التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الغروي المزيد...
499 /
153

..........

____________

أما مطلقا أو فيما إذا كان رقيقا دون غير الرقيق على ما نقل عن أبي حنيفة (1) هذا.

و قد ورد في روايتين جواز المسح على الحناء:

«إحداهما»: صحيحة عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّٰه (ع) عن الرجل بخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال: يمسح فوق الحناء (2).

و «ثانيهما»: صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (ع) في الرجل يحلق رأسه ثم يطليه بالحناء ثم يتوضأ للصلاة فقال: لا بأس بأن يمسح رأسه و الحناء عليه (3).

و ربما يجمع بينهما و بين الأخبار المتقدمة بحملهما على ارادة لون الحناء دون نفسه و يدفعه: ان ذلك خلاف الظاهر بل خلاف الصريح في موارد من الصحيحتين.

«منها»: قوله: يمسح فوق الحناء لأنه كالصريح في أن المراد به هو الجسم الخارجي الذي يتصور له فوق و تحت و ظاهر أن اللون عرض و ليس للاعراض تحت و لا فوق.

و «منها»: قوله: ثم يطليه الحناء. و ظهوره بل صراحته في إرادة الجسم الخارجي غير قابل للإنكار، فان الطلي بماء الحناء أمر غير معهود.

و «منها». قوله: و الحناء عليه، فإنه أيضا ظاهر في الجسم الخارجي فهذا الجمع غير صحيح.

و الصحيح ان تحمل الصحيحتان على التقية و ذلك لأن الروايتين و ان

____________

(1) راجع الجواهر ص 304 من الجزء الثاني من الطبعة الحديثة

(2) المروية في ب 37 من أبواب الوضوء من الوسائل

(3) المروية في ب 37 من أبواب الوضوء من الوسائل

154

و ان كان شيئا رقيقا لم يمنع عن وصول الرطوبة إلى البشرة. نعم في حال

____________

وردتا في الحناء الا ان احتمال ارادة خصوصه مقطوع الفساد إذ لم يقل أحد بأن للحناء- بين الأجسام الخارجية- خصوصية تقتضي الحكم بكفاية المسح عليه دون مثل السدر و غيره من الأجسام.

و على ذلك فالقول بجواز المسح على الحناء يستلزم القول بجواز المسح على بقية الأجسام الخارجية فإذا أريد منهما جواز المسح على كل جسم حائل لعارضتهما الأخبار الكثيرة المشهورة التي دلت على وجوب مسح المقدم أو الرأس من دون أن يكون عليهما شيء يمنع عن وقوع المسح على البشرة.

و بما أن تلك الروايات من الروايات المشهورة و الروايتان من الأخبار النادرة فلا مناص من أخذها و ضرب الروايتين على الجدار هذا.

و في الوسائل و الحدائق و كذا صاحب المعالم في المنتقى حمل الروايتين على صورة الاضطرار و التداوي بالحناء و يؤيده عدم تعارف طلى الرأس بالحناء- بعد الحلق- إلا لضرورة التداوي و العلاج به.

و لكن هذا الحمل في طول ما قدمناه لأنه على ما سردناه لم يثبت اعتبار الروايتين حتى نحملهما على ضرورة التداوي و العلاج، إذ قد عرفت أنهما معارضتان مع الأخبار المشهورة المعروفة، و لا مناص من إلغائهما لندرتهما و يجب الأخذ بالمشهورة كما عرفت و مما يؤيد ما ذكرناه مرفوعة محمد بن يحيى المتقدمة، لأنها قد نصت بعدم الجواز حتى يصيب بشرة رأسه بالماء.

155

الاضطرار لا مانع من المسح على المانع (1) كالبرد، أو إذا كان شيئا لا يمكن رفعه.

المسح على الحائل عند الاضطرار:

____________

(1) يأتي الكلام على تفصيل هذه المسألة في أحكام الجبائر ان شاء اللّٰه و حاصل ما نبينه هناك ان مقتضى الأخبار الآمرة بمسح الرأس بل مقتضى الآية المباركة أيضا لزوم كون المسح واقعا على بشرة الرأس- بالمعنى الأعم نفسها و من شعرها-، و مقتضى هذا ان كون المسح واقعا على البشرة من مقومات الوضوء المأمور به و انه لا يتحقق في الخارج الا بذلك، فإذا عجز المكلف من إيقاع المسح على البشرة- بالمعنى المتقدم- سقط عنه التكليف بالوضوء لا محالة و انتهت النوبة في حقه الى التيمم.

و قد خرجنا عن ذلك في الدواء الملصق بالبشرة بما دل على أن المسح على الدواء بمنزلة المسح على البشرة، كما دل الدليل على أن المسح على الحائل كالعمامة و الخف و نحوهما، إذا كان للتقية و الاضطرار أيضا مجزئ في مقام الامتثال و ان المسح عليه كالمسح على نفس البشرة و يأتي في محله ان شاء اللّٰه ان العمل الاضطراري المستند إلى التقية كالاتيان بالمأمور به الواقعي الأولى لقوله (ع) التقية ديني و دين آبائي. و لا دين لمن لا تقية له و لا ايمان لمن لا تقية له (1) و غير ذلك من العمومات.

فمن خاف من أن يترتب على إيقاع المسح على البشرة قتل أو ضرب

____________

(1) راجع ب 24 و 25 من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من الوسائل.

156

..........

____________

أو هتك- لدلالته على تشيعه- فله أن يمسح على الحائل من خف أو عمامة أو نحوهما و انه كالمسح على البشرة في مقام الامتثال:

و هذه العمومات المذكورة و ان لم تخلو عن بعض المناقشات- كما يأتي في محلها- إلا أن الأدلة الخاصة الواردة في إجزاء المأمور به الاضطراري المستند إلى التقية عن المأمور به الواقعي كافية في إثبات المدعى.

و أما إذا كان الاضطرار مستندا الى غير التقية و كان الحائل أمرا آخر غير الدواء فمقتضى الإطلاقات المتقدمة سقوط الأمر بالوضوء عن المكلف- وقتئذ- و وصول النوبة إلى التيمم في حقه، لعدم تمكنه من المسح على البشرة و قد عرفت انه من مقومات الوضوء، الا ان يدعى القطع بعدم الفرق بين الدواء و غيره من أقسام الحائل، أو يقوم دليل بالخصوص على أن المسح على غير البشرة كالمسح على البشرة.

و كلا الأمرين مفقود في المقام، إذ ليس لنا قطع وجداني بعدم الفرق بينهما كما لم يقم أي دليل بالخصوص على كفاية المسح علي غير البشرة في الوضوء و معه تصل النوبة إلى التيمم لا محالة.

و لا يمكن إجراء أحكام الجبائر في المقام، لأن الاجتزاء بالمسح على الجبيرة في القروح و الكسور أيضا على خلاف القاعدة فإن الإطلاقات المتقدمة يقتضي أن يكون الغسل أو المسح على البشرة مقوما للوضوء لأنه غسلتان و مسحتان، و مع عدم التمكن منهما يسقط التكليف بالوضوء و تنتهي النوبة إلى التيمم لا محالة.

و لكن الدليل دلنا على أن المسح على الجبيرة في مواضع القروح و الكسور كالمسح على نفس البشرة و اما في غير هذين الموضعين و غير الدواء و التقية فلم يدلنا على كفاية المسح على الحائل و كونه مجزئا في الوضوء.

157

و يجب ان يكون المسح بباطن الكف (1) و الأحوط أن يكون باليمنى و الأولى أن يكون بالأصابع.

____________

بل مقتضى الآية المباركة و الاخبار ما تقدم من سقوط التكليف بالوضوء و وجوب التيمم على المكلف.

لا بد أن يكون المسح بباطن الكف:

(1) تعرض الماتن (قده) في هذه المسألة لعدة أمور قد اندمج بعضها في بعض.

«فمنها»: انه هل لا بد أن يكون المسح باليد فلا يجزى المسح بغيرها من الآلات و الأسباب و ان كانت بلتها من البلل الموجودة في اليد كما إذا أخذ البلل من اليد بمثل الخرقة أو آلة أخرى و مسح بها رأسه و رجليه أولا؟

قد يقال بالانحصار في اليد و يستدل عليه بعدة روايات منها الأخبار البيانية و إليك بعضها:

«منها»: رواية المعراج و هي صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (في حديث طويل) ان رسول اللّٰه (ص) قال: لما أسري بي إلى السماء أوحى اللّٰه الى يا محمد أدن من صاد إلي ان قال: ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء و رجليك إلى كعبيك .. الحديث (1) و «منها»: صحيحة زرارة قال: حكي لنا أبو جعفر (ع) وضوء رسول اللّٰه .. إلى أن قال ثم مسح بما بقي في يده رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء (2).

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

158

..........

____________

و «منها»: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) يأخذ أحدكم الراحة من الدهن .. إلى أن قال: ثم مسح رأسه و رجليه بما بقي في يديه (1) و في صحيحة الأخوين: ثم مسح رأسه و قدميه الى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماء (2).

و «منها»: غير ذلك من الروايات. فان الظاهر من تلك الروايات ان المسح لا بد من أن يكون بالبلة الباقية في يد المتوضي بوصف أنه مما بقي في اليد.

و عليه أو أخذ البلل من اليد بآلة من الآلات كالخشبة و الخرقة و نحوهما فمسح بها رأسه و رجليه لم يصدق أنه مسحهما بالبلة الباقية في اليد بوصف كونها باقيا في اليد:

و ان شئت قلت ان الأخبار المذكورة كما انها بصدد بيان ما به المسح في الوضوء أعني البلة الباقية في اليد كذلك وردت بصدد بيان الماسح أعني آلة المسح و انه أي شيء. و قد دلت على أنها منحصرة في اليد.

مضافا الى قوله (ع) في صحيحة زرارة المتقدمة: ثم مسح بما بقي في يده رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء فإنه كالصريح في لزوم أن يكون المسح بالبلة بواسطة اليد فلاحظ هذا.

و لا يخفى عدم الإمكان المساعدة على ذلك «و السر فيه»: ان الاخبار الواردة في المقام التي منها الأخبار البيانية الحاكية عن وضوء رسول اللّٰه (ص) قد دلتنا على أن ما به المسح يعتبر أن يكون من البلة الباقية في اليد من ماء الوضوء بحث لو يبست وجب أخذ البلة من اللحية و الحاجبين و لا يجوز أن يكون المسح بالماء الجديد و هي بصدد البيان من هذه الجهة و دلالتها على تعيين ما به المسح في بلة اليد مما لا كلام فيه.

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

159

..........

____________

و انما الكلام في دلالتها على تعيين آلة المسح و بيان أنها منحصرة في خصوص اليد أعني ما دون الزند و عدمها.

و الانصاف عدم دلالتها على ذلك بوجه لأن الروايات انما دلت على لزوم كون المسح ببلة اليد و اما ان الآلة أيضا هي اليد أعني ما دون الزند بحيث لا يسوغ المسح بغيرها كالذراع و نحوه فلا دلالة لها عليه هذا.

و لكن يمكن الاستدلال على تعيين الآلة فيما دون الزند و عدم جواز المسح بالذراع بوجوه:

«الأول»: ان الظاهر من اليد عند إطلاقها- في مقابل الذراع- انما هو ما دون الزند لا ما دون المرفق كما وردت لفظة اليد في الأخبار البيانية في مقابل الذراع و استظهر منها ذلك أعني إرادة ما دون الزند لا ما دون الذراع.

«الثاني»: ان اليد و ان كانت قد تطلق على ما دون الزند و قد تطلق على ما دون المرفق، كما يطلق ثالثة على ما دون الكتف، إلا أن مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي إرادة خصوص الأول لأنه المناسب للحكم المحمول عليها في المقام، فان المسح بحسب الأغلب لا يكون إلا بالكف و الأصابع فالمراد باليد انما هو ما دون الزند كما مر.

