التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الغروي المزيد...
499 /
53

..........

____________

وجه غيره هذا كله بالإضافة إلى الاختلاف في الطول.

و أما بالإضافة إلى عرض الوجه، فإن الأشخاص المتعارفين بحسب الوجه قد يختلفون بكثرة الفصل و الابتعاد بين الإصبعين اعني الوسطى و الإبهام و قلتهما، فترى ان شخصين متحدان من حيث الوجه غير ان الإصبع من أحدهما أطول من إصبع الآخر فهل المدار و الاعتبار باطولهما في الإصبع بحيث يجب على أقصرهما إصبعا ان يغسل المقدار الزائد على ما دارت عليه اصبعاه أو أن الاعتبار باقصرهما إصبعا فلا يجب على اطولهما ان يغسل المقدار الزائد على ما دارت عليه إصبعا أقصرهما بحسب الإصبع؟

الصحيح ان المدار على أقلهما فصلا- اعني أقصرهما إصبعا- و ذلك لما تقدم من ان الوجه شيء واحد و ليس له الا حد واحد، و لا يعقل ان يكون له حدان أو أكثر، و المفروض انهما متساويان في الوجه، فمقتضى إطلاق ما دل على وجوب غسل الوجه في الوضوء ان أقلهما فصلا أيضا مأمور بغسل وجهه بالمقدار الذي تدور عليه اصبعاه فلا يجب عليه الزائد على ذلك بمقتضى تلك المطلقات.

فإذا كان هذا هو حد الوجه الواجب غسله في أحدهما كان هذا هو الحد في وجه الآخر- أعني أكثرهما فصلا- لا محالة لتساويهما من حيث الوجه سعة و ضيقا، و لا يمكن ان يكون للوجه حد آخر لما عرفت، و على ذلك لا يجب على اطولهما فصلا غسل المقدار الزائد عما دارت عليه إصبعا أقلهما فصلا.

و هكذا الحال فيما إذا كانا متفقين من حيث الإصبع و مختلفين في الوجه من جهة المساحة العرضية، فإن الميزان- وقتئذ- انما هو الاقتصار بأقلهما- فصلا- أو أقصرهما وجها، لانه مشمول للمطلقات الواردة في وجوب غسل الوجه، فإذا ثبت انه الحد الواجب الغسل في أحدهما ثبت

54

..........

____________

في الآخر أيضا لتساويهما في الفصل المتخلل بين الإصبعين.

و لكن هذا المقدار من الاختلاف في عرض الوجه لا يكاد يترتب عليه ثمرة عملية و ذلك من جهة لزوم الغسل في المقدار اليسير الزائد عن الحد الواجب في كل من الوجه و اليدين من جهة المقدمة العلمية، فزيادة أحد الوجهين عن الآخر- بمقدار يسير- كما هو الحال في الأشخاص المتعارفين لا يترتب عليها أثر عملي هذا كله في الأشخاص المتعارفين من حيث الوجه و اليدين.

الخارج عن العادة في الوجه و اليدين:

و امّا من خرج عن العادة فيهما كما إذا كان وجهه ضعف الوجوه المتعارفة في الأشخاص أو كان وجهه اقصر من الوجوه المتعارفة بكثير، كما إذا كان بمقدار نصفها- مثلا- فهل المدار على أكبرهما وجها فيجب على أقصرهما وجها ان يغسل وجهه و أذنيه مع خلفهما، لان المفروض ان المدار على أكبرهما وجها، و وجهه ضعف وجه أقصرهما أو ان المدار على أقصرهما وجها فلا يجب على أكبرهما وجها الا غسل مقدار النصف- مثلا- من وجهه، لان المقدار الواجب غسله انما هو وجه أقصرهما، و المفروض ان وجهه ضعف الوجوه المتعارفة فضلا عن الوجوه القصيرة و الصغيرة؟

الصحيح في مفروض الكلام هو الرجوع الى المتعارف، و هذا لا بمعنى انه يغسل من وجهه بمقدار الوجه المتعارف لدى الناس- كما يعطيه ظاهر عبارة الماتن (قده)- لاستلزام ذلك وجوب غسل الأذنين بل و خلفهما أيضا في حق من قصر وجهه عن الوجوه المتعارفة بنصفها- مثلا-

55

..........

____________

أو وجوب غسل نصف الوجه في حق من كبر وجهه و كان ضعف الوجوه المتعارفة.

بل بمعنى ان يلاحظ ان اليد المتناسبة لهذا الوجه تصل الى اي مقدار منه و يحيط به فيغسل وجهه بهذا المقدار، و الوجه في ذلك ما قدمناه في محله من ان التحديد قد يكون تحديدا عاما بالإضافة إلى الجميع كما هو الحال في مثل الكر المحدود بسبعة و عشرين شبرا أو بغيره من التحديدات و في المسافة المرخصة للقصر المعنية بالذراع، لوضوح ان الكر و المسافة لا يختصان بشخص دون شخص، فإن أحكامهما طارئان على الماء و السفر فإذا بلغا ذلك الحد، فالأول كر في حق الجميع كما أن الثانية مسافة مرخصة للقصر كذلك، و إذا لم يبلغا إليه فهما ليسا كذلك في حق الجميع و المدار- وقتئذ- انما هو بأقل الأشخاص المتعارفة شبرا، أو ذراعا، و كذلك غيرهما من التحديدات العامة على ما أشرنا إليه في محلها.

و قد يكون التحديد شخصيا و حكما انحلاليا، كما هو الحال في المقام لان قوله عز من قائل فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (1) عام انحلالي بمعنى أن كل واحد من المكلفين يجب ان يغسل وجه نفسه، فإذا كان وجهه أكبر عن المتعارف أو أصغر منه فلا بد من ان يرجع الى المتعارف بالمعنى المتقدم و هو مراد الماتن (قده) أيضا، و ان كانت عبارته كغيره من الفقهاء الذين اعتبروا المراجعة في المقام الى المتعارف لا تخلو عن مسامحة، لأن ظاهرها يعطى لزوم الغسل بمقدار الوجه المتعارف لدى الناس. و قد عرفت عدم إمكان إرادته فليلاحظ.

____________

(1) المائدة: 6: 5.

56

و يجب اجراء الماء (1) فلا يكفي المسح به، وحده ان يجري من جزء الى جزء آخر، و لو بإعانة اليد، و يجزي استيلاء الماء عليه، و ان لم يجر إذا صدق الغسل.

وجوب الغسل في الوضوء:

____________

(1) الاحتمالات في ذلك ثلاثة:

«الأول»: أن يكون الغسل المعتبر في الوجه و اليدين هو الغسل المعتبر في تطهير الأجسام المتنجسة، بأن يعتبر فيه استيلاء الماء على البشرة و انفصال غسالته عنه كما هو الحال في تطهير المتنجسات، فان مجرد وصول الماء إليها من غير انفصال غسالتها غير كاف في تحقق الغسل، و صدق عنوانه لدى العرف.

و ربما يشهد لذلك ما ورد في صحيحة زرارة من قوله(ع):

كل ما أحاط به من الشعر فليس للعباد ان يطلبوه و لا يبحثوا عنه، و لكن يجرى عليه الماء (1) لدلالتها على اعتبار الجريان في الوضوء فلا يكفى مجرد وصول الماء إلى البشرة. بل لا بد في صحته من إيصال الماء إليها، و جريانه اي انتقاله من جزء إلى جزء آخر حتى تنفصل غسالته.

«الثاني»: و هو مع الاحتمال المتقدم على طرفي النقيض ان يكون المعتبر في غسل الوجه و اليدين مجرد إيصال النداوة إلى البشرة و لو بإمرار اليد عليها، فكما أن النداوة تكفي في المسح، كذلك تكفي في الغسل المعتبر في الوضوء، و هذا لا بمعنى أن المعتبر في الوجه و اليدين أيضا هو المسح كيف و هو على خلاف ما نطق به الكتاب و دلت عليه السنة القطعية

____________

(1) المروية في ب 46 من أبواب الوضوء من الوسائل.

57

..........

____________

لدلالتهما على ان الوضوء غسلتان و مسحتان و ان الغسل معتبر في الوجه و اليدين كما يعتبر المسح في الرأس و الرجلين فللمسح موارد معينة و لا يجزى في غيرها اعني الوجه و اليدين.

بل لان الواجب فيهما إيصال النداوة إلى البشرة، و حيث أن ذلك لا يتحقق في الغالب بل الدائم إلا بالمسح فيكون المسح مقدمة لما هو الواجب في الوجه و اليدين، و الدليل انما دل على أن المسح ليس بواجب فيهما و لم يدلنا اي دليل على حرمته حتى لا يجوز الإتيان به مقدمة لتحقق ما هو الواجب في الوجه و اليدين.

و قد يستدل على هذا الاحتمال بعدة من الاخبار الكثيرة التي فيها الصحيحة و الموثقة الدالة على ان الوضوء يكفي فيه مسمى الغسل و لو مثل الدهن «منها»: صحيحتي زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) قال: انما الوضوء حد من حدود اللّٰه ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه، و أن المؤمن لا ينجسه شيء، إنما يكفيه مثل الدهن (1) و «منها»:

موثقة [2] إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه(ع) ان عليا(ع) كان يقول: الغسل من الجنابة و الوضوء يجزى منه ما أجزي من الدهن الذي يبل الجسد (3) و «منها»: غير ذلك من الروايات.

و لكن الاستدلال بهذه الروايات يتوقف على أن يكون وجه الشبه في تشبيه الماء بالدهن كفاية البلة و النداوة الواصلة إلى البشرة، و لو بإمرار اليد عليها و جريانه و انتقاله من جزء إلى جزء آخر فتدلنا هذه الروايات على أن هذا المقدار من البلة المائية كاف في صحة الوضوء. إلا انه لم تقم أية

____________

[2] عد هذه الرواية موثقة باعتبار ان غياث بن كلوب الواقع في سندها و ان لم يوثق في الرجال و لكن الشيخ نقل ان الطائفة قد عملت برواياته.

____________

(1) المروية في ب 52 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 52 من أبواب الوضوء من الوسائل.

58

..........

____________

قرينة في شيء من الأخبار المتضمنة للتشبيه على ان ذلك هو وجه الشبه بينهما.

بل من المحتمل القوي ان يكون وجه الشبه- في الروايات- هو قلة الدهن في التدهين، فان في موارد التدهين لا يستعمل الدهن إلا قليلا فتؤخذ بمقدار الراحة من الدهن فيدهن به، كما ورد التصريح بذلك في صحيحة محمد بن مسلم الواردة في كيفية الوضوء، حيث قال أبو جعفر (عليه السلام) يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده، و الماء أوسع .. (1) فكذلك الحال في الوضوء فيكتفي فيه بالمقدار القليل من الماء، و لا يعتبر فيه استعمال الماء الكثير.

و أوسعية الماء في الصحيحة إنما هي بلحاظ سرعة جريانه. و قد ورد في صحيحة الحلبي الأمر بالاسباغ عند كثرة الماء، و الاكتفاء بالقليل عند قلته، حيث قال: أسبغ الوضوء ان وجدت ماء، و إلا فإنه يكفيك اليسير (2)، و على الجملة التشبيه إنما هو في الكم و المقدار دون الكيف و إيصال النداوة بالتمسح.

و ما ذكرناه إما هو الظاهر من الأخبار المتقدمة، أولا أقل من انه القدر المتيقن منها، كيف و حملها على كفاية إيصال النداوة بالمسح ينافي الصحيحة المتقدمة التي دلت على اعتبار جريان الماء في الوضوء، كما ينافي ذلك ما ورد في الآية المباركة و الروايات من الأمر بغسل الوجه و اليدين فان الغسل يعتبر فيه استيلاء الماء على البشرة، و انفصاله عنها كما لا يخفى و مجرد إيصال النداوة إلى البشرة غير كاف في تحقق مفهوم الغسل لوضوح أن النداوة ليست بماء، و أيضا ينافيه الأخبار البيانية الواردة في الوضوء

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 52 من أبواب الوضوء من الوسائل.

