التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الغروي المزيد...
499 /
103

..........

____________

سواء قل أم كثر.

فقه الرواية:

بقي الكلام في فقه الرواية، حيث ورد في صحيحة محمد بن مسلم:

يغسلهما أي يغسل اليد و الرجل، فيقع الكلام في أنه ما معنى الأمر بغسل الرجل في الوضوء و في تفسير ذلك وجهان:

«أحدهما»: أن يقال انه(ع) بصدد بيان ما هو الوظيفة الفعلية في الأقطع اليد و الرجل و إن الغسل أعم من المسح فقد بين(ع) انه يغسل يده و يمسح رجله «ثانيهما»: أن يحمل الأمر بغسل الرجل على موارد التقية أعني ما إذا لم يتمكن من المسح على رجليه تقية و الأظهر هو الأول هذا.

و قد يستدل على وجوب الغسل في المقدار الباقي من المرفق أو اليد بقاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور و الاستصحاب. و لكن القاعدة لو سلمنا أن غسل المقدار الباقي في الأقطع ميسور الوضوء- غير ثابتة إذ لم يدلنا عليها أي دليل على ما قررناه في محله.

و أما الاستصحاب فهو أيضا كسابقه، لعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية كما مر غير مرة.

على انا لو أغمضنا عن ذلك، و أغمضنا أيضا من المناقشة في بقاء الموضوع لدى العرف بأن قلنا ان الوضوء في المقدار الباقي من أعضائه قد كان واجبا في حق الأقطع قبل صيرورته أقطع و نشك في بقائه عليه بعد صيرورته كذلك مع أن الواجب أولا- في حقه- بمقتضى الآية المباركة و غيرها إنما هو الوضوء التام أعني غسل الوجه و اليدين بتمامهما

104

..........

____________

لا المقدار الباقي منهما.

فإنما يتم ذلك فيما إذا عرض عليه التقطيع بعد دخول الوقت. دون ما إذا طرأ عليه قبل دخوله، إذ لا يتصف الوضوء في حقه- حينئذ- بالوجوب حتى نستصحبه لدى الشك في بقائه، اللهم إلا على القول بالاستصحاب التعليقي و هو مما لا نقول به.

إذا فالصحيح في الاستدلال ما ذكرناه هذا كله فيما إذا قطعت اليد من المرفق أو عماد دونه.

و إما الصورة الثالثة أعني ما إذا قطعت عما فوق المرفق فهل يجب عليه غسل عضده بدلا عن يده؟ المعروف بين أصحابنا عدم وجوب غسل العضد في حقه، بل التزم بعضهم بالاستحباب بل لم ينسب الخلاف فيه إلا إلى ابن الجنيد. و لكن العبارة المحكية منه غير مساعدة على تلك النسبة قال فيما حكي من كلامه: إذا قطعت يده من مرفقه غسل ما بقي من عضده. و هذه العبارة كما ترى كعبارة صحيحة علي بن جعفر المتقدمة حيث سئل عن الرجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال(ع) يغسل ما بقي من عضده (1) و قد قدمنا أن ظاهرها أن المراد بما بقي، إنما هو الباقي من مرفقه و هو العضد بعد ما قطع بعضه أعني الذراع، لأن السؤال إنما هو عن قطع يده من المرفق، فلو كان أراد به قطع تمام المرفق و وجوب غسل العضد بدلا عن اليد لكان الواجب أن يقول: يغسل العضد مما بقي من يده.

و على الجملة أن الصحيحة ظاهرة في إرادة قطع المرفق مع بقاء مقدار منه و ليست ناظرة إلى قطع اليد عما فوق المرفق، و عليه فعبارة ابن الجنيد خارجة عما هو محل الكلام أعنى قطع اليد عما فوق المرفق، و كيف كان

____________

(1) المتقدمة في ص 102.

105

..........

____________

فلا مستند للقول بوجوب غسل العضد بعد قطع تمام المرفق إلا أمران كلاهما غير قابل للمساعدة عليه.

«أحدهما»: إطلاق صحيحتي رفاعة و محمد بن مسلم المتقدمتين لدلالتهما على الأمر بغسل المكان الذي قطع منه أو بغسلهما أي اليد و الرجل- في أقطعهما- من دون تعرض للمقدار الباقي من اليد فمقتضى إطلاقهما لزوم غسل العضد فيما إذا قطعت اليد عما فوق المرفق، لصدق انه المكان الذي قطع منه و انه يد الأقطع، فيشملها الأمر بالغسل في قوله(ع) يغسلهما.

و «يرده»: أن القرنية القطعية الارتكازية في الصحيحتين و غيرهما من الأخبار المتقدمة مانعة عن انعقاد الإطلاق للروايات، و هي ارتكاز سوقها لأجل إثبات وجوب الغسل و ترتيبه على ما كان يجب غسله لو لا القطع دون ما لم يكن غسله واجبا كذلك أي لو لا القطع، كي يكون مفادها إثبات البدلية للواجب المتعذر، حتى أن ابن الجنيد (قده) أيضا لا يمكنه الالتزام بالإطلاق في تلك الروايات لأن لازم ذلك أن يحكم بوجوب غسل الكتف- مثلا- فيما إذا قطعت اليد من الكتف لصدق انه المكان الذي قطع منه و هذا كما ترى لا يمكن الالتزام به.

و «ثانيهما»: صحيحة علي بن جعفر المتقدمة بدعوى دلالتها على الأمر بغسل العضد بعد قطع اليد من المرفق.

و «يرده»: ما قدمناه من أن ظاهرها بل لعل صريحها وجوب وجوب غسل ما بقي من المرفق الذي هو العضد لا وجوب غسل العضد بعد قطع تمام المرفق، كما إذا قطعت اليد عما فوق المرفق، إذ لو كان أراد ذلك لوجب أن يقول: يغسل العضد مما بقي بعد القطع، إذا فما ذهب إليه المشهور من عدم وجوب غسل العضد عند قطع اليد عما فوق المرفق هو الصحيح.

106

(مسألة 11) ان كانت له يد زائدة (1) دون المرفق وجب غسلها أيضا كاللحم الزائد، و إن كانت فوقه، فان علم زيادتها لا يجب غسلها و يكفي غسل الأصلية.

حكم اليد الزائدة:

____________

(1) إذا فرضنا لأحد يدا زائدة فهي تتصور على وجوه: لأن اليد الزائدة قد تكون مما دون المرفق، و قد تكون مما فوق المرفق.

أما إذا كانت من دون المرفق، فلا مناص من الحكم بوجوب غسلها سواء أ كانت أصلية- بالمعنى الآتي في الصورة الآتية- أم كانت زائدة و الوجه فيه: ما استظهرناه سابقا من أن مقتضى الآية المباركة و الروايات و لا سيما صحيحة الأخوين المتقدمة المشتملة على قوله(ع) و لا يدع شيئا مما بين المرفقين إلى الأصابع إلا غسله لزوم غسل اليدين من الأشاجع إلى المرافق بما لهما من التوابع و اللواحق و من المعلوم أن اليد الزائدة إما أن تكون أصلية أو تكون تابعة للأصلية و على كلا التقديرين لا مناص من غسلها، لعدم جواز ترك الغسل في شيء مما بين الحدين المذكورين في الآية المباركة و الروايات و لعل هذا ظاهر.

و أما إذا كانت مما فوق المرفق فقد ذكر لها- في كلام الماتن صوره و ذلك لأنها قد تكون أصلية تساوي اليدين الآخريين في جميع الآثار المترقبة منهما من القوة و البطش و الإعطاء و الأخذ و غيرهما من آثارهما، و قد حكم (قده) فيها بوجوب غسل الزائدة مع اليد الأولية الواقعتين في أحد الجانبين من اليمين أو اليسار- و بجواز المسح بأية منهما شاء.

و ما أفاده (قده) هو الصحيح، لإطلاق قوله عز من قائل:

107

..........

____________

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ (1) و غيرها مما دل على الأمر بغسل اليد في الوضوء، لأنها يد حقيقية و أصلية، و نسبتها مع اليد الأخرى متساوية على الفرض فلا يمكن ترجيح إحداهما على الأخرى من غير مرجح و كونها زائدة إنما هي بالنسبة إلى الخلقة الأصلية فلا ينافي كونها أصلية بالإضافة إلى شخص المكلف إذا فلا وجه لاختصاص الحكم بإحداهما دون الأخرى.

و قد يقال بعدم وجوب الغسل في إحداهما- أعني اليد الزائدة و اليد الأولية الواقعتين في أحد الجانبين من اليمين أو اليسار- و ذلك لوجهين:

«أحدهما»: أن الواجب حسب ما يستفاد من الأخبار الواردة في الوضوء إنما هو غسل الوجه و اليدين دون الأيادي الثلاث أو الأربع و نحوهما، فلو حكمنا بوجوب غسل اليدين الموجودتين في جانب واحد للزم الحكم باعتبار غسل الأيادي الثلاث أو الأكثر في الوضوء و هو على خلاف ما نطقت به الروايات بل و على خلاف الآية المباركة، فإن الجمع الوارد فيها في قوله عز من قائل وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ. إنما هو بلحاظ آحاد المكلفين و معناه أن كلا يغسل يديه و وجهه لا أن كلا يغسل وجهه و أيادي الثلاث أو الأربع و نحوهما و يندفع هذا الوجه بأن اشتمال الأدلة على اليدين إنما هو من جهة كونها ناظرة إلى الأغلب و المتعارف في الأشخاص، إذ الأغلب أن يكون للإنسان يدان لا أكثر، و لا نظر لها إلى نفي وجوب الغسل في اليد الزائدة التي قد يتحقق في بعض المكلفين.

و «ثانيهما»: ان اليد الواجب غسلها قد حددت في الآية المباركة بكونها إلى المرافق فلا تندرج في الآية المباركة إلا اليد المشتملة على المرفق، و اليد الزائدة إنما يمكن الحكم بوجوب غسلها تمسكا بإطلاق الآية و غيرها من الأدلة فيما إذا اشتملت على المرفق. و أما إذا لم يكن لها مرفق بأن كانت اليد

____________

(1) المائدة: 5: 6.

108

..........

____________

عظما واحدا متصلا، كما قد يقال ان رجل الفيل كذلك فلا مناص من الحكم بعدم وجوب غسلها لخروجها عن المحدود، فإذا وصلنا إلى المرفق لدى الغسل فقد امتثلنا الأمر بغسل اليد من دون حاجة إلى غسل العضو الزائد بوجه.

و فيه: أن المرفق انما ذكر في الآية المباركة حدا للمغسول دون وجوب الغسل و هو حد للأوساط المتعارفة ذوات الأيادي المشتملة على المرافق دون الفاقدين للمرافق، فاللازم في اليد الفاقدة للمرفق هو غسلها الى حد المرفق في الأشخاص المتعارفة نظير ما إذا لم يكن للمكلف يد زائدة، الا أن احدى يديه الأصليتين كانت فاقدة للمرفق فكما أن وظيفته هو غسل يده الى حد المرفق في الأشخاص المتعارفة، فليكن الحال كذلك فيمن كانت له يد زائدة.

فالصحيح أن اليد الزائدة في هذه الصورة- أيضا لا بد من غسلها، كما يجوز المسح بأية من اليدين شاء المكلف، لصدق انها اليد اليسرى أو اليمنى حقيقة. هذا كله فيما إذا كانت اليد الزائدة أصلية.

و قد لا تكون أصلية كما إذا لم يشترك مع اليد الأخرى في الآثار المترقبة من اليد و قد حكم الماتن (قده) بعدم وجوب غسلها حينئذ.

و الصحيح أن يقال أن اليد الزائدة غير الأصلية قد لا يكون يدا حقيقية، و انما يكون مجرد لحم بصورة اليد فحسب، و في هذه الصورة لا يعتبر غسلها في الوضوء، لأن الواجب انما هو غسل اليد دون ما لا يكون كذلك كما هو المفروض في المسألة.

و قد تكون يدا حقيقية. و لا يتأتى منها الآثار المترقبة من اليد، و هذا كما في يد المشلول لأنها يد حقيقية و لا اثر لها من القوة و البطش و نحوهما

109

و إن لم نعلم الزائدة من الأصلية (1) وجب غسلهما، و يجب مسح الرأس و الرجل بهما من باب الاحتياط، و إن كانتا أصليتين يجب غسلهما أيضا و يكفي المسح بإحداهما.

____________

و لا ترى وجها لعدم وجوب غسلها في الوضوء بعد ما فرضناه من أنها يد حقيقية و يصدق عليها عنوان اليد حقيقة، و ذلك لإطلاق ما دل على وجوب غسل اليد في الوضوء.

اللهم إلا أن يدعى الانصراف بدعوى: ان اليد في الآية و الروايات منصرفة عما لا يترتب عليه الآثار المترقبة من اليد، و لكنه انصراف بدوي ناش من قلة وجودها أو من غلبة اليد الصحيحة و المتعارفة، و غلبة الوجود لا يكون منشأ للانصراف هذا تمام الكلام في هاتين الصورتين.

(1) هذه هي الصورة الثالثة من الصور التي ذكرها الماتن (قده) في اليد الزائدة إذا كانت واقعة مما فوق المرفق، و ذكر أن الزائدة إذا اشتبهت بالأصلية وجب الغسل في كلتيهما، كما يجب المسح بهما من باب الاحتياط.

و ما أفاده (قده) فيما إذا كانت اليد الزائدة بصورة اليد من دون أن تكون يدا حقيقية، أو كانت يدا حقيقية، و لكن بنينا على عدم وجوب غسل اليد الزائدة- بحسب الكبرى- متين و ذلك للعلم الإجمالي بوجوب الغسل في إحداهما دون الأخرى، و حيث إنها غير متميزة عما لا يجب غسله وجب الغسل في كلتا اليدين تحصيلا للعلم بالامتثال كما يجب المسح بكلتيهما من باب المقدمة العلمية لأنه إذا اقتصر بالمسح بإحداهما لم يحصل له العلم بالمسح باليد الأصلية، لاحتمال أن لا يكون ما اقتصر به يدا أصلية، و المسح بغير اليد الأصلية مما لا أثر له. و بهذا تفترق اليد الزائدة المشتبهة بالأصلية عن اليدين الأصليتين فإن الغسل و المسح في الأصليتين واجبان بالأصالة لا لأجل

110

(مسألة 12) الوسخ تحت الأظفار إذا لم يكن زائدا على المتعارف (1) لا يجب إزالته إلا إذا كان ما تحته معدودا من الظاهر، فإن الأحوط إزالته و إن كان زائدا على المتعارف وجبت إزالته، كما انه لو قص أظفاره فصار ما تحتها ظاهرا وجب غسله بعد إزالة الوسخ عنه.

____________

كونهما مقدمة علمية و هذا ظاهر.

و لكن الكلام في صغرى ما أفاده (قده) و إن اشتباه الزائدة بالأصلية كيف يتحقق في الخارج؟ و الظاهر أنه لا يتحقق في الخارج أبدا، و ذلك لأن اليد الأصلية هي التي تشارك الأخرى و تساهمها في الآثار المترقبة من اليد من القوة و البطش و الأكل أو الكتابة بها و نحو ذلك، كما أن الزائدة هي ما لم تكن كذلك. و هذان أمران وجدانيان لكل أحد. فهل يعقل الشك في الأمور الوجدانية؟ فإنه إن رأى انها تشارك اليد الأصلية فيعلم أنها أصلية و إذا رأى أنها ليست كذلك فيعلم انها زائدة، و لا يبقى مجال للشك بينهما.

الوسخ تحت الأظفار:

(1) الوسخ المتعارف هو الذي لا يخلو منه الأظفار عادة إلا فيمن واظب على نظافتها.

ثم ان الوسخ إذا كان في محل معدود من البواطن بحيث لو لا الوسخ أيضا لم يجب غسل ذلك المحل لم يحكم بوجوب إزالته كما إذا كان في داخل العين أو الأنف- دون موضع التقليم و نحوه- لوضوح أن الإزالة متقدمة لغسل المحل، و لا يجب غسل البواطن و هذا ظاهر على أن السيرة المستمرة جارية من المتدينين على التوضؤ من دون إزالته، كما أن الأخبار غير

111

(مسألة 13) ما هو المتعارف بين العوام من غسل اليدين الى الزندين و الاكتفاء عن غسل الكفين، بالغسل المستحب قبل الوجه باطل (1).

____________

متعرضة لوجوبها و من ذلك يظهر أن الشارع لم يهتم بإزالته و الا لورد الأمر بها في شيء من الروايات لا محالة.

و أما إذا كان في محل معدود من الظواهر فلا ينبغي التأمل في وجوب رفعه و إزالته، لأن المحل الواقع تحته مما يجب غسله في الوضوء بمقتضى إطلاق الأدلة، و لا يمكن غسله الا بإزالة وسخه، و كون الوسخ قائما مقام ذلك المحل في كفاية وصول الماء اليه يحتاج الى دليل، و لا دليل عليه، و لم يحرز جريان سيرة المتدينين على عدم ازالة الوسخ- وقتئذ.

و دعوى: ان المحل مستور بالوسخ فلا يجب غسل موضعه مندفعة: بأن الستر بالوسخ غير مسوغ لعد المحل من البواطن، و مع كون الموضع معدودا من الظواهر لا مناص من غسله بمقتضى الأخبار المتقدمة. و قوله(ع) في صحيحة زرارة و بكير: و لا يدع شيئا مما بين المرفقين إلى الأصابع الا غسله (1) فان الخروج عن ذلك يحتاج الى دليل و هو مفقود كما عرف هذا كله في الوسخ غير الزائد على المتعارف.

و اما الزائد عن المتعارف، كما إذا اشتغل بالطين- مثلا- و بقي شيء منه على وجهه أو يديه فلا إشكال في وجوب إزالته مطلقا سواء كان في محل الغسل أو موضع المسح، لانه مانع من وصول الماء إلى البشرة و هو واضح.

(1) لما تقدم من أن الوضوء يعتبر فيه غسل اليدين من المرفقين إلى الأصابع بعد غسل الوجه، فغسل اليدين الى الزند- قبل غسل الوجه- استحبابا ثم غسل اليدين من

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

112

(مسألة 2) إذا انقطع لحم من اليدين وجب غسل ما ظهر بعد القطع (1) و يجب غسل ذلك اللحم أيضا (2) ما دام لم ينفصل و ان كان اتصاله بجلدة، و ان كان أحوط لو عدّ ذلك اللحم شيئا خارجيا (3) و لم يحسب جزءا من اليد.

____________

المرفقين الى الزند غير كاف في صحته.

ما يقطع من لحم اليدين:

(1) لما أشرنا إليه في مسألة وجوب ازالة الوسخ تحت الأظفار، من أن المعتبر في صحة الوضوء انما هو غسل ما ظهر من البشرة بلا فرق في ذلك بين ما كان ظاهرا ابتداء و بحسب الحدوث، و ما صار كذلك بحسب البقاء فما تحت اللحم و ان كان من الباطن قبل قطعه، الا انه صار من الظواهر بعد قطع اللحم فلا بد من غسله.

(2) لأنه معدود من توابع اليدين و لواحقهما و مقتضى قوله(ع) في صحيحة زرارة و بكير: لا يدع شيئا من المرفقين إلى الأصابع الا غسله (1) لزوم غسل اليدين بما لهما من التوابع و الاجزاء و معه و لا يجب قطع الجلدة ليغسل تحتها، لأن غسل توابع اليد بمنزلة غسل نفس البشرة على ما هو الحال في اللحم و الإصبع الزائدين في اليد.

(3) كتب سيدنا الأستاذ- مد اللّٰه في أظلاله- في تعليقته المباركة على المنن: لا يترك هذا الاحتياط و السر فيه ان مقتضى الأدلة الواردة في المقام وجوب غسل البشرة بالتمام في كل من الوجه و اليدين، فإذا فرضنا ان في اليد أو الوجه شيء يمنع عن وصول الماء إلى البشرة من غير

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب الوضوء من المسائل.

113

(مسألة 15) الشقوق التي تحدث على ظهر الكف من جهة البرد إن كانت وسيعة يرى جوفها (1) وجب إيصال الماء فيها (2) و إلا فلا (3) و مع الشك (4) لا يجب عملا بالاستصحاب و إن كان الأحوط الإيصال.

____________

أن يعد جزءا أو تابعا لهما لدى العرف فكفاية غسله عن غسل البشرة المأمور به و قيامه مقامها في ذلك يحتاج إلى دليل و هو مفقود.

شقوق ظهر الكف:

(1) أي بسهولة و من دون علاج.

(2) لأن جوفها- وقتئذ- من الظواهر، و قد مر أن الظواهر لا بد من غسلها في الوضوء.

(3) لأن الشقوق إذا لم تكن وسيعة على وجه يرى جوفها بسهولة لم يجب غسله، لأنه من البواطن- وقتئذ- و الباطن لا يعتبر غسله في الوضوء و إن أمكن رؤيته بالعلاج كما إذا فصل طرفي الشق باليد أو بغيرها.

(4) الظاهر أنه (قده) أراد بذلك خصوص الشبهة المصداقية، إذ لا تحقق للشبهة المفهومية في أمثال المقام، و على فرض تحققها فهي من الندرة بمكان، و عليه فلا مانع من العمل بالاستصحاب كما أفاده الماتن (قده).

و ذلك لأن عنوان الباطن و ان لم يؤخذ موضوعا لأي حكم شرعي و لا قيدا له في شيء من النصوص. و لكن ورد فيما رواه زرارة. الأمر بغسل ما ظهر، حيث قال(ع) انما عليك أن تغسل ما ظهر (1) و علل في جملة من الروايات عدم وجوب الاستنشاق و المضمضة في الوضوء بأنهما من

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب الوضوء من الوسائل.

114

..........

____________

الجوف (1) و بذلك أصبح كل من عنواني الجوف، و ما ظهر موضوعين لوجوب الغسل و عدمه.

و بما أن جوف الشقوق الذي نشك في أنه من البواطن معدود من الجوف و لم يصدق عليه عنوان «ما ظهر» قبل الانشقاق فإذا شككنا في ذلك بعد ظهور الانشقاق فمقتضى الاستصحاب أنه الآن كما كان فهو بمقتضى الأصل من الجوف بالفعل فلا يجب غسله. هذا كله فيما إذا كانت الشبهة مصداقية.

و أما إذا كانت مفهومية فلا مناص من غسل جوف الشقوق فيما إذا شككنا في أنه من البواطن أولا و ذلك لما قررناه في الشك في إحاطة الشعر بالوجه من أن مقتضى إطلاق الأدلة الآمرة بغسل الوجه و اليدين انما هو وجوب غسل البشرة من المرافق إلى الأصابع و من القصاص الى الذقن فإذا ورد عليه تقييد و دار أمره بين الأقل و الأكثر فإنما ترفع اليد عن إطلاق تلك الأدلة بالمقدار المتيقن من دليل التقييد و هو الشعر الذي علمنا باحاطته أو الموضع الذي قطعنا بكونه من الجوف.

و أما في موارد الشك في الخروج كالشك في الإحاطة أو الجوف فالمحكم إطلاق الأدلة أو عمومها و هو يقتضي وجوب الغسل في المقام و ذلك لما بيناه في محله من أن إجمال المخصص لدورانه بين الأقل و الأكثر لا يسري الى العام. بل انما يخصصه بالمقدار المتيقن و في موارد الشك يرجع الى عموم العام.

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب الوضوء من الوسائل.

115

(مسألة 16) ما يعلو البشرة مثل الجدري عند الاحتراق ما دام باقيا يكفي غسل ظاهره (1) و ان انخرق، و لا يجب إيصال الماء تحت الجلدة بل لو قطع بعض الجلدة و بقي البعض الآخر يكفي غسل ظاهر ذلك البعض، و لا يجب قطعه بتمامه، و لو ظهر ما تحت الجلدة بتمامه، لكن الجلدة متصلة قد تلزق و قد لا تلزق يجب غسل ما تحتها، و ان كانت لازقة يجب رفعها أو قطعها.

(مسألة 17) ما ينجمد على الجرح عند البرء و يصير كالجلد لا يجب رفعه (2) و إن حصل البرء، و يجزي غسل ظاهره، و إن كان رفعه سهلا.

و أما الدواء الذي انجمد عليه (3) و صار كالجلد فما دام لم يمكن رفعه يكون بمنزلة الجبيرة يكفي غسل ظاهره، و إن أمكن رفعه بسهولة وجب.