نظير ما إذا قيل أكلت بيدي أو ضربت أو كتبت بيدي لأن الأكل و الضرب و للكتابة و أمثالها قرينة معينة لما أريد من لفظة اليد لدلالتها على أن المراد بها هو ما دون الزند دون غيره من المحتملات لعدم مناسبتها مع الكتابة أو الأكل و نحوهما مما لا يتحقق إلا بالكف و الأصابع أعني ما دون الزند و وقوعها بغير ذلك يحتاج إلى إعمال عناية زائدة كما لا تخلو عن مشقة.

نعم لو قيل قطعت يد فلان- مثلا- لم يكن له ظهور في إرادة ما دون الزند بل كان من المحتملات و المجملات لأن القطع كما يناسب

160

..........

____________

الأصابع و ما دون الزند كذلك يناسب ما دون المرفق و غيره من إطلاقات اليد و هذا بخلاف المقام فإنه إذا ورد: امسح بيدك أو قال: مسحت بيدي- مثلا- فمناسبة الحكم و الموضوع قرينة على ارادة ما دون الزند لما عرفت.

«الثالث»: ان جملة من الاخبار البيانية و ان كان وردت فيها لفظة «اليد» إلا ان بعضها أعني صحيحة الأخوين قد اشتملت على كلمة «الكف» حيث قال (ع) ثم مسح رأسه و قدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماء (1).

و بما أن هذه الروايات تحكي عن فعل الرسول (ص) و هو أمر واحد لا محالة كانت كلمة الكف في هذه الصحيحة قرينة على ما أريد باليد في بقية الروايات و دلتنا على أن المراد بها انما هو الكف و ما دون الزند دون غيره من احتمالاتها فهذه الوجوه و القرائن تعينان المراد من لفظة «اليد» الواقعة في الروايات.

و بما أن الرواة (قدس اللّٰه أسرارهم) قد اهتموا بنقل هذه الخصوصية فنستكشف منها ان لخصوصية كون المسح بواسطة اليد أعني ما دون الزند مدخلية في صحة الوضوء و انها من الخصوصيات اللازمة في المأمور به كما قد استفدنا من اهتمامهم بنقل عدم تجديد الماء لدى المسح وجوب كون المسح بالبلة الباقية في اليد من ماء الوضوء.

و يؤيد إرادة الكف من اليد رواية العلل قال: جاء نفر من اليهود الى رسول اللّٰه (ص) فسألوه عن مسائل و كان فيما سألوه: أخبرنا يا محمد لأي علة توضأ هذه الجوارح الأربع و هي أنظف المواضع في الجسد؟

فقال النبي (ص) لما أن وسوس الشيطان الى آدم (ع) دنا من الشجرة

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

161

..........

____________

فنظر إليها فذهب ماء وجهه، ثم قام و مشى إليها و هي أول قدم مشت إلى الخطيئة، ثم تناول بيده منها ما عليها و أكل فتطاير الحلي و الحلل عن جسده فوضع آدم يده على أم رأسه و بكى، فلما تاب اللّٰه عليه فرض اللّٰه عليه و على ذريته تطهير هذه الجوارح الأربع فأمره اللّٰه عز و جل بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة و أمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول بهما، و أمره بمسح الرأس لما وضع يده على أم رأسه، و امره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة (1).

و هي صريحة الدلالة على ارادة الكف من اليد.

و أما الآية المباركة و الأخبار المطلقة أعني ما اشتملت على انه (ص) مسح رأسه و رجليه أو تضمنت الأمر بمسح الرأس و الرجلين من دون التقييد بكون المسح بواسطة اليد فحسب ففيها احتمالات ثلاثة:

«الأول»: ان يقال ان المطلقات ليست بصدد البيان من تلك الناحية و انما وردت لبيان ان المسح معتبر في الوضوء، كما ان الغسل مما لا بد منه فان الوضوء غسلتان و مسحتان فلا دلالة لها على اعتبار غير ذلك من الخصوصيات المعتبرة في الوضوء.

و هذا الاحتمال و ان كان بالإضافة إلى الآية المباركة من الإمكان بمكان إلا انه بالإضافة إلى بعض الروايات المطلقة التي تضمنت لاعتبار بعض الخصوصيات المعتبرة في الوضوء مما لا مجال له، لأنها بصدد بيان ما يعتبر في صحة الوضوء و حيث لم يقيد المسح بأن يكون بواسطة اليد فلا مانع من التمسك بإطلاقاتها.

«الثاني»: ان يقال، ان المطلقات منصرفة إلى ما هو المتعارف في الخارج من المسح و لا تردد في ان المسح بحسب المتعارف الشائع لا يكون

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

162

..........

____________

إلا باليد و ما دون الزند. إذا يتعين ان يراد بالمطلقات خصوص المسح بواسطة اليد.

و يدفعه: ما مر غير مرة من أن المطلق لا تنصرف إلى الفرد الغالب أبدا. نعم ربما يحدث انصراف بدوي إلى الغالب و لكنه يزول بأدنى التأمل و الالتفات.

و ما عن شيخنا الأنصاري (قده) من انتقاض ذلك بالغسل بدعوى ان الغسل كالمسح انما يتحقق في الخارج بآلة لا محالة، فكما ان الأمر بغسل الوجه و اليدين ليست فيه أية دلالة على تعيين آلة الغسل فليكن الأمر بالمسح أيضا كذلك، و إلا فلا مناص من الالتزام بدلالة الأمر بالغسل أيضا على تعيين آلة الغسل. كما ترى مما لا يمكن المساعدة عليه.

و الوجه في ذلك ان آلة المسح مما يتقوم به المسح بحيث لا يتحقق بدونها و هذا بخلاف الغسل لوضوح أن الغسل قد يصل بإيقاف الوجه مثلا- تحت المطر و بإجراء الماء عليه. و أما المسح فلا يوجد الا بالة و هو ظاهر.

إذا فلا مانع من أن يكون الأمر بالمسح دالا على تعيين آلة المسح دون الغسل.

«الثالث»: أن يقال إن المطلقات المذكورة لا بد من تقييدها بالأخبار المتقدمة التي دلتنا ببركة القرائن على أن المسح لا بد من أن يكون باليد و ما دون الزند، و هذا الوجه هو المتعين في المقام.

و ذلك للقطع بعدم إرادة الإطلاق لا في الآية المباركة و لا في الأخبار بحيث يشمل المسح بكل شيء و لو بالأجسام الخارجية من الخرقة و الخشبة و نحوهما و حيث ان الوجهين الأولين غير ثابتين كما عرفت فيكون الوجه الأخير هو المتعين في محل الكلام.

163

..........

____________

هذا كله فيما إذا لم نقل بأن الأخبار البيانية الحاكية لفعل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) حكاية فعل و لا دلالة لها إلا على الجواز أو الاستحباب من غير أن تكون لها أية دلالة على الوجوب.

و أما إذا قلنا بذلك فلا يبقى لها دلالة على الوجوب بالإطلاق حتى نحتاج إلى تقييده و حملها على أحد المحامل المتقدمة، فتحصل أن مقتضى الأخبار البيانية- على تقدير أن يكون لها الدلالة على الوجوب- أن يكون المسح بما دون الزند و انه المراد من سائر المطلقات و الآية المباركة هذا على ان المسألة اتفاقية كما حكاه صاحب الحدائق عن جملة من أصحابنا.

و «منها»: أن يكون المسح بباطن الكف و لم يرد ذكر باطن الكف في شيء من النصوص و مقتضى إطلاقها عدم تعين المسح بباطنه. نعم لو قلنا بانصراف المطلقات الآمرة بالمسح إلى ما هو المتعارف الدارج في الخارج أمكننا أن نقول باعتبار كون المسح بباطن الكف، لانه الدارج الشائع في المسح و اما إذا لم نقل بالانصراف الى الفرد المتعارف فلا وجه للحكم بتعيين المسح بباطن الكف في مقام الامتثال هذا. و لكن يمكن ان نستدل على وجوب ذلك بالأخبار البيانية الحاكية لوضوء النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم: أو أحد الأئمة (ع) لأنهم لو كانوا مسحوا بظاهر الكف في الوضوء لوجب على الرواة أن ينقلوا ذلك في رواياتهم لأنه أمر خارج عن المتعارف المعتاد و لا مناص من نقل مثله في الأخبار و حيث انهم لم ينقلوا ذلك استكشفنا ان النبي (ص) و الأئمة (ع) كانوا يمسحون بباطن الكف إذا فهو أمر معتبر في صحة الوضوء.

و «منها»: ان المسح لا بد أن يكون بالأصابع. ذهب جماعة إلى اعتبار ذلك في الوضوء الا انه مما لا شاهد له من النصوص لأن الأخبار البيانية غير مشتملة على انهم (ع) قد مسحوا رءوسهم بأصابعهم بل مقتضى إطلاقاتها عدم لزوم كون المسح بالأصابع لأن النبي (ص)

164

..........

____________

أو الأئمة (ع) لو كانوا مسحوا بأصابعهم لنقلته الرواة لوجوب نقل الخصوصيات الدخيلة في الأحكام الشرعية على الرواة و حيث لم ينقلوها في رواياتهم و هي مطلقة فيستكشف من ذلك عدم اعتبار المسح بالأصابع.

و احتمال ان المطلقات منصرفة إلى المسح بالأصابع، لأنه الفرد المتعارف من المسح بعيد لعدم كون المسح بغير الأصابع فردا نادرا فإنه أيضا كثير و غاية الأمر أن يكون المسح بالأصابع أكثر هذا.

على انا لو سلمنا ندرة ذلك في الوضوء- مع ان الأمر ليس كذلك- فلا ينبغي التأمل في أن المسح في غير الوضوء بغير الأصابع ليس من الافراد النادرة قطعا.

مثلا- إذا قيل: مسح فلان على رأس طفل أو مسحت رأسه كان ظاهرا في أنه مسحه بيده و كفه لا بأصابعه، فإنه الفرد الغالب في مسح الرأس و أمثاله، و حيث ان نزول الآية المباركة و صدور الأخبار متأخران عن استعمال المسح في المحاورات العرفية فلا مناص من حمله فيهما على ارادة ما هو الظاهر منه في الاستعمالات. و قد عرفت انه بحسب المحاورات العرفية كما يطلق على المسح بالأصابع كذلك يطلق على المسح باليد فالانصراف مما لا أساس له.

نعم سبق ان احتملنا انصراف المطلقات في المسح إلى المسح باليد و لكنه مستند إلى ندرة المسح بغير اليد و ليس المسح بغير الأصابع نادرا كما مر فتحصل أن تعين المسح بالأصابع مما لا وجه له. نعم لا بأس بالقول بالأولوية الاستحبابية لاحتمال اعتباره شرعا.

و «منها»: ان يكون مسح الرأس باليد اليمنى و قد نسب إلى المشهور القول بالاستحباب في المسألة. بل ذكر صاحب الحدائق (قده) ان ظاهرهم الاتفاق عليه، و لعل الوجه في ذلك هو إطلاقات الأدلة لأنها

165

(مسألة 24) في مسح الرأس لا فرق بين أن يكون طولا أو عرضا أو منحرفا (1)

____________

غير مقيدة بأن يكون المسح باليد اليمنى.

بل في بعضها التصريح بالإطلاق كما في صحيحة زرارة: و مسح مقدم رأسه و ظهر قدميه ببلة يساره و بقية بلة يمناه (1) و لم يرد في قبال تلك المطلقات دليل يدلنا على التقييد باليمنى.

