في الأمكنة المتنجسة إذا يبست بشيء من الشمس أو النار أو الريح أو غيرها.

(1) و منشأ الاشكال في المسألة ليس هو عدم صدق الإشراق عليه بدعوى أن ظاهر الإشراق وقوع نفس الضوء على الأرض.

و ذلك لأنا لو اعتمدنا على رواية الحضرمي و منعنا عن صدق الإشراق مع الواسطة فلنا أن نحكم بطهارة الأرض في مفروض المسألة بصحيحة زرارة، لأن الجفاف الوارد فيها مطلق يعم ما إذا كان الجفاف مع الواسطة و ذلك كما إذا أشرقت الشمس على أرض مجاورة للأرض المتنجسة فجفت بحرارة الشمس لا باشراقها و لا تنافي بينها و بين رواية الحضرمي لأنها ليست بذات مفهوم لتدل على أن غير الإشراق لا يطهر الأرض حتى تقع المعارضة بينهما في التطهير بالجفاف مع الواسطة.

بل الإشكال في المسألة ينشأ عما قدمناه آنفا من اعتبار الإصابة في مطهرية الشمس لموثقة عمار: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس .. فإن الإصابة لا تصدق مع وجود الواسطة و عدم المقابلة بين الشمس و الموضع.

و مفهوم الموثقة عدم حصول الطهارة في غير صورة الإصابة و بها قيدنا إطلاق الجفاف في صحيحة زرارة و كذا الحال في رواية الحضرمي على تقدير تماميتها سندا و شمول الإشراق للإشراق مع الواسطة.

و من هنا يظهر أن إشراق الشمس على المتنجس بواسطة الأجسام الشفافة كالبلور و الزجاج و بعض الأحجار الكريمة- كالدر- لا يكفي في الطهارة، لعدم

____________

(1) المتقدمة في ص 141.

160

(مسألة 1) كما تطهر ظاهر الأرض كذلك باطنها (1) المتصل بالظاهر النجس باشراقها عليه، و جفافه بذلك بخلاف ما إذا كان الباطن فقط نجسا (2) أو لم يكن متصلا بالظاهر، بان يكون بينهما فصل بهواء أو بمقدار طاهر.

____________

صدق الإصابة معها فالحاجز- على إطلاقه- مانع عن التطهير بالشمس.

(1) قد يقال: بعدم طهارة الباطن باشراق الشمس على ظاهر الأرض نظرا إلى أن مطهرية الشمس انما استفدناها من حكمهم (عليهم السلام) بجواز الصلاة على الأرض المتنجسة بعد جفافها بالشمس. و من الظاهر أن في جواز الصلاة على الأرض المتنجسة تكفي طهارة الظاهر فحسب فلا يكون ذلك مقتضيا لطهارة الباطن أيضا.

نعم لا محيص من الالتزام بطهارة شيء يسير من الباطن فإن الصلاة على بعض الأراضي- كالأراضي الرملية- يستتبع تبدل أجزائها و قد توجب تبدل الظاهر باطنا و بالعكس ففي هذا المقدار لا بد من الالتزام بطهارة الباطن دون الزائد عليه.

و الصحيح ما أفاده الماتن (قده) لان جواز الصلاة على الأرض و ان لم يقتض طهارة المقدار الزائد على السطح الظاهر كما ذكر الا أن صحيحة زرارة تدلنا على طهارة الباطن أيضا لقوله فيها: فهو طاهر. حيث أن الضمير فيه يرجع الى الشيء المتنجس بالبول و نحوه و معناه أن ذلك المتنجس إذا جففته الشمس حكم بطهارته.

و من الظاهر أن الباطن المتصل بالظاهر شيء واحد ففي المقدار الذي وصل اليه النجس إذا جف بالشمس حكمنا بطهارته لو حدتهما.

(2) و مما ذكرناه في التعليقة المتقدمة يظهر أن النجس إذا كان هو الباطن فحسب لم يحكم بطهارته باشراق الشمس على ظاهرها لان النجس حينئذ شيء آخر

161

أو لم يجف (1) أو جف بغير الإشراق على الظاهر (2) أو كان فصل (3) بين تجفيفها للظاهر و تجفيفها للباطن، كان يكون أحدهما في يوم و الآخر في يوم آخر، فإنه لا يطهر في هذه الصورة.

____________

يغاير ظاهرها فاشراق الشمس على الظاهر لا يوجب صدق الإصابة و الإشراق على باطنه لأنه أمر آخر غير ما تصيبه الشمس و كذا الحال فيما إذا لم يكن الباطن متصلا بالظاهر لتخلل هواء أو مقدار طاهر من الأرض بينهما و ذلك لان الباطن و الظاهر حينئذ شيئان متعددان و لا موجب لطهارة أحدهما باشراق الشمس على الآخر

(1) فالطاهر خصوص السطح الظاهر الذي جف بالشمس. و أما الباطن الباقي على رطوبته فلا لاشتراط الجفاف في مطهرية الشمس.

(2) لانه يعتبر في الجفاف أن يستند إلى إشراق الشمس و أصابتها و لا؟ في الطهارة بمطلق الجفاف.

(3) حيث أن الباطن إذا جف مقارنا لجفاف السطح الظاهر صدق أنهما شيء واحد جف باشراق الشمس عليه.

و أما إذا حصل بين الجفافين فصل مخل للمقارنة العرفية- لأن جفاف الظاهر حقيقة متقدم على جفاف الباطن إلا أنهما متقارنان بالنظر العرفي ما لم يفصل بينهما بكثير- كما في ما مثل به الماتن (قده) فلا يمكن الحكم بطهارة الباطن لأن إشراق الشمس على ظاهر الأرض في اليوم الآخر لا يعد اشراقا على باطنها لتوسط الجزء الطاهر- و هو ظاهر الأرض حيث طهر في اليوم السابق على الفرض- بينه و بين الباطن، و هو كتوسط جسم آخر بين ظاهر الأرض و باطنها في المسألة المتقدمة.

و أما إشراق الشمس على ظاهر الأرض في اليوم السابق في المثال فهو أيضا غير مقتض لطهارة الباطن لعدم جفافه حينئذ و انما يبس في اليوم الآخر.

162

(مسألة 2) إذا كانت الأرض أو نحوها جافة، و أريد تطهيرها بالشمس يصب عليها الماء الطاهر، أو النجس، أو غيره (1) مما يورث الرطوبة فيها حتى تجففها.

(مسألة 3) ألحق (2) بعض العلماء البيدر الكبير بغير المنقولات.

و هو مشكل.

(مسألة 4) الحصى و التراب و الطين و الأحجار و نحوها ما دامت واقعة على الأرض هي في حكمها (3).

____________

(1) كسائر المائعات المورثة للرطوبة لما عرفت من اعتبار الجفاف بالشمس و هو لا يتحقق مع اليبوسة كما مر و على ذلك حملنا قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع: كيف تطهر بغير الماء.

(2) و لا بأس بهذا الإلحاق لو تمت رواية الحضرمي لأنها بإطلاقها أو عمومها يدل على طهارة كل ما أشرقت عليه الشمس و قد خرجنا عنها في الأشياء القابلة للانتقال بالإجماع و الضرورة. و البيدر و أمثاله من الظروف الكبيرة التي يصعب نقلها و إن كان من المنقول- حقيقة- إلا أنه لا إجماع و لا ضرورة يقتضي خروجه عن إطلاق الرواية.

نعم من لا يعتمد عليها لضعفها لا يمكنه الحكم بالالتحاق لعدم شمول الاخبار له حيث لا يصدق عليه عنوان السطح أو المكان الذي يصلي فيه أو غيرهما من العناوين الواردة في الأخبار.

(3) و الوجه فيه أن المدار في طهارة المتنجس بالشمس انما هو صدق عنوان السطح أو المكان أو الموضع عليه ففي أي زمان صدق عليه شيء من العناوين المذكورة حكم بطهارته كما أنه إذا لم يصدق عليه شيء منها لم يحكم بطهارته و الحصاة التي هي من أجزاء الأرض أو الرمل إذا كانت واقعة على الأرض صدق عليها عنوان المكان أو الموضع بتبع الأرض فيحكم بطهارتها بالإشراق.

163

و إن أخذت منها لحقت بالمنقولات، و إن أعيدت عاد حكمها (1) و كذا المسمار الثابت في الأرض. أو البناء، ما دام ثابتا يلحقه الحكم، و إذا قلع يلحقه حكم المنقول، و إذا أثبت ثانيا يعود حكمه الأول، و هكذا فيما يشبه ذلك.

(مسألة 5) يشترط في التطهير بالشمس زوال عين النجاسة (2) إن كان لها عين.

____________

و إذا أخذت من الأرض لحقها حكم المنقول لعدم صدق العناوين الواردة في الاخبار عليها.

(1) لما عرفت من أن المدار في طهارة المتنجس بالشمس هو صدق شيء من العناوين المتقدمة عليه فإذا صدق شيء من تلك العناوين بإعادة الحصى إلى الأرض حكم بطهارتها بالإشراق.

بل الحال كذلك فيما إذا عرضت لها النجاسة بعد الانفصال لعدم اشتراط الطهارة بالشمس بعروض النجاسة عليها حال اتصالها بالأرض.

(2) و ذلك للارتكاز الشاهد على أن الغرض من الأخبار الواردة في المقام انما هو تسهيل الأمر على المكلفين بجعل إشراق الشمس قائما مقام الغسل بالماء و لا ينبغي الإشكال بحسب الارتكاز في اعتبار زوال العين في الغسل به و لا بدّ معه من اعتبار ذلك أيضا في بدله. و يصلح هذا الارتكاز لتقييد المطلقات بصورة زوال عين النجس.

هذا على أن النجس إذا لم تكن له عين لدى العرف لكونه عندهم عرضا و ان كان من الجواهر- حقيقة- كما في البول حيث أن له أجزاء صغيرة و ربما يظهر أثره فيما يصيبه إذا تكررت اصابته إلا أنه عرض بالنظر العرفي فلا عين له ليشترط زوالها أو لا يشترط و هو مورد جملة من الاخبار المتقدمة.

و اما إذا عد من الجواهر و كانت له عين بنظرهم فلا شبهة في أن وجود

164

(مسألة 6) إذا شك في رطوبة الأرض حين الإشراق، أو في زوال العين بعد العلم بوجودها، أو في حصول الجفاف، أو في كونه بالشمس أو بغيرها أو بمعونة الغير لا يحكم بالطهارة (1) و إذا شك في حدوث المانع عن الإشراق من ستر و نحوه يبنى على عدمه على إشكال (2) تقدم نظيره في مطهرية الأرض.

____________

النجس حينئذ يمنع عن اصابة الشمس للأرض فهو لو كان طاهرا منع عن طهارة الأرض و لم تصدق معه الإصابة فكيف بما إذا كان نجسا.

و توهم أن العين بعد ما وقعت على الأرض عدت من أجزائها فتطهير العين بنفسها حينئذ تبعا لطهارة الأرض بالإشراق فلا عين نجس بعد ذلك حتى يشترط زوالها يندفع: بان العين النجسة لا تعد من الأجزاء الأرضية بوجه و الصحيحة المتضمنة للسطح و المكان غير شاملة للعين النجسة لاختصاصها بالبول.

و أما موثقة عمار المشتملة على «الموضع القذر» فهي و إن كانت مطلقة و لا اختصاص لها بالبول و بإطلاقها تعدينا إلى غير البول من النجاسات إلا أنه لا مناص من تقييدها بالقرينة الخارجية بما إذا لم تكن في الموضع عين النجس و القرينة هو الارتكاز الشاهد على أن اصابة الشمس و إشراقها قائمة مقام الغسل بالماء تسهيلا للعباد و من الظاهر أن مع عدم زوال العين لا تحصل الطهارة بالماء. و على الجملة لا دلالة في شيء من الصحيحة و لا الموثقة على طهارة العين النجسة تبعا.

(1) للشك في حصول شرطها و معه لا بد من الرجوع إلى استصحاب النجاسة السابقة و هو بلا معارض.

(2) و هو أن استصحاب عدم حدوث المانع لا اثر له في نفسه و استصحابه لإثبات إصابة الشمس و إشراقها على الأرض من الأصول المثبتة و مع عدم إحراز الإصابة لا يمكن الحكم بالطهارة لأنها كما مر مترتبة على اصابة الشمس و إشراقها

165

(مسألة 7) الحصير يطهر باشراق الشمس على أحد طرفيه طرفه الآخر (1) و أما إذا كانت الأرض التي تحته نجسة فلا تطهر بتبعيته (2) و إن جفت بعد كونها رطبة، و كذا إذا كان تحته حصير آخر (3) إلا إذا خيط به على وجه يعدان معا شيئا واحدا. و أما الجدار المتنجس إذا أشرقت الشمس على أحد جانبيه فلا يبعد (4) طهارة جانبه الآخر إذا جف به.

____________

(1) لأن في الأخبار الواردة في جواز الصلاة على الحصر و البواري عند جفافهما بالشمس- على القول بطهارتهما بذلك- ما يدل على أن إشراق الشمس على أحد جانبيهما تقتضي طهارة جميع أجزائهما الداخلية و الخارجية كما في صحيحة علي بن جعفر المروية عن كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أ يصلي عليه؟ قال: إذا يبست فلا بأس (1).

و موثقة عمار قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن البارية يبل قصبها بماء قذر، هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال: إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها (2) لان ظاهر السؤال فيهما أن الماء القذر أصاب جميع أجزاء البارية و أجاب (عليه السلام) بأنها إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها.

و مقتضى مطابقة الجواب للسؤال أن الشمس إذا أصابت أحد جنبي البارية و جففته جازت الصلاة على كلا جانبيهما فإذا كان جواز الصلاة عليها دليلا على طهارتها فلا محالة يحكم بطهارة كلا الجانبين باشراق الشمس على أحدهما.

(2) و ذلك لأنها جسم آخر و الشمس إنما أصابت الحصير دون الأرض و قد اشترطنا في التطهير بها أصابتها على المتنجس و المفروض عدمها في المقام.

(3) لعين ما عرفته آنفا.

(4) لان الضمير في قوله (عليه السلام) و هو طاهر. الوارد في صحيحة زرارة

____________

(1) المروية في ب 30 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 30 من أبواب النجاسات من الوسائل.

166

و ان كان لا يخلو عن اشكال (1) و أما إذا أشرقت على جانبه الآخر أيضا فلا اشكال

____________

راجع إلى السطح أو المكان و قد دل على طهارتهما باشراق الشمس عليهما و تجفيفهما و مقتضى إطلاقه عدم اختصاص الطهارة بجانب منهما دون جانب و بذلك يحكم على طهارة السطح أو المكان بتمامهما إذا جفا بالشمس.

(1) و منشأ الاشكال في المقام دعوى أن إطلاق الصحيحة ينصرف إلى خصوص السطح الذي تشرق الشمس عليه و كذا أجزاؤه الداخلية غير القابلة لأن تصيبها. و أما الجانب الآخر القابل لاشراق الشمس عليه في نفسه من غير أن يكون تابعا لشيء آخر فلا يشمله إطلاقها. إلا أن دعوى الانصراف مما لا شاهد له و إطلاق الصحيحة يقتضي طهارة السطح أو المكان بأوّله و آخره و ظاهره و باطنه. و بما ذكرناه يتضح أن الماتن لما ذا خص الاستشكال في طهارة الجانب الآخر بالجدار و لم يستشكل في طهارة الجانب الآخر في الحصير! و توضيح الفارق بينهما أن الحكم بالطهارة في الطرف الآخر في الجدار- على تقدير نجاسته و جفافه بيبوسة الطرف الذي أشرقت عليه الشمس- إنما هو بإطلاق الصحيحة المتقدمة و من ثمة استشكل في ذلك بدعوى الانصراف إلى الأجزاء غير القابلة لاشراق الشمس عليها في نفسها و أما الحكم بطهارة الجانب الآخر في الحصير فهو مستند إلى الروايتين المتقدمتين نظرا إلى أن مفروض سؤالهما وصول النجاسة إلى جميع أجزاء البارية و جوانبها كما أن مقتضى جوابه (عليه السلام) طهارة جميع تلك الأجزاء و الجوانب باشراق الشمس على بعضها فالاستدلال على طهارة الجانب الآخر في الحصير ليس هو بالإطلاق ليستشكل عليه بدعوى الانصراف.

نعم هذا كله إنما هو فيما إذا قلنا بطهارة البواري بالشمس و لكنا منعنا عن دلالة الأخبار على طهارتها و قلنا إن مدلولها جواز الصلاة فيها على تقدير

167

«الرابع»: الاستحالة (1).

____________

يبوستها و هو لا يقتضي الطهارة فليلاحظ.

مطهرية الاستحالة

(1) عدوا الاستحالة من المطهرات و عنوا بها تبدل جسم بجسم آخر مبائن للأول في صورتهما النوعية عرفا، و إن لم تكن بينهما مغايرة عقلا و توضيحه:

أن التبدل قد يفرض في الأوصاف الشخصية أو الصنفية- مع بقاء الحقيقة النوعية بحالها- و ذلك كتبدل القطن ثوبا أو الثوب قطنا، فان التبدل حينئذ في الأوصاف مع بقاء القطن على حقيقته لوضوح أن القطن لا يخرج عن حقيقته و كونه قطنا بجعله ثوبا أو الثوب بجعله قطنا بل هو هو حقيقة و إنما تغيرت حالاته بالتبدل من القوة إلى الضعف أو من الشدة إلى الرخاء أو العكس لتماكس أجزائه حال كونه ثوبا و تفللها و عدم تماكسها عند كونه قطنا و هذه التبدلات خارجة عن الاستحالة المعدة من المطهرات. و منها تبدل الحنطة دقيقا أو خبزا لأن حقيقة الحنطة باقية بحالها في كلتا الصورتين و إنما التبدل في صفاتها من القوة و التماكس و عدم كونها مطبوخة الى غيرها من الصفات و الجامع هو التبدل في الأوصاف الشخصية أو الصنفية.

و قد يفرض التبدل في الصورة النوعية كما إذا تبدلت الصورة بصورة نوعية أخرى مغايرة للأولى عرفا. و هذه الصورة هي المراد بالاستحالة في كلماتهم بلا فرق في ذلك بين أن تكون الصورتان متغايرتين بالنظر العقلي أيضا كما في تبدل الجماد أو النبات حيوانا أو تبدل الحيوان جمادا كالكلب الواقع في المملحة إذا صار ملحا أو الميتة أكلها حيوان و صارت نطفة و صارت النطفة بعد تحولاتها حيوانا- مثلا- و بين ما إذا لم تكن بينهما مغايرة عقلا. و إن كانتا متغايرتين

168

..........

____________

عرفا و ذلك كالخمر إذا تبدلت بالخل كما يأتي بيانه في التكلم على الانقلاب ان شاء اللّٰه. و حيث أن الاحكام الشرعية غير مبتنية على الإنظار العقلية و الفلسفية كان الحكم بالطهارة في موارد الاستحالة منوطا بالتبدل لدى العرف و ان لم يكن تبدل في الصورة النوعية عقلا.

ثم ان الدليل على مطهرية الاستحالة هو أن بالاستحالة يتحقق موضوع جديد غير الموضوع المحكوم بنجاسته لانه انعدم و زال و المستحال اليه موضوع آخر فلا بد من ملاحظة أن ذلك الموضوع المستحال اليه هل ثبتت طهارته بدليل اجتهادي أو لم تثبت طهارته كذلك؟

فعلى الأول لا مناص من الحكم بطهارته بعين ذلك الدليل كما إذا استحال شاء أو إنسانا أو جمادا أو غير ذلك من الموضوعات الثابتة طهارتها بالدليل.

كما أنه على الثاني يحكم بطهارة المستحال إليه أيضا لقاعدة الطهارة و ذلك لفرض أنه مشكوك الحكم و لم تثبت نجاستها و لا طهارتها بدليل. و نجاسته قبل الاستحالة قد ارتفعت بارتفاع موضوعها و لا معنى لبقاء الحكم عند انعدام موضوعه، بحيث لو قلنا بنجاسته كما إذا كان المستحال إليه من الأعيان النجسة فهي حكم جديد غير النجاسة الثابتة عليه قبل استحالته، و ربما تختلف أثارهما كما إذا استحال الماء المتنجس بولا لما لا يؤكل لحمه إذ النجاسة في الماء المتنجس ترتفع بالغسل مرة.

و أما بول ما لا يؤكل لحمه أو الإنسان- على الخلاف- فلا تزول نجاسته إلا بغسلة مرتين إما مطلقا أو في خصوص الثوب و الجسد فالمتحصل أن النجاسة في موارد الاستحالة ترتفع بانعدام موضوعها و إن المستحال إليه موضوع آخر لا ندري بطهارته و نجاسته فلا مناص من الحكم بطهارته لقاعدة الطهارة.

و مما ذكرناه اتضح أن عد الاستحالة من المطهرات لا يخلو عن تسامح

169

و هي تبدل حقيقة الشيء و صورته النوعية إلى صورة أخرى، فإنها تطهّر النجس (1)، بل المتنجس (2) كالعذرة تصير ترابا، و الخشبة المتنجسة إذا صارت رمادا، و البول أو الماء المتنجس بخارا، و الكلب ملحا، و هكذا كالنطفة تصير حيوانا، و الطعام النجس جزء من الحيوان،

____________

ظاهر، حيث أن الاستحالة موجبة لانعدام موضوع النجس أو المتنجس عرفا لا أنها موجبة لطهارته مع بقاء الموضوع بحاله و لعل نظرهم (قدس اللّٰه أسرارهم) إلى أن الطهارة ثابتة مع الاستحالة لا أنها رافعة لها.

(1) لما عرفت من أن المستحال إليه إذا كان من الأشياء التي ثبتت طهارتها بشيء من الأدلة الاجتهادية حكم بطهارة العين المستحيلة بعين ذلك الدليل لأنها موضوع جديد و هو من جملة الأفراد التي قامت الأدلة على طهارتها و الموضوع السابق المحكوم بالنجاسة قد ارتفع بالاستحالة و إذا كان المستحال إليه مما يشك في طهارته و نجاسته في الشريعة المقدسة و لم يقم دليل على طهارته أيضا حكم بطهارتها لقاعدة الطهارة و توضيحه:

أن النجاسة في الأعيان النجسة إنما ترتبت على الصور النوعية و عناوينها الخاصة فالدم- مثلا- بعنوان أنه دم نجس كما أن العذرة بعنوانها محكومة بالنجاسة و مع تبدل الصورة النوعية و زوال العناوين الخاصة ترتفع نجاستهما لانعدام موضوعهما و لم تترتب النجاسة في الأعيان النجسة على مادة مشتركة بين المستحال منه و المستحال اليه أو على عنوان الجسم- مثلا- ليدعى بقاء نجاستها بعد استحالتها و تبدلها بصورة نوعية اخرى لبقاء موضوعها هذا كله في الأعيان النجسة.

(2) لما قد مناه في استحالة الأعيان النجسة هذا و لكن قد يقال كما نقله شيخنا الأنصاري (قده) بالفرق بين استحالة نجس العين و المتنجس بالحكم

170

..........

____________

بعدم كونها مطهرة في المتنجسات و أظن أن أول من أبداه هو الفاضل الهندي نظرا الى أن الاستحالة في الأعيان النجسة موجبة لانعدام موضوع الحكم كما مر و هذا بخلاف الاستحالة في المتنجس، حيث أن النجاسة بالملاقاة لم تترتب على المتنجسات بعناوينها الخاصة من الثوب و القطن و الماء و غيرها لعدم مدخلية شيء من تلك العناوين في الحكم بالنجاسة بالملاقاة بل النجاسة فيها تترتب على عنوان غير زائل بالاستحالة و هو الجسم أو الشيء كما في موثقة عمار: و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء .. (1) أى كل شيء أصابه المتنجس بلا مدخلية شيء من الخصوصيات الفردية أو الصنفية فيه.

و من الواضح أن الجسمية أو الشيئية صادقتان بعد الاستحالة أيضا حيث أن الرماد أو الدخان- مثلا- جسم أو شيء. و مع بقاء الموضوع و عدم ارتفاعه يحكم بنجاسته حسب الأدلة الدالة على أن الجسم أو الشيء يتنجس بالملاقاة، ثم إن الشيء و إن كان يشمل الجواهر و الأعراض إلا أن العرض لما لم يكن قابلا للإصابة و الملاقاة كانت الإصابة في الموثقة قرينة على اختصاص الشيء بالجواهر، و كيف كان الاستحالة غير موجبة للطهارة في المتنجسات هذا.

و لقد أطال شيخنا الأنصاري (قده) الكلام في الجواب عن ذلك و ذكر بتلخيص و توضيح منا:

أن النجاسة لم يعلم كونها في المتنجسات محمولة على الصورة الجنسية و الجسم و إن اشتهر في كلماتهم أن كل جسم لاقى نجسا مع رطوبة أحدهما ينجس. إلا أن قولهم هذا ليس مدلولا لدليل من آية أو رواية و إنما هو قاعدة مستنبطة من الأدلة الخاصة الواردة في الموارد المعينة من الثوب و البدن و الماء و نحوهما فهي تشير إلى تلك العناوين المشخصة و يئول معناها إلى أن الماء إذا لاقى نجسا ينجس و الثوب

____________

(1) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

171

..........

____________

إذا لاقى .. و هكذا فإذا للصور و العناوين الخاصة دخالة في الحكم بالنجاسة و إذا زالت بسبب الاستحالة زال عنها حكمها كما هو الحال في الأعيان النجسة كما مر هذا.

إلا أن ما أفاده (قده) لا يفي بدفع الشبهة و ذلك لما عرفت من أن النجاسة و الانفعال إنما رتبا على عنوان الجسم أو الشيء كما ورد في موثقة عمار فقولهم إن كل جسم لاقى نجسا مع رطوبة أحدهما ينجس هو الصحيح و هو مضمون الموثقة و لم تترتب النجاسة على العناوين الخاصة لبداهة عدم مدخلية الخصوصيات الصنفية من القطن و الثوب و نحوهما في الحكم بالانفعال بالملاقاة.

و على ذلك لا مانع من التمسك بإطلاق الأدلة الاجتهادية الدالة على نجاسة الأشياء الملاقية مع النجس برطوبة حيث أن مقتضى إطلاقها أن الشيء إذا تنجس تبقى نجاسته إلى الأبد ما لم يطرأ عليه مزيل شرعا، أو لو ناقشنا في إطلاقها لأمكن التمسك باستصحاب النجاسة الثابتة عليه قبل استحالته كما سيتضح.

فالصحيح في الجواب أن يقال: ان التمسك بالإطلاق أو الاستصحاب انما يتم إذا كان التبدل في الخصوصيات الشخصية أو الصنفية كما إذا بدلنا الثوب قطنا أو القطن ثوبا أو صارت الحنطة طحينا أو خبزا و نحو ذلك فإن النجاسة العارضة على تلك الأشياء بملاقاة النجس لا ترتفع عنها بالتبدل في تلك الأوصاف فإن الثوب هو القطن حقيقة و انما يختلفان في وصف التفرق و الاتصال، كما أن الحنطة هو الخبز واقعا و انما يفترقان في الطبخ و عدمه و النجاسة كما ذكرنا انما ترتبت على عنوان الشيء أو الجسم و صادقان بعد التبدل أيضا بل الشيء قبله هو الشيء بعده بعينه عقلا و عرفا و التبدل في الأوصاف و الأحوال غير مغير للحقيقة بوجه و معه لا مانع من التمسك بالإطلاق أو الاستصحاب لإحراز بقاء الموضوع و اتحاد القضية المتيقنة و المشكوك فيها- بناء على جريان الاستصحاب في الاحكام-

172

..........

____________

الا أن التغير في تلك الأوصاف ليس من الاستحالة المبحوث عنها في المقام.

و أما إذا كان التبدل في الأوصاف النوعية كتبدل الثوب المتنجس ترابا أو الخشب المتنجس رمادا فلا يمكن التمسك حينئذ بالإطلاق أو الاستصحاب لمغايرة أحدهما الآخر، و ارتفاع موضوع الحكم بالنجاسة عقلا و عرفا و اما عرفا فحسب، و النجاسة بالملاقاة و ان كانت مترتبة على عنوان الجسم أو الشيء الا أن المتبدل به شيء و المتبدل منه الذي حكم بنجاسته بالملاقاة شيء آخر، و الذي لاقاه النجس هو الشيء السابق دون الجديد و لا يكاد يسري حكم فرد الى فرد آخر مغاير له فالمتحصل أن بالتبدل في العناوين المنوعة يرتفع الشيء السابق و يزول و يتحقق شيء آخر جديد فلا مجال معه للتمسك بالإطلاق أو الاستصحاب فالاستحالة في المتنجسات كالاستحالة في الأعيان النجسة موجبة لانعدام الموضوع السابق و إيجاد موضوع جديد.

و يؤيد ذلك ما جرت عليه سيرة المتدينين من عدم اجتنابهم عن الحيوانات الطاهرة إذا أكلت أو شربت شيئا متنجسا فالدجاجة التي أكلت طعاما قذرا لا يجتنب عن بيضها كما لا يجتنبون عن روث الحيوان المحلل أو بوله أو خرئه أو لحمه إذا أكل أو شرب شيئا متنجسا و ليس هذا إلا من جهة طهارة المتنجس بالاستحالة هذا.

و قد يستدل على طهارة المتنجسات بالاستحالة بصحيحة حسن بن محبوب قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب إليّ بخطه: إن الماء و النار قد طهراه (1) لأنها تدل على أن مادة الجص و إن كانت تنجست بالعذرة و العظام النجستين

____________

(1) المروية في ب 81 من أبواب النجاسات و ب 10 من أبواب ما يسجد عليه من الوسائل.

173

و أما تبدل الأوصاف و تفرق الأجزاء، فلا اعتبار بهما (1) كالحنطة إذا صارت طحينا أو عجينا، أو خبزا، و الحليب إذا صار جبنا. و في صدق الاستحالة على صيرورة الخشب فحما تأمل (2) و كذا في صيرورة الطين خزفا أو آجرا،

____________

للإيقاد بهما عليها و لا سيما مع ما في العظام من الأجزاء الدهنية إلا أن استحالتها بالنار و صيرورتها جصا موجبة لطهارتها. و يمكن المناقشة في هذا الاستدلال بوجوه «الأول»: أن الرواية انما تدل على طهارة العذرة و العظام النجستين بالاستحالة و ليست فيها أية دلالة على كفاية الاستحالة في تطهير المتنجسات فان المطهر للجص هو الماء على ما قدمنا (1) تفسيرها في التكلم على اعتبار الطهارة في موضع السجود و ما ذكرناه في تفسير الرواية هناك إن تم فهو و إلا فالرواية مجملة، و ما قيل من أن النار مطهرة بإزالة العين و إعدامها. و الماء- اى المطر- مطهر باصابته. كغيره مما ذكروه في تفسيرها تأويلات لا ظهور للرواية في شيء منها.

«الثاني»: أن صريح الرواية إسناد الطهارة إلى كل من الماء و النار بان يكون لكل منهما دخل في حصولها فما معنى إسناد الطهارة إلى خصوص النار و دعوى أنها مطهرة بالاستحالة؟!.

«الثالث»: ما تقدمت الإشارة إليه و يأتي تفصيله من أن طبخ الجص أو التراب أو الحنطة أو غيرها إنما هو من التبدل في الحالات و الأوصاف الشخصية أو الصنفية و ليس من الاستحالة بوجه فالاستدلال بالصحيحة ساقط و الصحيح في وجه كون الاستحالة مطهرة في المتنجسات ما ذكرناه.

(1) لما تقدم من أن التبدل في الأوصاف كالتفرق و الاجتماع لا ربط له بالاستحالة التي هي التبدل في الصور النوعية بوجه.

(2) بعد ما تقدم من أن الاستحالة في المتنجسات كالاستحالة في الأعيان

____________

(1) ج 2 ص 263.

174

و مع الشك في الاستحالة لا يحكم بالطهارة (1).

____________

النجسة مطهرة وقع الكلام في مثل الخشب المتنجس إذا صار فحما أو الطين خزفا أو آجرا و أن مثله هل هو من التبدل في الصورة النوعية بصورة نوعية اخرى كما اختاره جماعة في مثل الطين إذا صار خزفا أو آجرا و من هنا قالوا بطهارته بذلك و عليه رتبوا المنع عن التيمم أو السجدة عليهما نظرا إلى خروجهما بالطبخ عن عنوان الأرض و التراب. أو أن الطبخ لا يوجب التبدل بحسب الحقيقة؟

الثاني هو الصحيح لان الخشب و الفحم أو الطين و الآجر من حقيقة واحدة و لا يرى العرف أي مغايرة بين الخزف و الآجر و إنما يراهما طينا مطبوخا و كذلك الحال في الخشب و الفحم فالاختلاف بينهما إنما هو في الأوصاف كتماسك الأجزاء و تفرقها و حالهما حال اللحم و الكباب و حال الحنطة و الخبز. فمع بقاء الصورة النوعية بحالها لا يمكن الحكم بطهارة الطين و الخشب بصيرورتهما خزفا أو فحما.

(1) الكلام في ذلك يقع في مقامين: «أحدهما»: أنه إذا شك في الاستحالة في الأعيان النجسة. و «ثانيهما» ما إذا شك في الاستحالة في المتنجسات.

(أما المقام الأول) فحاصل الكلام فيه أن الشبهة قد تكون موضوعية و يكون الشك في الاستحالة مسببا عن اشتباه الأمور الخارجية. و قد تكون الشبهة مفهومية و يكون الشك في الاستحالة ناشئا عن الشك في سعة المفهوم و ضيقه و الأول كما إذا وقع كلب في المملحة و شككنا بعد يوم في أنه هل استحال ملحا أم لم يستحل، و الثاني كما إذا صارت العذرة فحما و شككنا بذلك في استحالتها نظرا الى الشك في أن لفظة العذرة هل وضعت على العذرة غير المحروقة فإذا أحرقت خرجت عن كونها عذرة أو أنها وضعت على الأعم من المحروقة و غيرها فلا يكون الإحراق سببا لاستحالتها فالشك في سعة

175

..........

____________

المفهوم و ضيقه.

أما إذا كانت الشبهة موضوعية فلا مانع من التمسك باستصحاب كون العين النجسة باقية بحالها و عدم صيرورتها ملحا أو ترابا بان يشار الى الموضوع الخارجي و يقال انه كان كلبا أو عذرة سابقا و الأصل أنه الان كما كان لتعلق الشك حينئذ بعين ما تعلق به اليقين و اتحاد القضيتين: المتيقنة و المشكوك فيها و بهذا يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على النجس هذا.

و قد يقال بعدم جريان الاستصحاب حينئذ نظرا الى أن مع الشك في الاستحالة لا يمكن إحراز بقاء الموضوع في الاستصحاب لعدم العلم بأن الموجود الخارجي كلب أو ملح، إذا لو كنا عالمين بكونه كلبا أو عذرة لم يشك في نجاستهما بل قلنا بنجاستهما بعين الدليل الاجتهادي الذي فرضناه في المسألة، و مع الشك في الموضوع لا يبقى للاستصحاب مجال و تنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة لا محالة.

و هذه الشبهة من الضعف بمكان و ذلك لان المعتبر في الاستصحاب انما هو اتحاد القضيتين: المتيقنة و المشكوك فيها بمعنى كون الشك متعلقا بعين ما تعلق به اليقين و لا يعتبر الزائد على ذلك في الاستصحاب. ثم ان الموضوع في القضيتين يختلف باختلاف الموارد:

فقد يكون الموضوع فيهما هو نفس الماهية- الكلية أو الشخصية- المجردة عن الوجود و العدم بحيث قد تتصف بهذا و قد تتصف بذاك، كما إذا شككنا في بقاء زيد و عدمه حيث أن متعلق اليقين حينئذ هو الماهية الشخصية في الزمان السابق و نشك في نفس تلك الماهية في الزمان اللاحق فالقضيتان متحدتان و لا يمكن أن يكون الموضوع في مثله هو الوجود أو العدم لأنهما أمران متباينان و متقابلان تقابل السلب و الإيجاب فلا يتصف أحدهما بالآخر

176

..........

____________

ليشك في أن الوجود- مثلا- هل صار عدما في الزمان اللاحق أم لم يصر و انما القابل لذلك هو الماهية كما مر لإمكان أن تكون الماهية المتصفة بالوجود في الآن السابق متصفة بالعدم في الآن اللاحق و ليس كذلك الوجود و العدم.

على أن لازم ذلك عدم جريان الاستصحاب في وجود الشيء أو عدمه إذا شك في بقائه على حالته السابقة لعدم إحراز الوجود أو العدم في زمان الشك فيهما.

و قد يكون الموضوع في القضيتين هو الوجود كما إذا علمنا بقيام زيد أو طهارة ماء ثم شككنا في بقائه على تلك الحالة و عدمه لوضوح أن الموضوع في مثله هو زيد الموجود و بما أنا كنا على يقين من قيامه ثم شككنا فيه بعينه فالقضيتان متحدتان.

و ثالثة يكون الموضوع في القضيتين هو الهيولى و المادة المشتركة بين الصور النوعية كما إذا كنا على يقين من اتصاف جسم بصورة و شككنا بعد ذلك في أنه هل خلعت تلك الصورة و تلبست بصورة أخرى أم لم تخلع؟ فان الموضوع في القضيتين هو المادة المشتركة فيشار الى جسم معين و يقال: انه كان متصفا بصورة نوعية كذا و الأصل أنه الان كما كان. و مقامنا هذا من هذا القبيل فنشير الى ذلك الموجود الخارجي و نقول انه كان كلبا سابقا و الآن كما كان للعلم بأن المادة المشتركة كانت متصفة بالصورة الكلبية فإذا شك في بقاء هذا الاتصاف يجرى استصحاب كونها متصفة بالصورة الكلبية، و لا نريد أن نقول انه كلب بالفعل ليقال انه لو كان كلبا- فعلا- لم نحتج الى الاستصحاب بل حكمنا بنجاسته حسب الدليل الاجتهادي كما لا نريد أنه ملح كذلك يقال: ان مع العلم بالاستحالة نعلم بطهارته فلا حاجة أيضا الى الأصل.

بل نريد أن نقول إنه كان كلبا سابقا و لا منافاة بين العلم بالكلبية السابقة

177

..........

____________

و بين الشك في الكلبية فعلا. بل دعوى العلم بكونه كلبا سابقا صحيحة حتى مع العلم بالاستحالة الفعلية نظير قوله عز من قائل أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنىٰ (1) حيث أطلقت النطفة على الإنسان المستحيل منها فكأنه قال للإنسان: إنك كنت نطفة مع العلم باستحالتها إنسانا. نعم الأثر إنما يترتب على كونه كلبا سابقا فيما إذا شككنا في الاستحالة دون ما إذا علمنا أن المادة المشتركة قد خلعت الصورة الكلبية و تلبست بصورة نوعية أخرى. هذا كله في الشبهات الموضوعية و أما الشبهات المفهومية فلا سبيل فيها إلى الاستصحاب لا في ذات الموضوع و لا في الموضوع بوصف كونه موضوعا و لا في حكمه- مضافا إلى ما نبهنا عليه غير مرة من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية.

أما عدم جريانه في ذات الموضوع الخارجي فلانه و إن تعلق به اليقين إلا أنه ليس متعلقا للشك بوجه للعلم بزوال وصف من أوصافه و اتصافه بوصف جديد حيث لم تكن العذرة- مثلا- محروقة فاحترقت و مع عدم تعلق الشك به لا يجري فيه الاستصحاب ليقومه باليقين السابق و الشك اللاحق و لا شك في الموضوع كما عرفت.

و أما عدم جريانه في الموضوع بوصف كونه موضوعا فلانه عبارة أخرى عن استصحاب الحكم فان الموضوع بوصف كونه موضوعا لا معنى له سوى ترتب الحكم عليه و يتضح بعد سطر عدم جريان الاستصحاب في الحكم.

و أما عدم جريانه في نفس الحكم فلانا و إن كنا عالمين بترتب النجاسة على العذرة سابقا و قبل إحراقها و نشك في بقائه إلا أن القضية المتيقنة و المشكوك فيها يعتبر إحراز اتحادهما و مع الشك في بقاء الموضوع لا مجال لإحراز الاتحاد لاحتمال أن يكون ما علمنا بنجاسته زائلا حقيقة و أن هذا الموجود الخارجي

____________

(1) القيامة 75: 37.

178

..........

____________

موضوع جديد لم تتعلق النجاسة به و انما ترتبت على العذرة غير المحروقة و مع هذا الاحتمال يكون المورد شبهة مصداقية للاستصحاب فلا يمكن التمسك بإطلاق أدلته أو عمومه. و هذا مطلب سيال يأتي في جميع الشبهات المفهومية كما ذكرناه في غير واحد من المباحث.

منها مبحث المشقات حيث قلنا: إن في الشك في مثل مفهوم العالم و إنه يعم ما إذا نقضي عنه التلبس أيضا لا يجري الاستصحاب في الموضوع لعدم تعلق الشك به و إنما نعلم باتصافه بالعلم سابقا و زواله عنه فعلا، و لا يجري في حكمه لأجل الشك في بقاء موضوعه، و لا يجري في الموضوع بوصف كونه موضوعا لانه راجع إلى استصحاب الحكم.

نعم الشك في الشبهات المفهومية التي منها المقام يرجع إلى التسمية و الموضوع له فان الشك في سعته و ضيقه و مآله إلى أن كلمة العذرة- مثلا- هل وضعت لمطلق العذرة أو للعذرة غير المحروقة و كذا الحال في غير المقام و لا أصل يعين السعة أو الضيق و معه لا بد في موارد الشك في الاستحالة من الرجوع إلى قاعدة الطهارة و بها يحكم بطهارة الموضوع المشكوك استحالته هذا كله في الأعيان.

و أما المقام الثاني و هو الشك في الاستحالة في المتنجسات فان كانت الشبهة موضوعية كما إذا شككنا في استحالة الخشب المتنجس رمادا و عدمها فلا مانع من استصحاب بقاء المادة المشتركة بين الخشب و الرماد على حالتها السابقة أعني اتصافها بالجسمية السابقة فنشير إلى الموجود الخارجي و نقول انه كان متصفا بالجسمية السابقة و نشك في بقائه على ذاك الاتصاف و تبدل الجسم السابق بجسم آخر فنستصحب اتصافه بالجسمية السابقة و عدم زوال الاتصاف به و بذلك يحكم بنجاسته.

179

..........

____________

و هل تعقل الشبهة المفهومية في الاستحالة في المتنجسات؟

التحقيق عدم تصور الشبهة المفهومية فيها و ذلك لان النجاسة في الأعيان النجسة كانت مترتبة على العناوين الخاصة من الدم و العذرة و غيرهما و لأجله كنا قد تتردد في سعة بعض تلك المفاهيم و ضيقها و نشك في أن العذرة اسم لغير المحروقة أو للأعم منها و من غيرها و هو المعبر عنه بالشبهات المفهومية.

و أما المتنجسات فقد تقدم أن النجاسة بالملاقاة غير مترتبة على العناوين الخاصة من الصوف و القطن و غيرهما ليمكن الشك في سعة بعض المفاهيم و ضيقه بل انما ترتبت على عنوان الجسم و الشيء و لا نشك في سعة مفهومهما لوضوح أنهما صادقان على المتنجسات قبل تبدل شيء من أوصافها الشخصية أو النوعية و بعده لأنها جسم أو شيء على كل حال فلا يتحقق مورد يشك في سعة المفهوم و ضيقة في المتنجسات فإذا شككنا في متنجس أنه استحال أم لم يستحل فهو شبهة موضوعية لا مانع من استصحاب عدم استحالته حينئذ.

و من ذلك الشك في استحالة الخشب فحما أو التراب آجرا أو خزفا فإنه مع الشك في تحقق الاستحالة مقتضى الاستصحاب هو الحكم ببقاء الموجود الخارجي على الجسمية السابقة و عدم تبدله بجسم آخر فلا بد من الحكم بالنجاسة في تلك الأمور نعم الشك في الاستحالة بالإضافة إلى جواز السجدة أو التيمم على التراب من الشبهات المفهومية لا محالة لأن جواز السجدة مترتب على عنوان الأرض و نباتها على التراب أو الأرض و معنى الشك في الاستحالة هو الشك في سعة مفهوم الأرض و التراب و أنهما يشملان ما طبخ منهما و صار آجرا أو خزفا، و مع الشك في المفهوم لا يجري فيه الاستصحاب كما عرفت و لا بد في جواز الأمرين المذكورين من إحراز موضوعيهما.

180

«الخامس»: الانقلاب كالخمر ينقلب خلا، فإنه يطهر (1) سواء كان بنفسه أو بعلاج كإلقاء شيء من الخل أو الملح فيه

تنبيه

____________

ربما عدوا النار من المطهرات في قبال الاستحالة. و فيه أن النار لم يقم على مطهريتها دليل في نفسها و الأخبار المستدل بها على مطهريتها قد قدمنا الجواب عنها في التكلم على نجاسة الدم (1) نعم هي سبب للاستحالة و هي المطهرة حقيقة.

بل قد عرفت أن عد الاستحالة من المطهرات أيضا مبتن على المسامحة فيكون إطلاق المطهر على النار مسامحة في مسامحة هذا.

و في بعض المؤلفات: أن نجاسة أي نجس انما هي جائية من قبل «الميكروبات» المتكونة فيه فإذا استعرض على النار قتلت الجراثيم و الميكروبات بسببها و بذلك تكون النار مطهرة على وجه الإطلاق. و لا يخفى أن التكلم في أمر «الميكروب» أجنبي عما هو وظيفة الفقيه لأنه إنما يتعبد بالأدلة و الأخبار الواصلتين اليه من قبل اللّٰه سبحانه بلسان سفرائه و أوليائه الكرام، و ليس له أن يتجاوز عما وصله و لا يوجد فيما بأيدينا من الأخبار و لا غيرها ما يقتضي تبعية النجاسة لما في النجس من «الميكروب» حتى تزول بهلاكه و إحراقه فلا بد من مراجعة الأدلة ليرى أنها هل تدل على مطهرية النار أولا و قد عرفت عدم دلالة شيء من الأدلة الشرعية على ذلك.

مطهرية الانقلاب

(1) التحقيق أن الانقلاب من أحد أفراد الاستحالة و صغرياتها و إنما

____________

(1) ج 2 ص 27- 29.

181

..........

____________

أفرده بعضهم بالذكر و جعله قسما من أقسام المطهرات لبعض الخصوصيات الموجودة فيه.

أما أن الانقلاب هو الاستحالة حقيقة فلان تبدل الخمر خلا و إن لم يكن من التبدل في الصورة النوعية لدى العقل، لوحدة حقيقتهما بل التبدل تبدل في الأوصاف كالاسكار و عدمه، إلا أنه من التبدل في الصورة النوعية عرفا إذ لا شبهة في تغاير حقيقة الخل و الخمر لدى العرف، على أن الحرمة و النجاسة قائمتان في الأعيان النجسة بعناوينها الخاصة من البول و الدم و نحوهما، فإذا زال عنوانها زالت حرمتها و نجاستها و حيث أن الحرمة و النجاسة في الخمر مترتبتان على عنواني الخمر و المسكر- الذي هو المقوم للحقيقة الخمرية- فبتبدلها خلا يرتفع عنها هذان العنوانان فيحكم بطهارة الخل و حليته.

و أما الخصوصية الموجبة لإفراد الانقلاب بالذكر فهي جهتان:

«الأولى»: أن الاستحالة و ان كانت من أقسام المطهرات بالمعنى المتقدم في محله الا أنها في تبدل الخمر خلا لا يقتضي الحكم بطهارتها و حليتها و ذلك لأن الخمر من المائعات و هي تحتاج إلى إناء لا محالة و هذا الإناء قد تنجس بالخمر قبل صيرورتها خلا فإذا تبدلت خلا فلا محالة يتنجس بانائها ثانيا فإن الاستحالة انما هي في الخمر لا في الإناء.

نعم الاستحالة تقتضي ارتفاع نجاسة الخمر و حرمتها الذاتيتين، الا انها تبتلى بالنجاسة و الحرمة العرضيتين و في النتيجة لا يترتب على استحالة الخمر خلا شيء من الحلية و الطهارة الفعليتين و من ثمة نحتاج في الحكم بهما الى الاخبار الواردة في المقام و هي كافية في إثباتهما و ذلك لأنها دلت بالدلالة المطابقية على طهارتها و حليتها الفعليتين كما دلت بالدلالة الالتزامية على طهارة انائها بالتبع لعدم إمكان الطهارة و الحلية الفعليتين مع بقاء الإناء على نجاسته.

182

..........

____________

«الثانية»: أن الاستحالة تقتضي الطهارة و الحلية مطلقا سواء حصلت بنفسها أم بالعلاج مع أن انقلاب الخمر خلا إذا كان بالعلاج كما إذا القي في الخمر مقدار ملح من دون أن يندك فيها و تزول عينه لا يوجب الحكم بحليتها و طهارتها و ذلك لأن الاستحالة إنما هي في الخمر لا فيما عولجت به من ملح أو غيره، و حيث أن ما به العلاج لاقته الخمر و نجسته قبل استحالتها فهو يوجب تنجسها بعد استحالتها خلا فلا تحصل لها الطهارة و الحلية بالانقلاب و هذه أيضا جهة تحوجنا إلى التشبث بالاخبار و هي قد تكفلت بطهارة الخمر و حليتها و لو كان بعلاج. و الأخبار على طوائف ثلاث:

«الأولى»: المطلقات الدالة على طهارة الخل المتبدل من الخمر سواء أ كان ذلك بنفسها أم بالعلاج كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الخمر يكون أو له خمرا ثم يصير خلا قال: إذا ذهب سكره فلا بأس .. (1)

و موثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال في الرجل إذا باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا فقال: إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس به (2) و في بعض الاخبار أن الخل المستحصل من الخمر تقتل دواب البطن و يشد الفم (3) و في آخر أنه يشد اللثة و العقل (4).

«الثانية»: ما دل على طهارة الخمر و حليتها فيما إذا انقلبت خلا بالعلاج كما عن السرائر نقلا عن جامع البزنطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه سئل عن الخمر تعالج بالملح و غيره لتحول خلا قال: لا بأس بمعالجتها .. (5) و ما رواه عبد العزيز بن المهتدي قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) جعلت فداك، العصير يصير خمرا

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(2) المروية في ب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(3) راجع ب 45 من أبواب الأطعمة المباحة من الوسائل.

(4) راجع ب 45 من أبواب الأطعمة المباحة من الوسائل.

(5) المروية في ب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

183

سواء استهلك أو قي على حاله (1) و يشترط في طهارة الخمر بالانقلاب عدم

____________

فيصب عليه الخل و شيء يغيره حتى يصير خلا قال: لا بأس به (1) و حسنة زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلا قال:

لا بأس (2) و ذلك لأن قوله تجعل خلا ظاهره جعل الخمر خلا بسبب و علاج.

«الثالثة»: الأخبار الواردة في أن الانقلاب بالعلاج لا تترتب عليه الطهارة و هي في قبال الطائفة الثانية:

«منها»: موثقة أبي بصير عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سئل عن الخمر يجعل فيها الخل فقال: لا إلا ما جاء من قبل نفسه (3).

و «منها»: موثقته الأخرى قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الخمر يصنع فيها الشيء حتى تحمض قال: إن كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فلا بأس به (4).

و هاتان الطائفتان متعارضتان و حيث أن الطائفة الثانية صريحة في طهارة الخل المنقلب من الخمر بالعلاج و الطائفة الثالثة ظاهرة في نجاسته فيتصرف في ظاهر الطائفة الثانية بحملها على الكراهة، و على الجملة أن الاخبار تقتضي حلية الخل المستحيل من الخمر بالمعالجة أو بغيرها.

(1) لما عرفت من أن الاخبار الواردة في المقام دلت على طهارة الخل

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(2) المروية في ب 31 من أبواب الأشربة المحرمة و 77 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المروية في ب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(4) المروية في ب 31 من أبواب الأشربة المحرمة و 77 من أبواب النجاسات من الوسائل.

184

وصول نجاسة خارجية إليه (1) فلو وقع فيه- حال كونه خمرا- شيء من البول أو غيره أو لاقى نجسا لم يطهر بالانقلاب.

____________

و حليته الفعليتين فيما إذا انقلب من الخمر بنفسها أو بالعلاج كما أنها بإطلاقها دلت على أنه لا يفرق الحال في ذلك بين أن يكون ما به العلاج مستهلكا في الخمر و بين ما إذا لم يكن كما إذا ألقي عليها قطعة ملح أو ملح مدقوق إلا أنه لم تضمحل فيها بتمامه بل بقي منه مقدار من الخليط كالتراب أو الرمل أو نحوهما، و هذا يدلنا على أن ما به العلاج في مفروض الكلام لا يمكن أن يكون باقيا على نجاسته لأن الطهارة الفعلية لا تجتمع مع نجاسته حيث أن ما به العلاج لو كان باقيا على نجاسته لتنجس به الخل و لم يمكن الحكم بطهارته بالانقلاب.

(1) لعله بدعوى أن الاخبار المتقدمة ناظرة بأجمعها إلى النجاسة الخمرية فحسب و قد دلت على أنها ترتفع بالانقلاب و لا نظر لها الى غيرها من النجاسات.

و فيه أن الخمر من النجاسات العينية و هي غير قابلة لان تتنجس ثانيا بملاقاة الأعيان النجسة أو المتنجسات، كما أن نجاستها غير قابلة للاشتداد بالملاقاة لأن الغائط- مثلا- لا تزيد نجاسته بملاقاة البول أو غيره. و عليه لو صب بول أو نجس آخر على الخمر لم تزد نجاستها بملاقاة البول أو غيره، و عليه لو صب بول أو نجس آخر على الخمر لم تزد نجاستها عما كانت ثابتة عليها قبل الصب و انما نجاستها هي النجاسة الخمرية فحسب و معه لا مانع من أن تشملها الأخبار، فإن نجاستها هي النجاسة الخمرية فقط هذا.

بل الأمر كذلك حتى إذا قلنا بتنجس الخمر بالملاقاة و ذلك لإطلاق الأخبار حيث دلت على طهارة الخل المنقلب من الخمر مطلقا سواء أصابتها نجاسة خارجية أم لم تصبها و ذلك لان ما دل على جواز أخذ الخمر لتخليلها غير مقيد بما إذا أخذت من يد المسلم بل مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين أن يؤخذ من يد المسلم أو الكافر و من الواضح أن الكافر بل مطلق صناع الخمر لا يتحفظ

185

(مسألة 1) العنب أو التمر المتنجس إذا صار خلا لم يطهر (1).

و كذا إذا صار خمرا ثم انقلب خلا (2).

____________

عليها من سائر النجاسات بل تصيبها النجاسة عنده و لو من جهة الأواني أو يده النجسة أو المتنجسة.

نعم هذا فيما إذا لم تصب النجاسة الثانية للإناء و إلا فالاناء المتنجس يكفي في تنجس الخل به بعد انقلابه من الخمر. و ما قدمناه من أن مقتضى الأخبار عدم تنجس الخل بنجاسة الإناء انما هو فيما إذا كانت النجاسة العارضة على الإناء مستندة إلى الخمر. و أما إذا تنجس الإناء بنجاسة أخرى غيرها فلا دلالة للأخبار على طهارة الخل حينئذ.

(1) لما تقدم من أن النجاسة في المتنجسات قائمة بالجسم و ليست قائمة بعناوينها فلا ترتفع بصيرورة العنب خلا، و نصوص الانقلاب مختصة بالخمر فلا دليل على مطهريته في المتنجسات.

(2) لان الانقلاب حسب ما يستفاد من رواياته إنما يوجب ارتفاع النجاسة الخمرية فحسب هذا.

و لكن الصحيح أن العنب أو التمر أو غيرهما إذا صار خمرا ثم انقلب خلا طهر و ذلك لما أشرنا إليه من أن النجاسة العرضية في مثل العنب و نظائره تتبدل بالنجاسة الذاتية عند صيرورته خمرا و الخمر غير قابلة لان تعرضها النجاسة العرضية كما أن نجاستها لا تقبل الاشتداد إذا ليست هناك نجاسة أخرى غير النجاسة الخمرية و مع انقلاب الخمر خلا يشملها الأخبار المتقدمة و بذلك يحكم بزوال نجاستها بل ذكرنا أن مقتضى إطلاق الروايات هو الحكم بالطهارة مع الانقلاب و إن قلنا بتنجس الخمر بالملاقاة نعم يشترط في الحكم بالطهارة مع الانقلاب و إن قلنا بتنجس الخمر بالملاقاة نعم يشترط في الحكم بالطهارة أن يفرغ بعد صيرورته خمرا من إنائه إلى إناء آخر ليتحقق الانقلاب خلا في ذلك الإناء،

186

(مسألة 2) إذا صب في الخمر ما يزيل سكره لم يطهر و بقي على حرمته (1)

____________

لانه لو بقي في إنائه السابق لتنجس به بعد الانقلاب، فان ذلك الإناء متنجس بالخل المتنجس قبل أن يصير خمرا و قد تقدم أن الاخبار الواردة في المقام ناظرة إلى ارتفاع النجاسة الخمرية بالانقلاب دون النجاسة المستندة إلى غيرها.

(1) هنا مسألتان ربما تشتبه إحداهما بالأخرى:

«الأولى» أن مطهرية الانقلاب هل تختص بما إذا انقلبت الخمر خلا أو تعم ما إذا انقلبت شيئا أخر من الماء أو مائع طاهر آخر؟

الثاني هو الصحيح و ذلك لموثقة عبيد بن زرارة: إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس به (1) و صحيحة على بن جعفر المروية عن كتابه: إذا ذهب سكره فلا بأس (2) لدلالتهما على أن المناط في الحكم بطهارة الخمر إنما هو زوال سكرها أو نحولها عن اسمها سواء استند ذلك الى انقلابها خلا أم استند الى انقلابها شيئا آخر هذا.

و ربما يقال: إن الظاهر عدم عملهم لظاهر الروايتين و أن بناءهم على الاختصاص و هذا هو الذي يقتضي ظاهر كلامهم في المقام و لا يمكن المساعدة على ذلك بوجه حيث لم يظهر أن المشهور ذهبوا الى الاختصاص، لان ظاهر كلماتهم كظاهر عبارة الماتن هو التعميم و يشهد على ذلك أمران:

«أحدهما»: أنهم ذكروا أن من أقسام المطهرات الانقلاب ثم مثلوا له بقولهم: كالخمر ينقلب خلا. و هذه قرينة على أن مطهرية الانقلاب غير مختصة عندهم بما إذا انقلبت الخمر خلا و انما هو مطهر على كبرويته و إطلاقه و من موارد صغرياتها انقلاب الخمر خلا فقولهم: كالخمر ينقلب خلا تمثيل تبعي، لوروده

____________

(1) المتقدمة في ص 182.

(2) المروية في ب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

187

..........

____________

في الأخبار لانه الغالب في انقلاب الخمر لا من جهة أن مطهرية الانقلاب مختصة بذلك. بل يأتي أن الانقلاب مطهر في جميع الأعيان النجسة و لا تختص مطهريته بالنجاسة الخمرية فليلاحظ.

و «ثانيهما»: ملاحظة ذيل كلام الماتن (قده) حيث قال: الانقلاب غير الاستحالة، إذ لا تتبدل فيه الحقيقة النوعية بخلافها و لذا لا تطهر المتنجسات به و تطهر بها. حيث ظهر من تفريعه أن الانقلاب لا تترتب عليه الطهارة في المتنجسات لما سنذكره في المسألة الخامسة إن شاء اللّٰه. و إنما هو مطهر في الأعيان النجسة من دون أن تختص مطهريته بالنجاسة الخمرية فضلا عن اختصاصها بانقلاب الخمر خلا فالانقلاب على ذلك من أقسام المطهرات من دون حاجة في ذلك إلى الأخبار و إنما احتجنا إليها في خصوص انقلاب الخمر خلا من جهة نجاسة إنائها حال خمريتها و هي موجبة لتنجسها بعد انقلابها خلا هذا كله في هذه المسألة «المسألة الثانية»: أن الخمر إذا صب فيها مقدار من الماء أو غيره حتى زالت سكرها من دون أن تنقلب خلا أو ماء أو غيرهما- كما في المسألة المتقدمة بل استهلكت فيما صب فيها أو امتزجت معه و حصلت منهما طبيعة ثالثة فهل تطهر بذلك أو لا؟

حكم الماتن بنجاستها و هو كما أفاده (قده) لان ما القي في الخمر من ماء أو غيره يتنجس بمجرد ملاقاتهما فإذا زال عن الخمر إسكارها فلا محالة يتنجس به سواء بقي بحاله كما إذا استهلكت الخمر في الماء أم لم يبق كذلك كما إذا تبدلا حقيقة ثالثة و ذلك لان النجاسة في الأشياء المتنجسة غير طارئة على عناوينها و إنما تترتب على أجسامها كما مر و هي باقية بحالها بعد صيرورتهما طبيعة ثالثة فزوال العنوان في المتنجسات لا يؤثر في طهارتها، و لم يقم دليل على أن الخمر إذا استهلكت فيما صب فيها أو امتزجت معه حتى حصلت منهما طبيعة ثالثة ارتفعت

188

..........

____________

نجاستها فإن الأخبار المتقدمة إنما تدل على طهارتها بالانقلاب اما بنفسها و اما بالعلاج، و الاستهلاك و الامتزاج ليسا من انقلاب الخمر في نفسها و لا من الانقلاب بالعلاج.

و توضيح ذلك: أن الانقلاب إنما لم نلتزم بكونه موجبا للطهارة في نفسه نظرا إلى أن نجاسة الإناء الناشئة من الخمر- الموجودة فيه قبل الانقلاب- تقتضي نجاستها بعد انقلابها خلا و من هنا احتجنا إلى الروايات الواردة في المسألة و ببركتها قلنا بطهارة الإناء وقتئذ بالتبع فلو لا نجاسة الإناء لم نحتج في الحكم بمطهرية الانقلاب إلى النصوص و من هنا لو اكتفينا بحرمة الخمر و لم نلتزم بنجاستها كما هو أحد القولين في المسألة و فرضنا أنها تحولت إلى شيء آخر و إن لم تنقلب خلا لم تتردد في الحكم بزوال حرمتها و هذا بخلاف ما لو قلنا بنجاستها- كما هو الصحيح- حيث لا يمكننا الحكم بزوال نجاستها بالانقلاب إلا مع التشبث بذيل النصوص كما اتضح، و هذه النصوص لا دلالة لها على طهارة الخمر و إنائها عند استهلاكها أو امتزاجها بما يصب فيها و انما تختص بصورة الانقلاب، و على الجملة ان القاعدة تقتضي الحكم بعدم طهارة الخمر في مفروض الكلام و يؤكدها عدة روايات:

«منها»: رواية عمر بن حنظلة قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته و يذهب سكره؟ فقال:

لا و اللّٰه و لا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب (1) لأن القطرة تستهلك في حب من الماء، كما أن الماء المصبوب في قدح من المسكر يمتزج معه فلو كان استهلاكه أو امتزاجه بشيء آخر موجبا لطهارته لم يكن وجه للحكم بإهراق الحب و المنع عن شرب ما في القدح.

____________

(1) المروية في ب 18 و 26 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

189

(مسألة 3) بخار البول أو الماء المتنجس طاهر (1) فلا بأس بما يتقاطر من سقف الحمام إلا مع العلم بنجاسة السقف.

____________

و «منها»: رواية زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيها لحم كثير و مرق كثير، قال. فقال:

يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة .. (1) مع أن القطرة مستهلكة في المرق الكثير لا محالة.

و «منها»: رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال:

ما يبل الميل ينجس حبا من ماء يقولها ثلاثا (2) فقد اتضح من جميع ما تلوناه في المقام أن الخمر في مفروض المسألة باقية على نجاستها و لا تشملها اخبار الانقلاب كما مر، و ان في المقام مسألتين اختلطت إحداهما بالأخرى و الظاهر أن الثانية هي مراد الماتن (قده) و لا نظر له إلى المسألة الاولى و لا أنه بصدد التعرض لحكمها

(1) تقدمت هذه المسألة في أوائل الكتاب (3) و ذكرنا هناك أن ذلك من الاستحالة و التبدل في الصورة النوعية و الحقيقة إذ البخار غير البول و غير الماء المتنجس لدى العرف و هما أمران متغايران و لا يقاسان بالغبار و التراب لان العرف يرى الغبار عين التراب و انما يصعد الهواء للطافته و صغره لا لأنه أمر آخر غير التراب.

و من هنا يصح عرفا أن يقال- عند نزول الغبار- إنه ينزل التراب. و أما

____________

(1) المروية في ب 26 من أبواب الأشربة المحرمة و 38 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 20 من أبواب الأشربة المحرمة و 38 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) ج 1 ص 48.

190

(مسألة 4) إذا وقعت قطرة خمر في حب خل، و استهلكت فيه لم يطهر و تنجس الخل إلا إذا علم انقلابها خلا بمجرد الوقوع فيه (1).

____________

البخار فلا يقال إنه ماء فإذا استحال البول أو الماء المتنجس بخارا حكم بطهارته فلو انقلب البخار ماء فهو ماء جديد قد تكون من البخار المحكوم بطهارته فلا مناص من الحكم بطهارته لوضوح أنه ماء آخر غير الماء الأول المتبدل بالبخار، و هذا في بخار البول أظهر منه في الماء المتنجس لان الغافل قد يتوهم أن الماء الحاصل بالبخار هو الماء السابق بعينه و انما تبدل مكانه.

و لكن هذا التوهم لا يجري في بخار البول لان الماء المتكون منه ماء صاف خال من الأجزاء البولية فكيف يتوهم أنه البول السابق بعينه لان حاله حال الماء المتحصل من الرمان أو غيره حيث أن الماء المصعد منه ماء صاف لا يتوهم أنه الماء السابق قبل تبخيره.

(1) القطرة الخمرية الواقعة في حب خل لو فرضنا تبدلها خلا قبل ملاقاتهما كما إذا تبدلت- بفرض غير واقع- بمجرد أن أصابها الهواء الكائن في السطح الظاهر من الخل فلا ينبغي التردد في بقاء الخل على طهارته لأنه إنما يلاقي جسما طاهرا، إلا أن في هذه الصورة لا يصدق وقوع الخمر في الخل لعدم بقائها على خمريتها حال الوقوع و كونها خمرا قبل ذلك لا يترتب عليه أثر.

و أما إذا فرضنا انقلابها خلا بعد ملاقاتهما و لو بآن دقي حكمي فالخل محكوم بالانفعال لانه لاقى خمرا على الفرض. و الأخبار المتقدمة إنما دلت على طهارة الخمر فيما إذا انقلبت خلا بنفسها أو بالعلاج لا فيما إذا لاقت خلا ثم تبدلت إليه و عليه فلا موقع للاستثناء الواقع في كلام الماتن (قده) بل الصحيح هو الحكم بنجاسة الخل في مفروض المسألة مطلقا.

191

(مسألة 5) الانقلاب غير الاستحالة (1) إذ لا تتبدل فيه الحقيقة النوعية بخلافها، و لذا لا تطهر المتنجسات به و تطهر بها.

____________

(1) الانقلاب و الاستحالة متحدان حقيقة بحسب اللغة فإن الحول و القلب بمعنى فيقال: قلبه قلبا. حوله عن وجهه و لم ترد الاستحالة في شيء من الاخبار ليتكلم في مفهومها و إنما حكمنا بالطهارة معها لانعدام موضوع النجاسة و ارتفاع حكمه. نعم بين الاستحالة و الانقلاب فرق في مصطلح الفقهاء و قد تصدى الماتن (قده) لبيان الفارق بينهما بحسب الاصطلاح. و توضيح ما أفاده أن النجاسة في الأعيان- كما تقدم- مترتبة على عناوينها الخاصة من البول و الخمر و الدم و هكذا فالخمر بما هي خمر نجسة لا بما أنها جسم- مثلا- و هكذا الحال في غيرها من الأعيان و هو معنى قولهم: الأحكام تتبع الأسماء بمعنى أنها تدور مدار العناوين المأخوذة في موضوعاتها فإذا زال عنها عنوانها زال حكمها لا محالة فيحكم بعدم نجاسة الخمر و عدم حرمتها إذا سلب عنها عنوانها و اتصفت بعنوان آخر فلا يعتبر في زوال النجاسة أو الحرمة زوال الخمر و انعدامها بذاتها أو انعدام البول كذلك أو غيرهما.

و من هنا يظهر أن استصحاب النجاسة عند زوال عنوان النجس بالانقلاب من الأغلاط التي لا نتمكن من تصحيحها فإن النجاسة كحرمة المسكر الجامد- كالبنج- فكما أنه إذا زال عنه إسكاره ارتفعت حرمته لكونها مترتبة على البنج المسكر كذلك الحال في المقام فهل يمكن استصحاب حرمته حينئذ؟ و هذا بخلاف المتنجسات.

لعدم ترتب النجاسة فيها على عناوينها و انما ترتبت على ذواتها فهي متنجسة بما أنها جسم فلا ترتفع نجاستها بزوال عناوينها لبقاء الجسمية بمرتبتها النازلة بل يتوقف زوال حكمها على انعدام ذواتها و تبدل صورتها الجسمية

192

(مسألة 6) إذا تنجس العصير بالخمر، ثم انقلب خمرا و بعد ذلك انقلب الخمر خلا، لا يبعد طهارته (1) لأن النجاسة العرضية صارت ذاتية بصيرورته خمرا، لأنها هي النجاسة الخمرية، بخلاف ما إذا تنجس العصير بسائر النجاسات فان الانقلاب إلى الخمر لا يزيلها، و لا يصيرها ذاتية، فأثرها باق بعد الانقلاب أيضا

____________

بجسم أخر كما إذا تبدل النبات المتنجس حيوانا فإن الصورة الجسمية في أحدهما غير الصورة في الآخر، و حيث أن ارتفاع النجاسة في الأعيان النجسة لا يحتاج إلى تبدل الذات بل يكفي فيه تبدل العنوان على خلاف المتنجسات فاصطلح الفقهاء (قدس اللّٰه أسرارهم) في زوال العنوان بالانقلاب كما اصطلحوا في زوال الذات و الحقيقة بالاستحالة تمييزا بينهما و بيانا للفارق بين النجاسات و المتنجسات لا من جهة أن الانقلاب غير الاستحالة حقيقة لما عرفت من أنهما شيء واحد.

و إن شئنا عكسنا الأمر و عبرنا عن زوال الذات بالانقلاب و عن تبدل العناوين بالاستحالة و قلنا: انقلاب الحقائق و الذوات و استحالة العناوين و تحولاتها من المطهرات. فإنه صحيح و ان كان على خلاف الاصطلاح و لا بأس بما اصطلحوا عليه تمييزا بين القسمين المتقدمين، و على ذلك اتضح عدم اختصاص مطهرية الانقلاب بالخمر فإنه مطهر في مطلق النجاسات العينية المترتبة على العناوين و الأسماء فان أحكامها ترتفع بزوال عناوينها و هو الانقلاب كما أنه لا يترتب عليه أثر في المتنجسات فان زوال العنوان غير مؤثر في ارتفاع أحكامها لترتبها على ذواتها. اللهم إلا أن تتبدل صورتها الجسمية بصورة جسمية اخرى كما مر و هو الاستحالة بحسب الاصطلاح.

(1) لا غبار فيما أفاده (قده) بناء على ما ذكرناه من أن نجاسة العنب أو العصير أو غيرهما بسبب الملاقاة غير مانعة عن طهارة الخمر الحاصلة منه بانقلابها خلا لاندكاك نجاستها العرضية في نجاستها الذاتية فإن العرف لا يرى في مثلها

193

(مسألة 7) تفرق الاجزاء بالاستهلاك غير الاستحالة (1) و لذا لو وقع مقدار من الدم في الكر و استهلك فيه يحكم بطهارته لكن لو أخرج الدم من الماء بآلة من الآلات المعدة لمثل ذلك عاد إلى النجاسة، بخلاف الاستحالة فإنه إذا صار البول بخارا ثم ماء لا يحكم بنجاسته، لانه صار حقيقة أخرى.

____________

نجاستين بأن تكون إحداهما عرضية قائمة بجسمها و ثانيتهما ذاتية قائمة بعنوانها.

بل تقدم أنا لو سلمنا اشتمالها على نجاستين أيضا التزمنا بالطهارة لإطلاقات الأخبار و شمولها لما إذا كانت الخمر متنجسة أيضا و لعل هذا هو الغالب في الخمور لتنجسها حال كونها عصيرا أو خلا بيد صناعها مسلما كان أو غيره لبعد تحفظهم على عدم تنجسها من سائر الجهات إذا الخمار لا يبالي بأمثال ذلك.

و أما بناء على ما سلكه الماتن (قده) من اعتبار الطهارة في التمر أو العنب أو غيرهما مما يصطنع منه الخمر و أن نجاسته قبل صيرورته خمرا مانعة عن طهارة الخمر الحاصلة منه بالانقلاب فيشكل الفرق بين تنجسه بالنجاسة الخمرية و تنجسه بسائر النجاسات و المتنجسات و ذلك لا مكان أن يقال: ان العنب أو التمر أو غيرهما إذا تنجس بالخمر ثم صار خمرا منع ذلك عن طهارتها بالانقلاب لاشتمال الخمر حينئذ على نجاستين:

عرضية و هي تقوم بجسمها كما هو الحال في بقية المتنجسات و ذاتية قائمة بعنوانها، و الأخبار إنما تقتضي زوال نجاستها الذاتية القائمة بعنوانها بالانقلاب و أما نجاستها العرضية فهي باقية بحالها لعدم ارتفاع موضوعها بالانقلاب.

و على الجملة لا نرى وجها صحيحا للتفصيل بين التنجس بالخمر و التنجس بغيرها فاما أن نلتزم بالطهارة بالانقلاب في كليهما لما ذكرناه و إما أن نلتزم بعدم حصول الطهارة في كليهما لما ذكره (قده).

(1) و ذلك لان الاستهلاك من الهلاك و هو بمعنى انعدام الشيء بتمامه

194

نعم لو فرض صدق البول عليه يحكم بنجاسته بعد ما صار ماء. و من ذلك يطهر حال عرق بعض الأعيان النجسة أو المحرمة، مثل عرق لحم الخنزير، أو عرق العذرة، أو نحوهما، فإنه إن صدق عليه الاسم السابق و كان فيه آثار ذلك الشيء و خواصه يحكم بنجاسته أو حرمته، و إن لم يصدق عليه ذلك الاسم، بل عّد حقيقة أخرى ذات أثر و خاصية أخرى، يكون طاهرا و حلالا، و أما نجاسة عرق الخمر فمن جهة أنه مسكر مائع، و كل مسكر نجس.

____________

انعداما عرفيا و زوال حيثية الوحود عنه من غير أن يبقى منه شيء ظاهرا- و إن كان باقيا حقيقة- و الاستحالة عبارة عن زوال الحقيقة و الصورة النوعية و حدوث حقيقة أخرى و إن كانت المادة المشتركة بينهما باقية بحالها فان الوجود في موارد الاستحالة هو الوجود الأول و إنما التبدل في مراتبه بمعنى أن الهيولى كانت متحققة و موجودة بالصورة المرتفعة ثم صارت موجودة بالصورة النوعية الأخرى و المادة المشتركة خلعت صورة و لبست صورة أخرى بحيث يصح أن يقال: إن هذا- مشيرا به إلى موجود خارجي- كان كذا ثم صار كذا كما تقدم في قوله تعالى أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنىٰ (1).

و تظهر الثمرة فيما إذا استهلكت قطرة دم في ماء كثير ثم أخذناها من الماء بالآلات المعدة للتجزية فإنها محكومة بالنجاسة حينئذ لأنها عين القطرة السابقة غاية الأمر أنها لم تكن محسوسة لتفرق أجزائها- مع بقائها حقيقة من غير أن تتبدل حقيقتها و صورتها- فإذا اجتمعت و ظهرت على الحس حكم بنجاستها لا محالة و هذا بخلاف ما إذا استحالت القطرة ترابا ثم بدواء أو غيره صيرنا التراب دما فإنه حينئذ دم جديد غير الدم السابق لانه قد انعدم بصورته و حقيقته و لا يحكم بنجاسته لاختصاص النجاسة بدم الحيوان الذي له نفس سائلة، و الدم المتكون

____________

(1) تقدم في ص 177

195

(مسألة 8) إذا شك في الانقلاب بقي على النجاسة (1).

(السادس): ذهاب الثلثين في العصير العنبي على القول بنجاسته بالغليان لكن قد عرفت أن المختار عدم نجاسته، و ان كان الأحوط الاجتناب عنه (2) فعلى المختار فائدة ذهاب الثلثين تظهر بالنسبة إلى الحرمة، و أما بالنسبة إلى النجاسة فتفيد عدم الاشكال لمن أراد الاحتياط، و لا فرق بين أن يكون الذهاب بالنار، أو بالشمس، أو بالهواء كما لا فرق في الغليان الموجب للنجاسة على القول بها بين المذكورات، كما أن في الحرمة بالغليان التي لا اشكال فيها و الحلية بعد الذهاب كذلك، أي لا فرق بين المذكورات،

____________

بعد الاستحالة دم مخلوق الساعة و لا دليل على نجاسته.

ثم إن الأنسب في المثال ما ذكرناه دون ما مثل به الماتن (قده) و ذلك لانه مثل في الاستحالة بما لا يعود إلى الشيء السابق لوضوح أن الماء الحاصل من البخار غير البول الذي استحال بخارا و من المناسب أن يمثل بما يعود إلى الشيئية السابقة بعد الاستحالة و الاستهلاك و يحكم عليه في أحدهما بالطهارة و في الآخر بالنجاسة، و لا مثال له سوى الدم كما مثلنا به.

و أما بخار الماء المتنجس إذا صار ماء فهو أيضا غير صالح للمثال لان البخار و ان كان يعود إلى الشيئية السابقة و هي الماء الا أنه لا يتم في الاستهلاك لأنا لو فصلنا أجزاء المتنجس من الماء الكثير بعد فرض استهلاكه فيه لم نحكم بنجاستها لطهارتها بالكثير كما لا يحكم بنجاستها في فرض استحالتها و معه لا يبقى فرق بين الاستحالة و الاستهلاك فالصحيح في المثال ما ذكرناه.

(1) لاستصحاب بقاء العنوان و عدم زواله.

مطهرية ذهاب الثلثين

(2) مر تفصيل هذه الفروع في مبحث النجاسات و ذكرنا أن الغليان مطلقا يوجب حرمة العصير بل و نجاسته أيضا- على تقدير القول بها- بلا فرق في

196

و تقدير الثلث و الثلثين إما بالوزن أو بالكيل أو بالمساحة (1).

____________

ذلك بين استناد الغليان الى نفسه و استناده الى النار أو الشمس أو غيرهما و دفعنا التفصيل بين الغليان بنفسه و هو المعبر عنه بالشيش و الغليان بسبب النار أو غيرها بالقول بالحرمة و النجاسة على الأول و بالحرمة فحسب على الثاني، بما لا مزيد عليه نعم ذكرنا أن المطهر أو المحلل انما هو خصوص ذهاب الثلثين بالطبخ و هو لا يكون الا بالنار فذها بهما بنفسه أو بحرارة الشمس أو غيرهما مما لا يترتب عليه الحكم بالطهارة و الحلية فليراجع.

(1) ذكر صاحب الجواهر (قده): ان المعتبر إنما هو صدق ذهاب الثلثين من دون فرق بنى الوزن و الكيل و المساحة و إن كان الأحوط الأولين- أي الوزن و الكيل- بل قيل هو الوزن. و تبعه الماتن في المقام و نقول في توضيح المسألة:

إن المساحة و الكيل أمران متحدان و هما طريقان إلى تعيين كم خاص و لا اختلاف بينهما. و أما الوزن فهو أمر يغاير الكيل و المساحة و النسبة بينه و بينهما عموم مطلق. و التحديد بمثلهما أمر لا محصل له لحصول الأخص و هو الكيل و المساحة في المقام قبل الأعم- و هو الوزن- دائما و يعتبر في التحديد بشيئين أن تكون النسبة بينهما عموما من وجه بحيث قد يتحقق هذا دون ذاك و قد يتحقق ذاك دون هذا على ما سبقت الإشارة إليه عند تحديد الكر بالوزن و المساحة حيث قلنا إن النسبة بين سبعة و عشرين شبرا و بين الوزن عموم من وجه و لا مانع من تحديد الكر بهما و هذا بخلاف ستة و ثلاثين أو ثلاثة و أربعين إلا ثمن شبر، فان الوزن حاصل قبلهما. و الأمر في المقام كذلك.

فان بقاء الثلث أو ذهاب الثلثين بحسب المساحة و الكم الخارجي يتحقق قبل ذهابهما أو قبل بقاء الثلث بحسب الوزن. و «سره» أن أوزان الأشياء

197

..........

____________

المتحدة بحسب الكم الخارجي تختلف باختلافها فترى أن الخشبة و الحديد المتحدين بحسب الأبعاد الثلاثة مختلفان وزنا إذ الحديد أثقل من الخشب و كذا الذهب و الحديد المتوافقين بحسب الكم الخارجي فإن الذهب أثقل الفلزات و هكذا كم خاص من الماء الصافي و العصير لان العصير لاشتماله على المواد السكرية و الأرضية أثقل فإذا غلى كل منهما و ذهب ثلثاهما بحسب الكم كان الثلث الباقي من العصير أثقل من الثلث الباقي من الماء لكثافة الأول- من جهة ذهاب الأجزاء المائية و بقاء المواد الأرضية و السكرية- و خفة الثاني لصفائه، و عليه فذهاب الثلثين وزنا يتأخر دائما عن ذهابهما كيلا و مساحة، و مع كون النسبة بين الوزن و الكم أي المساحة و الكيل عموما مطلقا لا يمكن تحديد الحرمة أو هي مع النجاسة بهما بل لا بد من تحديدها بأحدهما، و هل المدار على الذهاب وزنا أو على الذهاب كما؟ لا بد في ذلك من النظر إلى الروايات لنرى أن المستفاد منها أي شيء.

و الكلام في تحقيق ذلك يقع في مقامين: «أحدهما»: فيما تقتضيه الأدلة الاجتهادية و «ثانيهما»: فيما يقتضيه الأصل العملي.

(أما المقام الأول) فقد يقال إن المعتبر هو الوزن و يستدل عليه بوجهين «أحدهما»: أن جملة من الاخبار الواردة في العصير دلت على أنه إذا غلى حرم أو نجس أيضا و هي بإطلاقها تقتضي بقاء حرمته أو نجاسته مطلقا ذهب ثلثاه أم لم يذهبا «منها»: رواية حماد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن شرب العصير قال: تشرب ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه .. (1)

و «منها»: حسنته عنه (عليه السلام) قال: لا يحرم العصير حتى يغلي (2) و «منها»:

موثقة ذريح قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: إذا نش العصير أو غلى حرم (3) و في قبال هذه الروايات جملة أخرى دلت على أن الحرمة و النجاسة تزولان

____________

(1) المروية في ب 3 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل

(2) المروية في ب 3 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل

(3) المروية في ب 3 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل

198

..........

____________

بذهاب ثلثي العصير و بقاء ثلثه و في بعضها أن ثلثيه للشيطان و ثلثه لآدم (عليه السلام) (1) و هي تخصص المطلقات المتقدمة بما إذا لم يذهب ثلثاه و لكنها مجملة لإجمال المراد بالثلث و الثلثين للشك في أن المراد منهما خصوص الوزني أو الكمي، و مقتضى القاعدة في المخصصات المجملة المنفصلة الأخذ بالمقدار المتيقن و الرجوع في الزائد المشكوك فيه إلى العام، و الذي نتيقن بإرادته في المقام هو الوزني الذي يحصل بعد الكمي كما عرفت. و أما الاكتفاء بخصوص الذهاب الكمي فهو مشكوك فيه فيرجع فيه إلى العمومات و المطلقات الدالة على بقاء الحرمة و النجاسة حتى يذهب ثلثاه بحسب الوزن.

و «ثانيهما»: الأخبار: «منها»: ما رواه ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: إذا زاد الطلا على الثلث أوقية فهو حرام (2) لدلالتها على أن المراد بالثلث هو الثلث الوزني لمكان قوله: أوقية. و هي من أسماء الأوزان و «منها»: ما رواه عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في رجل أخذ عشرة أرطال من عصير العنب فصب عليه عشرين رطلا ماء ثم طبخهما حتى ذهب منه عشرون رطلا و بقي عشرة أرطال أ يصلح شرب تلك العشرة أم لا؟ فقال: ما طبخ على الثلث فهو حلال (3) و قد دلت على أن المراد من الثلث و الثلثين هو الوزني خاصة. و «منها»: رواية عبد اللّٰه بن سنان قال: العصير إذا طبخ حتى يذهب منه ثلاثة دوانيق و نصف ثم يترك حتى يبرد فقد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه (4) هذا و في كلا الوجهين ما لا يخفى. أما «أولهما»: فلأجل أن الأشياء تختلف بحسب الاعتبار فان في بعضها الاعتبار بالعدد كما في الحيوان و الإنسان و غيرهما

____________

(1) راجع ب 2 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(2) راجع ب 2 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(3) المروية في ب 8 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(4) المروية في ب 5 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

199

..........

____________

من المعدودات و في بعضها الآخر بالوزن كما في الحنطة و الشعير و الأرز و غيرها مما يوزن و في ثالث بالمساحة كما في الأراضي، و العرف لا يكاد يشك في أن المائعات التي منها الماء و العصير مما يعتبر فيه المساحة فإذا قيل العصير يعتبر في حليته و طهارته ذهاب ثلثيه و بقاء ثلثه حمل على ارادة الثلثين بحسب المساحة فلا إجمال في المخصص بوجه.

و يدل على ذلك أنهم (عليهم السلام) أطلقوا اعتبار ذهاب الثلثين في حلية العصير من دون أن يخصصوا ذلك بشخص دون شخص مع أن أكثر أهل البلاد لا يتمكن من وزن العصير حيث لا ميزان عندهم فكيف بالصحاري و القرى! و ما هذا شانه لا يناط به الحكم الشرعي من غير أن يبين في شيء من الروايات.

و مما يؤيد ذلك ما ورد في بعض الروايات- بيانا لكيفية طبخ العصير- من قوله (عليه السلام) ثم تكيله كله فتنظر كم الماء ثم تكيل ثلثه (1) فإنه كالصريح في أن الاعتبار بالكيل و المساحة. نعم لم نستدل بتلك الرواية في الحكم بحرمة العصير بالغليان للمناقشة فيها سندا و دلالة فليراجع ما ذكرناه في البحث عن نجاسة العصير و حرمته (2) هذا كله في الوجه الأول من الوجهين السابقين.

و أما «ثانيهما»: و هو الاستدلال بالأخبار فلان الرواية الأولى منها و إن كانت تامة دلالة إلا أنها مرسلة لأن الكليني (قده) إنما ينقلها عن بعض أصحابنا فلا يمكن الاعتماد عليها.

و أما الرواية الثانية فلان الوزن فيها انما ذكر في كلام السائل دون جواب الامام (عليه السلام) فان كلامه غير مشعر بإرادة الوزن أبدا. و قد عرفت أن إطلاق

____________

(1) راجع رواية عمار المروية في ب 5 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(2) راجع ج 2 ص 116- 117

200

..........

____________

الثلث أو غيره من المقادير في المائعات منصرف الى الكيل و المساحة. مضافا إلى ضعف سندها بعقبة بن خالد و محمد بن عبد اللّٰه بناء على أنه محمد بن عبد اللّٰه بن هلال كما هو الظاهر.

و أما الرواية الثالثة فلان الدانق معرب «دانك» بالفارسية و المراد به سدس الشيء عند الإطلاق و هو من أسماء المقادير بالمساحة فلا دلالة لها على إرادة الوزن. على أن سندها ضعيف من وجوه منها: عدم توثيق منصور بن العباس الواقع في سلسلته فليراجع.

و أما المقام الثاني فقد يقال: إن مقتضى استصحاب حرمة العصير أو نجاسته قبل ذهاب الثلثين عنه هو الحكم بحرمته و نجاسته بعد الغليان و ذهاب ثلثيه كما و ذلك للشك في طهارته و حليته بذلك و لا مسوغ لرفع اليد عن اليقين بحرمته و نجاسته حتى يقطع بحليته و طهارته و هذا انما يحصل بذهاب الثلثين وزنا. و فيه: أن الشبهة مفهومية في المقام للشك فيما يراد من الثلث الباقي أو الثلثين الذاهبين و قد أسلفنا في محله أن استصحاب الحكم لا يجري في أمثال المقام للشك في بقاء موضوعه و مع عدم إحراز اتحاد القضيتين المتيقنة و المشكوكة لا يبقى مجال للاستصحاب. كما أنه لا مجال لاستصحاب الموضوع حينئذ لتقومه بالشك و اليقين و لا شك لنا في المقام في شيء للقطع بزوال الثلثين كما و عدم زوالهما بحسب الوزن و معه كيف يجري الاستصحاب في الموضوع؟! على أن الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية رأسا فإذا شككنا في حرمة العصير و طهارته بعد ذهاب ثلثيه بحسب الكم فلا بد من الرجوع إلى أصالتي الحل و البراءة أو أصالة الطهارة. فالمتلخص أن الميزان في حلية العصير و طهارته إنما هو زوال ثلثيه بحسب الكم و المساحة.

201

و يثبت بالعلم، و بالبينة، و لا يكفي الظن (1).

____________

(1) لقد تكلمنا في اعتبار الأمور التي ذكرها الماتن (قده) في المقام من العلم و البينة و خبر العدل و إخبار ذي اليد في البحث عما يثبت به النجاسة، مفصلا (1) و لا حاجة إلى إعادته. كما ذكرنا أن الظن لا اعتداد به شرعا بقي الكلام في أن اعتبار قول ذي اليد- في محل الكلام- هل يختص بما إذا كان مسلما عارفا أو مسلما ورعا مؤمنا أو لا يشترط بشيء؟

ورد في موثقة عمار- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ان كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس ان يشرب. بعد السؤال عن رجل يأتي بالشراب و يقول هذا مطبوخ على الثلث (2) و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليهم السلام) قال: سألته عن الرجل يصلي إلى القبلة لا يوثق به أتى بشراب يزعم أنه على الثلث فيحل شربه؟

قال: لا يصدق إلا أن يكون مسلما عارفا (3).

و لكن الصحيح عدم اعتبار شيء من ذلك في اعتبار قول ذي اليد و ذلك لما ورد في صحيحة معاوية بن عمار من قوله: قلت فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث و لا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه؟ قال: نعم (4) حيث أن ظاهر قوله: ممن لا نعرفه. أنه ممن لا يعرفون وثاقته و عدالته، و مع هذا أمر بتصديقه في إخباره فلا يشترط في اعتبار قول ذي اليد شيء من الإسلام و الايمان و العدالة نعم لا بد في حجية قوله من اشتراط شيء آخر و هو أن لا يكون ممن يشرب العصير قبل تثليثه و إن لم يكن مستحلا له أيضا و ذلك لما ورد في صدر

____________

(1) ج 1 ص 281- 292 و ج 2 ص 165- 170

(2) المروية في ب 7 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(3) المروية في ب 7 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(4) المروية في ب 7 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

202

و في خبر العدل الواحد إشكال (1) إلا أن يكون في يده و يخبر بطهارته و حليته و حينئذ يقبل قوله و إن لم يكن عادلا، إذا لم يكن ممن يستحله قبل ذهاب الثلثين (2).

(مسألة 1) بناء على نجاسة العصير إذا قطرت منه قطرة بعد الغليان على الثوب أو البدن أو غيرهما يطهر بجفافه أو بذهاب ثلثيه بناء على ما ذكرنا عن عدم الفرق بين أن يكون بالنار أو بالهواء (3) و على هذا فالآلات المستعملة في طبخه تطهر بالجفاف و إن لم يذهب الثلثان مما في القدر، و لا يحتاج إلى إجراء حكم التبعية، و لكن لا يخلو عن إشكال من حيث أن المحل إذا تنجس به أولا

____________

الصحيحة من قوله: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيه بالبختج و يقول قد طبخ على الثلث و أنا أعرف أنه يشربه على النصف أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف؟ فقال: لا تشربه، فإنه يدل على عدم قبول إخبار ذي اليد إذا كان ممن يشرب العصير على النصف و لو كان من أهل المعرفة و غير مستحل له.

(1) بل لا إشكال في اعتباره لما ذكرناه غير مرة من عدم التفرقة في حجيته بين الأحكام و الموضوعات إلا في موارد خاصة كالزنا و موارد الترافع و غيرهما. بل لا يشترط في اعتباره العدالة أيضا لكفاية الوثاقة في حجية الخبر.

(2) مر أن حجية قول ذي اليد في خصوص المقام لا يكفي فيها مجرد عدم استحلاله للعصير قبل تثليثه بل يشترط فيها أن يكون ممن لا يشربه قبل التثليث.

(3) إذا بنينا على أن المحلل و المطهر- على تقدير القول بنجاسة العصير بالغليان- إنما هو خصوص ذهاب الثلثين بالنار كما قويناه في البحث عن نجاسة

203

لا ينفعه جفاف تلك القطرة، أو ذهاب ثلثيها، و القدر المتيقن من الطهر بالتبعية المحل المعد للطبخ مثل القدر و الآلات، لا كل محل كالثوب و البدن و نحوهما.

____________

العصير بالغليان فلا إشكال في عدم طهارة الثوب و البدن و لا نفس القطرة الواقعة عليهما بذهاب ثلثيها أو بجفافها لعدم استنادهما إلى النار.

و أما إذا قلنا بكفاية مطلق ذهابهما في حليته و طهارته سواء أ كان بالنار أم بغيرها فهل يحكم بطهارة الثوب و البدن؟ استشكل الماتن في طهارتهما نظرا إلى أن المحل بعد ما تنجس بتلك القطرة لم ينفع ذهاب ثلثيها أو جفافها بوجه. لأنه لم يقم دليل على طهارة المحل تبعا لطهارة القطرة الواقعة عليه. و ما أفاده (قده) هو المتين و توضيحه: أن الطهارة بالتبع أنما ثبتت بأحد أمور منتفية في الثوب و البدن، حيث أنها:

إما أن تثبت من جهة السيرة الخارجية و الإجماع القطعيين القائمين على عدم الاجتناب عن العصير و محله بعد ذهاب الثلثين لطهارة المحل بتبع طهارته.

و اما أن تثبت بالروايات لسكوتها عن التعرض لنجاسة المحل و هي في مقام البيان فيستكشف من ذلك طهارته تبعا إذ لو كان نجسا لكان عليهم (عليهم السلام) البيان و التنبيه على نجاسته.

و اما أن تثبت من جهة اللغوية فإن الحكم بطهارة العصير بعد تثليثه مع بقاء المحل على نجاسته لغو ظاهر. و هذه وجوه ثلاثة و هي مختصة بالأواني و الآلات و غيرهما مما يصيبه العصير- عادة- حين طبخه و تثليثه و لا يأتي شيء منها في الثوب و البدن:

أما السيرة و الإجماع فلأنهما من الأدلة اللبية و القدر المتيقن منهما الأواني و الآلات و نظائرهما و هي التي جرت السيرة على عدم التجنب عنها و لا يمكن الاستدلال بالأدلة اللبية في الزائد على القدر المتيقن منها.

204

..........

____________

و أما سكوت الأخبار في مقام البيان فلأنهم (عليهم السلام) انما كانوا بصدد بيان أن العصير يحل شربه و يحكم بطهارته بذهاب ثلثيه و كذلك آلاته و أوانيه و لم يعلم أنهم بصدد بيان أن محل العصير- و لو كان كالثوب و البدن- أيضا يطهر بتبعه حتى يتمسك بإطلاق الروايات و سكوتها في مقام البيان:

و أما دليل اللغوية فلأنه انما يتم فيما إذا ورد دليل على ثبوت حكم في مورد- بخصوصه- و كان ثبوته في ذلك المورد متوقفا على ثبوت حكم آخر فإنه يلتزم حينئذ بثبوت ذلك الحكم الآخر أيضا صونا للكلام عن اللغو و هذا كما في الحكم بطهارة العصير المغلي بعد ذهاب ثلثيه فإنها مع بقاء الآلات و الأواني على نجاستهما لغو ظاهر فصونا لكلامهم (عليهم السلام) عن اللغو نلتزم بثبوت الطهارة للأواني و الآلات كالعصير.

و أما إذا لم يثبت الحكم إلا بالإطلاق و كان شموله لفرد من افراده متوقفا على التزام حكم آخر فلا مسوغ للتمسك بالإطلاق في ذلك الفرد ما لم يقم دليل على ثبوت الحكم الآخر في نفسه و ذلك لما ذكرناه في محله من أن الإطلاق انما يشمل الموارد التي لا يتوقف شموله لها على مئونة زائدة كلحاظ ثبوت اللازم و هو الحكم الآخر على الفرض و مع توقفه على المئونة أي على لحاظ ثبوت الحكم الآخر لا يشمله الإطلاق في نفسه حتى يقوم دليل خارجي على تلك المئونة الزائدة و قد ذكرنا نظيره في الكلام على الأصول المثبتة، حيث استدل على اعتبارها بإطلاق أدلة الأصول و لزوم اللغوية على تقدير عدم ثبوت مثبتاتها لأن إطلاق قوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين بالشك يشمل اليقين السابق الذي لا يترتب عليه أثر شرعي في نفسه و لا معنى لنقضه الا أن له لازما له اثر و بما أن شموله لذلك الفرد من اليقين لغو الا بالالتزام بجريانه في لازمة و الحكم بعدم نقض آثار ذلك اللازم فصونا لكلامه (عليه السلام) عن اللغو لا بد من التزام شمول الأدلة للازمه.