التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج4

- الشيخ علي الغروي المزيد...
552 /
255

..........

____________

ذلك (1) فإنه يقتضي عدم كون المطبقين من الظاهر لجريان العادة على عدم فتح العينين و الشفتين في الارتماس و عند صب الماء على الوجه فلا يصل الماء إلى المطبقين و قد دلت الرواية على كفايته. و إنما الكلام في الطهارة الخبثية.

و الصحيح أن الأمر فيها أيضا كذلك و هذا لا لموثقة عمار الواردة في الرعاف (2) و لا لما ورد في الاستنجاء (3) الدالتين على أن الواجب انما هو غسل ظاهر الأنف و المقعدة حتى يستشكل شيخنا الأعظم (قده) باختصاصهما بالأنف و المقعدة و أنه لا دليل على التعدي إلى غيرهما على أنهما خاصتان بالنجاسة الداخلية و قد عرفت أنها غير موجبة للتنجس البواطن أصلا و هي خارجة عن محل الكلام لأن البحث في تنجس المطبقين بالنجاسة الخارجية التي بنينا على كونها موجبة لتنجس البواطن و إن كان زوالها موجبا لطهارتها.

بل لجريان السيرة على عدم فتح العينين أو الفم فيما إذا تنجس جميع البدن و أريد تطهيره بالارتماس في كر و نحوه أو بصب الماء على جميع البدن كما يظهر ذلك من ملاحظة حال الداخلين في الحمامات و أمثالهم و يؤيد ذلك الروايتان المتقدمتان الواردتان: في طهارة بصاق شارب الخمر و هما روايتا عبد الحميد بن أبي الديلم و الحسن بن موسى الحناط (4).

و ذلك لوصول الخمر- عادة- الى مطبق الشفتين فلو لم يكن مطبقهما

____________

(1) كما في صحيحة زرارة المروية في ب 26 من أبواب الجنابة من الوسائل.

(2) المتقدمة في ص 251.

(3) كما في موثقة عمار المشتملة على قوله: انما عليه ان يغسل ما ظهر منها يعني المقعدة و ليس عليه ان يغسل باطنها و نحوها من الاخبار المروية في ب 29 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

(4) المتقدمة في ص 252.

256

(الحادي عشر): استبراء الحيوان الجلال (1) فإنه مطهر لبوله و روثه،

____________

من البواطن لتنجس بشربها و لم يكف زوال العين في الحكم بطهارته و بذلك كان يتنجس البصاق لغلبة اصابته مطبقهما و قد تقدم أن المتنجس من غير واسطة منجس لما لاقاه و معه لا وجه للحكم بطهارة بصاق شارب الخمر و حيث أنه (عليه السلام) حكم بطهارته فيستكشف من ذلك أن مطبق الشفتين من البواطن التي تتنجس بملاقاة النجاسة الخارجية و إن كانت تطهر بزوال العين عنها و من ذلك يظهر الحال في مطبق الجفنين أيضا لان حكمه حكم مطبق الشفتين.

مطهرية استبراء الجلال

(1) الكلام في هذه المسألة يقع في جهات:

«الأولى»: يحرم أكل الحيوانات الجلالة لصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا تأكل اللحوم الجلالة و إن أصابك من عرقها شيء فاغسله (1) و غيرها من الأخبار.

«الجهة الثانية»: أن بول الجلالة و مدفوعها محكومان بالنجاسة لقوله في حسنة ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه (2) لأنها تدل على ثبوت الملازمة بين كون الحيوان محرم الأكل و كون بوله نجسا، كما أن مقتضى إطلاقها عدم الفرق في تلك الملازمة بين الحرمة الذاتية و بين كونها عارضة بالجلل أو بغيره و بهذا تثبت نجاسة بول الجلالة لحرمة أكلها فإذا ثبتت نجاسة بولها ثبتت نجاسة مدفوعها لعدم الفصل بينهما بالارتكاز.

ثم ان الحرمة العرضية إنما تستتبعها نجاسة البول و الخرء فيما إذا كانت ثابتة

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل.

257

و المراد بالجلال (1) مطلق ما يؤكل لحمه من الحيوانات المعتادة بتغذي العذرة،

____________

على نوع المكلفين كما هو الحال في الجلل. و أما الحرمة العرضية الثابتة لشخص دون شخص أو لطائفة دون أخرى فهي لا تستلزمها نجاسة البول و الخرء و ذلك لوضوح أن حرمة أكل لحم الشاة على المريض لإضراره- مثلا- لا تستتبعها نجاسة بول الشاة و خرئها كما لا تستتبعها حرمة أكلها لغيره و كذا الأغنام المملوكة لملاكها لأنها محرمة الأكل على من لم يأذن له المالك إلا أن أمثال تلك الحرمة العرضية لا تستلزم نجاسة بولها و روثها فالمدار في الحكم بنجاسة بول الحيوان و خرئه إنما هو حرمة لحمه على نوع المكلفين كما أن الأمر كذلك في الملازمة بين حلية أكل لحم الحيوان و طهارة بوله و روثه لأن حلية الأكل العارضة لبعض دون بعض غير مستتبعة للحكم بطهارة بول الحيوان و روثه كما إذا اضطر أحد إلى أكل لحم السباع أو احتاج اليه للتداوي فالمدار في الطرفين على كون الحكم ثابتا للنوع هذا. و قد سبق بعض الكلام في ذلك في التكلم على نجاسة البول و عرق الإبل الجلالة فليراجع (1).

(1) هذه هي الجهة الثالثة من الكلام و هي في بيان مفهوم الجلل، و التحقيق أن الجلل لا يختص بحيوان دون حيوان بل يعم كل حيوان يتغذى بعذرة الإنسان. و ما في بعض كتب اللغة من تفسير الجلالة بالبقرة تتبع النجاسات (2) فالظاهر أنه تفسير بالمثال و ذلك لإطلاق الجلالة في بعض الأخبار المعتبرة على الإبل (3) بل قد أطلقت على غيرها من الحيوانات كالدجاجة و البطة

____________

(1) راجع ج 1 ص 410 و ج 2 ص 154- 155.

(2) كما في لسان العرب و أقرب الموارد.

(3) ورد ذلك في حسنة حفص بن البختري المروية في ب 15 من أبواب النجاسات من الوسائل.

258

..........

____________

و الشاة و غيرها على ما في بعض الأخبار الواردة في استبراء الحيوانات الجلالة (1) نعم لا بد من تخصيص الجلالة بالحيوان الذي يأكل العذرة فلا يعم أكل سائر الأعيان النجسة لأن الأسد و الهرة و غيرهما من السباع يأكل الميتة و لا يصح إطلاق الجلالة عليهما. ثم على تقدير الشك في ذلك فلا مناص من الأخذ بالمقدار المتيقن و هو الأقل و في المقدار الزائد يرجع إلى عموم العام و ذلك لأن الجلال محلل الأكل في ذاته و مقتضى إطلاق ما دل على حليته مطلقا و إنما خرجنا عن ذلك في خصوص آكل العذرة للقطع بجلله فإذا شككنا في صدق الجلل بأكل غيرها من الأعيان النجسة فلا بد من مراجعة إطلاق ما دل على حليته كما هو الحال في موارد إجمال المخصص لدورانه بين الأقل و الأكثر.

و أما مرسلة موسى بن أكيل عن أبي جعفر (عليه السلام) في شاة شربت بولا ثم ذبحت قال: فقال: يغسل ما في جوفها ثم لا بأس به و كذلك إذا اعتلفت بالعذرة ما لم تكن جلالة و الجلالة التي تكون ذلك غذاها (2) فلا يمكن الاستدلال بها من جهتين: «الأولى»: ضعف سندها بالإرسال «الثانية»: عدم دلالتها على أن الجلل هو التغذي بعذرة الإنسان فحسب لعدم تقيد العذرة في الرواية بشيء. و دعوى انصرافها إلى عذرة الإنسان مندفعة: بأنها اسم لكل رجيع نتن و لا اختصاص لها بمدفوع الإنسان بوجه. بل قد أطلقت في بعض الأخبار

____________

(1) السكوني عن أبي عبد اللّٰه جعفر بن محمد(ع) قال: قال: أمير المؤمنين(ع) الدجاجة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تقيد ثلاثة أيام و البطة الجلالة بخمسة أيام و الشاة الجلالة عشرة أيام و البقرة الجلالة عشرين يوما و الناقة الجلالة أربعين يوما.

و غيرها من الاخبار المروية في ب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(2) المروية في ب 24 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

259

و هي غائط الإنسان، و المراد من الاستبراء (1) منعه من ذلك و اغتذاؤه بالعلف الطاهر حتى يزول عنه اسم الجلل، و الأحوط مع زوال الاسم مضي المدة المنصوصة في كل حيوان بهذا التفصيل:-

____________

على رجيع الكلب و السنور (1) فالرواية غير قابلة للاعتماد عليها بوجه. و إنما خصصنا الجلل بالتغذي بعذرة الإنسان خاصة نظرا إلى عدم معهودية أكل الحيوان غيرها من عذرة الكلب و الهرة و نحوهما و انما المشاهد اكله عذرة الإنسان فالجلل مختص به و على تقدير الشك في سعته و ضيقه كان المرجع إطلاق ما دل على حلية أكل لحم المحلل في ذاته كما تقدم.

(1) هذه هي الجهة الرابعة من الجهات التي يتكلم عنها في المقام و هي في بيان ما يحصل به الاستبراء عن الجلل و به ترتفع نجاسة البول و الرجيع بناء على نجاستهما في مطلق الحيوان المحرم أكله و لو عرضا أو ما يرتفع به خصوص حرمة الأكل إذا منعنا عن نجاستهما في المحرم بالعرض.

ذكر الماتن (قده) أن المدار في ذلك على زوال اسم الجلل و هذا هو الوجيه لأن الموضوع في الحكم بحرمة الأكل أو هي و نجاسة البول و الرجيع هو الجلل و بما أن الحكم يتبع موضوعه بحسب الحدوث و البقاء فمع ارتفاعه لا يحتمل بقاء الأحكام المترتبة عليه، و لا يصغى معه إلى استصحاب بقاء الأحكام المترتبة على الحيوان حال الجلل إذ لا مجرى للاستصحاب بعد ارتفاع موضوعه على أنه من الاستصحاب في الشبهة الحكمية و هو ممنوع كما مر غير مرة. و أما ما عن المشهور من أن الاستبراء انما يحصل بمضي المدة المنصوصة في الروايات و إن بقي عنوان

____________

(1) عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن الرجل يصلي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أ يعيد صلاته قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد. المروية في ب 40 من أبواب النجاسات من الوسائل.

260

..........

____________

الجلل بعد انقضائها فهو على تقدير صحة النسبة- و هي مستبعدة- مندفع بوجهين:

«أحدهما»: أن الاخبار المحددة للاستبراء كلها ضعاف لأنها بين مرسلة و مرفوعة و ضعيفة الإسناد فلا اعتبار لها بوجه.

و «ثانيهما»: أن المرتكز في الأذهان من تحديد حرمة الأكل أو نجاسة الخرء و البول بتلك المدة المنصوصة في الاخبار أن الحرمة أو النجاسة محددتان بتلك المدة بعد زوال عنوان الجلل بمعنى أن الإبل الجلالة- مثلا- بعد ما زال عنها اسم الجلل لا يحكم بحلية لحمها و طهارة بولها و روثها إلا بعد أربعين يوما- كما في الخبر- لا أن الاحكام المترتبة على الإبل الجلالة ترتفع بعد المدة المنصوصة و أن بقي عنوان جللها و قد ذكرنا نظير ذلك في مثل الأمر الوارد بغسل الثوب المتنجس بالبول مرتين أو بصب الماء على البدن كذلك (1) و ما ورد في الاستنجاء من المسح بثلاثة أحجار (2) حيث قلنا إن ظاهرها كفاية الحد بعد زوال النجاسة عن المحل لا أن مجرد الغسل أو الصب أو المسح بالأحجار كاف في الحكم بالطهارة و لو بقيت العين بحالها. نعم لا يشترط ارتفاع الموضوع قبل الغسل أو الصب أو قبل انقضاء المدة المنصوصة في المقام. بل يكفي ارتفاعه و زواله و لو مع الغسل أو أخويه فانقضاء المدة المنصوصة في الأخبار غير كاف في الحكم بحلية اللحم أو بطهارة الخرء و البول و إن بقي موضوعهما و هو عنوان الجلل.

نعم لو تمت الأخبار الواردة بحسب السند لأمكن القول بأن طهارة مدفوعي الجلالات و حلية لحمها متوقفتان على انقضاء المدة المنصوصة بعد زوال عنوانها و هو الجلل لانه تحديد تعبدي فلا يحكم بارتفاع أحكامها بزوال جللها

____________

(1) راجع صحيحة البزنطي و غيرها مما ورد في ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) راجع ب 30 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

261

..........

____________

قبل المدة المنصوصة في الأخبار. و مع عدم تمامية سندها كما مر لا مناص من حملها على الندب- بناء على التسامح في أدلة السنن.

و من المحتمل القريب أن يكون ما ذكرناه هو المراد مما ذكره الشهيد الثاني (قده) و غيره من اعتبار أكثر الأمرين من المقدر و ما يزول به اسم الجلل بان يقال: إن نظره من ذلك إلى أن انقضاء المدة المنصوصة- مع بقاء الجلل- غير موجب لارتفاع الأحكام المترتبة عليه و ذلك لأن ظاهر التحديد ارادة مضي المدة المنصوصة بعد زوال عنوان الجلل.

و أما ما ربما يظهر من كلام صاحب الجواهر (قده) من الأخذ بالمقدار المنصوص عليه إلا مع العلم ببقاء صدق الجلل فان انقضاء المدة غير موجب لحلية الحيوان و طهارة بوله و روثه فلعله أيضا ناظر إلى ما قدمناه بمعنى أنه لا يريد بذلك أن التحديد بالمقدرات المنصوصة تحديد ظاهري و أن المقدرات حجة في مقام الشك و الجهل بل لعل مقصوده أن المقدرات و إن كانت تحديدات واقعية إلا أن التمسك بإطلاقها إنما يصح في موردين: «أحدهما»: ما إذا علم زوال اسم الجلل و عنوانه قبل انقضاء المدة المنصوصة في الأخبار و «ثانيهما» ما إذا شك في زواله بانقضاء المدة المقدرة و هو الغالب في أهل القرى و البوادي و غير المطلعين باللغة العربية حيث أن أكثرهم غير عالمين بزوال الجلل لجهلهم بمفهومه و أما مع العلم ببقاء عنوان الجلل فلا يمكن الحكم بحليته و طهارة بوله و روثه بمجرد انقضاء المدة المقدرة لما تقدم من أن المتفاهم العرفي في أمثال التحديدات الواردة في المقام هو التحديد بعد زوال الموضوع و ارتفاعه و لو كان ارتفاعه مقارنا لانقضاء المدة كما مر و بهذا يحصل التوافق بين كلمات الشهيد و صاحب الجواهر و ما ذكره الماتن (قدس اللّٰه أسرارهم) إلا أن هذا كله مبني على تمامية الأخبار الواردة في التحديد و قد مر أنها ضعيفة السند و الدلالة فالصحيح ما اخترناه

262

..........

____________

تبعا للماتن (قده).

فإلى هنا تحصل أن مفهوم الجلل كبقية المفاهيم العرفية لا بد في تعيينه من الرجوع إلى العرف و لا اعتبار بشيء مما ذكروه في تعريفه من أنه يحصل بالتغذي بالعذرة يوما و ليلة أو بظهور النتن في لحمه و جلده أو بصيرورة العذرة جزء من بدنه. بل إنما هو عرفي لا بد من الرجوع إليه فإن علمنا بحدوثه أو بارتفاعه فهو. و إذا شككنا في حدوثه أو في بقائه فلا بد من الرجوع إلى ما يقتضيه القواعد المقررة وقتئذ و هي قد تقتضي الرجوع إلى عموم الدليل أو إطلاقه و قد تقتضي الرجوع إلى الاستصحاب.

و تفصيل الكلام في المقام: أن الشك في حدوث الجلل قد يكون من جهة الشبهة المفهومية و قد تكون من جهة الشبهة الموضوعية فان شككنا في حدوثه من جهة الشبهة المفهومية للجهل بمفهوم الجلل و أنه يتحقق بالتغذي بالعذرة يوما و ليلة أو بثلاثة أيام- مثلا- فلا يمكن الرجوع حينئذ إلى الاستصحاب الحكمي للجهل بموضوعه و لا إلى الاستصحاب الموضوعي إذ لا شك لنا في شيء من الموجودات الخارجية فلا بد معه من الرجوع إلى عموم أو إطلاق الدليل الذي دلّ على حلية لحم الدّجاج أو الشاة- مثلا- و طهارة بولهما و مدفوعهما لأن ما دل على حرمة لحم الجلال أو نجاسة بوله و روثه من المخصصات المنفصلة لدليل الحلية و الطهارة و قد بينا في محله أن إجمال المخصص المنفصل لا يسري إلى العام. بل يؤخذ بالمقدار المتيقن منه للعلم بقيام حجة أقوى فيه على خلاف العموم و في المقدار الزائد يرجع إلى عموم الدليل أو إطلاقه لأنه حجة في مدلوله ما دام لم يقم على خلافه حجة أقوى و حيث لا حجة على خلافه في المقدار الزائد فيكون عموم العام أو إطلاقه هو المحكم فيه.

و أما إذا كانت الشبهة مصداقية للعلم بمفهوم الجلل و الشك في بعض الأمور

263

..........

____________

الخارجية، كما إذا علمنا أن الجلل يتحقق بالتغذي ثلاثة أيام أو أربعة- مثلا- و شككنا في أن التغذي هل كان ثلاثة أيام أو أربعة أم لم يكن فلا يمكن الرجوع فيها إلى عموم الدليل بناء على عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية كما هو الصحيح و لا مناص حينئذ من الرجوع إلى استصحاب عدم حدوث الجلل و به يحكم بحلية لحمه و طهارة بوله و روثه.

و إذا كان الشك في بقائه بعد العلم بالحدوث فهو أيضا يتصور على قسمين إذ قد تكون الشبهة مفهومية كما إذا شك في بقائه للجهل بمفهوم الجلل و أنه هل يزول بالاستبراء ثلاثة أيام أو بغير ذلك. نعم هذا لا يتحقق إلا إذا بنينا على أن استبراء الجلل إنما هو بزوال اسمه عرفا. و أما إذا عملنا بالأخبار الواردة في تحديده فلا يتصور للجهل شبهة مفهومية بحسب البقاء للعلم ببقائه إلى انقضاء المدة المقدرة. نعم تتحقق فيه الشبهة المصداقية كما يأتي عن قريب.

و على الجملة إذا شك في بقائه للشبهة المفهومية لا بد- في غير المقدار المتيقن فيه- من الرجوع الى العموم أو الإطلاق لا الاستصحاب لما مر غير مرة من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية. على أن الشبهة حكمية و لا يجري فيها الاستصحاب بل لو قطعنا النظر عن هاتين الجهتين أيضا لا بد من الرجوع الى العموم أو الإطلاق دون الاستصحاب و ذلك لما بنينا عليه في محله من أن الأمر إذا دار بين التمسك بالعموم أو استصحاب حكم المخصص تعين الأخذ بالعموم من غير فرق في ذلك بين كون الزمان مأخوذا على وجه التقييد حتى لا يمكن جريان الاستصحاب في غير المقدار المتيقن في نفسه أو يكون مأخوذا على وجه الظرفية حتى يمكن جريان الاستصحاب فيه- في نفسه- إذ العموم و الإطلاق محكمان في كلتا الصورتين كان المورد قابلا للاستصحاب أم لم يكن.

264

في الإبل إلى أربعين يوما (1).

____________

ثم على تقدير التنزل و البناء على أن المورد حينئذ كما أنه ليس بمورد لاستصحاب حكم المخصص ليس بمورد للتمسك بالعموم و الإطلاق أيضا كما ذكره صاحب الكفاية (قده) في التنبيه الذي عقده لبيان هذا الأمر في الاستصحاب حيث ذكر أن المورد قد لا يكون موردا لشيء من العموم و الاستصحاب.

لا بد من الرجوع فيه إلى قاعدة الحل و هي تقتضي طهارة بول الحيوان و روثه لأن كل ما حل أكل لحمه حكم بطهارة بوله و مدفوعة.

ثم لو ناقشنا في ذلك أيضا بدعوى أن طهارة الروث و البول مترتبة على الحيوان الذي من شأنه و طبعه أن يكون محلل الأكل لا المحلل الفعلي بالقاعدة و من الظاهر أن أصالة الحل لا تثبت الحلية الشأنية- و إنما تقتضي الحلية الفعلية في ظرف الشك فحسب تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة في بوله و روثه فعلى جميع تلك التقادير لا بد من الحكم بحلية لحم الحيوان و طهارة بوله و روثه.

و أما إذا شككنا في بقاء الجلل من جهة الشبهة الموضوعية كما إذا كان الجلل معلوما بمفهومه و علمنا أنه يرتفع بترك تغذي العذرة ثلاثة أيام- مثلا- أو اعتمدنا على الروايات المتقدمة و بنينا على أن الجلل يزول باستبراء الحيوان أربعون يوما- مثلا- و شككنا في أن التغذي هل كان بتلك المدة أو أقل فلا مجال حينئذ للتمسك بالعام لانه من الشبهة المصداقية فلا بد من الرجوع الى استصحاب بقاء الجلل و به يحكم بنجاسة بوله و روثه كما يحكم بحرمة لحمه.

(1) نص على ذلك في جملة من الأخبار: «منها» خبر مسمع عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) الناقة الجلالة يؤكل لحمها و لا يشرب لبنها حتى تغذي أربعين يوما .. (1) و «منها»: رواية السكوني

____________

(1) المروية في ب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

265

و في البقر إلى ثلاثين (1) و في الغنم إلى عشرة أيام (2) و في البطة إلى خمسة أو سبعة (3) و في الدجاجة إلى ثلاثة أيام (4) و في غيرها يكفي زوال الاسم.

«الثاني عشر»: حجر الاستنجاء (5) على التفصيل الآتي.

«الثالث عشر»: خروج الدم من الذبيحة بالمقدار المتعارف فإنه مطهر (6) لما بقي منه في الجوف.

____________

إن الناقة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تقيد أربعين يوما (1) و «منها»: غير ذلك من الأخبار.

(1) كما في مرفوعة يعقوب بن يزيد (2) و نحوها خبر مسمع المتقدمة- على رواية الكافي- و رواية يونس (3) و غيرهما من الأخبار.

(2) كما في روايات السكوني و مسمع و الجوهري (4) و مرفوعة يعقوب بن يزيد.

(3) ورد التحديد بخمسة أيام في روايتي السكوني و مسمع كما ورد سبعة أيام في رواية يونس.

(4) كما في جملة من الأخبار: «منها» رواية السكوني و «منها» خبر مسمع و «منها» غير ذلك من الروايات.

(مطهرية حجر الاستنجاء)

(5) يأتي عليه الكلام في محله.

مطهرية خروج الدم من الذبيحة (بالمقدار المتعارف)

(6) إطلاق المطهر على ذلك يبتني على القول بنجاسة الدم في الباطن فإن

____________

(1) المروية في ب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(2) المروية في ب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(3) المروية في ب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(4) المروية في ب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

266

«الرابع عشر»: نزح المقادير المنصوصة (1) لوقوع النجاسات المخصوصة في البئر على القول بنجاستها و وجوب نزحها.

«الخامس عشر»: تيمم الميت (2) بدلا عن الأغسال عند فقد الماء، فإنه مطهر (3) لبدنه على الأقوى.

____________

خروج المقدار المتعارف من الذبيحة حينئذ مطهر للمقدار المتخلف في الجوف و مزيل لنجاسته. و أما بناء على عدم نجاسته لاختصاص أدلتها بالدم الخارجي فإطلاق المطهر على خروج الدم بالمقدار المتعارف بمعنى الدفع لا الرفع لأنه إنما يمنع عن الحكم بنجاسة المقدار المتخلف من الدم لا أنه رافع لنجاسته حيث لم يكن محكوما بالنجاسة في زمان حتى يحكم بارتفاعها بسببه و إطلاق المطهر بمعنى الدفع أمر لا بأس به و قد وقع نظيره في الآية المباركة «يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1) لان التطهير فيها بمعنى المنع عن عروض ما يقابل الطهارة عليهم- عليهم أفضل الصلاة- لا الرفع فإنهم قد خلقوا طاهرين و أنهم المطهرون من الابتداء.

(1) لزوال النجاسة بسببه.

(2) لعدم وجدان الماء حقيقة أو لعدم التمكن من استعماله لتناثر لحم الميت أو جلده بالتغسيل كما في المجدور و المحروق و ما ورد من الأمر (2) بصب الماء عليه صبا محمول على صورة عدم تناثر لحمه أو جلده بالتغسيل و صب الماء عليه

(3) استفادة أن التيمم يكفي في ارتفاع الخبث من أدلة بدلية التيمم

____________

(1) الأحزاب 33: 33.

(2) زيد بن علي عن علي(ع) انه سئل عن رجل يحترق بالنار فأمرهم أن يصبوا عليه الماء صبا و ان يصلى عليه. المروية في ب 16 من أبواب غسل الميت من الوسائل.

267

«السادس عشر»: الاستبراء بالخرطات بعد البول، و بالبول بعد خروج المني، فإنه مطهر لما يخرج منه من الرطوبة المشتبهة، لكن لا يخفى أن عد هذا من المطهرات من باب المسامحة، و إلا ففي الحقيقة مانع عن الحكم بالنجاسة أصلا «السابع عشر»: زوال التغير في الجاري، و البئر، بل مطلق النابع بأي وجه كان (1) و في عد هذا منها أيضا مسامحة، و إلا ففي الحقيقة المطهر هو الماء الموجود في المادة (2).

____________

عن الغسل في الأموات من الصعوبة بمكان و دون إثباته خرط القتاد لأن غاية ما يمكن أن يستفاد من أدلة البدلية أن التيمم في الأموات- كالأحياء- ينوب عن الاغتسال في رفعه الحدث و أما أنه يرفع الخبث و يطهر بدن الميت أيضا فهو يحتاج إلى دليل.

نعم لو ثبت أن نجاسة بدن الميت متفرعة على حدثه بحيث ترتفع لو ارتفع قلنا بطهارة جسده في المقام لارتفاع حدثه بالتيمم و أنى لنا بإثباته؟ لأنهما حكمان ثبت كل منهما بدليل لوضوح أن وجوب تغسيل الميت حكم ثبت بأدلته، و نجاسة بدنه حكم على حدة ثبت بدليلها و مقتضى إطلاقه عدم ارتفاعها بشيء حتى يغسل بالماء و من هنا استشكلنا في التعليقة و ذكرنا أن الأقرب بقاء بدنه على النجاسة ما لم يغسل.

(1) و لو بإلقاء كر عليه أو بزوال التغير عنه بنفسه.

(2) بمعنى أن اتصاله بالمادة هو المطهر له و زوال التغير شرط في طهارته فلا يكون زوال التغير مطهرا له.

268

«الثامن عشر»: غيبة المسلم، فإنها مطهرة (1) لبدنه، أو لباسه، أو فرشه، أو ظرفه، أو غير ذلك مما في يده-

مطهرية غيبة المسلم

____________

(1) عد غيبة المسلم من المطهرات لا يخلو عن تسامح ظاهر لأنها طريق يستكشف بها طهارة بدن المسلم و ما يتعلق به لدى الشك لا أنها مطهرة لبدنه و متعلقاته فالأولى ذكرها في عداد ما تثبت به الطهارة كاخبار ذي اليد و خبر الثقة و نحوهما.

و الوجه في الحكم بالطهارة معها استمرار سيرتهم القطعية المتصلة بزمان المعصومين (عليهم السلام) على المعاملة مع المسلمين و ألبستهم و ظروفهم و غيرها مما يتعلق بهم معاملة الأشياء الطاهرة عند الشك في طهارتها، مع العلم العادي بتنجسها في زمان لا محالة و لا سيما في الجلود و اللحوم و السراويل للعلم بتنجسها حين الذبح أو في وقت ما من غير شك و مع هذا كله لا يبنون على نجاستها بالاستصحاب و هذا مما لا شبهة فيه. إنما الكلام في أن الحكم بالطهارة وقتئذ و عدم التمسك باستصحاب الحالة السابقة هل هو من باب تقديم الظاهر على الأصل لظهور حال المسلم في التجنب عن شرب النجس و عن الصلاة في غير الطاهر و عن بيع النجس من غير اعلام بنجاسته و هكذا أو أن الطهارة حكم تعبدي نظير قاعدة الطهارة من غير ملاحظة حال المسلم و ظهوره؟ فعلى الأول يستند عدم جريان الاستصحاب إلى قيام الأمارة على انتقاض الحالة السابقة و خلافها كما أنه على الثاني يستند إلى التخصيص في أدلة اعتبار الاستصحاب.

ذهب شيخنا الأنصاري (قده) إلى الأول لظهور حال المسلم في التنزه عن النجاسات و قد جعله الشارع أمارة على الطهارة- للسيرة و غيرها- كما جعل

269

..........

____________

سوق المسلمين أمارة على الذكاة و عليه لا يمكن الحكم بطهارة بدن المسلم و توابعه إلا مع عدم العلم بعدم مبالاته بالنجاسة إذ لا يستكشف الطهارة بظهور حال المسلم مع القطع بعدم مبالاته على نجاسته كما أنه يشترط في الحكم بالطهارة بناء على أنها من باب تقديم الظاهر على الأصل علم المسلم بنجاسة ما يستعمله لوضوح أنه لا ظهور في التنزه عن النجاسة في استعمالاته مع الجهل بالنجاسة و هذا ينحل إلى أمرين:

«أحدهما»: استعماله الثوب أو غيره فيما يشترط فيه الطهارة.

و «ثانيهما»: العلم بشرطية الطهارة فيما يستعمله لأنه لولاهما لم يكن استعماله الخارجي إخبارا عمليا عن طهارة ما يستعمله فلا يكون له ظهور في الطهارة بوجه نعم العلم بان المستعمل عالم بالاشتراط غير معتبر في استكشاف الطهارة إذ يكفي احتمال كونه عالما به و ذلك لان حال المسلم ظاهر في كونه عارفا بما يشترط في أعماله. و من هنا لم نستبعد في التعليقة كفاية احتمال العلم أيضا هذا كله بناء على إن الحكم بالطهارة- عند الغيبة- من باب تقديم الظاهر على الأصل و حمل فعل المسلم على الصحة.

و لا يبعد أن يقال إن الحكم بالطهارة أمر تعبدي كما هو الحال في قاعدة الطهارة من غير أن يلاحظ حال المسلم و ظهوره، و عليه لا يعتبر في الحكم بالطهارة شيء من الشرائط المتقدمة و يبتني استكشاف أنه من باب التعبد على التأمل في أن السيرة الجارية على الحكم بالطهارة في موارد الغيبة خاصة بموارد وجود الشرائط المتقدمة أو أنها جارية في جميع الموارد حتى في الفاقد لتلك الشروط؟

و الأقرب أنها عامة لجميع موارد الشك في الطهارة و إن لم يكن واجدا للشروط و ذلك لأن التأمل في سيرة الأئمة (عليهم السلام) و تابعيهم في عصرهم و غيره يعطي عدم اختصاصها بمورد دون مورد لأنهم (عليهم السلام) كانوا يساورون أهل الخلاف

270

..........

____________

الموجودين في زمانهم و يدخلون بيوت الفسقة و المرتكبين لأعظم المحرمات مع أن العامة لا يلتزمون بنجاسة جملة من الأمور المعلومة نجاستها عندنا لذهابهم إلى طهارة جلد الميتة بالدباغة (1) و طهارة مخرج البول بالتمسح على الحائط و نحو ذلك (2) و الفسقة كانوا يشربون الخمور و لا يبالون بإصابة البول و غيره من النجاسات و المتنجسات و لم يسمع تجنبهم (عليهم السلام) عن أمثالهم و عدم مساورتهم أو غسلهم لما يشترونه من الفساق أو أهل الخلاف. و كذلك الحال في المسلمين فتراهم يشترون الفرو- مثلا- ممن يغلب في بلاده المخالفون من غير سؤال عن صانعه و أنه من الشيعة أو غيرهم.

و قد نسب إلى الميرزا الشيرازي (قده) أنه كان بانيا في الحكم بالطهارة- عند الغيبة- على مراعاة الشروط المتقدمة إلى أن نزل سامراء و شاهد العامة و أوضاعهم فعدل عن ذلك و بنى على عدم اعتبار تلك الشروط، و من الظاهر أن أهل الخلاف الذين كانوا يتعيشون في عصرهم (عليهم السلام) إما كانوا أسوأ حالا منهم في عصرنا أو أنهم مثلهم و قد عرفت أن من النجاسات القطعية عندنا ما هو محكوم بالطهارة عندهم و كذلك أهل القرى و البوادي لعدم جريان السيرة على التجنب عن مساورتهم و المؤاكلة معهم مع العلم بتنجس ظروفهم أو ألبستهم أو أيديهم في زمان و عدم علمهم بنجاسة جملة من النجاسات و المتنجسات في الشريعة المقدسة.

فالإنصاف أن السيرة غير مختصة بمورد دون مورد إلا أنه مع ذلك لا يمكننا الجزم بعدم الاشتراط لإمكان المناقشة فيما تقدم بأن عدم تجنبهم عن مساورة الأشخاص المتقدم ذكرهم يحتمل أن يكون مبنيا على عدم تنجيس المتنجس شرعا.

____________

(1) تقدم نقله في ج 1 ص 484.

(2) تقدم نقله في ج 1 ص 40- ص 41.

271

بشروط خمسة (1):

«الأول»: أن يكون عالما بملاقاة المذكورات للنجس الفلاني.

«الثاني»: علمه بكون ذلك الشيء نجسا أو متنجسا اجتهادا أو تقليدا.

«الثالث»: استعماله لذلك الشيء فيما يشترط فيه الطهارة، على وجه يكون أمارة نوعية على طهارته، من باب حمل فعل المسلم على الصحة.

____________

و يمكن الجواب عن ذلك بأن الاستدلال بالسيرة لا يتوقف على القول بالسراية في المتنجسات لأنا لو قلنا بالسراية في المتنجس من دون واسطة و أنكرناها في غيره بل لو سلمنا عدم تنجيس المتنجس مطلقا أيضا أمكننا الاستدلال بالسيرة على عدم الاشتراط لعدم اختصاصها على عدم الغسل فيما يصيبه العامة أو الفسقة بأبدانهم أو في ألبستهم و غيرها مما يتعلق بهم حتى يحتمل استنادها إلى إنكار السراية في المتنجسات بل هي جارية على المعاملة مع الأمور المذكورة معاملة الأشياء الطاهرة لأنهم يصلون فيما يشترونه من أمثالهم كالفرو في المثال المتقدم و من الظاهر أنه لو كان محكوما بالنجاسة لم تصح فيه الصلاة قلنا بالسراية في المتنجسات أم لم نقل.

و على الجملة القول بعدم الاشتراط هو الأقرب و السيرة مخصصة للاستصحاب و بها يحكم بالطهارة فيما علمنا بنجاسته سابقا عند احتمال طرو الطهارة عليه إلا أن الاحتياط اللازم يقتضي اعتبار الشرائط المتقدمة في الحكم بالطهارة.

(1) الشروط المذكورة تبتني أكثرها على أن يكون الحكم بالطهارة في موارد الغيبة من باب تقديم الظاهر على الأصل حملا لفعل المسلم على الصحيح و حيث لم يثبت ذلك لما تقدم من أن الحكم بالطهارة في تلك الموارد أمر تعبدي و ليس من باب أمارية حال المسلم و ظهوره فالقول بشرطية الأمور المذكورة يكون مبنيا على الاحتياط كما مر.

272

«الرابع»: علمه باشتراط الطهارة (1) في الاستعمال المفروض.

«الخامس»: أن يكون تطهيره لذلك الشيء محتملا، و الا فمع العلم بعدمه لا وجه للحكم بطهارته (2) بل لو علم من حاله أنه لا يبالي بالنجاسة و أن الطاهر و النجس عنده سواء يشكل الحكم بطهارته، و إن كان تطهيره إياه محتملا. و في اشتراط كونه بالغا، أو يكفي و لو كان صبيا مميزا وجهان (3) و الأحوط ذلك. نعم لو رأينا أن وليه مع علمه بنجاسة بدنه أو ثوبه يجري عليه بعد غيبته آثار الطهارة لا يبعد البناء عليها. و الظاهر إلحاق الظلمة (4) و العمى بالغيبة مع تحقق الشروط المذكورة.

____________

(1) قد عرفت الكلام في ذلك فلا نعيد.

(2) ضرورة أن جريان السيرة مختص بصورة الشك و لا يحتمل أن تكون الغيبة من المطهرات.

(3) أقواهما عدم اشتراط البلوغ لأن المميز إذا كان مستقلا في تصرفاته- كالبالغين- حكم بطهارة بدنه و ما يتعلق به عند احتمال طرو الطهارة عليهما لجريان السيرة على المعاملة معهما معاملة الطهارة. نعم لو كان الطفل غير مميز و لم يكن مستقلا في تصرفاته و لا أنها صدرت تحت رعاية البالغين لم يحكم بطهارة بدنه و ثيابه و غيرهما بعد العلم بنجاستهما في زمان ما بمجرد احتمال تطهيرهما و ذلك لعدم تمكنه من تطهيرهما بنفسه- على الفرض- فاحتمال الطهارة حينئذ إما من جهة احتمال اصابة المطر لهما أو من جهة احتمال تطهير البالغين لبدنه أو ثيابه من باب الصدفة و الاتفاق إلا أن احتمال الصدفة مما لا يعتنى به عند المتشرعة و العقلاء.

نعم الطفل غير المميز إذا كانت أفعاله تحت رعاية البالغين حكم بطهارة بدنه و ألبسته و جميع ما يتعلق به كالبالغين عند احتمال طرو الطهارة عليها لأنه حينئذ من توابع البالغ الذي تصدى لأفعاله و أموره.

(4) لأن الغيبة ليست لها خصوصية في الحكم بالطهارة فإنه يدور مدار

273

ثم لا يخفى أن مطهرية الغيبة إنما هي في الظاهر، و إلا فالواقع على حاله، و كذا المطهر السابق و هو الاستبراء بخلاف سائر الأمور المذكورة فعد الغيبة من المطهرات من باب المسامحة، و إلا ففي الحقيقة من طرق إثبات التطهير.

(مسألة 1) ليس من المطهرات الغسل بالماء بالمضاف (1) و لا مسح النجاسة عن الجسم الصيقل (2) كالشيشة، و لا إزالة الدم بالبصاق (3) و لا غليان الدم (4) في المرق، و لا خبز العجين النجس (5).

____________

قيام السيرة و عدمه و هي كما أنها متحققة في موارد الغيبة كذلك متحققة في غيرها لأنهم إذا رأوا أحدا استنجى خارج الفسطاط و علموا بنجاسة يده عاملوا معها معاملة الطهارة عند احتمال تطهيرها بعد ذلك فلا موضوعية للغيبة و الحكم يشمل موارد الظلمة و العمى و غيرهما.

(1) كما قدمناه في بحث المياه و ضعفنا ما ذهب اليه الشيخ المفيد و السيد «قدهما».

(2) و إن ذهب السيد و المحدث الكاشاني «قدهما» إلى كفاية زوال العين في الأجسام الصيقلية بالمسح أو بغيره إلا أن مقتضى إطلاقات الأمر بالغسل كقوله في موثقة عمار: و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء .. (1) عدم الفرق في وجوبه بين الأجسام الشفافة الصيقلية و غيرها على ما مر عليه الكلام في محله

(3) و إن وردت في رواية غياث (2) إلا أنا أجبنا عنها في البحث عن أحكام المضاف فليراجع.

(4) كما مر في التكلم على نجاسة الدم.

(5) كما أشير إليه في المسألة الرابعة و العشرين من فروع التطهير بالماء.

____________

(1) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(2) المروية في ب 4 من أبواب الماء المضاف و المستعمل من الوسائل.

274

و لا مزج الدهن النجس بالكر الحار (1) و لا دبغ جلد الميتة (2) و إن قال بكل قائل.

(مسألة 2) يجوز استعمال جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه بعد التذكية (3) و لو فيما يشترط فيه الطهارة، و إن لم يدبغ على الأقوى. نعم يستحب أن لا يستعمل مطلقا إلا بعد الدبغ.

____________

(1) كما تقدم في المسألة التاسعة عشرة من فروع التطهير بالماء، و لا مناقضة فيما أفاده في تلك المسألة و في المقام حيث حكم في كليهما بعدم كفاية مزج الدهن النجس بالكر نعم حكى هناك قولا بكفايته و استشكل فيه إلا أنه استثنى صورة واحدة و لم يستبعد الطهارة فيها و هي ما إذا جعل الدهن في كر حار و غلى مقدارا من الزمان حتى وصل إلى جميع الأجزاء الدهنية و قد ذكرنا هناك أن ذلك أمر لا تحقق له خارجا و أن الماء لا يصل إلى جميع الأجزاء الدهنية بالغليان.

(2) نعم ورد في بعض الأخبار ما يدل على طهارة جلد الميتة المدبوغ (1) إلا أنها غير قابلة للاستناد إليها لضعفها و معارضتها مع الأخبار الكثيرة و موافقتها للعامة كما تعرضنا لتفصيله في التكلم على نجاسة الميتة فليراجع.

(3) في هذه المسألة عدة فروع:

«أحدها»: أن الحيوان الذي لا يؤكل لحمه إذا لم تقع عليه التذكية كما إذا مات حتف أنفه أو بسبب آخر غير شرعي فهل يجوز استعمال جلده أو لا يجوز؟

و قد ذكرنا في التكلم على الانتفاع بالميتة أن جواز الانتفاع بها فيما لا يشترط فيه الطهارة مما لا تأمل فيه و إنما استشكلنا في جواز بيعها و عليه لا مانع من استعمال جلد الحيوان في مفروض الكلام و الماتن (قده) لم يصرح بهذا الفرع

____________

(1) كما في رواية الفقه الرضوي ص 41 و خبر الحسين بن زرارة المروية في ب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

275

..........

____________

في كلامه و إنما أشار إليه بقوله: بعد التذكية.

«ثانيها»: أن جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه هل يجوز أن يستعمل بعد التذكية و إن لم يدبغ أو أن استعماله محرم قبل دباغته؟ حكي عن الشيخ في المبسوط و الخلاف و عن السيد المرتضى في مصباحه المنع من استعماله قبل الدبغ و نسبه في الذكرى إلى المشهور و عن كشف اللثام نسبته إلى الأكثر. و ذلك إما لتوقف تذكية الجلد و طهارته على الدبغ أو من جهة حرمة استعماله قبل الدبغ تعبدا و ذهب الآخرون إلى جواز استعماله من غير حاجة إلى الدبغ و هذا هو الصحيح لإطلاق الأخبار الدالة على جواز الانتفاع بجلد الحيوان بعد التذكية:

«منها»: موثقة سماعة قال: سألته عن جلود السباع أ ينتفع بها؟ قال:

إذا رميت و سميت فانتفع بجلده (1).

و «منها»: موثقته الأخرى قال: سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن جلود السباع فقال: اركبوها و لا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه (2) و «منها» غير ذلك من الأخبار، فما حكي عن الشيخ و السيد مما لا وجه له.

و ربما نقل عن الشيخ الاستدلال على ما ذهب إليه بأن الإجماع قام على جواز الانتفاع به بعد دباغته و لم يقم إجماع على جواز قبل الدبغ. و هو استدلال عجيب لبداهة عدم انحصار الدليل بالإجماع و يكفي في الحكم بالجواز إطلاق الروايات كما تقدم. هذا على أن مقتضى أصالة الحل جواز الانتفاع بالجلد قبل دباغته لانه فعل يشك في حرمته و الأصل يقتضي حليته و معه لا يحتاج في الحكم بالجواز إلى دليل فان المتوقف على الدليل إنما هو الحرمة دون الجواز.

____________

(1) المروية في ب 49 من النجاسات و 34 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(2) المروية في ب 5 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

276

(مسألة 3) ما يؤخذ من الجلود من أيدي المسلمين أو من أسواقهم محكوم بالتذكية (1) و إن كانوا ممن يقول بطهارة جلد الميتة بالدبغ.

____________

و «ثالثها»: أن جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه هل يستحب التجنب عن استعماله قبل الدبغ؟ ذهب المحقق في الشرائع و العلامة في محكي القواعد إلى استحبابه و وافقهما الماتن (قده) و عن المعتبر و المختلف كراهة استعماله قبل الدبغ. و لا يمكن المساعدة على شيء من ذلك لعدم دلالة الدليل على كراهة الاستعمال و لا على استحباب التجنب عنه لما حكي في المدارك عن المحقق في المعتبر من أنا إنما قلنا بالكراهة تفصيا عن شبهة الخلاف و معنى ذلك أن القول بالكراهة أو الاستحباب للاحتياط لا لأنه أمر مستحب أو مكروه في نفسه و حيث أن مستند المنع ضعيف فلا موجب للقول بالكراهة أو استحباب التجنب عن استعماله قبل الدبغ.

(1) و كذا اللحوم و الشحوم و ذلك للروايات الكثيرة. (1) الدالة على طهارة اللحم أو الجلد المأخوذين من أسواق المسلمين أو من أيديهم و إن كانوا معتقدين بطهارة جلد الميتة بالدبغ. و في بعضها: و اللّٰه إني لأعترض السوق فاشتري بها اللحم و السمن و الجبن و اللّٰه ما أظن كلهم يسمون هذه البربر و هذه السودان. (2) و قد ورد المنع عن السؤال في بعضها (3) فلا يعتنى معها

____________

(1) راجع ب 50 من أبواب النجاسات و 29 من أبواب الذبائح من الوسائل.

(2) المروية في ب 61 من أبواب الأطعمة المباحة من الوسائل.

(3) إسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن(ع) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه. و المروية في ب 50 من أبواب النجاسات من الوسائل.

277

(مسألة 4) ما عدا الكلب و الخنزير من الحيوانات التي لا يؤكل لحمها قابل للتذكية (1) فجلده و لحمه طاهر بعد التذكية.

(مسألة 5) يستحب غسل الملاقي في جملة من الموارد مع عدم تنجسه كملاقاة البدن أو الثوب لبول الفرس، و البغل و الحمار (2) و ملاقاة الفأرة الحية

____________

باحتمال عدم التذكية أو كون الدباغة مطهرة عنده و هذه المسألة قد تقدمت في البحث عن نجاسة الميتة مفصلا.

و هذا بخلاف اللحوم و الجلود المأخوذة من غير المسلمين و أسواقهم لأنه إذا لم يكن هناك أمارة أخرى على التذكية فمقتضى الاستصحاب عدمها إلا أن هذا الاستصحاب لا يترتب عليه الحكم بنجاسة الجلود و اللحوم و إنما يترتب عليه حرمة أكلها و عدم جواز الصلاة فيها و ذلك لأن النجاسة مترتبة على عنوان الميتة و استصحاب عدم التذكية لا يثبت كونها ميتة و التفصيل موكول إلى محله.

(1) مرت الإشارة إلى ذلك في المسألة الثالثة من مسائل نجاسة البول و الغائط فليراجع.

(2) للأمر بغسلهما من أبوال الدواب الثلاث في جملة من الأخبار (1) المحمولة على الاستحباب جمعا بينها و بين ما دل بصراحته على عدم وجوب الغسل من أبوالها. و يمكن المناقشة في ذلك بأن الأخبار الدالة على نجاسة الأبوال

____________

(1) حسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: سألته عن أبوال الدواب و البغال و الحمير فقال: اغسله، فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله، فان شككت فانضحه و غيرها من الأخبار المروية في ب 9 من أبواب النجاسات من الوسائل.

278

- مع الرطوبة- مع ظهور أثرها (1) و المصافحة مع الناصبي بلا رطوبة (2).

و يستحب النضح- أي الرش بالماء- في موارد، كملاقاة الكلب (3).

____________

المذكورة بالأمر بغسلها محمولة على التقية لذهاب جم غفير من العامة (1) إلى نجاسة البول من الحيوانات المكروهة لحمها و معه لا يبقى أي دليل على الحكم بالاستحباب.

(1) كما ورد في صحيحة علي بن جعفر قال: سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب أ يصلي فيها؟ قال: اغسل ما رأيت من أثرها، و ما لم تره انضحه بالماء (2) و حملت على الاستحباب لجملة من الأخبار المعتبرة الدالة على طهارتها و عدم وجوب الغسل من أثرها.

(2) لخبر خالد القلانسي قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ألقى الذمي فيصافحني قال: امسحها بالتراب و بالحائط قلت فالناصب؟ قال: اغسلها (3) المحمول على الاستحباب لعدم سراية النجس مع الجفاف كما هو مفروض الرواية فإنه لولاه لم يكن وجه لقوله: امسحها بالتراب و بالحائط لتعين الغسل حينئذ و بما أن الرواية ضعيفة بعلي بن معمر فالحكم بالاستحباب يبتني على التسامح في أدلة السنن.

(3) ورد ذلك في صحيحة البقباق قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام)، إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، و إن مسه جافا فاصبب عليه الماء .. (4)

و في حديث الأربعمائة: تنزهوا عن قرب الكلاب فمن أصاب الكلب و هو

____________

(1) قدمنا أقواهم في ذلك في ج 1 ص 414 و 67.

(2) المروية في ب 33 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المروية في ب 14 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(4) المروية في ب 26 من أبواب النجاسات من الوسائل.

279

و الخنزير (1) و الكافر (2) بلا رطوبة، و عرق الجنب من الحلال (3) و ملاقاة ما شك في ملاقاته (4) لبول الفرس و البغل و الحمار،

____________

رطب فليغسله و إن كان جافا فلينضح ثوبه بالماء (1) و نحوها غيرها و حيث أن ملاقاة النجس مع الجفاف غير موجبة للسراية و وجوب الصب أو النضح خلاف المقطوع به حمل الأمر بهما في الأخبار على الاستحباب.

(1) ففي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر و هو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه أثر فيغسله (2) و غير ذلك من الأخبار.

(2) كما ورد في مصححة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي فقال: يرش بالماء (3) المحمولة على الاستحباب إذا لم يعلم ملاقاته الثوب عن رطوبة، و حيث أن المجوسي لا خصوصية له فيتعدى عنه إلى غيره من أصناف الكفار.

(3) لموثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القميص يعرق فيه الرجل و هو جنب حتى يبتل القميص فقال: لا بأس و إن أحب أن يرشه بالماء فليفعل (4).

(4) لقوله (عليه السلام) في حسنة محمد بن مسلم المتقدمة: فإن شككت فانضحه.

____________

(1) المروية في ب 12 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 13 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المروية في ب 73 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(4) المروية في ب 27 من أبواب النجاسات من الوسائل.

280

و ملاقاة الفأرة الحية (1) مع الرطوبة إذا لم يظهر أثرها. و ما شك في ملاقاته للبول (2) أو الدم أو المني (3) و ملاقاة الصفرة الخارجة من دبر صاحب البواسير (4)

____________

(1) لقوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة: و ما لم تره انضحه بالماء.

(2) لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل يبول بالليل فيحسب أن البول أصابه فلا يستيقن فهل يجزيه أن يصب على ذكره إذا بال و لا يتنشف؟ قال: يغسل ما استبان أنه أصابه و ينضح ما يشك فيه من جسده أو ثيابه و يتنشف قبل أن يتوضأ (1).

(3) لحسنة عبد اللّٰه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم قال: إن كان قد علم أنه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلي ثم صلى فيه و لم يغسله فعليه أن يعيد ما صلى، و إن كان لم يعلم به فليس عليه إعادة، و إن كان يرى أنه أصابه شيء فنظر فلم ير شيئا أجزأه أن ينضحه بالماء (2).

(4) لصحيحة البزنطي قال: سأل الرضا (عليه السلام) رجل و أنا حاضر فقال:

إن لي جرحا في مقعدتي فأتوضأ ثم استنجي، ثم أجد بعد ذلك الندى و الصفرة تخرج من المقعدة أ فاعيد الوضوء؟ قال: قد أيقنت؟ قال: نعم، قال: لا

____________

(1) المروية في ب 11 من أحكام الخلوة و 37 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 40 من أبواب النجاسات من الوسائل. ثم إن كلمة دم في الجواب موجودة في التهذيب و الوسائل و غير موجودة في الكافي و الوافي فعلى نسختهما لا بد من حمل الجنابة على المثال ليطابق الجواب مع السؤال.

281

و معبد اليهود و النصارى و المجوس (1) إذا أراد أن يصلي فيه. و يستحب المسح بالتراب أو بالحائط في موارد: كمصافحة الكافر الكتابي (2) بلا رطوبة، و مس الكلب و الخنزير (3) بلا رطوبة، و مس الثعلب و الأرنب.

____________

و لكن رشه بالماء و لا تعد الوضوء (1) و الجرح يعم البواسير و غيرها.

(1) كما في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس، فقال: رش و صل (2) و غيرها من الأخبار (3) و الوارد فيها بيوت المجوس لا معابدهم و من ثمة عبر صاحب الوسائل (قده) بباب جواز الصلاة في بيوت المجوس فليلاحظ. و قد أسلفنا بعض الكلام في هذه المسألة عند التكلم على أحكام النجاسات فليراجع (4)

(2) كما في رواية القلانسي المتقدمة و قد عرفت الحال فيها.

(3) هذا و إن اشتهر في كلام جملة منهم- كما نقله صاحب الحدائق (قده)- إلحاقا لهما بسابقهما ما عن الشيخ في المبسوط استحبابه في كل نجاسة يابسة أصابت البدن، و عن ابن حمزة إيجابه في مس الكلب و الخنزير و أخويهما بل هو ظاهر الطوسي (قده) في نهايته بزيادة الثعلب و الأرنب و الفأرة، و الوزغة و كذا المفيد (قده) بإسقاط الأرنب و الثعلب إلا أنه لم يقم دليل على استحباب ذلك فضلا عن وجوبه فالحكم باستحباب التمسح حينئذ يستند إلى فتوى الأصحاب و لا بأس به بناء على التسامح في أدلة السنن إلا أنه على ذلك لا وجه للاقتصار على ما ذكره الماتن (قده) بل لا بد من إضافة الفأرة و الوزغة بل كل نجاسة

____________

(1) المروية في ب 16 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 13 من أبواب مكان المصلي من الوسائل.

(3) راجع ب 13 و 14 من أبواب مكان المصلي من الوسائل.

(4) ج 2 ص 164.

282

فصل إذا علم نجاسة شيء يحكم ببقائها ما لم يثبت تطهيره، و طريق الثبوت أمور:

«الأول» العلم الوجداني (1) «الثاني» شهادة العدلين (2) بالتطهير أو بسبب الطهارة، و إن لم يكن مطهرا عندهما أو عند أحدهما، كما إذا أخبر بنزول المطر على الماء النجس بمقدار لا يكفي عندهما.

____________

يابسة لوجود الفتوى باستحباب التمسح في مسها.

فصل طريق ثبوت الطهارة

(1) لأنه حجة بذاته و هو أقوى الحجج و الطرق.

(2) لا شبهة في حجية البينة في الشريعة المقدسة على ما بيناه مفصلا في مباحث المياه و عند البحث عما تثبت به النجاسة فليراجع (1) و إنما الكلام في أن البينة إذا قامت على طهارة شيء معلوم النجاسة سابقا هل يترتب أثر عليها أو لا أثر لها؟ الثاني هو الصحيح.

و ذلك لأن الطهارة ليست أمرا قابلا للإحساس بإحدى الحواس. و إنما هي حكم حدسي نظري و لا معنى للشهادة فيه لأنها إنما تعتبر في الأمور المحسوسة فحسب فعلى ذلك ترجع الشهادة بالطهارة إلى الشهادة بالسبب كإصابة المطر أو الاتصال بالكر و غيرهما من الأسباب المحسوسة للطهارة و هذا إنما يفيد فيما إذا كان السبب متحدا عند الشاهد و المشهود عنده كما لو اعتقدا كفاية مجرد الاتصال بالكر في التطهير لأن السبب يثبت بذلك لدى المشهود عنده و لا مناص له من الحكم بالطهارة على طبقه.

____________

(1) راجع ج 1 ص 283 و ج 2 ص 165.

283

في التطهير مع كونه كافيا عنده أو أخبرا بغسل الشيء بما يعتقدان أنه مضاف و هو عالم بأنه ماء مطلق، و هكذا «الثالث» إخبار ذي اليد (1) و إن لم يكن عادلا. «الرابع»: غيبة المسلم (2) على التفصيل الذي سبق. «الخامس»:

إخبار الوكيل في التطهير (3) بطهارته.

____________

و أما إذا اختلف السبب عندهما كما إذا اعتقد الشاهد كفاية الاتصال بالكر في التطهير و بنى المشهود عنده على عدم كفايته فلا أثر للشهادة حينئذ لاحتمال استناد الشاهد في شهادته هذه إلى ما لا أثر له عند من يشهد له و معه لا بد من الرجوع إلى استصحاب نجاسته السابقة. و على الجملة حال الشهادة على المسبب حال الشهادة على السبب و ليس لها أثر زائد عليه.

(1) لقيام السيرة القطعية على المعاملة مع الأشياء المعلومة نجاستها السابقة معاملة الأشياء الطاهرة- لدى الشك- إذا أخبر ذو اليد عن طهارتها.

(2) كما تقدم و عرفت تفصيل الكلام فيه.

(3) للسيرة الجارية على اتباع قول الوكيل فيما وكل فيه كالطهارة فيما وكل لتطهيره. و هذا لا بما أنه إخبار الوكيل. بل بما أنه من مصاديق الكبرى المتقدمة أعني أخبار ذي اليد عما تحت استيلائه لأن المراد به ليس هو المالك للعين فقط و إنما يراد به مطلق من كان المال تحت يده و استيلائه سواء أ كان مالكا لعينه أم لمنفعته أو للانتفاع به أو كان المال وديعة عنده كما في المقام.

نعم قد ادعوا الإجماع في العقود و الإيقاعات على اعتبار إخباره بما أنه وكيل بحيث لو أخبر عن بيعه أو تطليقة أو غيرهما من الأمور الاعتبارية اعتمد على أخباره و ثبت به البيع و الطلاق و هو من فروع القاعدة المتصيدة: من ملك شيئا ملك الإقرار به إلا أن ذلك يختص بالأمور الاعتبارية دون الأمور التكوينية كالغسل و التطهير إذ لم يقم فيها دليل على اعتبار قوله بما أنه وكيل

284

«السادس»: غسل مسلم له بعنوان التطهير (1) و إن لم يعلم أنه غسله على الوجه الشرعي أم لا حملا لفعله على الصحة «السابع» إخبار العدل الواحد عند بعضهم لكنه مشكل (2).

(مسألة 1) إذا تعارض البينتان أو إخبار صاحبي اليد في التطهير و عدمه تساقطا (3) و يحكم ببقاء النجاسة. و إذا تعارض البينة مع أحد الطرق المتقدمة

____________

و إنما يعتبر لانه ذو اليد و تظهر ثمرة ذلك فيما إذا لم يكن المال تحت يد الوكيل لأن إخباره حينئذ عن طهارة ما وكل لتطهيره لم يقم دليل على اعتباره.

(1) كما إذا شاهدنا غسله و ذلك حملا لفعله على الصحة. كما هو الحال في جميع الأفعال القابلة للاتصاف بالصحة مرة و بالفساد اخرى من العبادات و المعاملات.

(2) بل لا إشكال في حجيته لأن السيرة الجارية على اعتباره في الأحكام هي التي تقتضي اعتباره في الموضوعات. و أما ما قد يتوهم من أن رواية مسعدة بن صدقة (1) رادعة عن السيرة في الموضوعات الخارجية فيدفعه أن الرواية غير صالحة للرادعية بوجه لضعفها بحسب الدلالة و السند على ما بيناه في مباحث المياه (2).

(3) لأن أدلة الاعتبار لا تشملهما معا لاستلزامه الجمع بين المتضادين أو المتناقضين و لا لأحدهما دون الآخر لأنه من غير مرجح فأدلة اعتبار الطرق و الأمارات تختص بصورة عدم ابتلائها بالمعارض هذا في البينتين و إخبار صاحبي اليد و كذا الحال في إخبار العدلين أو أحدهما مع غيبة المسلم أو غسله.

____________

(1) المروية في ب 4 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل.

(2) راجع ج 1 ص 284.

285

ما عدا العلم الوجداني تقدم البينة (1).

(مسألة 2) إذا علم بنجاسة شيئين فقامت البينة على تطهير أحدهما غير المعين، أو المعين و اشتبه عنده أو طهر هو أحدهما ثم اشتبه عليه حكم عليهما بالنجاسة عملا بالاستصحاب (2) بل يحكم بنجاسة ملاقي كل منهما.

____________

(1) لأنها أقوى الأمارات و الحجج عدا العلم فيتقدم على غيرها. نعم يتقدم عليها الإقرار على ما يستفاد من الأخبار الواردة في القضاء و لقد أسلفنا جملة من الكلام على ذلك في مباحث المياه فليراجع (1).

(2) لما اخترناه في مباحث الأصول من أن العلم الإجمالي بنفسه غير منجز و لا مانع من جريان الأصول في أطرافه في نفسه و إنما المانع عن ذلك لزوم الترخيص في المخالفة القطعية على تقدير جريانها في أطرافه فمتى لم يلزم من جريانها محذور المخالفة القطعية جرت في أطرافه و الحال في المقام كذلك لأن استصحاب النجاسة في كل من الطرفين لا يستلزم الترخيص في المخالفة العملية إذ المعلوم بالإجمال طهارة أحدهما غير المعين و لا معين للمخالفة العملية في مثلها إذا لا مانع عن جريان الاستصحاب في الطرفين و الحكم بنجاسة ملاقي أي منهما و إن قلنا بعدم النجاسة في ملاقي بعض أطراف الشبهة و ذلك لجريان استصحاب النجاسة في المقام هذا.

و لقد التزم شيخنا الأنصاري (قده) بذلك في مباحث القطع و ذكر أن المخالفة الالتزامية غير مانعة عن جريان الأصول في الأطراف و لكنه (قده) منع عن جريان الاستصحاب فيها في مباحث الاستصحاب و هذا لا لأجل المحذور المتقدم ليختص بما إذا لزم من جريانه الترخيص في المخالفة العملية. بل من جهة لزوم المناقضة بين الصدر و الذيل في قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة «و لا تنقض اليقين أبدا بالشك و إنما تنقضه

____________

(1) ص 293 ج 1.

286

..........

____________

بيقين آخر» (1) حيث منع عن نقض اليقين بالشك في صدره و أمر بنقض اليقين باليقين في ذيله فان الشك في صدره و اليقين في ذيله مطلقان فإطلاق الشك يشمل البدوي و المقرون بالعلم الإجمالي كما أن إطلاق اليقين يشمل اليقين الإجمالي و التفصيلي و هذان الإطلاقان لا يمكن التحفظ عليهما في أطراف العلم الإجمالي لأن مقتضى إطلاق الصدر جريان الاستصحاب في كلا الطرفين و مقتضى إطلاق الذيل عدم جريانه في أحدهما و بهذا تصبح الصحيحة مجملة و على الجملة أن جريان الاستصحاب في أطراف الشبهة و إن كان لا إشكال فيه بحسب الثبوت إلا أنه غير ممكن بحسب الإثبات فالمانع إثباتي و هو لزوم المناقضة بين الصدر و الذيل.

و لقد وافقه شيخنا الأستاذ (قده) على هذا المدعى و إن لم يرتض ببرهانه حيث أجاب عما استدل به (قده) بما ذكره صاحب الكفاية من أن دليل اعتبار الاستصحاب غير منحصر بتلك الصحيحة المشتملة على الذيل فهب أنها مجملة إلا أن الأخبار التي لا تشتمل على هذا الذيل مطلقة و هي شاملة لكل من الشبهات البدوية و المقرونة بالعلم الإجمالي لوضوح أن إجمال أي دليل لا يسري إلى الآخر هذا.

على أن ظاهر اليقين الوارد في ذيل الصحيحة خصوص اليقين التفصيلي و ذلك لأن ظاهر الذيل جواز نقض اليقين الأول باليقين الثاني المتعلق بما تعلق به اليقين الأول لا نقضه بمطلق اليقين و إن كان متعلقا بشيء آخر. و من الضروري أن اليقين في موارد العلم الإجمالي لا يتعلق بما تعلق به اليقين السابق أعني اليقين بنجاسة كلا الإناءين- مثلا- إذ لا يقين بطهارة هذا و ذاك و إنما اليقين تعلق بطهارة أحدهما فمتعلق اليقين الثاني في موارد العلم الإجمالي أمر آخر غير ما تعلق به اليقين السابق عليه و معه لا محذور في استصحاب نجاستهما و المانع

____________

(1) المروية في ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

287

..........

____________

الإثباتي لا تحقق له. و إنما لا نلتزم بجريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي للمانع الثبوتي.

و تقريبه: أن الاستصحاب أصل إحرازي تنزيلي و معنى ذلك أن الشارع في مورد الاستصحاب قد نزل المكلف منزلة العالم تعبدا، و إن كان شاكا وجدانا و من البين أن جعل المكلف عالما بنجاسة كل من الإناءين بالتعبد مع العلم الوجداني بطهارة أحدهما أمر غير معقول، لأنه تعبد على خلاف المعلوم بالوجدان و هذا يختص بالأصل التنزيلي و لا يجري في غيره من الأصول المثبتة للتكليف في أطراف العلم الإجمالي كأصالة الاحتياط عند العلم بجواز النظر إلى إحدى المرأتين لأنه لا مانع من الحكم بعدم جواز النظر إليهما من باب الاحتياط و إن علمنا بجواز النظر إلى إحداهما. و سره أن الشارع لم يفرض المكلف عالما بعدم جواز النظر واقعا هذا كله فيما إذا قامت البينة على طهارة أحد الإناءين أو علمنا بطهارته من غير تعيين.

و أما إذا قامت البينة على طهارة أحدهما المعين أو علمنا بطهارته ثم اشتبه بغيره فقد بنى على عدم جريان الاستصحاب في الطرفين و ذكر في وجهه زائدا على المناقشة المتقدمة وجها آخر و هو أن اليقين بالنجاسة في أحدهما المعين حال قيام البينة على طهارته أو العلم بها قد انقطع و زال و سقط فيه الاستصحاب عن الاعتبار لتبدل اليقين بالنجاسة باليقين بطهارته فإذا اشتبه بالآخر لم يمكن استصحاب النجاسة في شيء منهما و ذلك لاشتباه ما انقطعت فيه الحالة السابقة بغيره فالطرفان كلاهما من الشبهات المصداقية لحرمة نقض اليقين بالشك و لا يمكن التمسك فيها بالعموم أو الإطلاق.

و قد ظهر بما سردناه في المقام أن ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) لو تم فإنما يتم في الأصول الإحرازية التنزيلية و لا يجري في سائر الأصول كأصالة

288

..........

____________

الاحتياط في المثال فما ربما يقال من أنه لو تم لشمل الأصول العملية بأسرها و لا يختص بالاستصحاب مما لا أساس له.

نعم لا تسعنا المساعدة على ما أفاد شيخنا الأستاذ (قده) و ذلك لأنه إنما يتم فيما إذا كان اليقين و الشك في كلا الطرفين موردا لاستصحاب واحد بان شملهما شمولا واحدا فان التعبد بالنجاسة في مجموعهما تعبد على خلاف العلم الوجداني بعدم نجاسة أحدهما فعلى تقدير أن يكون لنجاسة المجموع أثر شرعي كما إذا فرضنا أن لبسهما معا محرم في الصلاة لم يمكن الحكم ببقاء النجاسة في مجموعهما باستصحاب واحد لأنه على خلاف ما علمناه بالوجدان. و أما إذا كان كل واحد من اليقين و الشك في الطرفين موردا للاستصحاب مستقلا فلا وجه لما أفاده و ذلك لأن كل واحد من الطرفين معلوم النجاسة سابقا و مشكوك فيه بالفعل و هو مورد للاستصحاب من دون علم وجداني على خلافه لأن العلم الإجمالي إنما يتعلق بالجامع دون الأطراف فمرتبة الاستصحاب في كل واحد من الطرفين محفوظة فلا مانع من جريانه فيه و لا يضره العلم بمخالفة أحد الاستصحاب للواقع لأن المخالفة الالتزامية غير مانعة عن جريان الأصول في الأطراف كما مر.

و يترتب على ما ذكرناه من جريان الاستصحاب في كلا الطرفين أنه إذا لاقى أحدهما شيئا برطوبة حكم بنجاسته إلا أن الطرفين إذا كانا ثوبا و كرر الصلاة فيهما صحت صلاته و ذلك أما في صورة عدم التمكن من الصلاة في الثوب المعلوم طهارته تفصيلا فواضح. و أما في صورة التمكن منها فلما بيناه غير مرة من أن الامتثال الإجمالي إنما هو في عرض الامتثال التفصيلي لا في طوله و معه لا مانع من تكرار الصلاة في الثوبين مع التمكن من تحصيل العلم بالظاهر منهما هذا كله في صورة العلم الإجمالي بطهارة أحد الطرفين.

و أما إذا علم طهارة أحدهما تفصيلا أو شهدت البينة بطهارته معينا ثم

289

لكن إذا كانا ثوبين و كرر الصلاة فيهما صحت (1).

(مسألة 3) إذا شك بعد التطهير و علمه بالطهارة، في أنه هل أزال العين أم لا؟ أو أنه طهره على الوجه الشرعي أم لا؟ يبني على الطهارة (2) إلا أن يرى فيه عين النجاسة، و لو رأى فيه نجاسة، و شك في أنها هي السابقة أو أخرى

____________

اشتبه بغيره فيتوجه على ما أفاده أن الشبهة المصداقية للاستصحاب أو لسائر الأصول العملية لا مصداق لها بوجه لما ذكرناه في محله من أن اليقين و الشك من الأمور الوجدانية التي لا يتطرق عليها الشك و الترديد إذ لا معنى لتردد الإنسان في أنه متيقن من أمر كذا أو أنه شاك فيه و إنما الشبهة المصداقية تتحقق في الأمور التكوينية و بما أن نجاسة كل واحد من الإناءين كانت متيقنة سابقا و مشكوكة بحسب البقاء فلا مانع من جريان الاستصحاب في كليهما نعم يحتمل في كل منهما أن يكون هو الذي قد علمنا بطهارته و انقطع باليقين بنجاسته إلا أن العلم بالطهارة في أحدهما المعين قبل التردد و الاشتباه غير مانع عن جريان الاستصحاب بعد الاشتباه إذ اليقين على خلاف اليقين السابق انما يمنع عن الاستصحاب ما دام باقيا و أما لو ارتفع و شك المكلف في بقاء المتيقن فاليقين بالطهارة- بوجوده المرتفع بالفعل- لا يكون مانعا عن استصحاب النجاسة.

و نظيره ما إذا علم فسق أحد ثم قطع بعدالته ثم شك في أن قطعه بالعدالة هل كان مطابقا للواقع أم كان جهلا مركبا فإنه يستصحب فسقه لعدم بقاء اليقين بعدالته، و على الجملة اليقين بالطهارة إنما يمنع عن استصحاب النجاسة- على تقدير بقائه- لا فيما إذا انعدم و زال كما يأتي في المسألة الآتية إن شاء اللّٰه.

(1) كما اتضح مما سردناه في التعليقة المتقدمة.

(2) لقاعدة الفراغ المعبر عنها في أمثال المقام بأصالة الصحة الثابتة بالسيرة القطعية لما قدمناه في محله من أن الشك إذا كان في عمل الشاك نفسه و كان مقارنا

290

..........

____________

له اعتنى بشكه و إذا كان بعد العمل لم يعتن به لقوله (عليه السلام) كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1) و غيره. و أما إذا شك في العمل الصادر من الغير فلا يعتني به مطلقا مقارنا كان أم بعده و هذا بعينه قاعدة الفراغ.

ثم إن أصالة الصحة إنما تجري فيما إذا علم تحقق أصل العمل الجامع بين الصحيح و الفاسد و شك في صفته كما إذا شك- بعد علمه بالطهارة- في أنه أورد المتنجس على الماء القليل أو أورد الماء عليه؟ بناء على اعتبار ورود الماء على المتنجس. و أما إذا شك في أصل إتيانه بالعمل و عدمه فهو ليس بمورد لأصالة الصحة و قاعدة الفراغ كما إذا شك في أنه باع أم لم يبع أو أنه صلى على الميت أم قرء الفاتحة عليه حيث لا يمكن الحكم حينئذ بأنه باع أو صلى على الميت بأصالة الصحة.

و هذا بخلاف ما إذا تيقن ببيعه و شك في أنه أوقعه بالعربية أو بغيرها أو علم أصل صلاته و شك في عدد تكبيراتها. فعلى هذا لا مجال في المقام للتشبث بشيء من أصالة الصحة و قاعدتي الفراغ و التجاوز لأنه بعد علمه بالطهارة إذا شك في بقاء العين و إزالتها أو في عصر الثوب و عدمه فهو في الحقيقة شك في أصل الغسل و عدمه لما أسبقناه من أن الغسل متقوم بالعصر و إزالة العين و لا غسل بدونهما فالأظهر في المقام هو الحكم بالنجاسة كما كتبناه في التعليقة لاستصحاب النجاسة المتيقنة سابقا و قد أشرنا أن اليقين بالطهارة قبل الشك إنما يمنع عن استصحاب النجاسة على تقدير البقاء لا في صورة الارتفاع و الزوال فاستصحاب بقاء النجاسة- مع الشك في أصل الغسل- محكم سواء أ كانت العين مانعة عن نفوذ الماء- على تقدير بقائها- أم لم تكن و ليست المسألة من موارد القواعد الثلاث حتى تكون حاكمة على الاستصحاب.

____________

(1) المروية في ب 23 من أبواب الخلل من الوسائل.

291

طارئة بنى على أنها طارئة (1).

(مسألة 4) إذا علم بنجاسة شيء، و شك في أن لها عينا أم لا، له أن يبني على عدم العين (2) فلا يلزم الغسل، بمقدار يعلم بزوال العين على تقدير وجودها، و إن كان أحوط.

____________

(1) بدعوى أن التردد في أنها عين طارئة يساوق التردد في صحة التطهير و فساده لأنه من المحتمل أن تكون هي العين السابقة إلا أن مقتضى قاعدة الفراغ أو أصالة الصحة صحة الغسل و التطهير و بها يتعين أن تكون العين طارئة.

و قد ظهر لك مما ذكرناه في التعليقة المتقدمة أن الشك في التطهير من جهة الشك في بقاء العين و زوالها شك في تحقق الغسل و عدمه و مع الشك في أصل العمل لا مجرى للقواعد الثلاث و يكون المحكم هو استصحاب نجاسة المغسول و عدم طرو المطهر عليه.

(2) إن كان الماتن (قده) قد اعتمد فيما أفاده على استصحاب عدم العين في المتنجس فيدفعه أن استصحاب عدم العين لا يثبت تحقق الغسل بمقدار لا تزول به العين على تقدير وجودها لأنه لازم عقلي لعدم العين في المتنجس إذ الغسل يتقوم بإزالة العين فاستصحاب عدمها لإثبات تحقق الغسل بذلك المقدار من أظهر أنحاء الأصول المثبتة فاللازم حينئذ هو استصحاب بقاء النجاسة مطلقا سواء أ كانت العين على تقدير وجودها حاجبة عن وصول الماء إلى المحل أم لم تكن.

و إن استند إلى السيرة بدعوى جريانها على عدم الاعتناء بالشك في وجود العين النجسة لدى الغسل، كما ادعوا قيامها على ذلك في الشك في الحاجب في موردين: «أحدهما»: الطهارة الحدثية نظرا إلى أنهم يدخلون الحمامات

292

(مسألة 5) الوسواسي يرجع في التطهير إلى المتعارف، و لا يلزم أن يحصل له العلم بزوال النجاسة (1).

____________

و الخرافات و يغتسلون و لا يعتنون باحتمال أن يكون على ظهرهم شيء مانع عن وصول الماء إلى بشرتهم كدم البق و البرغوث و نحوهما. و «ثانيهما»: تطهير مخرج البول حيث لا يعتنون في تطهيره باحتمال أن يكون على المخرج لزوجة مانعة عن وصول الماء إليه ففيه:

أن السيرة غير ثابتة في الموردين فان عدم اعتنائهم باحتمال وجود الحاجب مبني على اطمينانهم بعدمه و بوصول الماء إلى البشرة كما هو الغالب أو أنهم لغفلتهم لا يشكون في وجود المانع أصلا. ثم على تقدير تسليم السيرة في الموردين لا يمكننا تسليمها في الطهارة الخبثية إذ لم نحرز قيامها على عدم اعتنائهم بالشك في وجود عين الدم- مثلا- في يدهم أو لباسهم عند تطهيرهما و عليه يجري استصحاب النجاسة حتى يعلم بارتفاعها بان يصب عليه الماء بمقدار تزول به العين على تقدير وجودها.

(1) الوسواسي قد يشك في تطهير المتنجس على النحو المتعارف العادي كما إذا يبست النجاسة على المحل و صب الماء عليه مرة أو مرتين و شك في وصول الماء إليه و زوال العين عنه فإنه شك عادي قد يعتري على غير الوسواسى أيضا إذ النجاسة بعد يبوستها قد لا تزول بصب الماء عليها مرتين و في هذه الصورة يجري في حقه الاستصحاب و تشمله الأدلة القائمة على اعتباره فلا يجوز له أن ينقض يقينه بالنجاسة بالشك في ارتفاعها.

و قد يشك فيه على نحو غير عادي بحيث لا يشك فيه غيره فيغسل المتنجس مرة ثم يغسله ثانيا و ثالثا و رابعا و هكذا و لا إشكال في عدم جريان الاستصحاب في حقه لأن ما دل على حرمة نقض اليقين بالشك لا يشمل مثله لانصرافه إلى

293

فصل في حكم الأواني (مسألة) لا يجوز استعمال الظروف المعمولة من جلد نجس العين أو الميتة (1) فيما يشترط فيه الطهارة، من الأكل و الشرب و الوضوء و الغسل بل الأحوط (2) عدم استعمالها في غير ما يشترط فيه الطهارة أيضا.

____________

الشك العادي و معه لا بد من أن يرجع في تطهيره إلى العادة المتعارفة بين الناس لأن شكه هذا غير عادي و هو من الشيطان أو أنه جنون كما ورد في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان قال: ذكرت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة و قلت هو رجل عاقل فقال: أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) و أي عقل له و هو يطيع الشيطان فقلت له و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أي شيء هو؟

فإنه يقول لك من عمل الشيطان (1) و قد حكي مد ظله «عن بعض مشايخه» عن بعض المبتلين بالوسواس أنه كان يشك في جواز صلاة الصبح للشك في طلوع الفجر و عدمه و في عين الوقت يشك في طلوع الشمس و قضاء صلاته.

فصل في أحكام الأواني

(1) لأنه بعد الفراغ عن نجاسة الميتة و جلد نجس العين لا إشكال في تنجس ما في تلك الظروف من المأكول و المشروب و لا يسوغ أكل المتنجس أو شربه أو التوضؤ و الاغتسال به.

(2) هذا الاحتياط وجوبي لعدم كونه مسبوقا بالفتوى في المسألة فيناقض ما تقدم منه (قده) في الكلام على نجاسة الميتة من جواز الانتفاع بها فيما لا يشترط فيه الطهارة، و ما أفاده (قده) في تلك المسألة هو الصحيح لأن

____________

(1) المروية في ب 10 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

294

و كذا غير الظروف من جلدهما، بل و كذا سائر الانتفاعات غير الاستعمال (1) فإن الأحوط ترك جميع الانتفاعات منهما و أما ميتة ما لا نفس له كالسمك و نحوه فحرمة استعمال جلده غير معلوم (2) و إن كان أحوط. و كذا لا يجوز استعمال

____________

المنع عن استعمال الميتة و الانتفاع بها و إن ورد في بعض الأخبار (1) إلا أنه معارض بالأخبار المجوزة و معه لا بد من حمل المانعة على التصرفات المتوقفة على الطهارة أو الكراهة. و إن كان ترك الانتفاع بها هو الموافق للاحتياط.

(1) كتطعيمها للحيوانات و جعلها في المصيدة للاصطياد فان ذلك لا يعد استعمالا للميتة أو الجلد.

(2) التفصيل بين الميتة مما لا نفس له و بين ما له نفس سائلة إنما يتم فيما إذا استندنا في المنع عن الانتفاع بالميتة مما له نفس سائلة إلى مثل رواية الوشاء قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت إن أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها قال: هي حرام، قلت فتستصبح بها؟ فقال: أما تعلم أنه يصيب اليد و الثوب و هو حرام (2) و رواية تحف العقول: أو شيء من وجوه النجس فهذا كله حرام و محرم لأن ذلك كله منهي عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام (3) لأنهما كما ترى يختصان بالميتة النجسة و لا تشملان الميتة الطاهرة كميتة ما لا نفس له.

إلا أنا لا نعتمد على شيء منهما لما ذكرناه في محله و إنما نعتمد في المنع عن الانتفاع بالميتة- على تقدير القول به- على صحيحة علي بن أبي مغيرة قال:

____________

(1) راجع ج 1 ص 501.

(2) المروية في ب 32 من أبواب الأطعمة المحرمة و 30 من أبواب الذبائح من الوسائل.

(3) المروية في ب 2 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل.

295

الظروف المغصوبة مطلقا (1) و الوضوء و الغسل منها- مع العلم.

____________

قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الميتة ينتفع بها بشيء؟ قال: لا .. (1) و نحوها من الأخبار و هي مطلقة تشمل الميتات النجسة و الطاهرة. و دعوى انصرافها إلى النجسة، مما لا ينبغي التفوه به فعلى القول بحرمة الانتفاع بالميتة لا وجه للتفصيل بين الميتة النجسة و الطاهرة.

و الذي يهوّن الأمر ما قدمناه في التكلم على أحكام الميتة من جواز الانتفاع بها مطلقا نجسة كانت أم طاهرة لصحيحة البزنطي قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من ألياتها و هي أحياء أ يصلح له أن ينتفع بما قطع؟

قال: نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها (2) و نحوها لأنها صريحة الدلالة على جواز الانتفاع بالميتة النجسة فضلا عن الميتات الطاهرة و معه لا بد من حمل ما دل على المنع عن الانتفاع بالميتة إما على حرمته فيما يشترط فيه الطهارة و إما على الكراهة جمعا بين الأخبار، و على الجملة لا يمكننا التفصيل بين الميتة النجسة و الطاهرة قلنا بحرمة الانتفاع بها أم قلنا بالجواز.

(1) لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه فلا يسوغ التصرف في ماله إلا بطيبة نفسه كما في موثقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث أن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فإنه لا يحل دم امرء مسلم

____________

(1) المروية في ب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة و 61 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 6 من أبواب ما يكتسب به و 30 من أبواب الذبائح من الوسائل.

296

باطل (1) مع الانحصار، بل مطلقا. نعم لو صب الماء منها في ظرف مباح فتوضأ أو اغتسل صح، و إن كان عاصيا من جهة تصرفه في المغصوب.

____________

و لا ماله إلا بطيبة نفس منه (1).

(1) ظاهر لفظة «منها» في كلام الماتن (قده) أن مراده الوضوء أو الغسل منها بالاغتراف لا بالارتماس و الدخول فيها كما في الأواني الكبيرة فإنهما خارجان عن محط بحثه في المقام و لنتعرض لهما بعد بيان حكم التطهر بالاغتراف.

و الكلام في الوضوء و الاغتسال منها بالاغتراف- اى بأخذ الماء منها غرفة فغرفة يقع في موردين: «أحدهما»: ما إذا انحصر الماء بالماء الموجود في الأواني المغصوبة. و «ثانيهما»: ما إذا لم ينحصر، لوجود ماء آخر مباح.

أما المورد الأول فلا اشكال و لا خلاف في أن المكلف يجوز أن يقتصر فيه بالتيمم بدلا عن وضوئه أو غسله لأنه فاقد الماء لما بيناه غير مرة من أن المراد بالفقدان ليس هو الفقدان الحقيقي و إنما المراد به عدم التمكن من استعماله و إن كان موجودا عنده و هذا بقرينة ذكر المرضي- في الآية المباركة- في سياق المسافر و غيره إذ المريض يبعد- عادة- أن يكون فاقدا للماء حقيقة و إن كان المسافر يفتقده كثيرا و لا سيما في القفار و حيث أن المكلف لا يجوز أن يتوضأ من الإناء و لو بإفراغ مائه إلى إناء آخر لأنه تصرف منهي عنه في الشريعة المقدسة و الممنوع شرعا كالممتنع عقلا فهو غير متمكن من استعمال الماء في الوضوء و الغسل و فاقد له و وظيفته التيمم حينئذ. و على الجملة لم يخالف أحد في جواز الاقتصار بالتيمم في مفروض المسألة.

____________

(1) المروية في ب 3 من أبواب مكان المصلي و 1 من أبواب القصاص في النفس من الوسائل.

297

..........

____________

و إنما الكلام فيما إذا أراد التوضؤ و الاغتسال و التصرف في ماء الإناء باستعماله في أحدهما فهل يصحان وضعا بعد ما كانا محرمين تكليفا أو أنهما باطلان؟

قد يقال بصحة الوضوء و الغسل حينئذ نظرا إلى أنهما و إن لم يكونا مأمورا بهما بالفعل لحرمة ما يتوقفان عليه إلا أن الملاك موجود فيهما و هو كاف في الحكم بصحة العمل و في التمكن من قصد التقرب به. و يرد عليه ما قدمناه في بحث الترتب من أن الطريق لاستكشاف الملاك منحصر بالأمر و التكليف و مع ارتفاعهما لعدم التمكن من الامتثال يحتاج دعوى الاستكشاف إلى علم الغيب.

و «دعوى»: أن الأمر بهما ظاهره وجود الملاك «مدفوعة»: بأن سعة المنكشف تتبع سعة الكاشف و هو الأمر و هو إنما يكشف عن الملاك ما دام موجودا و لم يرتفع. و أما بعد ارتفاعه فلا كاشف و لا منكشف. هذا ما قدمناه هناك.

و نزيده في المقام أن المكلف مع العجز عن الماء مأمور بالتيمم كما عرفت و ظاهر الأمر و إطلاقه التعيين، و تعين التيمم حينئذ يدل على عدم الملاك في الوضوء أو الغسل. و هذا هو الذي ذكره شيخنا الأستاذ (قده) و إن قرره بتقريب آخر و حاصله أن الأمر بالوضوء مقيد- في الآية المباركة- بالتمكن من استعمال الماء فإذا ارتفع التمكن ارتفع الأمر و الملاك و بعبارة أخرى أن الآية قسمت المكلفين إلى واجد الماء و فاقده، لأن التفصيل قاطع للشركة و قيد الأمر بالوضوء بالوجدان كما قيد الأمر بالتيمم بالفقدان فإذا انتفى القيد و هو وجدان الماء انتفى المقيد و المشروط و مع ارتفاع الأمر يرتفع الملاك لا محالة هذا على أن مجرد الشك في الملاك يكفينا في الحكم بعدم جواز الاكتفاء بالوضوء لاستلزامه الشك في تحقق الامتثال بإتيان غير المأمور به بدلا عن المأمور به و مع الشك في السقوط لا بد من إتيان التيمم لأنه مقتضى القاعدة تحصيلا للقطع بالفراغ.

و هذه المسألة لا يقاس بما إذا أمر المولى بشيء على تقدير التمكن منه

298

..........

____________

و بشيء آخر على تقدير العجز عنه كما إذا أمر عبده بشراء التفاح- مثلا- إن تمكن و إلا فبشراء شيء آخر أو قال إذا جاءك زيد فقدم له تمرا فان لم تجد فماء باردا و نحو ذلك، من الأمثلة فإن مقتضى الفهم العرفي في أمثال ذلك أن الملاك في شراء التفاح أو تقديم التمر مطلق و لا يرتفع بالعجز عنه.

و الوجه في منع القياس أن إحراز بقاء الملاك في تلك الأمثلة العرفية و عدم ارتفاعه بالعجز عنه إنما هو من جهة العلم الخارجي بالبقاء. و هذا بخلاف الأحكام الشرعية إذ لا علم ببقاء ملاكاتها بعد زوال القيود لاحتمال زوال الملاك في الوضوء بارتفاع التمكن من الماء.

و من الغريب في المقام ما صدر عن بعضهم من دعوى أن الأمر بالوضوء مطلق و لا يشترط فيه الوجدان مستشهدا عليه بالإجماع المحكي على حرمة إراقة الماء بعد الوقت. و الوجه في غرابته أن الأمر بالوضوء لمن لا يتمكن من استعمال الماء تكليف بما لا يطاق فلا مناص من تقييده بالوجدان و من هنا لم يدع أحد الإطلاق في وجوب الوضوء و إن ادعى بعضهم الإطلاق في الملاك إلا أنهما دعويان متغايرتان و الأولى غير ممكنة و الثانية أمر ممكن و إن كانت باطلة.

و الاستشهاد على الدعوى المذكورة بالإجماع على حرمة إراقة الماء بعد الوقت أجنبي عما نحن فيه و ذلك لان الأمر بالوضوء مع التمكن من الماء بعد الوقت فعلي منجز و تعجيز النفس من امتثال الواجب الفعلي كالعصيان محرم حسب ما يقتضيه الفهم العرفي في أمثال المقام لأن السيد إذا أمر عبده بإتيان الماء- مثلا- على تقدير التمكن منه و إتيان شيء آخر على تقدير العجز عنه لم يجز له أن يفوت قدرته على المأمور به بان يعجز نفسه عن إتيان الماء في المثال حتى يدخل بذلك فيمن لا يتمكن من المأمور به و يترتب عليه وجوب الإتيان بالشيء الآخر و أين هذا مما نحن فيه؟! فدعوى الإطلاق في الأمر بالوضوء مما لا يمكن المساعدة

299

..........

____________

عليه. و الاستشهاد في غير محله. هذا كله فيما إذا اشترطنا في القدرة المعتبرة في التكليف القدرة على مجموع الواجب المركب من الابتداء بان يعتبر في مثل وجوب الوضوء أن يكون عند المكلف قبل الشروع في التوضؤ ماء بمقدار يكفي لغسل تمام أعضاء الوضوء و لنعبر عنها بالقدرة الفعلية على المركب.

و أما إذا لم نعتبر ذلك و لم نقل باعتبار القدرة الفعلية على مجموع العمل قبل الشروع فيه و اكتفينا بالقدرة التدريجية في الأمر بالواجب المركب و لو على نحو الشرط المتأخر بأن تكون القدرة على الأجزاء التالية شرطا في وجوب الأجزاء السابقة بحيث لو لم يتمكن من القيام و الركوع و سائر الأجزاء الصلاتية سوى التكبيرة- مثلا- لمرض و نحوه و لكنه علم بطر و التمكن منها شيئا فشيئا بعد ما كبر بحيث لو كبر لتمكن من القراءة و القيام و لو أتى بهما تمكن من غيرهما من أجزاء الصلاة لبرء مرضه أو حل شده لو كان مشدودا- مثلا- وجبت عليه الصلاة قائما.

أو إذا لم يكن له من الماء إلا بمقدار يفي بغسل الوجه فحسب إلا أنه يعلم بنزول المطر و تمكنه من غسل بقية الأعضاء به بعد ما غسل وجهه وجب عليه الوضوء أو إذا كان عنده ثلج يذوب شيئا فشيئا و لا إناء عنده ليجمعه و لا يتمكن من الماء إلا بمقدار غرفة يسعها كفه و هو لا يفي إلا بغسل الوجه فحسب و لا يتمكن من غسل سائر الأعضاء بالفعل إلا أنه يتمكن من غسلها بعد ما غسل وجهه لتمكنه من الغرفة الثانية و الثالثة بعد ذلك على التدريج.

أو أن الماء كان لغيره و لم يأذن له في التصرف الا بمقدار غرفة و لكنه علم أن المالك يبدو له فيرضى بالغرفة الثانية و الثالثة بعد ما غسل وجهه وجب عليه الوضوء في تلك الموارد و لا يسوغ التيمم في حقه لتمكنه من الماء متدرجا و قد بينا كفاية القدرة التدريجية في الأمر بالمركب فلا بأس بالتوضؤ من الأواني المغصوبة لإمكان تصحيحه بالترتب حيث أن المكلف بعد ما ارتكب المحرم و اغترف من الإناء يتمكن من الوضوء بمقدار غسل الوجه فحسب إلا أنه يعلم

300

..........

____________

بطرو التمكن له من غسل بقية أعضائه لعلمه بأنه سيعصي و يغترف ثانيا و ثالثا- و إن لم يتوضأ و لم يغتسل- فعلي ذلك فهو متمكن من الوضوء بالتدريج فلا بد من الحكم بوجوبه إلا أنه بالترتب لترتب الأمر به على عصيانه و مخالفته النهي عن الغصب بالتصرف في الإناء لتوقف قدرته للوضوء على معصيته بحيث إن طالت المعصية طالت القدرة و إن قصرت قصرت فهو و إن كان مأمورا بالتجنب عن التصرف فيه لأنه غصب محرم و يجب عليه التيمم لفقدانه الماء إلا أنه لو عصى النهي وجب الوضوء في حقه لصيرورته واجدا له بالعصيان.

و نظير ذلك ما إذا ابتلى المكلف بالنجاسة في المسجد لأن وجوب الصلاة في حقه مترتب على عصيانه الأمر بالإزالة. بل هو بعينه مما نحن فيه لوجوب الإزالة في جميع الآنات الصلاة فالمكلف غير قادر عليها بوجه إلا أنه بعد الآن الأول من ترك الإزالة يتمكن من تكبيرة الصلاة و هو في هذا الحال و ان لم يتمكن من بقية أجزاء الصلاة- لوجوب الإزالة في حقه- إلا أنه يعلم بتمكنه منها لعلمه بأنه يعصي الأمر بالإزالة في الآن الثاني أيضا فيقدر على الجزء الثاني من الصلاة و في الآن الثالث فيتمكن من الجزء الثالث و هكذا.

و حيث أن الترتب على طبق القاعدة و لا يحتاج في وقوعه الى دليل في كل مورد فلا مناص من الالتزام به في الوضوء أيضا.

و أما ما عن شيخنا الأستاذ (قده) من أن الترتب يتوقف على أن يكون المهم واجدا للملاك مطلقا حتى حال المزاحمة أعني حال وجود الأمر بالأهم و هو إنما يحرز فيما إذا كانت القدرة المأخوذة في المهم عقلية. و أما إذا كانت شرعية بأن أخذت قيدا للمهم في لسان الدليل كما هو الحال في الوضوء فبانتفاء القدرة في ظرف الأمر بالأهم لا يبقى ملاك للأمر بالمهم لارتفاعه بارتفاع قيده و شرطه و معه لا يجري فيه الترتب بوجه على ما أفاده (قده) في التنبيه الذي عقده لذلك

301

..........

____________

في بحث الأصول.

فقد أجبنا عنه في محله بان الترتب لا يتوقف على إحراز الملاك في المهم لأنه مما لا سبيل له سوى الأمر و مع سقوطه لا يبقى طريق لاستكشافه سواء أ كانت القدرة المأخوذة فيه عقلية أم كانت شرعية لأن في كل منهما يحتمل زوال الملاك بالعجز و المتلخص أن في هذه الصورة يمكن أن يصح الغسل و الوضوء بالترتب هذا كله في صورة الانحصار.

و أما المورد الثاني أعني صورة عدم الانحصار فالاغتراف من الأواني المغصوبة و إن كان عصيانا محرما إلا أن الوضوء أو الغسل الواقع بعده صحيح لا محالة و ذلك لبقاء الأمر بالوضوء في حقه إذ المفروض تمكنه من الماء في غير الأواني المغصوبة، و ما يأخذه من الإناء المغصوب أيضا مباح بعد الاغتراف- لأنه ملكه و إن كان في إناء مغصوب- و لا فرق بينه و بين الماء الموجود في غيره بحيث لو توضأ أو أغتسل منه لصح و ان ارتكب أمرا محرما.

نعم لو قلنا إن ما يأخذه من الأواني المغصوبة و إن كان ملكا له إلا أن الوضوء به تصرف في الإناء لأن التصرف في الأواني ليس إلا بأخذ الماء منها و صرفه في الأكل و الشرب و الغصب و الوضوء و غيرها و عليه فالوضوء أو الغسل في أنفسهما معدودان من التصرف في الأواني المغصوبة بمعنى أن الوضوء بالماء المأخوذ من الإناء المغصوب بنفسه مصداق للغصب و التصرف الحرام و كذلك الحال في الاغتسال به فهما باطلان إذ لا معنى للتقرب بما هو مبغوض في نفسه، و لو تمت هذه الدعوى لم يكن فرق بين صورتي الانحصار و عدمه لأن الوضوء في كليهما تصرف حرام و التقرب بالمبغوض أمر لا معنى له فلا مناص من الحكم ببطلانه و لعل الماتن و غيره ممن حكم بالبطلان في كلتا الصورتين قد نظروا إلى ذلك هذا. و لكن دعوى أن التصرفات الواقعة بعد أخذ الماء تصرف في نفس

302

..........

____________

الإناء دون إثباتها خرط القتاد و لا يمكن تتميمها بدليل أن التصرف في الإناء بحسب الفهم العرفي إنما هو الاغتراف و أخذ الماء منه و أما سقيه بعد ذلك للحيوان أو صبه على الأرض أو شربه فكل ذلك تصرفات خارجية إنما تقع في ملكه و هو الماء و لا يقع شيء من ذلك في الإناء فهل يقال إن سقي الحيوان بالماء الموجود في الكف تصرف في الإناء؟! نعم يحرم الأكل في أواني الذهب و الفضة و في الأواني المغصوبة إلا أنها ليست مستندة إلى أن الأكل تصرف في الأواني و انما هي من جهة الدليل الذي دل على حرمة الأكل في الأواني المذكورة فإن الأكل في الإناء بطبعه يقتضي أخذ الطعام أو غيره منه و وضعه في الفم. و لم يرد دليل على حرمة التوضؤ من الأواني المغصوبة حتى نلتزم بحرمة نفس التوضؤ بعد أخذ الماء منها و إنما قلنا بحرمة الوضوء منها من أجل أنه تصرف في مال الغير من غير رضاه و هو يختص بالأخذ و الاغتراف دون التوضؤ أو الاغتسال أو غيرهما من التصرفات هذا كله فيما إذا كان التوضؤ بالاغتراف.

و أما لو أخذ الماء من الإناء المغصوب دفعة واحدة بمقدار يفي بالوضوء كما إذا فرغ ماءه على إناء آخر ثم توضأ أو اغتسل به صح وضوئه أو غسله لأنه ماء مباح و إن ارتكب معصية بأخذ الماء منها، و لا فرق في ذلك بين صورتي الانحصار و عدمه.

و أما لو توضأ منها بالارتماس كما إذا أدخل يده فيها مرة أو مرتين فالظاهر البطلان لأن إدخال اليد في الإناء للوضوء أو لغيره تصرف فيه عرفا بلا فرق في ذلك بين استلزامه تموج الماء على السطح الداخل للإناء كما هو الغالب أو الدائم و بين عدم استلزامه- على فرض غير محقق- و ذلك لصدق التصرف على الارتماس و ان لم يستلزم التموج في الماء. و مع فرض كون الوضوء تصرفا محرما لا يمكن

303

(مسألة 1) أواني المشركين و سائر الكفار محكومة بالطهارة (1) ما لم يعلم ملاقاتهم لها مع الرطوبة المسرية.

____________

التقرب به، و لا يكفي في الامتثال لأن الحرام لا يكون مصداقا للواجب.

«بقي شيء» و لا بأس بالإشارة اليه و هو أن المالك لو اذن له في الإفراغ فحسب فهل يصح التوضؤ منها بالاغتراف أو لا يصح؟ بناء على بطلانه على تقدير عدم الاذن في الإفراغ الظاهر عدم صحة الوضوء و هذا لا لأن وجوب المقدمة مشروط بقصد التوصل بها إلى ذيها حتى يجاب بأن المقدمة- بناء على وجوبها- واجبة في ذاتها و ان لم يقصد بها التوصل إلى ذيها بل من جهة أن الترخص في الإفراغ قد يراد به جواز الإفراغ و لو في بعض الإناء بان يفرغ بعض الماء دون بعض و لا إشكال حينئذ في صحة الوضوء منه بالاغتراف لأنه إفراغ لبعض مائة إلا أن هذه الصورة خارجة عن مورد الكلام. و قد يراد به جعل الإناء خاليا من الماء كما هو معنى الإفراغ و حينئذ لو توضأ منه بالاغتراف بطل وضوءه لأنه إفراغ لبعض مائه لعدم صيرورة الإناء خاليا بذلك عن الماء فالوضوء منه بالاغتراف مما لم يأذن به المالك فيبطل.

و على الجملة مورد الاذن انما هو الإفراغ فيسوغ جعل الإناء خاليا عن الماء دفعة واحدة أو متدرجا بان يفرغ بعض مائه مشروطا بانضمامه الى إفراغ البعض الآخر. و أما الإفراغ لا بشرط أو بشرط لا فهما خارجان عن مورد الاذن و الترخيص و بما أن الاغتراف للوضوء تخلية لبعض الإناء عن الماء بشرط لا فهو خارج عن مورد الإذن المالكي اللهم إلا أن نصححه بالترتب كما تقدم في الصورة السابقة.

(1) و ذلك لأحد أمرين:

«أحدهما»: استصحاب طهارتها فيما لو شككنا في أصل تنجسها مع العلم

304

..........

____________

بطهارتها السابقة لعموم التعليل الوارد في صحيحة ابن سنان قال: سأل أبي أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و أنا حاضر إني أعير الذمي ثوبي و أنا أعلم أنه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده على فاغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه (1) فان قوله: أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه يدل على جريان الاستصحاب في مورد الصحيحة و هو انما يتقوم باليقين السابق و الشك اللاحق و هذا يجري في أواني الكفار أيضا إذ لا خصوصية للثوب و الإعارة جزما و لا سيما في الطهارة التي هي مورد الصحيحة. و حيث أنا ندري بطهارة أوانيهم أولا و لا نشك في تنجسها عندهم فلا بد من البناء على طهارتها بالاستصحاب بل يجري استصحاب الطهارة في كل ما نشك في تنجسه مما عندهم إذ لا خصوصية للأواني في ذلك.

و «ثانيهما»: قاعدة الطهارة فيما لو علمنا بطرو حالتين متضادتين على أواني الكفار كما إذا علمنا بنجاستها في زمان و طهارتها في وقت آخر و شككنا في السبق و اللحوق كما هو الغالب فيها لأنها تتنجس و تطهر هذا. نعم ورد في جملة من الروايات (2) النهي عن الأكل في أواني أهل الكتاب و قد ورد في بعضها الأمر بغسل آنيتهم (3) و هو إرشاد إلى نجاستها.

و من هنا قد يتوهم أن المقام من موارد تقديم الظاهر على الأصل لأن مقتضى الاستصحاب أو قاعدة الطهارة و إن كان طهارة آنيتهم إلا أن الظاهر لما

____________

(1) المروية في ب 74 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) راجع ب 55 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(3) كما في صحيحة زرارة و روايته المرويتين في ب 55 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.