نعم يمكن ان يستدل على وجوب ذلك بما ورد في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله (ع) و تمسح ببلة يمناك ناصيتك (2) لما قدمناه من أن جملة و تمسح ببلة. جملة مستقلة قد دلت على لزوم كون المسح ببلة اليد اليمنى فان ظاهرها هو الوجوب و من هنا قدمنا انها معارضة لما دل على اعتبار كون المسح على مقدم الرأس.

و احتمال كون هذه الجملة معطوفة على فاعل «يجزيك» في قوله المتقدم «ان اللّٰه وتر يحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه و اثنتان للذراعين ضعيف- كما تقدم- لانه يحتاج الى التقدير و الإضمار بأن تكون الجملة هكذا «و ان تمسح .. و هو على خلاف الأصل فلاحظ.

التسوية بين أنحاء المسح:

(1) لإطلاقات الأدلة فكما ان للمكلف أن يمسح نكسا كذلك له المسح بالانحراف كما إذا مسح من إحدى زوايا المثلث الى ما يقابله من الضلع، فان مقدم الرأس مثلث الشكل لا محالة.

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

166

الرابع مسح الرجلين (1)

____________

و اما ما ورد من أن الأمر في المسح موسع (1) فلعله ناظر إلى ان المسح ليس كالغسل الذي يعتبر أن يكون من الأعلى إلى الأسفل بل يجوز فيه النكس أيضا. و أما ان الانحراف فيه سائغ أولا فهو مما لا يستفاد من الرواية. على انها انما وردت في مسح الرجلين دون الرأس.

[الرابع] مسح الرجلين:

(1) للآية المباركة و الاخبار المتضافرة. بل لا يبعد دعوى تواترها أما الآية المباركة فهو قوله عز من قائل وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ (2) بالجر أو النصب على اختلاف القراءتين «فان قرأنا أرجلكم بالجر فيكون معطوفة على رءوسكم و معناه فامسحوا برؤسكم و امسحوا بأرجلكم و إذا قرأنا بالنصب كما هو قراءة عاصم في رواية حفص- و هو الذي كتب القرآن على قراءته- فيكون معطوفة على محل (رءوسكم) و المعنى حينئذ: و أمسحوا برءوسكم و امسحوا أرجلكم.

و على كلا التقديرين تدلنا الآية المباركة على وجوب مسح الرجلين.

و احتمال أن تكون و أرجلكم- على قراءة النصب معطوفة على (أيديكم) و (وجوهكم) ليكون معنى الآية المباركة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ و اغسلوا أَرْجُلَكُمْ. فهو مما لا يناسب الأديب- لعدم جواز الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بالجملة الأجنبية- فضلا عن كلام الخالق الذي هو في أرقى درجات البلاغة و الاعجاز.

____________

(1) المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المائدة: 5: 6.

167

من رءوس الأصابع إلى الى الكعبين (1)

____________

و أما الأخبار فقد ورد الأمر بالمسح على الرجلين في جملة من الأخبار الكثيرة حتى بالغ فيها السيد (قده) في الانتصار حيث قال: انها أكثر من عدد الرمل و الحصى، على ما نقله صاحب الجواهر و غيره.

مبدأ المسح في الرجلين:

(1) كما هو المشهور بين أصحابنا. بل ادعي عليه الإجماع في كلماتهم و عن الشهيد في الذكرى احتمال عدم وجوب المسح الى الكعبين. و اختاره صريحا في المفاتيح و نفى عنه البعد في رياض المسائل و مال اليه و اختاره صاحب الحدائق (قده) انّه ذكر أخيرا ان المسح الى الكعبين هو الأحوط.

و يدل على مسلك المشهور قوله عز من قائل وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1) فان قوله عز من قائل إِلَى الْكَعْبَيْنِ غاية للممسوح و حد للمسح، و ليس غاية له، إذ لا يعتبر الانتهاء في المسح الى الكعبين لجواز النكس و الانتهاء إلى الأصابع كما ذكرناه في الغسل.

فان قوله تعالى إِلَى الْمَرٰافِقِ غاية للمغسول و حد للغسل لا انه غاية له و هو نظير قولنا: اكنس الدار من هنا إلى هنا فان معناه ان وجوب الكنس انما هو في هذا المقدار الواقع بين المبدء و المنتهى من دون نظر إلى المبدء و المنتهى فله أن يكنس من هذا الطرف الى الطرف الآخر كما له العكس فلم يتعلق الغرض بالابتداء و الانتهاء و انما الغرض بيان المقدار الذي يجب غسله أو مسحه.

و من هنا لو كنا نحن و هذه الآية المباركة لقلنا بجواز الغسل من

____________

(1) المائدة: 5: 6.

168

..........

____________

الأعلى إلى الأسفل و عكسه و لكن الاخبار منعتنا عن الأخذ بإطلاقها و لأجلها خصصنا الغسل الواجب بالغسل من المرافق إلى الأصابع.

و أما الإطلاق في طرف الأمر بالمسح فهو باق على حاله و لم يدلنا دليل على تقييده إذا لا مانع من الأخذ به و الحكم بجواز المسح في الرجلين من الكعبين إلى الأصابع و بالعكس، و لم يتعلق الغرض بتعيين المبدأ و المنتهى و انما الغرض بيان مقدار المسح و ان الممسوح لا بد أن يكون بالمقدار الواقع بين الأصابع و الكعبين سواء أ كان المبدأ هو الأصابع و المنتهى هو الكعبان أو كان الأمر بالعكس.

و أيضا تدل على ذلك الأخبار البيانية و غيرها مما اشتملت على الأمر بمسح الرجلين إلى الكعبين فليراجع.

و أما ما ذهب اليه صاحب الحدائق و المفاتيح و غيرهما، فقد استدل عليه بعدة روايات.

«منها»: الأخبار الدالة على أن مسح شيء من الرأس و الرجلين مجزئ في الوضوء كصحيحة زرارة و بكير عن أبي جعفر (ع) انه قال في المسح: تمسح على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك و إذا مسحت بشيء من رأسك، أو لشيء من قدميك ما بين أطراف الأصابع فقد أجزأك (1).

و صحيحتهما الأخرى: ثم قال: و امسحوا برؤسكم و أرجلكم إلى الكعبين، فإذا مسح بشيء من رأسه، أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه (2) و بمضمونهما روايات أخرى قد دلت على كفاية المسح بشيء من الرأس و الرجلين فلا يجب مسحهما إلى الكعبين هذا.

____________

(1) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

169

..........

____________

و لا يخفى عدم إمكان المساعدة عليه لان الاستدلال بتلك الأخبار على كفاية المسمى في المسح يتوقف على أن تكون تلك الروايات ناظرة إلى كفاية المسح ببعض الرجلين بحسب كل من الطول و العرض و لا تكون ناظرة إلى كفاية ذلك بحسب العرض فقط.

و هذا يتوقف على تحقيق ان قوله (ع) ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع، بيان لأي شيء و هل هو بيان للشيء في قوله: أو بشيء من قدميك ليكون معناه إذا مسحت بما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع من قدميك أجزأك، أو انه بيان للقدمين و معناه أنه إذا مسحت بشيء مما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك.

فعلى الأول تدلنا الصحيحتان على ما سلكه المشهور و وجوب الاستيعاب فيما بين الكعبين إلى الأصابع بالمسح، كما انهما على الثاني تدلنا على ما ذهب إليه الجماعة من كفاية المسح بشيء مما بين الكعبين إلى الأصابع.

و الظاهر هو الأول، لان من قدميك جار و مجرور و يبعد أن يكون ماء الموصولة بيانا له فهي بيان للشيء. و قد عرفت ان الصحيحة حينئذ دلنا على ما ذهب اليه المشهور أعني وجوب الاستيعاب فيما بين الكعبين إلى الأصابع في المسح هذا.

بل لو لم يثبت ما ذكرناه و احتملنا رجوع قوله (ع) ما بين ..

إلى كل من كلمة بشيء و من قدميك أيضا لا يمكن الاستدلال بها على مدعى الجماعة، لأنها تصبح مجملة حينئذ و تخرج عن قابلية الاستدلال بها في المقام و معه لا بد من الرجوع الى مقتضى إطلاق الآية المباركة و الروايات و الإطلاق يقتضي وجوب كون الممسوح بمقدار ما بين الكعبين إلى الأصابع.

و «منها»: الأخبار الواردة في عدم وجوب استبطان الشراكين

170

..........

____________

في المسح كصحيحة الأخوين المتقدمة حيث ورد في صدرها: تمسح على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك (1).

و حسنة زرارة بل صحيحته عن الباقر (ع) ان عليا (ع) مسح على النعلين و لم يستبطن الشراكين (2) و غيرهما من الأخبار.

و تقريب الاستدلال بها ان الشراكين انما يقعان فيما دون الكعبين و عدم وجوب استبطانهما حينئذ اما لأجل ان لهما خصوصية من بين أفراد الحائل و أقسامه كالدواء و الحناء على ما ورد في الروايات حيث ان مسحه كمسح البشرة و لأجل ذلك لم يجب استبطانهما بإدخال الإصبع تحتهما.

و أما لأجل عدم وجوب الاستيعاب في المسح من الأصابع إلى الكعبين و كفاية مسمى المسح طولا. و هذا يحصل بالمسح الى الشراكين:

و حيث ان الأول غير محتمل لانه على خلاف الإجماع و الضرورة كان كان الثاني متعينا لا محالة، و «يدفعه»: ان الاستدلال بهذه الروايات انما يتم بناء على تفسير الكعبين بمفصل الساق و القدم و ملتقاهما كما عن العلامة (قده) و جمع ممن تأخر عنه و على هذا يتم الاستدلال بها بالتقريب المتقدم كما عرفت.

و اما بناء على ما سلكه المشهور من تفسير الكعبين بالعظم النائي فوق ظهر القدم و هو المختار فلا وجه للاستدلال المذكور أصلا و ذلك لأن الكعب- وقتئذ- انما يقع فيما دون الشراك أو تحته على نحو يستر للشراك مقدارا من الكعبين إذا لا يكون عدم وجوب استبطان الشراك دليلا على عدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين طولا لاستناده الى خروج موضع الشراك عن مورد المسح و موضعه

____________

(1) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل

171

و هما قبتا القدمين (1) على المشهور، و المفصل بين الساق و القدم على قول بعضهم و هو الأحوط.

بيان معنى الكعبين:

____________

(1) المشهور عند أصحابنا أن الكعبين هما العظمان النائتان فوق ظهر القدم و هو المعبر عنه بقية القدمين، لان كل عال يسمى كعبا و منه تسمية الكعبة كعبة. و خالفهم في ذلك العامة و فسروا الكعبين بالعظمين الناتيتين من يمين الساق و شماله.

و التحقيق انه لا يمكننا تشخيص مفهوم الكعبين بالرجوع الى تفاسير أهل اللغة و كلمات أصحابنا (قدهم) للاختلاف في تفسيرهما و من الظاهر ان الرجوع إلى أهل اللغة انما هو من جهة كونهم أهل الخبرة و الاطلاع، و كونهم من غير الشيعة لا يمنع عن الرجوع إليهم و الأخذ بأقوالهم.

و حيث ان المفسرين لمفهومهما من الشيعة و غيرهم مختلفون في تفسيرهما فلا يمكننا الاعتماد على أقوالهم و آرائهم و لا يتعين انه قبة القدم أو العظمان الواقعان عن يمين الساق و شماله، لاحتمال أن يكون كلاهما كعبا قد يطلق على هذا و قد يطلق على ذاك كما احتمله شيخنا البهائي (قده) إذا لا بد من المراجعة إلى الروايات فان ظهر منها ان الكعب أي شيء فهو و الا فيصل النوبة إلى الأصل العملي.

و الأخبار الواردة في تفسيرهما ظاهرة الدلالة على ما ذكره المشهور عدي صحيحة الأخوين التي استدل بها العلامة (قده) و من تبعه من الاعلام على أن الكعب عبارة عن مفصل الساق و القدم و إليك نصها.

172

..........

____________

عن زرارة و بكير أنهما سألا أبا جعفر (ع) عن وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم: فدعا بطست أو تور فيه ماء فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على وجهه .. إلى أن قال: فإذا مسح بشيء من رأسه، أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى الأطراف فقد أجزأه قال: فقلنا أين الكعبان؟ قال: هاهنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا من عظم الساق، و الكعب أسفل من ذلك .. الحديث (1).

و يرد الاستدلال بها ان الصحيحة غير ظاهرة في إرادة مفصل الساق و القدم، لاحتمال أن يراد بالمفصل قبة القدم، لانه قد يطلق عليه المفصل نظرا إلى أنه مفصل الأشاجع و سائر العظام.

و الدليل عليه قوله (ع) و الكعب أسفل من ذلك، فان المفصل عبارة عن خط موهومي و ليست فيه مسافة: بعد أو قرب، و قوله هذا يدلنا على أن بين المفصل و الكعب مسافة، و لا يستقيم هذا إلا بأن يكون الكعب هو المفصل الواقع في قبة القدم، فان بينه و بين مفصل الساق و القدم مسافة هذا كله.

على انا لو سلمنا ظهور الصحيحة فيما ادعاه العلامة و تابعوه فلا مناص من رفع اليد عن ظهورها بحملها على معنى آخر جمعا بينها و بين الأخبار الآتية الدالة على ما سلكه المشهور في تفسير الكعب، لأن الصحيحة لا تقاوم الأخبار الآتية في الظهور، و إليك جملة من الاخبار الدالة على ما ذكره المشهور.

«منها»: موثقة ميسر عن أبي جعفر (ع) قال: الا أحكي لكم وضوء رسول اللّٰه (ص) ثم أخذ كفا من ماء فصبها على وجهه ..

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

173

..........

____________

إلى أن قال: ثم مسح رأسه و قدميه، ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال: هذا هو الكعب، و قال: و أومى بيده الى الأسفل العرقوب ثم قال: ان هذا هو الظنبوب (1) و دلالتها على ما ذهب اليه المشهور غير قابلة للإنكار و قوله أخيرا: ان هذا هو الظنبوب ورد ردا على العامة المعتقدين انه هو الكعب.

و «منها»: صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم (2) فان ظاهر القدم إما عبارة عن أول الأصابع إلى الساق أو انه عبارة عن خصوص العظم النائي في قبة القدم.

و الأول غير محتمل في الرواية لمكان قوله: إلى ظاهر القدم. فإنه بيان لقوله: الى الكعبين، و المفروض انه قد مسح رجله من أول أصابعه إلى ظاهر القدم فكيف يمكن معه إرادة أول الأصابع إلى الساق، فالمعنى الثاني هو المتعين في الرواية.

ثم ان هذا على تقدير كون النسخة ظاهره القدم. و اما بناء على انها ظهر القدم فالأمر أوضح، لأن ظهر القدم صحيح الإطلاق على قبة القدم. و إذا تمت دلالة الروايتين على ما سلكه المشهور في بيان المراد من الكعب أمكن الجمع بينهما و بين الصحيحة المتقدمة بأن الكعب عبارة عن العظم الناتئ في قبة القدم إلى المفصل اعني مفصل الساق و القدم بأن تكون الصحيحة واردة لبيان منتهى الكعب و الروايتان واردتين لبيان أوله فلا تعارض بين الطائفتين.

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل

174

..........

هل الغاية داخلة في المغيى؟

____________

بقي الكلام في أن الغاية داخلة في المغيى حكما أو غير داخلة فيه؟

قد نسب إلى العلامة و المحقق الثاني ان الكعبين داخلان في المغيى فيجب مسح الكعبين- أعني الغاية- كما يجب المسح فيما بينهما إلى الأصابع و هو المغيى.

و التحقيق ان هذا النزاع- بناء على أن الكعب هو مفصل الساق و القدم- لا يرجع الى محصل، فان المفصل خط موهومي غير قابل للتجزية كالنقطة الموهومة، فكيف يمكن مسحه ببعضه أو بتمامه. نعم لا بأس بهذا النزاع بناء على ان الكعب هو العظم الناتئ في قبة القدم.

إلا أن الصحيح انه مجرد نزاع علمي من دون أن يترتب عليه أية ثمرة عملية و ذلك لأنه ان أريد من دخول الغاية- أعني الكعبين- في المغيى- دخولها بتمامها، بأن يجب مسح قبة القدم بتمامها. ففيه: ان لازم ذلك وجوب الاستيعاب في مسح القدم، و قد عرفت ان مسح ظاهر القدم بتمامه غير معتبر في الوضوء. و قد أبطلنا القول بذلك في المباحث السابقة بما لا مزيد عليه للأدلّة المتقدمة في محلها، و لا أقل من الأخبار الدالة على عدم وجوب الاستبطان تحت الشراكين الصريحة في عدم وجوب الاستيعاب في مسح تمام ظاهر القدم. و ان أريد منه إدخال شيء من العظم الناتئ في قبة القدم في الممسوح بأن يمسح ما بين الأصابع إلى مقدار من الكعبين من باب المقدمة العلمية و تحصيل الجزم بالامتثال و الإتيان بالمأمور به، لعدم إمكان المسح من الأصابع إلى الكعبين بحده على نحو لا يدخل شيء من المبدء و المنتهى في المحدود على ما قدمناه في غسل الوجه

175

..........

____________

و اليدين. و بهذا تصبح المسألة خالية عن الثمرة العملية و يتمحض النزاع في البحث العلمي الصرف. و على أي تقدير قد اتضح مما سردناه عدم إمكان الاستدلال على وجوب مسح الكعبين بقوله عز من قائل وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. بدعوى ان الى بمعنى مع في الآية المباركة و ان معنى الآية وجوب مسح الأرجل مع الكعبين. و الوجه في عدم تمامية هذا الاستدلال انه على تقدير تسليم ان إلى بمعنى مع، ان أريد بذلك وجوب مسح الكعبين من أولهما إلى آخرهما فهو باطل جزما، لعدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين كما مر. و ان أريد به وجوب مسح بشيء منهما فقد عرفت انه مما لا مناص من الالتزام به من باب المقدمة العلمية سواء أ كانت الغاية داخلة في المغيى أم كانت خارجة، كما ان الاستدلال على دخولهما فيما يجب مسحه بأن الغاية داخلة في المغيى مما لا وجه له و الوجه فيه عدم كون ذلك من القواعد المسلمة حتى يمكننا الاعتماد عليه في محل الكلام لضرورة انها بعد أول الكلام على انا لو أغمضنا عن ذلك فلا إشكال في ان الغاية لو كانت داخلة في المغيى فإنما يدخل فيه شيء من أجزائها، و لم يتوهم أحد كونها داخلة في المغيى بتمامها- مثلا- إذا قيل: صم من أول النهار الى الليل لم يكن معنى ذلك: صم من أول النهار إلى آخر الليل. بل معناه- بناء على ان الغاية داخلة في المغيى- صم من أول النهار إلى مقدار من الليل: و هذا مما لا مناص من الالتزام به في جميع موارد التحديد من باب المقدمة العلمية كما تقدم.

و أما الاستدلال على وجوب مسح الكعبين بمرسلة يونس المتضمنة على أن أبا الحسن (ع) بمنى مسح ظهر قدميه من الكعب إلى أعلى

176

..........

____________

القدم (1) نظرا الى ان ظاهرها انه (ع) قد مسح رجليه من نفس الكعبين.

فيدفعه: ما قدمناه آنفا من ان مسح شيء من الكعبين من باب المقدمة العلمية مما لا مناص من الالتزام به سواء قلنا بدخول الغاية في المغيى أم لم نقل بعد عدم احتمال مسحه (ع) الكعبين بتمامهما، لوضوح عدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين.

و لأجل هذا ذكرنا ان بحثنا هذا مجرد بحث علمي لا يترتب عليه أية ثمرة عملية هذا.

و الانصاف ان الحق- في هذا البحث العلمي- مع القائلين بعدم وجوب مسح الكعبين و ذلك لصحيحة الأخوين: حيث ورد فيها: فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه (2).

لصراحة ذلك في ان المقدار الذي يجب مسحه انما هو المقدار الواقع بين الكعبين و أطراف الأصابع دون الكعبين- بعينهما- و هذا واضح.

و في طهارة المحقق الهمداني: فإذا مسحت بشيء مما بين كعبيك إلى آخر أطراف أصابعك (3) و هو اشتباه فليلاحظ هذا كله في مسح الرجلين بحسب الطول و اما عرضا فقد أشار إليه الماتن (قده) بقوله و يكفي المسمى عرضا.

____________

(1) قال أخبرني من رأى أبا الحسن (ع) بمنى يمسح ظهر القدمين من أعلى القدم الى الكعب و من الكعب إلى أعلى القدم و يقول الأمر في مسح الرجلين موسع من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا. فإنه من الأمر الموسع ان شاء اللّٰه. المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) راجع ص 161 من كتاب الطهارة.

177

و يكفي المسمى عرضا (1) و لو بعرض إصبع أو أقل، و الأفضل أن يكون بمقدار عرض ثلاث أصابع، و أفضل من ذلك مسح تمام ظهر القدم،

كفاية المسمى عرضا:

____________

(1) هذا هو المعروف بين أصحابنا (قدس اللّٰه أسرارهم) و عن الصدوق في الفقيه وجوب المسح- على جميع الأصابع- بمقدار الكف و اليه مال المحقق الأردبيلي (قده) فيما حكى عنه و عن المفاتيح أنه لو لا الإجماع لجزمنا به، و نسب إلى ظاهر النهاية و المقنعة وجوب المسح بمقدار عرض إصبع واحدة و عن الإشارة و الغنية ان الأقل إصبعان و عن بعضهم لزوم كون المسح بمقدار ثلاث أصابع هذه هي أقوال المسألة.

أما القول بوجوب المسح بالإصبع الواحدة في الرجلين فلم يدلنا عليه أي دليل. نعم ورد في بعض الأخبار مسح الرأس بالإصبع الواحدة.

و لكنا قدمنا هناك ان المسح بها من باب انه أقل ما يمكن به المسح المأمور به لا من جهة أنه المأمور به بالخصوص.

على انا ذكرنا أن باطن الإصبع شبيه بالدائرة فالمسح به أقل من عرض الإصبع الواحدة، و لعل القائل بذلك أراد كفاية المسمى في المسح المأمور به.

و أما القول باعتبار كون المسح بالإصبعين فهو أيضا مما لم نعثر عليه بدليل و لو كان رواية ضعيفة.

و أما اعتبار كون المسح بثلاثة أصابع فيأتي أن مدركه هو ما رواه معمر بن عمر عن أبي جعفر (ع) قال: يجزى من المسح على الرأس موضع

178

..........

____________

ثلاث أصابع و كذلك الرجل (1) و سيأتي انها رواية ضعيفة غير قابلة للاستدلال بها على شيء. على ان القائل بذلك غير معلوم. إذا العمدة في المقام هو ما نسب إلى الصدوق (قده) من وجوب مسح الجميع بالكف.

و قد يستدل عليه بصحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا (ع) قال:

سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها الى الكعبين إلى ظاهر القدم. فقلت: جعلت فداك لو ان رجلا قال:

بإصبعين من أصابعه هكذا فقال: لا الا بكفيه (بكفه) كلها (2) و قد دلت على ان المسح لا بد أن يكون بالكف على الأصابع.