ما يعلو البشرة عند الاحتراق:

____________

(1) لصدق أنه مما ظهر من البشرة دون جوفه و ما تحته و ان انخرق، و كذا الحال فيما إذا قطع بعض الجلدة المتصلة باليد أو بغيرها و هي تلتصق بالبشرة- تارة- كما إذا كانت رطبة- و تنفصل عنها- أخرى- و لا تعد من توابع اليد و البشرة و ما تحتها من الظواهر التي ترى من دون علاج فيجب غسل ما تحتها برفع الجليدة أو قطعها فيما إذا التصقت بالبشرة.

(2) لأنه معدود من التوابع العرفية فلا ملزم لرفعه و إن أمكن بسهولة.

(3) و نظيره القير الملصق بالبشرة و يأتي تفصيل هذه المسألة في المسألة الرابعة عشرة من أحكام الجبائر إن شاء اللّٰه و قد ذكر الماتن هناك أنه إذا كان شيء لاصقا ببعض مواضع الوضوء مع عدم جرح أو نحوه و لم يمكن إزالته أو كان فيها حرج و مشقة لا تتحمل مثل القير و نحوه يجري عليه حكم الجبيرة

116

(مسألة 18) الوسخ على البشرة ان لم يكن جرما مرئيا (1) لا يجب إزالته و ان كان عند المسح بالكيس في الحمام أو غيره يجتمع و يكون كثيرا ما دام يصدق عليه غسل البشرة، و كذا مثل البياض الذي يتبين على اليد من الجص أو النورة إذا كان يصل الماء الى ما تحته، و يصدق معه غسل البشرة. نعم لو شك في كونه حاجبا أم لا وجب إزالته.

____________

و الأحوط ضم التيمم أيضا، و لنا في إطلاق كلامه نظر يأتي تفصيله هناك.

نعم الأمر في خصوص الدواء كما أفاده للنص الوارد على ما سيوافيك في محله ان شاء اللّٰه.

الأوساخ على البشرة:

(1) الأوساخ المتكونة في البشرة على أقسام:

«الأول»: الوسخ الذي لا يرى وجوده على البشرة إلا بعلاج كالدلك و نحوه و لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب إزالته حينئذ لأنه من الأعراض و ليس من قبيل الأجرام و الأجسام المانعتين عن وصول الماء الى نفس البشرة.

«الثاني»: الوسخ الذي يرى على البشرة من دون أن يكون له جرم و جسم بحسب النظر العرفي المسامحي بل انما يعد من الأعراض الطارئة عليه كالبياض يتراءى على اليد من استعمال الجص و النورة و أمثالها، و هذا أيضا لا تجب إزالته، لعدم كونه مانعا عن صدق غسل البشرة لدى العرف، لأن المفروض عدم كونه من قبيل الأجرام لدى العرف فإذا صب الماء على اليد- مثلا- و عليها شيء من ذلك الوسخ صدق أنه قد غسل البشرة و مع صدق ذلك لا ملزم لإزالته كما مر.

117

(مسألة 19) الوسواسي الذي لا يحصل له القطع بالغسل يرجع الى المتعاف (1).

____________

«الثالث»: الوسخ الذي يرى على البشرة و له جرم و معدود من الأجسام لدى العرف و لكن لا يمنع عن وصول الماء إلى البشرة. و هذا أيضا كسابقه لا تجب إزالته فإن المأمور به انما هو غسل البشرة و مع فرض تحققه و صدق أنه غسل بشرته لا وجه لوجوب ازالة الوسخ لأن الإزالة مقدمة للغسل المأمور به و إيصال الماء إلى البشرة و المفروض أنه متحقق من من دون حاجة الى الإزالة و هذا كما في الثوب الرقيق الموجود على اليد أو البدن أو سائر مواضع الوضوء فيما إذا لم يمنع عن وصول الماء إلى البشرة فلا يجب نزع الثوب وقتئذ، لصدق غسل البشرة عند صب الماء على الثوب، و الوسخ غير المانع عن وصول الماء إلى البشرة كالثوب المذكور.

«الرابع»: الوسخ المرئي المعلوم مانعيته عن وصول الماء إلى البشرة أو محتملها و في هذا القسم تجب الإزالة حتى يحرز وصول الماء إلى البشرة و يقطع بتحقق المأمور به.

وظيفة الوسواسي:

(1) و الوجه في ذلك مضافا الى النهي عن العمل على الوسواس في الروايات (1) و ان العمل على طبقه إطاعة الشيطان فلا يصح توصيف الوسواسي بالعقل (2) ان الوسواسي لا يجب عليه الجزم بالامتثال لعدم جريان

____________

(1) راجع ب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من الوسائل.

(2) كما في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان المروية في ب 10 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

118

(مسألة 20) إذا نفذت شوكة في اليد أو غيرها من مواضع الوضوء أو الغسل لا يجب إخراجها إلا إذا كان محلها على فرض الإخراج محسوبا من الظاهر (1).

____________

الاستصحاب و لا قاعدة الاشتغال في حقه. أما عدم جريان الاستصحاب فلأن الشك المعتبر في جريانه كما في قوله(ع) لا تنقص اليقين بالشك (1) منصرف إلى الشك العادي المتعارف لدى الناس، و لا يشمل الشكوك النادرة الخارجة عن المعتاد فلا مجال لاستصحاب الحدث أو عدم تحقق الامتثال في حقه.

و أما عدم جريان القاعدة فلأن العقل إنما استقل بلزوم الامتثال العقلائي دون ما يعد عملا سفهائيا لدى الناس، إذا لا يجب عليه تحصيل الجزم بالامتثال بل يكفي في حقه الامتثال الاحتمالي و إن لم يكن هناك نهي عن العمل على الوسواس. نعم إذا كان شك الوسواسي شكا متعارفا- كما إذا وقف تحت المطر فأصابت وجهه قطرات فشك في أنها هل وصلت إلى جميع أطراف الوجه أو يحتاج غسل تمام الوجه إلى إمرار اليد عليه- وجب الاحتياط في مثله لا محالة.

(1) كما إذا كانت الشوكة كالمسمار بأن كان أحد طرفيها أوسع على نحو لا يدخل الجوف بل يلتصق بظاهر البشرة الواجب غسله و يستر مقدارا منه، أو دخلت الشوكة منحنية كالمسمار المنحني- لا مستقيمة- على نحو بقي مقدار منها في الخارج و ستر الظاهر على نحو لا يصل الماء إليه أي إلى الظاهر الذي وقع تحت الشوكة، و المناط أن لا يكون محل الشوكة معدودا من الجوف و الباطن الذي لا يجب غسله في الوضوء.

____________

(1) راجع ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

119

(مسألة 21) يصح الوضوء بالارتماس مع مراعاة الأعلى فالأعلى (1) لكن في اليد اليسرى لا بد أن يقصد الغسل حال الإخراج من الماء (2) حتى لا يلزم المسح بالماء الجديد، بل و كذا في اليد اليمنى إلا أن يبقي شيئا من اليد اليسرى ليغسله باليد اليمنى حتى يكون ما يبقى عليها من الرطوبة من ماء الوضوء.

____________

(1) بان يدخل المرفق أولا، ثم يرمس اليد إلى أخرها مرة واحدة أو تدريجا.

الوضوء الارتماسي:

(2) في المقام كلامان: «أحدهما»: أصل جواز الارتماس في الوضوء. و «ثانيهما»: كفاية قصد الغسل حال الإخراج و عدمها.

أما المقام الأول فلا ينبغي الإشكال في جواز التوضؤ بالارتماس لإطلاقات الأدلة الآمرة بالغسل في الوضوء و عدم قيام دليل على المنع عن ذلك. و هي كافية في الحكم بالجواز.

و أما المقام الثاني فالصحيح أن الاكتفاء بما أفاده الماتن (قده) من قصد الغسل حال الإخراج غير صحيح و ذلك لأن الظاهر من أي أمر متعلق بأي فعل من أفعال المكلفين إنما هو الإيجاد و الاحداث أعني إيجاد متعلقاته و إحداثه بعد ما لم يكن دون الإبقاء و الاستمرار، و بما أن المكلف قد وضع يده على الماء و رمسها فيه فقد تحقق منه الغسل لا محالة و هذا و إن كان غسلا- بحسب الإيجاد و الاحداث، إلا أنه غير محسوب من الوضوء لأن المكلف لم يقصد به الغسل المأمور به- على الفرض- و إنما نوى الغسل المأمور به في الوضوء حال إخراجها من الماء أو يقصد ذلك بتحريكها

120

..........

____________

و هي في الماء.

و هذا أيضا لا كلام في أنه غسل لليد حقيقة غير أنه غسل ابقائي أي إبقاء للنسل الحادث أولا برمس اليد في الماء، و ليس إيجادا و إحداثا للغسل غير الغسل المتحقق أولا بإدخال اليد في الماء و هذا ظاهر، و قد فرضنا أن المأمور به انما هو إيجاد الغسل و احداثه لا إبقاءه و استمراره.

و من هنا استشكلنا في الغسل الترتيبي بتحريك الجانبين في الماء، و ان كان المعروف صحة ذلك و كفايته و قد ذكرنا في وجهه أن المأمور به في كل من الغسل و الوضوء انما هو إيجاد الغسل و احداثه، و لا يكفي إبقاءه و استمراره و مع فرض أن المكلف قد دخل الماء و تحقق الغسل منه في نفسه إذا حرك جانبيه- و هو في الماء- كان ذلك غسلا بقاء و استمرارا للغسل و الحادث أولا لا إيجادا للغسل و إحداثا له.

و الذي يكشف عما ذكرناه إذ لو أمرنا بالغسل مرتين في مثل اليد و الأواني و غيرهما لم يمكننا الاكتفاء فيهما بإدخال اليد في الماء و إخراجها منه، بان يكون الإخراج أيضا غسلا على حدة كالادخال حتى يتحقق بهما التعدد في الغسل المأمور به و لا وجه له الا ما أشرنا إليه آنفا من أن الإخراج إبقاء للغسل الحادث بالإدخال أولا، لا أنه غسل جديد كي يتحقق به التعدد و هذا ظاهر إذا لا يمكن أن يقتصر في الأواني و نحوها مما يعتبر التعدد في غسله بإخراجها عن تحت الماء بعد إدخالها فيه أو بتحريكها و هي في الماء بل إدخالهما و إخراجهما يعدان غسلا واحدا لدى العرف.

و على الجملة لا يمكن الفرار بذلك- أي بقصد الغسل حال الإخراج- عن محذور المسح بالرطوبة الخارجية. بل لا بد في تحقق المسح برطوبة الوضوء أن يبقي شيئا من يده اليسرى- بعدم رمسه في الماء- حتى يغسل الباقي بعد إخراج يده من الماء بيده اليمنى لتكون الرطوبة من رطوبة الوضوء دون الرطوبة الخارجية.

121

(مسألة 22) يجوز الوضوء بماء المطر (1) كما إذا قام تحت السماء حين نزوله فقصد بجريانه على وجهه غسل الوجه مع مراعاة الأعلى فالأعلى و كذلك بالنسبة إلى يديه، و كذلك إذا قام تحت الميزاب أو نحوه، و لو لم ينو من الأول لكن بعد جريانه على جميع محال الوضوء مسح بيده على وجهه بقصد غسله، و كذا على يديه إذا حصل الجريان كفى أيضا، و كذا لو ارتمس في الماء ثم خرج و فعل ما ذكر.

____________

نعم لا مانع من الغسل الارتماسي- في الوضوء- إذا لم يكن الغسل بقائيا و استمراريا كما إذا قصد الغسل المأمور به من الابتداء نعم يبتلي المكلف- وقتئذ- بمعضلة كون المسح بالرطوبة الخارجية فيما إذا رمس يده في مثل الحوض و الحب و نحوهما أو غسلها بالمطر كما يأتي عليه الكلام في التعليقة الآتية فليلاحظ.

الوضوء بماء المطر:

(1) ظهر الحال في هذه المسألة مما سردناه في التعليقة المتقدمة و توضيحه:

أنه لا إشكال و لا كلام في صحة التوضؤ بماء المطر كما إذا قام تحت السماء حين نزول المطر و نوى من الابتداء أو بجريانه على وجهه أو يديه غسل الوجه أو اليدين المأمور بهما في الوضوء مراعيا للأعلى فالأعلى.

