التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الغروي المزيد...
499 /
453

..........

الوجوه المستدل بها على التفصيل بين الناسي و العامد:

____________

هكذا يفصّل بين الناسي و العامد و يستدل عليه بأمور:

«الأول»: ان ذلك مقتضى الجمع بين الروايات فإن الأخبار المتضمنة بالأمر بالاتباع أو المتابعة في الوضوء تدلنا على اعتبار الموالاة العرفية في صحته لأن ظاهر كلمة الاتباع و المتابعة هو إتيان كل جزء بعد الجزء الآخر متواليا فإذا أخل المكلف بذلك متعمدا و لم يأت بالإجزاء على نحو التوالي فقد أخل بالشرط فيحكم على وضوئه بالبطلان.

و أما الموثقة و الصحيحة الدالتان على صحة الوضوء عند بقاء الرطوبة في الأعضاء السابقة فهما محمولتان على ترك التوالي عند الاضطرار كما هو موردهما و من أفراد الاضطرار النسيان و بهذا يجمع بين الطائفتين هذا.

و التحقيق انه لا فرق بين العامد و غيره في ان الوضوء مع الإخلال بالموالاة العرفية إذا بقيت الأعضاء السابقة على رطوبتها محكوم بالصحة كما مر و السر في ذلك أنه لا دليل على ان الإخلال بالموالاة العرفية يوجب الحكم ببطلان الوضوء حتى يحمل ذلك على العامد.

و ما استدل به على ذلك من الأخبار الآمرة بالاتباع و المتابعة و قالوا انها محمولة على المتعمد في الإخلال بالموالاة العرفية فمما لا يمكن الاعتماد عليه و ذلك لأن الأخبار الآمرة بالاتباع و المتابعة روايات ثلاث:

«الأولى»: رواية حكم بن حكيم قال: سألت أبا عبد اللّٰه عن رجل نسي من الوضوء الذراع و الرأس قال: يعيد الوضوء ان الوضوء يتبع بعضه بعضا (1) بدعوى ان قوله (عليه السلام) يتبع بعضه بعضا بمعنى ان الاجزاء

____________

(1) المروية في ب 33 من أبواب الوضوء من الوسائل

454

..........

____________

الوضوئية تعتبر فيها الموالاة عرفا. و يتوجه على الاستدلال بها «أولا»: انها ضعيفة السند بالحسين بن محمد بن عامر لأنه و ان كان يحتمل أن يكون هو الحسين بن محمد بن عمران و هو موثق في الرجال الا انه مجرد احتمال لا يعتني به [1] و الحسين بن محمد بن عامر لم يوثق في الرجال كما ان معلى بن محمد أيضا مجهول فالرواية غير قابلة للاعتماد عليها من حيث السند.

و «ثانيا»: ان دلالتها على المدعى محل الكلام و ذلك لان المراد بالتبعية في قوله (ع) يتبع بعضه بعضا انما هو الترتيب المعتبر بين أفعاله و اجزائه دون الموالاة العرفية كما توهم و ذلك بقرينة ورودها فيمن نسي الذراع و الرأس و أخل بالترتيب المعتبر في الوضوء إذا معنى أنه يتبع بعضه بعضا ان لكل جزء منه موضعا معينا لا يسع للمتوضئ أن يقدم ما هو متأخر أو يؤخر ما هو متقدم منها.

و «ثالثا»: انا لو سلمنا ان قوله (ع) يتبع بعضه بعضا بمعنى الموالاة في الوضوء فلا مناص من حمله على الموالاة بمعنى جفاف الأعضاء السابقة لأن موردها انما هو الناسي و هو غير مكلف بالموالاة حسب ما يقتضيه الموثقة و الصحيحة المتقدمتان و انما موالاته بمعنى عدم جفاف الأعضاء السابقة.

و قد تقدم أنه تعبدي في الجملة كما أنه في الجملة أيضا موافق للذوق العرفي لأن العرف يرى استمرار العمل و عدم انقطاعه عما تقدم ما دامت الرطوبة باقية على أعضاء الوضوء و مع ورود الرواية في مورد النسيان كيف

____________

[1] و قد تعرض دام ظله لهذا في الرجال و بنى على أن محمد بن عامر هو الحسين بن محمد بن عمران معللا بما عن النجاشي من ان عامرا هو ابن عمران فلاحظ.

455

..........

____________

بحمل ذيلها على العامد و غير الناسي إذا لا مجال لحمل التبعية فيها على الموالاة العرفية حتى يحمل على العامد لمنافاته مورد الرواية كما عرفت.

«الثانية»: صحيحة زرارة قال: قال: أبو جعفر: تابع بين الوضوء كما قال اللّٰه عز و جل أبدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس و الرجلين و لا تقدمن شيئا بين يدي شيء .. (1) مدعيا ان كلمة (تابع) بمعنى الإتيان بالأجزاء متوالية. و يدفعه: ان كلمة (تابع) في الصحيحة ليست بمعنى الموالاة قطعا لأنه (ع) استشهد بقول اللّٰه عز و جل مع وضوح ان الآية المباركة أجنبية عن الدلالة على اعتبار الموالاة العرفية.

بل ذكرنا ان مقتضى إطلاقها كبقية الأخبار المطلقة عدم اعتبار الموالاة في الوضوء كما هي غير معتبرة في الغسل بل انما هي بمعنى الترتيب لأنه الذي ذكره اللّٰه سبحانه بقوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .. و من ثمة قال (عليه السلام) إبداء بالوجه ..

و على الجملة قد يراد بالاتباع الإتيان بالأجزاء متوالية و قد يراد منه الإتيان بالأجزاء بعضها بعد بعض و ان لم تكن متوالية و قد عرفت ان الأول غير مراد في الصحيحة و حيث ان الوضوء متركب من أمور متعددة لا يمكن الإتيان بها مرة واحدة بأجمعها و انما يؤتى ببعضها قبل بعضها الآخر فالتتابع متحقق فيه في نفسه و انما أراد (ع) أن يبين كيفية التتابع و انه انما يحصل بتقديم غسل الوجه على غسل اليدين و بتقديمهما على مسح الرأس ثم الرجلين.

«الثالثة»: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه و ان كان انما نسي شماله فليغسل

____________

(1) المروية في ب 34 من أبواب الوضوء من الوسائل

456

..........

____________

الشمال و لا يعيد على ما كان توضأ و قال: اتبع وضوئك بعضه بعضا (1) و قد استدل بالجملة الأخيرة على اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء.

و يرده: ان الاتباع المأمور به في الرواية ليس بمعنى الموالاة العرفية و انما معناه الترتيب المعتبر في الوضوء بقرينة صدرها و هو انما ذكر كالدليل على الحكم المذكور في صدر الرواية و يبين ان الوجه فيه هو لزوم الاتباع في الوضوء.

على انا لو سلمنا انه بمعنى الموالاة فهي بمعنى عدم جفاف الأعضاء المتقدمة و ذلك لعين ما قدمناه في الرواية الأولى من ان موردها النسيان و الناسي غير مكلف بالموالاة العرفية و انما يكلف بالموالاة بالمعنى الثاني حسب ما تقتضيه الموثقة و الصحيحة المتقدمتان و مع كون المورد هو الناسي كيف تحمل الرواية على المتعمد و يراد منها اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء و المتحصل أنه لم يقم على اعتبار الموالاة العرفية دليل حتى نحمله على العامد و نحمل الموثقة و الصحيحة على الناسي فلا وجه للتفرقة بينهما أعني العامد و الناسي بدعوى انه مقتضى الجمع بين الدليلين بل قد عرفت ان مقتضى إطلاق الآية المباركة و بقية الأخبار المطلقة الآمرة بغسل الوجه و اليدين عدم اعتبار الموالاة في الوضوء و ان حاله حال الغسل فله أن يأتي بجزء منه في زمان و بالجزء الآخر في زمان آخر الا المسح لانه لا بد و ان يقع عقيب غسل اليدين أعني قبل جفافهما لاعتبار أن يكون المسح بالبلة الوضوئية الباقية في اليد و مع يبوستها لا يتحقق المسح المأمور به كما هو ظاهر.

و من هنا يظهر عدم إمكان الاستدلال على اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء بالأخبار الآمرة بالإعادة عند جفاف الأعضاء التراخي و ذلك لاحتمال استناد البطلان وقتئذ إلى عدم تحقق المسح المأمور به لا إلى فوات الموالاة

____________

(1) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل

457

..........

____________

العرفية بين الأعضاء و على ذلك لا يعتبر الموالاة العرفية في الوضوء. نعم يعتبر عدم جفاف الأعضاء المتقدمة حسب ما تقتضيه الموثقة و الصحيحة.

فإذا جفت و كان مستنده التأخير و الإبطاء فهو يوجب البطلان لأنه المقدار المتيقن من دلالتهما. و أما إذا لم يحصل التأخير الموجب للجفاف و لكن حصل الجفاف من علة أخرى كحرارة البدن و الهواء فيما ان سببية مثله للتبعيض و البطلان لا يمكن ان يستفاد من الصحيحة و الموثقة لعدم دلالتهما على بيان ما به يتحقق التبعيض فالمرجع حينئذ هو الإطلاقات المقتضية للحكم بصحة الوضوء و عدم اعتبار شيء من بقاء الرطوبة أو غيره في صحته.

فبهذا- لا دلالة الأخبار المتقدمة- صح لنا ان نقول أنه يعتبر في الوضوء أحد أمرين: اما الموالاة العرفية و ان حصل الجفاف من جهة حرارة البدن أو الهواء و اما بقاء الرطوبة في الأعضاء السابقة فيما إذا لم يتحقق هناك الموالاة بلا فرق في ذلك بين المتعمد و الناسي.

هذا كله في الأمر الأول من الأمور المستدل بها على التفصيل بين المتعمد و الناسي أعني حالتي الاختيار و الاضطرار.

و «الثاني»: قاعدة الاشتغال بدعوى انا مكلفون بالطهارة للصلاة فإذا شككنا في اعتبار شيء و مدخليته في تحققها فلا مناص من ان يؤتى بها حتى نقطع بحصول الواجب في الخارج و امتثال الأمر المتعلق به لأنه من قبيل الشك في المحصل و حيث انا نحتمل اعتبار التوالي العرفي في حق المتعمد فلا مناص من أن نراعيه حتى نقطع بإتيان ما هو محقق للطهارة الواجبة في حقنا.

و فيه: «أولا» ان الطهارة ليست الا نفس الأفعال أعني الغسلتين و المسحتين كما قدمناه تفصيله سابقا لا انها أمر آخر يتولد منهما و هما محصلان للطهارة فإذا شككنا في اعتبار أمر زائد على ما نعلم اعتباره في الوضوء فهو

458

..........

____________

من قبيل الشك في أصل توجه التكليف بإتيان المأمور به مقيدا بما نشك في اعتباره و هو مورد للبراءة دون الاشتغال.

و «ثانيا»: لو سلمنا ان الشك من قبيل الشك في المحصل و انه مورد الاشتغال أيضا لا مجال للتمسك بها في المقام و ذلك لأن الشك في اعتبار الموالاة العرفية- بالإضافة إلى المتعمد- مما يدفعه إطلاق الآية المباركة و الأخبار المطلقة لما تقدم من أن مقتضى إطلاقهما ان الوضوء كالغسل و ان الموالاة غير معتبرة فيه ابدا و من الواضح ان الدليل الاجتهادي لا يبقى مجالا للتشبث بالأصل العملي.

«الثالث»: الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية حيث تضمنت انه (ع) غرف غرفة فغسل بها وجهه و غرف غرفة أحرى و غسل بها يده اليمنى ثم غرف ثالثا و غسل بها يده اليسرى ثم مسح رأسه و رجليه و لم يرد في شيء من تلك الأخبار الواردة في مقام البيان انه (ع) غسل وجهه ثم صبر مدة ثم غسل يديه- مثلا.

إذا تدلنا على ان الوضوء يعتبر فيه التوالي لا محالة و انه من دون التوالي محكوم بالبطلان و قد خرجنا عنها في حق الناسي و المضطر بالموثقة و الصحيحة المتقدمتين و بقي المتعمد تحتها.

و الجواب عن ذلك: ان الأخبار المذكورة ليست بصدد بيان ان الموالاة معتبرة في الوضوء و انما كان (ع) في تلك الأخبار بصدد تعليم الوضوء للراوي و إرشاده و من البديهي ان مقتضى التعليم أن يأتي (ع) بجميع أفعال الوضوء بعضها بعد بعض فهل ترى من نفسك ان أحدا إذا سألك تعليم الوضوء تأتي ببعض أفعالها و تؤخر إتيان البعض الآخر؟! أو تأتي برمتها و حسب ترتيبها مرة واحدة.

و من الظاهر ان التأخير في أثناء العمل لا يصدر عن العاقل و الحكيم

459

..........

____________

عند تعليمه الإبداع أهم و مع عدمه فالعادة جارية على الإتيان بجميع ما يعتبر في العمل متتالية حتى يتعلمها الجاهل عند التعليم إذا عدم إتيانه (ع) الاجزاء مع التراخي في الأخبار البيانية- انما هو من جهة الجري على المتعارف العادي في مقام التعليم لا من جهة اعتبار التوالي في الوضوء.

«الرابع»: الإجماع حيث ادعوا الإجماع على هذا التفصيل و إن التوالي يعتبر بالإضافة إلى المتعمد المختار و أما الناسي و المضطر فيعتبر في صحة وضوئه عدم جفاف الأعضاء المتقدمة على العضو الذي يريد الاشتغال به.

و فيه: ان الإجماع المنقول لو قلنا باعتباره في غير المقام- مع انا لا نقول باعتباره أصلا- لا يمكننا الاعتماد عليه في خصوص المسألة و ذلك لتصريحهم بندرة القول باعتبار الموالاة العرفية في حق العامد و ان القائل باشتراطها غير معروف و معه كيف يكون اعتبارها الشرطي مجمعا عليه بين الأصحاب و انما القائل باعتبارها يرى الموالاة واجبة بالوجوب النفسي و ان الإخلال بها يوجب الإثم و العصيان لا انه بسبب البطلان و هذا أمر آخر- أي الوجوب النفسي- و ان نسب إلى المشهور و كيف كان فلم يثبت اعتبار الموالاة العرفية شرطا في الوضوء.

فالصحيح ما ذكرناه من عدم اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء من دون فرق في ذلك بين المتعمد و الناسي.

ما نسب الى المشهور في المسألة:

بقي الكلام فيما نسبوه إلى المشهور بين الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم) من ان الموالاة معتبرة في الوضوء بالوجوب النفسي و ان الإخلال بها يوجب الإثم و العصيان دون بطلان الوضوء.

460

..........

____________

فقد يستدل على ذلك بقاعدة الاشتغال لاحتمال اعتبارها في الوضوء و بما أن المورد من موارد الشك في المحصل فلا مناص من الاحتياط.

و فيه: انا ان اعتمدنا على قاعدة الاشتغال عند الشك في اشتراط صحة الوضوء بالموالاة فلا نعتمد عليها في الشك في وجوبها النفسي أبدا و ذلك لإطباق المحدثين و الأصوليين على ان الشبهات الوجوبية مورد للبراءة عدي المحدث الأسترآبادي و معه لا مجال للتمسك بقاعدة الاشتغال.

و قد يستدل بان الأمر يقتضي الفور فلو فصل بين أجزاء الوضوء و أفعاله و خالف الفور إثم إذا لا بد من أن يأتي بها فورا و هو معنى وجوب الموالاة في الوضوء و هذا الاستدلال أو لم يذكروه في الكتب العلمية لكان الصفح عن ذكره أجدر لعدم قابليته للذكر أو الاعتماد عليه.

و يدفعه: «أولا»: ان الأمر لا يفيد الفور و على تقدير تسليم انه يفيد الفور لا يمكن الالتزام به في المقام و الا لوجبت المبادرة إلى غسل الوجه فورا و هو مما لا يلتزم به أحد لأنه كغسل اليدين متعلق للأمر فمن قام من نومه- و هو الذي فسر به القيام في الآية المباركة- لوجب عليه أن يغسل وجهه و هو كما ترى. و احتمال أنه لا يقتضي الفور في غسل الوجه و يقتضيه في غسل اليدين ضعيف غايته لأن غسل اليدين لم يتعلق به أمر مستقل و انما عطف على غسل الوجه فلو حملنا الأمر المتعلق به على غير الفور فبأي شيء نستدل على الفور في غسل اليدين هذا كله.

على انا لو سلمنا جميع ذلك و أغمضنا عن عدم إفادة الأمر للفور و عن عدم إمكان الالتزام به في المقام لمحذور التفكيك بين مثل الوجه و غسل اليدين فهو انما يتم في الأمر المولوي و لا يتم في مثل الوضوء الذي هو شرط و مقدمة للصلاة فإن الإتيان به غير واجب على الفور فكيف يكون الإتيان باجزائه واجبا فوريا وقتئذ.

461

..........

____________

و ثالثة يستدل بالإجماع و رابعة بالأخبار الآمرة بالمتابعة و الاتباع و لكن الإجماع غير تعبدي و لا يكشف مثله عن رأيه (ع) و الاخبار المذكورة انما تدل على وجوب الترتيب لا على وجوب الموالاة كما تقدم.

فالإنصاف أنه لا دليل على اعتبار الموالاة في الوضوء لا على وجه الشرطية و لا على وجه النفسية من دون فرق في ذلك بين العامد و غيره.

بقي هناك أمران ينبغي التنبيه عليهما:

«أحدهما»: ان المدار في جفاف الأعضاء السابقة هل على الجفاف الفعلي أو ان المعتبر هو الجفاف التقديري نظير التغير التقديري في الماء؟

وجه شيخنا الأنصاري (قدس سره) الاحتمال الثاني بل قواه و اختاره على ما ينسب اليه نظرا إلى ان قوله (ع) حتى يبس وضوئك أو فيجف وضوئي في الموثقة و الصحيحة المتقدمتين منصرفان الى اليبس المتعارف العادي.

و أفاد أنه على ذلك يعتبر في الجفاف المبطل للوضوء أن يكون على نحو لو كان التوضؤ في الهواء المعتدل لجف و اما الجفاف في الهواء غير المعتدل و عدمه فهما خارجان عن مورد الروايتين فلو فرضنا انه جفت أعضائه في الهواء الحار الشديد أو بقيت على رطوبتها من جهة برودة الهواء و رطوبته كما في أيام الربيع- مثلا- فهو خارج عن مورد الصحيحة و الموثقة.

و فيه: مضافا إلى ان حمل الجفاف على التقديري خلاف ظاهر الروايتين ان غاية ما يلزم على ذلك أن يكون عدم الجفاف في الهواء غير المعتدل خارجا عن مورد الروايتين لأنهما إنما دلتا على صحة الوضوء فيما إذا لم تجف الأعضاء المتقدمة من جهة التأخير و الإبطاء أي لم يفصل زمان

462

..........

____________

تجف فيه الأعضاء المتقدمة على تقدير حرارة الهواء.

و أما إذا فرضنا تخلل زمان تجف فيه الأعضاء على تقدير اعتدال الهواء غير انها لم تجف لعدم اعتدال الهواء فهو خارج عن مورد الروايتين و اما ان الوضوء يبطل حينئذ فهو يحتاج الى دليل فهب أنه خارج عن موردهما.

الا ان مقتضى الإطلاق كما قدمناه عدم اعتبار الموالاة في الوضوء و ان حاله حال الغسل بعينه و انما خرجنا عنها فيما إذا جفت الأعضاء لأجل التأخير فحسب و بقي غيره مشمولا للإطلاقات هذا.

على ان الأخبار الواردة فيمن نسي المسح في وضوئه و انه يأخذ البلة من لحيته على تقدير كونها مبتلة و يمسح بها تدفع اعتبار الجفاف التقديري بإطلاقها، لأنها واردة في حق عامة المكلفين على اختلاف أمزجتهم و أمكنتهم و اختلاف أماكن وضوئهم و أزمنته فقد دلتنا على ان اللحية إذا لم تجف و كانت مبتلة و أمكن أخذ البلة منها حكم بصحة الوضوء و ان كانت بقاء الرطوبة فيها من جهة برودة الهواء و عدم اعتداله بحيث لو كان الهواء معتدلا لجفت.

«الأمر الثاني»: قد أسلفنا ان جفاف الأعضاء المتقدمة إذا استند إلى التأخير و الإبطاء فالوضوء محكوم وقتئذ بالبطلان بمقتضى الصحيحة و الموثقة و اما إذا جفت من دون استناد الجفاف إلى التأخير كما إذا استند إلى حرارة البدن أو الهواء فقد ذكرنا ان مقتضى الإطلاقات صحته فإذا جفت أعضائه لا لأجل التأخير و حكمنا بصحة وضوئه كما عرفت فهل يجب أن يأتي بالبقية من دون فصل أوله ان يتأخر بعد ذلك ساعة أو ساعتين أو أكثر ثم يأتي ببقية أفعال الوضوء؟

الصحيح وجوب الإتيان بالبقية من دون إبطاء على نحو يصدق التبعيض لدى العرف لان المستفاد من التعليل الوارد في ذيل الموثقة فإن

463

..........

____________

الوضوء لا يتبعض ان الوضوء عمل وحداني غير قابل للتبعيض و هذه الكبرى و ان كانت قد طبقت على مورد الرواية و هو ما إذا حصلت اليبوسة للتأخير و لم تطبق على غيره كما إذا حصلت اليبوسة لحرارة الهواء- مثلا- الا ان كل مورد صدق عليه عنوان التبعيض لدى العرف يشمله تعليل الرواية لا محالة و عليه فيعتبر في صحة الوضوء أحد أمرين.

«أحدهما»: ان لا تجف الأعضاء المتقدمة من جهة التأخير و الإبطاء.

و «ثانيهما»: ان لا يتخلل الفصل بين أجزائه و أفعاله بمقدار يتحقق به التبعيض لدى العرف فإذا جفت أعضاء المتوضي لحرارة الهواء فليس له ان يتأخر بمقدار يتحقق به التبعيض في الوضوء و هذا هو المراد بقولنا في أوائل المسألة ان الوضوء يعتبر فيه أحد أمرين كما عرفت هذا.

ثم انه ورد في صحيحة حريز: في الوضوء يجف قال: قلت فان جف الأول قبل ان اغسل الذي يليه قال: جف أو لم يجف اغسل ما بقي قلت و كذلك غسل الجنابة قال هو بتلك المنزلة و ابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك قلت: و ان كان بعض يوم قال: نعم (1).

و هي تعارض الموثقة و الصحيحة المتقدمتين لدلالتها على عدم بطلان الوضوء بجفاف الأعضاء المتقدمة و من هنا جمع بينها و بين الروايتين الشيخ (قده) جمعا دلاليا بحمل مطلقهما على مقيدهما بدعوى ان صحيحة حريز مطلقة لدلالتها على عدم بطلان الوضوء بجفاف الأعضاء المتقدمة مطلقا سواء استند إلى التأخير أم الى شيء آخر من حرارة الهواء أو الريح الشديد و الموثقة و الصحيحة دلتا على بطلان الوضوء من جهة خصوص الجفاف المستند إلى التأخير فهما أخص من صحيحة حريز.

____________

(1) المروية في ب 33 من أبواب الوضوء من الوسائل

464

..........

____________

و مقتضى قانون الإطلاق و التقييد تقديم الدليل المقيد و الأخص و تقييد المطلق به و نتيجة ذلك في المقام هو الحكم ببطلان الوضوء بجفاف الأعضاء المتقدمة عند استناده إلى التأخير بخلاف الجفاف غير المستند اليه.

و قد جمع (قده) بينهما مرة أخرى مجمل الصحيحة على التقية لأن مذهب كثير من علماء العامة عدم اعتبار الموالاة [1] في الوضوء و عدم بطلانه بجفاف الأعضاء المتقدمة.

و الصحيح هو ما أفاده أخيرا و ذلك لما قدمناه غير مرة من ان الأمر بالإعادة إرشاد إلى البطلان و عليه فالموثقة و الصحيحة دلتا على بطلان الوضوء عند جفاف الأعضاء المتقدمة بالتأخير و هذه الصحيحة دلت على عدم البطلان بذلك فهما متعارضتان و لا بد من الرجوع إلى مرجحات المتعارضين و حيث

____________

[1] في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 47 من الطبعة الخامسة ان الشافعية و الحنفية قالوا ان الموالاة سنة فيكره التفريق بين الأعضاء إذا كان بغير عذر. أما للعذر فلا يكره كما إذا كان ناسيا أو فرغ الماء المعد لوضوئه فذهب ليأتي بغيره ليكمل وضوءه و محل كونه سنة عند الشافعية ما لم يكن صاحب ضرورة كصاحب السلس فإنه يجب عليه التتابع كما سبق و المالكية قالوا ان شرط وجوب الموالاة ان يكون المتوضي ذاكرا قادرا فلو كان ناسيا أو عاجزا غير مفرط، و غير المفرط هو كمن أعد من الماء ما يكفي للطهارة يقينا ثم ظهر عدم كفايته و أريق منه شيء فإنه يبنى على ما فعل و لو طال الزمن ..

و في كتاب الرحمة بهامش الميزان للشعراني ص 19: و الموالاة في الوضوء سنة عند أبي حنيفة و قال مالك الموالاة واجبة و للشافعي فيه قولان أصحهما أنها سنة، و المشهور عن أحمد انها واجبة.

465

السابق على العضو الذي يريد أن يشرع فيه الأحوط الاستئناف، و ان بقيت الرطوبة في العضو السابق على السابق، و اعتبار عدم الجفاف انما هو إذا كان الجفاف من جهة الفصل بين الأعضاء أو طول الزمان. و اما إذا تابع في الأفعال و حصل الجفاف من جهة حرارة بدنه أو حرارة الهواء أو غير ذلك فلا بطلان، فالشرط في الحقيقة أحد الأمرين من التتابع العرفي و عدم الجفاف. و ذهب بعض العلماء إلى وجوب الموالاة بمعنى التتابع و ان كان لا يبطل الوضوء بتركه إذا حصلت الموالاة بمعنى عدم الجفاف ثم انه لا يلزم بقاء الرطوبة في تمام العضو السابق. بل يكفي بقاؤها في الجملة و لو في بعض أجزاء ذلك العضو.

(مسألة 24): إذا توضأ و شرع في الصلاة ثم تذكر انه ترك بعض المسحات أو تمامها بطلت صلاته (1) و وضوءه أيضا إذا لم

____________

ان الصحيحة موافقة للعامة و هما مخالفتان معهم فلا مناص من طرح الموافق و الأخذ بما خالفهم.

و اما ما صنعه أولا من حمل مطلقهما على مقيدهما ففيه: ان الصحيحة إنما دلت على عدم بطلان الوضوء بجفاف الأعضاء المتقدمة عند استناده إلى التأخير و لم تدلنا على عدم بطلان الوضوء بمطلق الجفاف.

و هذا يظهر بملاحظة قوله (ع) هو أي الغسل بتلك المنزلة أي بمنزلة الوضوء حيث يدلنا على انهما متحدان بحسب الحكم و بما انه (ع) صرح بعد ذلك بعدم بطلان الغسل و ان أخر بعض اجزائه بعض يوم فيعلم من ذلك ان الوضوء أيضا كذلك و ان مراده بالجفاف في الوضوء هو الجفاف المستند إلى التأخير و انه غير قادح في صحته و عليه فالصحيحة و الروايتان متعارضتان و ليستا من المطلق و المقيد في شيء.

(1) لفقدانها الطهارة المعتبرة فيها.

466

يبق (1) الرطوبة في أعضائه، و الا أخذها و مسح بها و استأنف الصلاة، (مسألة 25): إذا مشى بعد الغسلات خطوات ثم اتى بالمسحات لا بأس (2) و كذا قبل تمام الغسلات إذا أتى بما بقي و يجوز التوضؤ ماشيا.

(مسألة 26): إذا ترك الموالاة نسيانا بطل وضوءه (3) مع فرض عدم التتابع العرفي أيضا و كذا لو اعتقد عدم الجفاف (4) ثم تبين الخلاف.

(مسألة 27): إذا جف الوجه حين الشروع في اليد لكن بقيت الرطوبة في مسترسل اللحية أو الأطراف الخارجة عن الحد ففي كفايتها اشكال (5).

____________

(1) من دون فرق في ذلك بين أن يكون جفاف أعضائه مستندا إلى التأخير و استناده إلى شيء آخر من حرارة البدن أو الهواء أو غيرهما من الأمور و ذلك لان المسح يعتبر ان يكون ببلة الوضوء الباقية في اليد و مع عدمها و عدم ما يقوم مقامها من بلة سائر الأعضاء يقع باطلا لا محالة.

(2) و الدليل على هذا و ما بعده أعني ما إذا مشى قبل تمام الغسلات و غسل الأعضاء الباقية في مكان آخر و ما إذا توضأ ماشيا انما هو الإطلاق لأن أدلة الوضوء غير متقيدة بأن يكون مسحه و غسله في مكان واحد أو تكون الغسلات فيه كذلك أو ان يقع الوضوء بجميع أجزائه في محل واحد إذا له أن يتوضأ ماشيا كما عرفت.

(3) لان الوضوء أمر وحداني لا يقبل التبعيض كما مر.

(4) لعين ما مر و عرفت.

(5) و الأمر كما أفيد بل يمكن الحكم ببطلان الوضوء حينئذ من جهة ان ظاهر قوله (ع) في الصحيحة و الموثقة حتى يبس وضوئك أو فيجف وضوئي. ان ماء الوضوء انما يجف في مورد أمر فيه بغسله لا انه يجف

467

(الثاني عشر): النية (1).

____________

الماء الموجود في موضع لا يجب غسله، لانه اما ليس بماء الوضوء أو انه ليس في مورد الأمر بالغسل و موضعه، و مع جفاف ماء الوضوء في مورده يتبعض الوضوء بمقتضى تطبيقه (ع) الكبرى «فان الوضوء لا يتبعض» على مورد الجفاف المستند إلى التأخير.

اشتراط النية في الوضوء:

(1) لا خلاف يعتد به في المسألة و انما الكلام في وجه امتياز الوضوء- من بقية مقدمات الصلاة- بكونه عبادة يعتبر فيه قصد الامتثال و الإتيان به بداعي أمر اللّٰه سبحانه و اطاعته بخلاف غيره من المقدمات كتطهير الثوب و البدن و نحوهما.

الوجوه المستدل بها على عبادية الوضوء:

يمكن أن يستدل على ذلك بعدة وجوه:

«منها»: الإجماع و الارتكاز المتشرعي الثابت في أذهان المتشرعة الثابت من لدن تشريع الوضوء إلى يومنا هذا حيث ان كبيرهم و صغيرهم يعتقدون ان الوضوء أمر قربي عبادي و هذا كاشف عن ان ذلك وصلهم يدا بيد و تلقاه الخلف عن السلف و الولد عن والده الى زمان الأئمة (عليهم السلام).

و يؤكده ما ورد من ان الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث الطهور و ثلث الركوع و ثلث السجود (1).

____________

(1) المروية في ب 1 من أبواب الوضوء و 9 من أبواب الركوع و 28 من أبواب السجود من الوسائل من دون الالف و اللام.

468

..........

____________

و ما ورد من ان الوضوء من الصلاة كما تقدم في رواية النوفلي عن علي (عليه السلام) عن النبي الأكرم (ص) من أنه قال: خصلتان لا أحب ان يشاركني فيها أحد: وضوئي فإنه من صلاتي .. (1) و ذلك لأنه لا معنى لجعل الوضوء ثلثا من الصلاة إلا فيما هو أظهر آثارها و هو العبادية و اعتبار قصد القربة فيها كما انه لا وجه لكونه من الصلاة الا من جهة كونه عبادة. بل مقتضى هذه الروايات انه يترتب على الوضوء كل أثر يترتب على الصلاة بل كل شرط يعتبر فيها إلا ما علمنا بعدم اعتباره في الوضوء كالطمأنينة و استقبال القبلة و نحوها. و على تقدير المناقشة في ذلك ففي الارتكاز المتشرعي غني و كفاية كما مر.

و «منها»: ان الأصل في كل واجب أن يكون عباديا لا يسقط إلا بقصد القربة و الامتثال و ذلك من جهة أن تحصيل غرض المولى واجب عقلي على المكلفين و حيث انا نحتمل أن يكون لقصد الأمر و التقرب مدخلية في حصوله فوجب الإتيان بالعمل بقصد القربة و الامتثال تحصيلا للجزم بحصول الغرض هذا.

و قد أجبنا عن ذلك في محله بأنا إن بنينا على إمكان أخذ قصد التقرب و الامتثال في متعلق الأمر الأول كما بنينا عليه في محله أو في متعلق الأمر الثاني على نحو نتيجة التقييد كما ذكره المحقق النائيني (قده) فلا مانع من ان ندفع احتمال مدخلية قصد الأمر في حصول الغرض بإطلاق الدليل.

و أما إذا بنينا على استحالة ذلك و عدم إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر فلنا أن ندفع احتمال مدخلية ذلك بالبراءة العقلية لقبح العقاب من دون بيان و ذلك لأنا إذا قلنا بالاستحالة فالمستحيل انما هو أخذ قصد التقرب و الامتثال في متعلق الأمر و التكليف.

____________

(1) المروية في ب 47 من أبواب الوضوء من الوسائل.

469

..........

____________

و اما بيان ان قصد التقرب مما له مدخلية في حصول الغرض و لو بالجملة الخبرية بعد الأمر فهو من الإمكان بمكان فإذا كان المولى في مقام البيان و لم يبين ذلك بوجه مع التمكن و القدرة من بيانه و توضيحه فلا يستحق العبد لوما و لا عقابا على مخالفته لانه من العقاب من دون بيان و هو أمر قبيح.

و «منها»: قوله عز من قائل قُلْ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ (1) بدعوى أن الإطاعة لا يتحقق الا بقصد الأمر و الامتثال و لا تصدق مع الإتيان بذات العمل مجردا عن ذلك فمقتضى الآية المباركة ان الإطاعة و قصد القربة و الامتثال واجبة في كل واجب الا ما خرج بالدليل هذا.

و الانصاف ان الآية المباركة لا دلالة لها على المدعى لان الاستدلال بها يتوقف على أمرين:

«أحدهما»: إثبات أن الأمر بالإطاعة أمر مولوي و ليس إرشادا الى ما استقل به العقل من وجوب طاعة المولى سبحانه لأنه إذا كان إرشاديا لم يترتب عليه الا ما كان يترتب على نفس الإتيان بالواجبات الشرعية في نفسها فلا بد من لحاظ ان الأمر بها هل يقتضي التعبدية حتى يكون طاعته بالإتيان بها متقربا الى اللّٰه سبحانه أو أنه لا يقتضي التعبدية فلا يعتبر في اطاعته سوى الإتيان بها بذاتها.

و «ثانيهما»: إثبات انه أمر غيري و ليست الإطاعة واجبة بالوجوب النفسي و هذا بعد إثبات ان الأمر بها أمر مولوي فيثبت ان الأمر بها من باب المقدمة لأن قصد الأمر و التقرب جزء من الواجبات فإن الأمر الغيري لا يعقل إلا في الشرائط و الاجزاء و لأجله أمر بها بالأمر المولوي الغيري و هو يدلنا على ان قصد التقرب جزء معتبر في التكاليف فيتقيد به إطلاق

____________

(1) آل عمران: 3: 32

470

..........

____________

أدلة الواجبات و اما إذا كانت الطاعة واجبة بالوجوب النفسي فهي إذا من احدى الواجبات الشرعية و في عرضها فلا دلالة لها على اعتبار قصد التقرب في الواجبات و اني للمستدل باثباتهما.

و ذلك لان الأمر بالطاعة فيها إرشاد الى ما استقل به العقل من لزوم طاعة المولى جلت عظمته و معه لا يترتب عليه إلا ما يترتب على نفس الأمر بالواجبات و لو لا هذا الأمر بالطاعة أيضا.

كنا نلتزم بوجوب الطاعة للمولى سبحانه بمعنى لزوم الإتيان بالواجبات فلا دلالة له على اعتبار قصد القربة بوجه فيكون وجوده كعدمه و ليس المورد مما يقبل الأمر المولوي كما أشرنا إليه في محله.

و مما يدلنا على أن الأمر بالإطاعة إرشادا الى ما استقل به العقل ان الآية المباركة كما يقتضي لزوم طاعة اللّٰه سبحانه في الواجبات- بناء على ان الأمر فيها مولوي- كذلك يقتضي وجوب طاعته في المحرمات و ذلك لعدم انحصار الطاعة بالإتيان بالواجبات و من البديهي أن الطاعة في المحرمات انما يتحقق بمجرد تركها و التجنب عنها و لا يتوقف حصول الطاعة في المحرمات على قصد التقرب و الامتثال.

كما ان الظاهر من كل أمر أنه أمر نفسي فحمله على الغيرية يحتاج إلى دليل فالأمر بالطاعة على تقدير تسليم انه أمر مولوي ظاهر في ان الطاعة واجبة بالوجوب النفسي لا الغيري فلا دلالة له على ان قصد القربة جزء أو شرط للواجبات و معه لا يمكن أن يستدل بالآية المباركة على ان الأصل في كل واجب هو التعبدية إلا ما خرج بالدليل.

و مما يؤيد ما ذكرناه ان الواجبات التوصلية أكثر من التعبديات في الشريعة المقدسة بكثير فعلى تقدير دلالة الآية المباركة على اعتبار قصد التقرب في كل واجب يلزم تخصيص الأكثر المستهجن حيث يخرج عنها مثل رد

471

..........

____________

السلام و الإنفاق على الزوجة و دفن الميت و كفنه و رد الدين و غيرها من الواجبات و ما يبقى تحتها إلا التعبديات و ما يشك في أنه تعبدي أو توصلي و «منها»: قوله عز من قائل وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ .. (1).

و الاستدلال بهذه الآية المباركة كسابقتها أيضا غير تام حيث يتوقف على ان تكون العبادة متعلقة للأمر لا غاية له بأن يكون اللام بمعنى «الباء» أي إلا بعبادة اللّٰه مخلصين له الدين.

و عليه تنحصر الأوامر الواردة في الدين بالأوامر المتعلقة بالعبادات فكل ما تعلق به أمر فهو عبادة لا محالة لا يسقط أمره الا بقصد الطاعة و الامتثال و دون إثبات ذلك خرط القتاد و ذلك لأن ظاهر الآية المباركة ان العبادة غاية لأوامر اللّٰه سبحانه كما انها غاية لخلقه على ما صرح به في قوله عز من قائل وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ (2).

إذا العبادة هي الغاية القصوى لكل من التكوين و التشريع حيث انه سبحانه خلقهم و أرسل إليهم رسله بعد ذلك ليعبدوه و العبادة موجبة لاستكمال النفوس فالغاية لكل من التكوين و التشريع هو استكمال النفس بالعبادة و عليه فلا دلالة للاية المباركة على اعتبار قصد التقرب في الواجبات إلا ما خرج بالدليل.

ثم ان الآية المباركة انما تعرضت لخصوص الصلاة و الزكاة حيث قال عز من قائل وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (3) إشارة إلى الكمال النفسي و ما فيه المصلحة العامة للمكلفين لأن الصلاة فارقة بين الكفر و الإسلام

____________

(1) البينة: 98: 5

(2) البينة: 98: 5

(3) الذاريات: 51: 56

472

..........

____________

و الزكاة فيها مصلحة عامة من اعاشة الفقراء بامداد غيرهم فكان الآية و اللّٰه العالم قد بينت أنهم أمروا لغاية استكمال النفس و ما فيه المصالح العامة و ان أحدهما غير منفك عن الآخر و من هنا لا نذكر موردا ذكر فيه الأمر بالصلاة من دون اقترانها بالزكاة هذا.

ثم لو تنازلنا عن ذلك و بنينا على ان اللام بمعنى الباء و العبادة متعلقة للأوامر لا انها غاية لها فأيضا لا يمكن الاستدلال بها على هذا المدعى و ذلك لأنها انما تدل على ان العبادة لا بد أن تكون منحصرة باللّه سبحانه و لا عبادة لغيره من الأوثان و نحوها و هذا لقرينية صدرها حيث ورد في المشركين و أهل الكتاب: و ما تفرقوا إِلّٰا مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (1).

أي و ما تفرق أهل الكتاب و لم يعبد بعضهم عزيرا بدعوى انه ابن اللّٰه و بعضهم قال عيسى ابن اللّٰه إلا من بعد ما جاءتهم البينة.

و قال قبل ذلك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّٰى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (2) رَسُولٌ مِنَ اللّٰهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (3) فصدر الآية المباركة انما ورد في المشركين و أهل الكتاب الذين عبدوا غير اللّٰه سبحانه من الوثن و العزير أو عيسى بن مريم مع انهم انما أمروا ليعبدوا اللّٰه خاصة.

فالآية المباركة بصدد بيان انحصار المعبود باللّه العظيم و ان عبادة غيره أمر غير جائز و اين هذا من اعتبار قصد التقرب و الامتثال في الواجبات فالآية أجنبية عما نحن بصدده بالكلية. هذا كله فيما استدل به على هذا الأصل من الآيات المباركة.

و اما ما استدل به من الأخبار على ان الأصل في كل واجب أن يكون عباديا يعتبر في سقوط أمره قصد التقرب و الامتثال. فهو جملة من

____________

(1) البينة: 98: 4.

(2) البينة: 98: 1.

(3) البينة: 98: 2.

473

..........

____________

الروايات الواردة بمضمون ان الأعمال بالنيات (1) و لا عمل الأبنية (2) و لكل امرئ ما نوى (3) بدعوى ان النفي في هذه الأخبار أنما ورد على نفي وصف الصحة دون الذات لوضوح تحقق الذات مع عدم قصد القربة و الامتثال فتدلنا على ان العمل الفاقد لنية القربة فاسد لا يترتب عليه أي أثر هذا و المحتملات فيما أريد بالنية في هذه الروايات أمور:

«الأول»: ان المراد بها نية القربة و قصد الامتثال و هذا الاحتمال هو الذي يبتنى عليه الاستدلال في المقام.

و يرده مضافا إلى ان النية ليست بحسب العرف و اللغة بمعنى قصد القربة و الامتثال. ان لازم حمل النية على ذلك لزوم تخصيص الأكثر و هو أمر مستهجن فان العبادات في جنب التوصليات قليلة في النهاية، و الصحة في التوصليات لا تنتفي بعدم قصد القربة و الامتثال. على أنه ينافيه بعض الروايات كما يأتي قريبا ان شاء اللّٰه.

«الثاني»: ان يراد بها قصد عناوين الافعال و ان الفعل إذا أتى به من دون ان يقصد عنوانه وقع فاسدا و لا يترتب عليه أي أثر في الخارج- مثلا- إذا غسل وجهه و يديه و مسح رأسه و رجليه و لكنه لا بقصد عنوان الوضوء لم يترتب عليه أي أثر لدى الشرع.

و على هذا الاحتمال تكون الأخبار المذكورة أجنبية عن المدعى و انما تدلنا على ان الفعل الاختياري يعتبر في صحته أن يكون صادرا بالإرادة و قصد عنوانه و لا يستفاد منها اعتبار نية القربة و الامتثال في كل واجب.

و لكن الأخبار المذكورة لا دلالة لها على هذا المعنى أيضا و ذلك لان بيان اعتبار الاختيارية و قصد عنوان الفعل- بالإضافة إلى الأفعال المتقومة

____________

(1) المروية في ب 5 من أبواب العبادات من الوسائل

(2) المروية في ب 5 من أبواب العبادات من الوسائل

(3) المروية في ب 5 من أبواب العبادات من الوسائل

474

..........

____________

بالقصد كالتعظيم و الإهانة و العبادات الشرعية حيث يعتبر فيها زائدا إلى قصد القربة قصد عناوين الافعال و صدورها عن الإرادة و الاختيار و كذا الحال في العقود و الإيقاعات- من قبيل توضيح الواضحات غير المناسب للإمام (ع) لوضوح ان تلك الافعال لا يتحقق إلا بقصد عناوينها.

و أما بالإضافة إلى التوصليات و غيرها من الأفعال التي لا تقوم بقصدها و ارادة عناوينها فهو يستلزم محذور تخصيص الأكثر، لأنها بأجمعها إلا نادرا تتحقق من غير قصد عناوينها كما إذا أوجدها غيره أو أوجدها غفلة من دون قصد عناوينها كغسل الثوب للصلاة و غيره من التوصليات.

هذا على ان هذا الاحتمال كالاحتمال السابق عليه ينافي بعض الاخبار الواردة في المقام و قد ورد في روايتين عنه (ص) انه قال: لا قول إلا بعمل و لا قول و لا عمل إلا بنية و لا قول و عمل و نية إلا بإصابة السنة- موافقها- (1) حيث يستفاد منهما ان المراد بالنية ليس هو قصد القربة و لا قصد عناوين الافعال و الا فلا معنى لاصابتهما السنة.

فالصحيح ان يقال: ان المراد بالنية أمر ثالث و هو الداعي و المحرك نحو العمل و ان كل ما صدر عن المكلفين من الأفعال أمر مستحسن فيما إذا كان الداعي إليه حسنا كما انه أمر مستقبح فيما إذا كان الداعي إليه قبيحا و هذا كضرب اليتيم لأنه إذا كان بداعي التأديب يتصف بالحسن و يثاب عليه و إذا كان بداع التشفي أو الإيذاء اتصف بالقبح و عوقب عليه و كالنوم لأنه إذا كان بداع الاستراحة ثم الاشتغال بالعبادة فلا محالة اتصف بالحسن كما إذا كان بداع الاستراحة ليجدد قواه حتى يقتل مؤمنا بعد ذلك- مثلا- اتصف بالقبح.

____________

(1) المروية في ب 5 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

475

..........

____________

و هكذا الصلاة فإن الداعي إليها إذا كان هو التقرب و قصد الامتثال اتصفت بالحسن و يثاب عليها كما إذا كان الداعي إليها هو الرياء و نحوه اتصفت بالقبح و عوقب عليها و هكذا بقية الأعمال و الأفعال لأنها كالجسد و النية بمثابة الروح فكما ان الأنبياء (عليهم السلام) متحدون بحسب الصورة مع الأشقياء لأن كلا منهما بصورة الإنسان لا محالة و انما يختلفان و يفترقان بحسب الروح و الحقيقة فإن روح النبي روح طيبة و لأجل اتحادها مع البدن نحو اتحاد اتصف بدنه أيضا بوصف روحه. و روح الشقي روح خبثية فبدنة أيضا خبيث.

كذلك الأفعال الصادرة من العباد لأنها كالأجساد يشبه بعضها بعضا و انما يفترقان من ناحية أرواحها و هي النيات و الدواعي فالفعل إذا صدر بداع حسن فيتصف بالحسن و ان كان صادرا بداع قبيح فهو قبيح:

و بهذا يصح ان يقال لا عمل إلا بنية و ان الميزان في الحسن و القبح و الثواب و العقاب انما هو الدواعي و النيات فان كان الداعي حسنا فالعمل أيضا حسن و إن كان قبيحا فالعمل أيضا قبيح.

و بما ذكرناه قد صرح في ذيل بعض الروايات حيث قال: فمن غزى ابتغاء ما عند اللّٰه فقد وقع أجره على اللّٰه عز و جل. و من غزى يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا لم يكن له الا ما نوى (1) فان الغزو من كل من الشخصين فعل واحد لا اختلاف فيه بحسب الصورة و الجسد لأن كلا منهما قاتل و جعل نفسه معرضا للقتل غير انهما يختلفان بحسب الروح الداعية اليه و المحركة نحوه فان كان الداعي له إلى ذلك هو اللّٰه عز و جل فقد وقع عليه أجره و من كان داعيه عرض الدنيا لم يكن له إلا ما نوى.

و يؤيد ما ذكرناه انه عبر في الرواية بالجمع حيث أنه قال: الأعمال

____________

(1) المروية في ب 5 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل

476

..........

____________

بالنيات. و لم يقل الأعمال بالنية. و ذلك للدلالة على ان الدواعي مختلفة فربما يكون الداعي حسنا و ربما يكون قبيحا و ثالثة لا يكون حسنا و لا قبيحا كما إذا شرب الماء بداعي رفع العطش و لم يشربه بداع آخر فيصح أن يقال الاعمال بالنيات لاختلاف الافعال بحسب اختلاف الدواعي.

فالمتحصل من ذلك انه لا دليل على ان الأصل في كل واجب أن يكون قريبا عباديا بل لا بد من مراجعة أدلته فإن دلت على اعتبار قصد القربة و الامتثال فيه فيكون عباديا و إلا كان توصليا يسقط أمره بمجرد الإتيان به و قد عرفت ان مقتضى الارتكاز المتشرعي ان الوضوء واجب عبادي فيعتبر في صحته أن يؤتى به بداعي القربة و الامتثال.

ثم ان شيخنا الأستاذ (قده) عند استدلاله على ان العبادة لا يعتبر فيها خصوص قصد الامتثال بل يكفي في العبادية أن يؤتى بالعمل و يضاف الى اللّٰه سبحانه نحو اضافة تمسك بقوله (ع) في الوضوء: يأتي به بنية صالحة يقصد بها ربه [1] و هذه الرواية لم نعثر عليها في أبواب الوضوء

____________

[1] الرواية بتلك الألفاظ التي نقلناها عنه (قده) غير موجودة في كتب الحديث نعم روى مضمونها في الوسائل في حديث: ان العبد ليصلي ركعتين يريد بهما وجه اللّٰه عز و جل فيدخله اللّٰه بهما الجنة. المروية في ب 8 من أبواب العبادات من الوسائل. أيضا روى عن يونس بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: قبل له و انا حاضر: الرجل يكون في صلاته خاليا فيدخله العجب. فقال: إذا كان أول صلاته بنية يريد بها ربه فلا يضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته و ليخسأ الشيطان. رواها في ب 24 من أبواب العبادات فلاحظ فكلمة صالحة غير موجودة في الرواية و لفظة قصد مبدلة بلفظة يريد كما انها واردة في الصلاة دون الوضوء و هو (قده)

477

و هي القصد إلى الفعل مع كون الداعي أمر اللّٰه تعالى (1) اما لانه تعالى أهل للطاعة و هو أعلى الوجوه أو لدخول الجنة و الفرار من النار و هو أدناها، و ما بينهما متوسطات.

____________

و لا في غيرها من سائر الأبواب فليلاحظ.

هذا كله في اعتبار النية في الوضوء و أما معنى النية. فقد فسرها الماتن (قده) بقوله: و هي القصد الى الفعل مع كون الداعي أمر اللّٰه تعالى. و نتعرض له في التعليقة الآتية فلاحظ.

هل الأمور المذكورة محققات للعبادة أو غايات؟

(1) مما ينبغي أن يتعرض له في المقام تحقيق ان الأمور المذكورة في المتن من كون اللّٰه سبحانه أهلا للطاعة أو دخول الجنة أو غيرها مما ذكره (قدس سره) هل هي محققات للطاعة و العبادية أو انها غايات للعبادة و محقق عنوان الطاعة أمر آخر و هذا من غير اختصاصه بالشريعة المقدسة و ذلك لأن الأفعال على قسمين في جميع المذاهب و الأديان فيعتبر في بعضها أن يؤتى به على وجه التذلل و التخضع و الجامع أن يقع على وجه التأله أي أخذ المعبود إلها و التعبد له بالطاعة و لا يعتبر ذلك في بعضها الآخر.

فنقول: العمل قد يكون طاعة و عبادة في ذاته إذا أتى به على وجهه و عنوانه و هذا كما في ذكر اللّٰه سبحانه كسبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و منه قوله عز من قائل لٰا إِلٰهَ إِلّٰا أَنْتَ سُبْحٰانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّٰالِمِينَ فإن أمثال ذلك إذا أتى به بعنوان أنه ذكر اللّٰه سبحانه وقع عبادة لأنه

____________

أيضا لم يدع ورودها في الوضوء. فاستدلاله «قده) تام في نفسه الا ان استشهاده بتلك الرواية غير صحيح لانه مبنى على الاشتباه.

478

..........

____________

بنفسه تذلل و تخضع من دون حاجة إلى قصد أمر آخر و كالسجود لأن وضع الجبهة على الأرض تخضع ذاتي و تأله فهو عبادة في نفسه من دون حاجة إلى قصد أمر آخر.

و قد لا يكون العمل إطاعة في ذاته و هذا كالصيام لأن الإمساك عن المفطرات من أول الفجر الى الغروب أجنبي عن اللّٰه سبحانه و ليس تخضعا و تذللا في نفسه فيعتبر في اتصاف هذه الافعال بالعبادية و التذلل و التخضع و الجامع التأله أن يؤتى بها مضافة الى اللّٰه سبحانه نحو اضافة.

و محقق الإضافة و الطاعة أحد أمرين لا ثالث لهما:

«أحدهما»: أن يؤتى بها بقصد امتثال أمر اللّٰه سبحانه.

و «ثانيهما»: أن يؤتى بها بقصد ما هو ملاك أمره أعني المحبوبية للّٰه سبحانه فان العمل بذلك يضاف الى اللّٰه تعالى و يقع عبادة و طاعة أي تذللا و تخضعا و يوجب التقرب لا محالة و أما إذا أتى بها لا بقصد أمرها و لا بقصد كونها محبوبة. بل بقصد الدخول في الجنة أو الفرار عن النار أو نحوهما من الأمور الدنيوية أو الأخروية فلا يمكن ان تقع عبادة و طاعة بشيء من ذلك و لا تضاف بها الى اللّٰه سبحانه بوجه لان تلك الأمور انما هي في طول الطاعة و العبادة و هي أمور مترتبة عليها لا انها في عرضها و محققة لعنوان الطاعة و العبادية و مع عدم تحقق المقربية و الإضافة لا يتحقق العبادة لا محالة و مع عدم تحققها لا يترتب عليها شيء من تلك الأمور أخروية كانت أم دنيوية.

لأن تلك المنافع و الآثار ليست من الآثار الوضعية المترتبة على ذوات تلك الأفعال كعدم الابتلاء بالفقر- مثلا- المترتب على صلاة الليل حيث ورد ما مضمونه ان دعوى الفقر و الجوع ممن يأتي بصلاة الليل دعوى

479

..........

____________

كاذبة (1) و في بعض الروايات سئل (ع) عن الإتيان بصلاة الليل في جواب من سأله عن الفقر (2) و شكا إليه الحاجة و أفرط في الشكاية.

و من الظاهر ان تلكم الافعال غير دافعة للفقر بحسب الوضع و التكوين و انما الدافع له خصوصية العبادة و هي لا تتحقق إلا إذا أتى بها بأحد الأمرين المتقدمين المحققين لعنوان الطاعة و العبادة و عليه فالأمور المذكورة في المتن من الغايات المترتبة على الطاعة و العبادة لا انها محققة لعنوانهما كما لا يخفى.

ثم ان غايات العبادات منحصرة في ثلاثة لا رابع لها:

فان العاقل لا يأتي بعمل من دون أن يقصد غاية مترتبة على ذلك الفعل.

و الغاية المترتبة على الفعل أما أن لا تكون عائدة إلى نفس الفاعل و انما تعود إلى المعبود فقط فيأتي بالعبادة لأنه أهل لها و لا ينظر الى الحور أو القصور و لا له طمع في الجنة و لا انه يخاف من النار و لا انه يقصد شيئا من المنافع الدنيوية أو الأخروية من عمله و هذا القسم من العبادة إنما تتأتى من للمعصومين (عليهم السلام).

و أما من غيرهم فلا يمكن التصديق بتحققها نعم هي من الأمور الممكنة و المحتملة و قد حكي عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: ما عبدتك خوفا من تارك و لا طمعا في جنتك و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك (3) و قد رواها المجلسي في مرآة العقول و لعلها من الاخبار الواردة عن طرق العامة

____________

(1) المروية في ب 39 من أبواب بقية الصلوات المندوبة من الوسائل.

(2) المروية في ب 39 من أبواب بقية الصلوات المندوبة من الوسائل.

(3) رواها في مرآة العقول المجلد الثاني ص 104 و في الوافي المجلد الأول م 3 ص 70 فليلاحظ.

480

..........

____________

و من هنا لم نعثر عليها في رواياتنا و لم يرد من طرقنا إلا في الكتاب المذكور.

و اما ان تعود الغاية إلى نفس الفاعل و هي على قسمين: لأن القوى الكامنة في الإنسان قد يلائم شيئا مترتبا على العبادة فيأتي بها للتوصل الى وجود ذلك الشيء الملائم له كدخول الجنة أو الحور أو القصور و قد لا يلائم شيئا فيأتي بالعبادة للتوصل بها الى التباعد عن ذلك الشيء كالنار و العقوبة هذا فيما يرجع الى الأمور الأخروية.

و كذلك الحال فيما يرجع الى الأمور الدنيوية فإنه ربما يأتي بالصوم أو الصلاة أو زيارة الحسين (ع) ليتوصل بذلك إلى المال أو الولد أو الصحة و الشفاء من المرض أو غير ذلك من الأمور.

و قد يأتي بالعبادة للتوصل بها الى عدم زوال ملكه و نعمة فيصلى للّٰه شكرا لئلا يذهب ماله و يزول ملكه. و قد أشار عز من قائل إلى جميع أنحاء الغايات المترتبة على العبادة في سورة الفاتحة بقوله الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، فأشار بالجملة الأولى الى كماله الذاتي حيث أتى بكلمة «اللّٰه» اعني الربوبية لكل شيء و بهذا الكمال الذاتي استحق العبادة و صار أهلا لها.

ثم أشار إلى رأفته و رحمته بقوله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ. و قد دل ذلك على ان بعبادة اللّٰه عز و جل يمكن أن يصل الإنسان إلى رحمته و ما يلائم لإحدى قواه من المال و الجنة و الحور و القصور و غيرها.

و أشار ثالثا إلى يوم الحساب و ان العقاب بيده و ان بعبادته يوفق الإنسان إلى الفرار عن عقوبته. و على الجملة ان ما أفاده الماتن (قده) هو الصحيح و الطاعة انما يتحقق بأحد الأمرين المتقدمين و معهما لا يضر بالعبادة قصد شيء من الغايات المتقدمة. نعم لا يكفي في العبادية قصد هذه الغايات ما دام لم يكن العمل طاعة بذاته أو قصد امتثال أمر اللّٰه سبحانه أو محبوبية العمل كما مر.

481

و لا يلزم التلفظ بالنية (1) بل و لا اخطارها بالبال (2) بل يكفي وجود

عدم لزوم التلفظ بالنية:

____________

(1) إلا في تلبية الحج لزوما أو احتياطا لأنه منصوص و قد يقال بكراهة التلفظ بالنية فإن أريد بها الكراهة مطلقا في الصلاة و في غيرها أو في خصوص الصلاة على وجه الإطلاق فلا نرى له وجها.

و ان أريد بها الكراهة بعد الإقامة فهو صحيح لأن التكلم بين الإقامة و الصلاة أمر مكروه و التلفظ بالنية من أحد مصاديق التكلم.

و قد يكون التلفظ بالنية محرما مفسدا للعمل و هذا كالتكلم و التلفظ بالنية في صلاة الاحتياط بناء على انها جزء من الصلاة أو كالجزء لها و لذا يعتبر فيها ان لا يأتي بالمنافيات التي منها التكلم و التلفظ المنطبق على التلفظ بالنية.

نعم يستحب التلفظ بالنية في الحج بأن يقول اني أتى بالحج قربة إلى اللّٰه و هذا غير التلفظ بتلبية الحج فلا تغفل.

عدم لزوم الاخطار بالبال:

(2) لأن الدليل على اعتبار نية القربة في الوضوء انما هو الارتكاز المتشرعي و لا دلالة له على اعتبار اخطارها بالقلب بل إنما يدلنا على اعتبار صدور الوضوء بالداعي القربى أخطرها بقلبه أم لا.

482

الداعي في القلب (1) بحيث لو سئل عن شغله يقول: أتوضأ- مثلا- و أما لو كان غافلا بحيث لو سئل بقي متحيرا فلا يكفي و ان كان مسبوقا

كفاية وجود الداعي في القلب:

____________

(1) ان ما أفاده (قده) في كلا شقي كلامه أمر غالبي لا دائمي و الا فللنقض على كلا الشقين مجال واسع حيث ان العمل قد يصدر عن الإرادة الإجمالية و الارتكازية إلا انه لو سئل عن شغله يتحير في الجواب و ليس تحيره الا من نفس السؤال حيث ينشغل بأنه و لا يتمكن من الجواب فيتحير لا محالة مع انه لو لا هذا السؤال كان يتحرك على طبق إرادته الإجمالية و الارتكازية.

كما ربما يقع ذلك في الأفعال الخارجية فنرى انه يمشي إلى داره بحسب إرادته الإجمالية و إذا سئل عن انك تمشي إلى أي مكان يتحير في الجواب و لا سيما فيما إذا اندهش من السؤال كما إذا كان السائل كبيرا من الأكابر- مثلا.

و كذا الحال في الشق الآخر من كلامه فإنه قد يأتي بالعمل لا عن الإرادة الإجمالية لغفلته إلا انه إذا سئل عن عمله لا يتحير في الجواب بل يخطر مقصده بباله بنفس هذا السؤال بعد ما كان غافلا عن وجه عمله و موجبه بالكلية فيجب فالصحيح ان الوضوء لا يعتبر في صحته الا أن يكون صادرا عن داع قربي إلهي سواء تمكن من الجواب عند السؤال عن موجب عمله أم لم يتمكن من ذلك.

483

بالعزم و القصد حين المقدمات و يجب استمرار النية إلى آخر العمل (1) فلو نوى الخلاف أو تردد و أتى ببعض الافعال بطل الا ان يعود إلى النية

لزوم الاستمرار في النية:

____________

(1) فإن العمل بمجموعه عبادة و ليست العبادية مختصة بأوله فلا بد من إيقاع كل جزء من أجزاء العمل بداع الهي فلو وقع شيء منها لا بهذا الداعي بطل العمل برمته و هذا هو المراد من اعتبارهم استمرار النية إلى آخر العمل و هذا مما لا شبهة فيه و لا كلام.

و انما الكلام في اعتبار استمرارها في الآنات المتخللة بين أجزاء العمل و انه إذا عدل عنها و نوى خلافها أو تردد فيها ثم بنى على نيته الأولية صح عمله مطلقا أو لا يصح كذلك أو ان هناك تفصيلا.

قد يكون العدول عن نيته بالعزم على عدم الإتيان بالعمل أو بالتردد في ذلك موجبا لوقوع جزء من العمل من دون نية قريبة كما في الصوم حيث يجب فيه الإمساك بالنية المقربة في كل آن من الآنات النهارية.

فإذا فرضنا انه عدل عن نيته فعزم على الإفطار أو تردد في ذلك فقد مضى عليه آن أو آنات من دون نية مقربة و هو أمر غير قابل للتدارك و لا مناص حينئذ من أن يحكم بالفساد لعدم اشتمال بعض أجزاء العمل على النية المعتبرة في العبادة.

و هذا لا من جهة ان العزم على الإفطار مفطر حتى يقال ان العزم على الإفطار ليس بإفطار بالضرورة بل هو عزم على الإفطار لا انه إفطار بنفسه و من هنا لا يترتب عليه أحكام الإفطار العمدي في نهار شهر رمضان فلا تجب عليه الكفارة بذلك.

484

..........

____________

بل من جهة ان العزم على الإفطار يستلزم انتفاء شرط الصحة في جزء من أجزاء العمل و هو الصوم فيبطل العمل بأسره لبطلان جزء من أجزائه كما هو الحال في جميع الواجبات الارتباطية.

و قد يكون العدول في أثناء العمل غير مستلزم لوقوع شيء من أجزائه من دون نية مقربة أو انه إذا استلزم ذلك فصدر بعض أجزاء العمل في حالة التردد أو العزم بعدم الإتيان به فهو أمر قابل للتدارك كما في الوضوء لأنه مركب من الغسلتين و المسحتين فإذا عدل عنه في أثناء الغسلتين أو في أثناء أحدهما و فرضنا انه قد غسل نصفا من يده من دون نية مقربة ثم رجع عن ذلك الى نيته الأولية فلا مانع من أن يعيد غسل النصف من يده مع النية المقربة و بذلك يحكم بصحة وضوئه.

اللهم الا ان يكون ذلك مستلزما لفوات الموالاة المعتبرة في الوضوء كما إذا تردد زمانا جفت أعضاءه السابقة بذلك فإنه يقتضي الحكم ببطلان الوضوء لا محالة الا انه من جهة الإخلال بالموالاة لا من جهة العدول عن نية الوضوء و هذا ظاهر.

و هناك شق ثالث متوسط بين مثل الصوم و الوضوء و هو عبارة عن الصلاة فيما إذا عدل عن نيتها في أثنائها فعزم على قطع الصلاة أو تردد في ذلك.

و هذا يتصور تارة فيما إذا أتى ببعض أجزاء الصلاة مترددا أو عازما على القطع.

و يتصور أخرى فيما إذا لم يأت بشيء من أجزائها مع التردد أو العزم على القطع كما إذا عدل عن نية الصلاة في أثنائها ثم رجع إلى نيتها من دون أن يأتي بشيء من اجزائها عند العدول.

أما في الصورة الأولى فلا تأمل في الحكم ببطلان الصلاة من جهة

485

الأولى قبل فوات الموالاة و لا يجب (1) نية الوجوب و الندب لا وصفا و لا غاية و لا نية وجه الوجوب و الندب بأن يقول أتوضأ الوضوء الواجب أو المندوب أو لوجوبه أو ندبه أو أتوضأ لما فيه من المصلحة، بل يكفي قصد القربة و إتيانه لداعي اللّٰه.

____________

ان ما أتى به من الاجزاء الصلاتية عند العدول أي لا بنية الصلاة زيادة عمدية مبطلة للصلاة لا محالة لعدم احتسابها من الصلاة لافتقادها النية المعتبرة في صحتها.

و أما الصورة الثانية فالحكم فيها بالبطلان يبتنى على القول بأن الأكوان المتخللة بين أجزاء الصلاة جزء من الصلاة و حيث ان الظاهر ان الأكوان المتخللة خارجة عن أجزاء الصلاة فالظاهر عدم بطلان الصلاة بالعدول في تلك الأكوان.

و لا ينافي هذا مع الحكم ببطلانها فيما إذا أتى بشيء من قواطع الصلاة في أثنائها و لو في الأكوان المتخللة كما إذا تكلم فيها بكلام الآدميين أو أحدث أو استدبر لأن الحكم بالبطلان وقتئذ ليس مستندا الى ان الأكوان المتخللة جزء من الصلاة بل مستند إلى الإتيان بالقاطع و هو في الصلاة لأن المصلي لا يخرج عنها إلا بالتسليمة فان أولها التكبيرة و أخرها التسليمة فما دام لم يسلم فهو في الصلاة فإذا تكلم فقد تكلم في الصلاة كما انه إذا أحدث وقتئذ فقد أحدث في صلاته و هو موجب لبطلان الصلاة لا محالة.

عدم اعتبار نية الوجوب و لا نية وجهه:

(1) بعد ما بين الشروط المعتبرة في الوضوء تعرض (قده) لجملة من الأمور التي ربما يقال باعتبارها في صحة الوضوء و ذكر عدم اعتبار

486

..........

____________

شيء منها في صحته.

و من تلك الأمور وجوب نية الوجوب أو الندب إما على نحو التوصيف كما إذا قال أتوضأ الوضوء الواجب أو الندب و اما على نحو الغاية بأن يقول أتوضأ لوجوبه أو لاستحبابه. فإن الغاية هي الداعي بوجوده الخارجي كما ان الداعي هي الغاية بوجودها الذهني فسقوط الوجوب و تحقق الندب بوجودهما الخارجيين غايتان للوضوء كما أنهما بوجودهما الذهنيين داعيان له فيتصور سقوط الوجوب و يأتي بالوضوء بداعي امتثال أمره و إسقاطه أو لغاية الامتثال و سقوط الوجوب.

و «منها»: نية وجه الوجوب أو الندب و هو على ما فسره الماتن (قدس سره) عبادة عما يقتضي الوجوب أو الندب اعني المصلحة بناء على ما ذهب إليه العدلية من ان الواجبات الشرعية تابعة للمصالح الكامنة فيها و «منها»: قصد رفع الحدث بالوضوء أو قصد الاستباحة به أعني قصد إباحة الدخول به في الصلاة و «منها»: قصد موجب الوضوء و انه بول أو نوم و «منها»: قصد الغاية التي لأجلها وجب الوضوء و حكم في جميع ذلك بعدم الاعتبار.

و توضيح الكلام في المقام انه قد يكون الواجب أو المستحب على نحو لا يتعين إلا بنية الواجب أو المستحب و هذا كما في صلاة الصبح و نافلتها لان كلا منهما ركعتان و لا امتياز بينهما في شيء فلو اتى بركعتين و لم يقصد الركعتين الواجبتين أو المستحبتين بطلتا لا محالة و كذلك الحال فيما إذا كانت على ذمته اربع ركعات أدائية و اربع اخرى قضائية فإن إحداهما لا تتميز عن الأخرى إلا بالقصد، إذ الطبيعي الواحد لا يعقل ان يحكم عليه بحكمين متضادين كالوجوب و الاستحباب أو بحكمين متماثلين

487

..........

____________

كالحكم بوجوبه- مثلا- مرتين.

فلا مناص في الحكم بالصحة و الوجوب من تميزه عما يحكم عليه بالاستحباب أو يحكم عليه بوجوب آخر أو بتوصيفهما من الأدائية أو القضائية هذا كله فيما إذا لم يتميز الواجب عن غيره الا بنيته و قصده.

و اما فيما إذا كان الواجب أو المستحب متميزا في نفسه أو لم يكن على ذمة المكلف واجب آخر غيره فلا دليل على اعتبار نية الوجوب أو الندب لا من العقل و لا من الشرع.

اما العقل فلانه لا سبيل له إلى استكشاف مدخلية تلك الأمور في الاحكام و عدمها.

و اما احتمال دخلها بحسب الشرع فان بنينا على ما بنينا عليه في محله من إمكان أخذ قصد الأمر- و توابعه مما ينشأ من الأمر و في مرتبة متأخرة عنه كقصد الوجه من الوجوب أو الندب- في متعلق الأمر الأول أو في متعلق الأمر الثاني كما بنى عليه المحقق النائيني (قده) أو فرضنا الكلام في القيود التي لا استحالة في أخذها في المتعلق كقصد المصلحة أو الرفع و الاستباحة أو قصد موجب الوضوء أو قصد الغاية فيندفع بإطلاق الأمر الأول أو الأمر الثاني.

لأنه سبحانه أمر بغسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين في كل من الكتاب و السنة و مقتضى إطلاقهما عدم اعتبار شيء مما يحتمل دخله في الواجب و هو الوضوء و قد أشرنا فيما سبق الى ان الأمر بذلك إرشاد إلى اشتراط الصلاة بالوضوء و لم يقيد الوضوء بشيء من نية الوجوب أو الندب لا وصفا و لا غاية كما انه غير مقيد بنية وجه الوجوب أو غيره مما مما قدمنا ذكره فمقتضى إطلاق الكتاب كإطلاق السنة و الروايات عدم اعتبار شيء من ذلك في صحة الوضوء

488

بل لو نوى أحدهما في موضع الآخر كفى (1) ان لم يكن على وجه

____________

نعم خرجنا عن إطلاقهما في الحكم باعتبار نية القربة و قصد الامتثال بالارتكاز المتشرعي المتأكد ببعض الروايات.

و اما إذا قلنا باستحالة ذلك و عدم إمكان أخذ قصد الأمر و توابعه في متعلق الأمر الأول و لا الثاني و بنينا أيضا على وجوب تحصيل الغرض- كما بنى عليه صاحب الكفاية (قده)- فمقتضى ذلك و ان كان هو الالتزام باعتبار كل ما يحتمل دخله في الواجب أو الغرض لقاعدة الاشتغال و الاحتياط.

الا انا مع ذلك لا نلتزم بذلك في المقام بل ندفع احتمال مدخلية تلك الأمور في الواجب بالإطلاق المقامي اعني سكوتهم (عليهم السلام) عن البيان و التنبيه- مع كونهم في مقام البيان لأن تلك الأمور مما يغفل عنها عامة المكلفين لأن أكثرهم لا يميز الاجزاء الواجبة في العمل عن مندوبها و مثل ذلك لو كانت دخيلة في الواجب أو الغرض لوجب على المولى التنبيه و البيان و مع سكوته عن ذلك في مقام البيان نستكشف عدم دخلها في شيء مما يهم المكلف في مقام العمل إذا المورد ليس من موارد الاشتغال و الاحتياط.

نية الواجب في موضع المندوب و بالعكس:

(1) و الوجه في صحته ان الوضوء انما يعتبر فيه أن يؤتى بذات العمل مضافة بها إلى المولى نحو اضافة و المفروض ان المكلف أتى به كذلك و اما قصد وجوبه أو استحبابه فهو غير معتبر في الوضوء فوجود ذلك و عدمه سيان و قد استثنى عن ذلك موردين: «أحدهما»: ما أشار إليه بقوله ان لم يكن على وجه التشريع و «ثانيهما»: ما أشار إليه بقوله: أو التقييد،

489

التشريع (1) أو التقييد (2) فلو اعتقد دخول الوقت فنوى الوجوب وصفا أو غاية ثم تبين عدم دخوله صح إذا لم يكن على وجه التقييد و الا بطل كان يقول: أتوضأ لوجوبه و الا فلا أتوضأ.

نية أحدهما في موضع الآخر على وجه التشريع:

____________

(1) بأن كان عالما بوجوب العمل غير انه نوى استحبابه متعمدا كما في صوم شهر رمضان أو الوضوء بعد دخول وقت الصلاة و انما يصح فيما إذا لم يكن متعمدا في ذلك كما إذا اعتقد استحباب الوضوء بعد دخول وقت الصلاة أو اعتقد وجوبه قبل دخول الوقت.

و ليس الوجه في بطلان الوضوء عند التشريع هو ان ما قصده المكلف لا واقعية له و ما له واقع لم يقصده. بل الوجه في بطلانه هو ان حرمة التشريع تسري الى العمل و توجب حرمته و مبغوضيته و مع حرمة الشيء و مبغوضيته كيف يمكن أن يقع مصداقا للواجب أو المستحب.

نية أحدهما على وجه التقييد:

(2) و قد فسر التقييد بكون المكلف على نحو لو كان الوضوء واجبا لم يتوضأ و انما يتوضأ على تقدير استحبابه كما فسره به في بعض الموارد المتقدمة.

و هذا مما لا يمكن المساعدة عليه لما أشرنا إليه غير مرة من ان الوضوء انما يعتبر في صحته الإتيان بذاته مضافة بها الى المولى نحو إضافته و المفروض انه حاصل و المكلف اتى به كذلك و الأمر الشخصي الخارجي غير قابل

490

(مسألة 28): لا يجب في الوضوء قصد رفع الحدث أو الاستباحة على الأقوى (1)،

____________

للتقييد ليقيد بالوجوب تارة و بالاستحباب اخرى كما ان متعلقة كذلك.

و أما قصد المكلف أن لا يأتي به على تقدير الوجوب فهو من قبيل تخلف الداعي و الخطأ في التطبيق و هو لا يضر بصحة العمل بعد الإتيان به بجميع أجزائه و شرائطه. و قد عرفت أنه لا يعتبر في صحة الوضوء غير الإتيان به مضافا إلى اللّٰه سبحانه و هو حاصل على الفرض.

فكونه على نحو لا يأتي به على تقدير الوجوب مما لا يمنع عن صحته بعد الإتيان به و قد أشرنا ان هذه الموارد ليست من موارد التقييد في شيء بل هي من موارد الخطأ في التطبيق أو تخلف الداعي كان بناءه أن لا يأتي به على تقدير استحبابه أم كان بناءه أن يأتي به و ان كان مستحبا، إذا لا مناص من الحكم بصحة الوضوء سواء قيده بالندب أو الوجوب أم لم يقيده بشيء منهما.

عدم اعتبار نية الرفع أو الإباحة:

(1) أشار بقوله: على الأقوى إلى الخلاف في المسألة حيث نسب الى الشيخ (قده) اعتبار قصد رفع الحدث معينا و عن السيد المرتضى (قده) لزوم نية الاستباحة فقط و عن الحلبي و القاضي اعتبار كلا الأمرين أعني نية الرفع و قصد الاستباحة و عن المبسوط و المعتبر و الوسيلة و العلامة و الشهيد و السرائر لزوم نية أحدهما مخيرا و هذه أقوال أربعة.

و هناك قول خامس و هو عدم اعتبار شيء من الأمرين لا معينا و لا على سبيل التخيير و لا هما معا و هو الذي اختاره الماتن و جماعة من المحققين

491

..........

____________

و هو القول الصحيح و الوجه فيه هو إطلاقات الأدلة الآمرة بالوضوء و بغسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين من الكتاب و السنة حيث لم يقيد الوضوء في شيء منهما بقصد رفع الحدث و لا بنية الاستباحة و مقتضاها عدم اعتبار شيء من الأمرين في صحة الوضوء.

و احتمال ان يكون ذلك معتبرا في مقام الامتثال و ان لم يعتبر في المأمور به مندفع: بأن احتمال مدخلية أحد الأمرين في الامتثال عقلا مما لا وجه له لانه لا حكم للعقل باعتبار ذلك في مقام الامتثال بعد ما عرفت من عدم تقييد المأمور به بذلك في شيء من أدلته، كما ان احتمال مدخليته في الامتثال شرعا مندفع بإطلاقات الأدلة إذا الصحيح عدم اعتبار شيء من ذلك في صحته هذا.

على ان ما استدل به على لزوم قصد الرفع أو الاستباحة ضعيف غايته لأن العمدة فيما استدلوا به على ذلك قوله (ع) إذا دخل الوقت وجبت الطهور و الصلاة (1) بدعوى ان متعلق الوجوب انما هو عنوان الطهور فلا بد في مقام امتثاله من قصد ما تعلق به بعنوانه الذي تعلق به الأمر بذلك العنوان و هو عنوان الطهور كما هو الحال في غير المقام كما إذا أمر السيد عبده بإكرام زيد- مثلا- فقام العبد إكراما له فلا بد من ان يقصد في قيامه ذلك عنوان الإكرام لزيد فلو قام لا بقصد إكرامه لم يقع فعله ذلك امتثالا لأمر السيد بوجه لأنه لم يؤمر بالقيام و انما تعلق الأمر بعنوان الإكرام فلا مناص من قصده.

و في المقام لم يتعلق الوجوب بالوضوء ليقال انه عبارة عن الغسلتين و المسحتين فلا موجب لاعتبار قصد عنوان آخر غير الغسلتين و المسحتين بل انما تعلق الأمر بالطهور فلا بد من قصد عنوان الطهور في مقام الامتثال.

____________

(1) المروية في ب 4 من أبواب الوضوء من الوسائل.

492

..........

____________

و الطهور اما بمعنى ما يرفع الحدث أو بمعنى المبيح للدخول في الصلاة فلا مناص من ان يقصد أحد الأمرين عند الامتثال هذا.

و لا يخفى ضعفه: لان الطهور إن أريد به معناه بحسب الاشتقاق- أي ما يتطهر به- و هو الماء و التراب فمعنى الرواية انه إذا دخل الوقت فقد وجبت الصلاة و الماء و التراب بتقدير كلمة الاستعمال أي وجب استعمالهما كما يقال: يحرم الخمر أي يحرم استعمال الخمر و شربها.

و لا مانع من اسناد الوجوب الى الماء و التراب بتقدير كلمة الاستعمال كيف و قد أسند الوجوب الى الماء في بعض الأخبار حيث روى عن علي (عليه السلام) انه قال: أ توجبون عليه الحد و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من الماء (1) أي استعماله.

بل يأتي ان شاء اللّٰه ان هذا المعنى هو المحتمل في قوله (ع) لا صلاة إلا بطهور (2) دون الوضوء و الغسل و التيمم و يأتي ثمرة ذلك عند التكلم على الجبائر ان شاء اللّٰه تعالى.

و على هذا الاحتمال لا تبقى للرواية أية دلالة على وجوب قصد عنوان الطهور أصلا.

لأن المفروض انه أريد منه جامع الماء و التراب فاللازم قصد المعنون دون العنوان.

و ان أريد بالطهور معناه المصدري أعني الطهارة أي إذا دخل الوقت فقد وجبت الصلاة و الطهارة سواء كانت الطهارة مسببة عن الغسلتين و المسحتين أم كانت عنوانا لهما فحينئذ و ان كان الوجوب متعلقا بعنوان الطهارة الا ان الرواية لا دلالة لها على اعتبار قصد الرفع أو الإباحة في صحة الوضوء و ذلك لان الطهارة- التي بمعنى الإباحة أو الرفع- إما حكم

____________

(1) المروية في ب 6 من أبواب الجنابة من الوسائل.

(2) المروية في ب 6 من أبواب الجنابة من الوسائل.

493

..........

____________

و أثر مترتب على الوضوء الصحيح اعني ما اتى به بداع قربي إلهي، أو انها عنوان اعتبره الشارع على الوضوء الواقع صحيحا بمعنى ان الوضوء الذي هو أمر عبادي إذا تحقق بما له من القيود و الشروط التي منها قصد القربة فأثره هو الطهارة أو انها عنوانه.

و على أي حال فالطهارة و رفع الحدث في مرتبة متأخرة عن الوضوء التام الصحيح و معه كيف يعقل أخذ قصدهما قيدا في صحة الوضوء و إلا لزم أن تكون الطهارة و رفع الحدث أو الإباحة في مرتبة سابقة عن الوضوء الصحيح و لازم ذلك ان يكون الوضوء في نفسه و ان لم يؤت به بداع قربي محصلا للطهارة و موجبا لارتفاع الحدث أو سببا للإباحة و هو خلاف فرض الوضوء عبادة لا يترتب عليه أثره إلا إذا أتى به بداع الهي.

نعم لا مانع من التزام ذلك و اعتباره في الطهارة الخبثية حيث انها مترتبة على طبيعي الغسل قصد به القربة أم لم يقصد و حينئذ يصح أن يقال يعتبر في تطهير الثياب غسلها بقصد الطهارة و هذا بخلاف الغسلتين و المسحتين في الوضوء لأن الأثر إنما يترتب عليهما إذا تحققتا بداع قربي إلهي و لا أثر يترتب على طبيعيهما و معنى ذلك ان الطهارة مترتبة على الوضوء الصحيح و في المرتبة المتأخرة عنه و لا يمكن معه أخذ قصدها قيدا في الوضوء كما عرفت.

و ببيان آخر: لا إشكال في ان الوجوب في قوله (ع) فقد وجبت ليس هو الوجوب المولوي النفسي حتى يتوهم انه قد تعلق على عنوان الطهارة فيجب قصد عنوانها في مقام الامتثال بل انما هو وجوب غيري شرعي ان قلنا ان مقدمة الواجب واجبة أو انه وجوب إرشادي إلى تقيد الصلاة بالطهارة إذا أنكرنا وجوب المقدمة شرعا.

و على أي حال ليست عبادية الوضوء مستندة الى وجوبه الغيري أو الإرشادي بل العبادية مستفادة من الأمر النفسي المتعلق بذاته و عليه كيف

494

و لا قصد الغاية (1) التي أمر لأجلها بالوضوء و كذا لا يجب

____________

يمكن أن يقال ان ترتب الوجوب الغيري أو الإرشادي على الوضوء بعنوان الطهارة كاشف عن ان متعلق ذلك الأمر النفسي المولد للعبادية مقيد بما إذا قصد بالوضوء عنوان الطهارة أي قصد رفع الحدث أو الإباحة.

نعم يستفاد منه ان الصلاة لا تتحقق إلا بالطهارة و اما انها قيد في متعلق الأمر النفسي فلا.

بل لو قلنا بدلالة هذا الوجوب الغيري أو الإرشادي أيضا على عبادية الوضوء- مثلا- لم يمكننا اعتبار قصد عنوان الطهارة في الوضوء فإن غاية ما يستفاد منه وقتئذ ان علة جعل الوضوء شرطا و مقدمة للصلاة انما هي كونه طهارة و اما ان قصد الطهارة معتبر في تحقق ما هو المقدمة و الشرط للصلاة فلا و هو نظير قوله عز من قائل بعد امره المكلفين بالتيمم مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (1) فإنه يستفاد منه ان العلة في امره تعالى بالتيمم انما هي كون التيمم مطهرا و على الجملة المكلف إذا اتى بذات الغسلتين و المسحتين مضافا بهما الى اللّٰه سبحانه فقد اتى بما هو شرط و مقدمة للصلاة.

(1) قد علم الحال في ذلك مما بيناه في سابقه و حاصله ان مقتضى إطلاقات الكتاب و السنة و عدم اشتمال الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية على اعتبار قصد الغاية عدم اعتبار ذلك في صحة الوضوء.

و اما ما استدل به عليه من قوله عز من قائل إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا .. بدعوى دلالته على ان الوضوء لا بد أن يكون للتهيؤ و القيام إلى الصلاة فلو اتى به لا بقصد الصلاة بطل فهو أيضا ضعيف.

و ذلك لما عرفت من ان عبادية الوضوء غير مستفادة من الأمر الغيري

____________

(1) المائدة: 5: 6.

495

قصد الموجب (1) من بول أو نوم كما مر. نعم قصد الغاية معتبر في تحقق الامتثال بمعنى انه لو قصدها يكون ممتثلا للأمر الآتي من جهتها، و ان لم يقصدها يكون أداء للمأمور به لا امتثالا (2) فالمقصود من عدم اعتبار

____________

أو الإرشادي المتعلق به بل هي مستفادة من الأمر النفسي المتعلق بذات الوضوء من غير تقييده بقصد الغاية و عليه فلو أتى به بقيوده و شرائطه لوقع عبادة من دون حاجة الى ان يقصد به الغاية. نعم امتثال هذا الأمر الغيري و الإثابة به يتوقف على إتيانه بقصد الغاية. و اما صحته في نفسه فهي غير متوقفة على قصد الغاية بوجه.

لا يعتبر قصد الموجب في الوضوء:

(1) للإطلاقات و عدم دلالة أي دليل على اعتبار قصد الموجب و لو كان ضعيفا فاعتبار قصد الموجب أضعف من اعتبار سابقيه.

(2) لما أشرنا إليه في تضاعيف الكلام على المسائل المتقدمة من ان عبادية الطهارات الثلاث غير ناشئة عن الأمر الغيري المتعلق بها بناء على ان المقدمة واجبة بالوجوب الغيري بل إنما تنشأ عن أمرها النفسي فهي إذا عبادات جعلت مقدمة للواجب فلا محالة تكون العبادية فيها في مرتبة متقدمة على أمرها الغيري.

و عليه إذا اتى بذات الوضوء و قصد به القربة و الامتثال تتحقق به العبادة خارجا كما تحققت المقدمة و ان لم يقصد به أمرها الغيري أو لم يلتفت إليه أصلا فإن الأمر الغيري توصلي لا يحتاج سقوطه الى قصد القربة كما لا يمكن أن يكون منشأ للعبادية و مع تحقق العبادة في الخارج تترتب عليها الطهارة لأنها من الأحكام المترتبة على الوضوء الصحيح الذي

496

..........

____________

قصد به القربة.

نعم هذا لا يكون موجبا لامتثال أمرها الغيري لعدم الإتيان بها بداعي الوجوب المقدمي هذا كله بناء على ان عبادية الطهارات الثلاث مستندة الى أوامرها النفسية.

و اما إذا قلنا ان عباديتها إنما نشأت عن الأوامر الغيرية المتعلقة بها بناء على ان مقدمة الواجب واجبة: فلا يكون الإتيان بها من دون قصد الأمر الغيري المتعلق بها محققا للمأمور به فضلا عن أن يكون ذلك امتثالا له و ذلك لان عباديتها حينئذ قد نشأت عن ذلك الأمر الغيري إذا لا بد في تحقق عباديتها من إتيانها بداعي ذلك الأمر الغيري فلو أتى بها لا بقصده و داعيه لم تتحقق العبادة بإتيانها بذاتها و معه يقع الوضوء باطلا فلا أداء و لا امتثال.

ثم ان الإتيان بالوضوء بقصد أمره الغيري يستلزم الإتيان به بقصد غايته لان الغرض من الأمر الغيري انما هو التوصل الى غايته المترتبة عليه فلو اتى به و لم يقصد بإتيانه التوصل الى غايته لم يقع الوضوء عبادة.

و لا سيما بناء على ان الواجب من المقدمة حصة خاصة و هي المقدمة الموصلة إلى ذي الغاية في الخارج فإذا أتى بأمره الغيري للتوصل به إلى غايته فقد تحقق كلا الأمرين من أداء المأمور به و الامتثال هذا.

ثم ان في المقام كلاما و هو انه بناء على ان عبادية الطهارات الثلاث ناشئة عن أوامرها الغيرية فهل يجب ان يؤتى بها بقصد غاية معينة من غاياتها المترتبة عليها أو ان قصد جنس الغاية كاف في صحتها و ان لم يدر ان ما يختاره من الغايات بعد ذلك أي شيء؟ فيجب ان يؤتى به بقصد

497

..........

____________

قراءة القران خاصة أو إذا اتى به للتوصل به إلى شيء من غاياته و ان لم يدر انه سيختار القراءة أو الصلاة- مثلا- كاف في صحتها؟

و الصحيح كفاية قصد جنس الغاية من دون اعتبار قصد الغاية المعينة و ذلك لأن للوضوء- مثلا- أوامر غيرية من نواح شتى لأنه مأمور به بالأمر الغيري الاستحبابي الناشئ من الأمر الاستحبابي النفسي المتعلق بالقراءة و مأمور به بالأمر الغيري الوجوبي الناشئ من الأمر الوجوبي المتعلق بصلاة الظهر- مثلا- أداء و مأمور به بالأمر الغيري الوجوبي الناشئ عن الأمر الوجوبي المتعلق بصلاة الظهر- قضاء- و هكذا.

فإذا اتى بالوضوء و قصد التوصل به الى غاية من غاياته من دون تعيين فهو و ان لم يدر انه مأمور به بالأمر الاستحبابي أو الوجوبي الأدائي أو الوجوبي القضائي الا انه محرز مطلوبيته على جميع التقادير و يعلم بأنه مأمور به قطعا فإذا أتى به بداعي أمرها الغيري المحرز للتوصل به الى شيء من غاياته فلا محالة يقع صحيحا و قد مر انه لا دليل على اعتبار قصد الوجوب أو الاستحباب و تمييز المأمور به من الوجوب و الاستحباب كما لا تردد فيما هو الغاية المترتبة عليه في الواقع لتعينها في علم اللّٰه سبحانه فلا إهمال في الواقع.

و من هنا يظهر الحال في مسألة أخرى و هي ما إذا اتى بالوضوء بداعي التوصل به إلى القراءة- مثلا- عازما بأن لا يصلي به أو غير ملتفت إلى ذلك أصلا ثم بعد الوضوء ندم و بدا له فبنى على ان يصلي بذلك الوضوء و لا يأتي بالقراءة: فإن وضوءه بناء على ما قدمناه صحيح، لأنه قد أحرز تعلق الأمر الغيري بما يأتي به من الوضوء و قد اتى به بهذا الداعي توصلا به الى غاية معينة و معه يقع وضوءه عبادة صحيحة لا محالة و غاية الأمر أنه أخطأ في التطبيق حيث خيل ان الأمر الغيري المتعلق به هو الأمر الاستحبابي مع انه بحسب الواقع هو الأمر الغيري الوجوبي و الخطأ في

498

قصد الغاية عدم اعتباره في الصحة و ان كان معتبرا في تحقق الامتثال.

نعم قد يكون الأداء موقوفا على الامتثال (1) فحينئذ لا يحصل الأداء أيضا كما لو نذر ان يتوضأ لغاية معينة فتوضأ و لم يقصدها، فإنه لا يكون ممتثلا للأمر النذري و لا يكون أداء للمأمور به بالأمر النذري أيضا و ان كان وضوءه صحيحا، لأن أداءه فرع قصده. نعم هو أداء للمأمور به بالأمر الوضوئي.

____________

التطبيق غير مضر بصحة العبادة.

مضافا الى ان نية الوجوب و الاستحباب مما لا اعتبار به كما مر، و هذا المبنى أعني كون عبادية الوضوء ناشئة عن أمره الغيري و ان كان فاسدا بل لا أمر غيري أصلا لما بيناه في بحث مقدمة الواجب من إنكار وجوبها شرعا الا انه بناء عليه لا يعتبر في صحة الطهارات الثلاث قصد الغاية المعينة كما تقدم.

الفارق من الوجوب الغيري و الوجوب النذري:

(1) أراد بذلك بيان الفارق بين الوجوب الغيري و الوجوب الناشئ من النذر حيث انه إذا اتى بذات الوضوء مضافة بها الى اللّٰه سبحانه فقد حصلت العبادة و كان هذا أداء للمقدمة و الواجب الغيري و ان لم يكن امتثالا له بناء على ما هو الصحيح من ان عبادية الوضوء ناشئة عن أمره النفسي.

و هذا بخلاف ما إذا نذر ان يأتي بالوضوء لغاية خاصة كالقراءة لأنه إذا أتى به غير قاصد لتلك الغاية المعينة لم يتحقق أداء الأمر النذري و لا امتثاله، و الوجه في ذلك كما أسلفناه سابقا ان النذر قد تعلق بحصة خاصة من الوضوء و هو الوضوء المقيد بكونه للقراءة- مثلا- دون طبيعي الوضوء

499

..........

____________

فالمنذور شيء مقيد و أمر خاص فإذا اتى به لا لهذه الغاية لم يتحقق منه الوضوء المقيد بكونه للقراءة و معه لا أداء و لا امتثال.

نعم يكفي هذا في تحقق المقدمة و هو أداء للمأمور به بالأمر الغيري و اما بالإضافة إلى الأمر النذري فليس بأداء و لا بامتثال و نظيره ما إذا نذر ان يأتي بصلاة الظهر في المسجد و اتى بها في داره لانه و ان كان أداء للأمر الصلاتي لعدم تقييده بمكان خاص الا أنه بالنسبة الى الأمر النذري المتعلق بها ليس بأداء و لا امتثال.

و هذا اعني تقييد المتعلق هو الوجه فيما أفاده الماتن في المقام لا انه إذا لم يقصد الغاية لم يف بنذره. لأن أداء المنذور كأداء سائر ما على ذمة المكلف من الديون انما يكون بالقصد.

و الوجه في عدم استناد الماتن إلى هذا الوجه هو انه انما يصدق فيما إذا كانت ذمة المكلف مشتغلة بعدة من الواجبات يتوقف تمييز بعضها عن بعضها الآخر على قصده نظير ما إذا كانت ذمته مديونة بصلاة رباعية أدائية و رباعية أخرى قضائية فان احتساب ما يأتي به عن إحداهما المعينة انما يكون بقصد الأداء أو القضاء.

و اما إذا لم يشتغل ذمته الا بواجب واحد فلا يعتبر في سقوطه عن ذمته قصده لذلك، كما إذا نذر ان يصلي صلاة الليل في ليلة معينة و اتى بها في تلك الليلة غافلا عن نذره فإنه يوجب برء النذر لا محالة و ان لم يكن ناويا للأمر النذري بوجه.

فقياس المقام لإعطاء الدرهم المحتمل ان يكون أداء دين أو هبة أو عارية مع الفارق فلاحظ.

هذا تمام كلامنا في هذا الجزء من الكتاب و يتلوه الجزء الخامس أوله اشتراط الخلوص في الوضوء و للّٰه الحمد أولا و آخرا.