و يؤيد ذلك برواية عبد الأعلى مولى آل سام قال، قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عثرت فانقطع ظفري فجلت على إصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّٰه عز و جل قال اللّٰه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ امسح عليه (3).

و الوجه في التأييد واضح لان المسح على جميع الأصابع إذا لم يكن مأمورا به في الوضوء لم يكن وجه لسؤال الراوي بعد ما عثر و انقطع ظفره و جعل عليه مرارة بقوله: كيف اصنع؟ لوضوح انه وقتئذ يمسح على بقية أصابعه فما الموجب لتحيره و سؤاله. فمن ذلك و من جوابه (ع) امسح عليه بظهر بوضوح ان مسح الأصابع بأجمعها أمر معتبر في المأمور به و ان وجوبه من الأمور المرتكزة في أذهانهم و من هنا أوجب (ع) المسح على المرارة بدلا عن الإصبع من دون أن يردع السائل عما كان مرتكزا في ذهنه.

____________

(1) المروية في ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل

(3) المروية في ب 39 من أبواب الوضوء من الوسائل

179

..........

____________

و احتمال أن سؤاله «كيف أصنع» سؤال عن المسح المستحب كاحتمال وجود المانع في بقية أصابعه بعيد غايته. و مقتضى الصحيحة المتقدمة المؤيدة بتلك الرواية هو ما ذهب اليه الصدوق (قده) من وجوب كون المسح بالكف على جميع الأصابع.

و قد يقال ان الصحيحة معارضة بعدة روايات دلتنا على كفاية المسمى في مسح الرجلين بحسب العرض.

«منها»: صحيحة الأخوين: و إذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك (1) أو إذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه كما في صحيحتهما الأخرى (2) بدعوى ان ظاهرهما كفاية المسمى من المسح في القدمين.

و يدفعه: ان ذلك يبتنى على ان يكون قوله (ع) ما بين .. بيانا للقدمين ليكون حاصله أنه إذا مسح بشيء مما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه فيدلنا على كفاية المسح عرضا بل و على كفايته بحسب الطول أيضا و أما إذا كان بيانا للشيء كما لعله الظاهر منه، لأنه يقتضي أن يكون قوله (ع) ما بين .. توضيحا للشيء و حاصله انه إذا مسح بما بين كعبيه إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه، فلا دلالة للروايتين على كفاية المسمى بوجه بل مقتضاها لزوم المسح في تمام ما بين الكعبين إلى الأصابع.

و «منها»: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (ع) ألا تخبرني من أين علمت و قلت ان المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين.

____________

(1) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

180

..........

____________

إلى أن قال فعرفنا حين وصلهما بالرأس ان المسح على بعضهما .. (1)

و هي صريحة الدلالة على كفاية المسمى في مسح الرجلين.

و يرده: ان الظاهر من الصحيحة انما هي بصدد الردع عما التزم به المخالفون من وجوب كون المسح على باطن الرجل و ظاهرها كما ورد الأمر بذلك في بعض رواياتنا أيضا (2) و قد دلتنا على ان مسح كل من باطن الرجل و ظاهرها غير واجب في المأمور به بل يكفي المسح ببعضهما اعني ظاهرهما و ذلك لان ظاهر الرجل- بتمامه- بالإضافة إلى المجموع من ظاهرها و باطنها مما يصدق عليه بعض الرجل فإطلاق البعض في الصحيحة يحتمل أن يكون في قبال الظاهر و الباطن و من الواضح ان تمام ظاهر الرجل- في مقابل الباطن و الظاهر- بعض الرجل. إذا لا دلالة للصحيحة على كفاية مسمى المسح اعني مسح بعض الظاهر من الرجل و معه كيف يصح أن يكون معارضة لصحيحة البزنطي المتقدمة؟! «و منها»: رواية معمر بن عمر عن أبي جعفر (ع) قال: يجزى من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع و كذلك الرجل (3) و هي أيضا صريحة الدلالة على كفاية المسح موضع ثلاث أصابع في الرجل و عدم وجوب المسح في تمامها و على هذه الرواية اعتمد القائلون بوجوب كون

____________

(1) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) كرواية سماعة عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال إذا توضأت فامسح قدميك ظاهرهما و باطنهما. و المرفوعة الى أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (ع) في مسح القدمين و مسح الرأس فقال: مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس و مؤخره و مسح القدمين ظاهرهما و باطنهما. المرويتين في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل

181

..........

____________

المسح بمقدار ثلاث أصابع.

و لكن يردها: ان الرواية و ان كانت صريحة الدلالة على المدعى و ان مسح جميع الأصابع بالكف غير معتبر في الوضوء الا انها ضعيفة السند لان معمر بن عمر مجهول لم يوثقه أهل الرجال و في طهارة المحقق الهمداني (قده) معمر بن خلاد بدل معمر بن عمر و هو من الثقات الا انه مبني على الاشتباه لأن الراوي لها في كتب الحديث معمر بن عمر دون غيره.

و (منها): ما رواه جعفر بن سليمان عمه (1) أو عن عمه (2) قال سألت أبا الحسن موسى (ع) قلت جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقا فيدخل يده فيمسح ظهر قدميه أ يجزيه ذلك؟ قال: نعم (3) و دلالتها على المدعى- أعني كفاية مسمى المسح- و عدم وجوب مسح الأصابع كلها بالكف كدلالة الرواية المتقدمة عليها ظاهرة. لان الخرق بحسب العادة المتعارفة أي مقدار فرضنا له من السعة لا تبلغ حدا يدخل فيه الكف بتمامه ليمسح به الأصابع و ظهر القدم. بل انما يكون مقدارا يدخل فيه الإصبع الواحدة و يمسح بها مقدارا من ظهره.

الا انها أيضا كسابقتها ضعيفة السند و غير قابلة للاستدلال بها على شيء لعدم توثيق جعفر بن سليمان و جهالة حاله هذا على تقدير أن تكون النسخة جعفر بن سليمان عمه أي عم الراوي المتقدم عليه في السند و هو القاسم بن محمد. و أما بناء على ان النسخة جعفر بن سليمان عن عمه فالأمر أشكل لأن عم الرجل مجهول.

____________

(1) كما في التهذيب عن الكافي

(2) كما عن الكافي ج 1 ص 10 من الطبعة الحديثة راجع تعليق الحدائق ج 2 ص 292 من الطبع الحديث

(3) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل.

182

..........

____________

و في سند الرواية على بن إسماعيل. و قد وقع الكلام في ان المراد به أي شخص فنقل الكشي عن نضر بن الصباح أنه علي بن إسماعيل السندي و حكم بوثاقته.

و هذه الدعوى منه غير ثابتة إذ لم تر رواية يقع في سندها علي بن إسماعيل السندي و شهادة نضر بن الصباح على أنه هو السندي لا اعتداد بها كما لا يخفى.

و استظهر سيدنا الأستاذ مد ظله ان علي بن إسماعيل المذكور في سند روايات كثيرة من هذه الطبقة منصرف إلى علي بن إسماعيل بن عيسى الثقة و قال: سيجيء الكلام في اتحاده مع علي بن السندي و عدمه:

و ذكر في ترجمة علي بن السندي ان الاتحاد لم يثبت لاحتمال تعددهما و اشتراكهما في بعض الرواة و المروي عنهم لوحدة الطبقة. فعلى هذا لا بد من الحكم بوثاقة السند من هذه الجهة و ان كان ضعيفا من جهة جعفر ابن سليمان.

نعم ذكر مد ظله عند التعرض لترجمة علي بن السندي أنه قد تقدم في ترجمة علي بن إسماعيل بن شعيب ان علي بن إسماعيل في هذه الطبقة ينصرف إلى علي بن إسماعيل بن شعيب و هذا ينافي ما قدمنا نقله فراجع تمام كلامه و تأمل في جهاته و أطرافه.

و إلى هنا تحصل ان صحيحة البزنطي المؤيدة برواية عبد الأعلى مما لا معارض له و من هنا مال المحقق الأردبيلي (قده) الى وجوب مسح الأصابع كلها بالكف. و ذكر صاحب المفاتيح انه لو لا الإجماع على خلافه لكان القول به متيقنا هذا.

و مع ذلك كله الصحيح هو ما ذهب اليه المشهور في المسألة من كفاية

183

..........

____________

المسمى في مسح ظاهر الرجلين بحسب العرض و ذلك لعدم إمكان الاعتماد على صحيحة البزنطي من وجوه:

«الأول»: ان الصحيحة على ما في الوسائل المطبوعة جديدا مشتملة على لفظة «يكفيه» كما أن نسخة التهذيب أشبه أن تكون كذلك و قد نقلت الرواية في الوافي مشتملة على لفظة «بكفه».

فعلى تقدير ان تكون الرواية مشتملة على لفظة «بكفيه» يتعين حملها على التقية، لأن الظاهر المتفاهم لدى العرف من مسح الرجل بكفين انما هو مسح ظاهر الرجل بإحداهما و مسح باطنها بالأخرى و هذا موافق لمذهب المخالفين و مخالف للمذهب الحق عندنا فلا مناص من حمل الرواية على التقية وقتئذ و هذا بخلاف ما إذا كانت الرواية مشتملة على لفظة «بكفه» إذ لا موجب للحمل على التقية معه و هذا ظاهر إذا فلا مناص من الفحص التام عن النسخ الصحيحة حتى يظهر ان الرواية مشتملة على أيتهما فإن ظهرت إحداهما فهو و إلا أصبحت الرواية مجملة و سقطت عن الاعتبار لجهالة أنها مشتملة على أية لفظة.

«الثاني»: ان مقتضى قانون الإطلاق و التقييد تقييد صحيحة البزنطي بمثل صحيحة زرارة و غيرها مما دل على أن الواجب انما مسح بعض الرجلين لإتمامهما و حمل المسح في المجموع على الندب و الاستحباب و ذلك لا ناقد أثبتنا بمقتضى الأخبار الواردة في المقام ان المراد بالكعب هو قبة ظاهرة القدم دون العظمين الناتيين عن يمين الساق و شماله.

و قد أسلفنا ان المسح في الرجل لا بد أن ينتهي إلى الكعبين بحسب الطول و لا يكفي مسمى المسح طولا و عليه لا بد من أن يكون المراد بالأرجل في الآية المباركة خصوص ظاهر الرجلين لان الظاهر هو المشتمل على الكعب دون الباطن بالخصوص و لا ما هو أعم من الظاهر و الباطن حيث

184

..........

____________

ليس في باطن الرجل كعب ينتهي اليه المسح المأمور به.

اللهم الا أن يراد بالكعب في الباطن المحل المحاذي لقبة القدم في ظاهر الرجل و لكنه إضمار و تقدير و لا قرينة على ارتكابه بوجه فإذا أريد بالرجل ظاهرها و دخلت عليه كلمة الباء فلا محالة تدلنا على ارادة بعض ظاهر الرجل فقوله (ع) فعرفنا حين وصلهما بالرأس ان المسح على بعضهما أي على بعض ظاهر الرجلين و معه تصبح الصحيحة كالصريحة في كفاية المسمى في مسح الرجلين بحسب العرض، لعدم إمكان إرادة البعض بحسب الطول بمقتضى الأخبار المتقدمة الدالة على لزوم انتهاء المسح الى الكعبين- طولا.

و بعبارة أخرى تارة تكون كلمة الباء داخلة على الرجلين من دون تقييدهما بشيء و تدل حينئذ على ارادة البعض منهما و معه يمكن أن يقال ان ظاهرهما ارادة بعض من الرجلين فلا دلالة لمثله على كفاية مسح بعض ظاهرهما. و اخرى تدخل «الباء» على الرجلين المقيدتين بالكعبين و حينئذ تدلنا على ارادة بعض ظاهرهما فقط لانه لا وجود للكعب في باطنهما فذكره يكون قرينة على ارادة الظاهر فحسب و كلمة «الباء» تقتضي حينئذ إرادة بعض ذلك الظاهر و بذلك نقيد صحيحة البزنطي لا محالة.

«الثالث»: ان عدة من الروايات دلتنا على أن من نسي مسح رأسه حتى دخل في الصلاة لم تجب عليه اعادة الوضوء من أوله. بل إذا كانت في لحيته أو حاجبيه أو أشفار عينيه بلة بقدر ما يمسح به رأسه و رجليه أخذ البلل من لحيته أو أشفار عينيه أو غيرهما. ثم يصلي و من جملتها موثقة مالك بن أعين [1] عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: من نسي مسح رأسه ثم ذكر انه لم يمسح رأسه فإن كان في لحيته بلل. فليأخذ منه

____________

[1] موثقة بعثمان بن عيسى الواقفي

185

..........

____________

و ليمسح رأسه و ان لم يكن في لحيته بلل فلينصرف و ليعد الوضوء (1).

و مقتضى هذه الروايات كفاية المسمى في مسح الرجلين لقضاء العادة على أن البلل المتخلف في الحاجبين أو الأشفار أو اللحية لا يكون بمقدار يفي لمسح جميع ظاهر الرجلين. فبهذا أيضا نقيد إطلاق الصحيحة المتقدمة فلاحظ.

نعم قد يحتمل أن تكون هذه الروايات مختصة بمن نسي مسح رأسه فليكن المسمى كافيا في حقه- في مسح الرجلين- و لا دلالة لها على كفاية المسمى في غير ناسي المسح. و يندفع بأن الأخبار المتقدمة و ان كانت واردة في خصوص ناسي المسح غير ان المستفاد منها انه لا خصوصية للناسي في الحكم المذكور. بل انما هو يمسح بالمقدار الذي يعتبر في المسح لو لا النسيان و ذلك لقوله (ع) في بعضها: ان كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه و رجليه فليفعل ذلك و ليصل [2] فالمقدار الذي يعتبر مسحه في الوضوء مقدار واحد في كل من الناسي و غيره إلا ان الناسي له أن يأخذ البلل من لحيته و حاجبيه و نحوهما.

«الرابع»: السيرة المتحققة بين المتشرعة فإنها حجة ممضاة من غير نقاش و السر في ذلك ظاهر فان المكلف يبتلى بالوضوء في كل يوم ثلاث مرات- على الأقل- فلو كان الاستيعاب في مسح الرجلين واجبا في مثله كما ادعاه الصدوق (قده) لظهر و بان و لكان ذلك من الأمور الواضحة عندهم فالتسالم القطعي بين أصحابنا «قدهم» كاشف قطعي عن عدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين حيث لم ينقل ذلك عن غير الصدوق (قده) نعم مال اليه المحقق الأردبيلي (قده) على ما حكى

____________

[2] ضعيفة بالقاسم بن عروة

____________

(1) المروية في ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل

186

و يجزى الابتداء بالأصابع و بالكعبين (1) و الأحوط الأول

____________

كما عرفت. و على ذلك لا مناص من رفع اليد عن صحيحة البزنطي و تقييدها بمقتضى الأدلة الأربعة المتقدمة و الاكتفاء في مسح الرجلين بالمسمى عرضا، فقد اتضح بما ذكرناه ان الحق هو ما ذهب اليه المشهور في المسألة بعد ما قدمناه من بطلان الأقوال الأخر كما مر.

جواز المسح مقبلا و مدبرا:

(1) و قد يعبر عن ذلك بالمسح مقبلا و مدبرا و الوجه في كفاية المسح من طرف الكعب إلى الأصابع صحيحة حماد عن أبي عبد اللّٰه (ع) المروية تارة في خصوص مسح القدمين «قال: لا بأس يمسح القدمين مقبلا و مدبرا» (1) و أخرى في مسح الوضوء «قال: لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا» (2) و من هنا احتمل اتحاد الروايتين على ما أشرنا إليه في مسح الرأس.

و مرسلة يونس قال: أخبرني من رأى أبا الحسن (ع) بمنى يمسح ظهر القدمين من أعلى القدم إلى الكعب و من الكعب إلى أعلى القدم و يقول: الأمر في مسح الرجلين موسع من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا، فإنه من الأمر الموسع ان شاء اللّٰه (3) و قوله من أعلى القدم أريد منه الأصابع بقرينة قوله إلى الكعب هذا على أن جواز النكس هو المطابق للقاعدة لإطلاق الآية المباركة و الأخبار الآمرة بمسح الرجلين إلى الكعبين من دون تقييده بشيء كما لا يخفى على من لاحظ الأخبار البيانية

____________

(1) المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل.

187

..........

____________

الواردة في الوضوء.

و ليس في البين ما يقتضي وجوب المسح من الأصابع إلى الكعبين غير قاعدة الاشتغال- بناء على أن المورد مورد الاشتغال دون البراءة- إلا أن من الواضح أن أصالة الاشتغال مما ليس له معارضة الأخبار و الدليل.

و قد جاء في كلام المحقق الهمداني (قده) «و الوضوءات البيانية» و لم نقف نحن على شيء من الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية يدلنا على أن المسح لا بد أن يكون من طرف الأصابع إلى الكعبين.

و أما ما ورد في الآية المباركة و بعض الأخبار المتقدمة من تحديد مسح الرجلين إلى الكعبين فقد تقدم ان قوله إلى الكعبين غاية للممسوح دون المسح كما ان الغاية في غسل الوجه و اليدين غاية للمغسول دون الغسل هذا كله في جواز المسح نكسا

هل يجوز المسح بسائر الكيفيات؟:

فهل يجوز المسح بغير ذلك من الأنحاء و الكيفيات كما إذا مسح نصف رجله مقبلا و نصفها الآخر مدبرا بأن مسح إلى منتصف القدم من طرف الأصابع و مسح النصف الآخر من طرف الكعبين فتلاقيا في الوسط أو مسح من اليمين إلى الشمال و بالعكس أو مسح مؤربا أو لا يجوز؟

فيه خلاف بين الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم). و ذهب المحقق الهمداني (قده) إلى عدم الجواز. و يبتني هذه المسألة على تحقيق أن مقتضى الإطلاقات و صحيحة البزنطي- أعني القاعدة الأولية- مع قطع النظر عن صحيحة حماد أي شيء؟ فهل مقتضى القاعدة عدم جواز المسح

188

كما أن الأحوط تقديم الرجل اليمنى على اليسرى (1) و ان كان الأقوى جواز مسحهما معا. نعم لا يقدم اليسرى على اليمنى

____________

إلا من طرف الأصابع إلى الكعبين و قد خرجنا عن مقتضى القاعدة و الإطلاقات في خصوص المسح نكسا بدلالة صحيحة حماد المتقدمة فتبقى بقية الكيفيات تحت القاعدة و إطلاقات المنع أو ان القاعدة و الإطلاقات لا يقتضيان عدم جواز المسح بسائر الكيفيات؟

الثاني هو الصحيح و ذلك لان الآية المباركة و الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية لا تعرض في شيء منهما على الكيفية المعتبرة في المسح المأمور به و قد أسلفنا ان التحديد في الآية المباركة و في بعض الأخبار البيانية بقوله: الى الكعبين. انما يرجع الى الممسوح دون المسح.

و صحيحة البزنطي المتقدمة أيضا كذلك لأنها بصدد بيان المقدار المعتبر بحسب الكم و من هنا سأله الراوي عن جواز المسح بإصبعين. و ليس لها نظر الى بيان الكيفية المعتبرة في المسح فعلى ذلك مقتضى إطلاق قوله عز من قائل وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ و إطلاق الاخبار الآمرة بمسح الرأس و الرجلين كما في الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية جواز المسح كيف ما اتفق فلا مانع من مسح مقدار من الرجل مقبلا و مقدار آخر مدبرا و المسح من اليمين إلى الشمال أو بالعكس أو المسح موربا.

تقديم الرجل اليمنى على اليسرى:

(1) ذهب جمع كثير من الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم) إلى عدم اعتبار الترتيب في مسح الرجلين و أن للمتوضئ أن يمسحهما معا كما أن له يمسح على اليسرى مقدما على مسح اليمنى و بالعكس. و ذهب جماعة

189

..........

____________

آخرون من قدماء أصحابنا و متأخر بهم «قدهم» إلى اعتبار الترتيب بينهما و انه لا بد من تقديم مسح اليمنى على اليسرى بل ادعى على ذلك الإجماع في بعض الكلمات و هذا القول و ان ذهب اليه جمع كثير إلا أن القائل بالقول الأول أكثر فهو الأشهر و ذاك مشهور.

و التزم جماعة قليلون بالتخيير بين مسح الرجلين معا و مسح إحداهما قبل الأخرى الا أنه على تقدير عدم مسحهما معا يقدم اليمنى على اليسرى كما اختاره الماتن (قده) هذه هي أقوال المسألة و منشأ الخلاف هو اختلاف الانظار فيما يستفاد من الروايات.

و يدل على القول الأشهر إطلاق الآية المباركة و الاخبار الواردة في الوضوءات البيانية حيث اشتملت على الأمر بمسح الرجلين من دون ان يتعرض إلى اعتبار الترتيب بينهما بل و سكوته (ع) عن بيان ذلك مع كونه بصدد البيان و ناظرا الى اعتبار الترتيب بين أفعال الوضوء، حيث قال (ع) ابدأ بما بدء اللّٰه به فاغسل وجهك أولا. ثم اغسل اليدين ثم امسح على رأسك و رجليك [1] و لكنه سكت عن بيان اعتبار الترتيب في مسح الرجلين.

و بإزاء ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (ع) في حديث قال: امسح على القدمين و ابدأ بالشق الأيمن (2) مؤبدة ببعض الاخبار الضعاف كرواية أبي هريرة و غيرها (3) كما ورد في قباله أيضا التوقيع المروي عن الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان (ع) أنه كتب اليه

____________

[1] هذا مضمون صحيحة زرارة المروية في ب 34 من أبواب الوضوء و قد صرح بجملة «ابدأ بما بدأ اللّٰه في ذيل هذه الصحيحة و صحيحة زرارة الأخرى المروية في ب 34 من أبواب الوضوء فليلاحظ.

____________

(2) المروية في ب 34 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 34 من أبواب الوضوء من الوسائل.

190

..........

____________

يسأله عن المسح على الرجلين بأيهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا معا؟

فأجاب (ع) يمسح عليهما جميعا معا فان بدأ بإحداهما قبل الأخرى فلا يبدأ إلا باليمين (1) إذا عرفت ذلك فليتكلم في جهتين:

«الجهة الأولى»: في أن صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة هل تصلح أن يقيد بها الإطلاقات المتقدمة الدالة على عدم اعتبار الترتيب في مسح الرجلين أو انها غير صالحة لذلك. فعلى تقدير كونها صالحة للتقييد بها يسقط بذلك القول الأشهر لا محالة.

ثم بعد ذلك نتكلم في الجهة الثانية في أن خبر الاحتجاج هل يرفع به اليد عن إطلاق صحيحة محمد بن مسلم فتقيدها- لأجله- بما إذا لم يمسحهما جميعا أو أنه غير صالح لذلك؟ فعلى الأول يثبت به ما ذهب اليه الماتن «قدس اللّٰه سره» كما أنه على الثاني يثبت به قول المشهور في المسألة فتجب مراعاة الترتيب في مسح الرجلين بتقديم مسح اليمنى على اليسرى.

«أما الجهة الأولى»: فقد ذكر المحقق الهمداني (قده) أن الصحيحة و مؤيداتها لا تصلح أن تكون مقيدة لتلك المطلقات الكثيرة الواردة في محل الحاجة و ان رفع اليد عن إطلاق الآية و الروايات بالتزام إهمالهما أو أو احتفائهما بقرائن حالية أو مقالية أو بالتزام كونها مسوقة لبيان الحكم الظاهري دون التكليف الواقعي أو غير ذلك مما يصحح به تأخير ذكر القيد عن وقت الحاجة في مثل هذا الحكم العام البلوى- ليس بأهون من حمل الأمر في هذه الصحيحة و مؤيداتها على الاستحباب.

و لكن الظاهر أن الأمر ليس كما أفيد لأنه لا محذور في تقديم الصحيحة على كل من إطلاقي الآية و الروايات. أما إطلاق الآية المباركة فلأنه ما من إطلاق كتابي إلا و هو مقيد بشيء حيث أنه سبحانه لم يتعرض للخصوصيات

____________

(1) المروية في ب 34 من أبواب الوضوء من الوسائل.

191

..........

____________

المعتبرة في كل عبادة أو معاملة بل إنما أو كل بيانها إلى النبي (ص) و أوصياءه (عليهم السلام) فلا مانع من رفع اليد عن إطلاق الآية المباركة بتلك الصحيحة أبدا.

و أما إطلاقات الأخبار البيانية الآمرة بمسح الرأس و الرجلين فهي كإطلاق الآية المباركة. و قد عرف أنه لم ترد لبيان الكيفيات المعتبرة في المسح فلا محذور في تقديم الصحيحة عليها.

و العمدة في المقام هي الروايات المتكفلة لبيان الترتيب المعتبر بين أفعال الوضوء، لأنها مع كونها في مقام البيان لم يتعرض للترتيب المعتبر في مسح الرجلين بل إنما أمرت بالبدء بما بدء اللّٰه به من غسل الوجه أولا ثم غسل اليدين ثم مسح الرأس و الرجلين.

و يمكن الجواب عن ذلك بأن عدم تعرض الرواة لكيفية مسح الامام- (عليه السلام)- مع أنه قد مسحهما بكيفية من الكيفيات لا محالة، لاستحالة تحقق المسح المطلق خارجا، انما هو من جهة عدم كون مسحه (ع) مغايرا عن الطريفة المتعارفة المرسومة عند الناس أعني مسح اليمنى قبل مسح اليسرى، فلعله لأجل كونه على الوجه المتعارف لم يتعرضوا لنقل كيفيته فلو كان (ع) قد مسحهما على النحو غير المتعارف كمسحهما معا- مثلا- أو بتقديم اليسرى على اليمنى لنقلوها لا محالة.

فلو ادعى مدع القطع بأن الترتيب المعتبر لو كان على غير الطريقة المتعارفة لنقله الرواة لا محالة لم يكن دعواه دعوى بعيدة و عليه فإطلاق هذه الروايات و سكوتها عن التعرض للترتيب- و هي في مقام البيان- دليل على ما أشرنا إليه من اعتبار الترتيب المتعارف في مسح الرجلين و مع الإغماض عن ذلك فالقدر المتيقن انها غير متكفلة إلا للترتيب الوارد في الكتاب و ليست بعدد بيان غيره من الكيفيات المعتبرة في الوضوء.

192

و الأحوط أن يكون مسح اليمنى باليمنى و اليسرى باليسرى (1) و ان كان

____________

و من هنا لم يتعرض في جملة من الروايات لبيان الترتيب المعتبر في غسل اليدين مع ان الترتيب بينهما مما لا كلام في اعتباره، فالمتحصل أنه لا مانع من تقييد الإطلاقات المذكورة بالصحيحة المتقدمة و بذلك يظهر ضعف القول الأشهر و سقوطه عن الاعتبار.

(و أما الجهة الثانية) و ان خبر الاحتجاج هل يصلح أن يقيد به صحيحة محمد بن مسلم أو أنه غير صالح لذلك فيبتني ذلك على أن طريق الطبرسي إلى الحميري طريق معتبر كما التزم به بعضهم أو انه مما لم يثبت اعتباره؟ و قد ناقشنا فيه سابقا و قلنا إن طريقه لم يعلم اعتباره فعلى الأول لا مناص من تقييد الصحيحة بذلك. و لا يضره عدم عمل المشهور على طبقه، لاحتمال أن يكون الوجه في ذلك عدم عثورهم عليه لعدم نقله في الجوامع المعتبرة كالتهذيب و الكافي و الفقيه و به يثبت ما ذكره الماتن (قده) من أن المكلف مخير بين مسح الرجلين معا و مسح أحدهما قبل الأخرى إلا أنه إذا مسح أحدهما دون الأخرى لا بد من أن يقدم مسح اليمنى على اليسرى.

و أما على الثاني كما هو الصحيح فالخبر ضعيف و به تبقى الصحيحة خالية عن المعارض فالأخذ بها و الحكم بثبوت مسح الرجلين لو لم يكن أقوى فلا أقل من أنه أحوط.

ما هو الأحوط في المقام:

(1) بل هذا هو المتعين و ذلك لأن الدليل على جواز المسح في كل من الرجلين بكل من اليدين كمسح اليسرى باليمنى و بالعكس أو مسح

193

لا يبعد جواز مسح كليهما بكل منهما

____________

كليهما باليمنى أو كلتيهما باليسرى انما هو الإطلاق في الكتاب العزيز و الأخبار البيانية الآمرة بمسح الرأس و الرجلين من غير تعيين آلة المسح و لكنا قيدنا إطلاقهما من هذه الجهة بما تقدم من الروايات الواردة في لزوم أن يكون المسح باليد.

و أما إطلاقهما من حيث كونه باليد اليمنى أو اليسرى فهو باق بحاله و مقتضاه جواز المسح في كل من الرجلين بكل واحدة من اليدين.

و كذا يدل عليه سكوتهم (عليهم السلام) في مقام البيان كما في الأخبار المتعرضة لاعتبار بعض الخصوصيات في الوضوء حيث لم يتعرض لاعتبار مسح اليمنى باليمنى و اليسرى باليسرى فلو كان ذلك أيضا معتبرا في المسح و الوضوء لبينه الامام (ع) كغيره لانه كان في مقام البيان، نعم ورد في صحيحة زرارة «و تمسح ببلة يمناك ناصيتك و ما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى و تمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى (1).

و هي و ان كانت واضحة الدلالة على التعيين إلا ان الماتن (قده) حملها على الاستحباب و بيان أفضل الأفراد تقديما لإطلاق الكتاب و الأخبار الكثيرة المتقدمة و سكوت بعضها عن اعتبار ذلك و هي في مقام البيان.

و يردّه: ما أشرنا إليه في المسألة المتقدمة من أنه ليس هناك أي مانع من تقييد الإطلاقات المذكورة بالرواية المعتبرة لان المطلقات ليست بصدد البيان من تلك الناحية، و حيث ان الصحيحة ظاهرة في التعيين و وجوب مسح اليمنى باليد اليمنى و اليسرى باليد اليسرى، لان قوله (ع) و تمسح جملة فعلية ظاهرة في الوجوب لكونها في مقام الإنشاء و قد تقدم أنها جملة

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

194

و ان كان شعر على ظاهر القدمين فالأحوط الجمع بينه و بين البشرة في المسح (1)

____________

مستقلة و غير معطوفة إلى فاعل «يجزيك» المتقدم في صدر الصحيحة فلا مانع من تقديمها على إطلاقات الكتاب و السنة بوجه.

و أما الأخبار الساكتة عن بيان ذلك و هي في مقام البيان فالتحقيق- كما قدمناه- ان عدم تعرض الرواة لنقل هذه الخصوصية من جهة ان مسحهم- (عليهم السلام)- كان على النحو المتعارف عندنا أعني مسح اليمنى باليد اليمني و اليسرى باليد اليسرى و إلا فلو كان مسحهم (ع) على غير الطريقة المتعارفة بأن كان كالأكل من القفا أعني مسح اليمنى باليسرى و اليسرى باليمنى لوجب على الرواة نقل تلك الخصوصية لا محالة لأنها خصوصية زائدة يجب نقلها في مقام الحكاية و الأخبار إذا لا تبقى دلالة في ذلك على كفاية المسح مطلقا نعم يمكن أن يقال أن عملهم (عليهم السلام) لا يدل على وجوب ذلك و تعينه لاحتمال أن يكون مسح اليمنى باليمنى و اليسرى باليسرى مستندا إلى استحبابه و لأجله لم يهتم الرواة بنقله و لكن هذا الاحتمال غير مانع عن الأخذ بظاهر الصحيحة في الوجوب كما هو ظاهر فالمتحصل ان المتعين مسح الرجل اليمنى باليمنى و اليسرى باليسرى.

الأحوط الجمع في المسح:

(1) قد مر و عرفت ان الشعر النابت على الوجه لا بد من غسله في الوضوء و لا يجزى غسل البشرة عن غسله و أما النابت على اليدين فقد عرفت أنه لا بد من غسله مع اليدين كوجوب غسل غيره من التوابع كاللحم

195

..........

____________

الزائد إذ الإصبع الزائدة النابتة بين الأصابع و المرافق و ان لم يكن غسله مجزئا عن غسل البشرة إلا أنه تبعا للبشرة لا بد من غسله معها.

و أما النابت على الرأس فهو أيضا لا بد من مسحه و يجزى عن مسح نفس البشرة لأن الشعر و ان كان جسما خارجيا غير الرأس الواجب مسحه إلا ان الرأس لما لم يكن خاليا عن الشعر غالبا أو دائما كان الأمر بمسح الرأس راجعا إلى الأمر بمسح ما عليه من الشعر لغلبة وجوده معه.

و أما الشعر النابت على الرجلين فقد وقع محل الخلاف بين الاعلام فمنهم من ذهب إلى أن عدم أجزاء مسح الشعر عن مسح البشرة فلا بد من مسح بشرتهما نظرا إلى أن كلمة الرجل موضوعة لنفس البشرة و الشعر جسم خارجي قد ينبت على الرجلين و قد لا ينبت فالأمر بمسح الرجلين يقتضي وجوب مسح بشرتهما و عدم كفاية مسح الشعر عن مسحهما.

و منهم من قال بكفاية مسح الشعر عن مسح البشرة لأنه معدود من توابعهما و الأمر بمسحهما أمر بمسح التوابع لا محالة و ان إنكار ذلك مكابرة للوجدان و تكذيب لما أطبقت عليه كلمة العرف و من هنا لو أمر السيد عبده بإمرار يده على ساقه أو ساعده أو غيرهما من أعضائه لم يخطر بباله ازالة شعرهما- أولا- مقدمة للامتثال.

و الماتن (قده) لما لم يرجح أحد الأمرين على الآخر توقف في المسألة و احتاط- احتياطا لزوميا- بالجمع بين مسح كل من الشعر و البشرة هذا.

و لكن الاحتياط لا نرى له وجها في محل الكلام لأنه انما يحسن فيما إذا دار الأمر بين وجوب مسح البشرة على نحو لا يجزى عنه مسح شعرها و وجوب مسح الشعر على نحو لا يجزى عنه مسح البشرة، مع ان الأمر ليس كذلك.

196

..........

____________

لأن الشعر النابت على الرجلين ان كان خفيفا بحيث لا يمنع عن رؤية البشرة كما هو الموجود في كل إنسان متعارف حيث ينبت الشعر على أصابعه بل و على كعبه و أطرافه من دون أن يمنع عن وقوع الابصار على بشرته فلا إشكال في جواز المسح عليه و أجزاء ذلك عن مسح البشرة نفسها، لان الشعر و ان كان جسما خارجيا غير البشرة الا أن الرجل لما لم تكن خالية عن الشعر المتعارف كما عرفت كان الأمر بمسحها أمرا بمسح شعرها المتعارف أيضا على ما تقدم تفصيله عند التكلم على مسح الرأس، و المسح على مثل ذلك لو لم يكن مجزئا عن المأمور به في مقام الامتثال للزم أن ينبه عليه في الكلام فعدم البيان في مثله دليل على كفاية المسح على الشعر لا محالة.

و دعوى ان الشعر قد لا ينبت على الرجل و يبقى موضع المسح خاليا عن الشعر و معه لا يكون وجود الشعر على الرجل أمرا دائميا بل و لا غالبيا.

مندفعة: بأنها لو تمت فإنما تختص بغير الأصابع لأن الأصابع ينبت عليها الشعر دائما و لا يوجد بحسب المتعارف إنسان إلا و قد نبت الشعر على أصابعه بل و على كعبه و أطراف كعبه بحيث لو مسح من أول أصابعه إلى كعبيه على نحو الخط المستقيم لم يصل الخط إلى كعبيه إلا بالمرور على الشعر في مقدار من رجله نعم لو مسح على نفس البشرة أيضا كان كافيا في مقام الامتثال هذا كله فيما إذا كان الشعر خفيفا لا يمنع عن وقوع الابصار على البشرة.

و أما إذا كان الشعر كثيرا و خارجا عن المتعارف كما إذا نبت على تمام رجله أو أكثره على نحو يمنع عن رؤية البشرة تحته فلا ريب في جواز المسح على نفس البشرة وقتئذ لأن الشعر خارج عن الرجل و ليس

197

و تجب ازالة الموانع و الحواجب (1)

____________

أمرا متعارفا ليشمله الأمر بمسح الرجل و لا دليل على أن مسحه يجزى عن المسح المأمور به.

و أما صحيحة زرارة: كلما أحاط به الشعر فليس على العباد أو للعباد أن يبحثوا عنه و لكن يجرى عليه الماء (1) فقد قدمنا انها تختص بالوجه و لا يعم غيره، على أن الكلام في المقام انما هو في المسح و الصحيحة مختصة بالغسل بلا كلام لما في ذيلها من قوله (ع): يجرى عليه الماء و ذلك لان الجريان لا يتحقق إلا في الغسل و هذا ظاهر فالمتحصل ان مسح البشرة مجزئ على كل حال و معه لا مجال لما صنعه الماتن (قده) من الاحتياط بالجمع في المسح بين البشرة و الشعر.

يجب ازالة الموانع:

(1) لظاهر الكتاب و السنة لدلالتهما على وجوب مسح الرجلين و من الظاهر أن الرجل لا تصدق على الخف أو غيره من الموانع، إذا لا يكون المسح عليهما مسحا على الرجلين و هو المأمور به على الفرض، و في رواية الكلبي النسابة عن الصادق (ع) إذا كان يوم القيامة و ردّ اللّٰه كل شيء إلى شيئه و ردّ الجلد إلى الغنم فترى أصحاب المسح اين يذهب وضوئهم (2).

____________

(1) المروية في ب 46 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 38 من أبواب الوضوء من الوسائل و هي ضعيفة بمحمد علي لأنه الهمداني.

198

و اليقين بوصول الرطوبة إلى البشرة و لا يكفي الظن، و من قطع بعض قدمه مسح على الباقي (1)

وظيفة من قطع بعض قدمه:

____________

(1) و هذا لا لقاعدة أن الميسور لا يسقط بالمعسور لنناقش فيها بما ناقشنا به في محله و لا للتسالم المدعى في المقام حتى يناقش فيه باحتمال استناد المتسالمين إلى قاعدة أن الميسور لا يسقط بالمعسور.

بل لدلالة الكتاب و السنة فان قوله عز من قائل وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ. من تقابل الجمع بالجمع فيدلنا على أن كل واحد منكم يمسح رأسه و رجليه لوضوح ان كل أحد ليس له إلا رأس واحد و رجلان و ليس له رءوس و ارجل فإذا كان معنى الآية ذلك فتدلنا على أن الرجل يجب مسحها على حسب اختلافها بحسب الصغر و الكبر و كونها مقطوعة أو غير مقطوعة، إذ الرجل كما يصدق على الرجل غير المقطوعة كذلك تصدق على المقطوعة و لا مناص معه من مسحها.

و يؤيد ذلك صحيحة رفاعة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (ع) عن الأقطع فقال: يغسل ما قطع منه (1) و صحيحته الثانية عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال سألته عن الا قطع اليد و الرجل كيف يتوضأ؟ قال:

يغسل ذلك المكان الذي قطع منه (2) و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الا قطع اليد و الرجل قال: يغسلهما (3) و يستفاد من الأمر بغسلهما بقاء مقدار من مقطوعهما، و المراد بالغسل

____________

(1) المروية في باب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في باب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في باب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

199

و يسقط مع قطع تمامه (1)

____________

في الصحيحتين أعم من المسح و معناه غسل المقدار الباقي من اليد و مسح المقدار الباقي من الرجل و انما عبر بالغسل للتغليب و الازدواج هذا و لكن مستند الحكم في المقام هو الكتاب و السنة و الروايتان مؤيدتان للمدعى،

يسقط المسح عند قطع الرجل تماما:

(1) و ذلك لإطلاق الكتاب و السنة و مقابلة الجمع بالجمع و إن اقتضت الانحلال كما مر و دلت على ان كل أحد مأمور بأن يمسح رأسه و رجليه إلا أنه على نحو القضية الحقيقية لا محالة و مقتضاها حينئذ أنه يجب على كل أحد أن يمسح رأسه و رجليه على تقدير أن يكون له رجل و رأس لما ذكرناه غير مرة من أن القيود الخارجة عن الاختيار المأخوذة في المأمور به لا بد أن تكون مفروضة الوجود و مع عدمه لا يجب عليه مسح احدى رجليه أو كلتيهما إذا قطعتا معا و يبقى إطلاق الأمر بغسل الوجه و اليدين في الآية المباركة بحاله هذا أولا.

و ثانيا: أن قوله عز من قائل في ذيل الآية المباركة وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً يدلنا على أن الأمر بغسل الوجه و اليدين- أعني الوضوء- انما يختص بالواجدين. لوضوح أن التفصيل قاطع للشركة فالوضوء وظيفة الواجد للماء، كما أن التيمم وظيفة الفاقد.

و الفقدان انما يتحقق بأحد أمرين: أما بفقدان ذات الماء كما هو الغالب في المسافرين و لا سيما في الأزمنة القديمة في الصحاري و القفار.

و أما بعدم التمكن من استعماله لمرض أو نحوه، إذ المريض كثيرا ما يكون

200

(مسألة 25): لا إشكال في أنه يعتبر أن يكون المسح بنداوة الوضوء (1) فلا يجوز المسح بماء جديد، و الأحوط ان يكون بالنداوة الباقية في الكف فلا يضع بعد تمامية الغسل على سائر أعضاء الوضوء

____________

واجدا للذات إلا أنه عاجز عن استعماله لمرضه.

و حيث أن مقطوع الرجل أو الرجلين لا ينطبق عليه الفاقد بأحد المعنيين لوجود الماء عنده و تمكنه من استعماله و ان لم تكن له رجل فلا محالة يصدق عليه عنوان واجد الماء و معه يجب عليه الوضوء لأنه فريضة للواجد كما مر.

على أن الصلاة واجبة في حقه من دون شك. و لا صلاة إلا بطهور و التيمم غير سائغ في حقه لعدم صدق الفاقد عليه فيتعين عليه الوضوء لا محالة فإذا وجب فيجب من غير مسح لاستحالة التكليف بما لا يطاق ثم ان المعتمد عليه في المسألة انما هو ما قدمناه من إطلاق الكتاب و السنة دون التسالم حتى يناقش فيه باحتمال استناد المجمعين إلى قاعدة أن الميسور لا يسقط بالمعسور.

اعتبار كون المسح بنداوة الوضوء:

(1) لما تقدم عند التكلم على وجوب مسح الرأس و قلنا ان المسح بالماء الجديد غير مسموح و ما دل على جوازه و انه (ع) أمر بالمسح بالماء الجديد (1) محمول على التقية كما تقدم.

____________

(1) راجع ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل

201

لئلا يمتزج ما في الكف بما فيها، لكن الأقوى جواز ذلك (1)

____________

(1) هذا الذي ذكره الماتن (قده) قد ذهب إليه جماعة من الاعلام (قدس اللّٰه أسرارهم) و ذهب آخرون إلى عدم جوازه إلا مع جفاف بلة اليد و منشأ الخلاف في ذلك ان الروايات الدالة على لزوم كون المسح بالبلة الباقية كما ورد في الوضوءات البيانية من أنه (ع) مسح رأسه و قدميه إلى الكعبين بفضل كفيه و لم يجدد ماء أو لم يحدث لهما ماء جديدا على ما رواه زرارة و بكير (1) أو أنه مسح بما بقي في يده رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء كما في صحيحة زرارة (2) أو أنه مسح مقدم رأسه و ظهر قدميه ببلة يساره و بقية بلة يمناه كما في صحيحته الأخرى (3) و غيرها من الروايات هل تصلح أن تكون مقيدة للمطلقات من الآية المباركة و الاخبار الواردة بمضمونها، كما اشتمل على الأمر بمسح الرأس و الرجلين من دون تقييد بشيء [4].

أو انها غير صالحة لتقييدها و ان قيدناها بأن يكون المسح بواسطة اليد لا بالة أخرى بمقتضى الأخبار التي قدمناها في محلها، إلا ان إطلاقها من حيث كون المسح ببلة ما في اليد أو غيرها من الأعضاء بحاله؟ و تلك الأخبار غير موجبة لتقييد إطلاقاتها من هذه الجهة كما هو ظاهر.

____________

[4] و هي عدة روايات منها صحيحة زرارة: إذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك المروية في ب 23 من أبواب الوضوء و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (ع) في حديث. قال: و ذكر المسح فقال: امسح على مقدم رأسك و امسح على القدمين و إبداء بالشق الأيمن. المروية في ب 25 من أبواب الوسائل.

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

(3) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

202

..........

____________

و الصحيح ان الاخبار المذكورة غير صالحة لتقييد المطلقات و ذلك لأن الأخبار المذكورة إنما هي حكاية فعل من الامام (ع) و فعله بما هو فعل لا دلالة له على الوجوب و انما يستفاد الوجوب من اهتمام الرواة بنقله- مثلا- أو غير ذلك من القرائن.

و لا قرينة في تلك الأخبار على أن فعله (ع) مستند إلى الوجوب إذ من الجائز أن يكون مسحه ببلة يده من جهة استحبابه و مع هذا الاحتمال كيف يمكن الاستدلال بها على الوجوب هذا.

بل يمكن أن يقال: القرينة قائمة على أن تلك الروايات ليست ناظرة إلى بيان ان المسح يجب أن يكون بالبلة الباقية في اليد و ذلك لأنها ناظرة إلى بيان أن المسح لا بد أن يكون ببلة الوضوء و انه لا يجوز المسح بالماء الجديد كما عليه الجمهور فهذه الروايات غير صالحة للتقييد.

نعم ورد في صحيحة زرارة: و تمسح ببلة يمناك ناصيتك و ما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى و تمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى (1) و دلالتها على الوجوب واضحة، حيث دلت على أن مسح الرجل اليمنى باليد اليمنى لا بد من أن يكون ببللها كما أن مسح اليسرى باليد اليسرى لا بد أن يكون كذلك.

و بهذه الصحيحة نقيد المطلقات المتقدمة لأن قوله (ع) و تمسح جملة

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل