التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج4

- الشيخ علي الغروي المزيد...
552 /
305

..........

____________

اقتضى نجاستها لنجاسة أيديهم و طعامهم قدمه الشارع على مقتضى الأصلين حسب ما دلت عليه الأخبار الواردة في المقام. نعم لا بد من إخراج صورة العلم بطهارتها كما إذا أخذها الكافر من المسلم ثم استردها المسلم من غير فصل إذ لا يمكن الحكم بنجاستها مع العلم ببقائها على طهارتها. و أما صورة الشك في الطهارة فهي باقية تحت المطلقات.

و لكن التوهم غير تام و ذلك لأن في بعض الروايات قيدت الأواني بما شرب فيه الخمر أو ما أكل فيه الميتة أو لحم الخنزير كما في صحيحتي محمد بن مسلم (1) و الثانية منهما أصرح في التقييد لمكان «إذا» الشرطية و بذلك تقيد المطلقات الواردة في المقام و لا يلتزم بالنجاسة إلا فيما يشرب فيه الخمر أو يؤكل فيه شيء من النجاسات. و إذا شككنا في إناء من آنيتهم في أنه مما يؤكل فيه الميتة أو يشرب فيها الخمر- مثلا- فهو شبهة مصداقية لا يمكن التمسك فيها بالمطلقات فلا مناص من الرجوع إلى استصحاب طهارتها أو إلى قاعدة الطهارة.

«تتميم»: لا يخفى أن الأخبار الواردة في أواني أهل الكتاب على طوائف ثلاث:

«منها»: ما دل على المنع من الأكل أو الشرب في آنيتهم من غير تقييدها بشيء (2) و هو في نفسه يكشف عن نجاسة أهل الكتاب بعد العلم بان مجرد تملك الكتابي للإناء لا يقتضي نجاسته و إنما يتنجس الإناء باستعماله.

و «منها»: ما دل على المنع عن الأكل في آنيتهم التي يأكلون فيها الميتة أو يشربون فيها الخمر (3) و هذا يدلنا على أن نجاسة آنية أهل الكتاب عرضية

____________

(1) راجع ب 55 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(2) كما في صحيحة زرارة و صدر صحيحة محمد بن مسلم المرويتين في ب 55 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(3) كما في ذيل صحيحة محمد بن مسلم و صحيحته الأخرى المرويتين في ب 55 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

306

بشرط أن لا تكون من الجلود، و الا فمحكومة بالنجاسة (1) إلا إذا علم تذكية حيوانها، أو علم سبق يد مسلم عليها، و كذا غير الجلود و غير الظروف مما في

____________

ناشئة من ملاقاتها للخمر أو الميتة أو غيرهما من النجاسات كما يدل على طهارة الكتابي بالذات.

و «منها»: طائفة ثالثة دلت على أن النهي عن الأكل في آنيتهم نهي تنزيهي (1) و لو كنا نحن و هذه الروايات لحملنا الأخبار المانعة على التنزه و قلنا بطهارتهم جمعا بين ما دل على نجاسة أهل الكتاب و ما دل على طهارتهم و إنما لا نلتزم بذلك للشهرة العظيمة القائمة على نجاسة أهل الكتاب و ارتكازها في أذهان المسلمين. و كيف كان فالأخبار الواردة في المقام سواء دلت على طهارتهم أم دلت على نجاسة آنيتهم و أنفسهم لا نظر لها إلى بيان الحكم الظاهري و الوظيفة الفعلية حال الشك في طهارتها و نجاستها فإنها لو دلت فإنما تدل على الحكم الواقعي و أنه الطهارة أو النجاسة و عليه فعند الشك في طهارة آنيتهم لا بد من الرجوع إلى استصحاب الطهارة أو قاعدتها لحكومة أدلة الأصول على أدلة الأحكام الواقعية هذا كله فيما بأيديهم غير الجلود و اللحوم و الشحوم.

(1) اللحوم و الجلود و غيرهما مما يحتاج إلى التذكية لا يجوز أكلها و لا الصلاة فيها إذا كانت بأيدي غير المسلمين لاستصحاب عدم التذكية و أما الحكم بنجاستها فقد ذكرنا غير مرة أن النجاسة لم تترتب في أدلتها على عنوان ما لم يذك و انما ترتبت على عنوان الميتة و أصالة عدم التذكية لا تثبت كونها ميتة بوجه و إن حرم أكلها و لم تصح فيها الصلاة اللهم إلا أن تكون هناك أمارة على

____________

(1) كما في صحيحة إسماعيل بن جابر المروية في ب 55 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

307

أيديهم، مما يحتاج إلى التذكية كاللحم و الشحم و الألية، فإنها محكومة بالنجاسة (1) إلا مع العلم بالتذكية، أو سبق يد المسلم عليه، و أما ما لا يحتاج إلى التذكية فمحكوم بالطهارة، إلا مع العلم بالنجاسة، و لا يكفي الظن (2) بملاقاتهم لها مع الرطوبة، و المشكوك في كونه من جلد الحيوان أو من شحمه أو أليته (3) محكوم بعدم كونه منه، فيحكم عليه بالطهارة، و إن أخذ من الكافر.

(مسألة 2) يجوز استعمال أواني الخمر بعد غسلها (4) و إن كانت من الخشب أو القرع أو الخزف غير المطلي بالقير أو نحوه (5) و لا يضر نجاسة باطنها

____________

التذكية من يد المسلم أو غيرها.

(1) قد عرفت الكلام في نجاستها.

(2) لعدم حجية الظن شرعا.

(3) كما إذا شككنا في شيء أنه من ال«لاستيك» المتداول في عصرنا أو من الجلود و قد فرع الماتن الحكم بطهارته على الحكم بعدم كون المشكوك فيه من الحيوان و يظهر من تفريعه هذا أنه (قده) يرى جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية كما اخترناه و تقريب ذلك أن اضافة الجلد أو اللحم أو غيرهما إلى الحيوان أمر حادث مسبوق بالعدم و لا ندري تحققها حال حدوثهما و الأصل عدم تحقق إضافتها إلى الحيوان حينئذ و هذا بناء على جريان الأصل في الأعدام الأزلية مما لا غبار عليه. و أما إذا منعنا عن ذلك فلا مناص من الحكم على المشكوك فيه أيضا بالطهارة و الحلية لقاعدة الطهارة و أصالة الحل.

(4) لأنها كسائر الأواني المتنجسة قابلة للطهارة بالغسل لإطلاق ما دل على غسل الإناء ثلاث مرات أو أكثر (1).

(5) قد يقال بالمنع من استعمال ما ينفذ فيه الخمر غسل أو لم يغسل و يستدل

____________

(1) راجع ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

308

بعد تطهير ظاهرها داخلا و خارجا، بل داخلا فقط. نعم يكره استعمال ما نفذ الخمر إلى باطنه إلا إذا غسل على وجه يطهر باطنه أيضا.

____________

على ذلك بان للخمر حدة و نفوذا فإذا لم تكن الآنية صلبة نفذت في أعماقها من غير أن يصل إليها الماء حال تطهيرها و بذلك تبقى على نجاستها. و يرد على ذلك:

«أولا»: أن هذا لا اختصاص له بأواني الخمر بوجه لأنه لو تم لعم الأواني الملاقية للبول و الماء المتنجس و غيرهما من المائعات النجسة أو المتنجسة لأنها أيضا تنفذ في أعماقها و لا يصلها الماء حال تطهيرها.

و «ثانيا»: قدمنا في البحث عن المطهرات [1] أن أواني الخمر قابلة للطهارة حتى أعماقها بجعلها في الكر أو الجاري إلى أن ينفذ الماء في جوفها.

و «ثالثا»: أن نجاسة باطنها و عدم قبوله التطهير- لو سلم لا يمنعان عن الحكم بطهارة ظاهرها بغسله فلو غسلنا ظاهرها من الداخل حكم بطهارته و إن كان باطنها نجسا هذا و لكن المعروف بينهم كراهة استعمال ما نفذ فيه الخمر كما أشار إليه الماتن بقوله: نعم يكره ..

و بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهم السلام) قال: سألته عن نبيذ قد سكن غليانه .. الى أن قال: و سألته عن الظروف فقال: نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) عن الدباء و المزفت و زدتم أنتم الحنتم يعني الغضار، و المزفت يعنى الزفت الذي يكون في الزق و يصب في الخوابي ليكون أجود للخمر، قال: و سألته عن الجرار الخضر و الرصاص، فقال: لا بأس بها (2) و الدباء هو الظروف المصطنعة من القرع و المزفت من الأوعية هو الإناء الذي طلي بالزفت و هو القير و الحنتم هي

____________

[1] في التكلم على التطهير بالماء.

____________

(2) المروية في ب 52 من أبواب النجاسات من الوسائل.

309

..........

____________

الجرار الصلبة المصنوعة من الخزف و قد يعبر عنها بالجرار الخضر [1] و في بعض العبائر «الحتم» و هو غلط و الوجه في نفيه (عليه السلام) البأس عن الجرار الخضر و الرصاص أعني الحنتم هو عدم كونه منهيا عنه في كلام النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و انما زيد من قبلهم لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): و زدتم أنتم الحنتم و هذه الرواية و إن كانت صحيحة سندا إلا أنها غير تامة الدلالة على المراد و ذلك لأن المزفت بل الدباء مما لا يصل الماء إلى جوفه فأين هذا من الأواني التي تنفذ الخمر في باطنها؟! و لعل النهي عن استعمال تلك الظروف مستند إلى ملاك آخر غير كونها ظروف خمر ككونها موجبة لبعض الأمراض أو غير ذلك من الملاكات. على أنها معارضة بما دل على طهارة ظروف الخمر بالغسل كما قدمناه في محله (2).

و رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) عن كل مسكر فكل مسكر حرام قلت: فالظروف التي يصنع فيها منه؟ قال:

نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) عن البداء و المزفت و الحنتم و النقير، قلت: و ما ذلك؟

قال: الدباء، القرع، و المزفت: الدنان، و الحنتم: حرار خضر، و النقير:

خشب كان أهل الجاهلية ينقرونها حتى يصير لها أجواف ينبذون فيها (3) و هذه الرواية مضافا إلى قصورها سندا لعدم توثيق أبي الربيع و ان لم يبعد تشيعه.

لا دلالة لها على المدعى لأن الأواني المذكورة فيها ليست مما تنفذ الخمر في أعماقه لصلابتها على أنها تنافي الصحيحة المتقدمة لأنها نفت البأس عن الحنتم

____________

[1] و اما الرصاص فلم نعثر على تفسيره فيما يحضرنا بالفعل من كتب الحديث و اللغة، و لعل المراد به هو الحنتم و انما أطلق عليه لاستحكامه و تداخل اجزائه و منه قوله: عز من قائل كَأَنَّهُمْ بُنْيٰانٌ مَرْصُوصٌ: الصف 61: 4.

____________

(2) تقدم في الفرع 7 من فروع مطهرية الماء.

(3) المروية في ب 52 من أبواب النجاسات من الوسائل.

310

(مسألة 3) يحرم استعمال أواني الذهب و الفضة في الأكل و الشرب (1)

____________

كما عرفت كما أنها تعارض الأخبار الدالة على طهارة ظروف الخمر- كغيرها- بالغسل فالمتحصل أن الروايتين لا دلالة لهما على المنع عن استعمال أواني الخمر غير الصلبة تحريما و لا كراهة و على تقدير التنازل نلتزم بالكراهة في مورد الروايتين و لا يمكننا التعدي عنه إلى بقية الظروف أو نلتزم باستحباب الترك في مورد الرواية- بناء على القول بالتسامح في أدلة السنن. نعم لا مانع من الاحتياط بالترك في أواني الخمر مطلقا خروجا عن شبهة الخلاف.

(1) المعروف بل المتسالم عليه بين الأصحاب حرمة استعمال أواني الذهب و الفضة في الأكل و الشرب و حكي عن الشيخ في الخلاف القول بكراهته و قد حملوا الكراهة في كلامه على الحرمة بقرينة دعواهم الإجماع على حرمته و تصريحه بالتحريم في محكي زكاة الخلاف و لعله إنما عبر بالكراهة تبعا لبعض النصوص. و قد وردت حرمته في رواياتنا و روايات المخالفين ففي الحدائق أن الجمهور رووا عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أنه قال: لا تشربوا في آنية الذهب و الفضة و لا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا و لكم في الآخرة. و عن علي (عليه السلام): الذي يشرب في آنية الذهب و الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. و في تعليقته أن الرواية الأخيرة أعني الرواية عن علي (عليه السلام) لم توجد في طرقهم.

و أما الأخبار الواردة من طرقنا في الأواني و الآلات المتخذة من الذهب و الفضة فهي من الكثرة بمكان و قد جمعها صاحب الحدائق (قده) و نقلها في الوسائل في أبواب مختلفة و هي في الأواني على طوائف ثلاث.

«الأولى»: ما اشتملت على النهي عن استعمالها في الأكل و الشرب كمصححة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا تأكل في آنية ذهب و لا فضة (1)

____________

(1) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل.

311

..........

____________

و صحيحته المروية في المحاسن عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه نهي عن آنية الذهب و الفضة (1) و حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا تأكل في آنية من فضة و لا في آنية مفضضة (2) و غير ذلك من الأخبار.

«الثانية»: الأخبار المشتملة على الكراهة كصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن آنية الذهب و الفضة فكرههما .. (3)

و موثقة بريد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه كره الشرب في الفضة و في القدح المفضض (4) و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه كره آنية الذهب و الفضة و الآنية المفضضة (5) و قد ذكروا أن الكراهة في تلك الطائفة بمعنى المرجوحية المطلقة لا المعنى المصطلح عليه فلا تنافي الطائفة الدالة على حرمة استعمالهما في الأكل أو الشرب لأن الحرمة تجتمع مع المرجوحية المطلقة هذا و لكن الصحيح أن تلك الطائفة أيضا تدل على الحرمة مع قطع النظر عن الطائفة المتقدمة.

و ذلك لأن الكراهة التي هي في قبال الأحكام الأربعة اصطلاح مستحدث. و أما بحسب اللغة فهي بمعنى المبغوضية لأن معنى كرهه: ضد أحبه اي أبغضه و على ذلك فالكراهة تدل على الحرمة ما دام لم تقم قرينة على خلافها إذ الدليل قد يدل على الحرمة نفسها و قد يدل على الحرمة بالدلالة على منشئها الذي هو البغض هذا و قد استعملت الكراهة بمعنى الحرمة في بعض

____________

(1) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 66 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(4) المروية في ب 66 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(5) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل.

312

..........

____________

الأخبار أيضا فليراجع (1) و يؤيد ما ذكرناه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن المرآة هل يصلح إمساكها إذا كان لها حلقة فضة؟

قال: نعم، إنما يكره استعمال ما يشرب به .. (2) إذ الكراهة في قوله (عليه السلام) انما يكره. بمعنى الحرمة و ذلك لأن معنى تلك الجملة حسب ما تقتضيه الفهم العرفي أنه لا يصلح استعمال أواني الفضة لأن مقابل يصلح هو لا يصلح فكأنه (عليه السلام) قال:

لا بأس بالتصرف في المرآة التي فيها حلقة من فضة و إنما المحرم ما إذا كانت الآنية فضة هذا على أن الكراهة في الإناء لو كانت بمعنى الكراهة المصطلح عليها كما في المشطة و المدهن و نحوهما لم يتم الحصر في قوله: إنما يكره. لثبوت الكراهة في غير الآنية أيضا و عليه فالصحيحة تدلنا على أن المراد بالكراهة المنحصرة في الإناء هو الحرمة.

و «الطائفة الثالثة»: ما اشتمل على كلمة «لا ينبغي» كموثقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا ينبغي الشرب في آنية الذهب و الفضة (3) قالوا إن لفظة لا ينبغي غير مستعملة في الأمور المحرمة على ما هو الشائع المتعارف من استعمالاتها و إنما يستعمل في الأمور غير المناسبة فهي على هذا تئول إلى الكراهة

____________

(1) كما في رواية سيف التمار قال: قلت لأبي بصير: أحب ان تسأل أبا عبد اللّٰه(ع) عن رجل استبدل قوصرتين فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها تمر مشقق قال: فسأله أبو بصير عن ذلك فقال(ع) هذا مكروه، فقال أبو بصير: و لم يكره؟ فقال: ان علي بن أبي طالب(ع) كان يكره ان يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر لأن تمر المدينة أدونهما و لم يكن علي(ع) يكره الحلال. المروية في ب 15 من أبواب الربا من الوسائل.

(2) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل.

313

..........

____________

بل ربما تؤخذ هذه الموثقة قرينة على التصرف في الأخبار الناهية المتقدمة و حملها على الكراهة- لو لا الإجماع- و لا يمكن المساعدة على شيء من ذلك لان «الانبغاء» في اللغة بمعنى التيسر و التسهل فمعنى لا ينبغي الشرب: انه لا يتيسر و لا يتسهل و لا يمكن للمكلفين و حيث أن الأكل و الشرب من أواني الذهب و الفضة أمر ميسور لهم فلا يكاد يحتمل أن يراد منها في الرواية معناها الحقيقي الخارجي فلا مناص من أن يراد بها في المقام عدم كون الأكل و الشرب منهما ميسرا لهم في حكم الشارع و هذا لا يتحقق إلا في المحرمات.

و يؤيد ذلك أن كلمة «لا ينبغي» قد استعملت في غير موضع من الكتاب العزيز بمعناها اللغوي كما في قوله عز من قائل قٰالُوا سُبْحٰانَكَ مٰا كٰانَ يَنْبَغِي لَنٰا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيٰاءَ (1) و قوله لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهٰا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ (2) و قوله قٰالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لٰا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي (3) و غير ذلك من الآيات لأنها إنما استعملت فيها بمعنى ما لا يتيسر لا بمعنى ما يكره و ما لا يليق فهي على ذلك قد استعملت في الموثقة بمعنى الحرمة كما قد استعملت بهذا المعنى في قوله (عليه السلام) فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا (4) أي لا يتيسر لك نقض اليقين بالشك لا أنه لا يناسبك و لا يليق لك.

نعم يمكن أن يقال إنها و إن كانت بمعنى الحرمة- لغة- إلا أنها ظاهرة

____________

(1) الفرقان: 35: 18.

(2) يس: 36: 40.

(3) ص: 38: 35.

(4) كما في صحيحة زرارة المروية في ب 41 و 44 من أبواب النجاسات من الوسائل.

314

..........

____________

في عصرنا في المعنى المصطلح عليه أعني الكراهة و الأمر غير المناسب و بما أن تاريخ النقل إلى المعنى المصطلح عليه غير معين و لا ندري أنه كان متقدما على عصر الصدور أم كان متأخرا عنه فلا محالة تكون مجملة و المتخلص أن الرواية إما ظاهرة في الحرمة أو أنها مجملة و على كلا التقديرين لا مجال لدعوى كونها قرينة على التصرف في الأخبار الناهية المتقدمة و حملها على الكراهة هذا و الذي يسهل الخطب أن المسألة متسالم عليها بين الأصحاب و لا خلاف في حرمة الأكل و الشرب في أواني النقدين:

«بقيت شبهة» و هي أن مقتضى الأخبار المتقدمة حرمة الأكل في أواني الذهب و الفضة و حرمة الشرب في آنية الفضة و أما الشرب من آنية الذهب فلم يصرح بحرمته في الأخبار المتقدمة حتى بناء على أن «كره» بمعنى أبغض نعم ورد ذلك في الطائفة الثالثة إلا أنكم ناقشتم في دلالتها بإمكان دعوى إجمالها فما ادعيتم من أن الطائفة الأولى و الثاني تدلان على حرمة الأكل و الشرب من أواني الذهب مما لا دليل عليه.

و الجواب عنها مضافا إلى أن المسألة متسالم عليها بينهم أن قوله (عليه السلام) نهي عن آنية الذهب و الفضة و قوله: عن آنية الذهب و الفضة فكرههما- أي أبغضهما و غيرهما من الأخبار المتقدمة في الطائفتين مطلق فكما أنها تشمل استعمال الأواني المذكورة أكلا كذلك تشمل استعمالها بحسب الشرب لأن الإناء هو ما يستعمل في الأكل و الشرب فصح أن الطائفتين تدلان على حرمة الأكل و الشرب في الأواني المذكورة، و يؤيدها جملة من الروايات الناهية عن الشرب في آنية الذهب و الفضة (1) إلا أن أسنادها غير نقية عن المناقشة و من ثمة جعلناها مؤيدة

____________

(1) كحديث المناهي و رواية مسعدة المرويتين في ب 65 من أبواب النجاسات عن الوسائل.

315

و الوضوء و الغسل و تطهير النجاسات و غيرها من سائر الاستعمالات (1) حتى وضعها على الرفوف للتزيين، بل يحرم تزيين المساجد و المشاهد المشرفة بها، بل يحرم اقتناؤها من غير استعمال.

____________

للمدعى هذا كله في حرمة الأكل و الشرب من الآنيتين و قد تلخص أن مقتضى الأخبار المتقدمة حرمة الأكل و الشرب من أواني الذهب و الفضة و إن لم يصدق عليهما استعمال الإناء نظرا إلى أن استعماله إنما هو بتناول الطعام أو الشراب منه و أما أكله أو شربه بعد ذلك فهما أمران آخران و غير معدودين من استعمال الإناء و كيف كان فهما محرمان صدق عليهما الاستعمال أم لم يصدق.

(1) المعروف بين الأصحاب «قدهم» تعميم الحكم بالحرمة بالنسبة إلى سائر الاستعمالات من الوضوء و الغسل و تطهير النجاسات و غيرها مما يعد استعمالا للآنية. بل عن بعضهم دعوى الإجماع في المسألة و هو إن تم فلا كلام و أما لو ناقشنا في ذلك إما لأن الإجماع محتمل المدرك و إما لعدم ثبوته في نفسه و لو لا اقتصار بعضهم على خصوص الأكل و الشرب و عدم تعرضه لغيرهما فلا يمكن المساعدة على ما التزموه بوجه لضعف مستنده حيث استدلوا على ذلك.

تارة برواية موسى بن بكر عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: آنية الذهب و الفضة متاع الذين لا يوقنون (1) فان المتاع بمعنى ما ينتفع به و منه متاع البيت فالرواية تدل على ان الانتفاع بانيتهما حرام لأنهما مما ينتفع به غير الموقنين و بذلك يحرم استعمالاتهما مطلقا حيث أن استعمال الشيء انتفاع به. و يدفعه: أن المتاع و إن كان بمعنى ما ينتفع به إلا أن الانتفاع في كل متاع بحسبه فان الانتفاع بالفرش الذي من أمتعة البيت بفرشه و في اللباس بلبسه و هكذا و من الظاهر أن الانتفاع بآنيتهما إنما يكون بالأكل و الشرب فيهما لأن الإناء إنما يعد

____________

(1) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل.

316

..........

____________

لذلك و هما الغاية المطلوبة منه فمعنى الرواية أن الانتفاع بهما، كما ينتفع به غير الموقنين محرم و قد مر أن الانتفاع بالإناء إنما هو باستعماله في خصوص الأكل و الشرب فلا تشمل بقية الانتفاعات هذا على أن الرواية- على طريق الكليني ضعيفة بسهل بن زياد و موسى بن بكر و على رواية البرقي بخصوص الأخير فليراجع و معه لا دليل على حرمة استعمالاتهما عدي الأكل و الشرب و إن كانت الشهرة على خلاف ذلك.

و اخرى بصحيحتي محمد بن مسلم المتقدمة نهي عن آنية الذهب و الفضة (1) و محمد بن إسماعيل بن بزيع سألت الرضا (عليه السلام) عن آنية الذهب و الفضة فكرههما (2) و نحوهما من المطلقات نظرا إلى أن النهي و الكراهة لا معنى لتعلقهما بالذوات أما في النهي فهو ظاهر و أما في الكراهة فلان الكراهة التكوينية و إن أمكن أن تتعلق بالذوات بان يكون الشيء مبغوضا بذاته كما أنه قد يكون محبوبا كذلك إلا أن الكراهة التشريعية كالنهي لا معنى لتعلقها بالذوات و الكراهة في الصحيحة لا يحتمل حملها على الكراهة التكوينية لأن ظاهر الرواية أنها صدرت من الامام (عليه السلام) بما أنه مبين للأحكام و لا ظهور لها في أنه (عليه السلام) بصدد إظهار الكراهة لشخصية في الإناء و معه لا بد من تقدير شيء من الافعال في الصحيحتين ليكون هو المتعلق للنهي و الكراهة و حيث أن المقدر غير معين بوجه فلا مناص من تقدير مطلق الاستعمالات.

و يرد على هذا الاستدلال أن النهي و الكراهة و إن لم يمكن أن يتعلقا بالذوات إلا أن القدر متعين و هو في كل مورد بحسبه لان المناسب في مثل النهي عن الأمهات هو النكاح لأنه الأثر الظاهر في النساء و في النهي عما لا فلس له من الأسماك أو الميتة أو الدم هو الأكل و حيث أن الأثر الظاهر من الإناء هو

____________

(1) المتقدمة في ص 305 و 311.

(2) المتقدمة في ص 305 و 311.

317

..........

____________

الأكل و الشرب منه لانه لم يعد إلا لهما لا لغيرهما من الاستعمالات فناسب أن يكون المقدر في الصحيحتين هو الأكل أو الشرب فحسب هذا.

و توضيح الكلام في المقام أن هناك وجوها أو احتمالات:

«الأول»: ما قدمناه آنفا من أن المقدر هو الأكل و الشرب فحسب لأن النهي عن كل شيء إنما هو بحسب الأثر المرغوب منه و قد تقدم أن الأثر المرغوب منه في الآنية هو الأكل و الشرب منها و على ذلك تتحد الصحيحتان مع الأخبار الناهية عن الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة و لا يبقى دليل على المنع عن سائر استعمالاتهما.

«الثاني»: أن المقدر مطلق الاستعمال الأعم من الأكل و الشرب و يقع الكلام على هذا التقدير في أن المحرم هو نفس تلك الاستعمالات أو أنه أعم منها و من الأفعال المترتبة عليها؟ و على القول بحرمة الاستعمال نفسه- دون الفعل المترتب عليه كما هو الصحيح- لا بأس بالتوضؤ من أواني الذهب و الفضة لأن المحرم على ذلك هو استعمالهما أعني تناول الماء منهما فحسب. و أما صرفه بعد ذلك في شيء من الغسل أو الوضوء أو الصب أو غيرها فلا يعد استعمالا للآنية بل هو فعل آخر لم يقم على حرمته دليل و إنما التزمنا بحرمة الأكل و الشرب منهما- بعد تناول الطعام أو الشرب منهما- لقيام الدليل عليها لا لأنهما استعمال للإناء هذا إذا كان عنده ماء آخر يتمكن من الوضوء أو كان متمكنا من إفراغ الآنيتين في ظرف آخر.

و اما إذا انحصر الماء بما في الآنيتين فصحة الوضوء و الغسل منهما تبتني على القول بالترتب كما قدمناه في التوضؤ من الآنية المغصوبة فإن حال الآنيتين حال الأواني المغصوبة من تلك الجهة. و قد تقدم الكلام فيها مفصلا. و على الجملة لا دليل على حرمة التوضؤ و غيره من الأفعال المترتبة على استعمالهما- بناء على هذا الاحتمال- كما لا دليل على حرمة وضعها على الرفوف للتزيين لعدم صدق

318

..........

____________

الاستعمال عليه فان استعمال أي شيء إنما هو عبارة عن اعماله في جهة من الجهات المرغوبة منها و مجرد التزيين بهما ليس من الجهات المرغوبة من الآنيتين حتى لو سئل عمن وضعهما على الرف انك هل استعملتهما؟ لأجاب بقوله: لا بل وضعتها على الرف- مثلا- للتزيين.

«الثالث»: أن المقدر هو الانتفاع كما هو المناسب لقوله (عليه السلام) في رواية موسى بن بكر «آنية الذهب و الفضة متاع الذين لا يوقنون» لما عرفت من أن المتاع بمعنى ما ينتفع به و عليه فالمحرم هو الانتفاع منهما مطلقا سواء أ كان ذلك باستعمالهما أم بغيره كالتزيين لوضوح أنه انتفاع بهما كالانتفاع بالتزيين بغيرهما من النقوش الموجودة على البيوت و الأبواب و إن لم يعد استعمالا لهما أو للنقوش و إلى هذا ذهب صاحب الجواهر (قده) إلا أنه على ذلك لا دليل على حرمة اقتنائهما و ادخارهما لعدم كونه انتفاعا بهما بوجه كما إذا ادخرهما بداعي بيعهما عند ما دعت الحاجة إليه.

«الرابع»: أن المقدر مطلق الفعل المتعلق بهما سواء عد استعمالا لهما أم لم يعد و سواء كان انتفاعا بهما أم لم يكن و ذلك كالاقتناء لأن حفظهما عن الضياع أيضا فعل متعلق بهما فيحرم. هذه هي الوجوه المحتملة في المقام.

و قد عرفت أن أظهرها أولها لما تقدم من أن مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي أن يكون المقدر في كل مورد ما يناسب ذلك المورد فيقدر النكاح في تحريم الأمهات و الأكل في تحريم الدم و الميتة و ما لا فلس له من الأسماك و اللبس في تحريم لباس الذهب و الحرير دون فرشهما- مثلا- و بما إن المناسب للآنية- كما يأتي في معنى الإناء هو الأكل و الشرب فليكن المقدر في النهي عن آنية الذهب و الفضة خصوص الأكل و الشرب منهما دون سائر الاستعمالات هذا و مع التنازل عن ذلك فالظاهر هو الاحتمال الثاني و مع الإغماض عنه فالاحتمال الثالث. و أما الاحتمال الرابع

319

و يحرم بيعها و شراؤها (1)

____________

فهو مما لا يمكن تتميمه بدليل و لعله لأجل الترتب في الاحتمالات المذكورة ترقى الماتن شيئا فشيئا فأولا حكم بحرمة الأكل و الشرب منهما ثم عطف عليها سائر الاستعمالات ثم عممها إلى مثل الوضع على الرفوف ثم ترقى إلى حرمة اقتنائها.

(1) ذكرنا في البحث عن المكاسب المحرمة أن مالية الأموال بالمواد لا بالصور الشخصية و الصفات فالمال إنما يبذل بإزاء موادها فحسب و لا يقع شيء من الثمن بإزاء الصور الشخصية بالاستقلال. نعم الصور باعثة على بذل المال في مقابل المواد و موجبة للزيادة في قيمتها فترى أن الصوف المغزول- مثلا- تزيد قيمته على غير المغزول منه و إن كان المال مبذولا في مقابل المادة التي هي الصوف فاواني النقدين لا إشكال في جواز بيعهما فيما إذا وقع الثمن في المعاملة بإزاء مادتهما من غير أن يكون للهيئة دخل في بذل الثمن بإزائها و ذلك لوضوح أنهما من الأموال و من هنا لو أتلفهما متلف ضمنهما كما التزم شيخنا الأنصاري (قده) بذلك في بيع الصليب و الصلبان إذا قصد المعاوضة على موادهما فحسب و أما إذا باعهما بشكلهما و هيئتهما بأن كان لصورتهما دخل في المعاوضة و في بذل المال في مقابلهما فعلى ما قدمناه أيضا لا إشكال في صحة بيعهما لأن الثمن إنما يبذل بإزاء المواد و لا يقع شيء منه في قبال الصور الشخصية بوجه و إنما هي دواع للبيع فقط سواء قلنا بحرمة اقتنائهما أم لم نقل.

نعم على القول بحرمة الاقتناء يبتني الحكم ببطلان بيعهما على تمامية شيء من العمومات المقتضية للبطلان كقوله: ان اللّٰه إذا حرم شيئا حرم ثمنه. إذ مع القول بحرمة اقتنائهما يصدق أنهما مما حرمه اللّٰه لحرمة جميع الأفعال المتعلقة بهما. و قوله في رواية تحف العقول: و كل شيء يجيء منها الفساد محضا إلا أن رواية تحف العقول ضعيفة السند. و الرواية الأولى يأتي عدم تماميتها في التعليقة الآتية فعلى

320

و صياغتها و أخذ الأجرة عليها (1) بل نفس الأجرة أيضا حرام، لأنها عوض المحرم، و إذا حرم اللّٰه شيئا حرم ثمنه.

(مسألة 4) الصفر أو غيره الملبس بأحدهما يحرم استعماله إذا كان على وجه لو انفصل كان إناء مستقلا (2)

____________

ذلك لا مانع من جواز بيع الأواني المصوغة من النقدين.

(1) يترتب هذه المسألة على جواز اقتنائهما و عدمه لأنه إذا جاز جازت صياغتها للاقتناء كما جاز أخذ الأجرة عليها. و هذا بخلاف ما إذا قلنا بحرمته لأن الأفعال المتعلقة بها إذا حرمت بأجمعها و لم يبق لها طريق محلل حرمت صياغتها و لم يجز أخذ الأجرة عليها. و هذا لا لما استند اليه الماتن (قده) من أن اللّٰه إذا حرم شيئا حرم ثمنه. لأنها رواية عامية لم تثبت من طرقنا بل و لا من طرقهم فان ما يوجد في كتبهم هو أن اللّٰه إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه بإضافة لفظة «أكل» نعم عثرنا على روايتها من غير تلك اللفظة في موضع من مسند أحمد. إلا أنها محمولة على السقط و الاشتباه لأن أحمد بنفسه رواها من ذلك الراوي بعينه في مواضع أخر من مسنده بإضافة لفظة «أكل» كما مر (1) فما اعتمد عليه الماتن ساقط.

بل الوجه في حرمة صياغتها و أخذ الأجرة عليها حينئذ أن الشارع بعد ما سد السبيل إلى إيجادها و حرم الأفعال المتعلقة بها بأجمعها- كما هو الفرض- لم يجز تسليمها و تسلمها لحرمتها و مبغوضيتها و لا تصح معه الإجارة على صياغتها إذ لا يعقل الأمر بالوفاء بعقدها مع حرمة العمل و مبغوضيته فإنه كالإجارة للغيبة أو الكذب أو غيرهما من المحرمات فلا يشمله ما دل على وجوب الوفاء بالعقود و لا تصح الإجارة على صياغتها.

(2) الإناء الملبس بأحدهما قد يكون من قبيل إناء في إناء نظير الشعار

____________

(1) مر في ج 1 ص 425 و ص 427.

321

و أما إذا لم يكن كذلك فلا يحرم، كما إذا كان الذهب أو الفضة قطعات منفصلات لبس بهما الإناء من الصفر داخلا أو خارجا.

(مسألة 5) لا بأس بالمفضض (1) و المطلي و المموه بأحدهما. نعم يكره

____________

و الدثار بحيث لو نزعنا الإناء الصفر- مثلا- عما لبس به بقي لباسه إناء مستقلا في نفسه و هذا لا شبهة في حرمة استعماله مطلقا أو في خصوص الأكل و الشرب على الخلاف لأنه إناء ذهب أو فضة و قد لا يكون من هذا القبيل كما إذا نصب فيه قطعة ذهب أو فضة أو كان له حلقة أو سلسلة منهما و هذا لا إشكال في جواز استعماله لعدم كون الإناء إناء ذهب أو فضة و انما هو صفر أو غيره و إن كان مشتملا على قطعة منهما- مثلا.

(1) و هو المقصود بالمطلي و المموه و لعل الوجه في تسمية المفضض مموها أنه يوهم الناظر أن الإناء من الفضة أو الذهب كما في المذهب مع أنه من الصفر أو النحاس أو غيرهما و قد تقدم في حسنة الحلبي (1) المنع عن الأكل في الآنية المفضضة و لكن صحيحة معاوية بن وهب قال: سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الشرب في القدح فيه ضبة من فضة قال: لا بأس إلا أن تكره الفضة فينزعها (2) و حسنة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا بأس أن يشرب الرجل في القدح المفضض و اعزل فمك عن موضع الفضة (3) تدلان على الجواز و معه لا بد من حمل النهي في حسنة الحلبي على الكراهة بالإضافة إلى المفضض لأنه مقتضى الجمع بين الطائفتين مع التحفظ على ظهورها في الحرمة بالإضافة إلى الفضة إذ لا مانع من حمل النهي الوارد في رواية واحدة على الكراهة- في جملة- و على الحرمة- في جملة أخرى-

____________

(1) المتقدمة في ص 311.

(2) المروية في ب 66 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المروية في ب 66 من أبواب النجاسات من الوسائل.

322

استعمال المفضض، بل يحرم (1) الشرب منه إذا وضع فمه على موضع الفضة، بل الأحوط ذلك في المطلي أيضا.

____________

و ذلك لما بيناه في محله من أن الأمر و النهي ظاهر ان في الحرمة و الوجوب فيما إذا لم يقترنهما الترخيص في فعل المنهي عنه أو في ترك المأمور به كما أن ظاهرهما الكراهة و الاستحباب إذا اقترنهما و حيث أن النهي في المفضض قد اقترنه المرخص دون الفضة لم يكن مناص من حمله على ظاهره في الفضة و على الكراهة في المفضض فلا يتوهم على ذلك أن المقام من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد لما تبين من أن صيغة النهي إنما استعملت في معنى واحد و هو إبراز اعتبار المكلف محروما عن الفعل و إنما فرقنا بين الفضة و المفضض لقيام القرينة على الترخيص في الثاني دون الأول.

(1) هذا هو المعروف بينهم إلا أنه إنما يتم في الإناء المشتمل على قطعة من الفضة و ذلك لحسنة عبد اللّٰه بن سنان الآمرة بعزل الفم عن موضع الفضة و حيث لا قرينة على الرخصة في تركه فلا بد من الأخذ بظاهره و مقتضى الجمود عليه هو الوجوب. و أما الإناء المطلي فلا يأتي ذلك فيه حيث لا فضة فيه ليقال:

اعزل فمك عن موضع الفضة و إنما هو مطلي بمائها و هو من قبيل الأعراض التي لا وجود لها بالاستقلال و إن كان مشتملا على الأجزاء الصغيرة من الفضة- حقيقة- ثم إن كراهة الأكل و الشرب و الأمر بعزل الفم فيما فيه قطعة فضة أو فيه و في المطلي يختص بالفضة فحسب و أما الإناء المشتمل على قطعة من الذهب أو الإناء المطلي بالذهب فلا كراهة في استعماله كما لا دليل فيه على وجوب عزل الفم عن موضع الذهب بل القاعدة تقتضي الجواز فيه و إن كان الذهب أعلى قيمة من الفضة و ذلك لعدم السبيل إلى ملاكات الأحكام الشرعية فلو كان الملاك في الحكم بكراهة الأكل و الشرب في المفضض أو وجوب العزل عن موضع

323

(مسألة 6) لا يحرم استعمال الممتزج من أحدهما مع غيرهما (1) إذا لم يكن بحيث يصدق عليه اسم أحدهما.

____________

الفضة غلاء قيمتها و كونها مرغوبة لدى الناس لكانت الأحجار الكريمة من الزبرجد و الماس و غيرهما مما هو أعلى قيمة من الفضة أولى بالكراهة أو الوجوب.

نعم ورد في رواية الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عن السرير فيه الذهب أ يصلح إمساكه في البيت؟ فقال: إن كان ذهبا فلا و ان كان ماء الذهب فلا بأس (1) و هي تدل على عدم جواز إمساك السرير إذا كان ذهبا إلا أنها مختصة بالسرير و لا تعم الإناء المذهب بوجه و «دعوى»: ان الرواية تكشف عن ان حرمة مطلق المذهب في الشريعة المقدسة كانت مرتكزة و مفروغا عنها عند السائل «مندفعة»: بأن الرواية ضعيفة سندا و دلالة أما بحسب السند فلوقوع محمد بن سنان و ربعي في سلسلته و أما بحسب الدلالة فلأجل القطع بجواز إبقاء السرير من الذهب لضرورة عدم حرمة إبقاء الذهب في الشريعة المقدسة سريرا كان أو غيره، و أما قوله عز من قائل وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لٰا يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ (2) فهو ناظر إلى تحريم منع الزكاة فإن إخراج زكاة المسكوك من الفضة و الذهب مانع عن تجمعهما إلا إذا كانا أقل من النصاب و هو مما لا حرمة في إبقائه في الشريعة المقدسة بوجه.