و إنما الكلام فيما إذا لم يقصد الغسل المأمور به من الابتداء بل إنما قصد تنظيف وجهه أو تطهير يده- مثلا- أو لم يكن له قصد أصلا لغفلته، إلا أنه بعد ما جرى المطر على مواضع وضوئه قد مسح على وجهه أو غيره من مواضع الوضوء بيده قاصدا به غسل الوجه أو اليدين المعتبر في الوضوء، و الاشكال المتقدم في التعليقة السابقة يأتي في ذلك بعينه، لأن

122

..........

____________

المأمور به إنما هو الغسل الحادث بعد ما لم يكن و القطرات الموجودة على وجهه- مثلا- من ماء المطر، أو ماء الحوض بعد الخروج عنه إنما هي من توابع الغسل الحادث لوقوعه تحت المطر أو بدخوله تحت الماء، و ليس غسلا جديدا، و إمرار اليد على البدن أو محال الوضوء و إيصال الرطوبة الى جميع جوانب البدن في الغسل أو الوجه و اليدين في الوضوء لا يعد غسلا بوجه، لأنه مفهوم عرفي يعرفه كل عارف باللسان، لبداهة عدم إطلاق الغسل عرفا على إمرار اليد على البدن و نقل الرطوبات المائية إلى أطراف البدن أو الوجه أو غيرهما.

و العجب عن بعض من قارب عصرنا حيث ذهب الى كفاية مجرد قصد الغسل بعد الخروج عن الماء في حصول الغسل المأمور به من دون حاجة الى شيء آخر حتى إمرار اليد مدعيا أن الرطوبات المائية الموجودة على بدنه من ماء الحوض أو المطر كافية في تحقق الغسل و لا يجب استعمال الزائد منها في تحصيله و تحققه إذا مجرد قصد الغسل و هي على بدنه كاف في حصول الغسل المأمور به.

و فيه: ان الغسل لدى العرف لا يطلق على القصد مع إمرار اليد على البدن أو مواضع الوضوء فكيف بالقصد الساذج؟ لأن الرطوبات الموجودة على بدنه إنما هي من توابع الغسل الحادث بالدخول تحت الماء أو بوقوعه تحت المطر و لا يعد إيصالها إلى جوانب البدن أو محال الوضوء غسلا حادثا لدى العرف، فما ظنك بكفاية مجرد القصد؟! و على الجملة أن الإخراج و التحريك أو إمرار اليد و نحوها لا يعد غسلا عندهم، و لا أقل من الشك في صدق الغسل عليه و معه لا يمكن الاكتفاء به في مقام الامتثال ثم ان الوجه في ذلك كما تقدم هو ما أشرنا إليه من

123

(مسألة 23) إذا شك في شيء أنه من الظاهر حتى يجب غسله أو الباطن فلا، فالأحوط غسله، (1) إلا إذا كان سابقا من الباطن و شك في أنه صار ظاهرا أم لا كما أنه يتعين غسله لو كان سابقا من الظاهر، ثم شك في أنه صار باطنا أم لا.

____________

أن ظاهر الأوامر إنما هو إحداث المتعلق و إيجاده بعد ما لم يكن، لا أن الوجه هو اعتبار اليبوسة في أعضاء الوضوء أو الغسل لصحتهما مع رطوبة المحل.

نعم يعتبر أن تكون الرطوبة السابقة أقل من الماء المستعمل في المحل حتى لا تكون غالبة عليه، كما إذا فرضنا الماء الموجود على المحل خمس قطرات و كان الماء المستعمل فيه قطرتان أو ثلاثا، فإذا كانت الرطوبة السابقة أقل منه فهي غير مانعة من صحة الوضوء، فالمناقشة في صحتهما مستندة إلى عدم كون الإخراج أو التحريك غسلا حادثا بعد ما لم يكن.

الشك في كون الشيء من الظاهر:

(1) قد تكون الشبهة مفهومية و لا كلام حينئذ في وجوب الاحتياط لما قدمناه من أن مقتضى الإطلاقات و العمومات وجوب الغسل في كل شيء قابل له بين الحدين أعني القصاص و الذقن، أو المرفق و أطراف الأصابع و قد خرجنا عن ذلك فيما صدق عليه عنوان الجوف أو ما لم يظهر، لأنه غير واجب الغسل بمقتضى الأخبار.

إذ قد ذكرنا سابقا أن الباطن و ان لم يكن موضوعا للحكم الا أن مرادفه أعني الجوف أو ما لم يظهر قد أخذ موضوعا للحكم بعدم وجوب الغسل في بعض الروايات الواردة في المضمضة و الاستنشاق و غيرها فليلاحظ، فإذا علمنا أن موضعا من الجوف أو مرادفه فهو و ان شككنا في ذلك وجب الرجوع الى مقتضى العموم و الإطلاق و هو وجوب الغسل كما مر. و لكن

124

..........

____________

الماتن لم يرد بذلك الشبهة المفهومية، و انما أراد الشبهة المصداقية و الموضوعية و للشبهة المذكورة صور و أقسام.

صور الشبهة الموضوعية:

«الأولى»: أن يكون للمشكوك فيه حالة سابقة، بان كان من الظاهر الذي يجب غسله في الوضوء، و لا إشكال حينئذ في استصحاب بقائه على الحالة السابقة، و وجوب غسله بمقتضاه.

«الثانية»: أن يكون له حالة سابقة على خلاف الصورة المتقدمة كما إذا كان المشكوك فيه من الجوف و ما لم يظهر و هو الذي لا يجب غسله في الوضوء فهل يجري استصحاب كونه من الجوف أو غير الظاهر حينئذ أولا؟ فيه كلام، و الظاهر جريان الاستصحاب في هذه الصورة أيضا كما في الصورة المتقدمة و به يحكم على عدم وجوب غسله هذا.

و قد يقال بعدم الجريان نظرا إلى أنه من الأصول المثبتة بدعوى أن المأمور به هو الطهارة و إثباتها باستصحاب كونه من الجوف و الباطن يبتني على القول بالأصل المثبت.

و «يرده»: ان الطهارة أما أن تكون عنوانا و اسما للوضوء أعني نفس الغسلتين و المسحتين كما أشرنا إليه سابقا، و قلنا انه ليس ببعيد، و عليه لا مانع من جريان استصحاب كونه من الجوف لأن المأمور به حينئذ نفس الغسلتين و المسحتين و من الظاهر أن نفي وجوب الغسل عن بعض المواضع لا يكون من المثبت في شيء و لعله ظاهر و اما أن تكون الطهارة أمرا بسيطا و حكما اعتباريا شرعيا غير المسحتين و الغسلتين و لكنه يترتب عليهما ترتب الحكم على موضوعه، و عليه أيضا لا يكون الاستصحاب المذكور مثبتا لأنه أصل يجري في موضوع الحكم الشرعي حينئذ، و به ينقح الموضوع للحكم بالطهارة و أن

125

..........

____________

الموضوع هو غسل غير الموضع المشكوك فيه و تنقيح الموضوع بالأصل غير كون الأصل مثبتا.

نعم إذا قلنا إن الطهارة أمر تكويني واقعي و مترتبة على تلك الافعال ترتبا واقعيا قد كشف عنها الشارع، حيث لا سبيل لنا إلى إدراكها كان للمناقشة المذكورة مجال لأن استصحاب الجوف و الباطن لأجل إثبات لازمة التكويني و هو الطهارة من الأصول المثبتة لا محالة إلا أن القول بأن الطهارة أمر واقعي ضعيف غايته و لا يمكن التفوه به بل الطهارة عنوان لنفس الغسلتين و المسحتين أو أنها حكم شرعي مترتب عليهما و معه لا يكون الاستصحاب مثبتا كما عرفت.

«الثالثة»: أن لا يكون للمشكوك فيه حالة سابقة أصلا، كما إذا كان مشكوكا فيه من الابتداء و في هذه الصورة يبتني الحكم بعدم وجوب غسل الموضع المشكوك فيه على القول بجريان الأصل في الاعدام الأزلية، فإن مقتضى استصحاب العدم الأزلي عدم كون المحل المشكوك فيه من الظاهر الذي يجب غسله، لأنه قبل أن يوجد لم يكن متصفا بكونه ظاهرا لا محالة فإذا وجد و شككنا في أنه هل تحقق و وجد معه الاتصاف به أيضا أم لم يتحقق فالأصل عدم تحقق الاتصاف به حتى بعد وجوده.

و هذا نظير الاستصحاب الجاري في الصورة الثانية غير أن العدم فيها نعتي و في الصورة الثالثة أزلي بمعنى أن المحل في الصورة الثانية كان موجودا سابقا و كان متصفا بعدم كونه من الظاهر فالمستصحب هو اتصافه بالعدم المعبر عنه بالعدم النعتي في الاصطلاح. و أما في الصورة الثالثة فلم يحرز اتصافه بالعدم بعد وجود المحل و انما نستصحب عدم تحقق الاتصاف المعلوم قبل وجوده و هو الذي يعبر عنه بالعدم الأزلي فلاحظ:

126

«الثالث»: مسح الرأس (1) بما بقي من البلة في اليد (2).

الثالث من واجبات الوضوء: مسح الرأس:

____________

(1) لا إشكال و لا خلاف في وجوب المسح و اعتباره في الوضوء بين المسلمين. بل هو من الضروريات عندهم و قد دل عليه الكتاب و السنة و أمر به سبحانه بقوله وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ (1) و انما الكلام و الخلاف في بعض خصوصياته على ما يأتي عليها الكلام.

(2) المعروف بين الإمامية وجوب كون المسح بنداوة ماء الوضوء و عدم جواز المسح بالماء الجديد و لم ينقل في ذلك خلاف الا من ابن الجنيد، حيث نسب اليه القول بجوازه بالماء الجديد و لكن العبارة المحكية عنه غير مساعدة على ذلك. فان ظاهرها أنه قد رخص في المسح بالماء الجديد فيما إذا لم تبق من بلة الوضوء شيء في يده أو في غيرها مع الاختيار أو بلا اختيار، و لم يجوز المسح بالماء الجديد عند وجود البلة من ماء الوضوء [2] و كيف كان يدل على ما سلكه المشهور أمور.

«منها»: الروايات الحاكية لوضوء النبي أو الوصي حيث صرحت بأنه(ع) مسح رأسه و رجليه بالبلة الباقية من ماء الوضوء: ففي صحيحة

____________

[2] و عبارته المحكية في الحدائق كما يلي: إذا كان بيد المتطهر نداوة يستبقيها من غسل يديه، مسح بيمينه رأسه و رجله اليمنى و بنداوة اليسرى رجله اليسرى و ان لم يستبق ذلك أخذ ماء جديدا لرأسه و رجليه الحدائق ج 2 ص 280 من الطبعة الحديثة.

____________

(1) المائدة: 5: 6.

127

..........

____________

زرارة .. و مسح مقدم رأسه، و ظهر قدميه ببلة يساره و بقية بلة يمناه (1) و في صحيحة زرارة و بكير .. ثم مسح رأسه و قدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماء جديدا (2) إلى غير ذلك من الروايات البيانية.

و قد ذكرنا سابقا أن هذه الروايات انما وردت لبيان ما يجب في الوضوء و ما هو وظيفة المتوضي في الشريعة المقدسة، و على ذلك فكلما ذكر فيها من القيود و الخصوصيات فهو محكوم بالوجوب ما لم يقم على خلافه دليل.

و «منها»: اهتمام الرواة بنقل هذه الخصوصية- أعني عدم تمسحهم(ع) بالماء الجديد- في رواياتهم: ففي بعضها أنه(ص) لم يعدهما (أي اليدين) في الإناء (3) و في آخر: لم يجدد ماء (4) و في ثالث:

لم يحدث لهما ماء جديدا (5) و هذا يكشف عن اهتمام الأئمة- ع لهذه الخصوصية في وضوءاتهم و حيث أن الأفعال الصادرة منهم(ع) في وضوءاتهم كانت كثيرة كنظرهم(ع) إلى السماء في أثناء الوضوء أو إلى اليمين أو اليسار، أو تكلمهم بكلام أو غير ذلك مما كان يصدر منهم(ع) و لم يتصد الرواة لنقل شيء من هذه الخصوصيات و الأفعال غير هذه الخصوصية فنستكشف من ذلك كشفا قطعيا أن لهذه الخصوصية مدخلية في صحة الوضوء في الشريعة المقدسة لا محالة.

و «منها»: صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد اللّٰه(ع) (في حديث طويل) أن رسول اللّٰه(ص) قال: لما أسري بي إلى السماء أوحى اللّٰه إلى يا محمد أدن من صاد فاغسل مساجدك و طهرها .. إلى أن قال ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء و رجليك إلى كعبيك .. (6)

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) يراجع الحديث 10 و 6 و 11 و 3 و 5 من الباب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(4) يراجع الحديث 10 و 6 و 11 و 3 و 5 من الباب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(5) يراجع الحديث 10 و 6 و 11 و 3 و 5 من الباب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(6) يراجع الحديث 10 و 6 و 11 و 3 و 5 من الباب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

128

..........

____________

فإنها ظاهرة في أن كلما صنعه النبي(ص) بأمر اللّٰه سبحانه في تلك الصحيحة أمور واجبة المراعاة على جميع المسلمين في وضوءاتهم، إذ لا يحتمل أن يكون ذلك من خصائص النبي(ص) و قد قدمنا أن الأخبار البيانية تدلنا على أن ما وجب على النبي(ص) في وضوءاته قد وجب على غيره من المسلمين أيضا و إن متابعته في ذلك لازمة فان اللّٰه سبحانه لا يقبل وضوءا غيره إذا هذه الصحيحة تدلنا على أن المسلمين يجب أن يمسحوا رءوسهم و أرجلهم بنداوة ماء الوضوء لأن اللّٰه سبحانه قد أوجب ذلك على النبي(ص) كما عرفت.

و «منها»: صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر(ع) أن اللّٰه وتر يحب الوتر. فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلة يمناك ناصيتك و ما بقي من بلة يمناك ظهر قدمك اليمنى و تمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى (1) لأن جملة و تمسح و ان كانت خبرية إلا أنها مستعملة في مقام الإنشاء فتدلنا على وجوب كون المسح ببلة اليد هذا.

و قد يناقش في دلالتها باحتمال أن تكون جملة و تمسح معطوفة على فاعل يجزيك و هو ثلاث غرفات أي و يجزيك المسح ببلة يمناك، إذا تدلنا الصحيحة على أن المسح ببلة اليد مجزئ في مقام الامتثال، لا انه أمر واجب لا بدل له و هي- على هذا- موافقة لما ذهب إليه الإسكافي (قده) من جواز المسح بكل من بلة اليد و الماء الجديد، و لا دلالة لها على تعين كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء كما هو مسلك المشهور.

و «يدفعه»: أن الإضمار على خلاف الأصل و الظهور، و ذلك لأنه لا يمكن جعل و «تمسح»: معطوفة على فاعل يجزئك الا بتأويلها

____________

(1) المروية في ب 3 من أبواب الوضوء من الوسائل.

129

..........

____________

بالمصدر أي و يجزيك المسح، إذ لا معنى لأن تكون الجملة الفعلية فاعلا فيما إن الإضمار على خلاف الأصل و الظاهر فلا يمكن المصير إليه و لا مناص من إبقاء الجملة الفعلية على حالها، و حيث أنها في مقام الأمر و الإنشاء فلا محالة تدلنا على وجوب كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء.

و «منها»: الأخبار الواردة في من نسي المسح حتى دخل في الصلاة- أو لم يدخل فيها- ثم ذكر أنه لم يمسح في وضوئه حيث دلت على أنه يأخذ من بلة لحيته- أو حاجبيه أو أو أشفار عينه- إن كانت، و إن لم يكن في لحيته و نحوها- بلل فلينصرف و ليعد الوضوء (1).

و أما المسح بالماء الجديد فلم تدلنا عليه شيء من تلك الروايات.

و أما ما نسب إلى ابن الجنيد من تجويز المسح بالماء الجديد فيمكن الاستدلال عليه بطائفتين من الأخبار:

«الطائفة الأولى»: ما دلت على أن المسح بالماء الجديد هو المتعين بحيث لا يجزي عنه المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء، و هي عدة روايات و إليك نصها:

«منها»: صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن مسح الرأس قلت: امسح بما على يدي من الندى رأسي؟ قال: لا: بل تضع يدك في الماء ثم تمسح (2).

و «منها»: صحيحة معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن(ع) أ يجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال: برأسه لا، فقلت:

أ بماء جديد؟ قال: برأسه نعم (3).

و «منها»: رواية جعفر ابن أبي عمارة الحارثي قال: سألت جعفر

____________

(1) المروية في ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل.

130

..........

____________

ابن محمد(ع) أمسح رأسي ببلل يدي؟ قال: خذ لرأسك ماء جديدا (1) و لكن هذه الطائفة بما أنها مخالفة للضرورة عند الشيعة و معارضة للأخبار المتواترة أعني الإخبار البيانية الحاكية عن وضوء النبي(ص) و الوصي(ع) الدالة على وجوب كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء و لا أقل من استحباب كون المسح بتلك البلة أو جوازه بحيث لم يوجد قائل بمضمون تلك الطائفة حتى ابن الجنيد (قده) إذ لم ينقل منه وجوب كون المسح بالماء الجديد بل انما ينسب اليه جواز ذلك فحسب، فلا مناص من حملها على التقية هذا.

و قد يشكل الحمل على التقية في صحيحة معمر بن خلاد، لأجل اشتمالها على الأمر بمسح الرجلين على ما هو الدارج عند الشيعة الإمامية، و العامة يرون وجوب غسلهما و معه كيف يمكن حملها على التقية لأنها مخالفة للعامة وقتئذ. و الجواب عن ذلك بأحد وجوه:

«الأول»: أن المسح فيها محمول على الغسل فإن العامة يرون صحة إطلاق المسح على الغسل:

«الثاني»: ان المسح محمول على الموارد التي يجوز فيها المسح عند العامة كالمسح على الخفين لمن في رجله خف و لا يريد أن ينزعه للتوضؤ.

«الثالث»: أن العامة بأجمعهم لم يفتوا بوجوب الغسل في الرجلين بل الكثير منهم [2] ذهبوا إلى التخيير بين المسح و الغسل فيهما نعم أئمتهم

____________

[2] كالحسن البصري، و محمد بن جرير الطبري و أبي علي الجبائي و غيرهم حيث ذهبوا إلى التخيير بين المسح و الغسل، و أهل الظاهر ذهبوا إلى الجمع بينهما راجع عمدة القارئ ج 1 ص 657 و في تفسير الطبري ج 10 ص 59 الصواب عندنا أن اللّٰه تعالى أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء

____________

(1) المروية في ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل.

131

..........

____________

قائلون بتعين الغسل (1) ما عدا الشافعي (2) و أما سائر علمائهم الذين قد عاصروا الأئمة(ع) أو كانوا بعدهم فكثير منهم قائلون بالتخيير إذا لا تكون الرواية مخالفة للعامة فلا مانع من حملها على التقية و لا سيما في الخبر الأخير لأنه في الحمل على التقية أقرب من غيره و ذلك لأن جملة من رواته عامي المذهب كما هو ظاهر.

و كيف كان فهذه الطائفة ساقطة عن قابلية الاستدلال بها على ما ذهب إليه ابن الجنيد (قده).

و «أما الطائفة الثالثة»: فهي الأخبار الواردة فيمن نسي المسح و تذكره في أثناء الصلاة و هي روايات ثلاث اثنتان منها مطلقتان و إحداهما مصرحة بجواز المسح بالماء الجديد كما يجوز بالبلة الباقية من ماء الوضوء.

أما المطلقتان فهما صحيحة منصور قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) فيمن نسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلاة قال: ينصرف و يمسح رأسه و رجليه (3) و صحيحة أبي بصير عن أبى عبد اللّٰه(ع) قال:

سألته عن رجل توضأ و نسي أن يمسح رأسه حتى قام في صلاته

____________

كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم، و إذا فعل ذلك المتوضئ فهو ماسح غاسل، لأن غسلهما إمرار اليد عليهما أو إصابتهما بالماء و مسحهما إمرار اليد أو ما قام مقامها عليهما.

____________

(1) كما في عمدة القارئ ج 1 ص 657 و بداية المجتهد 1 ص 13 و في المغني ج 1 ص 132 غسل الرجلين واجب في قول أكثر أهل العلم 5

(2) ففي اختلاف الحديث على هامش الام ج 7 ص 60 و أحكام القرآن ج 1 ص 50 و هما للشافعي: غسل الرجلين كمال و المسح رخصة و كمال أيهما شاء فعل.

(3) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

132

..........

____________

قال: ينصرف و يمسح رأسه ثم يعيد (1) و نظيرهما صحيحة أبي الصباح قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة قال فلينصرف فليمسح على رأسه و ليعد الصلاة (2) و هما كما ترى مطلقتان لدلالتهما على الأمر بمسح الرأس من غير تقييده بأن يكون بالبلة الباقية من ماء الوضوء فتشملان المسح بالماء الجديد.

اللهم إلا أن يدعى انصراف المطلق إلى المسح بالماء الجديد لأنه الغالب في مفروض الروايتين لغلبة الجفاف و ذهاب البلة وقتئذ.

و أما المصرحة بالجواز فهي ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّٰه(ع) في رجل نسي أن يمسح على رأسه فذكر و هو في الصلاة فقال: ان كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه و على رجليه و استقبل الصلاة و إن شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته ان كانت مبتلة و ليمسح على رأسه و إن كان أمامه ماء فليتناوله منه فليمسح به رأسه (3).

و مما يدل على ما سلكه ابن الجنيد (قده) إطلاق الكتاب و السنة لأن اللّٰه سبحانه قد أمر بمسح الرأس في قوله عز من قائل وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ (4) و لم يقيد ذلك بأن يكون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء كما أن الأخبار الآمرة بالمسح مطلقة و غير مقيدة بأن يكون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء و هذه وجوه ثلاثة للاستدلال بها على ما سلكه ابن الجنيد (قده)

____________

(1) المروية في ب 3 من أبواب الوضوء من الوسائل ثم أن التعبير بالصحيحة في ما رواه أبو الصباح مبني على أن يكون المراد بمحمد بن الفضيل الواقع في سندها هو محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة فإنه كثيرا ما يعبر عنه بمحمد بن الفضيل بل هو الظاهر منه فيما إذا كان الراوي عنه هو الحسين بن سعيد لغلبة روايته عنه فليلاحظ.

(2) المروية في ب 3 من أبواب الوضوء من الوسائل ثم أن التعبير بالصحيحة في ما رواه أبو الصباح مبني على أن يكون المراد بمحمد بن الفضيل الواقع في سندها هو محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة فإنه كثيرا ما يعبر عنه بمحمد بن الفضيل بل هو الظاهر منه فيما إذا كان الراوي عنه هو الحسين بن سعيد لغلبة روايته عنه فليلاحظ.

(3) المروية في ب 42 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(4) المائدة: 5: 6.

133

..........

____________

و شيء منها غير صالح للاستدلال به كما لا يخفى.

أما دعوى إطلاق الكتاب و السنة فلان الأمر و ان كان كذلك الا أن هناك روايات واضحة بحسب الدلالة و السند قد دلتنا على لزوم كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء و بها نرفع اليد عن تلك المطلقات على ما هو قانون حمل المطلق على المقيد في غير المقام.

«منها»: صحيحة زرارة المتقدمة المشتملة على قوله(ع) تمسح ببلة يمناك ناصيتك (1) و «منها»: غيرها من النصوص فليراجع.

و أما الطائفة الثانية: أعني الأخبار الواردة فيمن نسي المسح و تذكرة في أثناء الصلاة أو غيره، فلأن المطلقتين منها لا بد من تقييدهما بما ورد في في خصوص هذه المسألة من لزوم كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء كموثقة [2] زرارة عن أبي عبد اللّٰه(ع) في الرجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلاة قال: إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه و رجليه فليفعل ذلك و ليصل (3) فان مفهومها أنه إذا لم يكن في لحيته بلل يكفي لمسح رأسه و رجليه لم يجز له الاستمرار في الصلاة حتى يتوضأ وضوء ثانيا.

و أما المصرحة بجواز المسح بالماء الجديد كما يجوز بالبلة الباقية فيرد الاستدلال بها أنها وردت في مورد لا يجب على المكلف أن يتوضأ فيه فان موردها الشك في الوضوء بعد الفراغ و بعد الدخول في الصلاة و قد دل النص

____________

[2] عدها موثقة يبتني على القول بوثاقة القاسم بن عروة الواقع في سندها أو بعد خبره صحيحا نظرا إلى تصحيح العلامة (قده) خبرا هو في طريقه و لكن الأول لم يثبت و الثاني غير مفيد.

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

134

و يجب أن يكون على الربع المقدم من الرأس (1) فلا يجزي غيره و الأولى

____________

الصريح على عدم وجوب الوضوء وقتئذ، لأنه مورد قاعدة الفراغ.

و مع فرض عدم كون الشاك مكلفا بالوضوء فأي مانع من الالتزام باستحباب المسح بكل من البلة الباقية و الماء الجديد و لكنه غير ما نحن بصدده من جواز المسح بالماء الجديد في مورد يجب على المكلف الوضوء أعني كفاية المسح بالماء الجديد في مقام امتثال الأمر بالوضوء الواجب، فالمتحصل أن ما ذهب إليه ابن الجنيد (قده) من جواز المسح بالماء الجديد مما لم يقم عليه دليل فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من اعتبار كون المسح ببلة ماء الوضوء.

محل المسح في الرأس:

(1) مقتضى إطلاق الآية المباركة و الأخبار الواردة في وجوب المسح على الرأس عدم الفرق في ذلك بين مقدم الرأس و مؤخره أو يساره و يمينه إلا أن الأخبار المتضافرة دلتنا على عدم جواز التمسح بغير المقدم من الجهات.

«منها»: صحيحة محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد اللّٰه(ع) مسح الرأس على مقدمة (1) و «منها» غير ذلك من الروايات و بذلك يتعين أن يكون المسح على مقدم الرأس. بل هو من ضروريات مذهب الشيعة و لا خلاف فيه بين أصحابنا «قدهم» و لكن ورد في صحيحتين للحسين بن أبي العلاء ما يدل على خلاف ذلك.

ففي «إحداهما»: قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن المسح على الرأس؟ فقال: كأني أنظر إلى عكنة في قفا أبي يمر عليها يده و سألته

____________

(1) المروية في ب 22 من أبواب الوضوء من الوسائل.

135

..........

____________

عن الوضوء بمسح الرأس مقدمة أو مؤخره فقال: كأني أنظر إلى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها (1).

و في «ثانيتهما»: قال: قال أبو عبد اللّٰه امسح على مقدمه و مؤخره (2).

و قد توهم دلالتهما على جواز المسح بمؤخر الرأس أيضا.

و لكنهما مخالفتان لما ثبت بالضرورة من المذهب و لم يذهب أحد من أصحابنا إلى جواز ذلك، كما أنهما تنافيان الأخبار الدالة على لزوم المسح بمقدمه، إذا لا مناص من طرحهما أو تأويلهما و حملهما على التقية بل الصحيح أن الروايتين لا دلالة لهما على جواز المسح بمؤخر الرأس و إنا ظاهرهما وجوب المسح على تمام الرأس من مقدمه و مؤخره كما هو مذهب المخالفين، حيث أن كلمة «واو» في إحدى الروايتين لم يثبت كونها بمعنى «أو» بل ظاهرها إرادة الجمع، كما أن قوله(ع) يمسح عليها لا يدل على أن المسح أمر جائز في كل من مقدم الرأس و مؤخره. بل مقتضاه لزوم إمرار اليد على المؤخر أيضا كالمقدم.

و أما أن إمرار اليد على المؤخر كاف في صحة الوضوء و لا يحتاج معه إلى إمرارها على المقدم فلا يكاد يستفاد منها بوجه و عليه لا مناص من حملهما على التقية لموافقتهما للعامة و مخالفتهما لما ثبت بالضرورة من مذهب الشيعة، و لعل قوله(ع) كأني أنظر إلى آخره إشارة إلى ذلك، إذ لو كان المسح على المؤخر واجبا أو جائزا لصرح به في مقام الجواب.

____________

(1) المروية في ب 22 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 22 من أبواب الوضوء من الوسائل.

136

و الأحوط الناصية (1) و هي ما بين البياضين من الجانبين فوق الجبهة.

الناصية لا خصوصية لها:

____________

(1) أشرنا إلى أن الأصحاب «قدهم» قد تسالموا على وجوب كون المسح على الربع المقدم من الرأس و عدم كفاية المسح على سائر الجهات من المؤخر أو اليمين أو اليسار إلا أنهم قد اختلفوا- بعد اتفاقهم هذا- في ان المسح هل يتعين ان يكون على خصوص الناصية- و هي عبارة عما بين النزعتين- أو يجوز بغيرها من أجزاء الربع المقدم أيضا؟

و قد مال صاحب الجواهر (قده) في أول كلامه الى تعين خصوص الناصية و ذلك لما ورد في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله(ع) و تمسح ببلة يمناك ناصيتك (1) لأنها كما تقدم و إن كانت جملة خبرية الا انها مستعملة في مقام الإنشاء و هي جملة مستقلة و غير معطوفة على فاعل يجزيك إذا تدلنا تلك الجملة على تعين المسح على خصوص الناصية.

و لما ورد في رواية عبد اللّٰه بن الحسين عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه(ع) من قوله: لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرجال، إنما المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها تضع الخمار عنها، و إذا كان الظهر و العصر و المغرب و العشاء تمسح بناصيتها (2) و هما مقيدتان للاخبار المطلقة الدالة على وجوب كون المسح بمقدم الرأس، الا انه (قده) عدل عن ذلك في آخر كلامه و جوز المسح بكل جزء من أجزاء الربع المقدم من الرأس و جعل المسح على خصوص الناصية أحوط و اولى و أضاف أخيرا- ان المسألة لا تخلو

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل.

137

..........

____________

عن إشكال هذا و في المسألة احتمالات.

احتمالات المسألة:

«الأول»: أن يقال بتعين خصوص الناصية تقديما للروايتين المتقدمتين على الأخبار المطلقة من باب حمل المطلق على المقيد و ذلك بناء على أن الطائفتين متنافيتان بحسب الابتداء، لأن الناصية و مقدم الرأس أمران أحدهما غير الآخر فلا بد أن تجعل الروايتان مقيدتين للاخبار المطلقة كما هو الحال في غير المقام.

«الثاني»: أن يقال بجواز المسح على مطلق الربع المقدم من الرأس و بجعل المسح على خصوص الناصية أفضل الأفراد هذا. و لا يخفى أنه إذا بنينا على تعارض الطائفتين و كون الناصية و مقدم الرأس أمرين متغايرين يتعين الاحتمال الأول لا محالة و ذلك لما حققناه في محله من أن الجمع بين المطلق و المقيد بحمل الثاني على أفضل الأفراد خلاف القاعدة و ما هو المتفاهم العرفي من الدليلين فإن القاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد كما عرفت.

«الثالث»: أن يحمل مقدم الرأس على الناصية و يقال: ان الناصية و مقدم الرأس عبارتان عن أمر واحد و ليسا بأمرين مختلفين إذا فلا تعارض بين الطائفتين، و ذلك لأن الناصية كما ذكره صاحب القاموس من أحد معاني المقدمة، و عليه يكون مقدم الرأس مجملا لم يعلم المراد منه و هل أريد به ما يقع في مقابل المؤخر أو أريد منه خصوص الناصية، و لكن الناصية مبينة فيحمل المجمل على المبين.

«الرابع»: عكس الثالث و هو حمل الناصية على مقدم الرأس بأن يقال ان الناصية أمر مجمل فيحتمل أن يراد بها المقدم كما يحتمل إرادة

138

..........

____________

خصوص ما بين «النزعتين» فنحمل المجمل على المبين و يقال أن المراد بالناصية مقدم الرأس هذا.

و لا يخفى أن الأولى- إذا بنينا على عدم التعارض بين الطائفتين- هو الاحتمال الرابع بل هو المتعين على كل حال و ذلك لأن مقدم الرأس مفهوم مبين لا إجمال فيه، إذ المقدم من كل شيء إنما هو ما يقابل سائر الجهات من المؤخر و الأيمن و الأيسر، و الناصية مجملة لم يظهر المراد بها فنحملها على مقدم الرأس و أما ما تقدم عن القاموس من أن الناصية من معاني المقدمة:

ففيه أولا: أن ما ذكره صاحب القاموس خارج عما هو محل الكلام لأنه إنما يفسر مطلق المقدم و المقدمة،- و لم يفسر المتقدم المضاف إلى الرأس- بالناصية.

و «ثانيا»: أن من المحتمل- قويا- أن يكون مراد صاحب القاموس من ذلك أن مجموع الجبهة و الناصية من أحد معاني المقدمة، لا الناصية فحسب لأنهما من الإنسان بمنزلة مقدمة الجيش للعسكر و يشهد على ذلك ما ذكره في محكي عبارته حيث قال: مقدمة الجيش متقدموه، و من الإبل أول ما ينتج و يلقح، و من كل شيء أوله و الناصية و الجبهة انتهى.

و ظاهر كلمة «واو» هو الجمع، و لم يظهر أنه أراد منها «أو» و كيف كان فلم يثبت أن مقدم الرأس هو الناصية و حيث أن المقدم مفهوم مبين لدى العرف و الناصية مجملة فلا مناص من حملها على المبين، و الحكم بجواز المسح على مطلق الربع المقدم من الرأس هذا.

و هناك احتمال خامس متحد بحسب النتيجة مع الاحتمال الرابع و هو أن الحكم بإجمال كل من الناصية و مقدم الرأس و سقوط كل واحدة من الطائفتين عن الاعتبار و معه يحكم بجواز المسح على مطلق الربع المقدم من

139

و يكفي المسمى و لو بقدر عرض إصبع واحدة (1) أو أقل.

____________

الرأس و كل ذلك لما عرفت من أن مقتضى إطلاق الآية المباركة و الاخبار جواز المسح على كل جزء من أجزاء الرأس من المقدم و المؤخر و اليمين و اليسار، إلا أنا علمنا خارجا بمقتضى المخصص المنفصل عدم جواز المسح بالربع المؤخر و لا الأيسر و لا الأيمن من الرأس و انحصر ما يجوز مسحه بخصوص الربع المتقدم منه.

و بما أن المخصص أعني ما دل على انحصار محل المسح بالربع المقدم مجمل من حيث السعة و الضيق إذ لم يظهر أن المراد منه خصوص الناصية أو مطلق الربع المقدم و هو من المخصص المنفصل فلا جرم سقط عن الاعتبار من هذه الجهة فلا يمنع عن الرجوع إلى مقتضى العموم أو الإطلاق و هو يقتضي جواز المسح بكل جزء من أجزاء مقدم الرأس سواء أ كان هو خصوص الناصية أو المقدار الزائد عنها، لأنه لم يثبت دليل مخصص بالإضافة إلى المقدار الزائد عن الناصية من مقدم الرأس هذا و مع ذلك كله المسح على خصوص الناصية أحوط و أولى كما ذكره الماتن (قده) لأنها المقدار المتيقن مما يجوز المسح عليه من مقدم الرأس.

كفاية المسمى في المسح:

(1) المعروف بين الأصحاب «قدهم» أن المسح الواجب في الوضوء إنما هو أقل مقدار يتحقق به المسح عرفا أعني أول مراتب وجوده بل المسألة إجماعية و عن بعضهم أن نقل الإجماع على ذلك مستفيض و يدل عليه إطلاق الكتاب المجيد حيث أمر اللّٰه سبحانه بمسح الرأس بقوله عز من

140

..........

____________

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ (1).

و قد دلتنا الصحيحة الواردة في تفسيره أن المراد مسح بعض الرءوس لا جميعها، فإذا علمنا بالمراد من الآية المباركة بالصحيحة المفسرة لها كما يأتي نقلها صح لنا ألتمسك بإطلاق أمره سبحانه لأنه أمر بمسح الرأس و هذا يتحقق بأقل ما يتحقق به المسح عرفا و إن كان أقل من عرض إصبع واحدة.

و أما الصحيحة المذكورة الواردة في تفسير الآية المباركة فهي التي رواها الصدوق (قده) بإسناده عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر(ع) ألا تخبرني من أين علمت و قلت: أن المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟

فضحك فقال: يا زرارة قاله رسول اللّٰه(ص) و نزل به الكتاب من اللّٰه عز و جل، لأن اللّٰه عز و جل قال فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال: و أيديكم إلى المرافق، فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا انه ينبغي لهما أن يغسلا الى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: و امسحوا برءوسكم فعرفنا حين قال: برءوسكم أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: و أرجلكم إلى الكعبين فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما، ثم فسر ذلك رسول اللّٰه(ص) للناس فضيعوه الحديث (2).

و لكنها غير صالحة للاستدلال بها- في نفسها و استقلالها- على المدعى بدعوى أنها مطلقة و السر فيه: أن الصحيحة إنما سقيت لبيان عدم وجوب غسل الرأس بتمامه و أن الواجب الذي صنعه رسول اللّٰه(ص) إنما هو مسح بعض الرأس في مقابل العامة القائلين بوجوب غسل الرأس بتمامه كما يشير إليه قوله(ع) فضيعوه. إذا لا إطلاق للصحيحة من

____________

(1) المائدة: 5: 6.

(2) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل.

141

..........

____________

حيث المقدار الذي لا بد من مسحه فلو كنا نحن و الصحيحة لاحتملنا أن يكون الواجب مسح تمام الربع المقدم من الرأس أو تمام المؤخر- مثلا- فان مسح ذلك بتمامه أو ببعضه مما لا يمكن استفادته من الصحيحة. نعم إطلاق الآية المباركة في نفسها تام و لا مانع من الاستدلال به على التقريب المتقدم فلاحظ.

بقي الكلام في وجه استفادة التبعيض من الآية المباركة و أنه من جهة استعمال كلمة الباء في التبعيض أو لأجل تضمينها معنى «من» أو لأجل استعمالها في التبعيض مجازا أو لغير ذلك من الوجوه. و لكن تحقيق ذلك مما لا يترتب عليه ثمرة عملية، لأن ما يهمنا إنما هو معرفة الأحكام الشرعية.

و الصحيحة كما تقدم صريحة في الحكم و أن الواجب إنما هو مسح بعض الرأس. و أما أنه من أية جهة؟ فلا ثمرة في تحقيقه.

نعم أنكر سيبويه مجيء «الباء» بمعنى التبعيض و عليه استند العلامة (قده) في إنكاره ذلك كما حكي. و لكنه لا ينافي الصحيحة المتقدمة لأن دلالتها على وجوب مسح البعض يمكن أن تكون مستندة إلى مجيء «الباء» بمعنى التبعيض كما صرح النحاة بجوازه- عدي سيبويه- أو مستندة إلى التضمين، أو المجاز و كيف كان لا إشكال في دلالة الصحيحة على ذلك.

و يمكن أن يقال ان نظره(ع) في قوله: لمكان الباء. إلى أن استفادة التبعيض من الآية المباركة إنما هي من جهة الإتيان ب«الباء» و تغيير أسلوب الكلام لا أنها من جهة استعمال «الباء» في التبعيض.

إذا فالباء يدلنا على التبعيض لا أنها مستعملة فيه.

و بيان ذلك: أن المسح و الغسل مما يتعدى الى المفعول بنفسه من دون حاجة الى الاستعانة ب«الباء» فيصح أن يقال فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ- كما في الآية المباركة- وَ امْسَحُوا رءوسكم وَ أَرْجُلَكُمْ من دون الإتيان

142

..........

____________

«بالباء» فالإتيان بها- مع عدم الحاجة الى إتيانها- و تغيير أسلوب الكلام يدلنا على أن المراد في الأمر بمسح الرأس انما هو مسح البعض بخلاف الأمر بالغسل في الوجه و اليدين فان المراد منه غسل الجميع دون البعض هذا.

و يحتمل- قويا- أن يكون الوجه في استفادة البعض من الآية المباركة أمرا آخر وراء ذلك كله و ان احتاج الى العناية في الكلام.

و تقريب ذلك أن يقال ان الماسح- حقيقة- و ان كان هو اليد و الممسوح هو الرأس، الا أن الإتيان بكلمة «الباء» و العناية بذكرها في الكلام يدلنا على ان المراد بالعكس، و ان الرأس جعل آلة و سببا لمسح اليد بمعنى ان الماسح هو الرأس و الممسوح هي اليد نظير قولنا: مسحت يدي بالحائط. فإن معناه ان الحائط قد صار سببا لمسح ما بيدي من الرطوبة أو الدهن أو غيرهما، و هذا و ان كان على خلاف الواقع- في المقام- الا ان مقتضى العناية الواقعة في الكلام هو ما ذكرناه فيقال: ان الرأس صار سببا لمسح ما بيد المتوضئ من الرطوبة، فإذا صار الماسح هو الرأس يتعين ان يكون المسح ببعضه لا بتمامه كما هو الحال في المثال المتقدم، فإن صحة قولك: مسحت يدي بالحائط غير متوقفة على مسح جميع الحائط باليد بل يصح ذلك بمسح اليد بشيء من الحائط. إذا فالمسح بالرأس بنفسه يقتضي المسح بالبعض لا بتمامه هذا تمام الكلام في هذه الصحيحة.

و مما يدلنا على ما سلكه المشهور في المسألة صحيحة الأخوين: أعني زرارة و بكيرا، أنهما سألا أبا جعفر(ع) عن وضوء رسول اللّٰه(ص) الى ان قال: فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه .. (1).

و صحيحتهما الأخرى أيضا عن أبي جعفر(ع) انه قال في المسح:

تمسح على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك، و إذا مسحت بشيء من

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

143

..........

____________

رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك (1) فإن مقتضى إطلاقهما صحة الاجتزاء بأقل ما يتحقق به المسح عرفا، و عليه فلا دليل على أن يكون المسح بمقدار عرض إصبع واحدة كما يحكي عن جماعة.

و قد تصدى بعض الأصحاب لتأويله بأنهم لم يريدوا بذلك التحديد، و إنما قصدوا به بيان أقل ما يتحقق به المسمى و يرده: أن كلماتهم آبية عن هذا التأويل. فقد حكي عن الشيخ في التهذيب ما مضمونه: انا لو خلينا و أنفسنا لقلنا بجواز مطلق المسح و اكتفينا بمجرد تحقق المسمى إلا أن السنة منعتنا عن ذلك، فان هذا الكلام كالصريح في أن غرضه إنما هو تحديد المسح الواجب بالإصبع الواحدة.

و كيف كان فقد استدلوا على ذلك بمرسلة حماد عن أحدهما(ع) في الرجل يتوضأ و عليه العمامة قال: يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدم رأسه (2).

و بما رواه عن الحسين قال: قلت لأبي عبد اللّٰه(ع) رجل توضأ و هو معتم فنقل عليه نزع العمامة لمكان البرد فقال: ليدخل إصبعه (3) و يحتمل اتحاد الروايتين.

و يدفع الاستدلال بهما- على تقدير اعتبار سندهما- أن إدخال الإصبع الواحدة تحت العمامة للمسح ليس مستندا الى وجوب كون المسح بمقدار الإصبع الواحدة بل من أجل أنه أقل المقدار الميسور لدى المسح. إذ لا يتحقق إلا بإدخال الإصبع الواحدة أو الإصبعين تحت العمامة لا محالة، فالإصبع الواحدة أقل الميسور في المسح فقوله(ع) رفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه لا دلالة له على كونه مستندا إلى وجوب كون المسح بمقدار الإصبع الواحدة.

____________

(1) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل.

144

..........

____________

و بعبارة أخرى لا كلام لنا فيما يتحقق به المسح، و إنما الكلام في المقدار الذي يجب مسحه من الرأس و لا دلالة للروايتين على أنه لا بد أن يكون بمقدار عرض الإصبع الواحدة هذا على أن الإصبع شبه المدورات كما أن الرأس أيضا كذلك و من الظاهر أن مسح باطن الإصبع الذي هو من قبيل المدور على ما يماثله مما يشبه بالمدورات لا يمكن أن يكون بمقدار عرض الإصبع الواحدة كما أشار إليه المحقق الهمداني (قده) في مطاوي كلامه، إذا الرواية لا دلالة لها على لزوم كون المسح بقدر عرض الإصبع الواحدة و أما وجوب كون المسح بمقدار عرض ثلاث أصابع مضمومة كما ربما يحكى القول به عن جماعة منهم الصدوق (قده) في الفقيه فهو أيضا كسابقه مما لا دليل عليه. و ما استدلوا به على ذلك من صحيحة زرارة قال قال أبو جعفر(ع) المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع و لا تلقي عنها خمارها (1) و ما رواه معمر بن عمر بن أبي جعفر(ع) قال: يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع و كذلك الرجل (2).

مما لا يمكن المساعدة عليه، لأن الرواية الثانية مضافا إلى ضعف سندها بمعمر بن عمر إذ لم يوثق في الرجال انما تدل على ان المسح بثلاث أصابع مجزئ في الوضوء. و أما ان ما يجزي عنه اعني ما هو الواجب في الوضوء أي شيء فلا يكاد يستفاد منها ابدا و لعله يجزي عن مسح تمام الربع المقدم من من الرأس أو عن المسح بمقدار عرض إصبع واحدة أو غير ذلك من المحتملات فلا دلالة للرواية على ان ذلك هو المقدار الواجب مسحه بحيث لا يجزي الأقل منه و عليه لا بد من حملها على الاستحباب و كونه أفضل أفراد المسح، و من هنا يظهر الجواب عن الرواية الأولى أيضا لأنها و ان كانت صحيحة بحسب السند، الا انها قاصرة الدلالة على هذا المدعى لأن ظاهرها ان المسح بثلاث أصابع تحت الخمار مجزئ في مقام

____________

(1) المروية في ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل.

145

و الأفضل بل الأحوط ان يكون بمقدار عرض ثلاث أصابع (1) بل

____________

الامتثال و اما انه هو الواجب على نحو لا يجزي الأقل منه فلا يكاد يستفاد منها ابدا و يحتمل ان يكون الاجزاء راجعا ان عدم إلقاء الخمار.

و من ذلك يظهر ضعف التفصيل بين الرجل و المرأة بالحكم بوجوب كون المسح بثلاث أصابع في المرأة دون الرجل لصحيحة زرارة المتقدمة، و ذلك إذ قد عرفت ان الصحيحة لا دلالة لها على ان المسح بثلاث أصابع هو الواجب في الوضوء حتى يكون دليلا على التفصيل بين الرجل و المرأة فيما يعتبر في الوضوء. و بما سردناه يظهران ما ذهب اليه المشهور في المسألة من ان الواجب انما هو مسمى المسح في الوضوء سواء أ كان بقدر عرض الإصبع الواحد أو أقل منه هو الصحيح و السيرة الخارجية أيضا جارية على ذلك فلاحظ.

أفضلية المسح بعرض ثلاث أصابع:

(1) للروايتين المتقدمتين و لا يلزم أن يكون بالأصابع الثلاث بل يكفي المسح بإصبع واحد إذا كان بمقدار عرض الأصابع الثلاث لأن الظاهر من التقدير في جميع الموارد أن المطلوب هو نفس هذا المقدار من دون مدخلية الآلة فيه.

- مثلا- إذا قيل يجب المشي عشرة أمتار فالظاهر منه أن المشي بهذا المقدار هو المطلوب للمولى من دون أن يكون للآلة و السبب مدخلية في ذلك فظاهر الروايتين- مع قطع النظر عما يأتي بيانه أن المقدار الممسوح لا بد أن يكون بمقدار عرض الأصابع الثلاث سواء أ كان بنفس الأصابع الثلاث أم بإصبع واحد بمقدار عرض الأصابع الثلاث.

146

الأولى أن يكون بالثلاث (1) و من طرف الطول أيضا يكفي المسمى (2)

أولوية كون المسح بالثلاث:

____________

(1) و ذلك لأن الظاهر من التقدير في الروايتين و إن كان هو ما ذكرناه من أن الاعتبار بالمقدار دون الآلة و السبب فلا خصوصية للأصابع الثلاث إلا أن هذا فيما إذا لم يقم قرينة على خلافه و القرينة على الخلاف موجودة في المقام و هي أن المسح لا بد و أن يكون بواسطة اليد و لحاظ ذلك يوجب ظهور التقدير في إرادة المسح في المقدار المذكور بنفس الأصابع و اليد.