59

..........

____________

المشتملة على حكاية فعلهم(ع) من انه أخذ كفا من الماء و غسل به وجهه و يديه (1).

«الثالث»: أن يكون المعتبر في غسل الوجه و اليدين أمرا متوسطا بين الاحتمالين المتقدمين بان يكون الواجب هو استيلاء الماء على البشرة، دون مجرد إيصال النداوة إليها، إلا انه لا يعتبر انفصال الغسالة عنها، بل لو أوصل الماء الى بشرته- و لو بالتمسح- على نحو لم ينفصل عنها و لو قطرة واحدة كفى هذا في صحة وضوئه، و على الجملة فاللازم أن يكون الماء مستوليا على البشرة و البدن، من دون اعتبار انفصال الغسالة عنها بوجه.

و تدل على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر(ع) في الوضوء قال: إذا مس جلدك الماء فحسبك (2)، لظهورها في ان مجرد وصول الماء إلى البشرة كاف في صحة الوضوء و ان لم ينفصل عنها كما لا يخفى و هي حاكمة على ما دل على اعتبار جريان الماء أو الغسل في الوضوء بحيث لو لا هذه الصحيحة لقلنا باعتبار تحقق الغسل و الجريان أعني انفصال الغسالة في صحته، لانه معنى الغسل على ما عرفت.

و لكن هذه الصحيحة قد دلتنا على ان الغسل الواجب في الوضوء إنما هو بمعنى وصول الماء الى البدن لا بمعنى انفصال الغسالة عنه، و قد عرفت أن الأخبار الواردة في كفاية مثل الدهن من الماء أيضا ظاهرة في هذا المعنى، و لا أقل من انه القدر المتيقن من التشبيه دون إيصال مجرد النداوة إلى البشرة باليد.

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 52 من أبواب الوضوء من الوسائل.

60

و يجب الابتداء بالأعلى (1)

وجوب البدأة بالأعلى:

____________

(1) على ما هو المعروف بين المتقدمين و المتأخرين، و خالفهم في ذلك السيد المرتضى (قده) و ذهب الى جواز النكس و تبعه الشهيد و صاحب المعالم و الشيخ البهائي و ابن إدريس و غيرهم (قدس اللّٰه أسرارهم) و استدل على ما ذهب اليه المشهور بوجوه:

«الوجه الأول»: ان ذلك مقتضى أصالة الاشتغال لعدم العلم بالفراغ فيما إذا لم يبتدأ من الأعلى إلى الأسفل و هذا الاستدلال يبتني على أمرين:

«أحدهما»: ان لا يكون هناك دليل دل بإطلاقه على جواز الغسل بأية كيفية كانت، لوضوح ان مع وجود الدليل الاجتهادي لا تصل النوبة إلى التمسك بالأصل.

و «ثانيهما»: عدم جريان البراءة في الطهارات الثلاث بدعوى ان المأمور به فيها إنما هو تحصيل الطهارة و هو أمر معلوم، و انما الشك في أسبابها و محصلاتها، إذا فالشك في المكلف به دون التكليف و لا تجري معه أصالة البراءة في شيء من الطهارات و الأمران كلاهما ممنوعان.

أما الأول فلأن الآية المباركة إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (1) مطلقة و قد دلتنا على وجوب غسل الوجه و اليدين و لزوم مسح الرأس و الرجلين من غير تقييدها الغسل بأن يبتدأ من الأعلى إلى الأسفل، فمقتضى إطلاقها جواز النكس في الغسل.

____________

(1) الأعراف 5: 6

61

..........

____________

و دعوى: أن الآية بصدد التشريع و بيان أصل الحكم في الشريعة المقدسة، و ليست ناظرة إلى كيفياته و خصوصياته مما لا شاهد له، لوضوح انها قد وردت بصدد البيان و بينت حدود الغسل و المسح الواجبين، و انه لا بد من ان يكون الغسل في اليدين من المرفق، و ان محله انما هو في الوجه و اليدين كما ان المسح في الرأس و الرجلين، و حيث لم يقيد فيها الغسل بكيفية معينة فيستفاد منها كفاية الغسل على وجه الإطلاق كما هو المدعى.

و كذلك الأخبار الواردة في كيفية وضوء النبي(ص) أو بعض الأوصياء(ع) كالروايات المشتملة على انه(ع) دعا بماء و أخذ كفا منه فغسل به وجهه و يديه (1) فإنها كما ترى مطلقة و ليست مقيدة بكيفية دون كيفية هذا كله في الأمر الأول.

ثم لو سلمنا ذلك و قلنا ان الآية ليست بصدد البيان، و انه لا دليل في المقام يتشبث بإطلاقه فللمنع عن الأمر الثاني مجال واسع و ذلك لان الطهارة ليست مسببة عن الغسلتين و المسحتين، و انما هي عبارة عن نفس الأفعال لأن لها بقاء في عالم الاعتبار و التعبير ب(انه على وضوء) كثير في الروايات (2).

و عليه فإذا شككنا في ان الوضوء الواجب هل هو الافعال فقط اعني الغسلتين و المسحتين أو يعتبر فيه شيء زائد عليهما؟ فلا مانع من ان تجري البراءة عن التكليف بالزائد، لأنه من الشك في التكليف بناء على ما هو الصحيح من جريان البراءة في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطين كما هو الصحيح. نعم بناء على القول فيه بالاشتغال فللمنع من جريان

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) منها صحيحة زرارة قال: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء .. المروية في ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

62

..........

____________

البراءة في المقام وجه، إلا انه على خلاف الواقع كما عرفت.

الوجه الثاني مما استدل به على مذهب المشهور رواية قرب الاسناد عن أبي جرير الرقاشي قال: قلت لأبي الحسن موسى(ع) كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال: لا تعمق في الوضوء و لا تلطم وجهك بالماء لطما و لكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا، و كذلك فامسح الماء على ذراعيك و رأسك و قدميك (1) لدلالتها على الأمر بغسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل، و قد نوقش في الاستدلال بهذه الرواية تارة من جهة السند و اخرى من جهة الدلالة.

اما من جهة السند فلأجل اشتماله على أبي جرير الرقاشي، و هو مهمل في الرجال و ذلك لان الرقاشي عنوان لشخصين ليس منهما أبو جرير و هما الحسين بن المنذر، و محمد بن درياب. كما ان أبا جرير كنية لجماعة ليس منهم الرقاشي، فأبو جرير الرقاشي مهمل و السند ضعيف.

و دعوى: ان كتاب قرب الاسناد من الأصول المعتبرة فلا يضره ضعف السند كما في الحدائق ساقطة لأن كون الكتاب من الأصول المعتبرة لا يقتضي اعتبار كل رواية من رواياته و كيف لا فان كتاب قرب الاسناد لا يزيد في الاعتبار على كتاب الكافي- مثلا- فإنه مع كونه من الكتب المعتمد عليها عند الاعلام لا يسوغ الاعتماد على كل رواية مندرجة فيه الا بعد ملاحظة سندها و تماميته، إذا فهذه المناقشة مما لا مدفع له.

و اما من جهة الدلالة فقد نوقش فيها بأن الرواية قد نهت عن التعمق في الوضوء على ما هو دأب الوسواسين، كما نهت عن التلطم بالماء، و النهي عن ذلك يحتمل أمرين:

«أحدهما»: ان يكون النهي تنزيهيا باعتبار استحباب المسح في

____________

(1) المروية في ب 15 و 30 من أبواب الوضوء من الوسائل.

63

..........

____________

غسل الوجه و إيصال الماء الى تمام أطرافه بإمرار اليد عليه فيكون اللطم في مقابله مكروها لا محالة.

و «ثانيهما»: ان يكون النهي عن التلطم مستندا الى عدم إحراز وصول الماء بذلك الى تمام الوجه و معناه انه لا تلطم وجهك بالماء لانه لا يوجب إحراز الغسل الواجب في الوضوء. و على هذا الاحتمال يبقى ظهور القيد- اعني قوله .. مسحا- في الاحترازية بحاله، لأن معناه ان التلطم بالماء غير كاف في الوضوء. بل لا بد فيه من غسل الوجه و لو مسحا حتى يصل الماء الى تمام أطرافه و اجزائه، و معه لا بد من الحكم بوجوب المسح.

و هذا لا لأجل أن له موضوعية في صحة الوضوء. بل من جهة طريقيته الى ما هو المعتبر من وصول الماء الى جميع أجزاء الوجه، فالأمر بالغسل مسحا أمر وجوبي من دون ان يكون للمسح خصوصية و موضوعية و انما أخذ على وجه الطريقية فعلى هذا الاحتمال لا ترد المناقشة على الرواية من تلك الجهة.

و اما على الاحتمال الأول و هو ان يكون النهي تنزيهيا فلا يمكن التحفظ معه على ظهور القيد في الاحترازية، و ذلك لعدم وجوب المسح في غسل الوجه قطعا لضرورة كغاية الغسل بالارتماس أو بماء المطر، و لأن التفصيل قاطع للشركة و قد فصل اللّٰه سبحانه بين الوجه و اليدين، و الرأس و الرجلين فأمر بالمسح في الثانيتين و هذا يدلنا على عدم وجوبه في الأوليتين. و عليه يكون الأمر- بالغسل مسحا- محمولا على الأمر باختيار أفضل الافراد فهو أمر استحبابي لا محالة.

و النتيجة انه لم يدلنا دليل على وجوب كون الغسل من الأعلى إلى الأسفل هذا و لكن الصحيح عدم ورود هذه المناقشة على الاستدلال بالرواية،

64

..........

____________

و ذلك لما بيناه غير مرة من ان الوجوب و الاستحباب خارجان عن مدلول الصيغة فان صيغة الأمر لا تستعمل في معنيين. بل انما تستعمل في معنى واحد دائما، و العقل ينتزع منها الوجوب مرة و الاستحباب أخرى، و خصوصية الاستحباب انما تنتزع من اقتران الصيغة بالترخيص في الترك كما ينتزع الوجوب من عدم اقترانها به، فإذا استعملت و لم يكن مقترنة به فالعقل ينتزع منها الوجوب و يستقل باستحقاق العقوبة على الترك.

و من هنا قلنا ان الأمر بغسل الجمعة و الجنابة في رواية واحدة اغتسل للجمعة و الجنابة [1] قد استعمل في معنى فأرد و لكن القرينة قامت على الترخيص في الترك في أحدهما فحكمنا باستحبابه و لم تقم في الآخر فحكمنا بوجوبه، و قيام القرينة على الترخيص في الترك في أحدهما غير مانع عن دلالة الأمر بالوجوب- على التقريب المتقدم- في الآخر لوجود الفارق بينهما و هو قيام القرينة على الترخيص في الترك، و ان كان المستعمل فيه في كليهما شيئا واحدا هذا كله في حال الأمر بالإضافة الى الافراد.

و منه يظهر الحال بالنسبة الى الاجزاء و القيود كما إذا أمر المولى بإكرام جماعة من العلماء و قامت القرينة على الترخيص في ترك الإكرام لبعضهم فلا محالة يكون الإكرام بالنسبة الى ذلك البعض مستحبا و بالنسبة إلى البقية محكوما بالوجوب، و في المقام لما قامت القرينة على الترخيص في ترك المسح الذي هو قيد المأمور به كان الأمر بالإضافة إليه استحبابيا لا محالة. و اما بالنسبة إلى المأمور به و هو الغسل من الأعلى إلى الأسفل

____________

[1] لم نعثر على هذه الرواية في مظانها نعم هناك رواية أخرى و هي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: اغتسل يوم الأضحى و الفطر و الجمعة و إذا غسلت ميتا و لا تغتسل من مسه إذا أدخلته القبر و لا إذا حملته و نحوها غيرها. المروية في ب 1 من أبواب الأغسال المسنونة من الوسائل.

65

..........

____________

فهو أمر وجوبي، لعدم قيام القرينة على الترخيص في تركه فعلى تقدير تمامية الرواية بحسب السند لا ترد عليها المناقشة بحسب الدلالة، إذا فالعمدة هي المناقشة فيها بحسب السند.

«الوجه الثالث»: مما استدل به للقول المشهور هو الروايات البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي(ص) «منها»: صحيحة زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر(ع) وضوء رسول اللّٰه(ص) فدعا بقدح من ماء فأخذ كفا من ماء فاسد له على وجهه (من أعلى الوجه) ثم مسح وجهه من الجانبين جميعا ثم أعاد يده اليسرى في الإناء .. (1).

و قوله: ثم مسح وجهه من الجانبين جميعا لعله بمعنى انه(ص) استعان بيده اليسرى كما استعان باليمنى فأمرّهما معا على جانبيه. و قد ورد في بعض الاخبار انه(ص) كان يستعين بيده اليسرى في الوضوء (2) و في بعض تلك الروايات انه(ص) وضع الماء على جبهته (3) و هي كما ترى كالصريحة في ان الغسل لا بد ان يكون من أعلى الوجه إلى أسفله.

و لكن للمناقشة في دلالتها على اعتبار ذلك مجال واسع، و ذلك لان أبا جعفر(ع) انما حكى فعل رسول اللّٰه(ص) و وضوئه و انه كان يتوضأ بتلك الكيفية و ليست فيها أية دلالة على أن تلك الكيفية كانت واجبة في الوضوء و لعلها من باب الأفضلية و الاستحباب دون الوجوب، و من هنا لم ترد خصوصية غسله(ص) من أعلى الوجه إلى أسفله في غير هذه

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) كما فيما رواه بكير و زرارة ابنا أعين عن أبي جعفر(ع) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) كما في صحيحة زرارة المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

66

..........

____________

الروايات من الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية و هي عدة روايات.

فإثبات وجوب تلك الكيفية بهذه الروايات مما لا يمكن المساعدة عليه.

و لا سبيل الى دعوى وجوبها من جهة وجوب التأسي بالنبي(ص) إذ لا مجال لوجوب التأسي في المباحات و المستحبات. و قد دلتنا الآية المباركة- بإطلاقها- على عدم وجوب الابتداء بالأعلى إلى الأسفل في غسل الوجه هذا.

التذييل المنسوب إلى العلامة و الشهيد «قدهما»:

و قد نسب إلى العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى ((قدس اللّٰه أسرارهم)ا) تذييل الصحيحة المتقدمة بقولهما: روي عنه (عليه السلام) انه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال بعد ما توضأ: ان هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلا به (1) و هذا على تقدير ثبوته أيضا تدلنا على وجوب تلك الكيفية في الوضوء و معه لا بد من الحكم باعتبار البدء بالأعلى إلى الأسفل في غسل الوجه و غيره من الخصوصيات المذكورة في الرواية، الا أن يقوم دليل على عدم وجوبها.

و «سره»: ان المشار إليه في قوله: هذا وضوء. ليس هو الوضوء الشخصي الصادر من النبي(ص) كيف و هو أمر قد انقضى و انصرم و لا يمكن صدوره منه(ص) و لا من الباقر(ع) أو غيرهما. بل انما هو إشارة إلى صنف ذلك الشخص و هو الوضوء المشتمل على الخصوصيات المذكورة في الرواية فلا مناص من الحكم بوجوبها. «و دعوى»: أن الإشارة إلى طبيعة الوضوء لا الى صنف ذلك الشخص الصادر منه(ص)

____________

(1) راجع الجواهر المجلد الثاني ص 149 من الطبعة الحديثة.

67

..........

____________

«مندفعة»: بأن المحمول في قوله: ان هذا وضوء. هو الوضوء، و لا يصح هذا فيما إذا أريد من قوله هذا هو الطبيعي لأنه يئول الى قوله ان طبيعي الوضوء وضوء. و هو كلام لا ينبغي صدوره منه(ص) نعم يصح ان يقال انه شيء أو أمر، و أما الوضوء فقد عرفت انه لا معنى لحمله عليه.

و الذي يسهل الخطب و هو العمدة في المقام أن هذا الذيل مما لا أصل له. لأنه انما وقع في كلامهما مرسلا، و لا يكاد يوجد في شيء من الأخبار الواردة في كيفية غسل الوجه في الوضوء لا في مسنداتها و لا في مرسلاتها و لا ندري من اين جاء! به!.

نعم ورد ذلك في روايات غسل الوجه مرة أو مرتين حيث روى الصدوق (قده) في الفقيه ان النبي(ص) توضأ مرة مرة فقال: هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلا به (1) و هو أجنبي عما نحن بصدده لان الكلام انما هو في اعتبار غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل، لا في اعتبار المرة و عدم جواز الغسل مرتين.

«الوجه الرابع»: مما استدل به للمشهور ان الأمر بالغسل في الآية المباركة و الروايات انما ينصرف الى الغسل الخارجي المتعارف لدى الناس، و الدراج عندهم انما هو غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل و اما الغسل نكسا فهو أمر غير معتاد فالغسل منصرف عنه لا محالة. و هذا الاستدلال مورد للمناقشة صغرى و كبرى.

اما بحسب الصغرى فلان المتعارف في غسل الوجه انما هو الغسل من وسط الجبين أو ما يقرب من الوسط دون الغسل من قصاص الشعر إلى

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

68

و الغسل من الأعلى إلى الأسفل عرفا (1) و لا يجوز النكس

____________

الأسفل لوضوح عدم جريان العادة بذلك، و معلوم ان هذا غير كاف في الوضوء.

و أما بحسب الكبرى فلان الغلبة الخارجية في افراد المطلق غير موجبة للانصراف الى الفرد الغالب فان الحكم بعد ما ترتب على الطبيعة سرى الى جميع ما يمكن ان يكون مصداقا لها، و لا فرق في ذلك بين الافراد النادرة و الغالبة، فالغلبة غير موجبة لاختصاص الحكم بالغالب فالمتحصل الى هنا ان وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل مما لم يقم عليه دليل.

فلم يبق الا تسالم الفقهاء الأقدمين و سيرة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) حيث جرت على غسل وجوههم من الأعلى إلى الأسفل، فإن المتقدمين متسالمون على وجوب ذلك و لم يخالفهم في ذلك الا السيد المرتضى (قده) كما ان أصحاب الأئمة(ع) لم ينقل عنهم خلاف ذلك فلو لم يكن هذا على وجه الإلزام و الوجوب لظهر و شاع فنطمئن من عدم ظهور ذلك بان الغسل من الأعلى إلى الأسفل أمر واجب لا محالة.

و على الجملة أن التسالم بين الفقهاء «قدهم» ان تم و ثبتت سيرة أصحابهم(ع) فهو و الا فللمناقشة في وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل مجال واسع. غير ان النفس مطمئنة من سيرتهم و تسالم فقهائنا الأقدمين على وجوبه هذا تمام الكلام في أصل المسألة و هو وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل و عدمه.

(1) إذا قلنا بوجوب غسل الأعلى فالأعلى فلا بد من التكلم فيما هو الواجب في المسألة و فيه احتمالات:

69

..........

الاحتمالات في الغسل من الأعلى:

____________

«أحدها»: ان يقال ان الواجب وقتئذ هو الغسل من أعلى الوجه و القصاص بمقدار يسير يصدق عليه الشروع و امّا بعد ذلك فلا يعتبر فيه الغسل من الأعلى فالأعلى بل له ان يغسل الباقي كيف ما شاء فكان الواجب انما هو مجرد الشروع و الابتداء في الغسل بالأعلى. و بذلك يسقط الوجوب و الترتيب فللمكلف ان يغسل وجهه بعد ذلك باية كيفية شاءها و لو نكسا.

و يدفعه: ان الظاهر المستفاد من الاخبار البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي(ص) و رواية الرقاشي المتقدمة (1) على القول بصحة الاستدلال بهما على لزوم غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل ان الواجب انما هو غسل الوجه من الأعلى إلى أسفله بالتمام و ان النبي(ص) انما شرع من الأعلى و غسل الأعلى فالأعلى إلى أسفله لا ان الواجب مجرد الشروع بالأعلى فالحكم بجواز النكس- بعد الابتداء في الغسل به- خلاف ظواهر الاخبار.

«ثانيها»: ان الواجب غسل الاجزاء العالية فالعالية بحسب الخطوط العرضية، بحيث لا يجوز غسل شيء من الاجزاء السافلة حتى الجزء السافل الذي لا يكون مسامتا للجزء الأعلى غير المغسول الا بعد غسل تمام الأجزاء الواقعة فوقها في خط عرضي دقيق، كما نقل عن المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده).

و يرده: أن هذا مضافا الى صعوبته في نفسه على خلاف الروايات الصريحة في عكس المدعى كقوله(ع) في صحيحة زرارة المتقدمة:

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

70

..........

____________

فاسد له على وجهه من أعلى الوجه ثم مسح وجهه من الجانبين جميعا (1) فان الماء بطبعه إذا اسدل من أعلى الوجه نزل إلى الأسفل منه فيغسل به الجزء السافل قبل غسل بقية الأجزاء العالية من الخط العرضي و من هنا كان(ع) بمسح الجانبين فوصول الماء إليهما كان متأخرا عن إسدال الماء على الوجه لا محالة.

«ثالثها»: ان الواجب انما هو غسل الاجزاء العالية فالعالية بحسب الخطوط الطولية فلا بد من غسل الجزء العالي قبل الجزء السافل السامت له دون الاجزاء السافلة غير المسامتة له فإنه يجوز غسلها قبل غسل الجزء العالي الذي لا يكون مسامتا له، إذا لا بد من غسل الوجه حسب الخط الطولي الهندسي لئلا يغسل شيء من الجزء السافل السامت للجزء العالي قبل غسل الجزء العالي عليه.

و هذا الاحتمال أيضا لا يمكن المساعدة عليه لوضوح ان الماء إذا صب من الأعلى لم ينزل إلى الأسفل على وجه مستقيم بل ينحرف بحسب الطبع الى اليمين و اليسار، و من الظاهر ان اجراء الماء من الأعلى يكفي في صحة الوضوء إذا وصل الى جميع أجزاء الوجه من دون اعتبار الاستقامة في الجريان فهذه الاحتمالات ساقطة.

فلا بد- على تقدير القول بوجوب غسل الأعلى فالأعلى- من ان نلتزم بوجوب ذلك على نحو الصدق العرفي المسامحي دون الصدق التحقيقي العقلي، بأن يغسل وجهه على نحو يصدق عرفا انه قد شرع من الأعلى إلى الأسفل، و ان لم يغسل بعض الأجزاء العالية قبل السافلة، كما إذا وضع الماء على جبهته و أمرّ يده عليه إلى الأسفل فإنه- بحسب الطبع- يبقى حينئذ شيء من جانبي الجبين غير مغسول بذلك الغسل، الا انه

____________

(1) المتقدمة في ص 65.

71

و لا يجب غسل ما تحت الشعر (1) بل يجب غسل ظاهره، سواء شعر اللحية، و الشارب، و الحاجب، بشرط صدق إحاطة الشعر على المحل، و إلا لزم غسل البشرة الظاهرة في خلاله.

____________

يكفي في صحة الوضوء إذا غسله بإمرار اليد عليه ثانيا و ثالثا لصدق انه قد غسل وجهه من الأعلى إلى الأسفل وقتئذ.

تحت الشعر غير لازم الغسل:

(1) مقتضى ما دل على وجوب غسل الوجه و اليدين ان الواجب بحسب الابتداء انما هو غسل البشرة سواء أ كان فيها شعر أم لم يكن لان الوجه قد ينبت عليه الشعر و قد لا ينبت، فنبات الشعر و اللحية غير مانع عن صدق عنوان الوجه، فإنه اسم للعضو المخصوص، و الشعر قد ينبت عليه فحقيقة يصدق ان يقال ان اللحية نبتت على وجهه، أو الشعر نبت عليه، إذا يجب غسل الوجه و ان كان عليه شعر.

إلا أنا نرفع اليد عن ذلك و نكتفي بغسل ظاهر الشعر النابت على العضو فيما إذا أحاط به الشعر بمقتضى الدليل الدال عليه و هو الاخبار البيانية الحاكية عن وضوء النبي(ص) لأنه(ع) في مقام الحكاية عن وضوء رسول اللّٰه(ص) أخذ كفا من الماء فاسد له على وجهه و مسح جانبيه باليدين و اكتفى به في وضوئه من دون ان يتصدى للتبطين و التخليل، فهذا يدلنا على عدم اعتبار غسل ما تحت الشعر لوضوح أنه صيقلي و لا ينفذ الماء داخله و تحته الا بعلاج.

فيظهر من ذلك ان الواجب غسله من الوجه هو المقدار الذي يصل إليه الماء بطبعه حين إسداله على الوجه فلا يجب التخليل و التبطين و التعمق

72

..........

____________

في إيصال الماء إلى البشرة بل و لا الى الشعر المحاط بالشعر.

و صحيحة زرارة المروية في التهذيب قال: قلت له: أ رأيت ما كان تحت الشعر قال: كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد ان يغسلوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء (1) و رواها الصدوق في الفقيه بإسناده إلى زرارة عن أبي جعفر(ع) و نظيرها غيرها من الروايات فان مقتضى تلك الروايات عدم وجوب التبطين و التعمق في غسل الوجه و كفاية مجرد جريان الماء عليه من دون وصوله الى ذات البشرة بل و لا الى الشعر المحاط بالشعر.

تنبيه:

لا يخفى ان الرواية في كل من الفقيه و التهذيب- على ما في الوسائل المطبوعة جديدا- بلفظة اللام في قوله: فليس للعباد و كذا ظاهر الوافي ان نسختي الفقيه و التهذيب متوافقتان من هذه الجهة، لأنه بعد ما نقلها عن التهذيب أشار إلى ان الصدوق في الفقيه أيضا روى مثله عن أبي جعفر (عليه السلام) و ظاهر المماثلة هي المماثلة من جميع الجهات و عدم الفرق بين التهذيب و الفقيه من هذه الناحية.

إلا أن شيخنا المحقق الهمداني (قده) رواها عن التهذيب باللام كما نقلناها و عن الفقيه ب«على» و انه ليس على العباد ان يغسلوه. و قد عرفت انه مخالف لنقل الوافي و الوسائل المطبوعة جديدا. نعم التهذيب و الفقيه- في طبعتهما الأخيرة- موافقان لنقل شيخنا المحقق فليلاحظ هذا كله في أصل المسألة.

____________

(1) المروية في ب 46 من أبواب الوضوء من الوسائل.

73

..........

بقي الكلام في أمور:

____________

«الأول»: ان غسل ظاهر اللحية أو الشعر في مثل الحاجب و الشارب هل هو على سبيل الحتم و اللزوم بحيث لو غسل ذات البشرة و ترك الغسل في ظاهرهما فسد وضوءه أو انه على وجه الرخصة و الجواز بمعنى ان غسل ظاهر اللحية أو الشعر مجزئ عن غسل البشرة لا انه متعين على وجه اللزوم؟

الأول هو المتعين و ذلك لان ظاهر قوله(ع) في صحيحة زرارة المتقدمة: فليس للعباد ان يغسلوه، انما هو نفي المشروعية و الجواز، فلا يجوز للمتوضئ ان يغسل نفس البشرة هذا على نسخة «اللام» و أما على النسخة الأخرى أعني قوله(ع) فليس على العباد ان يغسلوه فظاهرها و ان كان هو نفي الوجوب و الإلزام عن غسل ذات البشرة و لا دلالة لها على نفي المشروعية و الجواز غير ان نفي الوجوب يكفي في الحكم ببطلان الوضوء فيما إذا غسل نفس البشرة و ذلك لأنه بعد عدم وجوبه تحتاج مشروعيته و جوازه إلى دليل و هو مفقود.

ان قلت: يكفي في الدلالة على ذلك الروايات المطلقة و الآية المباركة الدالتان على وجوب غسل الوجه و البشرة كما تقدم و هما كافيتان في الحكم بمشروعية غسل البشرة و كونه متعلقا للأمر.

قلت: نعم و لكنك قد عرفت بما لا مزيد عليه ان المطلقات مخصصة بما دل على لزوم غسل ظاهر الشعر فقد رفعنا اليد عن مقتضى تلك الإطلاقات بالأخبار المتقدمة، و مع التخصيص لا أمر و لا وجوب إذا يحتاج جواز غسل البشرة و الاكتفاء به في مقام الامتثال عن غسل ظاهر اللحية و الشعر

74

..........

____________

- كما إذا لصق بلحيته ما يحجب عن وصول الماء الى ظاهرها- الى دليل و هو مفقود.

«الأمر الثاني»: لا ينبغي الإشكال في وجوب غسل البشرة و عدم كفاية غسل ظاهر الشعر فيما إذا كانت كل واحدة من الشعرات نابتة منفصلة عن الأخرى بفاصل، لعدم صدق الإحاطة بالشعر وقتئذ، كما لا اشكال و لا خلاف في ان الشعر إذا كان كثيفا بحيث يمنع عن وقوع النظر الى ذات البشرة وجب غسل ظاهر اللحية و الشعر كالشارب و الحاجبين و لم يجز الاقتصار بغسل ذات البشرة حسب ما تقتضيه الأخبار المتقدمة التي قدمنا الكلام على دلالتها بما لا مزيد عليه.

و اما إذا كان الشعر خفيفا و غير مانع عن وقوع الابصار على نفس الوجه و البشرة ففي وجوب غسل الظاهر أو لزوم غسل ذات البشرة خلاف و نزاع، و كلماتهم في ذلك مضطربة على ما نقلها الأصحاب «قدهم» في كتبهم حتى ان بعضهم ادعى الإجماع على وجوب غسل البشرة إذا لم تكن مغطاة بالشعر ابدا بل كانت ظاهرة يقع عليها حس البصر و ذكر ان محل الخلاف و النزاع انما هو ما إذا كانت البشرة مستورة بالشعر الخفيف و مغطاة به.

و بعضهم قد عكس الأمر في المسألة فنفى الريب عن الإجماع و عدم الخلاف في عدم لزوم غسل البشرة المستورة بالشعر الخفيف، و ذكر ان الخلاف منحصر بما إذا كانت البشرة ظاهرة و غير مغطاة بوجه لا بالشعر الكثيف و لا بالشعر الخفيف كما إذا نبت الشعر على الوجه من غير التفاف بعضه ببعض بان كانت كل شعرة قائمة بأصلها مع الفصل بين منابتها بمقدار إصبع أو أكثر أو أقل.

و لا يخفى الفرق الشاسع بين الدعويين فان مقتضى الدعوى الاولى ان

75

..........

____________

اللحية الخفيفة أو غيرها من الشعر الخفيف- و هو الذي لا يمنع عن وقوع النظر الى ذات البشرة- هي التي وقع فيها النزاع و الخلاف و اختلفت فيها آراء الفقهاء، و لا اتفاق على عدم وجوب غسل البشرة- وقتئذ- كما ان مقتضى الدعوى الثانية ان الشعر الخفيف كالشعر الكثيف مورد الاتفاق على ان معه لا يجب غسل البشرة و بين الدعويين بون بعيد.

و عن ثالث ان النزاع لفظي في المقام هذا.

و الذي ينبغي ان يقال: ان الاخبار البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي(ص) لم تدع شكا في أي مورد في وجوب غسل البشرة و عدمه لأنها دلتنا على ان اللازم غسله في محل الكلام انما هو عبارة عما يصله الماء بطبعه عند إسداله على الوجه من دون فرق في ذلك بين ما عليه شعر خفيف و ما كان عليه شعر كثيف، حيث حكت ذلك عن وضوء النبي و كان الأئمة(ع) أيضا يكتفون به في وضوءاتهم.

و لحاحهم(ع) و ان لم تكن خفيفة، إلا ان الشعر الخفيف كان موجودا على وجوههم و ذلك لان من الواضح ان وجوههم(ع) لم تكن إلا متعارفة و وجود الشعر الخفيف في الوجه المتعارف أيضا غير قابل للإنكار كالشعر النابت على الخدين بل الموجود بين الحاجبين، لأنه أيضا خفيف إلا في بعض الناس و قد كانوا(ع) يكتفون بغسل الظواهر من ذلك بمقدار يصل اليه الماء- بحسب الطبع- عند إسداله.

إذا فالمدار فيما يجب غسله- بمقتضى تلك الروايات- على المقدار الذي يصل إليه الماء بطبعه عند إسداله من أعلى الوجه من غير تعمق و لا تبطين و ببركة تلك الاخبار لا يبقى لنا اي مورد نشك فيه في وجوب غسل البشرة و عدمه هذا ثم لو أغمضنا عن ذلك فنقول: الشعر النابت على الوجه على ثلاثة أقسام:

76

..........

أقسام الشعر النابت على الوجه:

____________

«الأول»: ما نقطع بصدق عنوان المحيط عليه لغزارته و كثافته المانعتين عن وقوع حس البصر على البشرة و هذا مما نعلم باحاطته على الوجه و كونه مشمولا للأخبار الدالة على ان الوجه المحاط بالشعر لا يجب غسله بل يجزي غسل ظاهر الشعر عن غسله.

«الثاني»: ما نقطع بعدم انطباق عنوان المحيط عليه اما لخفته أو لأن كل فرد من افراده قد نبت مستقلا و منفصلا عن الآخر اي من غير التفاف بعضها ببعض بحيث تظهر البشرة الواقعة تحته بوضوح و لا يكون شعرها مانعا عن رؤيتها و هذا أيضا لا إشكال في حكمه فإن غسله لا يجزي عن غسل البشرة في الوضوء لعدم إحاطته بالوجه على الفرض فلا مناص من غسل الوجه حينئذ.

و هل يجب غسل الشعر أيضا و ان لم يكن محيطا أو لا يجب؟ الظاهر هو الوجوب و هذا لا لأن الشعر من توابع الوجه الواجب غسله، لان التابع لا دليل على اتحاد حكمه مع المتبوع دائما و لا من جهة الأصل العملي بدعوى أن المأمور به و هو الطهارة معلوم للمكلف و انما يشك في سببه و انها هل تحصل بغسل الوجه فحسب أو لا بد من غسل الشعر أيضا و مع الشك في المحصل و السبب لا بد من الاحتياط و قاعدة الاشتغال فيه هي المحكمة.

و ذلك لما مر من ان الطهارة ليست مسببة عن الوضوء. بل الطهارة هي نفس الوضوء و معه يرجع الشك الى الشك في التكليف بالمقدار الزائد و يندرج المقام في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين و يرجع في الزائد على القدر المتيقن إلى البراءة. بل الوجه فيما ذكرناه صحيحة زرارة

77

..........

____________

المتقدمة الآمرة بغسل الوجه من أول القصاص الى الذقن بما دارت عليه الإصبعان اعني الوسطى و الإبهام و ذلك لضرورة ان الشعر النابت على الوجه أيضا مما تدور عليه الإصبعان، فإن هذا المقدار من الوجه واجب الغسل في الوضوء و هو يشمل الشعر النابت عليه أيضا و ان لم يكن محيطا بالوجه.

«الثالث»: ما نشك في صدق عنوان المحيط عليه و هذا إما من جهة الشبهة المفهومية، كما إذا لم ندر ان المحيط هل هو الشعر الكثيف المانع عن مشاهدة البشرة- دائما- أو انه يعم ما إذا كان خفيفا و غير مانع عن وقوع النظر على البشرة- دائما- أو في بعض الأحيان كما عند ملاعبة الريح مع اللحية؟ و إما من جهة الشبهة المصداقية بأن علمنا بالمفهوم و ان المحيط هو الذي يمنع عن وقوع حس البصر على البشرة- دائما- إلا انا شككنا في مورد في انه من المحيط المانع عن الرؤية أو انه ليس كذلك. و في كلتا الشبهتين يجب غسل كل من البشرة و الشعر.

أما في الشبهة المفهومية فلأجل ان مقتضى صحيحة زرارة المتقدمة المحددة لما يجب غسله من الوجه بما دارت عليه الإصبعان و غيرها مما دل على وجوب غسل الوجه في الوضوء ان المعتبر في الوضوء انما هو غسل البشرة و الوجه. و قد قيدناها بالصحيحة الثانية لزرارة الدالة على أن ما أحاط به الشعر من الوجه لا يجب غسله بل يكفي عنه غسل ظاهر الشعر. و إذا فرضنا أن المخصص أو المقيد مجمل فلا بد من الأخذ بالمقدار المتيقن منه و هو ما يمنع عن وقوع حس البصر على البشرة- دائما- و اما في غيره فيرجع الى العموم أو الإطلاق و مقتضاهما- كما عرفت- انما هو وجوب غسل البشرة، ففي موارد الشبهة لا بد من غسل البشرة حسب ما تقضيه المطلقات كما يجب غسل الشعر أيضا بمقتضى ما قدمناه من الدليل، و ان لم يكن محيطا بالوجه.

78

..........

____________

و أما في الشبهات المصداقية فلمكان المطلقات و هذا لا لأجل التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية بل لأجل استصحاب عدم إحاطة الشعر بالوجه و لا سيما بملاحظة انه من الاستصحاب النعتي دون المحمولي أعني استصحاب العدم الأزلي حتى يقال انه مبني على القول بجريان الأصل في الاعدام الأزلية.

و ذلك لان شعر كل إنسان حتى بعد انبات لحيته لا يكون محيطا بوجهه من الابتداء بل هو مسبوق بعدم الإحاطة أو لا، و الأصل- عند الشك- انه كما كان. و بعد ذلك تشمله الإطلاقات الدالة على ان الوجه إذا لم يحيط به الشعر وجب غسله، كما يجب غسل الشعر، لما تقدم، فالمتحصل انه في جميع الصور المتصورة في المسألة لا بد من غسل كل من الوجه و الشعر إلا في صورة واحدة، و هي ما إذا كان الشعر محيطا بالوجه، لما عرفت من أن غسل البشرة و الوجه غير واجب- وقتئذ- هذا.

ثم لا يخفى الفرق الواضح بين ما ذكرناه في المقام و ما اعتمد عليه جملة من الأعلام و منهم المحقق الهمداني (قده) من العلم الإجمالي بوجوب غسل الوجه- إذا لم يكن الشعر محيطا- أو بوجوب غسل الشعر- إذا كان محيطا- و مقتضى العلم الإجمالي بوجوب أحدهما هو الاحتياط و غسل كل من البشرة و الشعر.

و الفارق هو انا إذا قلنا بوجوب غسل كل من الوجه و الشعر بأصالة الاشتغال لم يجز له ان يتمسح ببلة شيء منهما، لعدم العلم بكونه بلة الغسل المأمور به، فان ما وجب غسله على المكلف انما هو أحدهما، لا كلاهما، فأحدهما الآخر غير واجب الغسل، و لا يجوز التمسح ببلته، و حيث انه غير معلوم، فلا يجوز للمكلف ان يتمسح ببلة شيء منهما. و هذا بخلاف ما قررناه، فإنه عليه يتمكن من المسح ببلة كل منهما لدلالة المطلقات و الأدلة

79

(مسألة 1) يجب إدخال شيء من أطراف الحد من باب المقدمة (1) و كذا جزء من باطن الأنف و نحوه

____________

على وجوب غسل كل من الوجه و الشعر.

هذا على ان ما ذكره المحقق الهمداني (قده) غير تام في نفسه، لان تنجيز هذا العلم الإجمالي يتوقف على القول بعدم وجوب غسل الشعر مع الوجه- كما إذا لم يكن محيطا بالوجه- و اما إذا قلنا بوجوبه كما اخترناه و عرفت فالعلم الإجمالي منحل لا محالة، و ذلك للقطع بوجوب غسل الشعر على كل تقدير سواء أ كان محيطا أم لم يكن، و نشك في وجوب غسل الوجه و عدمه و لا مانع وقتئذ من الرجوع الى أصالة البراءة.

غسل شيء من الأطراف مقدمة:

(1) إذا شككنا في وجوب غسل شيء من الوجه على نحو الشبهة المفهومية أو الموضوعية، فالرجوع معه الى الاحتياط أو البراءة يبتني على الخلاف المتقدم في أن المأمور به الواجب تحصيله على المكلفين هل هو عنوان بسيط اعني الطهارة التي هي معلومة لدى المكلف، و لكنه يشك فيما يحصلها، و ما هو سبب لتحققها في الخارج، أو ان الواجب أمر مركب و هو نفس الغسلتين و المسحتين؟

فعلى الأول إذا شككنا في وجوب غسل شيء من الوجه لا بد من ان نرجع إلى قاعدة الاشتغال، كما انه على الثاني لا بد من الرجوع الى أصالة البراءة، لأن الشك في أصل توجه التكليف إلى الزائد بناء على ما هو الصحيح من جريان البراءة عند دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين هذا فيما إذا شككنا فيما يجب غسله من الوجه.

80

..........

____________

و أما إذا علمنا بالمقدار الواجب غسله من الوجه و هو ما دارت عليه الإصبعان اعني الوسطى و الإبهام- عرضا- و من القصاص الى الذقن- طولا- و لكن شككنا في أن صب كف من الماء- مثلا- من أعلى الوجه و إمرار اليد عليه هل يكفي في حصول غسل ذلك المحدود أو لا يغسل به الا المقدار الأقل منه؟ فالأصل الجاري وقتئذ ليس إلا قاعدة الاشتغال و ذلك لان الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية، فلا بد من غسل شيء من أطراف الحد و لو يسيرا حتى يقطع بحصول غسل المحدود.

فان صب الماء من أعلى الوجه و إمرار اليد عليه لا يمكن- عادة- لا يتحقق به غسل المحدود من دون زيادة أو نقيصة. بل اما ان يغسل شيئا زائدا عليه- و لو يسيرا- حتى نقطع بالفراغ و إما ان يغسل بمقدار يشك في انه بمقدار المحدود أو أقل، فالأمر يدور بين الوجهين. و اما غسله بمقدار المحدود على وجه طابق النعل بالنعل من دون ان يزيد أو ينقص فلا يتيسر- عادة- كما هو الحال في جميع التحديدات المكانية. و مع دوران الأمر بين الوجهين المذكورين يتعين الوجه الأول لا محالة قضاء لقاعدة الاشتغال كما مر.

و من هنا يظهر ان المراد بوجوب غسل شيء من أطراف الحد من باب المقدمة كما في المتن انما هو وجوب غسل شيء من أطراف المحدود من باب المقدمة العلمية، لا مقدمة الوجود، كما التزموا به في جملة من الموارد.

«منها» الطواف الذي يجب الابتداء به من محاذاة الحجر الأسود و ينتهي في محاذاته فقالوا انه يبتدأ بالطواف من مقدم الحجر الأسود بشيء يسير من باب المقدمة، كما انه في الشوط السابع ينهى شوطه إلى مؤخر الحجر بمقدار يسير أيضا مقدمة هذا كله في الوجه و كذلك في مثل الأنف و نحوه فإنه يغسل شيئا من داخله من باب المقدمة العلمية كما عرفت.

81

و ما لا يظهر من الشفتين بعد الانطباق من الباطن (1) فلا يجب غسله.

(مسألة 2) الشعر الخارج عن الحد كمسترسل اللحية في الطول، و ما هو خارج عن ما بين الإبهام و الوسطى في العرض لا يجب غسله (2).

الباطن لا يجب غسله:

____________

(1) أما أن الباطن لا يجب غسله فهو مما لا إشكال فيه، لأن ما يجب غسله من الوجه إنما هو المقدار الذي يصل إليه الماء بطبعه عند إسداله من أعلى الوجه و لو بإمرار اليد عليه و هذا لا يكون إلا في ظاهر الوجه، كما لا يخفى.

و يؤيده خبر زرارة عن أبي جعفر(ع) ليس المضمضة، و الاستنشاق فريضة و لا سنة إنما عليك أن تغسل ما ظهر (1).

و أما عدم وجوب الغسل فيما لا يظهر من الشفتين بعد إطباقهما فلأجل أن هذا المقدار بعد الانطباق مما لا يصل الماء إليه بطبعه عند إسداله من أعلى الوجه. و قد عرف سابقا أنه المقدار الواجب في غسل الوجه و كذلك في داخل العين و نحوها.

الشعر الخارج عن الحد:

(2) و ذلك لأن الواجب أولا إنما هو غسل البشرة لقوله عز من قائل:

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. (2) و الأخبار المتقدمة قريبا، إلا أنا خرجنا عن مقتضاهما بما دلت عليه الروايات المتعددة من أن غسل الشعر المحيط بالوجه

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المائدة: 5: 6.

82

(مسألة 3) إن كانت للمرأة لحية فهي كالرجل (1).

(مسألة 4) لا يجب غسل باطن العين، و الأنف و الفم (2) إلا شيء منها من باب المقدمة.

(مسألة 5) في ما أحاط به الشعر لا يجزئ غسل المحاط عن المحيط (3).

____________

يجزى عن غسل ذات البشرة بالمعنى المتقدم، و بها رفعنا اليد عما تقتضيه الآية المباركة و الأخبار المتقدمة، كما استكشفنا بها ان المراد بالغسل الواجب هو غسل الشعر المحيط بالبشرة و ذلك، لحكومتها عليهما.

و من الظاهر أنها إنما تختص بالشعر المحيط بالمقدار المتعارف و أما ما كان خارجا عن المتعارف في الطول أو كان خارجا عما دارت عليه الإصبعان- عرضا- كعريض اللحية فلا دليل على كون غسله مجزئا عن غسل ذات البشرة و لعله ظاهر.

(1) كما قد يتفق في بعض النساء، و الوجه فيما أفاده (قده) أن بعض الروايات الواردة في الباب و إن كان مشتملا على عنوان الرجل، كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(ع) قال: سألته عن الرجل يتوضأ أ يبطن لحيته؟ قال: لا (1) إلا أن صحيحة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر(ع) قال: قلت له: أ رأيت ما كان تحت الشعر؟ قال: كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه (أن يطلبوه) و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء (2) عامة شاملة لكل من الرجال و النساء.

(2) قد أسلفنا الكلام على ذلك في بعض الفروع المتقدمة و ذكرنا أن البواطن لا يجب غسلها إلا بمقدار يسير من باب المقدمة العلمية فلاحظ

(3) قد سردنا تفصيل الكلام في ذلك سابقا و لا حاجة معه إلى الإعادة فليراجع.

____________

(1) المروية في ب 46 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 46 من أبواب الوضوء من الوسائل.

83

(مسألة 6) الشعور الرقاق المعدودة من البشرة يجب غسلها معها (1).

(مسألة 7) إذا شك في أن الشعر محيط أم لا، يجب الاحتياط بغسله مع البشرة (2).

(مسألة 8) إذا بقي مما في الحد ما لم يغسل و لو مقدار رأس إبرة لا يصح الوضوء (3).

____________

(1) قد أسلفنا الوجه في ذلك و قلنا أن الدليل على وجوب غسل تلك الشعور هو ما دل على وجوب غسل الوجه بما دارت عليه الإصبعان، فإنه يدلنا بوضوح على أن الوجه بهذا المقدار مما لا بد من غسله و لو كان فيه شعر خفيف.

الشك في أن الشعر محيط:

(2) سبق أن تكلمنا على ذلك مفصلا و قلنا ان الشك في الإحاطة إما أن تكون من جهة الشبهة المفهومية، و إما أن يكون من جهة الشبهة الموضوعية و على كلا التقديرين لا بد من غسل كل من البشرة و الشعر، إلا أن الأخبار البيانية الحاكية لوضوء النبي(ص) لم تدع أي مورد للشك فيه فليراجع.

(3) مقتضى إطلاق الآية المباركة و الروايات البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي(ص) وجوب غسل الوجه و اليدين بجميع أجزائهما فإذا بقي منها شيء غير مغسول- و لو يسيرا- فلا مناص من الحكم بفساد الوضوء، لأن الواجب ارتباطي، و مع عدم غسل شيء من الوجه و اليدين لم يأت المكلف بالغسل المأمور به شرعا فلا بد من ملاحظة آماقه و أطراف عينيه و حاجبيه حتى لا يكون عليها شيء مما يمنع عن وصول الماء إليه من قيح أو كحل أو وسخ أو وسمة على الحاجب و نحوها.

84

(مسألة 9) إذا تيقن وجود ما يشك في مانعيته يجب تحصيل اليقين (1) بزواله أو وصول الماء إلى البشرة.

صور الشك في المانعية:

____________

(1) الشك في المانعية على وجهين:

«أحدهما»: أن يتيقن بوجود شيء و يشك في مانعيته و عدمها، و هذا هو الشك في مانعية الموجود و حاصله الشك في صفة الحاجبية بعد القطع بأصل الوجود:

«ثانيهما»: الشك في أصل وجود الحاجب و هو الشك في الوجود أى وجود المانع.

أما الوجه الأول فمقتضى قاعدة الاشتغال وجوب تحصيل اليقين بزوال ما قطعنا بوجوده و شككنا في مانعيته أو بوصول الماء إلى البشرة و ذلك للعلم باشتغال الذمة بوجوب غسل الوجه أو اليدين، و الشك في فراغ الذمة عن ذلك عند عدم العلم بوصول الماء إلى البشرة و عدم إزالة الشيء الموجود.

و لكن قد يقال: إن صحيحة علي بن جعفر(ع) تدلنا على خلاف ذلك حيث روى عن أخيه موسى بن جعفر(ع) أنه سأله عن الخاتم الضيق لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضأ أم لا يكف يصنع؟

قال: ان علم أن الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضأ (1) لدلالتها على أن الفساد و البطلان إنما يخصان صورة العلم بحاجبية الموجود.

و أما إذا لم يعلم بذلك سواء علم عدم الحاجبية أو شك فيها فوضوؤه محكوم بالصحة و لا يعتني بشكه، و لا يلزم أن يخرج الخاتم من إصبعه.

____________

(1) المروية في ب 41 من أبواب الوضوء من الوسائل.

85

..........

____________

و موردها كما ترى هو الشك في حاجبية الموجود.

و «يرده»: إن علي بن جعفر(ع) قد سأل أخاه في صدر الرواية عن المرأة عليها السوار و الدملج في بعض ذراعها لا تدري يجري الماء تحته أم لا كيف يصنع؟ إذا توضأت أو اغتسلت قال: تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه و مع هذا السؤال لم تكن أية حاجة و محل إلى السؤال عن الخاتم الموجود على الإصبع للقطع بعدم الفرق بين الخاتم و السوار و الدملج و لا بين المرأة و غيرها.

و من هنا أجابه(ع) بأن الخاتم إن كان كالسوار و الدملج في إمكان إيصال الماء إلى البشرة تحته بتحريكه فحاله حالهما في أنه يتخير بين تحريكه و نزعه في إحراز وصول الماء إلى البشرة. و أما إذا كان الخاتم على نحو لا يصل الماء تحته حتى إذا حركه فلا محالة يتعين نزعه تحصيلا للقطع بوصول الماء إلى البشرة.

إذا قوله(ع) ان علم أن الماء لا يدخله فليخرجه غير ناظر إلى أن في صورة الشك في الحاجبية لا يجب على المكلف أن يفحص و يخرج الخاتم من إصبعه، و إلا لكان مناقضا لصدرها الصريح في وجوب الفحص و إيصال الماء إلى البشرة عند الشك في الحاجبية. بل هو ناظر إلى ما عرفت من أن الخاتم إذا كان كالسوار و الدملج فحاله حالهما في التخيير بين التحريك و النزع و أما إذا علم أنه على نحو لا يصل الماء تحته و لو بالتحريك فلا مناص من نزعه و إخراجه هذا.

ثم لو سلمنا أن ذيل الصحيحة ناظر إلى عدم وجوب إحراز وصول الماء إلى البشرة لدى الشك في حاجبية الشيء الموجود فهو كما عرفت مناف لصدرها و بذلك تصبح الرواية مجملة فتسقط عن صلاحية الاعتماد عليها في مقام الاستدلال، و لا بد معه من أن نرجع إلى الأصل العملي و قد

86

و لو شك في أصل وجوده يجب الفحص (1) أو المبالغة حتى يحصل الاطمئنان بعدمه أو زواله أو وصول الماء إلى البشرة على فرض وجوده.

____________

عرفت أن مقتضى قاعدة الاشتغال هو إحراز وصول الماء إلى البشرة بإزالة الشيء الموجود أو بغيرها مما يوجب الإحراز في مقام الامتثال.

أما الوجه الثاني فيأتي عليه الكلام في التعليقة الآتية فلاحظ.

(1) هذا هو الوجه الثاني من الوجهين المتقدمين للشك في المانعية أعني الشك في أصل وجود الحاجب و المعروف بين الأصحاب (قدهم).

أن الشك في وجود المانع مما لا اعتبار به. و قد استدل عليه بأمور:

«الأول»: الإجماعات المنقولة على أن الشك في وجود الحاجب غير قابل للاعتناء به. و «يدفعه»: أن الإجماعات المدعاة أمور حدسية و معلومة المدرك أو محتمله، فلا تكون كاشفة عن رأي المعصوم(ع) و لهذا لا يسعنا الاعتماد على مثلها في استنباط الأحكام الشرعية بوجه.

«الثاني»: الاستصحاب، لأن الحاجب قد كنا على يقين من عدمه، فإذا شككنا في طروه بنينا على عدمه بمقتضى الأدلة الدالة على حرمة نقض اليقين بالشك.

و «فيه»: ان وجود الحاجب و عدمه مما لا أثر له، و إنما الأثر الشرعي مترتب على وصول الماء إلى البشرة و عدمه، و استصحاب عدم الحاجب لإثبات وصول الماء إلى البشرة من الأصول المثبتة التي لا نقول باعتبارها فان وصول الماء إليها من اللوازم العقلية، لعدم طرو الحاجب.

و دعوى أن الواسطة خفية، و معه يكون المثبت حجة مما لا يصغى إليه لما ذكرناه في المباحث الأصولية من أنه لا أثر لخفاء الواسطة و جلائها و الأصول المثبتة غير معتبرة بإطلاقها، فإن الاعتبار في موارد الاستصحاب إنما هو بالمتيقن و المشكوك فيه و لا اعتبار بغيرهما من اللوازم و الملزومات بل اللوازم بأنفسها مورد لاستصحاب العدم فيقال- مثلا- ان وصول الماء

87

..........

____________

إلى البشرة- اللازم لعدم طرو الحاجب في محل الكلام- لم يكن متحققا قبل ذلك قطعا، فإذا شككنا في تبدله إلى الوجود نبني على عدم وصوله إليها في زمان الشك أيضا.

«الثالث»: و هو العمدة دعوى سيرة المتدينين المتصلة بزمان المعصومين(ع) الجارية على عدم الاعتناء بالشك في وجود الحاجب، لأن الإنسان في أكثر الفصول لا يخلو عن البق و البرغوث و غيرهما من الحيوانات المؤذية الصغار و يتسبب بمصها أو قتلها- و هي على جسم الإنسان- وقوع قطرة أو قطرتين من الدم على اللباس أو على أعضاء الغسل أو الوضوء و هي مانعة عن وصول الماء إلى البشرة- غالبا- كيف و ربما يصعب إزالتها بعد الجفاف.

مع انا لم نسمع و لم نر أحدا من المتدينين يفحص عن ذلك في بدنه عند اغتساله أو توضئه بل ينسبون المتفحص عن ذلك إلى الوسواس، مع وجود الاحتمال إذ قد يحصل انقطع للمكلف بخلو بدنه من دم القمل و البق و قذى البراغيث.

و هذه السيرة قد ادعاها جمع من المحققين و منهم صاحب الجواهر و المحقق الهمداني (قدس سرهما) و هي إن ثبتت و تمت فلا كلام، و لكن الخطب كل الخطب في ثبوتها فلا بد من ملاحظة أنها ثابتة أو غير ثابتة، و ملاحظة ذلك هي العمدة في المقام.

و الظاهر أن السيرة غير ثابتة و ذلك لأن الناس في عدم اعتنائهم باحتمال الحاجب مختلفون فجملة منهم لا يعتنون باحتماله من جهة غفلتهم عن أن في أبدانهم حاجبا و مع الغفلة لا احتمال و لا شك حتى نعتني به أو لا نعتني به إذا فعدم اعتنائهم بالشك من باب السالبة بانتفاء موضوعها. و من الظاهر أن هذا القسم خارج عن محل الكلام، لأن الدليل انما هو جريان سيرتهم

88

(مسألة 10) الثقبة في الأنف موضع الحلقة أو الخزامة لا يجب غسل باطنها (1) بل يكفي ظاهرها سواء كانت الحلقة فيها أولا.

____________

على عدم الاعتناء باحتمال وجود الحاجب عند الشك و الاحتمال لا عند الغفلة و عدم الاحتمال و جملة منهم لا يعتنون باحتماله من جهة الاطمئنان بعد طرو الحاجب على أبدانهم أو مواضع وضوئهم فلا يشكون في وجود الحاجب و لا يحتملونه احتمالا عقلائيا حتى يعتنى به و ان كان الاحتمال الضعيف موجودا و هذا أيضا أجنبي عما نحن بصدده.

و جملة ثالثة لا يطمئنون بعدمه و لا يغفلون عنه بل يشكون و يحتملون وجوده، و لم يثبت لنا أن المتدينين من هذا القسم الثالث لا يعتنون باحتمالهم و شكهم هذا و السيرة دليل لبي لا بد من اليقين به و لا علم لنا بثبوت السيرة في هذه الصورة.

و من هنا ذكر شيخنا الأنصاري (قده) أنه لو ثبتت سيرتهم على عدم الاعتناء بالشك في وجود الحاجب للزم أن لا يعتنوا باحتمال مثل وجود القلنسوة على رءوسهم أو ثوب على أعضائهم، أو جورب في أرجلهم مع أنه مما لا يمكن التفوه به.

فالمتحصل أن السيرة- من أهل النظر و غير المقلدة- على عدم الاعتناء باحتمال وجود الحاجب غير ثابتة. و أما المقلدة فلا يمكن الركون على عملهم و سيرتهم لاحتمال تقليدهم و تبعيتهم في ذلك لمن يرى تمامية السيرة كصاحب الجواهر و المحقق الهمداني و غيرهما من الأعلام (قدس اللّٰه أسرارهم).

و معه لا بد من الرجوع إلى الأصل و هو كما عرفت يقتضي عدم وصول الماء إلى البشرة فلا بد من التدقيق و إحراز أن الماء قد وصل الى البشرة.

(1) لما تقدم من أن ما يجب غسله على المكلف في الوجه فإنما هو المقدار الذي يصله الماء بطبعه عند إسداله من القصاص، و البواطن- و منها

89

«الثاني»: غسل اليدين (1) من المرفقين إلى أطراف الأصابع.

____________

باطن الثقبة في الأنف- ليس كذلك، لأن الماء لا يصل اليه بطبعه عند إسداله من القصاص فلا يجب غسلها.

الثاني من واجبات الوضوء: [غسل اليدين]

(1) لا اشكال و لا كلام في وجوب غسل اليدين في الوضوء بحسب الكتاب و السنة، و لم يخالف في ذلك أحد من المسلمين بل لعله من ضروريات الدين و انما الكلام في جهات:

«الأولى»: وجوب غسل المرفقين مع اليدين. ذكر الشيخ الطوسي (قده) في محكي خلافه ان الفقهاء بأجمعهم التزموا بوجوب غسل المرفقين مع اليدين الا زفر- و هو ممن لا يعبأ بمخالفته- و قد ثبت عن الأئمة(ع) ان (الى) في الآية بمعنى (مع) و الأمر كما أفاده (قده) فإن الأخبار البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي(ص) صريحة الدلالة على وجوب غسل المرفقين مع اليدين. إذا فكلمة (الى) في الآية المباركة بمعنى (مع).

و هذا لا بمعنى ان كلمة (الى) مستعملة بمعنى (مع) بل بمعنى أن الغاية داخلة في المغيى على ما يوافيك تفصيله قريبا ان شاء اللّٰه.

فوجوب غسل المرفقين مع اليدين مما لا اشكال فيه، انما المهم بيان معنى المرفق.

بيان معنى المرفق:

و المتحصل مما ذكروه في تفسير المرفق معان ثلاثة:

90

..........

____________

«الأول»: ان المرفق هو الخط الموهومي الفاصل بين عظم الذراع المحاط بعظمي العضد المحيطين، فان من وضع يده على مفصل العضد و الذراع يرى أن في العضد عظمان محيطان بعظم الذراع.

و على هذا لا معنى للنزاع في أن الغاية- أي المرفق- داخلة في المغيى أعني ما يجب غسله، و ذلك لأنه لا معنى لغسل الخط الموهوم فان الغسل انما يقع على الأجسام الخارجية دون الأمور الوهمية. نعم يجب غسل كل من عظمي العضد و عظم الذراع لوقوعها تحت ذلك الخط الوهمي و هو المرفق على الفرض. و أما نفس ذلك الخط و المرفق فقد عرفت أنه لا معنى لغسله.

«الثاني»: ان المرفق هو عظم الذراع المتداخل في عظمي العضد و هو المعبر عنه بطرف الساعد الداخل في العضد على ما نسب الى ظاهر العلامة في المنتهى و محتمل كلامه في النهاية، و على هذا لا مانع من النزاع في أن المرافق أعني عظم الذراع داخل في المغيى أم خارج عنه، لأنه بمعنى ان عظم الذراع أيضا مما يجب غسله مع اليدين أو لا يجب.

«الثالث»: أن المرفق هو مجموع العظام الثلاثة المتركبة من عظم الذراع المحاط و عظمي العضد المحيطين بعظم الذراع كما هو مختار الماتن (قده)، و لا يستفاد شيء من هذه المعاني من الآية المباركة و لا من الأخبار المشتملة على ما اشتملت عليه الآية المباركة من تحديد اليد الى المرفق.

و لا يدلنا شيء من ذلك على أن المرفق هو الخط الوهمي حتى لا يبقى معه مجال للنزاع في أنه داخل في المغيى أو خارج عنه أو أن المرفق بمعنى عظم الذراع أو مجموع العظام؟ كما لا يمكن أن يستفاد من شيء منها- في نفسها- ان المرفق داخل في المغيى أو خارج عنه، إذ الغاية عند أهل المحاورة

91

..........

____________

قد تكون داخلة في المغيى و قد تكون خارجة عنه.

غير أن التسالم القطعي و الإجماعات المدعاة و الأخبار البيانية دلتنا على أن المرفق واجب الغسل مع اليدين فوجوب غسله معهما مما لا كلام فيه، و ان لم يعلم أنه بأي معنى من المعنيين الأخيرين، فإنه على المعنى الأول لا معنى لغسله كما مر. إذا فتلك الأمور قرينة على ان كلمة (الى) انما هي بمعنى حتى أو مع في الآية المباركة و ان الغاية داخلة في المغيى كما أشرنا اليه.

و قد تقدم ان هذا لا بمعنى أن كلمة (الى) مستعملة بمعنى (حتى أو مع) حتى يقال انه لم يعهد استعمالها بهذا المعنى بل الكلمة مستعملة في في معناها الموضوع له. لكن المراد الجدي منها هو معنى (حتى أو مع) و عليه فلا يبقى إشكال في دخول الغاية في المغيى.

إذا لا بد من تعيين ما هو الداخل في وجوب الغسل و انه أي عظم و هل هو خصوص عظم الذراع- كما نسب إلى العلامة- (قده) أو مجموع العظام في المفصل؟

الثاني هو الظاهر و ذلك لأن تفسير المرفق بعظم الذراع مضافا إلى أنه على خلاف معنى المرفق- لغة- لأنه من الرفق و الالتئام، و الملتئم في المفصل مجموع العظام الثلاثة فلا موجب لتخصيصه بأحدها و هو عظم الذراع- دون عظمي العضد- مخالف لصريح الصحيحة الواردة في المقام و هي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر(ع) قال:

سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال: يغسل ما بقي من عضده (1).

لأن الظاهر من اليد- التي قطعت- في مقابل العضد هو الذراع، و الظاهر أيضا ان الذراع قد قطع بتمامه و انفصل عن عظمي العضد بحيث

____________

(1) المروية في ب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

92

مقدما لليمنى على اليسرى (1)

____________

لم يبق من عظم الذراع شيء فلو كان المرفق بمعنى عظم الذراع فما معنى وجوب غسل العضد حينئذ. لأنه أمر آخر غير المرفق و الذراع.

فهذا يدلنا على أن العضد- بعظميه- من المرفق و حيث أخرج و انفصل بعضه- أي المرفق- وجب غسل الباقي منه و قوله(ع) يغسل ما بقي .. أيضا شاهد على هذا المدعى و به نستكشف أن العضد هو باقي المرفق إذا يصح ما اختاره الماتن (قده) من أن المرفق هو المؤتلف من مجموع العظام الثلاثة و هو المشهور أيضا بين الأصحاب (قدهم) بحيث لو فرضنا أن اليد قد قطعت وجب غسل الباقي من المرفق و هو العضد و سيتعرض له الماتن (قده) فيما يأتي من الفروع إن شاء اللّٰه.

تقديم اليمنى على اليسرى:

(1) هذه هي الجهة الثانية التي لا بد من أن يتكلم عنها في المقام و هي مسألة تقديم اليد اليمنى على اليسرى في غسلها و هذه المسألة و إن كان يأتي عليها الكلام عند التكلم على شرائط الوضوء ان شاء اللّٰه غير إنا نتعرض لها في المقام تبعا للماتن (قده) فنقول ان المسألة متسالم عليها بين الأصحاب «قدهم» و العمدة فيها هي الروايات الكثيرة الواردة في الأمر بإعادة غسل اليد اليسرى و غيره من أفعال الوضوء فيما إذا غسلها قبل أن يغسل اليد اليمنى.

«فمنها»: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه فذكر بعد

93

..........

____________

ذلك، غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه (1).

و «منها»: موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: ان نسيت غسل وجهك فغسلت ذراعيك قبل وجهك ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه، فإن بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد على غسل الأيمن ثم اغسل اليسار .. (2).

و «منها»: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه(ع) في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين قال: يغسل اليمين و يعيد اليسار (3).

و يبدو من بعض الروايات الواردة في المقام ان المسألة من المسائل المسلمة عند الرواة حيث سئل(ع) عمن بدأ بالمروة قبل الصفا قال:

يعيد، ألا ترى انه لو بدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء أراد أن يعيد الوضوء (4) و نظيرها ما ورد في حديث تقديم السعي على الطواف- قال: الا ترى أنك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك (5) فان ظاهرهما ان وجوب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى في الوضوء كان من المسلمات المفروغ عنها عندهم.

و «منها»: غير ذلك من الروايات.

____________

(1) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(4) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(5) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

94

و يجب الابتداء بالمرفق، و الغسل منه إلى الأسفل عرفا، فلا يجزئ النكس (1).

لزوم البدأة بالمرفق:

____________

(1) هذه هي الجهة الثالثة من الجهات التي نتكلم عنها في المقام و هي وجوب غسل اليدين من المرفق إلى طرف الأصابع و عدم كفاية النكس، و يدلنا على ذلك جميع ما قدمناه في وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل، و عدم جواز النكس من التسالم و الإجماع القطعيين، و الروايات البيانية الحاكية عن وضوء رسول اللّٰه(ص) و يزيد المقام على غسل الوجه بموافقة ابن سعيد لأنه (قده) قد قال بجواز النكس في الوجه، و لكنه التزم في اليدين بعدم الجواز، و كذلك السيد المرتضى (قده) في في أحد قوليه، و كيف كان فالكل متسالم على عدم جواز غسل اليدين منكوسا.

أضف إلى ذلك صحيحة زرارة و بكير عن أبي جعفر(ع) عند حكاية فعل رسول اللّٰه- ص .. ثم غمس كفه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق ثم غمس كفه اليمنى (1) فان اهتمامهما بحكاية عدم رد الباقر(ع) يده إلى المرفق أقوى دليل على أن ذلك من الخصوصيات المعتبرة في الوضوء قد أراد(ع) أن يعرفها و بينها في تلك الروايات.

و في بعض الأخبار: قلت له: يرد الشعر؟ قال: إذا كان عنده آخر فعل، و إلا فلا (2) لأن الظاهر أن رد الشعر عبارة عن الغسل

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 19 من أبواب الوضوء من المستدرك.

95

..........

____________

منكوسا، كما أن المراد بقوله: إذا كان عنده آخر. انه إذا كان عنده شخص آخر يتقي منه لا مانع من أن يغسل يده منكوسا.

و في صحيحة زرارة المروية في الفقيه عن أبي جعفر- ع ..

و لا ترد الشعر في غسل اليدين .. (1).

و يؤيد ما ذكرناه عدة روايات قد وردت في أن كلمة (إلى) في الآية بمعنى (من) و هذا لا بمعنى انها مستعملة فيه لانه استعمال غير معهود بل بمعنى أن المراد الجدي منها هو ذلك كما مر كرواية الهيثم بن عروة التميمي قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن قوله تعالى «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ. فقلت هكذا و مسحت من ظهر كفى إلى المرفق:

فقال: ليس هكذا تنزيلها انما هي فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ (من) إِلَى الْمَرٰافِقِ ثم أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه (2) و في قضية علي بن يقطين حيث أمره(ع) أن يغسل يديه من المرفقين بعد ما ارتفعت عنه التقية (3).

و فيما علمه جبرئيل، حيث روى في كشف الغمة عن على بن إبراهيم في كتابه عن النبي(ص) و ذكر حديثا إلى أن قال فنزل عليه جبرئيل و أنزل عليه ماء من السماء فقال له يا محمد: قم توضأ للصلاة فعلمه جبرئيل (عليه السلام) الوضوء على الوجه و اليدين من المرفق و مسح الرأس و الرجلين الى الكعبين (4) الى غير ذلك من الروايات غير الخالية عن ضعف في

____________

(1) المروية في الفقيه ج 1 ص 38 و قد روى صدرها في ب 17 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 19 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 32 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(4) المروية في ب 1 من أبواب الوضوء من المستدرك.

96

..........

____________

في السند، الا أنها صالحة لأن تكون مؤيدة للمدعى.

ثم انه لا تنافي بين ما ذكرناه و بين الآية المباركة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (1) لأن الآية المباركة إما ظاهرة في أن كلمة (إلى) غاية للمغسول و بيان لما يجب غسله من اليد، فان لليد إطلاقات كثيرة، فقد تطلق على خصوص الأصابع و الأشاجع كما في آية السرقة و قد تطلق على الزند كما في آية التيمم، و ثالثة تطلق على المرفق كما في آية الوضوء، و رابعة على المنكب كما هو الحال في كثير من الاستعمالات العرفية.

فأراد عز من قائل أن يحددها و يبين أن ما لا بد من غسله في اليد انما هو بهذا المقدار إذا فلا تعرض للآية إلى كيفية غسلها، و انما أوكلت بيان ذلك الى السنة، و سنة النبي(ص) و الأئمة(ع) قد دلتا على أنها لا بد من أن تغسل من المرفق إلى الأصابع فالسنة قد بينت ما لم يكن مبينا في الآية المباركة، فلا تكون الآية منافية لما قدمناه من لزوم كون الغسل من المرفق إلى الأصابع.

و إما أن الآية- إذا لم تكن ظاهرة في كون الغاية غاية للمغسول- فعلى الأقل ليست بظاهرة في كون الغاية غاية للغسل فلا تعرض للآية الى ذلك حتى تكون منافية للزوم كون الغسل من المرفق إلى الأصابع أو موافقة له، و كيف كان فالآية غير ظاهرة فيما سلكه العامة، و لا انها منافية لما سلكه الخاصة أعني ما قدمناه من لزوم كون الغسل من المرفق إلى الأصابع، و العامة أيضا لم تدعوا رجوع الغاية إلى الغسل و انما يدعون ان الغاية غاية للمغسول و قد استدلوا على مسلكهم اعني جواز الغسل منكوسا بإطلاق الأمر بالغسل في الآية المباركة و ان مقتضى إطلاقه جواز غسل اليد من الأصابع إلى المرفق.

____________

(1) المائدة: 5: 6

97

و المرفق مركب من شيء من الذراع و شيء من العضد، و يجب غسله بتمامه (1) و شيء آخر من العضد من باب المقدمة (2) و كل ما هو في الحد يجب غسله (3) و إن كان لحما زائدا أو إصبعا زائدة.

____________

(1) كما تقدم و عرفت.

(2) قد أسلفنا أن المراد بالمقدمة إنما هو المقدمة العلمية دون مقدمة الوجود، فان غسل الموضع المعين على نحو لا يزيد عنه و لا ينقص أبدا متعذر خارجا، فأما أن يكون المقدار الذي غسله أقل من المقدار اللازم و لو بمقدار قليل، و إما أن يكون زائدا عنه بشيء، و قد تقدم أن الثاني هو المتعين بحكم العقل.

كل ما هو في الحدّ لا بد من غسله:

(3) الظاهر أن المسألة متسالم عليها بين الأصحاب «قدهم» و الوجه فيه ما ورد في ذيل صحيحة زرارة و بكير المتقدمة: فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله .. (1) لأن المستفاد منها ان اليد من المرفقين إلى الأصابع أعني المقدار الواقع بين الحدين لا بد من غسلها بما لها من التوابع و الأطوار فإذا كان على يده لحم زائد أو إصبع زائدة فلا مناص من غسله بمقتضى تلك الصحيحة.

بلا فرق في ذلك بين أن يكون الزائد خارجا عن المحدود و ما إذا لم يكن كما إذا فرضنا أن الإصبع الزائدة أطول من بقية الأصابع، لأن مقتضى إطلاق الصحيحة وجوب غسلها بطولها لما عرفت من أن كلما كان على اليد من المرفق إلى الأصابع لا بد من غسله بمقتضى تلك الصحيحة.

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

98

و يجب غسل الشعر مع البشرة (1)

____________

و أما ما ورد في بعض الروايات من تحديد اليد الواجب غسلها بقوله(ع) و حد غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع (1) فالظاهر أن نظرها إنما هو إلى الأيدي المتعارفة و لا نظر لها إلى مثل الإصبع الزائدة أو اللحم الزائد على اليد، إذا فمقتضى إطلاق قوله(ع) فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله وجوب غسل كل ما كان على اليد و ان كان خارجا عن المحدود لطوله.

يغسل الشعر مع البشرة:

(1) قد أسلفنا أن مقتضى إطلاقات أدلة الغسل في الوضوء وجوب غسل البشرة في كل من الوجه و اليدين و عدم جواز الاجتزاء بغسل غير البشرة عن غسلها، إلا أن الأدلة الخارجية دلتنا- في خصوص الوجه- على كفاية غسل الشعر عن غسله فهل الأمر في اليدين أيضا كذلك فيجزي غسل شعرهما عن غسلهما أو لا بد من غسل البشرة في اليدين؟

فهناك أمران:

«أحدهما»: ان الشعر الموجود على اليدين هل يجب غسله عند غسلهما أو لا يجب؟ لا إشكال في أن اليدين كالوجه في وجوب غسل الشعر الموجود عليهما مع غسلهما و ذلك أما في الوجه فلما مر و عرفت. و أما في اليدين فلصحيحة زرارة و بكير المتقدمة و غيرها مما دل على وجوب غسل اليدين مما بين المرفق و الأصابع فإنها و لا سيما الصحيحة كالصريحة في وجوب غسل كل ما كان على اليدين من المرفقين إلى الأصابع حيث قال(ع)

____________

(1) المروية في الفقيه ج 1 ص 28.

99

..........

____________

فليس له أن: يدع من يديه إلى المرفقين شيئا الا غسله (1) فوجوب غسل الشعر الكائن على اليدين عند غسلهما مما لا ينبغي الكلام فيه. و انما الكلام في الأمر الثاني الذي يأتي بعد ذلك.

و «ثانيهما»: انه هل يجزي غسل الشعر الكائن على اليدين عن غسل بشرتهما كما هو الحال في الوجه أو لا بد من غسل البشرة أيضا؟

مقتضى إطلاقات أدلة وجوب الغسل لزوم غسل البشرة و اليدين و عدم كفاية غسل الشعر عن غسلها كما هو المشهور بين الأصحاب «قدهم» بل عن شيخنا الأنصاري «قدهما دعوى الاتفاق على عدم أجزاء غسل الشعر عن غسل اليدين و استظهر المحقق الهمداني (قده) عدم الخلاف في المسألة عن بعضهم و خالفهم في ذلك كاشف الغطاء (قده) و ذهب الى الاجتزاء به.

و الوجه فيما ذهب إليه هو صحيحة زرارة: قلت له: أ رأيت ما أحاط به الشعر فقال(ع) كل ما أحاط به الشعر فليس على العباد (أو للعباد) أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء (2) بدعوى ان عموم قوله(ع) كلما أحاط به الشعر، الدال على كفاية غسل الشعر عن غسل البشرة في الوضوء عدم الفرق في ذلك بين الوجه و اليدين.

و يرده: مضافا إلى الفرق الظاهر بينهما فان مجرد إجراء الماء على اليدين يكفي في غسلهما- عادة- و لا توجد أية يد يكون ما عليها من الشعرات مانعة عن غسلها عند إجراء الماء على شعرها و هذا بخلاف الوجه لأن شعر الحواجب و اللحى قد يكون مانعا عن وصول الماء إلى البشرة و لا تنغسل عند إجراء الماء على شعرها، ان الصحيحة ليست رواية مستقلة في نفسها، و إنما هي ذيل الرواية الواردة في تحديد الوجه على ما نقله الصدوق (قده)

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

100

..........

____________

في الفقيه (1) حيث روى عن زرارة بن أعين أنه قال لأبي جعفر الباقر(ع) أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ الذي قال اللّٰه عز و جل؟ فقال:

الوجه الذي .. إلى أن قال: و ما جرت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه و ما سوى ذلك فليس من الوجه فقال له الصدغ من الوجه؟

فقال: لا قال زرارة: قلت أ رأيت ما أحاط به الشعر. (2) و عليه فعموم قوله(ع) كلما أحاط به من الشعر، إنما هو بحسب ما أريد من لفظة «ماء» الموصلة، المراد بها الوجه بقرينة صدرها إذا تدلنا الصحيحة على أن كل وجه أحاط به الشعر فليس على العباد أن يغسلوه.

و أما ما صنعه الشيخ (قده) في التهذيب حيث نقلها مستقلة (3) فهو إنما نشأ من تقطيع الروايات و ليس مستندا إلى كونها رواية مستقلة، و النتيجة أن الصحيحة ليس لها عموم حتى يستدل به في اليدين هذا أولا.

و ثانيا: لا معنى لكونها رواية مستقلة فإن قوله(ع) أ رأيت ..

لا يمكن أن يكون كلاما ابتدائيا، حيث لم يسبقه سؤال عن شيء و لا حكم بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما حتى يسأل عن أن هذا الشيء إذا أحاط به الشعر كيف يصنع؟ و هذا أيضا قرينة على أنه ورد في ذيل كلام آخر و هو ما ورد في تحديد الوجه كما قدمناه هذا.

ثم لو أغمضنا عن ذلك و فرضنا انه رواية مستقلة أيضا لا يمكننا الاعتماد عليه، للقطع بأنه مسبوق بالسؤال عن شيء أو بالحكم بشيء لا محالة، إذ لا معنى لها مستقلة، و حيث لا ندري أن السابق عليها أي شيء؟ فتصبح

____________

(1) الجزء الأول من الطبعة الحديثة.

(2) أخرج صدره في ب 17 و ذيله في ب 46 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) الجزء الأول ص 364 من الطبعة الحديثة.

101

و من قطعت يده من فوق المرفق لا يجب عليه غسل العضد (1) و إن كان أولى، و كذا إن قطع تمام المرفق و إن قطعت مما دون المرفق يجب عليه غسل ما بقي، فإن قطعت من المرفق- بمعنى إخراج عظم الذراع من العضد- يجب غسل ما كان من العضد جزءا من المرفق.

____________

الرواية مجملة لذلك، و لا يمكن الاستدلال بها على شيء، فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من عدم إجزاء غسل الشعر عن غسل البشرة في اليدين و ما ذهب إليه كاشف الغطاء (قده) مما لا وجه له.

مقطوع اليد و صوره:

(1) قطع اليد قد تكون مما دون المرفق، و قد تكون من نفس المرفق كما إذا قطع بعضه كعظم الذراع، و بقي مقدار منه كعظمي العضد، و ثالثة يقطع عما فوق المرفق و هذه صور ثلاث.

(أما الصورة الأولى و الثانية): أعني ما إذا قطعت عما دون المرفق أو من المرفق فلا كلام في أن المقدار الباقي- وقتئذ- مما لا بد من غسله، للقطع بوجوب الصلاة في حقه و عدم سقوطها عن ذمته و القطع بعدم وجوبها مع الطهارة الترابية.

و نتيجة هذين القطعين هو الحكم بوجوب الصلاة في حقه مع الطهارة المائية و حيث ان قطع شيء من أعضاء الوضوء غير موجب لسقوط الأمر بالغسل عن غيره من الأعضاء السالمة، لوضوح ان قطع احدى اليدين- مثلا- غير مستلزم لسقوط الأمر بالغسل في اليد الأخرى، و كذا فيما إذا قطع مقدار من إحداهما، فإنه لا يستلزم سقوط الأمر بالغسل عن المقدار الباقي من العضو فلا مناص من غسل المقدار الباقي في الصورتين، كما هو مفاد قاعدة «عدم سقوط الميسور بالمعسور» و إن لم نسلمها في غير المقام.

و تدلنا على ذلك جملة من الصحاح:

102

..........

____________

«منها»: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر(ع) قال: سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال: يغسل ما بقي من عضده (1) بناء على ما قدمناه من أن المرفق هو مجموع العظام الثلاثة أعني عظم الذراع و عظمي العضد.

«منها»: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) قال: سألته عن الأقطع اليد و الرجل قال: يغسلهما (2).

و «منها» صحيحة رفاعة قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن الأقطع فقال: يغسل ما قطع منه (3) و معناه انه يغسل المقطوع منه دون المقطوع كما هو المتراءى من ظاهر الصحيحة و بذلك يظهر ان الضمير في صحيحة محمد بن مسلم يرجع إلى المقطوع منه في كل من الرجل و اليد و «منها»: صحيحة أخرى لرفاعة عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال:

سألته عن الأقطع اليد و الرجل كيف يتوضأ؟ قال يغسل ذلك المكان الذي قطع منه (4) و هذه الصحاح قد دلتنا بوضوح على وجوب غسل الباقي من اليد و المرفق في حمل الكلام و هي بحسب السند صحاح و من حيث الدلالة ظاهرة.

نعم قد يقال ان صحيحتي رفاعة رواية واحدة و إحداهما منقولة، بالمعنى دون اللفظ، و لكن ذلك تم أم لم يتم و كانت الصحيحتان متحدتين أو متعددتين لا يضر فيما نحن بصدده لظهورها فيما ذكرناه فلاحظ، و لم يتعرض في شيء من الصحاح المتقدمة لي وجه الصراحة- للمقدار الواجب غسله في المسألة، و لعله لأجل كونها ناظرة إلى ما هو المرتكز في الأذهان من لزوم غسل المقدار الذي يتمكن المكلف من غسله من يده و مرفقه

____________

(1) المروية في ب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(4) المروية في ب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.