و مما ذكرناه يظهر أن ما ذكره صاحب الحدائق (قده) من إلحاق المذهب بالمفضض مما لا يمكن المساعدة عليه لعدم الدليل كما عرفت.

(1) لأن الحرمة إنما ترتبت على استعمال آنية الذهب و الفضة مطلقا أو في خصوص الأكل و الشرب على الخلاف فتدور مدار صدقها فإذا فرضنا أن

____________

(1) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) التوبة 9: 34.

324

(مسألة 7) يحرم ما كان ممتزجا منهما (1) و إن لم يصدق عليه اسم أحدهما بل و كذا ما كان مركبا منهما، بأن كان قطعة منه من ذهب و قطعة منه من فضة (مسألة 8) لا بأس بغير الأواني إذا كان من أحدهما (2) كاللوح

____________

الخليط أكثر من الذهب و الفضة بحيث لا يصدق على الإناء إنائهما إلا على سبيل التسامح و المجاز لم يحرم الأكل و الشرب منه كما إذا كان ثلثاه من الصفر و نحوه و ثلثه منهما.

و أما إذا قل خليطهما بحيث لم يمنع عن صدق إناء الذهب أو الفضة عليه كما هو الغالب المتعارف في صياغة الذهب بل لا يوجد منه الخالص الا نادرا- كما قيل- فلا ينبغي الإشكال في حرمته إذ لا يعتبر في الأحكام المترتبة على آنية الذهب و الفضة خلوصهما من غيرهما كما يعتبر ذلك في حرمة لبس الحرير لوضوح أن إطلاق الأدلة تشمل الردي و الجيد كليهما.

(1) الأدلة اللفظية الواردة في المقام و إن كانت قاصرة الشمول للممتزج من الذهب و الفضة و كذا ما كان مركبا منهما بان كان نصفه من الفضة و نصفه من الذهب أو غير ذلك من أنحاء الامتزاج و ذلك لأن الممتزج منهما لا يصدق عليه إناء الذهب و لا إناء الفضة و مع عدم صدق أحد العنوانين عليه لا يحكم بحرمة الأكل و الشرب منه إلا أنه لا بد من الالتزام بحرمته بمقتضى الفهم العرفي و الارتكاز و ذلك لقيامهما على أن المركب من عدة أشياء محرمة- بانفرادها- محرم و ان لم ينطبق عليه شيء من عناوين اجزائه- مثلا- إذا ركبنا معجونا من الميتة و الدم الطاهرين أو من التراب و النخاع حرم اكله حسب الفهم العرفي و الارتكاز و إن لم يصدق على المركب عنوان الميتة أو الدم أو غيرهما من أجزائه و ذلك لحرمة أكل الأجزاء بانفرادها.

(2) لاختصاص الأخبار الواردة بالآنية لكونها مأخوذة في موضوعها

325

من الذهب أو الفضة، و الحلي كالخلخال، و إن كان مجوفا بل و غلاف السيف و السكين و أمامة الشطب، بل و مثل القنديل، و كذا نقش الكتب و السقوف و الجدران بهما.

____________

و لسانها فأدلة التحريم لا تشمل غيرها و لوجود الدليل على الجواز و هو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليهم السلام) قال: سألته عن المرآة هل يصلح إمساكها إذا كان لها حلقة فضة؟ قال: نعم، إنما يكره استعمال ما يشرب به (1).

مضافا إلى الأخبار الواردة في موارد خاصة كما ورد في ذي الفقار سيف رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من أنه هبط به جبرئيل من السماء و كانت حلقته فضة (2) و ما ورد في ذات الفضول درعه (صلى اللّٰه عليه و آله) من أن لها ثلاث حلقات من فضة:

حلقة بين يديها و حلقتان من خلفها (3) أو أربع حلقات: حلقتان في مقدمها و حلقتان في مؤخرها (4) و غير ذلك من الروايات هذا.

و قد يقال بحرمة غير الأواني منهما- كأوانيهما- و يستدل عليها بجملة من الأخبار:

«منها»: خبر الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن السرير فيه الذهب، أ يصلح إمساكه في البيت؟ فقال: إن كان ذهبا فلا و إن كان ماء الذهب فلا بأس (5) لدلالتها على حرمة إمساك السرير الذي فيه الذهب و يدفعه أن إمساك الذهب لم يقم دليل على حرمته كما مر و المحرم انما هو استعمال آنيته مطلقا أو في خصوص الأكل و الشرب فلا مناص من حمل الرواية على الكراهة لأن اتخاذ السرير الذهبي من أعلى مراتب الإقبال على نشأة الدنيا الموقتة و هو بهذه المرتبة مذموم بتاتا على أن الرواية ضعيفة السند كما مر.

و «منها»: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه المروية بأسانيد متعددة قال:

____________

(1) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(4) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(5) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل.

326

..........

____________

سألته (عليه السلام) عن السرج و اللجام فيه الفضة أ يركب به؟ قال: إن كان مموها لا يقدر على نزعه فلا بأس و إلا فلا تركب به (1) و فيه ما قدمناه في الرواية المتقدمة من أن مضمونها مقطوع الخلاف فان جعل الفضة في السرج أو اللجام لم يقم على حرمته دليل. بل نفس الصحيحة تدلنا على الجواز لأنها علقت الحرمة على التمكن من النزاع فلو كان جعل الفضة في السرج و اللجام كاستعمال آنيتها محرما لم يفرق في حرمته بين التمكن من نزعها و عدمه و ذلك لأنه متمكن من تعويضهما أو من تعويض المركب أو المشي راجلا حيث لم يفرض في الرواية عدم القدرة من تلك الجهات حتى يتوهم أن نفيه (عليه السلام) البأس من أجل الاضطرار هذا.

مضافا إلى النصوص الواردة في موارد خاصة كما تقدم بعضها و مع ذلك لا مناص من حمل الرواية على الكراهة و ذلك لأن المراد من المموه ليس هو المطلي جزما إذ لا فضة فيه ليتمكن من نزعها أو لا يتمكن منه و إنما المطلي يشتمل على ماء الفضة فحسب. بل المراد به تلبيس السرج أو اللجام بالفضة و هو كما ترى من أعلى مراتب الإقبال على الدنيا و نشأته. هذا على أنا لو تنازلنا على ذلك فغاية الأمر أن نلتزم بحرمة الفضة في مورد الصحيحة فحسب و هو السرج و اللجام فالاستدلال بها على حرمتها مطلقا مما لا وجه له.

و «منها»: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن آنية الذهب و الفضة فكرههما، فقلت قد روى بعض أصحابنا أنه كان لأبي الحسن (عليه السلام) مرآة ملبسة فضة فقال: لا الحمد للّٰه (2) أو لا و اللّٰه (3) إنما كانت لها حلقة من فضة و هي عندي ثم قال: إن العباس حين عذر عمل له

____________

(1) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) كما في الكافي ج 6 ص 267 من الطبعة الحديثة.

(3) كما في التهذيب ج 9 ص 91 من الطبعة الحديثة.

327

..........

____________

قضيب ملبس من فضة من نحو ما يعمله الصبيان تكون فضة نحوا من عشرة دراهم فأمر به أبو الحسن (عليه السلام) فكسر (1) إذ لو لا حرمة استعمال الذهب و الفضة في غير الأواني أيضا لم يكن وجه لتشديده (عليه السلام) في الإنكار. و يندفع بان استنكاره (عليه السلام) انما هو لكذبهم في أخبارهم كيف فان المرآة الملبسة إنما تناسب العرس و الطرب و لا يتناسب مع المؤمنين فضلا عن الامام (عليه السلام) و ليست فيها آية دلالة على حرمة استعمال الفضة في غير الإناء.

و عن بعضهم الاستدلال على حرمة استعمالهما في غير الأواني بما عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أن هذين حرام على ذكور أمتي حل لأناثهم (2) مشيرا إلى الحرير و الذهب و يرد على الاستدلال به أمور:

«الأول»: أن الحديث نبوي لم يثبت من طرقنا فلا يمكن الاعتماد عليه «الثاني»: أنه غير شامل للفضة لاختصاصه بالذهب و الحرير.

«الثالث»: أن الحديث يختص بالرجال و كلامنا إنما هو في حرمة الذهب و الفضة لمطلق المكلفين ذكورا كانوا أم إناثا.

«الرابع»: أن التحريم الوارد في الحديث لا يراد به سوى تحريم

____________

(1) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) في سنن النسائي ج 2 ص 285 و سنن أبي داود ج 4 ص 50 و مسند احمد بن حنبل ج 1 ص 96 «الطبعة الأولى» بمصر كلهم عن أبي زرير الغافقي قال سمعت علي بن أبي طالب يقول: ان رسول اللّٰه(ص) أخذ بيمينه حريرا و أخذ ذهبا لشماله ثم رفع بهما يديه و قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي و رواه ابن ماجة في سننه ج 2 ص 376 مع زيادة «حل لأناثهم» في أخره. و في سنن الترمذي على هامش الماحوزي ج 7 ص 219 عن أبي موسى الأشعري عن رسول اللّٰه(ص) انه قال: حرام لباس الحرير و الذهب على ذكور أمتي و أحل لأناثهم

328

(مسألة 9) الظاهر أن المراد من الأواني (1) ما يكون من قبيل الكأس و الكوز، و «الصيني»، و القدر، و «السماور» و الفنجان، و ما يطبخ فيه القهوة و أمثال ذلك مثل كوز القليان بل و المصفاة و (المشقاب)، و (النعلبكي) دون مطلق ما يكون ظرفا، فشمولها لمثل رأس القليان و رأس الشطب، و قراب السيف، و الخنجر، و السكين و قاب الساعة، و ظرف الغالية، و الكحل، و العنبر و المعجون و الترياك، و نحو ذلك غير معلوم و إن كانت ظروفا، إذ الموجود في الأخبار لفظ الآنية، و كونها مرادفا للظرف غير معلوم، بل معلوم العدم و إن كان الأحوط في جملة من المذكورات الاجتناب. نعم لا بأس بما يصنع بيتا للتعويذ إذا كان من الفضة، بل الذهب أيضا، و بالجملة فالمناط صدق الآنية، و مع الشك فيه محكوم بالبراءة.

____________

لبسهما فحسب إذ لا يحتمل حرمة استعمال الحرير بفرشه أو بغير ذلك من الاستعمالات فالمتلخص أنه لا دلالة في شيء من الأخبار المتقدمة على المدعى.

و أما الاستدلال عليه ببعض الوجوه الاعتبارية كدعوى أن استعمال الذهب و الفضة في غير الأواني كنقش الكتب و السقوف و الجدران تعطيل للمال و تضييع له في غير الأغراض الصحيحة و أنه يستلزم الخيلاء و كسر قلوب الفقراء و غير ذلك مما ربما يستدل به في المقام فمما لا ينبغي الإصغاء إليه لأنه أي تضييع للمال في جعلهما حلقة للمرآة أو السيف أو في استعمالهما في موارد أخر؟ و أي فرق بين إبقائهما في مثل المرآة و السقف و نحوهما و بين إبقائهما في الصندوق من غير استعمالهما في شيء كما أن استعمالهما لا يستلزم العجب و كسر القلوب كيف و قد تقدم أن درع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و سيفه كانا مشتملين على حلقات الفضة. و ذلك لوضوح أن استعمالهما كاستعمال بقية الأشياء الثمينة و الأحجار الكريمة الغالية التي لا خلاف في جواز استعمالها

(1) إن من العسير جدا تعيين معاني الألفاظ و كشف حقائقها بالرجوع إلى

329

..........

____________

كتب اللغة لأن شأن اللغوي إنما هو التفسير بالأعم و شرح الألفاظ ببيان موارد استعمالاتها و ليس من شأنه تعيين المعاني الحقيقية و لا أنه من أهل خبرة ذلك إذا لا سبيل إلى تعيين معنى الإناء لأن ما ذكروه في تفسيره من أنه كوعاء لفظا و معنى (1) أو أنه الوعاء و الجمع آنية و جمع الجمع أو ان كسقاء و أسقية و أساق (2) تفسير بالأعم لعدم صحة استعمال الإناء فيما يصح استعمال الوعاء فيه إذ الوعاء مطلق الظرف يجمع فيه الزاد أو المتاع فيصدق على مثل الصندوق و غيره مما لا يصدق عليه الإناء.

ففي كلام علي عليه أفضل الصلاة: يا كميل بن زياد ان هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها (3) فترى أنه (سلام اللّٰه عليه) قد أطلق الأوعية على القلوب مع أنه لا يصح إطلاق الآنية عليها إذ لا يصح أن يقال: القلوب آنية فبذلك يظهر أن الوعاء لا يرادف الإناء فهو من التفسير بالأعم.

بل قد يقال: إنه من التفسير بالمباين لأن الوعاء قد أخذ فيه مفهوم اشتقاقي بمعنى المحل و يعينه ما يضاف اليه فيقال وعاء من أوعية الماء و ليس كذلك الإناء فتفسير أحدهما بالآخر من التفسير بالمباين و صدقهما على بعض الموارد إنما هو باعتبارين بمعنى أن الإناء إنما تطلق الوعاء عليه بالإضافة إلى ما يوضع فيه و لا يطلق عليه إذا لوحظ الظرف شيئا مستقلا في نفسه.

و المتحصل أن مفهوم الإناء من المفاهيم المجملة و معه لا بد من الاقتصار على المقدار المتيقن منه و يرجع إلى البراءة في الزائد المشكوك فيه لانه من الشبهات الحكمية التحريمية و القدر المتيقن من مفهوم الإناء هو الظروف المعدة للأكل

____________

(1) كما في المصباح.

(2) كما في أقرب الموارد.

(3) نهج البلاغة: باب المختار من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) رقم 147.

330

(مسألة 10) لا فرق في حرمة الأكل و الشرب (1) من آنية الذهب و الفضة بين مباشرتهما لفمه، أو أخذ اللقمة منها و وضعها في الفم. بل و كذا إذا وضع ظرف الطعام في الصيني من أحدهما، و كذا إذا وضع الفنجان في (النعلبكي) من أحدهما و كذا لو فرغ ما في الإناء من أحدهما في ظرف آخر لأجل الأكل

____________

و الشرب منها قريبا أو بعيدا فيشمل المشقاب و القدر و المصفاة و الصيني الموضوع فيه الظرف الذي يؤكل فيه أو يشرب منه كما يشمل السماور حيث أن نسبته بالإضافة إلى الماء المصبوب منه كنسبة القدر بالإضافة إلى ما يطبخ فيه و لا يشمل كوز القليان و لا قراب السيف و لا رأس الشطب و غير ذلك مما ذكروه في المقام لعدم كونها مستعملة في الأكل و الشرب و لو بعيدا هذا.

بل يمكن أن يقال إن الإناء يختص بما يكون قابلا لان يشرب به لصحيحة على بن جعفر المتقدمة (1) المشتملة على قوله (عليه السلام) نعم و إنما يكره استعمال ما يشرب به لأنها رواية معتبرة قد دلت على حصر الحرمة بما يشرب به و إن كان قد يستعمل في الأكل أيضا كالكأس و نحوه فلا يشمل الصيني و القدر و المصفاة و المشقاب و حلقات الذهب أو الفضة التي يتعارف وضع الاستكان فيها في بعض البلدان و صحائف الذهب أو الفضة التي يؤكل فيها الطعام و غيرها و ذلك لعدم كونها قابلا لان يشرب به.

نعم يشمل الحب و غيره مما يشرب به الماء و لو مع الواسطة كما يأتي فالصحيحة على ذلك شارحة للفظة الإناء الواردة في الأخبار و موجبة لاختصاص الحرمة بما يشرب به و إن كان الأحوط الاجتناب عن كل ما يستعمل في الأكل و الشرب و لو بعيدا.

(1) لإطلاق الأخبار الناهية عن الأكل و الشرب من آنيتهما و دعوى

____________

(1) في ص 325

331

و الشرب لا لأجل نفس التفريغ، فان الظاهر حرمة الأكل و الشرب لان هذا يعد أيضا استعمالا لهما فيهما بل لا يبعد حرمة شرب الشاي في مورد يكون (السماور) من أحدهما و إن كان جميع الأدوات ما عداه من غيرهما، و الحاصل أن في المذكورات كما أن الاستعمال حرام، كذلك الأكل و الشرب أيضا حرام. نعم

____________

أنهما منصرفان إلى الأكل و الشرب من غير واسطة تندفع: بأنها لو تمت فإنما يتم في الشرب فحسب لان الغالب فيه هو الشرب بلا واسطة أي بمباشرة الفم للإناء و أما الأكل فالأمر فيه بالعكس لعدم جريان العادة على أخذ الطعام من الإناء بالفم فإنه شأن الحيوانات حيث تأخذ العلف من المعلف بالفم و أما الإنسان فهو إنما يأكل بأخذ الطعام بيده أو بغيرها من الآلات ثم وضعه في فمه فالغالب في الأكل هو الأكل مع الواسطة هذا.

و لو أغمضنا عن ذلك و سلمنا انصرافهما إلى الأكل و الشرب من غير واسطة ففي صحيحتي محمد بن إسماعيل بن بزيع «فكرههما» (1) و محمد بن مسلم المروية في محاسن البرقي «نهي عن آنية الذهب و الفضة» (2) و ما هو بمضمونهما غنى و كفاية و ذلك لأن النهي و الكراهة و إن كانا لا يتعلقان بالذوات إلا بلحاظ الأفعال المتعلقة بها لكن المقدر فيهما إما أن يكون خصوص الأكل و الشرب لمناسبته الإناء أو يكون مطلق الاستعمال الشامل للأكل و الشرب و على كلا التقديرين دلت الروايتان على حرمتهما من غير تقييدهما بمباشرة الفم للإناء فمقتضى إطلاقهما حرمة الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة مطلقا كانا من غير واسطة أو معها إذ لا موجب لانصرافهما إلى الأكل و الشرب بلا واسطة.

____________

(1) المتقدمة في ص 305

(2) المتقدمة في ص 311

332

المأكول و المشروب لا يصير حراما (1) فلو كان في نهار رمضان لا يصدق أنه أفطر على حرام، و إن صدق أن فعل الإفطار حرام.

____________

(1) وقع الكلام في أن الحرمة و الحزازة في الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة هل تختصان الأكل و الشرب فقط أو يعمان المأكول و المشروب أيضا؟

نسب إلى المفيد و ظاهر أبي الصلاح و العلامة الطباطبائي «قدهم» القول بحرمة المأكول و المشروب أيضا، و يظهر من الحدائق الميل اليه حيث ذكر- توجيها لكلام المفيد ره- أن النهي أولا و بالذات و إن كان عن تناول المأكول و المشروب لكن يرجع ثانيا و بالعرض إلى المأكول بأن يقال إن هذا المأكول يكون حراما متى أكل على هذه الكيفية، و ظاهر النصوص يساعده .. إلى آخر ما أفاده. و المشهور عدم تعدي الحرمة إلى المأكول و المشروب.

و لقد رتبوا على هذا النزاع أنه بناء على سراية الحرمة إلى المأكول و المشروب لو أكل المكلف أو شرب من آنيتهما في نهار شهر رمضان فقد أفطر على الحرام و وجب عليه الجمع بين الكفارات الثلاث نظير ما إذا أفطر بالخمر أو الميتة و نحوهما و هذا بخلاف ما إذا قلنا بالاختصاص و عدم سراية الحرمة إليهما لأنه على ذلك إفطار بالحلال لعدم حرمة المشروب و المأكول حينئذ هذا.

و التحقيق أنه لا معنى محصل لهذا النزاع لوضوح أن الاحكام التكليفية لا تتعلق على الذوات الخارجية بما هي و إنما تتعلق عليها بلحاظ الفعل المتعلق بها فلا معنى لحرمة الميتة أو الخمر- مثلا- إلا حرمة أكلها أو شربها و عليه فلا معنى محصل لحرمة المأكول و المشروب في نفسهما- بعد حرمة الفعل المتعلق بهما- أعني الأكل و الشرب.

ثم إن معنى الإفطار بالحرام هو أن يكون المفطر محرما في نفسه مع قطع

333

..........

____________

النظر عن كونه مفطرا كأكل الميتة و شرب الخمر و نحوهما و بما أن الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة كذلك لحرمتهما في نفسهما فيكون الاقدام عليهما في نهار شهر رمضان إفطارا على الحرام.

نعم هناك كلام في أن الحرمة في الإفطار علي الحرام الموجب للجمع بين الخصال هل تعتبر أن تكون ذاتية بأن تكون ثابتة على المحرم بالعنوان الأولي كما في أكل الميتة و شرب الخمر و نحوهما أو أن الحرمة العرضية الطارئة على المحرم بالعنوان الثانوي أيضا تقتضي كفارة الجمع؟ كما إذا أفطر بالطعام المغصوب- مثلا- إذ الطعام مباح في نفسه و إن حرم بعنوان أنه غصب و تصرف في مال الغير من غير رضاه أو أفطر بالأكل أو الشرب من آنية الذهب و الفضة فإن الطعام و الشرب الموجودين في آنيتهما و ان كانا مباحين في ذاتيهما إلا أنهما محرمان بالعنوان الثانوي و هو كونه أكلا أو شربا من آنيتهما.

و الصحيح- كما يأتي في محله- بناء على أن الإفطار على الحرام موجب للجمع بين الخصال عدم الفرق بين الحرمة الذاتية و العرضية لإطلاق الدليل هذا.

ثم إن هناك نزاعا آخر و هو أن الأكل- مثلا- قد يكون محرما بعنوان أنه مفطر و لا إشكال في أن ذلك من الإفطار على الحرام و به يجب الجمع بين الخصال الثلاث سواء أ كانت حرمته ذاتية أم كانت عرضية كما إذا أكل الميتة أو الطعام المغصوب في نهار شهر رمضان.

و قد يكون محرما لا بعنوان أنه مفطر بل بعنوان آخر و إن كان قد ينطبق على المفطر كما إذا أكل طعاما مضرا له- و هو ملكه- فإن الأكل و إن كان محرما حينئذ بناء على أن الإضرار بالنفس حرام إلا أنه لكونه مضرا له لا لأجل كونه مفطرا و إن كان قد ينطبق عليه كما إذا أكله في نهار رمضان و هو صائم فهل تكون الحرمة من غير جهة الأكل و الإفطار أيضا موجبة للإفطار على

334

و كذلك الكلام في الأكل و الشرب من الظرف الغصبي (1).

(مسألة 11) ذكر بعض العلماء أنه إذا أمر شخص خادمه فصب الشاي من «القوري» من الذهب أو الفضة في الفنجان «الفرفوري» و أعطاه شخصا آخر، فشرب، فكما أن الخادم و الآمر عاصيان كذلك الشارب لا يبعد (2) أن يكون عاصيا، و يعد هذا منه استعمالا لهما.

____________

الحرام و يجب معه الجمع بين الكفارات كما في المحرم بعنوان المفطر أو لا؟

الصحيح- كما يأتي في محله- أن الحرمة من جهة أخرى غير موجبة للجمع بين الخصال و لا يكون الإفطار معها إفطارا على الحرام.

(1) قد اتضح مما سردناه في التعليقة المتقدمة أن الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة و كذا أكل المغصوب و شربه غير الأكل أو الشرب من الآنية المغصوبة- مع حلية ما فيها من الطعام و الشراب- و ذلك لأن الثاني ليس من الإفطار بالحرام و إنما هو إفطار بالمباح لأن الطعام ملكه أو أنه لغيره إلا أنه مجاز في أكله و المحرم تناول الطعام و الشراب من الآنية لأنه تصرف في مال الغير و هو حرام فالأكل حلال و إن كانت مقدمته محرمة و هذا بخلاف الأكل أو الشرب من آنية الذهب و الفضة أو أكل المغصوب لما مر فما صنعه الماتن (قده) من إلحاق الأكل و الشرب من الآنية المغصوبة بالأولين مما لا يمكن المساعدة عليه.

(2) بل هو بعيد و إن كان أمر الآمر و فعل الخادم محرما و ذلك لأن الأخبار الواردة في المقام على طائفتين:

«إحداهما»: الأخبار المشتملة على النهي عن الأكل و الشرب في آنية الذهب و الفضة و هذه الطائفة لا تشمل الشارب بوجه لأن شرب الشاي من الإناء الفرفوري لا يصدق عليه الأكل و الشرب من الآنيتين بل عده كذلك من الأغلاط لأنه نظير أن يقال زيد أكل من القدر باعتبار أنه أكل في المشقاب

335

(مسألة 12) إذا كان المأكول أو المشروب في آنية من أحدهما ففرغه في ظرف آخر بقصد التخلص من الحرام لا بأس به (1) و لا يحرم الشرب أو الأكل بعد هذا.

____________

طعاما طبخ في القدر و هو غلط لعدم أكله من القدر و إنما القدر ما طبخ فيه الطعام و كذا الحال في «القوري» لأنه ظرف قد طبخ فيه الشاي لا أن الشارب شرب الشاي منه.

و «ثانيتهما»: الأخبار المشتملة على النهي عن أوانيهما و أنهما مكروهتان و هي أيضا غير شاملة للشارب لما تقدم من أن المقدر فيها خصوص الأكل و الشرب أو مطلق الاستعمال، و الشارب لم يستعمل «القوري» في المقام و لا أنه أكل أو شرب منه فلا عصيان في حقه نعم استعملها الآمر و الخادم كلاهما:

أحدهما بالمباشرة و الآخر بالتسبيب و الأمر به، و حيث أن استعماله المباشري محرم و عصيان حرم التسبيب إليه بالأمر به لأنه أمر بالحرام و العصيان و هو حرام.

(1) لعله أراد بذلك ما إذا لم يصدق على تفريغ الطعام أو الشراب من آنيتهما في غيرهما استعمال الآنيتين عرفا و توضيحه:

أن استعمال كل إناء بحسبه فان استعمال آنية الذهب و الفضة في الشرب أو الأكل قد يكون مع الواسطة لدى العرف كالقدر و «السماور» و نحوهما فإن الأكل و الشرب في مثلهما إنما هو بصب الطعام و الشراب منهما في المشقاب و الفنجان فإن الأكل أو الشرب منهما من غير واسطة غير معهود بل ربما تكون الواسطة شيئا معينا عندهم كتوسط الصيني و المشقاب في القدر.

و قد يكون بلا واسطة و ذلك كالشرب عن الكأس و الأكل في المشقاب فإذا أكل من آنيتهما مع الواسطة المعينة- فيما يحتاج فيه إلى التوسط- أو من غير واسطة- فيما لا حاجة إليها- صدق أنه استعملهما في الأكل أو الشرب و هو

336

(مسألة 13) إذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في إحدى الآنيتين (1)

____________

حرام فلا يجوز تفريغ الطعام من القدر في الصيني و المشقاب أو تفريغ الماء من «السماور» في الفنجان كما لا يجوز شرب الماء من آنية الذهب من دون واسطة و ذلك لأنه بنفسه مصداق لاستعمال الآنيتين في الأكل أو الشرب عرفا و لا فرق في ذلك بين قصده التخلص من الحرام بتفريغه و عدمه لوضوح أن القصد لا يغير الواقع عما هو عليه فيما أن تفريغه أو شربه مصداق لاستعمال الآنيتين حقيقة فقصده التخلص لا يمنع عن صدق الاستعمال عليهما و لا يخرجهما عن كونهما استعمالا لهما في الأكل أو الشرب.

و أما لو أكل من آنيتهما بتوسط أمر اخترعه بنفسه على خلاف المتعارف في مثلهما لأن الأكل منهما لم يكن محتاجا إلى واسطة أصلا أو لو احتاج فإلى واسطة معينة لا إلى تلك الواسطة المخترعة كما إذا فرغ الطعام من القدر الذهبي إلى قدر آخر من الصفر- مثلا- أو من «السماور» كذلك الى «سماور» آخر أو من كأس إلى كأس غير ذهب و هكذا فلا يعد تفريغه مصداقا لاستعمالهما لدى العرف لأنه في الحقيقة إعراض عن الإناء الأول بداعي التخلص عن الحرام و لا فرق في ذلك بين القول بحرمة استعمالهما في خصوص الأكل أو الشرب و بين القول بحرمة استعمالهما مطلقا لما عرفت من أن التفريغ حينئذ ليس بمصداق لاستعمالهما عرفا و إذا لم يكن التفريغ مصداقا له لم يكن وجه لحرمته.

و هذا هو مراد الماتن (قده) في المقام دون الصورة المتقدمة فلا وجه للنقض عليه بما إذا فرغ ماء «السماور» في القوري أو الفنجان و نحوهما و ذلك لأنه من قبيل الصورة المتقدمة و هو استعمال عرفي «للسماور» في الشرب منه و قد مر أن مراده (قده) ما إذا لم يكن التفريغ مصداقا للاستعمال الحرام.

(1) ظهر حكم هذه المسألة مما قدمناه في التوضؤ من الإناء المغصوب

337

..........

____________

و تفصيل الكلام فيها بناء على عدم جواز استعمال الآنيتين مطلقا أن الماء قد ينحصر في إحداهما و لا يتمكن المكلف من تفريغه في ظرف آخر على وجه لا يعد استعمالا للآنيتين و قد لا ينحصر أو يتمكن من تفريغه في ظرف آخر من دون أن يعد استعمالا للآنيتين و هاتان صورتان:

«أما الصورة الاولى»: فلا شبهة في أن وظيفة المكلف هو التيمم وقتئذ و لا يجب في حقه تحصيل الطهارة المائية لحرمة مقدمتها، و إنما الكلام في أنه لو عصى النهي عن تلك المقدمة و أخذ الماء من الآنيتين فتوضأ أو اغتسل فهل يمكن الحكم بصحتهما أو لا يمكن؟ قد يكون الغسل أو الوضوء محرمين في نفسيهما كما إذا توضأ أو اغتسل فيهما بالارتماس و لا شبهة في بطلانهما حينئذ لعدم إمكان التقرب بما هو مصداق للحرام. و قد يكون المحرم مقدمتهما دون نفسهما كما إذا اغتسل أو توضأ منهما بالاغتراف بان بنينا على أن الاستعمال المحرم إنما هو تناول الماء منهما فحسب دون الاستعمالات المترتبة عليه. و صحة الغسل أو الوضوء في هذه الصورة مبتنية على القول بالترتب و لا نرى أي مانع من الالتزام به في المقام، لأن المعتبر في الواجبات المركبة إنما هي القدرة التدريجية و لا تعتبر القدرة الفعلية على جميع أجزائها من الابتداء كما أوضحناه في التكلم على الوضوء من الإناء المغصوب، و حيث أن القدرة التدريجية متحققة في المقام بالعصيان فلا مانع من الالتزام به و ذلك لأن الترتب على طبق القاعدة و لا يحتاج الالتزام به الى دليل بالخصوص و لا مانع من الأمر بالأهم و المهم كليهما سوى لزوم الأمر بالجمع بين الضدين المحال إلا أن ذلك يرتفع بالتقييد في إطلاق أحدهما فإن الأمر بالغسل أو الوضوء مقيد بالوجدان و الأمر بالتيمم و بالاجتناب عن استعمال الآنيتين مطلق في المقام و نتيجة ذلك أن الأمر بالغسل أو الوضوء مشروط بعصيان الأمر

338

..........

____________

بالاجتناب و التيمم و ذلك لأنه لو عصى و تناول الماء من الآنيتين بالاغتراف تحققت القدرة على غسل الوجه في الوضوء و حيث أن المكلف عالم بعصيانه مرة ثانية فثالثة فهو متمكن من غسل يديه متدرجا و القدرة التدريجية كافية في الواجب المركب على الفرض فلا مانع من الحكم بصحة الغسل و الوضوء بالترتب فان حالهما حال الصلاة المزاحمة بالإزالة على ما بيناه سابقا فلا نعيد.

و أما ما عن شيخنا الأستاذ (قده) من أن الترتب مشروط بإحراز الملاك في كلا الواجبين فقد تقدم الجواب عنه في الكلام على التوضؤ من الإناء المغصوب فراجع هذا.

و لا يخفى أن تصحيح الوضوء و الغسل بالترتب يبتني على القول بعدم حرمة الاستعمالات المتفرعة على تناول الماء من الإناء و إلا فالوضوء بنفسه مصداق للحرام و يستحيل أن يتصف معه بالوجوب و كذلك الحال في الغسل. نعم لا ملزم للالتزام به لأن الأخبار الناهية عن الأكل و الشرب في آنيتهما تختص بالأكل و الشرب منهما و لا تشمل غيرهما من استعمالاتهما فضلا عن الاستعمالات المترتبة على تناول الماء منهما.

و أما ما ورد بلسان النهي عنهما أو كراهتهما فهي أيضا كذلك لأن المقدر فيهما إما الأكل و الشرب فحسب و إما مطلق استعمالاتهما و استعمال الإناء لا يصدق إلا على تناول الماء منهما. و أما صبه بعد ذلك أو إطعامه للحيوان أو غسل الثوب به خارج الإناء فلا يصدق على شيء من ذلك استعمال الآنية بوجه و من هنا نسب إلى عامة الفقهاء صحة التوضؤ منهما في صورة عدم الانحصار مع ذهابهم إلى حرمة استعمالات الآنيتين مطلقا فلو كان الوضوء محرما في نفسه لم يكن وجه للقول بصحته هذا كله في صورة الانحصار. و «أما الصورة الثانية»: فهي التي أشار إليها الماتن بقوله: و إن كان له ماء آخر أو أمكن التفريغ في ظرف ..

339

فإن أمكن تفريغه في ظرف آخر وجب و إلا سقط وجوب الوضوء أو الغسل، و وجب التيمم، و إن توضأ أو اغتسل منهما بطل سواء أخذ الماء منهما بيده أو صب على محل الوضوء بهما، أو ارتمس فيهما، و إن كان له ماء آخر، أو أمكن التفريغ في ظرف آخر و مع ذلك توضأ أو اغتسل منهما فالأقوى أيضا البطلان (1) لأنه و إن لم يكن مأمورا بالتيمم إلا أن الوضوء أو الغسل حينئذ يعد استعمالا لهما عرفا فيكون منهيا عنه. بل الأمر كذلك لو جعلهما محلا لغسالة الوضوء (2) لما ذكر من أن توضؤه حينئذ يحسب في العرف استعمالا لهما.

____________

آخر .. فالأقوى أيضا البطلان.

(1) بل لا ينبغي التأمل في صحة الغسل و الوضوء حينئذ و ذلك لأن الأمر بالطهارة المائية فعلي في حقه لتمكنه من الماء فإذا عصى و تناول الماء منهما بالاغتراف صح وضوءه و غسله قلنا بالترتب أم لم نقل لأن الماء الموجود في يده حاله حال المياه المباحة و اختيار المقدمة المحرمة لا يضر بصحتهما بعد كونه متمكنا من الماء.

(2) يقع الكلام في هذه المسألة في صورتين:

«إحداهما»: ما إذا قصد المتوضي ادخار ماء الوضوء و جمعه في الآنيتين لأنه قد يتعلق به الغرض من التبرك أو استعماله بعد ذلك في مورد آخر.

و «ثانيتهما»: ما إذا لم يقصد المتوضي ذلك و إنما اجتمع ماء الوضوء فيهما بطبعه.

«أما الصورة الأولى»: فالظاهر أنه لا إشكال في حرمته لأنه استعمال للآنيتين و قد فرضنا حرمته و الوجه في ذلك أن استعمال أي شيء إنما هو باعماله فيما أعد له و الآنية معدة لأن يجمع فيها الماء و الطعام و هل حرمة ذلك تستتبع الحكم ببطلان الوضوء و حرمته.

340

..........

____________

الصحيح أنها غير مستتبعة لذلك و «سره» أن الوضوء أو الغسل شيء و استعمال الإناء بجمع الماء فيه شيء آخر و لا يصدق استعمال الإناء على الوضوء و مع عدم كونه استعمالا لآنيتهما لا موجب لحرمته و بطلانه.

و قد يقال بالحرمة و البطلان نظرا إلى أن الغسل أو الوضوء علتان للمعصية و هي جمع الماء في الآنيتين و إذا حرم المعلول حرمت علته و فيه أن دعوى ذلك كدعوى أن الوضوء استعمال للآنيتين أمر لا يمكن المساعدة عليه و ذلك لعدم تماميتها صغرى و كبرى. أما بحسب الصغرى فلأمرين:

«أحدهما»: أن الوضوء هو إيصال الماء إلى البشرة على وجه يجري من محل إلى محل و من الظاهر أنه غير مستلزم لصب الماء على الإناء و لا لجمعه فيه فان إجراء الماء على أعضاء الوضوء إذا كان على وجه التدهين باليد لم يستلزم صب الماء على الإناء. و أما وقوع بعض القطرات فيه أثناء الوضوء فهو و إن كان كذلك إلا أنه لا يعد استعمالا للإناء مضافا إلى إمكان المنع عن انفصال القطرات عن المحال فبذلك يظهر أن انصباب الماء على الإناء و اجتماعه فيه عند الوضوء أمر قد يتحقق و قد لا يتحقق و ليس هذا معلولا للوضوء حتى لا ينفك عنه.

و «ثانيهما»: هب أن الوضوء يستلزم الصب و أنه علة لاجتماع الماء في الإناء إلا أنه لا شك في أن اجتماع الماء في الإناء غير مستند إلى التوضؤ بوحدته و إنما هو معلول لأمرين: «أحدهما» الوضوء و «ثانيهما» إبقاء الإناء في موضعه إذ لو نقل منه إلى محل آخر لم يقع عليه ماء الوضوء و الإبقاء أمر اختياري للمتوضئ و معه فالوضوء مقدمة من مقدمتي الحرام و ليس علة تامة للمعصية و قد بينا في محله أن مقدمة الحرام ليست بحرام.

و أما بحسب الكبرى فلان العلة و معلولها موجودان متغايران و لا يكون البغض في أحد المتغايرين ساريا إلى الآخر وجه حيث لا تلازم بينهما فلا أساس

341

نعم لو لم يقصد جعلهما مصبا للغسالة، لكن استلزم توضؤه ذلك أمكن أن يقال إنه لا يعد الوضوء استعمالا لهما (1) بل لا يبعد أن يقال: إن هذا الصب أيضا لا يعد استعمالا فضلا عن كون الوضوء كذلك.

(مسألة 14) لا فرق في الذهب و الفضة (2) بين الجيد منهما و الردي، و المعدني و المصنوعي، و المغشوش و الخالص، إذا لم يكن الغش إلى حد يخرجهما عن صدق الاسم و ان لم يصدق الخلوص. و ما ذكره بعض العلماء من أنه يعتبر الخلوص و أن المغشوش ليس محرما و إن لم يناف صدق الاسم، كما في الحرير المحرم على الرجال حيث يتوقف حرمته على كونه خالصا لا وجه له، و الفرق بين الحرير و المقام أن الحرمة هناك معلقة في الأخبار على الحرير المحض، بخلاف المقام فإنها معلقة على صدق الاسم.

____________

لما هو المشتهر من أن علة الحرام حرام و المتلخص أن الوضوء و الغسل صحيحان في محل الكلام و لا يعدان استعمالا للإناء هذا كله في الصورة الأولى. أما «الصورة الثانية»: فهي التي أشار إليها الماتن بقوله: نعم لو لم يقصد ..

(1) بل هذا هو الصحيح لما مر من أن استعمال أي شيء إنما هو إعماله فيما أعد له و قد فرضنا أن الإناء لم يعمل لجمع الماء فيه لأن المتوضئ لا يريد ذلك و لا يقصده و حيث لا إعمال فلا استعمال للإناء و «دعوى»: أن صدق الاستعمال عليه أوضح من صدق الاستعمال على الوضوء من ماء الإناء عهدتها على مدعيها فما أفاده الماتن من أن هذا الصب لا يعد استعمالا فضلا عن كون الوضوء كذلك متين لا غبار عليه.

(2) لإطلاق الدليل و هو يشمل المعدني و المصنوعي و القسم الجيد و الرديء و كذلك الخالص و المغشوش إذا كان الخليط قليلا كما هو الحال في الليرات و غيرها من النقود و ذلك لأن الحكم يدور مدار عنوان الذهب و الفضة و هو

342

(مسألة 15) إذا توضأ أو اغتسل من إناء الذهب أو الفضة مع الجهل بالحكم أو الموضوع صح (1).

____________

يصدق على المغشوش و سائر الأقسام المتقدمة. بل قدمنا أن الغالب في صياغة الذهب هو المزج حتى يتقوى بذلك- كما قيل- و لم يرد اعتبار الخلوص في حرمة أواني الذهب و الفضة حتى نلتزم بالجواز في الممتزج بغيرهما و لو قليلا و إنما الدليل دل على حرمة آنيتهما فحسب فمتى صدق هذا العنوان حكم بحرمتهما.

و أما اعتباره في حرمة الحرير على الرجال فهو مستند إلى الأخبار الدالة على جواز لبس الحرير إذا كان مخلوطا بغيره و لو قليلا (1) نعم إذ أكثر المزيج بحيث لم يصدق على الإناء عنوان الذهب أو الفضة جاز استعماله لعدم شمول الدليل عليه و إن كان مشتملا على شيء منهما. و كذا ما ليس بذهب حقيقة فإنه لا بأس باستعماله و إن سمي ذهبا لدى العرف كما هو الحال في الذهب المعروف بالفرنكي

(1) قد يفرض الكلام فيما إذا كان التوضؤ أو الاغتسال محرما في نفسه كما إذا توضأ أو اغتسل بالارتماس فإنه استعمال للآنيتين و قد فرضنا حرمته و قد يفرض فيما إذا كانت مقدمتهما محرمة لأنفسهما كما إذا توضأ أو اغتسل منهما بالاغتراف لما مر من أن المحرم ليس إلا تناول الماء من الآنيتين لا الأفعال المترتبة عليه. و محل الكلام في هذه الصورة ما إذا لم نقل بصحة الوضوء أو الغسل عند العلم بالحرمة و موضوعها بالترتب لأنه على ذلك لا مناص من الالتزام بصحتهما مع الجهل بالأولوية.

و «أما الصورة الأولى»: فلا تردد في الحكم ببطلانهما لما ذكرناه في محله من أن الفعل إذا حرم بذاته استحال أن يكون مصداقا للواجب لأنه مبغوض و لا يكون المبغوض الواقعي مقربا بوجه و جهل المكلف حرمته و إن

____________

(1) راجع ب 13 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

343

(مسألة 16) الأواني من غير الجنسين لا مانع منها (1) و إن كانت أعلى و أغلى (2) حتى إذا كانت من الجواهر الغالية كالياقوت و الفيروزج.

____________

كان عذرا له إلا أنه لا يغير الواقع عما هو عليه و لا ينقلب المبغوض محبوبا و مقربا بسببه. و هذه المسألة طويلة الذيل و قد تعرضنا لتفصيلها في بحث اجتماع الأمر و النهي و قلنا إن ما نسب إلى المشهور من الحكم بصحة العبادة مع الجهل بحرمتها لا يجتمع مع القول بالامتناع فلا بد من الالتزام ببطلانها أو القول بالجواز أعني جواز الاجتماع.

و أما «الصورة الثانية»: فحاصل الكلام فيها أن الحكم ببطلان الغسل و الوضوء لما كان مستندا إلى التزاحم بين حرمة المقدمة و وجوبهما و سقوطهما عن الوجوب للعجز عن المقدمة انحصر ذلك بما إذا تنجزت حرمة المقدمة بأن كان المكلف عالما بحكمها و موضوعها و أما إذا لم يكن كذلك لجهل المكلف بحرمتها من جهة الشبهة الحكمية أو الموضوعية فلا موجب لسقوطهما عن الوجوب لإباحة المقدمة و لو ظاهرا.

نعم هذا إذا كان الجهل معذرا و موجبا للترخيص في مرحلة الظاهر كما إذا كانت الشبهة موضوعية أو أنها كانت حكمية و لكنه فحص و لم يظفر بالدليل و هو المعبر عنه بالجهل القصوري. و أما إذا لم يكن جهله معذرا بان كان تقصيريا كما في الشبهات الحكمية قبل الفحص فلا بد من الحكم ببطلان الغسل أو الوضوء لتنجز الحرمة الواقعية بالاحتمال و عدم الترخيص في الإتيان بالمقدمة بحكم العقل و مع عدم الترخيص فيها يسقط الأمر عن الغسل أو الوضوء فيحكم ببطلانهما

(1) لاختصاص الأدلة بأواني الذهب و الفضة فلا نهي عن غيرها.

(2) لما تقدم من أن ملاكات الأحكام الشرعية مما لا سبيل إليه و لم يعلم أن الملاك في النهي من آنيتهما غلاء قيمتهما ليثبت الحكم فيما هو أعلى و أغلى

344

(مسألة 17) الذهب المعروف بالفرنكي لا بأس بما صنع منه (1) لأنه في الحقيقة ليس ذهبا، و كذا الفضة المسماة بالورشو، فإنها ليست فضة بل هي صفر أبيض.

(مسألة 18) إذا اضطر إلى استعمال أواني الذهب أو الفضة في الأكل و الشرب و غيرهما جاز (2) و كذا في غيرهما من الاستعمالات نعم لا يجوز التوضؤ

____________

منهما بالأولوية.

(1) لما ذكرناه من أن النهي إنما تعلق بالذهب أو الفضة الحقيقتين و ليس الأمر في الذهب الفرنكي و الورشو كذلك إذ ليسا ذهبا و لا فضة حقيقة و إنما الأول ملون بلون الذهب و الثاني صفر أبيض أو مادة أخرى.

(2) لحديث رفع الاضطرار [1] و قوله (عليه السلام) ليس شيء مما حرم اللّٰه

____________

[1] وضع عن أمتي تسعة أشياء: السهو و الخطاء و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه، و الطيرة، و الحسد، و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة. المروية في ب 30 من أبواب الخلل و 56 من أبواب جهاد النفس من الوسائل.

ثم إن هذه الرواية المروية عن التوحيد و الخصال و إن عبر عنها شيخنا الأنصاري (قده) بالصحيحة حيث قال: و منها المروي عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بسند صحيح في الخصال كما عن التوحيد ثم ساق الخبر. إلا أنها ضعيفة السند بأحمد بن محمد بن يحيى نعم هناك رواية أخرى صحيحة السند و متحدة المضمون مع الرواية المتقدمة في غير السهو و الحسد و الطيرة و الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة. و هي ما رواه احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن إسماعيل الجعفي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: وضع عن هذه الأمة ست خصال:

الخطاء و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا

345

..........

____________

اليه. المروية في ب 16 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل. و استدلالنا انما هو بهذه الرواية لا الرواية المتقدمة.

و الوجه في صحة سندها ان للشيخ إلى نوادر احمد بن محمد بن عيسى طريقان أحدهما قابل للاعتماد عليه و اما ما يرويه عنه- في غير نوادره- فقد ذكر إليه طريقين في المشيخة متقسطا حيث قال: و من جملة ما ذكرته عن احمد بن محمد بن عيسى ما رويته بهذه الأسانيد: عن محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد بن عيسى. ثم قال بعد فصل غير طويل: و من جملة ما ذكرته عن احمد بن محمد بن عيسى ما رويته بهذا الاسناد: عن محمد بن علي بن محبوب عن احمد بن محمد و طريقه إليه في الجملة الأولى صحيح و ضعيف في الجملة الثانية، لأن في طريق الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب احمد بن محمد بن يحيى العطار و هو ضعيف إذا لا يمكننا الحكم بصحة شيء مما يرويه الشيخ (قده) بإسناده عن الرجل- في غير نوادره- لكونه شبهة مصداقية للأخبار التي رواها عنه بطريقه الصحيح إذ من المحتمل ان تكون الرواية من الجملة الثانية التي عرفت ضعف طريقا الشيخ إليها. نعم لو كان طريقه إليه معتبرا في كلتا الجملتين لم يكن مجال للمناقشة في الحكم بصحة طريقه إلى الرجل بأن العبارة غير مشتملة على طريقة الى ما يرويه عنه- جمعا و إنما اشتملت على طريقه مقسطا و من المحتمل ان يكون له طريق ثالث لم يتعرض إليه في المشيخة. و الوجه فيما ذكرناه انه لو كان له طريق ثالث إليه لوجب ان يذكره في مشيخته لأنه إنما تعرض لطرقه إلى الرواة روما لخروج الأخبار التي رواها في كتابه عن حد المراسيل على ما صرح به في أول المشيخة و السكوت عن بعض الطرق لا يلائم هذا الغرض فبهذا نطمئن بان له الى الرجل طريقان و حيث انهما معتبران فلا مناص من الحكم بصحة طريقه إلى الرجل على نحو الإطلاق.

نعم هذا إنما هو في المشيخة. و اما في الفهرست فقد ذكر فيه إلى أحمد بن محمد بن عيسى طريقين كليهما ضعيف أحدهما بأحمد بن محمد بن يحيى العطار و الآخر بأحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد فما في بعض الكلمات من ان طريق-

346

و الاغتسال (1) منهما، بل ينتقل إلى التيمم.

(مسألة 19) إذا دار الأمر في حال الضرورة بين استعمالهما أو استعمال الغصبي قدمهما (2).

____________

إلا و قد أحله لمن اضطر اليه (1).

(1) لعدم اضطراره إليهما فاستعمال أواني الذهب و الفضة- في الغسل أو الوضوء- باق على حرمته و مع حرمة المقدمة و مبغوضيتها لا تجب العبادة المتوقفة عليها بوجه. بل لا تصح أيضا إلا على الترتب على ما عرفت نعم لو اضطر إلى خصوص التوضؤ منهما أو إلى جامع التوضؤ و غيره كما إذا اضطر إلى إفراغهما شيئا فشيئا و هو يحصل بالتوضؤ منهما و بالاغتراف صح وضوءه و غسله لعدم حرمة مقدمتهما و إباحتهما في نفسهما.

(2) و هذا لا لأن أدلة حرمة الغصب بلسان: لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة نفسه (2) و لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه (3) و هي أقوى دلالة من الأدلة الدالة على حرمة استعمال الآنيتين حيث أنها بلسان: لا ينبغي أو الكراهة كما تقدم و النهي إنما ورد في بعضها. و ذلك لأن الأقووية في الدلالة أو السند إنما هي من المرجحات في المتعارضين.

و أما في باب التزاحم الذي لا تنافي و لا تكاذب فيه بين الدليلين بحسب

____________

- الشيخ الى الرجل صحيح في المشيخة و الفهرست مبني على وثاقة الرجلين أو أولهما أو انه من سهو القلم.

____________

(1) المروية في ب 1 من أبواب القيام و 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل.

(2) المروية في ب 3 من أبواب مكان المصلي من الوسائل.

(3) المروية في ب 3 من أبواب الأنفال من الوسائل.

347

..........

____________

الجعل لإمكان ثبوت المتزاحمين كليهما في الشريعة المقدسة. نعم قد يكونان متنافيين في مرحلة الامتثال من جهة عجز المكلف عن صرف قدرته في امتثالهما فلا تكون الأقووية في الدلالة أو السند موجبة لتقديم أحدهما على الآخر بل قد يتقدم أضعفهما دلالة أو سندا على أقواهما من الجهتين لأهميته بحسب الملاك و من هنا قد تتقدم السنة على الكتاب عند تزاحمهما كما إذا كان مدلولها أهم و أقوى بحسب الملاك و مقامنا هذا من هذا القبيل حيث لا تعارض و لا تكاذب بين أدلة حرمة الغصب و أدلة حرمة استعمال الآنيتين فان كلتا الحرمتين ثابتتان في الشريعة المقدسة إلا أن المكلف في خصوص المقام غير قادر على امتثالهما معا لفرض اضطراره إلى الشرب من الآنية المغصوبة أو من آنيتهما و مع التزاحم لا قيمة لأقوائية الدلالة أو السند هذا.

على أن «لا ينبغي» أو «الكراهة» على ما قدمناه لا يقصران في الدلالة على الحرمة عن قوله: لا يجوز أو لا يحل.

أضف إلى ذلك أن الأدلة غير منحصرة بالأخبار المشتملة على «لا ينبغي و الكراهة» لما تقدم من أن جملة من الأخبار الواردة هناك تشتمل على لفظة النهي فليراجع بل الوجه في ذلك أن حقوق الناس أهم من حقوق اللّٰه سبحانه فكلما دار الأمر بينها و بين حق اللّٰه محضا تقدمت حقوق الناس لاهميتها فهي الأولى بالمراعاة عند المزاحمة و بما أن حرمة استعمال الآنيتين من حقوق اللّٰه المحضة بخلاف حرمة التصرف في المغصوب لأن فيها حق الناس أيضا فلا محالة تتقدم الحرمة فيه على الحرمة في الآنيتين لأن حق الناس إذا كان محرز الأهمية عن حق اللّٰه سبحانه فلا كلام في تقدمه و إذا كان مشكوك الأهمية فالأمر أيضا كذلك للقطع بعدم الأهمية في حق اللّٰه سبحانه فهما إما متساويان أو أن حق الناس أهم و مع كون أحد المتزاحمين محتمل الأهمية يتقدم على ما لا يحتمل فيه الأهمية.

348

(مسألة 20) يحرم إجارة نفسه لصوغ الأواني من أحدهما (1) و أجرته أيضا حرام كما مر.

(مسألة 21) يجب على صاحبهما كسرهما (2) و أما غيره (3) فان علم أن

____________

(1) تتفرع هذه المسألة على ما اختاره (قده) من حرمة الانتفاع بالآنيتين حتى اقتنائهما و عليه فالأمر كما أفاده لمبغوضية الهيئة عند الشارع و حرمتها فصياغتهما فعل محرم و عمل الحرام لا يقابل بالمال فلو آجر نفسه على المحرم بطلت الإجارة لما قدمناه في المسألة الثالثة فليراجع.

هذا و لكن الصحيح جواز الإجارة على صياغتهما لما تقدم من أن الأخبار الواردة في المقام إنما يدل على حرمة استعمالهما في خصوص الأكل و الشرب أو مطلقا. و أما الانتفاع بهما أو اقتنائهما فلم يقم دليل على حرمته.

(2) هذه المسألة أيضا متفرعة على ما اختاره (قده) من حرمة الانتفاع بهما و اقتنائهما و معه الأمر كما أفيد لمبغوضية الهيئة و عدم رضى الشارع بوجودها و كونها ملغاة عن الاحترام.

(3) بمعنى أن المسألة تختلف باختلاف المالك مع غيره و اتفاقهما في الاعتقاد لأن نهي غير المالك للمالك ثم مباشرته للكسر إنما يسوغ من باب النهي عن المنكر عند اتفاقهما- اجتهادا أو تقليدا- على حرمة الانتفاع بالآنيتين و عدم جواز اقتنائهما حكما و موضوعا.

و أما مع اختلافهما في ذلك بحسب الحكم أو الموضوع كما إذا رأى المالك- اجتهادا أو تقليدا- جواز الاقتناء و الانتفاع بهما أو عدم كون الإبريق الذهبي إناء فلا مسوغ لنهيه إذ لا منكر و لا لكسره لجواز إبقائهما للمالك حسب عقيدته و هو معذور في ذلك الاعتقاد و الهيئة كالمادة حينئذ باقية على احترامها.

349

صاحبهما يقلد من يحرّم اقتناءهما أيضا، و أنهما من الافراد المعلومة في الحرمة يجب عليه نهيه (3) و إن توقف على الكسر يجوز له كسرهما، و لا يضمن قيمة صياغتهما نعم لو تلف الأصل ضمن (4) و إن احتمل أن يكون صاحبهما ممن يقلد من يرى جواز الاقتناء، أو كانتا مما هو محل الخلاف في كونه آنية أم لا، لا يجوز له التعرض له (5).

(مسألة 22) إذا شك في آنية أنها من أحدهما أم لا، أو شك في كون شيء مما يصدق عليه الآنية أم لا، لا مانع من استعمالها (6).

____________

(3) و ليس له الاقدام على كسرهما لأن الهيئة و إن لم تكن محترمة و هي مبغوضة الوجود إلا أن غير المالك لا يتمكن من إزالتها عند اقدام المالك عليها لاستلزامه التصرف في مادتهما و هي محترمة و لا يجوز التصرف فيها إلا برضى مالكها و هذا نظير ما إذا تنجس مصحف الغير فإن الأمر بتطهيره يتوجه على مالكه و مع اقدامه عليه ليس لغيره التصرف فيه بالتطهير لاستلزامه التصرف في مال الغير من غير رضاه.

نعم إذا لم يرض المالك لكسرهما أو بتطهير المصحف في المثال جاز لغيره الاقدام عليهما بل وجب لأن المالك بامتناعه عما وجب عليه في الشريعة المقدسة ألغى ماله عن الاحترام بهذا المقدار من التصرف فيه لأن الهيئة مبغوضة و لا سبيل إلى إزالتها إلا بالتصرف في مادتها و لو من دون رضى مالكها لامتناعه عن كسرها و عن الاذن فيه و كذلك الحال في المصحف المتنجس فلاحظ.

(4) لأن الأصل مال محترم و إتلافه موجب للضمان كما إذا أزال الهيئة بإلقاء الإناء في بحر أو نهر و نحوهما.

(5) كما تقدم.

(6) الشك في إناء الذهب و الفضة قد يكون من جهة الهيئة و قد يكون

350

..........

____________

من جهة المادة.

أما الشك فيه من جهة الهيئة فهو أيضا على قسمين لأن الشبهة قد تكون حكمية مفهومية كما إذا شك في الظروف غير المعدة للأكل أو الشرب من جهة الشك في سعة مفهوم الإناء و ضيقه و أنه هل يشمل الإبريق- مثلا- أو يختص بما أعد للأكل أو الشرب منه؟ و قد تكون موضوعية كما إذا لم يدر لظلمة أو عمى و نحو ذلك أن الهيئة هيئة صندوق مدور أو إناء.

أما إذا شك في الهيئة من جهة الشبهة الحكمية فلا بد من الفحص عن مفهوم الإناء و بعد ما عجز عن تشخيصه رجع إلى استصحاب عدم جعل الحرمة لما يشك في صدق الإناء عليه لأن مرجع الشك في سعة مفهوم الإناء و ضيقة إلى الشك في ثبوت الحرمة و جعلها على الفرد المشكوك فيه و مقتضى استصحاب عدم جعل الحرمة عليه جواز الأكل و الشرب منه و على تقدير المناقشة في ذلك أصالة البراءة عن حرمة استعماله هي المحكمة.

و أما الشك في الهيئة من جهة الشبهة الموضوعية فهو أيضا مورد للحكم بالإباحة و ذلك لأن اتصاف المادة بهيئة الإناء أمر حادث مسبوق بالعدم لعدم كونها متصفة بها من الابتداء فمقتضى الاستصحاب النعتي عدم اتصافها بهيئة الإناء و مع الغض عن ذلك أصالة البراءة عن حرمة استعماله مما لا محذور فيه.

و أما الشك فيه من جهة المادة فالشبهة فيه موضوعية غالبا كما إذا لم يدر- مثلا- أن مادة الإناء ذهب أو نحاس و جريان الاستصحاب حينئذ يبتني على القول بجريانه في الأعدام الأزلية و ذلك لأن المادة قبل وجودها لم يكن اتصافها بالذهب موجودا يقينا و بعد ما وجدت المادة و شككنا في تحقق اتصافها بالذهب نستصحب عدمه و كذلك الحال فيما إذا شككنا في كونها فضة فبهذا الاستصحاب يثبت أن المادة ليست بذهب و لا فضة فيجوز استعمالها مطلقا و مع

351

فصل في أحكام التخلي (مسألة 1) يجب في حال التخلي بل في سائر الأحوال ستر العورة (1) عن الناظر المحترم.

____________

المناقشة في جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية أصالة البراءة عن حرمة استعمالها مما لا مزاحم له.

نعم قد يشك في المادة من جهة الشك في سعة مفهوم الذهب و ضيقه كما إذا شك في أن مفهوم الذهب أو الفضة هل يصدق على مادة الإناء؟ و المرجع حينئذ هو استصحاب عدم جعل الحرمة لما يشك في كونه ذهبا أو فضة أو البراءة عن حرمة استعماله على تقدير المناقشة في الاستصحاب فالمتلخص أن ما يشك في كونه إناء الذهب أو الفضة يجوز استعماله مطلقا سواء كان الشك من جهة المادة أو الهيئة و سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

فصل في أحكام التخلي

(1) وجوب ستر العورة عن الناظر المحترم من المسائل القطعية بل الضرورية في الجملة و يدل عليه قوله عز من قائل قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (1) و غيرها من الآيات المتحدة معها في المفاد، حيث دلت على وجوب حفظ الفرج عن كلما يترقب منه من الاستلذاذات إذ الاستلذاذ به قد يكون بلمسه و قد يكون بالنظر إليه و قد يكون بغير ذلك من الوجوه على ما تقتضيه القوة الشهوية و الطبع البشري و ذلك لأن حفظ الفرج في تلك الآيات الكريمة غير مقيد بجهة دون جهة.

____________

(1) النور 24: 31.

352

..........

____________

و معه لا حاجة في تفسير الآية المباركة إلى مرسلة الصدوق (قده) سئل الصادق (عليه السلام) عن قول اللّٰه عز و جل قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ. فقال: كل ما كان في كتاب اللّٰه من ذكر حفظ الفرج فهو من الزناء إلا في هذا الموضع فإنه للحفظ من أن ينظر إليه (1) حتى يرد بإرسالها. و أيضا يدل على ذلك جملة من الأخبار فيها روايات معتبرة و إن كان بعضها ضعيفا.

«فمنها»: ما رواه حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه (2).

و «منها»: حسنة رفاعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر (3) حيث جعلت ستر العورة من لوازم الايمان فتدل على وجوب سترها مطلقا بعد القطع بان الاتزار ليس من الواجبات الشرعية في الحمام و الجزم بان الحمام ليست له خصوصية في ذلك فليس الأمر به إلا من جهة أن الحمام لا يخلو عن الناظر المحترم- عادة- كما أن الأمر به ليس مقدمة للاغتسال و من هنا ورد جواز الاغتسال بغير إزار حيث لا يراه أحد و ذلك كما في صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يغتسل بغير إزار حيث لا يراه أحد قال: لا بأس (4) و هذه الصحيحة تدل على أن الأمر بالاتزار في الحسنة المتقدمة ليس إلا لوجوب ستر العورة عن الناظر المحترم. و في جملة من الأخبار «عورة المؤمن على المؤمن حرام» و ظاهرها أن النظر إلى عورة المؤمن حرام.

____________

(1) المروية في ب 1 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

(2) المروية في ب 1 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

(3) المروية في ب 9 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.

(4) المروية في ب 11 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.

353

..........

____________

و قد يناقش في ذلك بان المراد بالعورة هو الغيبة فالأخبار انما تدل على حرمة غيبة المؤمن و كشف ما ستره من العيوب كما ورد تفسيرها بذلك في جملة من النصوص؟

«منها»: ما رواه عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: نعم، قلت أعني سفليه، فقال: ليس حيث تذهب إنما هو إذاعة سره (1).

و «منها»: رواية زيد الشحام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في عورة المؤمن على المؤمن حرام قال: ليس أن ينكشف فيرى منه شيئا إنما هو أن يزري عليه أو يعيبه (2) و منها غير ذلك من الروايات.

و الجواب عن ذلك أنه لا مناص من حمل تلك الروايات على تفسير كلامه بذلك في خصوص المورد أو الموردين أو أكثر فكأنه (عليه السلام) أراد منها معنى عاما ينطبق على الغيبة و إذاعة السر في تلك الموارد تنزيلا لهما منزلة كشف العورة و لا يمكن حملها على أن المراد بتلك الجملة هو الغيبة في جميع الموارد و أينما وقعت كيف و قد وردت في مورد لا يمكن فيه حملها على ذلك المعنى بوجه.

و هذا كما في رواية حنان بن سدير عن أبيه قال: دخلت أنا و أبي و جدي و عمي حماما بالمدينة فإذا رجل في البيت المسلخ فقال لنا: من القوم؟ فقلنا من أهل العراق فقال: و أي العراق؟ قلنا: كوفيون، فقال: مرحبا بكم يا أهل الكوفة أنتم الشعار دون الدثار ثم قال: ما يمنعكم من الأزر فإن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام، قال: فبعث إلى أبي كرباسة فشقها بأربعة ثم أخذ كل واحد منا واحدا ثم دخلنا فيها .. فسألنا عن الرجل فإذا هو

____________

(1) المروية في ب 8 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.

(2) المروية في ب 8 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.

354

سواء كان من المحارم أم لا (1) رجلا كان أو امرأة، حتى عن المجنون و الطفل

____________

علي بن الحسين (عليه السلام) و معه ابنه محمد بن علي (عليهما السلام) (1).

و ذلك لأن إرادة الغيبة من قوله (عليه السلام) فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: عورة المؤمن .. أمر غير ممكن بقرينة الحمام و اتزارهم بالكرباس فالمتحصل إلى هنا أن وجوب ستر العورة مما لا اشكال فيه و كذا الحال في حرمة النظر إليها على ما دلت عليه الأدلة المتقدمة.

و ما عن بعض متأخر المتأخرين من أنه لو لم يكن مخافة خلاف الإجماع لأمكن القول بكراهة النظر، دون التحريم كما نقله المحقق الهمداني (قده) فلعله مستند إلى مصححة ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) أ يتجرد الرجل عند صب الماء ترى عورته؟ أو يصب عليه الماء؟ أو يرى هو عورة الناس؟

قال: كان أبي يكره ذلك من كل أحد (2) و لكن فيه أن الكراهة في الروايات لا يراد منها الكراهة بالمعنى المصطلح عليه عند الأصحاب لأنه اصطلاح حديث و معناها الحرمة و البغض ما لم يقم على خلافها دليل و على ذلك فالرواية إما ظاهرة في الحرمة أو مجملة فلا يمكن جعلها قرينة على إرادة الكراهة المصطلح عليها في سائر الروايات هذا تمام الكلام في وجوب ستر العورة و حرمة النظر إليها. و أما خصوصيات ذلك فهي التي أشار إليها الماتن بقوله: سواء كان من المحارم ..

(1) هذا و ما بعده لإطلاق الأدلة المتقدمة من الآيات و الأخبار الدالتين على حرمة النظر إلى عورة الغير و وجوب حفظ الفرج مطلقا و ذلك لأنه لم يستثن منه سوى أزواجهم و ما ملكت أيمانهم بلا فرق في ذلك بين المحرم كالأخ و الأخت و الأب و الأم و نحوهم و بين غير المحرم.

____________

(1) المروية في ب 9 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.

(2) المروية في ب 3 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.