و حيث انك عرفت حمل الروايتين المتقدمتين على بيان الفضيلة و الاستحباب دون الوجوب فلا جرم كان المسح بنفس الأصابع الثلاث أولى و أفضل.

كفاية المسمى في الطول:

(2) لعين ما قدمناه في كفاية المسمى في العرض من إطلاق الآية المباركة و الروايات لعدم التقييد فيهما بالمقدار الخاص و قد ادعى بعضهم الإجماع على كفاية المسمى في الطول و ذكر أن محل الخلاف إنما هو كفاية المسمى في العرض و بعضهم ادعى الإجماع على عكس ذلك فلاحظ.

147

و إن كان الأفضل أن يكون بطول إصبع (1) و على هذا فلو أراد إدراك الأفضل ينبغي أن يضع ثلاث أصابع على الناصية، و يمسح بمقدار إصبع من الأعلى إلى الأسفل و إن كان لا يحب كونه كذلك فيجزى النكس (2) و ان كان الأحوط خلافه، و لا يجب كونه على البشرة.

أفضلية كون المسح بطول إصبع:

____________

(1) و السر في ذلك أن الروايتين المتقدمتين الدالتين على إجزاء المسح بثلاث أصابع في الرأس كما يحتمل أن يراد بهما إجزاء ذلك المقدار بحسب العرض فقط كذلك يحتمل أن يراد بهما إجزاء المسح بمقدار ثلاث أصابع بحسب كل من الطول و العرض و من البديهي أن مقدار طول الأصابع الثلاث انما هو مقدار طول الإصبع الواحد و هذا ان تم فهو و الا فلا دليل على أفضلية كون المسح بطول إصبع واحد.

إجزاء النكس في مسح الرأس:

(2) نسب إلى المعروف عدم كفاية النكس في مسح الرأس بدعوى أن المقدار المتيقن من المسح المأمور به، في الوضوء هو المسح من الأعلى إلى الأسفل، و النكس مشكوك الجواز و مقتضى قاعدة الاشتغال عدم جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال.

و «يردّه» ان النوبة لا تصل الى الأصل العملي في المسألة حتى يتكلم في ان الأصل الجاري في المقام هل هو الاشتغال أو البراءة على ما قدمناه في بعض الأبحاث السابقة من انه لا مانع من إجراء البراءة عند الشك في اعتبار شيء في الوضوء.

148

..........

____________

و ذلك لأن مقتضى إطلاق الآية المباركة و الروايات عدم الفرق بين المسح من الأعلى إلى الأسفل و النكس و لم يقيد المسح فيهما بأن يكون من الأعلى إلى الأسفل بل بعض الأخبار كالصريح في عدم اعتبار كون المسح من الأعلى إلى الأسفل و ذلك كالروايتين المتقدمتين (1) الواردتين فيمن يتوضأ و عليه العمامة، فإن الأسهل لمن أدخل إصبعه تحت العمامة لأجل المسح انما هو ان يمسح رأسه نكسا، إذ المسح من الأعلى إلى الأسفل يحتاج إلى رفع العمامة زائدا على مقدار رفعها عند المسح نكسا و هو أصعب.

و دعوى: أن المتعارف مسح الرأس من الأعلى إلى الأسفل و هو يوجب انصراف المطلقات إلى الفرد المتعارف مندفعة صغرى و كبرى:

أما بحسب الصغرى فلأن المتعارف في غسل الوجه و اليدين و لو لغير داعي الوضوء و ان كان هو الغسل من الأعلى إلى الأسفل كما ذكر الا ان الأمر في المسح ليس كذلك قطعا إذ ليس المتعارف فيه هو المسح من الأعلى إلى الأسفل فحسب بل كل من ذلك و النكس متعارفان.

و أما بحسب الكبرى فلأجل أن تعارف أحد الفردين و غلبته غير موجبين لانصراف المطلق إلى الفرد الغالب، فلو كان هناك انصراف فلا إشكال في انه انصراف بدوي يزول بأدنى تأمل و التفات، فالمطلق يشمل الفرد المتعارف و غيره على حد سواء هذا.

و أضف إلى ذلك صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال:

لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا (2) لأنها كالصريحة في جواز المسح نكسا بلا فرق في ذلك بين مسح الرأس و غيره.

و لا يمنع عن الاستدلال بهذه الصحيحة روايته الأخرى بعين السند

____________

(1) في ص 143

(2) المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل

149

..........

____________

المذكور في الصحيحة عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: لا بأس بمسح القدمين مقبلا و مدبرا (1) و ذلك لأن وحدة السند لا يقتضي الحكم بوحدة المروي أبدا لجواز أن يكون حماد قد سمع عن أبي عبد اللّٰه (ع) روايتين:

«إحداهما»: عدم البأس في مسح الوضوء- مطلقا- مقبلا و مدبرا، و «ثانيتهما»: عدم البأس في مسح القدمين مقبلا و مدبرا.

و لا نلتزم بمفهوم اللقب ليتوهم ان الحكم بكفاية المسح مقبلا و مدبرا في مسح القدمين دليل على عدم كفايتهما في مسح الرأس حتى يتحقق التنافي بين الروايتين و عليه فهما روايتان لا بد من العمل بكلتيهما في موردهما هذا كله بناء على ان الراوي في كلتا الروايتين هو حماد بن عثمان على ما هو الموجود في الطبعة الأخيرة من الوسائل.

و أما بناء على أن الراوي في الرواية الأولى هو حماد بن عيسى كما هو الموجود في غير الطبعة الأخيرة من الوسائل و به صرح المحقق الهمداني (قده) بل ربما يحكي عن بعض نسخ التهذيب أيضا فالأمر أسهل و أوضح لأنهما وقتئذ روايتان «إحداهما»: عن حماد بن عثمان و «ثانيتهما»: عن حماد ابن عيسى، و لا نقول بمفهوم اللقب كي يتحقق المعارضة بينهما إذا لا بد من العمل بكل منهما في موردهما.

و نظير رواية حماد بن عيسى غيرها مما ورد في جواز النكس في مسح الرجلين، لوضوح انها غير منافية لصحيحة حماد بن عثمان الدالة على جواز النكس في مسح الوضوء، و على الجملة سواء صحت الطبعة القديمة من الوسائل. و لم يقع خطاء من النساخ أو لم تصح بل كانت الطبعة الحديثة صحيحة و الراوي في كلتا الروايتين كان هو حماد بن عثمان و كان الخطأ و الاشتباه من النساخ لا بد من الأخذ بكلتا الروايتين و الاستدلال بالصحيحة

____________

(1) المروية في 20 ب من أبواب الوضوء من الوسائل.

150

فيجوز أن يمسح على الشعر (1) النابت في المقدم بشرط أن لا يتجاوز بمدة عن حد الرأس فلا يجوز المسح على المقدار المتجاوز و ان كان مجتمعا في

____________

قد وقع في محله. هذا كله في أصل جواز النكس في المسح.

و بعد ذلك يقع الكلام فيما ذكره بعضهم من أن المسح من الأعلى إلى الأسفل أفضل. و هذا بظاهره مما لا دليل عليه. اللهم الا ان يراد كونه أفضل بحسب العنوان الثانوي أعني الاحتياط، و لا سيما إذا قلنا ان الاحتياط مستحب أو أحرزنا سيرة الأئمة (عليهم السلام) كما إذا علمنا انهم كانوا مداومين في وضوءاتهم بالمسح من الأعلى إلى الأسفل فإن التأسي بالأئمة (عليهم السلام) أمر راجح و لا إشكال في أنه أفضل من غيره.

إلا أن الكلام في إحراز ذلك و ثبوت سيرتهم (عليهم السلام) على ذلك و دون إثباتها خرط القتاد.

و أما ما عن بعضهم من الحكم بكراهة النكس في المسح فإن أراد بذلك الكراهة في العبادات بمعنى أقلية الثواب فقد عرفت صحته لأن المسح من الأعلى إلى الأسفل أفضل و أكثر ثوابا و أرجح من النكس و لو بالعنوان الثانوي و ان أراد بالكراهة المرجوحية في نفسه فهو مما لم يقم دليل عليه.

جواز المسح على الشعر:

(1) المسألة متسالم عليها بين الأصحاب «قدهم» بل هي من المسائل الضرورية و الوجه فيه ان الرأس و مقدمه و ان كان كالوجه و اليدين و غيرهما من أسامي الأعضاء اسما لنفس العضو و البشرة، و الشعر خارج عنهما لا محالة لأنه قد ينبت عليها الشعر، و قد لا ينبت، فلو كنا نحن و الدليل الدال

151

..........

____________

على وجوب مسح الرأس أو مقدمة لحكمنا بلزوم مسح البشرة- نفسها- و عدم كفاية المسح على الشعر النابت عليها:

و لكن القرينة الخارجية دلتنا على جواز مسح الشعر و انه كمسح نفس البشرة، و القرينة هي ان الغالب الأكثر وجود الشعر على الرأس و مقدمه بحيث يقع المسح على الشعر دائما إلا في الأصلع و من حلق رأسه قريبا فوقوع المسح على الشعر في الأغلب قرينة على إرادة الأعم من مسح الرأس و لو لا هذه القرينة لما ساغ الاكتفاء بمسح الشعر أبدا كما لا يكتفى بغسله في الوجه و اليدين إلا بدلالة دليل خارجي.

و أما مرفوعة محمد بن يحيى عن أبي عبد اللّٰه (ع) في الذي يخضب رأسه بالحناء، ثم يبدو له في الوضوء قال: لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه بالماء (1).

فهي مضافا الى ضعف سندها بالرفع قاصرة الدلالة على لزوم مسح البشرة و عدم كفاية المسح على شعرها. و ذلك لان البشرة في الرواية إنما ذكرت في مقابل الجسم الخارجي أعني الحناء لا في قبال الشعر النابت عليها فالمراد بالبشرة أعم من البشرة و شعرها- قبالا للجسم الخارجي- هذا كله في الشعر النابت على مقدم الرأس الذي لا يخرج بمده عن حد الرأس.

و أما الشعور النابتة على حوالي المقدم المتدلية اليه بطبعها و في نفسها الخارجة بمدها عن حد الرأس و المسح كما إذا كانت مجعدة فربما يستشكل- في الحكم بعدم الاجتزاء بمسحها- بأنها معدودة من توابع المقدم و الرأس فاطلاقات المسح على المقدم تعمها لا محالة، لما عرفت من أن المراد منها ليس هو خصوص البشرة.

و لكن الصحيح عدم جواز الاقتصار بمسحها لما عرفت من أن

____________

(1) المروية في ب 37 من أبواب الوضوء من الوسائل

152

الناصية. و كذا لا يجوز على النابت في غير المقدم (1) و ان كان واقعا على المقدم، و لا يجوز المسح على الحائل (2) من العمامة أو القناع أو غيرهما،

____________

مقتضى الأدلة الآمرة بمسح الرأس و المقدم انما هو وجوب مسح البشرة في نفسها- و الشعر خارج عن العضو كما مر، الا ان القرينة الخارجية دلتنا على كفاية المسح على الشعر النابت على المقدم و الرأس و لا قرينة على جواز الاجتزاء بمسح الشعر النابت على أطرافه إذا تدلى إليه بنفسه و نزل على المقدم، فما ربما يظهر من المحقق الهمداني (قده) من الميل الى الحكم بالاجتزاء فمما لا يمكن المساعدة عليه.

و أما الشعور النابتة على أطرافه المتدلية إلى المقدم بواسطة العلاج كالخرقة و اليد و نحوهما فلا كلام في عدم كفاية المسح عليها لعدم كونها معدودة من شعور المقدم و لا من توابعه عرفا.

(1) ظهر الوجه في ذلك مما بيناه في التعليقة المتقدمة فلاحظ.

عدم جواز المسح على الحائل:

(2) للأدلّة الدالة على وجوب مسح المقدم و الرأس، لأنها تدلنا بأنفسها على عدم كفاية المسح على الحائل من العمامة و القناع و نحوهما، إذ لا يطلق على الحائل عنوان المقدم و الرأس فلا يكون المسح عليهما مسحا على الرأس أو المقدم مضافا إلى الأخبار الآمرة بوجوب رفع العمامة أو إدخال الإصبع تحتها. و المسح على الرأس (1).

خلافا لما ذهب إليه جماعة من العامة من جواز المسح على الحائل

____________

(1) راجع ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل