التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج4

- الشيخ علي الغروي المزيد...
552 /
205

..........

____________

و قد أجبنا عن ذلك هناك بما ذكرناه في المقام لان عدم نقض اليقين الذي لا أثر شرعي له في نفسه ليس بمورد للدليل و انما يشمله إطلاقه و الإطلاق لا يشمل الا الموارد التي لا يتوقف شموله لها على لحاظ أمر زائد و لو كان لحاظ ثبوت الحكم في لازمة ما دام لم يقم دليل خارجي على لحاظه و الأمر فيما نحن فيه أيضا كذلك إذ العصير الطاري على الثوب أو البدن ليس بمورد لدليل بالخصوص و انما يحكم بطهارته بذهاب الثلثين للإطلاق و هو لا يشمل الموارد التي يتوقف شموله لها على لحاظ أمر زائد و عليه فالدليل على طهارة العصير بذهاب ثلثيه قاصر الشمول للقطرة الواقعة على الثوب أو البدن في نفسه حتى يدعى ثبوت الطهارة في لازمة بدليل اللغوية.

و هذا بخلاف الأواني و الآلات حيث أن طهارة العصير المغلي بذهاب ثلثيه مورد للدليل بالخصوص، و العصير انما يكون في الإناء كما أن اغلائه انما يكون بآلاته و معه لا بد من الالتزام فيهما أيضا بالطهارة صونا لكلامهم و حكمهم بطهارة العصير بذهاب الثلثين عن اللغو فالمتحصل أنه لا دليل على طهارة البدن و الثوب تبعا لطهارة القطرة الواقعة عليهما أو بجفافها، و لأجل ذلك استشكل الماتن في الحكم بطهارتهما كما عرفت.

نعم يمكن الحكم بطهارة الثوب و البدن أيضا تبعا لطهارة العصير المغلي في إنائه بذهاب الثلثين- لا تبعا بطهارة القطرة الواقعة على الثوب و البدن بجفافها أو بذهاب ثلثيها- و ذلك لما تقدم من أن الأواني و الآلات و لباس الطباخ و بدنه و غيرها مما يصيبه العصير عادة حين طبخه حتى الملعقة التي بها يحرك العصير و الإناء الذي تجعل فيه تلك الملعقة محكومة بالطهارة تبعا لطهارة العصير و ذلك لان نجاسة تلك الأمور مما يغفل عنه العامة و هي على تقدير ثبوتها لا بد من أن يبين في مقام البيان فسكوتهم (عليهم السلام) عن التعرض لنجاستها في تلك الروايات الواردة

206

(مسألة 2) إذا كان في الحصرم حبة أو حبتان من العنب فعصر و استهلك لا ينجس و لا يحرم بالغليان (1) أما إذا وقعت تلك الحبة في القدر من المرق أو غيره فغلى يصير حراما و نجسا على القول بالنجاسة.

____________

في مقام البيان يدل على طهارتها تبعا.

و أما التبعية في الثوب و البدن للقطرة الواقعة عليهما فقد عرفت عدم ثبوتها كما أن ثوب الطباخ أو بدنه إذا كان بحيث لا يصيبه العصير- عادة- لم نلتزم بطهارتهما التبعية لعدم الدليل عليها و ان أصابتهما قطرة العصير اتفاقا.

و بما سردناه في المقام اتضح أن الحكم بطهارة نفس القطرة- بجفافها أو بذهاب ثلثيها- أيضا غير تام، لما مر من أن العصير الطاري على الثوب أو البدن ليس بمورد لدليل بالخصوص و انما يحكم بطهارته بذهاب الثلثين للإطلاق و هو لا يشمل الموارد التي يتوقف شموله لها على لحاظ أمر زائد كما في المقام لأن المحل بعد ما تنجس بتلك القطرة لم ينفع جفافها أو ذهاب ثلثيها في طهارتها بل تتنجس بنجاسة المحل و لا يمكن الحكم بطهارتها الا بالحكم بطهارة لازمة و هو المحل و الإطلاق لا يشمل الفرد الذي يتوقف شموله له على لحاظ أمر زائد كما مر

(1) و الوجه فيه أن ما حكم بحرمته أو بنجاسته أيضا- إذا غلى- انما هو العصير العنبي لا عصير الحصرم أو غيره و مع استهلاك حبة أو حبتين من العنب في عصير الحصرم لا يبقى موضوع للحرمة و النجاسة. بل لا يتوقف الحكم بالحلية و الطهارة على صدقه كما يظهر من كلام الماتن. بل المدار عدم صدق العصير العنبي لانه الموضوع للحكم بالحرمة و النجاسة و بانتفائه ينتفي الحكمان، صدق عليه عصير الحصرم أم لم يصدق.

207

(مسألة 3) إذا صب العصير الغالي قبل ذهاب ثلثيه في الذي ذهب ثلثاه يشكل طهارته (1) و إن ذهب ثلثا المجموع. نعم لو كان ذلك قبل ذهاب ثلثيه و إن كان ذهابه قريبا فلا بأس به. و الفرق أن في الصورة الأولى ورد العصير النجس على ما صار طاهرا فيكون منجسا له بخلاف الثانية، فإنه لم يصر بعد طاهرا فورد نجس على مثله. هذا و لو صبّ العصير الذي لم يغل على الذي غلى فالظاهر عدم الاشكال فيه. و لعل السر فيه أن النجاسة العرضية صارت ذاتية، و إن كان الفرق بينه و بين الصورة الأولى لا يخلو عن إشكال و محتاج إلى التأمل.

____________

(1) الصور المذكورة للمسألة في كلام الماتن ثلاث:

«الأولى»: ما إذا كان عصير ان قد صب أحدهما في الآخر بعد غليان كل منهما و نجاستهما. و لا ينبغي الإشكال حينئذ في أنه إذا غلى و ذهب ثلثا مجموع العصيرين حكم بحليته و طهارته لان المجموع عصير مغلي قد ذهب ثلثاه.

«الثانية»: ما إذا كان عصير ان أحدهما مغلي نجس و الآخر طاهر غير مغلي و قد صب أحدهما في الآخر فهل يحكم بطهارة المجموع إذا غلى و ذهب ثلثاه؟

استشكل الماتن في الحكم بطهارته حينئذ، و لعل منشأ استشكاله أن الاخبار الواردة في طهارة العصير بذهاب ثلثيه بالغليان انما دلت على أن نجاسته الذاتية المسببة عن الغليان ترتفع بذهاب ثلثيه، و العصير الطاهر في مفروض الكلام قد طرأت عليه نجاستان: ذاتية بالغليان و عرضية بملاقاته مع العصير المغلي النجس و معه لا يحكم بطهارته إذا غلى و ذهب عنه الثلثان لعدم دلالة الاخبار على ارتفاع النجاسة العرضية في العصير أيضا بذلك فهو غير مشمول للروايات و نظيره ما إذا تنجس العصير قبل الغليان بشيء من النجاسات الخارجية كالدم و البول و غيرهما حيث لا يحكم بطهارته بذهاب ثلثيه قطعا.

و لا يمكن قياس المقام بما إذا تنجس العصير بالخمر أو بغيرها ثم انقلب خمرا

208

..........

____________

و بعد ذلك انقلب الخمر خلا، لان الحكم بطهارته و ارتفاع النجاسة العرضية عنه مستند إلى إطلاق الروايات- كما مر- و لا إطلاق في المقام لاختصاص أخبار المسألة بالنجاسة العينية الحاصلة للعصير بالغليان.

و «دعوى»: أن النجاسة العرضية بعد ما غلى العصير تندك و تتبدل بالنجاسة الذاتية. «غير مسموعة»: لأن النجاسة و ان كانت تتبدل بالذاتية إلا أن الاخبار الواردة في المسألة لا دلالة لها على ارتفاع تلك النجاسة الذاتية المنقلبة عن العرضية لاختصاصها بارتفاع النجاسة الذاتية المسببة عن الغليان.

هذا على أن ذلك لو تم في تنجس العصير الطاهر بالعصير النجس جرى مثله حينئذ في تنجس العصير بالنجاسات الخارجية أيضا من البول و المني و غيرهما مع أن النجاسة العرضية الحاصلة بملاقاتها غير مرتفعة بالغليان جزما هذا كله في تقريب الاستشكال في المسألة.

و مقتضى تدقيق النظر أن ذهاب ثلثي المجموع موجب لطهارته و الوجه فيه أن نجاسة العصير الطاهر- في مفروض الكلام- أيضا مستندة الى الغليان بالارتكاز بيان ذلك أن الغليان لا يطرأ على تمام أجزاء العصير و أطرافه دفعة واحدة لأنها مستحيلة- عادة- أو كالمستحيلة و القدر المتيقن انها غير واقعة خارجا إذ الغليان في أي مائع عصير أو غيره إنما يتحقق في الأجزاء المتصلة منه بالإناء ثم شيئا فشيئا يسري إلى بقية الأجزاء و الأطراف بل في القدور الكبيرة قد تغلي الأجزاء المتصلة بها من غير أن تنسلب البرودة عن الاجزاء الوسطانية أو الأخيرة تماما و على ذلك إذا غلت الأجزاء المتصلة بالإناء من العصير حكم بنجاستها لا محالة لأنها عصير قد غلى، و إذا تنجست الأجزاء المتصلة به تنجست بقية الاجزاء أيضا بسببها- مع عدم غليانها حالئذ على الفرض- و لا إشكال في أن ذهاب الثلثين في مثله موجب للحلية و الطهارة في المجموع و لا وجه لذلك في

209

..........

____________

الأجزاء غير المغلية إلا استناد نجاستها إلى الغليان بواسطة اتصالها بالاجزاء المغلية و لا فرق في ذلك بين كون الأجزاء غير المغلية متصلة بالأجزاء المغلية ابتداء و بين كونها متصلة بها بعد ما كانت منفصلة عنها أولا لعدم الفرق بين الاتصال و الانفصال كذلك حسب المرتكز عرفا نعم هذا يختص بالنجاسة الحاصلة بالغليان و لا يأتي في تنجس العصير بالنجاسات الخارجية من البول و الدم و نحوهما «الثالثة»: ما إذا كان عصيران مغليان أحدهما طاهر بالتثليث و الآخر نجس لعدم تثليثه و قد صب أحدهما في الآخر فهل يحكم بطهارة المجموع إذا ذهب ثلثاه؟ التحقيق عدم طهارته بذلك لان العصير بعد ما طهر بتثليثه لو عرضته نجاسة خارجية لم تطهر بإذهاب ثلثيه ثانيا لان النصوص الواردة في المقام انما تدل على أن ذهاب ثلثي العصير يطهره من النجاسة الحاصلة بغليانه و لا يكاد يستفاد منها كونه مطهرا له مطلقا و لو بعد ذهاب ثلثيه مرة أو أكثر و بما أن العصير النجس في مفروض الكلام أوجب تنجس العصير الطاهر بالتثليث فلا يمكن الحكم بارتفاع نجاسته العرضية بتثليثه ثانيا و إن كانت نجاسة الطاهر أيضا مستندة إلى الغليان، و الفرق بين هذه الصورة و الصورة الثانية مما لا يكاد يخفى لأن العصير الطاهر في الصورة الثانية لم يذهب ثلثاه فإذا تنجس بالنجاسة المستندة إلى الغليان حكم بارتفاعها بتثليثه. و أما في الصورة الثالثة فقد فرضنا أن العصير كان نجسا و طهرناه بتثليثه و معه لم يقم دليل على أنه إذا تنجس ثانيا ترتفع نجاسته بالتثليث هذا.

و لا يخفى أن ذلك كله يبتني على القول بنجاسة العصير بالغليان و قد منعناه في التكلم على نجاسته و طهارته و ذكرنا أن الغليان إنما يسبب الحرمة دون النجاسة و عليه فلا ينبغي الإشكال في حلية العصير في جميع الصور الثلاث: أما في الأوليتين فظاهر. و أما في الثالثة فلان ذهاب الثلثين عن العصير قد أوجب الحكم بحلية

210

(مسألة 4) إذا ذهب ثلثا العصير من غير غليان لا ينجس إذا غلى بعد ذلك (1).

(مسألة 5) العصير التمري أو الزبيبي لا يحرم و لا ينجس (2) بالغليان على الأقوى، بل مناط الحرمة و النجاسة فيهما هو الإسكار.

____________

شربه فإذا امتزج مع ما يحرم شربه و غلى مجموعهما ثانيا حكم بحليته بالتثليث لأن حلية الحلال لا تنقلب إلى الحرمة إذا زالت عن الممتزج به بإذهاب الثلثين ثانيا

(1) ذهاب ثلثي العصير بعد ما وضع على النار و قبل أن يغلي قد يفرض مع تبدل العصير و خروجه عن كونه عصيرا كما إذا كان من الغلظة و الثخونة بحيث ينقلب دبسا بمجرد وضعه على النار و قبل أن يغلي و لا شبهة حينئذ في أنه إذا غلى بعد ذلك لم يحكم بحرمته و لا بنجاسته لأنهما حكمان مترتبان على غليان العصير و واضح أن الدبس غير العصير، إلا أن هذه الصورة خارجة عن محط كلام الماتن لان ظاهره إرادة بقاء العصير بحاله لا خروجه عن كونه عصيرا.

و قد يفرض مع بقاء العصير على كونه عصيرا و في هذه الصورة إذا غلى بعد ما ذهب ثلثاه لا مانع من الحكم بحرمته بل بنجاسته أيضا- على تقدير القول بها- لإطلاق الروايات و دلالتها على أن غليان العصير سبب لحرمته و نجاسته تقدم عليه ذهاب ثلثيه أم لم يتقدم و لم يقم دليل على أن ذهاب ثلثي العصير قبل غليانه يوجب سقوطه عن قابلية الاتصاف بالحرمة و النجاسة و ان غلى بعد ذلك و انما الدليل دل على أن ذهابهما يرفع الحرمة و النجاسة بعد الغليان. و أما ذهابهما قبله فلا يترتب عليه أثر بوجه و عليه لا يحكم بحليته و طهارته إلا أن يذهب ثلثاه ثانيا.

(2) تكلمنا على ذلك في مبحث النجاسات فليراجع (1) و يأتي منا في المسألة

____________

(1) ج 2 ص 123- 131.

211

(مسألة 6) إذا شك في الغليان يبنى على عدمه (1) كما أنه لو شك في ذهاب الثلثين يبني على عدمه (2).

(مسألة 7) إذا شك في أنه حصرم أو عنب يبنى على أنه حصرم (3).

(مسألة 8) لا بأس (4) بجعل الباذنجان أو الخيار أو نحو ذلك في الحب مع ما جعل فيه من العنب أو التمر أو الزبيب ليصير خلا أو بعد ذلك قبل أن يصير خلا، و ان كان بعد غليانه أو قبله و علم بحصوله بعد ذلك.

____________

العاشرة أيضا أن العصير التمري أو غيره لا بأس به ما دام غير مسكر فانتظره.

(1) لاستصحاب عدمه لأنه أمر حادث مسبوق بالعدم.

(2) للاستصحاب.

(3) لاستصحاب بقاء صفته و هي الحصرمية و عدم تبدلها بالعنبية.

(4) لا موجب للحكم بطهارة الخل في مفروض المسألة- بناء على نجاسة العصير بالغليان- لان العصير و إن كان يحكم بطهارته و حليته بالانقلاب خلا أو بتثليثه إلا أن الباذنجان المجعول فيه الذي تنجس بالعصير بعد غليانه باق على نجاسته لعدم ورود مطهر شرعي عليه و عدم الدليل على طهارته بالتبع و هو يوجب تنجس العصير ثانيا بعد تثليثه أو انقلابه خلا. نعم الأواني و حب التمر و غيرهما مما يتقوم به الخل و العصير أو جرت العادة على جعله فيه محكومة بالطهارة تبعا لانه المتيقن من الأخبار الدالة على طهارة العصير بالتثليث دون ما لا مدخلية له في الخل و العصير و لم تجر العادة على جعله فيهما. و الذي يسهل الخطب أنا لم نلتزم بنجاسة العصير بالغليان و انما هو سبب لحرمته فحسب و معه لا إشكال في الحكم بحلية الخل مع جعل الباذنجان أو الخيار فيه لأنهما حينئذ من ملاقي الحرام- دون النجس- و ملاقي الحرام ليس بحرام.

212

(مسألة 9) إذا زالت حموضة الخل العنبي (1) و صار مثل الماء لا بأس به إلا إذا غلى (2) فإنه لا بد حينئذ من ذهاب ثلثيه أو انقلابه خلا ثانيا.

____________

(1) قيد الخل بالعنبي احترازا عن الزبيبي و التمري لعدم حرمتها بالغليان

(2) في المقام مسألتان: «إحداهما»: أن العصير العنبي إذا غلى هل ينحصر تطهيره بتثليثه أو أنه يطهر بانقلابه خلا أيضا؟ و هذه المسألة و إن كانت أجنبية عن المقام إلا أنا نتعرض لها تبعا حيث أشار الماتن في طي كلامه إلى طهارة العصير المغلي بالانقلاب. و «ثانيتهما»: أن الخل العنبي إذا زالت حموضته و صار ماء مضافا فهل ينجس بالغليان؟

أما المسألة الأولى فقد يقال: بعدم الانحصار و طهارة العصير بانقلابه خلا و يستدل عليه بوجوه:

«الأول»: الإجماع القطعي على أن انقلاب العصير المغلي خلا كانقلاب الخمر خلا موجب لطهارته. و فيه أن تحصيل الإجماع التعبدي في المسألة كبقية المسائل من الصعوبة بمكان و لعله مما لا سبيل اليه.

«الثاني»: الأولوية القطعية بتقريب أن الانقلاب خلا إذا كان موجبا للطهارة في الخمر فهو موجب لها في العصير المغلي بالأولوية، لوضوح أن الخمر أشد نجاسة من العصير.

و في هذه الدعوى ما لا يخفى على الفطن لأنها قياس على أنه في غير محله لانه مع الفارق حيث أن الخمر من النجاسات العينية و النجاسة فيها قائمة بالعنوان كعنوان الكلب و البول و الخمر فإذا زال بالانقلاب ارتفع حكمه لا محالة و من ثمة قلنا ان الطهارة في انقلاب الخمر خلا حكم على القاعدة و لا حاجة فيها إلى التمسك بالاخبار و إنما مسّت الحاجة إليها من جهة نجاسة الإناء الموجبة لتنجس الخمر بعد انقلابها خلا فلولاها لم نحكم بطهارة الخمر حينئذ و هذا بخلاف العصير فإن

213

..........

____________

النجاسة فيه بالغليان إنما ترتبت على ذاته و جسمه و لم يتعلق على اسمه و عنوانه و عليه فقياس العصير بالخمر مع الفارق لبقاء متعلق الحكم في الأول دون الثاني.

«الثالث»: صحيحة معاوية: خمر لا تشربه (1) حيث دلت على أن العصير بعد غليانه خمر و هو تنزيل له منزلتها من جميع الجهات و الآثار و حيث أن الخمر يطهر بانقلابها خلا فلا مناص من أن يكون العصير أيضا كذلك.

و يرد عليه «أولا»: أن لفظة خمر غير موجودة على طريق الكليني (قده) كما تقدم (2).

و «ثانيا»: أنها ظاهرة- على تقدير وجود اللفظة- في أن العصير منزل منزلة الخمر من حيث حرمته، حيث قال: خمر لا تشربه. لانه فرق بيّن بين أن يقال: خمر فلا تشربه و بين أن يقال: خمر لا تشربه. فان ظاهر الأول عموم التنزيل لمكان «فاء» الظاهرة في التفريع لدلالتها على أن حرمة الشرب أمر متفرع على التنزيل لا أن التنزيل خاص بحرمة الشرب، و الثاني ظاهر في إرادة التنزيل من حيث حرمة الشرب فحسب.

و «ثالثا»: هب أنها دلت على تنزيل العصير منزلة الخمر مطلقا إلا أنه ينصرف إلى أظهر الخواص و الآثار و هي في الخمر ليست إلا حرمة الشرب و النجاسة. و أما طهارتها بالانقلاب خلا فهي من الآثار غير الظاهرة التي لا ينصرف إليها التنزيل بوجه.

و الصحيح أن يستدل على ذلك بالأخبار الواردة في طهارة الخل و جواز

____________

(1) المروية في ب 7 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

(2) تقدم في ج 2 ص 106.

214

..........

____________

شربه و أوصافه و آثاره (1) كما دل على أنه مما لا بد منه في البيوت، و أنه ما أفقر بيت فيه خل و غير ذلك من الآثار و ذلك لان الخل لا يتحقق إلا بعد نشيش العصير و غليانه بنفسه و قد دلت الروايات على حليته مع أنه غلى قبل الانقلاب. بل الحرمة بالنشيش آكد من الحرمة بالغليان بالنار أو غيرها و مقتضى الأخبار المذكورة طهارة الخل الحاصل بالنشيش فضلا عن الحاصل بالغليان بالأسباب و معه لا حاجة إلى الاستدلال بشيء من الوجوه المتقدمة. هذا كله في المسألة الأولى.

«أما المسألة الثانية»: أعني نجاسة الخل الذي ذهبت حموضته و حرمته بالغليان فقد ذهب الماتن إلى نجاسته و حرمته إذا غلى إلا أن يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا ثانيا. و لا يمكن المساعدة عليه.

و ذلك لأن الموضوع للحكم بالحرمة أو هي مع النجاسة هو الغليان على نحو صرف الوجود المنطبق على أول الوجودات، و معه إذا تحقق الغليان أولا، ثم طهر بذهاب الثلثين أو التخليل فالغليان الثانوي لا يترتب عليه أثر من الحرمة و النجاسة حتى نحتاج في تطهيره و تحليله إلى ذهاب الثلثين أو التخليل هذا في العصير، و كذلك الحال في الخل لعدم حرمته و نجاسته بالغليان حيث سبقه الغليان مرة و ترتبت عليه الحرمة و النجاسة و زالتا بانقلابه خلا إذا فالوجود الثاني من الغليان لا يؤثر شيئا منهما و إنما هو باق على حليته و طهارته غلى أم لم يغل هذا كله في الخل غير الفاسد.

و أما الخل الفاسد أعني ما زالت عنه حموضته فهو أيضا كسابقه و الغليان الثانوي لا يقتضي حرمته و لا نجاسته.

____________

(1) راجع ب 43 و 44 و 45 من أبواب الأطعمة المباحة و ب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

215

(مسألة 10) السيلان و هو عصير التمر أو ما يخرج منه بلا عصر، لا مانع من جعله في الأمراق (1) و لا يلزم ذهاب ثلثيه كنفس التمر.

«السابع»: الانتقال (2) كانتقال دم الإنسان أو غيره مما له نفس إلى جوف ما لا نفس له كالبق و القمل، و كانتقال البول إلى النبات و الشجر (3) و نحوهما، و لا بد من كونه.

____________

(1) و الوجه في حليته و طهارته أن العصير التمري لا دليل على حرمته أو نجاسته بالغليان ما دام غير مسكر و إذا أسكر فهو حرام كما ورد في جملة من الأخبار (1) و في بعضها: يا هذا قد أكثرت علي أ فيسكر؟ قال: نعم قال: كل مسكر حرام. و الروايات الدالة على حرمة العصير أو نجاسته بالغليان مختصة بالعصير العنبي دون التمري فلئن تعدى أحد فإنما يتعدى إلى الزبيبي أو يحتاط فيه. و أما التمري أو غيره فالالتزام بحرمته أو نجاسته بالغليان بلا موجب يقتضيه

مطهرية الانتقال

(2) و المراد به انتقال النجس إلى جسم طاهر و صيرورته جزء منه.

(3) الظاهر أن ذلك من سهو القلم لان المنتقل إلى النبات أو الشجر إنما هو الأجزاء المائية من البول لا الأجزاء البولية بأنفسها و هو معدود من الاستحالة و ليس من الانتقال في شيء.

نعم يمكن أن تنتقل الأجزاء البولية إلى الشجر بجعله فيه مدة ترسب الأجزاء البولية فيه، إلا أنه لا يحتمل أن يكون مطهرا للبول الموجود في الشجر فالأنسب أن يمثل بانتقال الماء المتنجس إلى الشجر أو النبات.

____________

(1) راجع ب 24 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

216

على وجه لا يسند إلى المنتقل عنه (1) و إلا لم يطهر كدم العلق بعد مصه من الإنسان

____________

(1) و تفصيل الكلام في ذلك أن النجس كدم الإنسان أو غيره مما له نفس سائلة قد ينتقل إلى حيوان طاهر ليس له لحم و لا دم سائل كالبق و القمل أو أن له لحما و لا نفس سائلة له كالسمك على نحو تنقطع إضافته الأولية عن المنتقل عنه و تتبدل إلى إضافة ثانوية إلى المنتقل اليه بحيث لا يقال إنه دم إنسان- مثلا- بل دم بق أو سمكة و نحوها لصيرورته جزء من بدنهما بالتحليل بحيث لا يمكن إضافته إلى الإنسان الا على سبيل العناية و المجاز فالدم و ان كان هو الدم الأول بعينه الا أن الإضافة إلى الإنسان في المثال تبدلت بالإضافة إلى البق أو السمكة فهو ليس من الاستحالة في شيء لأنه يعتبر في الاستحالة تبدل الحقيقة إلى حقيقة أخرى مغايرة مع الأولى و الحقيقة الدموية لم تتبدل بحقيقة أخرى في المثال بل تبدلت إضافته فحسب و لا إشكال حينئذ في الحكم بطهارة ذلك النجس لانه دم حيوان لا نفس له و مقتضى عموم ما دل على طهارة دمه أو إطلاقه هو الحكم بطهارته.

و قد ينتقل النجس الى حيوان طاهر من دون أن تنقطع إضافته الأولية إلى المنتقل عنه و لا يصح إضافته إلى المنتقل اليه كما إذا انتقل دم الإنسان إلى بق أو سمكة و قبل أن يصير جزء منهما عرفا شق بطنهما فان الدم الخارج حينئذ دم الإنسان و لا يقال انه دم البق أو غيره و جوف السمكة أو البق وقتئذ ليس إلا ظرفا لدم الإنسان، و نظيره ما لو أخذه الإنسان دم السمكة في فمه و طبقه فان الدم الخارج من فمه دم سمكة و انما كان ظرفه فم الإنسان.

و من هذا القبيل الدم الذي يمصه العلق من الإنسان و لا شبهة حينئذ في نجاسة ذلك الدم لانه مما له نفس سائلة. و انما تبدل مكانه من دون تبدل في حقيقته و إضافته فمقتضى عموم ما دل على نجاسة دم الإنسان أو إطلاقه هو

217

..........

____________

الحكم بنجاسته.

و ثالثة ينتقل النجس الى حيوان طاهر و لكنه بحيث يصح أن يضاف الى كل من المنتقل عنه و المنتقل إليه إضافة حقيقة لجواز اجتماع الإضافات المتعددة على شيء واحد لعدم التنافي بينها و الإضافة أمر خفيف المئونة و تصح بأدنى مناسبة فترى أن دم الإنسان بعد ما انتقل الى البق أو السمكة- في زمان قريب من الانتقال- و إن صار جزء منهما يصح أن يضاف إلى الإنسان باعتبار أنه منه كما يصح أن يضاف إلى البق نظرا إلى أنه جزء من بدنه بل لا يستبعد اجتماع الإضافتين قبل صيرورة الدم جزء من البق أو السمكة فيضاف إلى الإنسان لأنه منه كما يصح أن يضاف الى البق لأنه في جسده فهل يحكم بطهارة الدم وقتئذ؟

فيه اشكال و كلام.

و الذي ينبغي أن يقال إن نجاسة دم المنتقل عنه و طهارة دم المنتقل اليه إما أن تثبتا بدليل لبي من إجماع أو سيرة. و إما أن تثبتا بدليل لفظي اجتهادي، و إما أن تثبت إحداهما باللبي و ثانيتهما باللفظي.

فان ثبت كل منهما بالأدلة اللبية فلا إشكال في عدم إمكان اجتماعهما في ذلك المورد لاستحالة اتصاف الشيء الواحد بالنجاسة و الطهارة الفعليتين من جهتين فالدليلان لا يشملان المورد بوجه فيفرضان كالعدم و لا بد معه من مراجعة الأصل العملي من قاعدة الطهارة أو استصحاب النجاسة كما يأتي عن قريب.

و أما إذا ثبت أحدهما باللفظي و ثبت الآخر باللبي فلا بد من رفع اليد عن عموم الدليل اللفظي أو إطلاقه بقرينة الإجماع- مثلا- و حمله على مورد أخر هذا فيما علم شمول الإجماع لمورد الاجتماع و الا فيؤخذ بالقدر المتيقن- و هو غير مورد الاجتماع- و يرجع فيه الى الدليل اللفظي من إطلاق أو عموم.

و أما إذا ثبت كل منهما بدليل لفظي فإن كان أحدهما بالإطلاق و الآخر

218

..........

____________

بالوضع و العموم فقد بينا في محله أن الدلالة الوضعية متقدمة على الإطلاق فالمقدم هو ما ثبت بالوضع و العموم و إذا كان كلاهما بالإطلاق فلا محالة يتساقطان لانه مقتضى تعارض المطلقين و يرجع الى مقتضى الأصل العملي، و لو ثبت كلاهما بالعموم فهما متعارضان و معه لا بد من الرجوع إلى المرحجات- كموافقة الكتاب و مخالفة العامة- إن وجدت و الا فيحكم بالتخيير بينهما على ما هو المعروف بينهم و أما على مسلكنا فلا مناص من الحكم بتساقطهما و الرجوع الى الأصل العملي و هو استصحاب نجاسة الدم المتيقنة قبل الانتقال و هذا هو المعروف عندهم إلا أنه يبتني على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية و قد ناقشنا فيه في محله لانه مبتلى بالمعارض دائما حيث أن استصحاب نجاسة الدم قبل الانتقال معارض باستصحاب عدم جعل النجاسة عليه زائدا على القدر المتيقن و هو الدم ما لم ينتقل و معه تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة و بها يحكم على طهارة الدم في مفروض الكلام هذا كله إذا علمنا حدوث الإضافة الثانوية و عدم انقطاع الإضافة الأولية.

و أما لو شككنا في ذلك فلا يخلو إما أن يعلم بوجود الإضافة الثانوية لصدق أنه دم البق أو البرغوث- مثلا- و يشك في انقطاع الإضافة الأولية و عدمه. و إما أن يعلم بقاء الإضافة الأولية لصدق أنه دم الإنسان- مثلا- و يشك في حدوث الإضافة الثانوية. و إما أن يشك في كلتا الإضافتين للشك في صدق دم الإنسان أو البق و عدمه و هذه صور ثلاث:

أما الصورة الأولى: فإن كانت الشبهة مفهومية كما إذا كان الشك في سعة مفهوم الدم- اى دم الإنسان مثلا- و ضيقه من غير أن يشك في حدوث شيء أو ارتفاعه فلا مانع من التمسك بإطلاق ما دل على طهارة الدم المنتقل اليه أو عمومه. و لا يجري استصحاب بقاء الإضافة الأولية لما مر غير مرة من عدم

219

..........

____________

جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية لا في الحكم لعدم إحراز موضوعه و لا في الموضوع لعدم الشك في حدوث شيء أو ارتفاعه.

و أما إذا كانت الشبهة موضوعية كما إذا بنينا على بقاء الإضافة الأولية حال المص و الانتقال كما أن الإضافة الثانوية موجودة على ما تأتي الإشارة إليه فإنه على ذلك قد يشك في أن الدم الذي أصاب ثوبه أو بدنه هل أصابه بعد الانتقال ليحكم بطهارته لانه دم البق أو أنه أصابه حال مصه ليحكم بنجاسته فلا مانع من استصحاب بقاء الإضافة الأولية و بذلك يشمله إطلاق ما دل على نجاسة دم المنتقل عنه أو عمومه و لكن يعارضه العموم أو الإطلاق فيما دل على طهارة الدم المنتقل اليه و يدخل المورد بذلك تحت القسم الثالث من أقسام الانتقال و ذلك للعلم بصدق كلتا الإضافتين لأجل إحراز أحدهما بالوجدان و ثانيهما بالتعبد و لا بد حينئذ من ملاحظة أن دلالة دليليهما بالإطلاق أو بالعموم أو أن إحداهما بالعموم و الأخرى بالإطلاق إلى آخر ما قدمناه آنفا.

لا يقال: إن الاستصحاب الذي هو أصل عملي كيف يعارض الدليل الاجتهادي من عموم أو إطلاق.

لأنه يقال: التعارض حقيقة انما هو بين دليل طهارة الدم المنتقل اليه و بين ما دل على نجاسة الدم المنتقل عنه و الاستصحاب إنما يجري في موضوع الدليل القائم على نجاسة الدم المنتقل عنه و به ينقح موضوعه و بعد ذلك يشمله عموم ذلك الدليل أو إطلاقه و هو يعارض العموم أو الإطلاق في الدليل القائم على طهارة الدم المنتقل اليه.

و أما الصورة الثانية فلا إشكال فيها في الحكم بنجاسة الدم بلا فرق في ذلك بين جريان الاستصحاب في عدم حدوث الإضافة الثانوية كما إذا كانت الشبهة موضوعية و بين عدم جريانه كما إذا كانت الشبهة مفهومية و ذلك لعموم ما

220

(مسألة 1) إذا وقع البق على جسد الشخص فقتله، و خرج منه الدم لم يحكم بنجاسته إلا إذا علم أنه هو الذي مصه من جسده بحيث أسند إليه لا إلى البق (1) فحينئذ يكون كدم العلق

____________

دل على نجاسة دم المنتقل عنه أو إطلاقه حيث لا معارض له لعدم جواز التمسك بالإطلاق أو العموم فيما دل على طهارة الدم المنتقل اليه و ذلك للشك في موضوعه كما في الشبهات المفهومية أو لاستصحاب عدم حدوث الإضافة الثانوية كما في الشبهات الموضوعية حيث يحرز به أن الدم ليس بدم البق- مثلا- فلا يشمله العموم أو الإطلاق فيما دل على طهارة دمه.

و أما الصورة الثالثة: فإن كانت الشبهة مفهومية لم يكن فيها مجال لاستصحاب الحكم أو الموضوع في شيء من الإضافتين فيرجع حينئذ إلى قاعدة الطهارة.

و أما إذا كانت الشبهة موضوعية فلا مانع من استصحاب بقاء الإضافة الأولية أو استصحاب عدم حدوث الإضافة الثانوية و الحكم بنجاسة الدم هذا كله في كبرى المسألة. و أما صغراها فقد أشار إليه الماتن بقوله: إلا إذا علم انه هو الذي مصه.

(1) ما أفاده (قده) من الحكم بنجاسة الدم على تقدير العلم ببقاء الإضافة الأولية و عدم صدق دم البق عليه و إن كان متينا الا أن الكلام في تحقق المعلق عليه و صدق ذلك التقدير و الصحيح عدم تحققه و ذلك.

أما «أولا» فلان البق و البرغوث من الحيوانات التي ليس لها دم حسب خلقتها و تكونها و الدم المضاف إليهما أعني ما يقال له انه دم البق و يحكم بعدم البأس به و ان كثر و تفاحش هو الدم الذي يمصه من الإنسان أو غيره فما يمصه هو دم البق حقيقة لا أنه دم الإنسان- مثلا- و عليه فالمقام من صغريات القسم الأول من أقسام الانتقال و هو مما علم انقطاع الإضافة الأولية فيه و تبدلها بالإضافة الثانوية فلا بد

221

«الثامن»: الإسلام و هو مطهر لبدن الكافر (1) و رطوباته المتصلة به

____________

من الحكم بطهارته حينئذ.

و أما «ثانيا»: فلأنا لو تنزلنا عن ذلك و فرضنا الإضافة الأولية غير محرزة الانقطاع عنه فلا محالة يدخل المقام تحت الصورة الأولى من صور الشك المتقدمة و هي ما إذا علمنا بحدوث الإضافة الثانوية جزما و شككنا في بقاء الإضافة الأولية و انقطاعها و قد مر أن الشبهة حينئذ إذا كانت مفهومية لا يجري الاستصحاب في بقاء الإضافة الأولية و يجري إذا كانت الشبهة خارجية و به تقع المعارضة بين العموم أو الإطلاق في كل من دليلي الدم المنتقل عنه و المنتقل اليه فيتساقطان و يرجع الى قاعدة الطهارة لأن دلالة كل منهما في المقام بالإطلاق.

و أما «ثالثا»: فلانا لو تنزلنا عن ذلك أيضا و سلمنا بقاء الإضافة الأولية حال المص و الانتقال كما أن الإضافة الثانوية موجودة فهو مورد لكلتا الإضافتين لعدم التنافي بينهما فتندرج- مسألتنا هذه في القسم الثالث من أقسام الانتقال للعلم بكلتا الإضافتين و قد تقدم أن دليلي المنتقل عنه و المنتقل إليه إذا كانت دلالتهما بالإطلاق لا بد من الحكم بتساقطهما و الرجوع الى الأصل العملي و بما أن نجاسة دم الإنسان و طهارة دم البق- مثلا- إنما ثبتنا بالإطلاق فيتساقطان و يرجع الى قاعدة الطهارة لا محالة.

مطهرية الإسلام

(1) لأن بالإسلام يتبدل عنوان الكافر و موضوعه فيحكم بطهارته كما هو الحال في بقية الأعيان النجسة لأن الخمر أو غيرها من الأعيان النجسة إذا زال عنوانها زال عنها حكمها.

222

من بصاقه، و عرقه، و نخامته، و الوسخ الكائن على بدنه (1).

و أما النجاسة الخارجية التي زالت عينها ففي طهارته منها اشكال (2) و إن كان هو الأقوى. نعم ثيابه التي لاقاها حال الكفر مع الرطوبة لا تطهر على الأحوط

____________

(1) لا ينبغي الارتياب في طهارة فضلات الكافر المتصلة ببدنه من شعره و بصاقه و نخامته و عرقه و غيرها لان نجاستها انما كانت تبعية لنجاسة بدنه لان الشعر- مثلا- بما أنه شعر الكافر نجس و لم يدل دليل على نجاسة الأمور المذكورة في أنفسها فإذا حكمنا بطهارة بدنه بالإسلام زالت النجاسة التبعية فيها لا محالة، إذ الشعر- بقاء- ليس بشعر كافر و إن كان شعر كافر حدوثا.

كما لا ينبغي الشك في عدم طهارة الأشياء الخارجية- التي تنجست بملاقاة الكافر قبل الإسلام- كالأواني و الفراش و غيرهما مما لاقاه الكافر برطوبة كما هو الحال في بقية النجاسات حيث أن النجس إذا لاقى شيئا خارجيا ثم استحال و حكم بطهارته لم يوجب ذلك طهارة الملاقي بوجه و الوجه فيه أن الأمور الخارجية ليست نجاستها نجاسة تبعية لبدن الكافر أو يده- مثلا- و إنما حكم بنجاستها لملاقاتها مع النجس فلا وجه لطهارتها بطهارته و هذا واضح، و انما الاشكال و الكلام في موردين آخرين:

«أحدهما»: أن بدن الكافر لو أصابته نجاسة قبل إسلامه ثم زالت عنه عينها فهل يحكم بطهارته و تزول عنه النجاسة العرضية أيضا بإسلامه كما تزول النجاسة الكفرية به فلا يجب على الكافر غسل بدنه بعد ذلك أو أن النجاسة العرضية لا تزول بالإسلام؟ و «ثانيتهما»: ثيابه التي لاقاها حال كفره و يأتي التعرض لهما في التعليقتين الآتيتين فليلاحظ.

(2) قد يقال: إن إسلام الكافر يقتضي الحكم بطهارته من جميع الجهات و لا تختص مطهريته بالنجاسة الكفرية و يستدل عليه بالسيرة و يخلو السنة عن الأمر

223

بل هو الأقوى فيما لم يكن على بدنه فعلا (1).

____________

بتطهير بدنه بعد إسلامه مع أن الغالب ملاقاة الكافر بشيء من النجاسات حال كفره. بل من المستحيل عادة أن لا يلاقيه شيء من المتنجسات و بهذا يستكشف أن الإسلام كما يوجب ارتفاع النجاسة الذاتية عن الكافر كذلك يوجب ارتفاع النجاسات العرضية عنه و هذا هو الذي قواه الماتن (قده) و لا يمكن المساعدة عليه.

و ذلك لأن المقدار الثابت من طهارة الكافر بالإسلام انما هو طهارته من النجاسة الكفرية فقط و زوال النجاسات العرضية عنه بذلك يحتاج إلى دليل و أما عدم أمرهم (عليهم السلام) بتطهير بدنه بعد إسلامه فهو مما لا دلالة له على المدعى.

و ذلك أما في عصر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فلاحتمال أن يكون عدم أمر الكفار بتطهير أبدانهم بعد الإسلام مستندا إلى عدم تشريع النجاسات و أحكامها للتدرج في تشريع الأحكام الشرعية.

و أما في عصر الأئمة (عليهم السلام) و الخلفاء فلأجل أن الكافر بعد ما أسلم و ان كان يجري عليه جميع الأحكام الشرعية إلا أنه يبين له تلك الاحكام تدريجا لا دفعة و من جملتها وجوب غسل البدن و الثياب و تطهيرهما و لقد بينوها في رواياتهم بل لعل بعض الكافرين كان يعلم بوجوبه في الإسلام فلا موجب للأمر بالكافر بخصوصه فإن إطلاق ما دل على لزوم الغسل من البول و غيره من النجاسات شامل له و معه يجب على الكافر أن يطهر بدنه و ثيابه من النجاسات العارضة عليهما حال كفره.

(1) لا فرق بين ألبسه الكافر و بين الأواني و الفرش و غيرها من الأشياء الخارجية التي لاقاها حال كفره و قد عرفت عدم طهارتها بإسلامه- مثلا- إذا أسلم في الشتاء لا وجه للحكم بطهارة ثيابه الصيفية لعدم تبعيتها للكافر في نجاستها و كذا الحال في ثيابها التي على بدنه هذا.

224

(مسألة 1) لا فرق في الكافر (1) بين الأصلي و المرتد الملي بل الفطري أيضا على الأقوى من قبول توبته باطنا و ظاهرا أيضا فتقبل عباداته و يطهر بدنه نعم يجب قتله إن أمكن و تبين زوجته. و تعتد عدة الوفاة و تنتقل أمواله الموجودة

____________

و قد يقال: بطهارتها بإسلامه لعين ما نقلناه في الاستدلال على طهارة بدنه من النجاسات العرضية من السيرة و خلو السنة عن الأمر بغسل ألبسته بعد الإسلام و الجواب عنهما هو الجواب.

(1) أما الأصلي و الملي- و هو المرتد الذي لم يكن أحد أبويه مسلما حال انعقاده- فهما المتيقن مما دل على طهارة الكافر بالإسلام و لا خلاف فيها بينهم.

و أما الفطري- و هو المرتد الذي انعقد و أحد أبويه أو كلاهما مسلم- فيقتل و تبين عنه زوجته و تقسم أمواله، و المشهور عدم قبول توبته و إسلامه و أنه مخلد في النار كبقية الكفار و ذهب جملة من المحققين الى قبول توبته و إسلامه واقعا و ظاهرا. و فصل ثالث في المسألة و التزم بقبول توبته و إسلامه فيما بينه و بين اللّٰه سبحانه واقعا و انه يعامل معه معاملة المسلمين و حكم بعدم قبولهما ظاهرا بالحكم بنجاسته و كفره و غيرهما من الأحكام المترتبة على الكفار و عن ابن الجنيد أن الفطري تقبل توبته مطلقا حتى بالإضافة إلى الأحكام الثلاثة المتقدمة فلا يقتل بعد توبته و لا تبين زوجته و لا يقسم أمواله إلا أنه شاذ لا يعبأ به الى غير ذلك من الأقوال.

و الصحيح هو القول الوسط و هو ما نقلناه عن جملة من المحققين و ذلك لانه سبحانه واسع رحيم و لا يغلق أبواب رحمته لأحد من مخلوقاته فإذا ندم المرتد و تاب حكم بإسلامه واقعا و ظاهرا و نسبة عدم قبولهما الى المشهور غير ثابتة و لعلهم أرادوا بذلك عدم ارتفاع الأحكام الثلاثة المتقدمة بإسلامه و إن كان مسلما شرعا و حقيقة و لا غرابة في كون المسلم محكوما بالقتل في الشريعة المقدسة

225

..........

____________

و يدل على ذلك «أولا»: صدق المسلم عليه من دون عناية، إذ لا نعني بالمسلم الا من أظهر الشهادتين و اعترف بالمعاد و بما جاء به النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و المفروض أن المرتد بعد توبته معترف بذلك كله فلا وجه معه للحكم بنجاسته.

بل لا دليل على هذا المدعى سوى ما ورد في جملة من الأخبار من أن الفطري لا يستتاب و أنه لا توبة له (1) و لا يمكن الاستدلال به على المدعى لوضوح أن عدم استتابته لا يقتضي كفره و نجاسته على تقدير توبته فلعل عدم استتابته من جهة أن توبته لا يترتب عليها ارتفاع الأحكام الثلاثة الثابتة عليه بالارتداد فلا اثر لتوبته بالإضافة إليها و قد تقدم أن عدم ارتفاع الأحكام الثلاثة أعم من الكفر.

و أما ما دل على أنه لا توبة له فهو و إن كان قد يتوهم دلالته على كفره و نجاسته لانه لو كان مسلما قبلت توبته لا محالة. إلا أنه أيضا كسابقه حيث أن التوبة ليست الا بمعنى إظهار الندم و هو يتحقق من الفطري على الفرض فلا معنى لنفي توبته سوى نفي آثارها و على ذلك فمعنى إن الفطري لا توبة له: أن القتل و بينونة زوجته و تقسيم أمواله لا يرتفع عنه بتوبته و أن توبته كعدمها من هذه الجهة و لا منافاة بين ذلك و بين إسلامه بوجه.

و يمكن حمله على نفي الأعم من الآثار الدنيوية و الأخروية و أنه مضافا

____________

(1) صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) قال: سألته عن المرتد فقال من رغب عن الإسلام و كفر بما انزل على محمد بعد إسلامه فلا توبة له و قد وجب قتله و بانت منه امرأته و قسم ما ترك على ولده. صحيحة الحسين بن سعيد قال:

قرأت بخط رجل إلى أبي الحسن الرضا(ع) رجل ولد على الإسلام ثم كفر و أشرك و خرج عن الإسلام هل يستتاب أو يقتل و لا يستتاب؟ فكتب(ع) يقتل المرويتان في ب 1 من أبواب حد المرتد من الوسائل.

226

..........

____________

إلى قتله و غيره من الأحكام السابقة آنفا يعاقب بارتداده أيضا و لا يرتفع عنه العقاب بتوبته لأن ما دل على أن التائب من ذنب كمن لا ذنب له و غيره من أدلة التوبة (1) لا مانع من أن يخصّص بما دل على أن الفطري لا تقبل توبته إلا أنه لا يدل على عدم قبول إسلامه بوجه.

و توضيح ما ذكرناه أن المعصية الصادرة خارجا قد يقوم الدليل على أن الآثار المترتبة عليها غير زائلة إلى الأبد و إن زالت المعصية نفسها و ذلك لإطلاق دليل تلك الآثار أو عمومه لدلالته على أن المعصية بحدوثها و صرف وجودها كافية في بقاء آثارها إلى الأبد. و قد لا يقوم دليل على بقاء آثار المعصية بعد ارتفاعها لعدم العموم و الإطلاق في دليلها بحيث لا يستفاد منه سوى ترتب الأثر على المعصية ما دامت موجودة.

ثم إن الآثار المترتبة على المعصية قد تكون تكوينية كاستحقاق العقاب و قد تكون شرعية كوجوب القتل و جواز تقسيم المال و نحوهما.

أما القسم الأول من المعصية فمقتضى إطلاق أو عموم الأدلة الدالة على آثارها و إن كان بقاء تلك الآثار و إن ارتفعت المعصية إلا أنه قد يقوم الدليل على أن المعصية المتحققة كلا معصية و كأنها لم توجد من الابتداء و معه ترتفع الآثار المترتبة على صرف وجودها لا محالة و هذا كما في دليل التوبة لدلالته على أن التوبة تمحي السيئة و العصيان و أن التائب من ذنب كمن لا ذنب له و معناه أن المعصية الصادرة كغير الصادرة فلا يبقى مع التوبة شيء من آثار المعصية بوجه نعم قد يرد مخصص على هذا الدليل و يدل على أن التوبة- مثلا- لا توجب ارتفاع المعصية المعينة كما ورد في المرتد عن فطرة و دل على أنه لا توبة له و أنها لا تقبل منه فتوبته كعدمها و معه إذا كان لدليل آثارها إطلاق أو عموم

____________

(1) المروية في ب 86 من أبواب جهاد النفس من الوسائل.

227

..........

____________

فلا مناص من الالتزام ببقائها فلا بد من النظر إلى الآثار المترتبة على الارتداد لنرى أيها يثبت على المعصية الارتدادية مطلقا و أيها يثبت عليها ما دامت باقية. فنقول:

أما استحقاق العقاب و الخلود في النار فمقتضى قوله عز من قائل «وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّٰارٌ أُولٰئِكَ أَعْتَدْنٰا لَهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً (1) أن الخلود في النار إنما هو من الآثار المترتبة على الكفر حال الموت دون من لم يتصف به حينه فارتفاع المعصية الكفرية يقتضي الحكم بعدم الخلود في النار فإذا أسلم المرتد و تاب و لم يبق على كفره إلى حين موته ارتفع عنه العقاب و الخلود.

و هذا لا من جهة دليل التوبة حتى يدعى أن توبة المرتد كعدمها لانه لا تقبل توبته بل من جهة القصور في دليل الأثر المترتب على الارتداد لاختصاصه بما إذا كان باقيا حال الممات و مع القصور في المقتضي لا حاجة إلى التمسك بدليل التوبة لأنه انما يحتاج إليه في رفع الآثار التي لولاه كانت باقية بحالها.

و أما بقية الأحكام المترتبة على الكفر و الارتداد كنجاسة بدنه و عدم جواز تزويجه المرأة المسلمة و عدم توارثه من المسلم و نحوها فهي أيضا كسابقها لارتفاعها بارتفاع موضوعها الذي هو الكفر لوضوح أن نجاسة اليهود و النصارى- مثلا- على تقدير القول بها انما تترتب على عنوان اليهودي أو النصراني و نحوهما فإذا أسلم و تاب لم يصدق عليه عنوانهما فترتفع نجاسته و غيرها من الآثار المترتبة على عنوانهما لقصور أدلتها و عدم شمولها لما بعد إسلامه من غير حاجة إلى التشبث بدليل التوبة ليقال ان المرتد لا توبة له.

و أما وجوب قتل المرتد و بينونة زوجته و تقسيم أمواله فلا مناص من

____________

(1) النساء 4: 18.

228

..........

____________

الالتزام ببقائها و عدم ارتفاعها بتوبته و ذلك لإطلاق أدلتها فليراجع (1) و ان زال كفره و ارتداده بسببها فهو مسلم يجب قتله و لا غرابة في ذلك لان المسلم قد يحكم بقتله كما في اللواط و بعض أقسام الزنا و الإفطار في نهار شهر رمضان متعمدا على الشروط و التفاصيل المذكورة في محلها هذا كله في الوجه الأول مما يمكن الاستدلال به على المختار.

«الوجه الثاني»: أنه لا شبهة في أن المرتد بعد ما تاب و أسلم كبقية المسلمين مكلف بالصلاة و الصيام و يتوارث من المسلم و يجوز له تزويج المرأة المسلمة و غيرها من الأحكام و لا يمكن التفوه بإنكاره لأنه على خلاف الضرورة من الفقه و إن كان ثبوتها في حقه قبل إسلامه و توبته مورد الكلام و النزاع للخلاف في تكليف الكفار بالفروع و عدمه.

و على ذلك إما أن نلتزم بإسلامه و طهارة بدنه و غيرها من الأحكام المترتبة على بقية المسلمين و هذا هو المدعى و إما أن نلتزم بنجاسة بدنه و بقائه على كفره و هذا يستلزم التكليف بما لا يطاق لان من حكم بنجاسته لا يتمكن من تطهير بدنه فكيف يكلف بالصلاة و غيرها من الأمور المشروطة بالطهارة و هل هذا إلا التكليف بما لا يطاق.

و «دعوى»: أن عجزه عن الامتثال إنما نشاء من سوء الاختيار و قد تقرر في محله أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فلا مانع من تكليف المرتد بالصلاة و غيرها مما يشترط فيه الطهارة.

«تندفع»: بان قبح التكليف بما لا يطاق لا يختص- على مسلكنا- بما إذا لم يستند الى سوء الاختيار.

و أما ما ربما يقال من أن التكاليف في حقه تسجيلية و لا غرض منها سوى

____________

(1) راجع ب 1 من أبواب حد المرتد من الوسائل.

229

حال الارتداد إلى ورثته، و لا تسقط هذه الأحكام بالتوبة، لكن يملك ما اكتسبه بعد التوبة (1).

____________

التوصل الى عقابه فهو أيضا كسابقه مما لا يمكن المساعدة عليه لأن الأمور الخارجة عن الاختيار فهو غير قابلة للبعث نحوها أو الزجر عنها، فبناء على ما ذكرناه من أن الضرورة تقتضي تكليف المرتد بمثل الصلاة و الصيام و نحوهما بعد توبته لا بد من الالتزام بأحد أمرين على سبيل منع الخلو:

فاما أن نلتزم بالتقييد في الأدلة الدالة على اعتبار الإسلام و الطهارة في مثل الصلاة و التوارث و تزويج المرأة المسلمة بان لا نعتبرهما في حقه فتصح صلاته من دون طهارة و إسلام و يجوز له تزويج المسلمة و يتوارث من المسلم من دون أن يكون مسلما.

أو نلتزم بالتخصيص فيما دل على أن الفطري لا تقبل توبته بان نحمله على عدم قبولها بالإضافة إلى الأحكام الثلاثة المتقدمة لا في مثل طهارة بدنه و توارثه و جواز تزويجه المسلمة و غيرها من الأحكام لقبول توبته بالإضافة إليها.

و مقتضى الفهم العرفي الالتزام بالأخير بل لا ينبغي التردد في أنه المتعين الصحيح لأنه أهون من الأول بالارتكاز و إن كانت الصناعة العلمية قد يقتضي العكس.

فتلخص أن المرتد عن فطرة تقبل توبته و إسلامه ظاهرا و واقعا. نعم دلت الأخبار المعتبرة على أنه يقتل و يقسم أمواله و تبين زوجته و تعتد عدة المتوفّى عنها زوجها (1).

(1) لأنه كسائر المسلمين فله ما لهم و عليه ما عليهم و لعل هذا مما لا اشكال فيه و إنما الكلام فيما اكتسبه بعد كفره و قبل أن يتوب- بالحيازة أو العمل- فهل ينتقل إلى ورثته كغيره مما تملكه قبل الارتداد أو لا ينتقل؟

____________

(1) راجع ب 1 من أبواب حد المرتد من الوسائل.

230

و يصح الرجوع إلى زوجته بعقد جديد (1) حتى قبل خروج العدة على الأقوى

____________

الصحيح عدم انتقاله إلى ورثته لانه حكم على خلاف القاعدة و لا بد من الاقتصار فيه على دلالة الدليل و هو انما دل على أن أمواله التي يملكها حال الارتداد تنتقل إلى ورثته. و أما ما تملكه بعد توبته فلا دليل على انتقاله هذا و قد يستشكل في الحكم بتملكه بعد توبته بأن الشارع قد ألغى قابليته عن التملك بل نزله منزلة الميت في انتقال أمواله إلى ورثته فالمعاملة معه كالمعاملة مع الميت و هو غير قابل للتملك بالمعاملة.

و يدفعه إطلاقات أدلة البيع و التجارة و الحيازة و غيرها من الأسباب لأنها تقتضي الحكم بصحة الأمور المذكورة و إن كانت صادرة من المرتد بعد إسلامه و هذه المسألة عامة البلوى في عصرنا هذا لان المسلم قد ينتمي إلى البهائية أو الشيوعية أو غيرهما من الأديان و العقائد المنتشرة في ارجاء العالم و هو بعد ردته و إن كان يجب قتله و تبين عنه زوجته و تقسم أمواله تاب أم لم يتب إلا أن المعاملة معه إذا تاب و ندم مما يبتلى به الكسبة غالبا لأنه إذا لم يكن قابلا للتملك لم يجز التصرف فيما يؤخذ منه لعدم انتقاله من مالكه و إذا كان قابلا له و لكن قلنا بانتقال ما تملكه إلى ورثته وقعت معاملاته فضولية لا محالة.

و أما بناء على ما ذكرناه من أنه قابل للتملك و لا تنتقل أمواله التي اكتسبها بعد توبته إلى ورثته فلا يبقى أى شبهة في معاملاته وضعا و إن كانت في بعض الموارد محرمة تكليفا بعنوان أنها ترويج للباطل أو غير ذلك من العناوين الثانوية الموجبة لحرمة المعاملة تكليفا.

(1) لما تقدم من أن دليل التوبة بإطلاقه يجعل المعصية المتحققة كغير المتحققة فكأنها لم تصدر من المكلف أصلا و به ترتفع آثارها مطلقا الا فيما دل الدليل على بقائه كوجوب قتل المرتد و غيره من الأحكام الثلاثة المتقدمة تخصيصا

231

(مسألة 2) يكفي في الحكم بإسلام الكافر إظهاره الشهادتين و ان لم يعلم موافقة قلبه للسانه (1).

____________

في أدلة التوبة بما دل على أن توبته كعدمها- بالإضافة إلى تلك الأحكام- و أما غيرها من الآثار المترتبة على الكفر المقارن كالنجاسة و عدم تزويج المرأة المسلمة و الخلود في النار و نحوها فقد عرفت أنها ترتفع بارتفاع الكفر و الارتداد من غير حاجة الى التشبث بشيء و على هذا لا مانع من الرجوع إلى زوجته قبل خروج عدتها و بعده لانه بعد توبته مسلم و له أن يتزوج بالمسلمة و بما أنها زوجته لم يعتبر انقضاء عدتها في تزويجها لأن المرأة إنما تعتد لغير زوجها.

نعم لا بد في رجوعه من العقد الجديد لحصول البينونة بينهما بالارتداد.

(1) أسلفنا تحقيق الكلام في هذه المسألة سابقا (1) و لا بأس بتوضيحه أيضا في المقام.

فنقول: الايمان في لسان الكتاب المجيد هو الاعتقاد القلبي و العرفان، و الإيقان بالتوحيد و النبوة و المعاد و لا يكفي في تحققه مجرد الإظهار باللسان لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم انما بعث لان يعترف الناس وحدانيته سبحانه و نبوة نفسه و الاعتقاد بيوم الجزاء، و الايمان أمر قلبي لا بد من عقد القلب عليه و قد تصدى سبحانه في غير موضع من كتابه لإقامة البرهان على تلك الأمور فبرهن على وحدانيته بقوله لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلَّا اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا (2) و قوله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِمٰا خَلَقَ وَ لَعَلٰا بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ (3) كما برهن على نبوة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بقوله:

____________

(1) راجع ج 2 ص 59 و 68 و 69.

(2) الأنبياء 21: 22.

(3) المؤمنون 23: 91.

232

..........

____________

وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدٰاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ. (1) و قوله فَأْتُوا بِكِتٰابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ (2) و قال في مقام البرهان على المعاد قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (3) الى غير ذلك من الآيات الدالة على تلك الأمور و كيف كان فهذه الأمور يعتبر في تحققها الاعتقاد و العرفان و لا يكفي فيها مجرد الإظهار باللسان.

و أما الايمان في لسان الأئمة (عليهم السلام) و رواياتهم فهو أخص من الايمان بمصطلح الكتاب و هو ظاهر.

و أما الإسلام فيكفي في تحققه مجرد الاعتراف و إظهار الشهادتين باللسان و إن لم يعتقدهما قلبا بأن أظهر خلاف ما أضمره و هو المعتبر عنه بالنفاق و يدل على ذلك الأخبار الواردة في أن الإسلام هو إظهار الشهادتين (4) و ان به حقنت الدماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح (5) كما ورد ذلك في جملة من الأخبار النبوية أيضا فراجع (6) و قوله عز من قائل:

____________

(1) البقرة 2: 23 و 24.

(2) الصافات 37: 157.

(3) يس 36: 79.

(4) فليراجع ب 1 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(5) حمران بن أعين عن أبي جعفر(ع) في حديث و الإسلام ما ظهر من قول أو فعل و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها و به حقنت الدماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح .. المروية في ج 2 من أصول الكافي ص 26 و روى جملة منها في باب 1 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(6) كما في صحيح مسلم ج 1 ص 39 و البخاري ج 1 ص 10 و 11 و كنز العمال ج 1 ص 23.

233

لا مع العلم بالمخالفة (1).

____________

قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ (1) هذا.

مضافا الى السيرة القطعية الجارية في زمان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على قبول إسلام الكفرة بمجرد اظهارهم للشهادتين مع القطع بعدم كونهم معتقدين بالإسلام حقيقة لان من البعيد جدا- لو لم يكن مستحيلا عادة- ان يحصل اليقين القلبي للكفرة بمجرد مشاهدتهم غلبة الإسلام و تقدمه إلا في مثل العقيل على ما حكي.

فتلخص أن الإسلام لا يعتبر فيه سوى إظهار الشهادتين و لا بأس بتسميته بالايمان بالمعنى الأعم و تسمية الايمان في لسان الكتاب بالايمان بالمعنى الأخص و تسمية الايمان في لسان الأخبار بالايمان أخص الخاص. هذا كله إذا لم يعلم مخالفة ما أظهره لما أضمره.

و أما إذا علمنا ذلك و أن ما يظهره خلاف ما يعتقده فيأتي عليه الكلام في التعليقة الآتية.

(1) بأن علمنا بقاءه على كفره و انما يظهر الشهادتين لجلب نفع أو دفع ضرر دنيوي فهل يحكم بإسلامه؟

ظاهر المتن عدم كفاية الإظهار حينئذ و لكنا في التعليقة لم نستبعد الكفاية حتى مع العلم بالمخالفة فيما إذا كان مظهر الشهادتين جاريا على طبق الإسلام و لم يظهر اعتقاده الخلاف.

و توضيح ذلك: أن إظهار الشهادتين قد يقترن بإظهار الشك و التردد أو بإظهار العلم بخلافهما و عدم كفاية الإظهار حينئذ مما لا اشكال فيه لانه ليس إظهارا للشهادتين و انما هو إظهار للتردد فيهما أو العلم بخلافهما. و قد لا يقترن بشيء منهما و هذا هو الذي لم نستبعد كفايته في الحكم بإسلام مظهر الشهادتين.

____________

(1) الحجرات 49: 14.

234

(مسألة 3) الأقوى قبول إسلام الصبي (1) المميز إذا كان عن بصيرة.

____________

و يدل على ذلك إطلاقات الأخبار الدالة على أن إظهار الشهادتين هو الذي تحقن به الدماء و عليه تجري المواريث و يجوز النكاح (1) و السيرة القطعية الجارية على الحكم بإسلام المظهر لهما و لو مع العلم بالخلاف لمعاملة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مع مثل أبي سفيان و غيره من بعض أصحابه معاملة الإسلام لإظهارهم الشهادتين مع العلم بعدم إيمانهم للّٰه طرفة عين و انما أسلموا بداعي الملك و الرئاسة. كيف و قد أخبر اللّٰه سبحانه النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بنفاق جماعة معينة- عنده- من المسلمين مع التصريح بإسلامهم حيث قال عز من قائل قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا (2) فتحصل أن الظاهر كفاية إظهار الشهادتين في الحكم بإسلام مظهرهما و لو مع العلم بالمخالفة ما لم يبرز جحده أو تردده.

(1) فان الصغير قد يكون أذكى و أفهم من الكبار و لا ينبغي الإشكال في قبول إسلامه و الحكم بطهارته و غيرها من الأحكام المترتبة على المسلمين و ذلك لإطلاق ما دل على طهارة من أظهر الشهادتين و اعترف بالمعاد أو ما دل على جواز تزويجه المسلمة و غير ذلك من الأحكام و لا شبهة في صدق المسلم على ولد الكافر حينئذ إذ لا نعني بالمسلم إلا من اعترف بالوحدانية و النبوة و المعاد. اللهم أن يكون غير مدرك و لا مميز لان تكلمه حينئذ كتكلم بعض الطيور و هذا بخلاف المميز الفهيم لانه قد يكون في أعلى مراتب الايمان.

و لا ينافي إسلامه حديث رفع القلم عن الصبي (3) لأنه بمعنى رفع الإلزام

____________

(1) كما تقدم في ص 232.

(2) الحجرات 49: 14.

(3) راجع ب 4 من أبواب مقدمات العبادات من الوسائل و غيره من الأبواب المناسبة.

235

..........

____________

و المؤاخذة و لا دلالة فيه على رفع إسلامه بوجه.

نعم قد يتوهم: أن مقتضى ما دل على أن عمد الصبي خطأ (1) عدم قبول إسلامه لأنه في حكم الخطاء و لا أثر للأمر الصادر خطاء.

و يندفع: بان الحديث لم يثبت إطلاق له ليدل على أن كل ما يصدر عن الصبي من الأفعال الاختيارية فهو بحكم الفعل الصادر خطأ بحيث لو قلنا بصحة عبادات الصبي و تكلم في أثناء الصلاة أو أكل في صيامه متعمدا لم تبطل صلاته و صومه لان التكلم أو الأكل خطأ غير موجب لبطلانهما.

و هذا للقطع ببطلان الصلاة و الصوم في مفروض المثال و عليه فالحديث مجمل للقطع بعدم إرادة الإطلاق منه.

فلا مناص من حمله على ما ورد في رواية أخرى من أن عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة (2) و هذا لا لقانون الإطلاق و التقييد لعدم التنافي بينهما بل للقطع بعدم إرادة الإطلاق منه و مقتضى الجمع العرفي حينئذ ما ذكرناه و معه يختص الحديث بالديات و مدلوله أن القتل الصادر عن الصبي عمدا كالقتل خطاء تثبت فيه الدية على عاقلته و لا يقتص منه.

بل ان الحديث في نفسه ظاهر في الاختصاص بموارد الدية مع قطع

____________

(1) صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: عمد الصبي و خطؤه واحد. المروية في باب 11 من أبواب العاقلة من الوسائل.

(2) رواها إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه(ع) ان عليا(ع) كان يقول عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة. المروية في ب 11 من أبواب العاقلة و في رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي(ع) انه كان يقول في المجنون و المعتوه الذي لا يفيق و الصبي الذي لم يبلغ عمدهما خطأ تحمله العاقلة و قد رفع عنهما القلم. المروية في ب 36 من أبواب القصاص في النفس من الوسائل.

236

..........

____________

النظر عن القرينة الخارجية و ذلك لان المفروض في الرواية ثبوت حكم للخطإ غير ما هو ثابت للعمد و أنه يترتب على عمد الصبي أيضا و هذا إنما يكون في موارد الدية فلا حاجة الى إقامة قرينة خارجية عليه. نعم إذا كان الوارد في الحديث: عمد الصبي كلا عمد أحتجنا إلى قيام القرينة على ما ذكرناه من الخارج و على ذلك:

فلا مجال لما عن بعضهم من الحكم ببطلان عقد الصبي و معاملاته و لو بإذن من الولي نظرا إلى أن العقد الصادر منه خطاء لا يترتب اثر عليه و ذلك لما ذكرناه من أن الحديث لم يثبت إطلاقه ليدل على أن كل عمل اختياري يصدر عن الصبي فهو بحكم الخطاء و إنما هو ناظر إلى الدية كما عرفت و على الجملة لا دلالة للحديث على أن الإسلام الصادر عن الصبي بالاختيار خطأ فهو مسلم حقيقة لاعترافه بكل ما يعتبر في الإسلام و يترتب عليه ما كان يترتب على سائر المسلمين من الأحكام و أظهرها الطهارة.

و إن شئت قلت إن الدليل على نجاسة أولاد الكفار- على ما عرفت- منحصر بما مر من صدق اليهودي أو النصراني أو المشرك أو غير ذلك من العناوين المحكومة عليها بالنجاسة على الصبي المميز المعتقد بما يعتقد به أبواه. و يحكم بنجاسة غير المميز بعدم القول بالفصل، و من الظاهر أن المميز المعترف بالإسلام لا يصدق عليه شيء من تلك العناوين.

فالمقتضي للنجاسة قاصر الشمول له في نفسه فهو بعد إظهاره الشهادتين محكوم بالطهارة قبل إسلامه أم لم يقبل. نعم غير الطهارة من أحكام المسلمين كجواز تزويجه المرأة المسلمة و غيره يتوقف على قبول إسلامه كما مر. هذا كله في إسلام ولد الكافر.

و أما إذا ارتد ولد المسلم و أنكر الإسلام فهل يحكم بنجاسته و غيرها من أحكام الارتداد عن فطرة؟

237

(مسألة 4) لا يجب على المرتد الفطري بعد التوبة تعريض نفسه للقتل (1) بل يجوز له الممانعة منه، و إن وجب قتله على غيره.

«التاسع»: التبعية و هي في موارد:

____________

التحقيق أن يفصل في المقام بالحكم بنجاسته لصدق أنه يهودي أو نصراني حسب اعترافه بهما. دون وجوب قتله و تقسيم أمواله و بينونة زوجته و ذلك لحديث رفع القلم (1) الدال على عدم إلزام الصبي بشيء من التكاليف حتى يحتلم فلا اعتداد بفعله و قوله قبل البلوغ و لا يحكم عليه بشيء من الأحكام المذكورة حتى يشب فإذا بلغ و رجع في أول بلوغه فهو و إلا فيحكم بوجوب قتله و غيره من الأحكام المتقدمة فحاله قبل الاحتلام حال المرتد عن ملة في قبول توبته و عدم ترتب الأحكام المتقدمة عليه.

و أما الحكم بنجاسته فهو في الحقيقة إلزام لسائر المكلفين بالتجنب عنه لا أنه إلزام للصبي حتى يحكم بارتفاعه بالحديث و على جملة الأحكام الثلاثة المتقدمة غير ثابتة على الصبي. نعم لا بأس بتأديبه كغيره من المعاصي و المنكرات.

(1) قد يفرض الكلام قبل ثبوت الارتداد عند الحاكم و أخرى بعد ثبوته:

أما الصورة الأولى: فلا ينبغي التردد في حرمة تعريض المرتد نفسه إلى القتل بإظهاره عند الحاكم أو بغيره لوجوب حفظ النفس عن القتل بل له رد الشاهدين و إنكار شهادتهما أو الفرار قبل اقامة الدعوى عند الحاكم، على أنه إظهار للمعصية و افتضاح لنفسه و هو حرام.

و أما الصورة الثانية: فلا يبعد فيها أن يقال بوجوب تعريض المرتد نفسه إلى القتل لوجوب تنفيذ حكم الحاكم الشرعي و حرمة الفرار عنه لان رد حكمه

____________

(1) قدمنا مصدره في ص 234.

238

«أحدها»: تبعية فضلات الكافر المتصلة ببدنه (1) كما مر.

«الثاني»: تبعية ولد الكافر له في الإسلام (2) أبا كان، أو جدا، أو أمّا، أو جدة.

____________

بالفعل أو القول رد للأئمة (عليهم السلام) و هو رد للّٰه سبحانه هذا.

و الظاهر أن نظر الماتن إلى الصورة الاولى أعني التعريض قبل ثبوت الارتداد عند الحاكم، لعدم اختصاص وجوب القتل بالحاكم حيث لا يتوقف على حكمه بل يجوز ذلك لجميع المسلمين إذا تمكنوا من قتله و لم يترتب عليه مفسدة، و انما ينجر الأمر إلى إقامة الدعوى عند الحاكم في بعض الموارد و الأحيان فمراده (قده) أن المرتد لا يجب أن يعرض نفسه للقتل و يسلمها للمسلمين بمجرد الارتداد ليقتلوه.

مطهرية التبعية و هي في موارد

(1) لأن نجاسة فضلاته كطهارتها انما هي من جهة التبعية لبدنه و لأجل إضافتها إليه فإذا أسلم انقطعت إضافتها إلى الكافر و تبدلت بالإضافة إلى المسلم فلا يصدق- بعد إسلامه- أن الشعر شعر كافر أو الوسخ وسخه بل يقال إنه شعر مسلم و وسخه كما تقدم.

(2) و هي القاعدة المعروفة بتبعية الولد لأشرف الأبوين و ليس مدركهم في تلك القاعدة رواية حفص قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليهم المسلمون بعد ذلك فقال: إسلامه إسلام لنفسه و لولده الصغار و هم أحرار و ماله و متاعه و رقيقه له، فأما الولد الكبار فهي فيء للمسلمين إلا أن يكونوا أسلموا قبل ذلك .. (1) لكي يرد عدم شمولها

____________

(1) المروية في باب 43 من أبواب الجهاد من الوسائل.

239

«الثالث»: تبعية الأسير للمسلم الذي أسره (1) إذا كان غير بالغ (2) و لم يكن معه أبوه أو جده (3).

«الرابع»: تبعية ظرف الخمر له بانقلابه خلا (4).

____________

للجد و الجدة لاختصاصها بالأب أو الأبوين على أنها ضعيفة السند بقاسم بن محمد و علي بن محمد القاشاني الضعيف لرواية الصفار عنه فليراجع ترجمته.

بل المدرك في ذلك كما أشرنا إليه سابقا أنه لا دليل على نجاسة ولد الكافر غير الإجماع و عدم القول بالفصل بين المميز المظهر للكفر و غيره و لا إجماع على نجاسة ولد الكافر إذا أسلم أحد أبويه أو جده أو غير ذلك من الأصول فدليل النجاسة قاصر الشمول للمقام رأسا لا ان طهارة ولد الكافر مستندة إلى دليل رافع لنجاسته.

(1) و ذلك لان دليل النجاسة قاصر الشمول له في نفسه حيث أن الدليل على نجاسة ولد الكافر منحصر بالإجماع و عدم الفصل القطعي بين المظهر للكفر و غيره و من الواضح عدم تحقق الإجماع على نجاسته إذا كان أسيرا للمسلم مع الشروط الثلاثة الآتية لذهاب المشهور الى طهارته فالمقتضي للنجاسة قاصر في نفسه و هو كاف في الحكم بطهارته.

(2) لأن الأسير البالغ موضوع مستقل و يصدق عليه عنوان اليهودي و النصراني و غيرهما من العناوين الموجبة لنجاسته.

(3) و الا تبعهما في نجاستهما و لم يمكن الحكم بطهارته بالتبعية للإجماع القطعي على نجاسة ولد الكافر كما مر هذا و قد ذكرنا في التعليقة شرطا ثالثا في الحكم بطهارته و هو أن لا يكون مظهرا للكفر و الا انطبق عليه عنوان اليهودي أو غيره من العناوين الموجبة لنجاسته.

(4) لما أسلفنا في التكلم على الانقلاب من أن أواني الخمر لو كانت باقية

240

«الخامس»: آلات تغسيل الميت (1) من السدة، و الثوب الذي يغسله فيه، و يد الغاسل دون ثيابه، بل الأولى و الأحوط الاقتصار على يد الغاسل.

«السادس»: تبعية أطراف البئر (2) و الدلو و العدة، و ثياب النازح- على

____________

على نجاستها بعد الانقلاب لكان الحكم بطهارة الخمر بالانقلاب لغوا ظاهرا هذا و قد نسب الى بعض المتقدمين من المعاصرين اختصاص الطهارة التبعية بالاجزاء الملاصقة من الإناء بالخمر. و أما الأجزاء الفوقانية المتنجسة بالخمر قبل الانقلاب- حيث أن بالانقلاب تقل كميتها- فلا مقتضى لطهارتها تبعا إذ لا يلزم من بقائها على نجاستها أى محذور، و لا يكون الحكم بطهارة الخمر بالانقلاب لغوا بوجه و من هنا حكم بلزوم كسر الإناء أو ثقبه من تحته حتى يخرج الخل من تلك الثقبة فإن إخراجه بقلب الإناء يستلزم تنجس الخل بملاقاة الأجزاء الفوقانية. و يدفعه: أن طهارة الأجزاء الفوقانية في الإناء و ان لم يكن لازمة لطهارة الخمر بالانقلاب الا أن السيرة العملية كافية في الحكم بطهارتها لأن سيرتهم في عصر الأئمة (عليهم السلام) و ما بعده لم تجر على أخذ الخل بكسر ظرفه أو ثقبه على الكيفية المتقدمة و انما كانوا يأخذونه من ظروفه أخذ الماء أو غيره من المائعات عن محلها.

(1) للسيرة القطعية الجارية على عدم غسل السدة و الثوب الذي يغسل فيه الميت بعد التغسيل و كذلك غيره مما يستعمل فيه من الكيس و يد الغاسل و نحوهما فان الثوب يحتاج في تطهيره الى العصر و لم يعهد عصر ثوب الميت بعد التغسيل فطهارته تبعية مستندة الى طهارة الميت. نعم الأشياء التي لم تجر العادة على اصابة الماء لها حال التغسيل كثوب الغاسل- مثلا- لا وجه للحكم بطهارتها بالتبع.

(2) لا يخفى أن السيرة و ان كانت جارية على عدم غسل الدلو و أطراف

241

القول بنجاسة البئر- لكن المختار عدم تنجسه بما عدا التغير، و معه أيضا يشكل جريان حكم التبعية (1).

____________

البئر و غيرهما مما يصيبه الماء بالنزح عادة و لا سبيل إلى إنكارها بوجه الا أنها من باب السالبة بانتفاء موضوعها لأن ماء البئر لا ينفعل بملاقاة النجس حتى تتنجس أطرافها و الآلات المستعملة في النزح بسببه و يحتاج في الحكم بطهارتها التبعية إلى الاستدلال بالسيرة، و النزح أمر مستحب أو أنه واجب تعبدي من غير أن يكون مستندا إلى انفعال ماء البئر بملاقاة النجس فاطراف البئر أو الدلو و نحوهما لا تتنجس الا بالتغير و لا دليل حينئذ على الطهارة التبعية في تلك الأمور التي يصيبها الماء عند النزح لان التغير في البئر أمر قد ينفق و لا مجال لدعوى السيرة فيه كيف و هو من الندرة بمكان لم نشاهده طيلة عمرنا و إحراز السيرة فيما هذا شأنه مما لا سبيل إليه.

(1) و الوجه في ذلك ليس هو استناد طهارة البئر حينئذ إلى زوال التغير لا إلى النزح لأن الطهارة في مفروض الكلام و إن كانت مستندة إلى زوال التغير لقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد ابن إسماعيل بن بزيع: فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه (1) و النزح مقدمة له و من هنا ذكرنا أن زوال التغير إذا نشأ من إلقاء عاصم عليه أيضا كفى في تطهيره من غير حاجة إلى النزح إلا أنه لا فرق في الحكم بالطهارة التبعية و عدمه بين استناد الطهارة إلى النزح و استنادها إلى زوال التغير فإن السيرة إن كانت جارية على عدم غسل الحبل و الدلو و أطراف البئر و نحوها فلا مناص من الالتزام بطهارتها بالتبع سواء استندت طهارة البئر إلى زوال التغير أم الى النزح و ان لم تجر السيرة على ذلك فلا مناص من الالتزام بنجاستها استندت طهارة البئر إلى النزح أو إلى زوال التغير.

____________

(1) المروية في ب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

242

«السابع»: تبعية الآلات المعمولة (1) في طبخ العصير- على القول بنجاسته- فإنها تطهر تبعا له بعد ذهاب الثلثين.

«الثامن»: يد الغاسل و الآلات الغسل (2) في تطهير النجاسات، و بقية الغسالة الباقية في المحل (3) بعد انفصالها.

«التاسع»: تبعية ما يجعل مع العنب أو التمر للتخليل (4) كالخيار، و الباذنجان، و نحوهما كالخشب و العود، فإنها تنجس تبعا له عند غليانه- على القول بها- و تطهر تبعا له بعد صيرورته خلا.

____________

بل الوجه فيما أفاده أن النجاسة بعد ما ثبتت تحتاج إزالتها إلى غسلها أو إلى دليل يقتضي زوالها من غير غسل و الأول مفروض العدم في الدلو و أشباهه و الثاني غير متحقق لانحصار دليل الطهارة بالسيرة و هي غير محرزة لقلة الابتلاء بتغير البئر كما مر فأدلة لزوم الغسل في المتنجسات محكمة و مقتضى تلك الأدلة عدم طهارة الدلو و نظائره من غير غسل.

(1) للسيرة المحققة و لأن الحكم بطهارته من غير طهارة الإناء المطبوخ فيه العصير لغو ظاهر كما عرفت في أو اني الخمر المنقلبة خلا.

(2) لا دليل على طهارتهما التبعية بوجه و إنما لا يحتاجان إلى الغسل بعد تطهير المتنجسات لانغسالهما حال غسلها و تطهيرها فكما أن المتنجس يطهر بغسله كذلك اليد و الظرف يطهران به لا أنهما يطهران بتبع طهارة المتنجس من غير غسلهما.

(3) و الأمر و إن كان كما أفاده إلا أن طهارة بقية الغسالة لا تستند إلى الطهارة بالتبع بل عدم نجاستها من باب السالبة بانتفاء موضوعها لأن الغسالة في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل طاهرة كما بيناه في محله.

(4) إثبات الطهارة لما يجعل مع العنب أو التمر للتخليل من الصعوبة

243

«العاشر»: من المطهرات: زوال عين النجاسة أو المتنجس عن جسد الحيوان غير الإنسان (1) بأي وجه كان سواء كان بمزيل، أو من قبل نفسه، فمنقار الدجاجة إذا تلوث بالعذرة يطهر بزوال عينها و جفاف رطوبتها و كذا ظهر الدابة المجروح إذا زال دمه بأي وجه، و كذا ولد الحيوانات الملوث بالدم عند التولد إلى غير ذلك.

____________

بمكان و دون إثباتها خرط القتاد حيث لا دليل على الطهارة التبعية فيه بعد العلم بتنجسه بالعصير- بناء على القول بنجاسته بالغليان- إذ الحكم بطهارته يحتاج إلى الغسل أو إلى دليل دل على طهارته التبعية من غير غسل و كلا الأمرين مفقود في المقام فما ذا أوجب طهارته بعد طهارة العصير بالتثليث؟! و كذلك الحال فيما يجعل في العصير للتخليل فيصير خمرا ثم ينقلب خلا كما قد يتفق في بعض البيوت لانه بعد ما تنجس بالخمر يحتاج زوال النجاسة عنه إلى دليل.

نعم إذا كان الشيء المجعول فيه مما يعد علاجا للتخليل كالملح أو كان أمرا عاديا في العصير كالعودة في العنب و النواة في التمر حكم بطهارته التبعية للأخبار الدالة على طهارة الخمر المنقلبة خلا بالعلاج و جريان السيرة على طهارته هذا.

و الذي يسهل الخطب في مفروض المسألة أنا لا نلتزم بنجاسة العصير بالغليان كما تقدمت الإشارة إليه سابقا (1).

مطهرية زوال العين

(1) المشهور طهارة بدن الحيوان غير الآدمي بزوال العين عنه و يستدل عليه بالسيرة المستمرة من الخلف و السلف على عدم التحرز من الهرة و نظائرها مما يعلم عادة بمباشرتها للنجس أو المتنجس عادة و عدم ورود أي مطهر عليها.

____________

(1) تقدم في الفرع 8 من فروع مطهرية ذهاب الثلثين.

244

..........

____________

و بما دل على طهارة سؤر الهرة (1) مع العلم بنجاسة فمها عادة لأكل الفأرة أو الميتة أو شربها المائع المتنجس و غير ذلك من الأسباب الموجبة لنجاسة فمها فلا وجه لطهارة سؤرها سوى طهارة الهرة بزوال العين عنها، و بما دل على طهارة الماء الذي وقعت فيه الفأرة و خرجت حية (2) مع العلم بنجاسة موضع بولها و بعرها و بما دل على طهارة الماء الذي شرب منه باز أو صقر أو عقاب إذا لم ير في منقارها دم (3) مع العلم العادي بنجاسة منقارها بملاقاته الدم أو الميتة أو غيرهما من النجاسات، لأنها من جوارح الطيور فلو لم يكن زوال العين مطهرا لمنقارها لم يكن موجب للحكم بطهارة الماء في مفروض الخبر. فهذا كله يدلنا على أن زوال العين مطهر لبدن الحيوان من دون حاجة إلى غسلها هذا. و في المسألة احتمالات أخر:

«أحدها»: ما احتمله شيخنا الهمداني (قده) بل مال إليه من استناد الطهارة في سؤر الحيوانات الواردة في الروايات إلى ما نفى عنه البعد في محله من عدم سراية النجاسة مع المتنجس الجامد الخالي عن العين إلى ملاقياته، إذ مع البناء على ذلك لا يمكن استفادة طهارة الحيوان من الأدلة المتقدمة بزوال العين عنه، لأنها دلت على طهارة الماء الملاقي لتلك الحيوانات فحسب و هي لا تنافي بقائها على نجاستها لاحتمال استنادها إلى عدم تنجيس المتنجسات. و مقتضى إطلاق ما دل على لزوم الغسل في المتنجسات بقاء النجاسة في الحيوانات المذكورة بحالها إلى أن يغسل.

و تظهر ثمرة الخلاف في الصلاة في جلدها أو صوفها المتخذين عنها بعد

____________

(1) راجع ب 2 من أبواب الأسئار من الوسائل.

(2) راجع ب 9 من أبواب الأسئار من الوسائل.

(3) راجع موثقة عمار المروية في ب 4 من أبواب الأسئار من الوسائل.

245

..........

____________

زوال عين النجس لأنها- بناء على هذا الاحتمال- غير جائزة ما لم يرد عليهما مطهر شرعي. و أما على القول بطهارتها بزوال العين عنها فلا مانع من الصلاة في جلدها أو صوفها لطهارتهما بزوال العين عنهما.

«ثانيها»: أن الاخبار المتقدمة إنما وردت للدلالة على سقوط استصحاب النجاسة و عدم جريانه في الحيوان غير الآدمي تخصيصا في أدلته من غير أن تدل على طهارة الحيوان بزوال العين عنه و ذلك لانه (عليه السلام) قد علق نفي البأس عما شرب منه باز أو صقر أو عقاب على ما إذا لم ير في منقارها دم و مقتضى ذلك أن يكون الحكم بنجاسة بدن الحيوان مختصا بصورة رؤية النجاسة على بدنه و مع عدم رؤيتها و إحساسها لا يجري فيه استصحاب النجاسة و لا يحكم بنجاسته و لا بكونه منجسا لملاقياته، لاحتمال أن يرد مطهر عليه كشربه من بحر أو نهر أو كر ماء أو اصابة المطر له، و من هنا نسب إلى النهاية اختصاص الحكم بطهارة بدن الحيوان بعد زوال العين عنه بما إذا احتمل ورود مطهر عليه فالمدار على ذلك في الحكم بطهارة بدن الحيوان هو احتمال ورود المطر عليه و عن بعضهم اعتبار ذلك في الحكم بطهارة بدن الحيوان من باب الاحتياط [1].

«ثالثها»: أن الوجه في طهارة سؤر الحيوانات المتقدمة عدم تنجسها بشيء لا أنها تتنجس و تطهر بزوال العين عنها و ذلك لعدم عموم أو إطلاق يدلنا على نجاسة كل جسم لاقى نجسا، و قولهم: كل ما لاقى نجسا ينجس لم يرد في لسان أي دليل، و إنما عمومه أمر متصيد من ملاحظة الأخبار الواردة في موارد خاصة لعدم احتمال خصوصية في تلك الموارد و مع عدم دلالة الدليل عليه لا يمكننا الحكم بنجاسة بدن الحيوان بالملاقاة و إنما النجس هو العين الموجودة عليه. و هذا هو الذي استقربه الماتن (قده) و قال: إنه على هذا فلا وجه لعد زوال العين

____________

[1] حكاه- دام ظله- عن المحقق الورع الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده).

246

..........

____________

من المطهرات. هذه احتمالات ثلاثة و إذا انضمت إلى ما ذهب إليه المشهور من أن الحيوان كغيره يتنجس بملاقاة النجس إلا أن زوال العين عنه مطهر له للسيرة و الأخبار المتقدمة كانت الوجوه و الاحتمالات في المسألة أربعة.

و لا يمكن المساعدة على شيء منها عدا الاحتمال الأخير و هو الذي التزم به المشهور: أما ما احتمله شيخنا الهمداني (قده) فيدفعه:

«أولا»: أن المتنجس من غير واسطة- على ما قدمناه في محله- منجس لما لاقاه و قد دلتنا على ذلك جملة من الأخبار: «منها»: قوله (عليه السلام): و إن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شيء من المني (1) لان مفهومه- على ما صرح به في الرواية- أنه إذا أصاب يده شيء من المني فأدخل يده في الماء ففيه بأس.

و «ثانيا»: أن البناء على عدم تنجيس المتنجس انما يقدح في الاستدلال بالأخبار. و أما السيرة فهي باقية بحالها لان المتشرعة خلفا عن سلف و في القرى و الأمصار جرت سيرتهم على عدم التجنب عن أبدان الحيوانات و أصوافها و أوبارها و جلودها حيث يعاملون معها معاملة الأشياء الطاهرة فيلبسونها فيما يشترط فيه الطهارة مع العلم بتنجسها جزما بدم الولادة حين تولدها من أمهاتها أو بدم الجرح أو القرح المتكونين في أبدانها أو بالمني الخارج منها بالسفاد أو بغير ذلك من الأمور. و الاطمئنان بعدم ملاقاتها للمطهر الشرعي لأنها لا تستنجي من البول و لا نسبح في الشطوط فهل في قلل الجبال و الفلوات نهر أو بحر أو ماء كثير ليحتمل ورودها في تلك المياه؟! كيف و لا يوجد في مثل الحجاز شيء من ذلك إلا ندرة و انما يتعيش أهله بمياه الآبار.

و أما احتمال اصابة المطر لها فيندفع: بان المطر على تقدير اصابته الحيوانات

____________

(1) راجع موثقة سماعة المروية في ب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

247

..........

____________

المتنجسة أبدانها فإنما يصل الى ظهورها لا إلى بطونها فكيف لا يتحرزون عنها و يستعملونها فيما يشترط فيه الطهارة فلا وجه له سوى طهارتها بزوال العين عنها.

و أما الاحتمال الثاني فيرده أن السيرة جرت على عدم غسل الحيوانات مع العلم بنجاستها في زمان و العلم- عادة- بعدم ملاقاتها للمطهر بوجه كما في الحيوانات الأهلية في البيوت للقطع بعدم ورود أي مطهر على الهرة من غسلها أو وقوعها في ماء كثير أو اصابة المطر لها و لا سيما في غير أو ان المطر و على ذلك لا يعتبر في الحكم بطهارة الحيوان احتمال ورود المطر عليه، إذ لم يعهد من أحد غسل الهرة أو التحرز عن صوف الشاة في الصلاة بدعوى العلم بتنجسها بدم الولادة و عدم ورود مطهر عليه بل لو غسل أحد فم الهرة التي أكلت الفأرة أو شيئا متنجسا عدّ من المجانين عندهم، و هذا لا يستقيم إلا بطهارة الحيوان بمجرد زوال العين عنه فلا يمكننا المساعدة على هذا الاحتمال.

إذا يدور الأمر بين الاحتمالين الأخيرين و هما يبتنيان على أن الأدلة الدالة على الانفعال بالملاقاة هل فيها عموم أو إطلاق يدلنا على نجاسة كل جسم لاقى نجسا أو لا عموم فيها، و حيث أن موثقة عمار: يغسله و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء. (1) يكفي في إثبات العموم فلا مناص من أن يلتزم بنجاسة كل جسم لاقى نجسا أو متنجسا و لو كان بدن حيوان غير آدمي.

ثم إن الأمر بالغسل في تلك الروايات و إن كان إرشادا إلى أمرين:

«أحدهما»: نجاسة ذلك الشيء الذي أمر بغسله و «ثانيهما»: أن نجاسته لا ترتفع من دون غسل و مقتضى ذلك عدم زوال النجاسة عن الحيوانات المتنجسة الا بغسلها إلا أنا علمنا بالاخبار و السيرة المتقدمتين أن نجاسة الحيوان بخصوصه قابلة الارتفاع بزوال العين عنه و بذلك نرفع اليد عن حصر المطهر بالغسل في

____________

(1) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

248

..........

____________

الحيوان فهو و ان قلنا بتنجسه بالملاقاة كبقية الأجسام الملاقية للنجس الا أنه يمتاز عن غيره في أن زوال العين عنه كاف في طهارته.

فعلى ذلك لو تنجس بدن الحيوان بشيء كالعذرة فجف فيه و لم تزل عنه عينه ثم ذبح لا بد في تطهيره من الغسل و ذلك لان كفاية زوال العين في التطهير انما يختص بالحيوان فإذا خرج عن كونه حيوانا لا دليل على كفايته فلا مناص من غسله بالماء نعم بناء على عدم تنجس الحيوان بالملاقاة لا يحتاج في تطهيره الى الغسل لأن النجاسة حينما أصابته رطبة لم تؤثر في بدنه لانه حيوان و هو لا يتنجس بالملاقاة و بعد ما خرج عن كونه حيوانا لم تصبه النجاسة الرطبة حتى تنجسه و يحتاج في تطهيره إلى الغسل فالمتحصل أن ما ذهب إليه المشهور من تنجس بدن الحيوان بالملاقاة و كفاية زوال العين في طهارته هو الصحيح.

بقي الكلام فيما يترتب على هذا النزاع فقد يقال: كما عن جماعة منهم شيخنا الأستاذ (قده) في بحث الأصول: ان الثمرة تظهر فيما إذا أصابت الحيوان عين من الأعيان النجسة أو المتنجسة ثم لاقى بدنه ماء أو غيره من الأجسام الرطبة كالثوب مع الشك في بقاء العين في الحيوان حال وصول الماء أو الجسم الرطب إليه فإنه ان قلنا بعدم تنجس الحيوان أصلا فلا يحكم بنجاسة الملاقي للحيوان لأن ما علمنا بملاقاته الماء- مثلا- انما هو بدن الحيوان و هو جسم طاهر لا يقبل النجاسة حتى ينجس الماء أو غيره. و أما العين النجسة التي أصابت الحيوان- على الفرض- فملاقاتها الماء غير محرزة للشك في بقائها حال ملاقاتهما. و استصحاب بقائها الى حال الملاقاة لا يترتب عليه ملاقاة العين النجسة مع الماء. اللهم على القول بالأصل المثبت.

و أما إذا قلنا بتنجس الحيوان بالملاقاة و طهارته بزوال العين عنه فلا مناص من الحكم بنجاسة الملاقي للحيوان في مفروض الكلام أعني الماء أو الجسم الآخر

249

..........

____________

الرطب و ذلك لأن ملاقاة الحيوان مع الماء أو الثوب الرطب- مثلا- وجدانية و غاية الأمر أنا نشك في زوال العين عنه. و بعبارة أخرى نشك في طهارته و نجاسته و مقتضى استصحاب بقاء النجاسة أو عدم زوال العين عنه أنه باق على نجاسته حال ملاقاتهما و هو يقتضي الحكم بنجاسة الملاقي للحيوان هذا.

و فيه أنا سواء قلنا بتنجس الحيوان بالملاقاة و طهارته بزوال العين عنه أم قلنا بعدم تنجسه أصلا لا نلتزم بنجاسة الملاقي للحيوان مع الشك في بقاء العين على بدنه و ذلك لانقطاع استصحاب النجاسة في الحيوان لما تقدم من دلالة الأخبار على أن الحكم بالنجاسة في الحيوان ينحصر بصورة العلم بنجاستها و مع الشك لا يحكم عليها بالنجاسة لأن مقتضى قوله: كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما. نجاسة الماء الذي يشرب منه الطير إذا رأى في منقاره دما. و الرؤية و إن كانت موجبة للعلم بالحاسة الخاصة أعني الابصار إلا أن هذه الخصوصية ملغاة للقطع بعدم الفرق بين العلم الحاصل بالابصار و العلم الحاصل بغيره و عليه فالرواية تدل على نجاسة منقار الطيور و الماء الملاقي معه عند العلم بها و أما مع الشك في نجاسته فهو و ما لاقاه محكوم بالطهارة فهذه الثمرة ساقطة.

نعم لا بأس بجعل ما قدمناه ثمرة للنزاع و هو ما إذا أصابت الحيوان نجاسة و جفت و لم تزل عنه عينها ثم ذبح فإنه على القول بعدم تنجس الحيوان أصلا لا بد من الحكم بطهارته لان العين حال رطوبتها لم توجب نجاسته لفرض أن الحيوان لا يتنجس بها و أما بعد ذبحه و خروجه عن كونه حيوانا فلأنه لم تصبه عين رطبة حتى يحكم بنجاسته. و أما على القول بتنجس الحيوان بالملاقاة و طهارته بزوال العين عنه فالحيوان المذبوح محكوم بالنجاسة و لا يكفي زوال العين في طهارته لأن كونه مطهرا يختص بالحيوان و المفروض خروجه عن كونه حيوانا فلا مناص

250

و كذا زوال عين النجاسة أو المتنجس عن بواطن الإنسان (1) كفمه، و أنفه، و اذنه. فإذا أكل طعاما نجسا يطهر فمه بمجرد بلعه. هذا إذا قلنا إن البواطن تتنجس بملاقاة النجاسة، و كذا جسد الحيوان.

و لكن يمكن أن يقال بعدم تنجسهما أصلا، و إنما النجس هو العين الموجودة في الباطن، أو على جسد الحيوان. و على هذا فلا وجه لعده من المطهرات.

و هذا الوجه قريب جدا.

و مما يترتب على الوجهين أنه لو كان في فمه شيء من الدم فريقه نجس ما دام الدم موجودا على الوجه الأول، فإذا لاقى شيئا نجسه، بخلافه على الوجه الثاني فإن الريق طاهر. و النجس هو الدم فقط، فإن أدخل إصبعه- مثلا- في فمه، و لم يلاق الدم لم ينجس، و إن لاقى الدم ينجس إذا قلنا بأن ملاقاة النجس في الباطن أيضا موجبة للتنجس، و إلا فلا ينجس أصلا إلا إذا أخرجه و هو ملوث بالدم.

____________

من تطهيره بالغسل.

ثم إن ما دل على اناطة الحكم بالنجاسة بالعلم بها إنما ورد في الطيور و يمكن الحكم بذلك في الفأرة أيضا نظرا إلى قضاء العادة بنجاستها و لو من جهة بولها و بعرها الموجبين لنجاسة محلهما و معه حكم (عليه السلام) بطهارة الماء الذي وقعت فيه الفأرة إذا خرجت منه حية (1) و أما غير الفأرة فإن قطعنا بعدم الفرق بينها و بين سائر الحيوانات فهو و إلا فيقتصر في الحكم بالطهارة و انقطاع استصحاب النجاسة بمورد النص و الفأرة فحسب.

(1) وقع الكلام في أن بواطن الإنسان هل تتنجس بملاقاة النجاسة

____________

(1) كما في رواية علي بن جعفر المروية في ب 9 من أبواب الأسئار من الوسائل.

251

..........

____________

و تطهر بزوال العين عنها أو أنها لا تقبل النجاسة أصلا؟

و ما يمكن أن يقال في المقام ان البواطن على قسمين: ما دون الحلق و ما فوقه أما البواطن ما دون الحق فلا ينبغي الإشكال في عدم تنجسها بملاقاة النجاسة. بل و لا ثمرة للبحث في أنها تتنجس و تطهر بزوال العين عنها أو لا تتنجس من الابتداء للقطع بصحة الصلاة ممن أكل طعاما متنجسا أو شرب ماء كذلك أو الخمر و هي موجودة في بطنه فالنزاع في ذلك لغو لا أثر له. و أما العموم المستفاد من موثقة عمار المتقدمة (1) فهو منصرف عن هذا القسم من البواطن جزما و لا يتوهم شمولها لغسل البواطن بوجه.

و أما البواطن ما فوق الحلق كباطن الفم و الأنف و العين و الاذن فإن كانت النجاسة الملاقية لها من النجاسات المتكونة في الباطن كملاقاة باطن الأنف بدم الرعاف فلا شبهة في عدم تنجسها بذلك لما ورد في موثقة عمار الساباطي قال:

سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل يسيل من أنفه الدم، هل عليه أن يغسل باطنه يعني جوف الأنف؟ فقال: انما عليه أن يغسل ما ظهر منه (2) و هي تخصص العموم المستفاد من موثقة عمار المتقدمة (3) لأنها تقتضي وجوب الغسل حتى إذا كان الملاقي من البواطن فوق الحلق و بهذه الموثقة يرتفع الأمر بالغسل في البواطن المذكورة و مع ارتفاعه لا يبقى دليل على نجاسة داخل الأنف و أمثاله من البواطن لأن النجاسة إنما تستفاد من الأمر بالغسل كما مر غير مرة.

و إذا كانت النجاسة خارجية و لم تكن من النجاسات المتكونة في الجوف كما إذا استنشق بالماء المتنجس فقد ذكرنا في البحث عن نجاسة البول و الغائط (4)

____________

(1) المتقدمة في ص 247.

(2) المروية في ب 24 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المتقدمة في ص 247.

(4) راجع ج 1 ص 420.

252

(مسألة 1) إذا شك في كون شيء من الباطن أو الظاهر يحكم ببقائه على النجاسة بعد زوال العين على الوجه الأول (1) من الوجهين و يبنى على طهارته على الوجه الثاني، لأن الشك عليه يرجع إلى الشك في أصل التنجس.

____________

أن الأجزاء الداخلية لا تتنجس بملاقاة النجاسة الخارجية إلا أن ذلك انما يتم في القسم الأول من البواطن. و أما القسم الثاني منها فمقتضى عموم موثقة عمار المتقدمة تنجسها بملاقاة النجاسة و لم يرد أي مخصص للعموم المستفاد منها بالإضافة إلى النجاسات الخارجية الا أنها تطهر بزوال العين عنها و ذلك:

للسيرة الجارية على طهارتها بذلك مؤيدة بروايتين واردتين في طهارة بصاق شارب الخمر «إحداهما»: ما رواه عبد الحميد بن أبي الديلم قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجل يشرب الخمر فيبصق فأصاب ثوبي من بصاقه قال: ليس بشيء (1) و «ثانيتهما»: رواية الحسن بن موسى الحناط قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي فقال:

لا بأس (2) و عليه فهذا القسم من البواطن نظير بدن الحيوان لا أنها لا تتنجس بالملاقاة أصلا.

و تظهر ثمرة ذلك فيما إذا وصلت نجاسة إلى فم أحد فإنه على القول بتنجس البواطن يتنجس به الفم لا محالة و به ينجس الريق الموجود فيه فإذا أصاب شيئا نجسه و هذا بخلاف ما إذا قلنا بعدم تنجسها فان الريق و الفم كملاقيهما باقيان على الطهارة.

(1) بل على كلا الوجهين السابقين:

أما إذا قلنا بتنجس البواطن و طهارتها بزوال العين عنها فلأجل العلم بنجاسة ما يشك في كونه من البواطن و انما الشك في ارتفاع نجاسته بزوال العين عنه

____________

(1) المروية في ب 39 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 39 من أبواب النجاسات من الوسائل.

253

..........

____________

و مقتضى الاستصحاب بقائه على نجاسته.

و أما إذا قلنا بعدم تنجس البواطن فلأجل الأصل الموضوعي الموجب للحكم بعدم ارتفاع نجاسته حتى يغسل و توضيحه:

أن الشك في كون شيء من البواطن قد يكون من جهة الشبهة المفهومية و عدم الاطلاع بسعة مفهوم الباطن و ضيقه و لا مناص حينئذ من الرجوع إلى مقتضى العموم و الإطلاق و مقتضى العموم المستفاد من موثقة عمار المتقدمة أن كل شيء أصابته النجاسة ينجس و لا ترتفع نجاسته إلا بغسله و خرجنا عن عمومها في البواطن بما دل على أنها لا تتنجس بملاقاة النجاسة أصلا- لأنا نتكلم على هذا البناء- و مع إجمال المخصص لدورانه بين الأقل و الأكثر يرجع إلى العام في غير المقدار المتيقن من المخصص لانه من الشك في التخصيص الزائد فيندفع بالعموم و الإطلاق.

و قد يكون من جهة الشبهة المصداقية كما إذا شك- لظلمة و نحوها- في أن ما أصابته النجاسة من البواطن أو غيرها و في هذه الصورة و ان لم يجز الرجوع إلى العام لانه من التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية الا أن هناك أصلا موضوعيا و مقتضاه أن المورد المشكوك فيه باق تحت العموم و ذلك لأن الحكم بعدم التنجس في الدليل المخصص انما رتب على عنوان الباطن و هو عنوان وجودي و مقتضى الأصل عدمه و أن المشكوك فيه ليس من البواطن لجريان الأصل في الأعدام الأزلية و كل ما لم يكن من البواطن لا بد من غسله لتنجسه بملاقاة النجاسة و عدم ارتفاعها إلا بغسله.

و ذلك لان الموضوع للحكم في الموثقة هو الشيء المعبر عنه بلفظة «ما» في قوله و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء. و ما لم يثبت أنه من الباطن أيضا شيء و يصدق أن يقال: انه مما أصابه ذلك الماء من غير حاجة الى تجشم إثبات أنه

254

(مسألة 2) مطبق الشفتين من الباطن (1) و كذا مطبق الجفنين، فالمناط في الظاهر فيهما ما يظهر منهما بعد التطبيق.

____________

من الظواهر هذا كله في النجاسة الخارجية.

و أما النجاسة الداخلية فقد عرفت أنها غير منجسة للبواطن فلو شككنا في أن ما أصابته النجاسة الداخلية من الباطن أو الظاهر؟ فلا مناص من الحكم بطهارته بالأصل الموضوعي أو قاعدة الطهارة و ذلك لأن وجوب الغسل في موثقة عمار الواردة في دم الرعاف (1) انما رتب على عنوان الظاهر حيث قال: و انما يغسل ظاهره.

و عليه إن قلنا إن الجملة المذكورة متكفلة لحكم إيجابي فقط و هو وجوب غسل الظاهر فيما أنه من العناوين الوجودية يمكن أن يحرز عدمه بالاستصحاب لجريانه في الأعدام الأزلية كما مر فيقال: الأصل ان المشكوك فيه لم يكن من الظاهر و كلما لم يكن كذلك لا تتنجس بالنجاسة الداخلية بمقتضى الموثقة.

و أما إذا بنينا على أن الجملة المذكورة متكفلة لحكمين: إيجابي و سلبي لكلمة «إنما» لأنها من أداة الحصر فتدل على وجوب غسل الظاهر و عدم وجوب غسل الباطن فلا يمكننا استصحاب عدم كون المشكوك فيه من الظاهر لانه يعارض باستصحاب عدم كونه من الباطن فيتساقطان الا أنه لا بد حينئذ من الرجوع إلى قاعدة الطهارة و هي تقتضي الحكم بطهارة المشكوك فيه لا محالة.

(1) أما في الطهارة الحدثية من الغسل و الوضوء فلا شك في أن المطبقين من البواطن و لا يجب غسلهما و يمكن استفادة ذلك من كلمة «الوجه» لأنها بمعنى ما يواجه الإنسان و مطبق الشفتين أو الجفنين لا يواجه الإنسان و هو ظاهر، و كذا في غسل الجنابة لقوله: لو أن رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه

____________

(1) المتقدمة في ص 251.