التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الغروي المزيد...
499 /
203

..........

____________

فعلية قد وردت في مقام الإنشاء فلا محالة يدلنا على الوجوب و ليست معطوفة إلى فاعل «يجزيك» على ما مر مفصلا.

و دعوى انها انما وردت لبيان أمر آخر و هو اعتبار تقدم مسح الرجل اليمنى على اليسرى و لا نظر لها إلى لزوم كون المسح بالبلة الباقية في اليد غير مسموعة. لأنها كما وردت لبيان الجهة الأولى كذلك وردت لبيان الجهة الثانية فهي ناظرة إلى كلتيهما و من هنا قيدت المسح بأن يكون بالبلة الباقية في اليد. و نظيرها صحيحة عمر بن أذينة الواردة في معراج النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء و رجليك إلى كعبيك (1) فإن الأمر ظاهر في الوجوب و هي أيضا قابلة للتقييد و بهاتين الصحيحتين نقيد المطلقات المتقدمة.

و أما الروايات الواردة في أخذ البلل من اللحية أو الحاجبين أو أشفار العينين فلم نجد فيها ما يدلنا على ما نحن بصدده إلا رواية واحدة و هي مرسلة الصدوق (قده) كما يأتي ذكرها.

و أما بقية الروايات المذكورة فلا دلالة لها على ذلك بوجه. لأنها انما تدل على وجوب أخذ البلة من اللحية أو الحاجبين لمن نسي المسح حتى دخل في الصلاة و أما وجوب الأخذ من بلة اليد ما دامت مبتلة فلا يكاد يستفاد منها بوجه فلا دلالة لها على أن الأخذ من بلة اللحية- مثلا- انما هو فيما إذا لم تكن اليد مبتلة و أما إذا كانت مبتلة فلا يجوز المسح ببلة اللحية- مثلا- فلا يمكن استفادتها منها كما عرفت فالاستدلال بها على تقييد المطلقات غير تام هذا.

على أن التمسك بإطلاقاتها غير صحيح في نفسه و ذلك مضافا إلى أن

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

204

..........

____________

الغالب يبوسة بلة اليد فيمن نسي المسح و دخل في الصلاة ان الروايات المذكورة قد دلت على وجوب الأخذ من بلة اللحية و الحاجبين و هذا مما يلائم الإطلاق أبدا لوضوح ان في صورة وجود البلة في اليد لا يجب أخذ البلة من اللحية أو غيرها بلا كلام و انما الكلام في جوازه و عدمه و أما الوجوب فهو مقطوع العدم حينئذ كما لا يخفى.

أضف إلى ذلك أن أكثرها ضعيفة الاسناد فلاحظ، فاطلاقات تلك الروايات غير قابلة للاعتماد عليها أبدا.

و أما مرسلة الصدوق عن الصادق (ع) ان نسبت مسح رأسك فامسح عليه و على رجليك من بلة وضوئك فان لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شيء فخذ ما بقي منه في لحيتك و امسح به رأسك و رجليك و ان لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك و أشفار عينيك و امسح به رأسك و رجليك و ان لم يبق من بلة وضوئك شيء أعدت للوضوء (1) فلا بأس بدلالتها على المدعى- مع الغض عن سندها.

نعم الأصحاب غير ملتزمين بالترتيب الوارد في الرواية أعني الترتيب بين الأخذ من بلة اللحية و الحاجبين، و لعل ذكر اللحية أولا من جهة ان بقاء البلة فيها أزيد من بقائها في الحاجبين لأنها تأخذ الماء أكثر مما يأخذه الحاجبان أو أشفار العينين، و لأجل ذلك قال (ع) و ان لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك إلخ و لم يقل و ان لم تكن بلة في لحيتك لاستحالة فقدان البلة من اللحية و بقائها في الحاجبين- عادة- هذا.

و قد جاء في كلام صاحب الحدائق (قده) بعد ذكر هذه المرسلة و مثلها رواية زرارة. و الظاهر أنه من سهو القلم و الاشتباه إذ ليست لزرارة رواية مثل مرسلة الصدوق (قده) نعم له رواية كيفية الأخبار

____________

(1) المروية في ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل

205

و كفاية كونه برطوبة الوضوء و ان كانت من سائر الأعضاء، فلا يضر الامتزاج المزبور. هذا إذا كانت البلة باقية في اليد، و اما لو جفت فيجوز الأخذ من سائر الأعضاء (1)

____________

الواردة في من نسي المسح و دخل في الصلاة و الآمرة بالمسح من بلة اللحية فليراجع (1).

أخذ البلل من سائر الأعضاء:

(1) لا اشكال و لا كلام في جواز أخذ البلل من اللحية عند جفاف اليد كما ورد في غير واحد من الروايات و هي و ان كان أكثرها ضعيفة السند إلا أن بينها رواية واحدة قابلة للاعتماد عليها في الاستدلال و هي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا ذكرت و أنت في صلاتك إنك قد تركت شيئا من وضوئك (الى أن قال) و يكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك (2) و هي بظاهرها و ان كانت مطلقة من حيث جفاف اليد و رطوبتها إلا أنه بالنظر إلى أن الأغلب جفاف نداوة اليد فيما إذا ترك المتوضّئ المسح و دخل في الصلاة و تكون الصحيحة كالمختصة بصورة جفاف اليد و تدلنا على أن من جفت يده ثم تذكر أنه ترك مسح الوضوء جاز له أن يأخذ من بلة لحيته و هذا مما لا كلام فيه.

و انما الكلام في أن الأخذ من اللحية هل يتعين حينئذ أو أنه بعد جفاف اليد لا ترتيب بين أعضاء الوضوء فله أن يأخذ البلل من لحيته كما

____________

(1) يراجع ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) يراجع ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل

206

..........

____________

أن له أخذ البلل من يده اليسرى أو من سائر أعضائه كحاجبيه و أشفار عينيه فيه كلام و خلاف بين الأصحاب «قدهم».

و قد يستدل على الثاني بإطلاقات ما دل على وجوب مسح الرأس و الرجلين من دون تقييده بشيء كما في الآية المباركة و غيرها من الروايات الآمرة بمسح الرأس و الرجلين بعد تقييدهما بأن يكون المسح ببلة اليد، إذ القدر المتيقن من التقييد انما هو صورة وجود البلة في اليد إذ حينئذ لا يجوز المسح ببلة غيرها من الأعضاء بلا كلام و أما إذا جفت و يبست فلا مناص من الرجوع إلى المطلقات و حيث أنه لا دليل على تقييد المطلقات المذكورة بشيء فمقتضاها جواز المسح ببلة الوضوء سواء أ كانت البلة بلة اللحية أو بله غيرها من أعضاء الوضوء.

و يدفعه أمران:

«أحدهما»: ما حققناه في المباحث الأصولية من ان إطلاق دليل المقيد مقدم على إطلاق دليل المطلق و بما أن ما دل على لزوم كون المسح بالبلة الموجودة في اليد غير مقيد بحالة رطوبة اليد و عدم جفافها فلا مناص من رفع اليد بذلك عن المطلقات في كلتا صورتي رطوبة اليد و يبوستها و الحكم بأن المسح ببلة اليد مطلقا جزء معتبر في الوضوء.

و ذلك لان صحيحة زرارة و غيرها مما قدمنا دلالته على التقييد قد وردت إرشادا إلى اعتبار المسح ببلة اليد و جزئية ذلك في الوضوء بلا فرق في ذلك بين صورتي التمكن من المسح ببلة اليد و عدمه و معه لا إطلاق للمطلقات بعد يبوسة اليد حتى لتمسك بها في إثبات جواز المسح ببلة أعضاء الوضوء لوضوح أن كفاية المسح ببلة غير اليد وقتئذ يحتاج إلى دليل و لم يقم دليل الا على كفاية المسح ببلة اللحية فحسب فلا مناص من الاقتصار عليه و الحكم بعدم جواز المسح ببلة غيرها من الأعضاء.

207

..........

____________

«ثانيهما»: أنه على تقدير التنازل و تسليم صحة الرجوع الى المطلقات في غير الصورة المتيقنة من تقييدها و هي صورة رطوبة اليد اعنى ما إذا لم يتمكن المتوضئ من المسح ببلة اليد فالمطلقات غير منطبقة على ما نحن فيه.

و ذلك لضرورة أن عدم التمكن من المسح ببلة اليد الذي عرفت أنه جزء للمأمور به يختص بالوضوء المأتي به و لا يعم طبيعي الوضوء لوضوح ان المكلف يتمكن من أن يأتي بفرد آخر من الوضوء و يمسح فيه ببلة يده «و ما سلمناه من شمول المطلق لصورة العجز من الجزء أو القيد فإنما هو فيما إذا كان العجز و عدم التمكن من إثباته غير مختص بفرد دون فرد كما إذا عجز عن إتيانه بين المبدأ و المنتهى على ما شرحنا تفصيله في بحث الأصول و حيث ان المكلف في المقام متمكن من إتيان الجزء المعتبر في المأمور به في ضمن فرد آخر من أفراد الطبيعي المأمور به فلا وجه لدعوى شمول المطلقات للفرد الناقص بوجه، و أخرى يستدل على عدم تعين المسح ببلة اللحية بمرسلة الصدوق المتقدمة بتقريب ان ظاهرها ان المدار على المسح ببلة الوضوء كما في قوله فامسح عليه و على رجليك من بلة وضوئك بلا فرق في ذلك بين بلة عضو و بلة عضو آخر.

و أما الترتيب الذي أشير إليه في المرسلة من المسح ببلة اللحية أولا فالظاهر أنه من جهة أن اللحية تشتمل على البلة أكثر مما يشتمل عليه غيرها من الأعضاء فيكون جفافها بعد جفاف بقية الأعضاء و من هنا لم يقل:

فإذا لم تكن بلة في لحيتك فخذ من حاجبيك لانه بعيد عادة و انما قال:

و ان لم يكن لك لحية هذا، و ظهور المرسلة في المدعى و ان كان غير قابل للإنكار غير ان ضعف

208

..........

____________

سندها- بالإرسال- مانع عن الاعتماد عليها في مقام الاستدلال و المتحصل ان المسح لا بد و ان يكون ببلة اللحية بعد يبوسة اليد: بل الأقوى عدم جواز المسح بغير بلتها فيما إذا لم يكن هناك لحية أو كانت و لكنها يبست فلا يجوز المسح ببلة الحاجبين أو أشفار العينين لعدم دلالة الدليل على كفاية المسح ببلة غير اللحية.

نعم وردت في ذلك عدة روايات الا انها ضعيفة السند كما أشرنا إليه- سابقا- و يدل على ما ذكرناه موثقة مالك بن أعين عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: من نسي مسح رأسه ثم ذكر أنه لم يمسح فان كان في لحيته بلل فليأخذ منه و ليمسح رأسه و ان لم يكن في لحيته بلل فلينصرف و ليعد الوضوء (1).

و قد يقال: ان عدم تعرض الرواية لا خذ البلة من غير اللحية و حكمها بالإعادة عند عدم البلة في اللحية لعله من جهة ان من البعيد- عادة- بقاء الرطوبة في غير اللحية من الحاجبين أو أشفار العينين أو غيرهما من الأعضاء مع يبوسة بلة اللحية، فلأجل التلازم العادي بين يبوسة اللحية و يبوسة الحاجبين و الأشفار أو غيرهما أمر (ع) بإعادة الوضوء عند يبوسة اللحية لا من جهة عدم كفاية المسح ببلة غير اللحية من الأعضاء كما لا يخفى.

و فيه: ان غلبة فقدان البلة في غير اللحية عند ارتفاعها و زوالها عن اللحية و ان كانت صحيحة كما ذكر إلا ان بقاء الرطوبة في غيرها من الأعضاء عند يبوسة اللحية أيضا كثير و ليس من الندرة بمكان و ذلك كما إذا تمندل و تنشف لحيته بعد الوضوء و تذكر أنه ترك المسح قبل أن ينشف يده فإن الرطوبة باقية في يده وقتئذ مع جفاف لحيته، و التمندل أمر متعارف

____________

(1) المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل

209

بلا اشكال من غير ترتيب بينها على الأقوى، و ان كان الأحوط تقديم اللحية و الحواجب على غيرهما من سائر الأعضاء. نعم الأحوط عدم أخذها (1) مما خرج من اللحية عن حد الوجه، كالمسترسل منها،

____________

لدى الناس و ان احتمل كراهته أو استحباب تركه، و مع كون بقاء الرطوبة في غير اللحية أمرا كثيرا متعارفا إذا حكم بوجوب الإعادة عند جفاف اللحية و ارتفاع بللها فلا محالة يستفاد من ذلك عدم كفاية المسح بغير بلة اللحية كما ذكرناه.

أخذ البلة من المسترسل من اللحية:

(1) هل البلة الموجودة في المسترسل من اللحية الذي خرج عن حد الوجه كالبلة الموجودة في اللحية نفسها فيجوز المسح بها أو لا يجوز؟ فقد يقال بعدم الجواز نظرا إلى أن المسح لا بد أن يكون ببلة الوضوء على ما تقدم و عرفت و البلة الموجودة في غير مواضع الوضوء ليست من بلة الوضوء و عليه فيقع الكلام في أن بلة المسترسل من اللحية هل هي من بلة الوضوء أو انها ماء خارجي؟

ذكر المحقق الهمداني (قده) انها من بلة الوضوء لصدق انها من نداوته لدى العرف و لكن الصحيح انها ليست من نداوة الوضوء، لان المراد بماء الوضوء انما هو الماء الموجود في محاله دون مطلق الماء المستعمل في الوضوء و إلا لجاز المسح بالبلة الواقعة على الثوب أو البدن حال الوضوء أو بالماء المجتمع في الإناء عند الوضوء و من الظاهر ان مسترسل اللحية ليس من محال الوضوء لأنه خارج عما بين القصاص و الذقن فلا يجوز

210

و لو كان في الكف ما يكفي الرأس فقط مسح به الرأس (1) ثم يأخذ للرجلين من سائرها على الأحوط (2) و إلا فقد عرفت أن الأقوى جواز الأخذ مطلقا.

(مسألة 26) يشترط في المسح أن يتأثر الممسوح (3) برطوبة الماسح و أن يكون ذلك بواسطة الماسح (4) لا بأمر آخر،

____________

المسح ببلته و كذلك الحال فيما خرج عن حد الوضوء بحسب العرض لان بلله ليست من بلل مواضع الوضوء فلا يجوز المسح ببلته.

(1) لأنه مع وجود ما يكفي لمسح رأسه في الكف ليس له المسح ببلل غيره من الأعضاء.

(2) بل على الأقوى كما عرفت

شرطية تأثر الممسوح:

(3) بأن تكون اليد مبتلة ببلة الوضوء و لا تكون يابسة و الا لم يصدق عليه المسح ببلة ما في اليد من ماء الوضوء و ان كان يصدق عليه المسح باليد لما تقدم من أنه يعتبر في المسح أن يكون باليد و ان يكون ببلة الوضوء

(4) لما عرفت من اعتبار كون آلة المسح هي اليد فلا مناص من أن يكون المسح باليد فلو نقل الرطوبة إلى جسم آخر و مسح به رأسه و رجليه فهو ليس مسحا باليد و ان كان مسحا ببلة الوضوء و قد عرفت اعتبار كون المسح باليد و ان يكون ببلة الوضوء فلا يكفي أحدهما من دون الآخر في صحته.

211

و ان كان على الممسوح رطوبة خارجة (1) فان كانت قليلة غير مانعة من تأثير رطوبة الماسح فلا بأس و إلا لا بد من تجفيفها، و الشك في التأثير كالظن لا يكفي بل لا بد من اليقين.

إذا كانت على الممسوح رطوبة:

____________

(1) للمسألة صور ثلاث:

«الأولى»: أن تكون الرطوبة الموجودة في الممسوح قليلة جدا بحيث لا تمنع عن ظهور أثر المسح بالبلة في الممسوح كما إذا كانت الرجل رطبة بالعرق الخفيف أو رطوبة خارجية قليلة و لا إشكال في صحة الوضوء وقتئذ كما لا يجب تجفيف الموضع الممسوح بوجه و ذلك لانه لم يرد اعتبار الجفاف في الممسوح في آية أو رواية بل مقتضى إطلاقات الآية و الرواية عدم الاعتبار و انما التزمنا به تحقيقا لصدق المسح ببلة الوضوء و هو انما يتحقق فيما إذا لم تكن على الممسوح رطوبة كثيرة تمتزج برطوبة اليد و يمنع عن كون البلة بلة الوضوء.

و حيث ان المفروض قلة الرطوبة في هذه الصورة بحيث لا تمنع عن ظهور أثر المسح ببلة اليد فلا مناص من الحكم بصحته بمقتضى الإطلاقات المذكورة و صدق المسح ببلة الوضوء.

«الصورة الثانية»: ما إذا كانت رطوبة الممسوح كثيرة غالبة على رطوبة اليد أو متساوية معها أو كانت أقل الا انها في نفسها كثيرة تمتزج برطوبة اليد و تمنع عن كون المسح بخصوص بلة الوضوء لامتزاجها بغيرها و لا إشكال في هذه الصورة في عدم صحة المسح و لزوم تجفيف الموضع الممسوح تحقيقا للمسح ببلة الوضوء.

212

(مسألة 27) إذا كان على الماسح حاجب و لو وصلة رقيقة لا بد من رفعه، و لو لم يكن مانعا من تأثير رطوبته في الممسوح (1).

(مسألة 28): إذا لم يمكن المسح بباطن الكف يجزى المسح بظاهرها (2) و ان لم يكن عليه رطوبة نقلها من سائر المواضع اليه ثم يمسح به، و ان تعذر بالظاهر أيضا مسح بذراعه، و مع عدم رطوبته يأخذ من سائر المواضع، و ان كان عدم التمكن من المسح بالباطن من جهة

____________

«الصورة الثالثة»: ما إذا شككنا في ان الرطوبة الموجودة في الممسوح أي مقدار و هل هي بمقدار يمنع عن وصول بلة الوضوء إلى البشرة أو انها أقل و غير مانعة عن وصول البلة إليها؟ و لا بد في هذه الصورة من تحصيل العلم بقلة الرطوبة و عدم مانعيتها عن الوصول حسب قاعدة الاشتغال و لا يكفي الظن بالقلة و عدم المانعية لان حكمه حكم الشك و لا اعتبار به في الشريعة المقدسة بوجه كما ان أصالة عدم الحاجب أو المانع من وصول البلة إلى البشرة- كما قيل بها عند الشك في الحاجب- لا مجال له لأنها من الأصول المثبتة و لا يثبت بها ان البلة قد وصلت الى نفس البشرة.

(1) و ذلك لعدم صدق المسح باليد وقتئذ بل الفرض انه قد مسح بالخرقة أو بغيرها مما هو على اليد و قد وقع المسح به لا باليد كما تقدم نظيره في اعتبار عدم الحاجب على الممسوح لعدم كون المسح حينئذ مسحا على البشرة و ان كان الحاجب رقيقا، لان وقوع المسح على البشرة معتبر في صحته

إذا لم يمكن المسح بباطن الكف:

(2) كما إذا كانت على باطن الكف قرحة مانعة عن المسح بالباطن و هناك مسألتان:

213

عدم الرطوبة و عدم إمكان الأخذ من سائر المواضع أعاد الوضوء، و كذا بالنسبة إلى ظاهر الكف، فإنه إذا كان عدم التمكن من المسح به عدم الرطوبة و عدم إمكان أخذها من سائر المواضع لا ينتقل إلى الذراع بل عليه أن يصيد.

____________

«إحداهما»: ان المسح بباطن الكف إذا كان متعذرا أجزأه المسح بظاهرها فإذا لم يكن رطوبة على ظاهرها أخذها من سائر المواضع أو من خصوص اللحية- على الخلاف المتقدم- و هذه المسألة هي التي حكم فيها صاحب المدارك بلزوم المسح بظاهر الكف و كفايته عن المسح بالباطن و جعله حكما قطعيا باتا.

«و ثانيتهما»: ما إذا تعذر المسح بظاهر الكف كباطنه إما لأنه فاقد اليد و لا يد له أو له يد إلا أن ظاهرها كباطنها في عدم التمكن من المسح به لوجود قرحة أو غيرها من الموانع في كل منهما مسح بذراعه حينئذ و قد حكى عن صاحب المدارك (قده) أنه جعل الحكم بالمسح بالذراع أقوى و لم يذكر- في هذه المسألة- ان الحكم مقطوع به كما ذكره في المسألة الأولى.

و هناك مسألة ثالثة و هي ما إذا كان عدم التمكن من المسح بالباطن مستندا إلى يبوسته و ارتفاع الرطوبة عنه و لم يمكن نقلها اليه من سائر المواضع و لا بد حينئذ من الحكم ببطلان وضوئه و وجوب الإعادة في حقه فهذه مسائل ثلاث:

أما المسألة الثالثة فالوجه فيها في الحكم بالبطلان و وجوب الإعادة هو أن عجز المكلف عن المسح ببلة الباطن انما يختص بهذا الفرد الذي أتى به و المفروض أنه يتمكن من المسح ببلة الباطن في غيره من أفراد الوضوء لعدم عجزه عن تحصيل ذلك في الطبيعي المأمور به و معه لا بد من الحكم ببطلان الفرد المأتي به و وجوب الإعادة في ضمن فرد آخر لا محالة.

214

..........

____________

و أما المسألة الأولى فالحق فيها هو الذي حكم به الماتن (قده) و جعله في المدارك مقطوعا به و ذلك لا لأجل قاعدة الميسور التي ناقشنا في سندها و دلالتها في محله و لا لدعوى التسالم على جريان القاعدة في خصوص المقام، لأن دون إثبات ذلك خرط القتاد و لا لأصالة الاحتياط لما مر غير مرة من أن الأصل عند الشك في اعتبار شيء زائد في الوضوء انما هو البراءة دون الاحتياط.

بل الوجه في ذلك ان الحكم بوجوب كون المسح بباطن الكف لم يرد في شيء من الأخبار المتقدمة بل أن مقتضى إطلاق الآية المباركة و الروايات عدم اعتبار كون المسح بالكف و انما قلنا باعتبار من جهة ما استفدناه من الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية.

و حاصل ذلك ان الرواة لم ينقلوا- في رواياتهم- خصوصية مسح الامام (ع) و انه كان يمسح بغير باطن الكف مع انهم (عليهم السلام) لو كانوا مسحوا بظاهر الكف لوجب على الرواة و نقلة الآثار أن ينقلوا تلك الخصوصية لأنها خصوصية زائدة غير متعارفة و مثلها يحتاج إلى عناية لا محالة و نقل ذلك أمر لازم على الرواة فمن سكوتهم عن نقل تلك الخصوصية يستكشف أن مسحهم (عليهم السلام) قد كان على النحو المتعارف الدارج عندنا و هو المسح بباطن الكف و الأمر المتعارف العادي لا يحتاج إلى النقل.

و على ذلك يندرج المقام في كبرى كلية تعرضنا لتفصيلها في بحث الأصول و هي أنه إذا كان لدليل المطلق إطلاق و لم يكن لدليل التقييد ذلك كما إذا كان المقيد هو السيرة و الإجماع و نحوهما من الأمور اللبية التي لا إطلاق لها فعند الشك في سعة التقييد و ضيقه لا بد من الأخذ بإطلاق دليل المطلق و بما أن الأخبار الآمرة بمسح الرأس و الرجلين باليد مطلقة و غير مقيدة بأن يكون بباطن الكف، و دليل التقييد بالباطن لبى لا إطلاق له

215

..........

____________

لأنه أمر استفدناه من فعلهم (عليهم السلام) و هو كالسيرة و الإجماع مما لا إطلاق له فلا مناص من الاقتصار في التقييد بالقدر المتيقن و هو صورة التمكن من المسح بباطن الكف.

و في غير تلك الصورة يرجع إلى إطلاق الدليل الذي دلنا على لزوم كون المسح باليد كقوله (ع) في صحيحة زرارة: و تمسح ببلة يمناك ناصيتك .. (1) و مقتضى إطلاقها كفاية المسح بكل من ظاهر الكف و باطنه لصحة إطلاق اليد عليهما حقيقة.

و اما المسألة الثانية فالتحقيق فيها هو الذي ذكره الماتن (قده) و جعله صاحب المدارك أقوى حسب ما ينقل عنه (قده) و السر في ذلك هو انا انما قيدنا المطلقات الآمرة بمسح الرأس و الرجلين بأن يكون المسح باليد أي بما دون الزند للأخبار الواردة في الوضوءات البيانية من أنه (ع) يمسح رأسه و رجليه بيده و ذلك لوجوه ثلاث:

«الأول»: ان اليد و ان كان لها إطلاقات متعددة إلا ان الظاهر منها عند إطلاقها في مقابل الذراع انما هو ما دون الزند و قد ذكرت كلمة اليد في الأخبار المذكورة في مقابل الذراع (2) و هو قرينة على ارادة ما دون الزند من اليد.

«الثاني»: ما ورد في بعض تلك الاخبار- و هو روايتان- انه مسح

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) .. ثم أخذ كفا آخر بيمينه فصبه على يساره ثم غسل به ذراعه الأيمن «ثم أخذ كفا آخر فغسل به ذراعه الأيسر، ثم مسح رأسه و رجليه بما بقي في يديه.

المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

216

..........

____________

بكفه رأسه و رجليه (1) و لا يطلق الكف الا على ما دون الزند و حيث ان الروايات المذكورة كلها تحكي عن أمر واحد و هو فعله (ع) و وضوءه في الخارج فيعلم منها ان المراد باليد في بقية الروايات أيضا هو ما دون الزند أعني الكف.

«الثالث»: مناسبة الحكم و الموضوع لان لفظة اليد و ان صح إطلاقها على ما دون الزند تارة و على ما دون المرفق ثانيا و على ما دون المنكب ثالثا غير أن المحمولات المترتبة عليها ربما تعين المراد منها بحسب المناسبات و هي تختلف باختلاف ما يحمل عليها لا محالة.

فإذا قيل: قطعت يد فلان فلا يظهر من ذلك انها قطعت من أي موضع منها فهل انها قطعت مما دون الزند أو ما دون المرفق أو ما دون المنكب، إذ القطع يناسب الجميع إذا فهي مجملة كحالها قبل حمل القطع عليها. و لكن إذا قيل: كتبت بيدي. أو ضربت أو مسحت بها يتعين أن يكون المراد بها خصوص ما دون الزند لعدم مناسبة المحمولات المذكورة لغيره من معاني اليد و هذا ظاهر.

فبهذه الوجوه الثلاثة قيدنا الإطلاقات الآمرة بمسح الرأس و الرجلين غير انها انما تقتضي تقييدها بما دون الزند فيما إذا أمكن المسح باليد أى بما دون الزند و لا دلالة لها على القيدية المطلقة في كلتا حالتي التمكن و الاضطرار حتى يوجب سقوط الأمر بالمسح عند عدم التمكن من المسح بما دون الزند و على الجملة انها انما تقتضي القيدية في حالة التمكن من المسح بما دون الزند فحسب.

و ذلك لان الأخبار البيانية انما تحكي عن فعل النبي (ص) أعني

____________

(1) كما في صحيحتي زرارة و بكير الحديث 30 و 11 من الباب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

217

..........

____________

مسحه بما دون الزند و لكنه (ص) كان واجد اليد- أي ما دون الزند- و متمكنا من المسح به و لا إشكال في ان المسح به هو المتعين وقتئذ و لا دلالة لفعله (ص) على أنه قيد معتبر مطلقا و لو عند عدم التمكن من المسح بما دون الزند، لعدم اليد أصلا أو لوجود قرحة فيها أو المانع آخر.

و حمل المسح عليها و ان كان يقتضي إرادة ما دون الزند منها إلا أنه يختص بمن كان له ما دون الزند و كان متمكنا من المسح بها. و أما من لا يد له أعني ما دون الزند فقوله: مسحت بيدي لا يناسب ارادة ما دون الزند بوجه و عليه فإطلاق الاخبار و الآية المباركة في حق من لا يد له أو له يد و لا يتمكن من المسح بما دون زنده باق بحاله فيدلنا على ارادة المسح بذراعه حينئذ فالتقييد بخصوص ما دون الزند انما هو فيما إذا تمكن من المسح به.

و عليه فما جعله صاحب المدارك أقوى و ذهب اليه الماتن (قده) من تعين المسح بالذراع عند عدم التمكن من المسح بما دون الزند هو الصحيح إلا ان ظهور الحكم في هذه المسألة ليس بمثابة ظهوره في المسألة الأولى المتقدمة و من هنا ذكر (قده) ان الحكم هناك مقطوع به و أما هنا فقد جعله أقوى حسب ما حكى عنه. و ليس مستند الحكم هنا و هناك قاعدة الميسور أو أصالة الاحتياط لتكون المسألتان من واد واحد و يستشكل على صاحب المدارك بعدم ظهور الفرق بين المسألتين فلما ذا جعل الحكم في أحدهما مقطوعا به دون الأخرى.

و ذلك لان المستند في كلتا المسألتين و ان كان هو الرجوع الى المطلقات و التمسك بإطلاق دليل المطلق في غير المقدار المتيقن من دليل المقيد لعدم إطلاق دليل التقييد، الا ان بينهما فرقا من جهة ان المطلقات في المسألة الأولى مما لا خدشة فيه لقوله (ع) و تمسح ببلة يمناك ناصيتك (1)

____________

(1) راجع ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

218

..........

____________

و غيرها من الأخبار الآمرة بالمسح باليد التي قيدناها بخصوص باطن الكف في صورة التمكن من المسح بالباطن.

و أما المطلقات في هذه المسألة أعني الآية المباركة و الأخبار الآمرة بمسح الرأس و الرجلين المقيدتين بما دون الزند بمقتضى الوجوه المتقدمة فهي محل اشكال و كلام و لم يثبت على وجه الجزم و التأكيد لما مر و عرفت من أن المطلقات المذكورة يدور أمرها بين احتمالات ثلاثة:

«أحدهما»: أن يقال بإهمالها و عدم كونها في مقام البيان من هذه الناحية.

«ثانيها»: أن يقال انها تنصرف الى المسح المتعارف و هو المسح بما دون الزند.

«ثالثها»: أن يقال انها في مقام البيان فهي مطلقة و تدل على كفاية المسح ببلة الوضوء و لو كان بواسطة الأجسام الخارجية كما إذا جعل الخشبة مبللة ببلة الوضوء و مسح بها رأسه و رجليه فأمرها يدور بين تلك الاحتمالات و لا إطلاق لها على التقديرين الأولين و انما يثبت لها الإطلاق على الاحتمال الثالث فقط و نحن و ان قوينا إطلاقها و التزمنا بكونها مطلقة الا انه محل الكلام و النزاع و هذا بخلاف الإطلاق في المسألة الأولى لأنه مما لا كلام في ثبوته كما مر و من هنا ذكرنا ان تعيين المسح بالذراع أقوى كما حكى عن صاحب المدارك (قده).

و اما الحكم في المسألة الأولى فهو- كما قدمناه- مقطوع به بحسب مقام الإثبات و لعل هذا هو الذي دعا صاحب المدارك (قده) الى جعل الحكم في المقام أقوى كما حكى أو انه (قده) لا يرى ثبوت الإطلاق لتلك المطلقات باختيار أخذ المحتملين الأولين و يتمسك بقاعدة الاشتغال كما هو الحال عند عدم الإطلاق لدليلي المطلق و المقيد. بناء على ان المقام

219

..........

____________

من موارد التمسك بقاعدة الاشتغال دون البراءة.

و هذا بخلاف المسألة المتقدمة فإن الإطلاقات فيها هي المحكمة و لا تصل النوبة فيها الى الأصل العملي ليختار أصالة الاشتغال و نحن و ان قوينا الإطلاق في المقام أيضا و لم نراجع أصالة الاشتغال لان المورد من موارد البراءة الا ان ظهور الحكم في هذه المسألة ليس بمثابة ظهوره في تلك المسألة فما نسب الى صاحب المدارك (قدس سره) من ذهابه الى الفرق بين المسألتين هو الصحيح.

هذا كله بناء على صحة الحكاية المتقدمة عن صاحب المدارك (قده) و انه فصل بين المسألتين المتقدمتين بجعل الحكم في الأولى مقطوعا به و في الثانية أقوى و لكننا راجعنا المدارك في تلك المسألة و ظهر أن ما حكى عنه في المسألة الأولى من جعله وجوب المسح بظاهر اليد قطعيا صحيح و مطابق لما في المدارك.

و أما ما حكى عنه في المسألة الثانية من جعله المسح بالذراع أقوى فهو غير موجود في المدارك أصلا. نعم المسألة الثانية ذكرها الشهيد في الذكرى و قال: فالأقوى جوازه بالذراع، و صاحب الجواهر (قده) قد نقل كلتا المسألتين متصلتين فنقل المسألة الأولى عن المدارك و الثانية عن الشهيد (قدس سره) في الذكرى و توهم من ذلك ان المسألتين منقولتان عن المدارك فلاحظ.

220

(مسألة 29): إذا كانت رطوبة على الماسح زائدة بحيث توجب جريان الماء على الممسوح لا يجب تقليلها (1) بل يقصد المسح بإمرار اليد و ان حصل به الغسل، و الاولى تقليلها.

إذا كانت على الماسح رطوبة زائدة:

____________

(1) لا ينبغي الإشكال في أن الغسل في الرأس و الرجلين لا يجزى عن المسح المأمور به فيهما على ما نطق به غير واحد من الروايات و انما الكلام في ان الغسل و المسح أمران متباينان و لا يجتمعان في مورد واحد ليحكم بعدم تحقق المسح عند العلم بتحقق الغسل، أو أن بينهما عموما من وجه فيهما متخالفان كالحلاوة و الحمرة، فقد يكون غسل و لا مسح و اخرى يكون مسح و لا غسل و ثالثة يجتمعان و حيث ان الغسل لم يثبت كونه مانعا عن المسح و انما ثبت عدم اجزائه عن المسح فلا مانع من الاكتفاء بالمسح مع تحقق الغسل معه؟

الثاني هو الصحيح لان الغسل عبارة عن جريان الماء أو أسرائه من محل إلى محل مع الغلبة و المسح عبارة عن إمرار اليد على الممسوح و هما أمران قد يجتمعان و الغسل غير مانع عن تحقق المسح كما عرفت فالتقليل غير واجب. نعم هو أولى خروجا عن شبهة الخلاف و تحصيلا للجزم بالامتثال.

221

(مسألة 30): يشترط في المسح إمرار الماسح على الممسوح (1) فلو عكس بطل. نعم الحركة اليسيرة في الممسوح لا تضر بصدق المسح.

شرطية إمرار الماسح على الممسوح:

____________

(1) اعلم ان للمسح معنيين.

«أحدهما»: إزالة الوسخ و العلة و نحوهما كما إذا قيل مسحت يدي بالحجر أي أزلت الوسخ عنها كما يقال- في مقام الدعاء- مسح اللّٰه مالك من علة. و منه الدرهم الممسوح و هو الذي زالت نقوشه فصار أملس و منه إطلاق المسح على الكذاب لانه يزيل الحق و يقيم الباطل مقامه. و لعل له معنى آخرا به أطلق على المسيح على نبينا و آله و (عليه السلام) و من البين الظاهر ان المسح بهذا المعنى لم يؤخذ فيه الإمرار و لا دلالة له على ان الإزالة كانت بإمرار اليد على الحجر أم كانت بإمرار الحجر على اليد أو ان زوال نقوش الدرهم من جهة إمراره على شيء أو لإمرار الشيء على الدرهم و هذا ظاهر.

و «ثانيهما»: الإمرار، كما إذا قيل مسحت برأس التيمم فان معناه: أمررت يدي على رأسه لا أنه أمر رأسه على يده و هو نظير قولنا:

مسحت الحجر بالدهن أي أمررت يدي على الحجر و فيها دهن. و على ذلك فمعنى مسحت رأسي أو رجلي بالبلة: أمررت يدي عليهما و فيها بلة لوضوء و من الواضح ان المسح في المقام انما هو بالمعنى الثاني دون الأول لوضوح أنه لأوسخ و لا علة في الرأس أو الرجلين ليراد إزالتها باليد.

بل يصح استعمال كلمة «المسح» مع جفاف كل من اليد و الرأس فضلا عن كون أحدهما وسخا أو مشتملا على أمر يراد إزالته باليد.

222

(مسألة 31) لو لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح من جهة الحر في الهواء أو حرارة البدن أو نحو ذلك و لو باستعمال ماء كثير بحيث كلما أعاد الوضوء لم ينفع فالأقوى جواز المسح بالماء الجديد (2).

____________

فيصح أن يقال: مسحت رأسي أي أمررت يدي على رأسي مع جفافهما و عليه فلا مناص من اعتبار إمرار الماسح و هو اليد على الممسوح بإمكانه و إمرار اليد عليه فلو عكس فأسكن يده و أمر رأسه أو رجليه عليها بطل.

نعم الحركة اليسيرة في الممسوح غير مضرة بصدق المسح فما أفاده الماتن (قده) هو الصحيح.

إذا لم يمكن حفظ الرطوبة:

(1) المشهور بينهم أنه إذا لم يمكن حفظ الرطوبة في اليد جاز المسح بالماء الجديد، بل في الجواهر أنه لم يعثر على مفت بالتيمم في حقه.

و الماتن (قده) بعد الحكم بجواز المسح بالماء الجديد احتاط بالجمع بين المسح باليد اليابسة و المسح بالماء الجديد و التيمم. و الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين.

«إحداهما»: ما ذكره الماتن من احتمال وجوب المسح باليد اليابسة لأنه لو لم يحتمل ذلك لم يحتط بالجمع بينه و بين المحتملين الآخرين فنتكلم في أن ذلك محتمل في المسألة أو أنه غير محتمل في محل الكلام:

و «ثانيتهما»: في ان الواجب في المسألة هل هو التيمم أو المسح بالماء الجديد.

«أما الجهة الأولى»: فالصحيح ان وجوب المسح باليد اليابسة غير محتمل في المسألة و ذلك لان المسح بالماء الجديد إما واجب كما إذا تم

223

..........

____________

أحد الوجوه المستدل بها على وجوبه و عمدتها قاعدة الميسور بدعوى ان المسح بالماء الجديد ميسور المسح بالبلة الوضوئية المفروض تعذره كما يأتي تفصيله.

و إما انه غير مانع عن المسح الواجب كما إذا لم يتم شيء من الوجوه المستدل بها على وجوب المسح بالماء الجديد و قلنا بوجوب المسح مطلقا و لو باليد اليابسة و ذلك لانه لم يدلنا أي دليل على وجوب كون المسح باليد اليابسة بحيث لو مسح بيده و هي متعرقة- مثلا- أو مبتلة بالماء الخارجي بطل مسحه.

فإن الأخبار البيانية التي منعت عن المسح بالماء الجديد بقوله (ع) و لم يعدهما في الإناء (1) و نحو ذلك فإنما تختص بما إذا كانت اليد مبتلة ببلة الوضوء إذ المستفاد من الروايات المتقدمة على اختلاف في متنها انه (عليه السلام) انما لم يعد يديه في الإناء لكونهما مبتلتين ببلة الوضوء.

و قد عرفت أنه مع التمكن منها لا يجوز المسح بالماء الجديد و لا دلالة في الروايات المذكورة على ان اليد إذا لم تكن مبتلة ببلة الوضوء وجب ان يمسح باليد اليابسة بحيث لو مسح بعده و هي رطبة بطل مسحه بل لا مانع عن المسح باليد حينئذ و لو كانت مبتلة بالماء الجديد أو بغيره من المياه المضافة فإن اللازم وقتئذ انما هو مطلق المسح باليد سواء أ كانت رطبة أم يابسة و عليه فهذا الاحتمال ساقط و الأمر يدور بين وجوب المسح بالماء الجديد و وجوب التيمم في حقه.

و «أما الجهة الثانية»: فقد استدل المشهور بوجوه:

«الأول»: و هو العمدة قاعدة الميسور بتقريب ان الواجب في المسح المأمور به في الوضوء أن يكون المسح بالبلة المقيدة بكونها بلة الوضوء

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

224

..........

____________

و حيث ان تلك الخصوصية متعذرة فلا محالة يسقط التقييد و يجب المسح بمطلق البلة و لو كانت بلة خارجية لأن المسح بالبلة الخارجية ميسور البلة المقيدة بكونها من بلة الوضوء و لا يسقط الميسور بالمعسور أبدا.

و يندفع بالمنع عن كل من الكبرى و الصغرى المذكورتين. أما الكبرى فلما ذكرناه في محله من ان تلك القاعدة مضافا إلى ضعف مدركها لانه نبوي و علوي و كلاهما ضعيف أن إخبارها قاصرة الدلالة على ان المركب إذا تعذر شرط أو جزء منه وجب الإتيان بما تيسر من اجزائه و قيوده و تفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله.

و أما بحسب الصغرى فلأن الخصوصيات المتعذرة مختلفة فقد تكون الخصوصية المتعذرة غير مقومة للمأمور به بالنظر العرفي كما إذا أمره بالصلاة في المسجد فصلى في غيره أوامره بإتيان ماء بارد و تعذر عليه تحصيل البارد فأتى بماء غير بارد فإن الصلاة في غير المسجد ميسور الصلاة في المسجد عرفا و كذلك الإتيان بالماء غير البارد متيسر الإتيان بالماء البارد حسب النظر العرفي كما هو واضح و في مثله لا مانع من دعوى عدم سقوط الميسور بالميسور إذ تمت أدلته بحسب السند و الدلالة.

و قد تكون الخصوصية المتعذرة مقومة للمأمور به لدى العرف بحيث أنهم يرون فاقدها مغايرا لواجدها فضلا عما إذا اشتمل على خصوصية أخرى مغايرة للخصوصية المتعذرة عندهم كما إذا أمره السيد بالإتيان بماء الرمان و تعذرت عليه خصوصية كون الماء مضافا الى الرمان فأتى بماء البطيخ أو الرقي أو بالماء المطلق بدعوى انه ميسور ذلك الميسور أو أمره بالإتيان بغلام زيد أو ابنه و لم يتمكن المكلف من ذلك فأتي بغلام عمرو أو ابنه مدعيا أن خصوصية اضافة الغلام إلى زيد معذرة فغلام عمرو ميسور لذلك المعسور لم يسمع منه ذلك لدى المحاكم العرفية لأن للخصوصيات المتعذرة

225

..........

____________

مدخلية في تحقق المأمور به و فاقدها مغاير عندهم لواجدها لا انه ميسور لذلك المعسور كما لا يخفى.

و ما نحن فيه من هذا القبيل إذ المأمور به هو المسح بالبلة المضافة إلى الوضوء و هي مع البلة المضافة إلى النهر الجاري متباينان و لا يعد إحداهما ميسورا من الأخرى فتحصل ان دعوى وجوب المسح بالماء الجديد نظرا إلى أنه ميسور للمأمور به المتعذر خصوصيته ساقطة بحسب الكبرى و الصغرى.

و أما رواية عبد الأعلى مولى آل سام (1) فهي مضافا إلى ضعيف سندها [2] فإنما دلت على أن المسح على البشرة غير واجب لأجل كونه حرجا في مقابل ما توهمه السائل من وجوبه. و اما قوله فامسح على المرارة فهو حكم جديد و غير مستند إلى أنه ميسور للمعسور فلا دلالة لها على تلك القاعدة.

____________

[2] بعبد الأعلى مولى آل سام لعدم توثيقه في الرجال و ما وقع في أسانيد تفسير علي بن إبراهيم القمي هو عبد الأعلى بن أعين العجلي دون مولى آل سام، و لم يثبت اتحادهما و أما ما ورد في رواية الكليني في الحديث الأول من باب فضل الأبكار من كتاب النكاح من التصريح بأن عبد الأعلى ابن أعين هو عبد الأعلى مولى آل سام، حيث قال: عبد الأعلى بن أعين مولى آل سام. فلا دلالة له على الاتحاد لأن غاية ما يثبت بذلك هو أن عبد الأعلى مولى آل سام هو ابن أعين. و هذا لا يكفي في الحكم بالاتحاد لان من الجائز أن يكون عبد الأعلى العجلي غير عبد الأعلى مولى آل سام و يكون والد كل منهما مسمى بأعين و لعله لأجل ذلك يراهما الشيخ متعددا لانه قد عدّ كلا منهما مستقلا في أصحاب الصادق (عليه السلام) فلاحظ.

____________

(1) المروية في ب 39 من أبواب الوضوء من الوسائل

226

..........

____________

و نظيرها دعوى وجوب المسح المطلق عند تعذر المسح ببلة الوضوء مستندا إلى تلك القاعدة، لأنها أيضا ضعيفة لما مر، إلا انها دون الدعوى المتقدمة في الضعف لأن مغايرة المسح ببلة الوضوء مع المسح بالبلة المتخصصة بخصوصية أخرى كبلة ماء النهر أظهر و أوضح من مغايرته مع المسح المطلق.

«الثاني»: استصحاب وجوب المسح فقد استدل به بعضهم على وجوب المسح ببلة الوضوء أو المسح باليد اليابسة و ذلك لأن المتوضي قد كان المسح واجبا عليه قبل ان تحدث الحرارة في بدنه أو في الهواء أو قبل طرو القلة على الماء فنستصحب بقائه على الوجوب بعد تعذر المأمور به أعني حالة حدوث الحرارة أو القلة. و هو يقتضي الحكم بوجوب المسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد و عدم وجوب التيمم في حقه.

و يندفع هذا الوجه مضافا الى أنه من الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية و لا نقول بها بأنه من القسم الثالث من أقسام الاستصحاب الكلي و لا مجال للاستصحاب في مثله و ذلك لان الوجوب المتعلق بالمسح ببلة الوضوء قد زال و ارتفع يقينا و نشك في حدوث فرد آخر من الوجوب متعلقا بالمسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد و عدمه و لا مجال للاستصحاب في القسم الثالث من الكلي على ما برهنا عليه في محله «الثالث»: التمسك بإطلاق الأخبار الآمرة، بالمسح لأنها و ان كانت مقيدة بأن يكون المسح بالبلة الباقية من الوضوء في اليد بمقتضى صحيحة زرارة و غيرهما مما دل على اعتبار كون المسح ببلة الوضوء، الا ان تلك المقيدات مختصة بحال التمكن من المسح ببلة الوضوء و لا إطلاق لها حتى يشمل صورة تعذر المسح ببلته فلا بد وقتئذ من التمسك بإطلاق ما دل على أصل وجوب المسح في الوضوء و حينئذ اما ان يمسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد هذا.

227

..........

____________

و يمكن المناقشة في ذلك بأن الروايات التي ورد فيها الأمر بالمسح في الوضوء لم ترد في مقام البيان من هذه الجهة و لا نظر لها إلى كيفية المسح بوجه و ذلك نظرا إلى أن المسح في الوضوء- في تلك الأزمنة- كعصر الصادقين (عليهم السلام) كان من الأمور الواضحة الجلية عند الجميع و كان يعرف كيفيته الصبيان و الصغار فضلا عن الأكابر و الرجال بل انما هي بصدد البيان من الجهات المختلف فيها بين العامة و الخاصة كبيان أن الرجل لا بد من أن يمسح لا ان يغسل و ان الرأس يمسح مقدمه لا جميعه إذا فلا إطلاق في الأخبار المذكورة حتى نتمسك بإطلاقها.

نعم يمكن التمسك بإطلاق الآية و هو العمدة في المقام و تقريب إطلاقها ان يقال انها قد اشتملت على الأمر بمسح الرأس و الرجل و لم يقيده ببلة الوضوء. بل مقتضى إطلاقها جواز المسح بالماء الجديد أو باليد اليابسة و انما رفعنا اليد عن إطلاقه عند التمكن من المسح ببلة الوضوء بمقتضى الأخبار الدالة على ذلك. و اما إذا لم يتمكن المتوضي من المسح ببلة الوضوء فمقتضى إطلاق الآية المباركة جواز المسح بالماء الخارجي أو المسح باليد اليابسة.

هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريب الاستدلال بالإطلاق في محل الكلام. و مع هذا كله يمكن المناقشة فيه من وجهين:

«أحدهما»: ان المسح المأمور به في الآية المباركة يحتمل أن يكون بالمعنى الأول من المعنيين المتقدمين للمسح أعني إزالة الأثر على ما أشرنا إليه عند التكلم على دلالة الآية المباركة على التبعيض حيث احتملنا أن يكون إدخال كلمة «الباء» في أثناء الكلام مع تماميته بغيرها من جهة إرادة كون اليد ممسوحة و الرأس و الرجلين ماسحا.

و هذا لا بمعنى إسكان اليد و إمرار الرأس أو الرجل بها لما عرفت

228

..........

____________

من أن المعنى الأول للمسح لا يعتبر فيه إمرار الممسوح على الماسح و لا إمرار الماسح على الممسوح فإنه أمر يتأتى بكل منهما. بل بمعنى إزالة الأثر الموجود في اليد بمسح الرأس أو الرجلين و معناه أن الرأس أو الرجلين قد أزال الأثر عن اليد.

و عليه فقد فرض في الآية المباركة وجود أثر في اليد حتى يزيله الرأس أو الرجل و ليس ذلك إلا البلل و رطوبة الوضوء فلا إطلاق في الآية المباركة حتى يدلنا على كفاية المسح باليد اليابسة أو بالماء الخارجي.

ثم ان ما ذكرناه في المقام لا ينافي ما قدمناه من أن المسح المأمور به في الوضوء ليس بمعنى إزالة الأثر بل بمعنى الإمرار و ذلك لأنه انما كان كذلك بالنظر إلى دلالة الأخبار و هو غير مدلول الآية المباركة فالآية دلت على أن اليد لا بد أن تكون مبتلة ببلة الوضوء و الأخبار دلت على إمرار اليد على الرأس و الرجلين فإذا ضممنا أحدهما إلى الآخر فيكون حاصل مدلولهما ان الوضوء يعتبر فيه أن تكون اليد مبتلة ببلة الوضوء و ان تكون اليد المبتلة مارة على الرأس و الرجلين دون العكس.

و «ثانيهما»: انا لو سلمنا إطلاق الآية المباركة و الروايات فلا نسلم اختصاص الأدلة المقيدة بصورة التمكن من المسح ببلة الوضوء، لأن صحيحة زرارة و عمر بن أذينة الدالتين على اعتبار كون المسح ببلة الوضوء مطلقتان و قوله (عليه السلام) و تمسح خطاب للمكلفين و هو أمر في مقام الإرشاد إلى جزئية المسح بالبلة الوضوئية في الوضوء و لم يقيد الجزئية بحالة التمكن و الاختيار.

و مقتضى جزئية المسح ببلة الوضوء في كلتا صورتي التمكن و التعذر سقوط الأمر بالمسح و الوضوء عند عدم التمكن من المسح ببلة الوضوء فيدخل بذلك تحت عنوان فاقد الماء فيجب عليه التيمم بمقتضى الآية المباركة، لان فقدان الماء ليس بمعنى عدم الماء مطلقا بل لو تمكن من استعماله في

229

(مسألة 32) لا يجب (1) في مسح الرجلين أن يضع يده على الأصابع، و يمسح إلى الكعبين بالتدريج، فيجوز أن يضع تمام كفه على تمام ظهر القدم من طرف الطول الى المفصل و يجرها قليلا بمقدار صدق المسح.

____________

مقدار من أجزاء الوضوء و لم يتمكن من استعماله في بعضها الآخر كفى ذلك في تحقق العجز عن استعمال الماء في الوضوء لأنه عبارة عن غسلتين و مسحتين و لا بد في كليهما من الماء فإذا عجز عن الاستعمال في إحدى الغسلتين أو في إحدى المسحتين فلا محالة يندرج تحت كبرى فاقد الماء و يجب عليه التيمم وقتئذ.

و هذا هو الأقوى في المسألة و لا يضره ما حكي من عدم وجدان من يفتي بوجوب التيمم حينئذ لأن الإجماع في المسائل الاجتهادية و النظرية يحتمل أن يكون مستندا إلى أحد المدارك المذكورة فيها فيحتمل أن يستندوا في عدم الحكم بوجوب التيمم إلى قاعدة الميسور- مثلا- و معه لا يكون الإجماع تعبديا و لا يكشف عن رأي المعصوم (ع) نعم الأحوط الجمع بين المسح بالماء الخارجي و التيمم.

عدم لزوم وضع اليد على الأصابع:

(1) أي لا يجب ان يكون المسح تدريجيا بأن يقع مسح الاجزاء المتأخرة بعد الأجزاء المتقدمة بل له ان يمسح جميع أجزاء الرجل دفعة واحدة كما أشار إليه الماتن (قده) و الدليل على ذلك إطلاق الآية المباركة و الاخبار لعدم تقييدهما المسح بالتدريج و لا معارض لإطلاقهما غير صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها الى الكعبين الى ظاهر القدم

230

..........

____________

فقلت: جعلت فداك لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا فقال:

لا الا بكفيه (بكفه) كلها (1).

لأنها ظاهرة في لزوم التدرج في المسح إلا انها غير صالحة لتقييد المطلقات و لا دلالة لها على الوجوب بل لا بد من حملها على الاستحباب و أفضل الأفراد لوجهين:

«أحدهما: ان الصحيحة بقرينة قول السائل في ذيلها» لو أن رجلا قال بإصبعين .. ناظرة إلى بيان مقدار الممسوح و انه لا بد من أن يكون بمقدار الكف عرضا و لا نظر لها الى البدأة و الانتهاء.

و «ثانيهما: انها ظاهرة في وجوب كون المسح من الأصابع إلى الكعبين مع ان النكس جائز في المسح بلا كلام لما مر من ان الأمر موسع في مسح الرجلين فيجوز مسحهما مقبلا كما يجوز مدبرا و معه لا بد من حملها على الاستحباب و بيان أفضل الافراد و لا يمكن العمل بظاهرها من وجوب كون المسح من الأصابع إلى الكعبين متدرجا فالصحيحة غير صالحة لأن يقيد بها المطلقات.

هذه غاية ما يمكن ان يقال: في تقريب ما ذهب اليه الماتن (قدس سره) إلا ان الاحتياط يقتضي ان يكون المسح متدرجا لظهور الصحيحة في ذلك.

و اما ما ذكر من الوجهين في عدم دلالتها على الوجوب فيرد على أولهما ان ظاهر الصحيحة انها في مقام بيان الكيفية المعتبرة في المسح من جميع الجهات. و يدل عليه قول السائل سألته عن المسح .. كيف هو؟

أي من جميع الجهات و اما قوله في ذيلها: لو ان رجلا قال بإصبعين.

فهو سؤال من جهة أخرى. و لا يكون ذلك قرينة على عدم الإطلاق

____________

(1) المروية في ب 34 من أبواب الوضوء من الوسائل

231

(مسألة 33) يجوز المسح على الحائل (1) كالقناع و الخف و الجورب و نحوها في حال الضرورة من تقية أو برد يخاف منه على رجله، أو لا يمكن معه نزع الخف مثلا، و كذا لو خاف من سبع أو عدو أو نحو ذلك مما يصدق عليه الاضطرار

____________

في صدرها.

و اما ثانيهما ففيه ان الصحيحة ظاهرة في تعين كون المسح من الأصابع إلى الكعبين و حيث قد دلت الروايات على جواز النكس في مسح الرجلين فقد علم من ذلك ان ظاهر الصحيحة أعني الوجوب التعييني في كون المسح من طرف الأصابع إلى الكعبين غير مراد، لان له بدلا و هو المسح نكسا فبذلك يحمل الوجوب على التخيير.

فتدل الصحيحة على وجوب كل من المسح إلى الكعبين و عكسه على نحو الواجب التخييري فلا موجب لرفع اليد عن ظهورها في الوجوب أبدا و بما بيناه يظهران الاكتفاء في المسح بالمسح دفعة واحدة لا يخلو عن إشكال لأنه على خلاف ظاهر الصحيحة، كما ان الاكتفاء في المسح بالمسح إلى نصف الرجل مقبلا و إلى نصفها الآخر مدبرا أو بغيره من أنحاء المسح كذلك لظهور الصحيحة في تعين المسح بالمسح من الأصابع إلى الكعبين و بالعكس على ما دلت عليه غير واحد من الأخبار فالاجتزاء بغيره في مقام الامتثال مشكل جدا.

المسح على الحائل:

(1) اما المسح على الحائل تقية فسيأتي الكلام عليه مفصلا و أما المسح على الحائل من جهة الضرورة لبرد أو لعدم إمكان نزع

232

..........

____________

الخف أو لخوف سبع و نحو ذلك فالمشهور بين المتقدمين و المتأخرين جوازه بل لا خلاف في المسألة إلا من جملة من متأخر المتأخرين و استدل عليه بأمور.

«منها»: دعوى الإجماع على كفاية المسح على الحائل للضرورة لما عرفت من أطباق القدماء و المتأخرين على الجواز و لم يخالفهم في ذلك إلا جمع من متأخر المتأخرين و هو غير قادح في الإجماع كما هو ظاهر.

و يرد هذا الوجه انا نحتمل استناد المجمعين في المسألة إلى أحد الوجوه الآتية و معها لا يمكن الاعتماد على إجماعهم، لعدم كونه تعبديا كاشفا عن رأي الامام (عليه السلام).

و «منها»: رواية أبي الورد قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان أبا ظبيان حدثني انه رأي عليا (ع) أراق الماء ثم مسح على الخفين فقال: كذب أبو ظبيان اما بلغك قول علي (عليه السلام) فيكم سبق الكتاب الخفين. فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك (1).

و هي ظاهرة الدلالة على جواز المسح على الخفين عند خوف الثلج و نحوه هذا و قد أورد صاحب المدارك على هذا الوجه بأن الرواية ضعيفة السند بابي الورد لعدم توثيقه في الرجال فلا يجوز الاعتماد على روايته.

و أجيب عن ذلك بوجوه:

«الأول»: ان الرجل و ان كان لم يوثق في الرجال إلا ان الرواية قد تلقاها الأصحاب بالقبول و منه يستكشف ان الرواية كانت مقترنة بقرينة دلتهم على صحتها.

و هذا الجواب مبني على تمامية القاعدة المعروفة من ان الرواية الضعيفة

____________

(1) المروية في ب 38 من أبواب الوضوء من الوسائل

233

..........

____________

ينجبر ضعفها بعمل المشهور على طبقها فان صحت و تمت فهو و الا فللمناقشة فيه مجال واسع لان عملهم على طبق رواية لا يكشف عن عثورهم على قرينة دلتهم على صحتها كما ذكرنا تفصيله في محله.

«الثاني»: ان في سند الرواية حماد بن عثمان و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه لأنهم لا يروون إلا عن ثقة.

و يرده انا قد عثرنا في غير مورد على رواتهم عن غير الثقة و معه ينحصر الوجه في تصحيح رواية الرجل على الإجماع المدعى على قبول رواية حماد بن عثمان. فان ثبت إجماع تعبدي على ذلك فهو و إلا فلا مستند لذلك أبدا. و الإجماع المحصل غير حاصل و الإجماع المنقول مما لا اعتبار به.

«الثالث»: ان الرجل ممن مدحه المجلسي في الوجيزة و ذكر صاحب الحدائق (قده) ان شيخنا أبا الحسن روى مدحه في بلغته و عليه فالرجل ممدوح و الرواية من الحسان فلا بد من الحكم باعتبارها.

و الظاهر ان هذا الوجه أيضا غير تام لان مدح المجلسي للرجل مستند إلى ما رواه الكليني من أن رجلا يقال له أبو الورد قد دخل على أبي عبد اللّٰه (ع) عند مراجعته من الحج فقال له أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) يا أبا الورد أما أنتم فترجعون عن الحج مغفورا لكم و اما غيركم فيحفظون في أهاليهم و أموالهم (1).

بدعوى ان الرواية ظاهرة في مدح الرجل لقوله (عليه السلام) انكم مغفورون، و الا فالمجلسي لم يعاصر الرجل بوجه و بين عصريهما قرون و الرواية لا يمكن الاعتماد عليها من وجهين:

____________

(1) فروع الكافي الجزء 4 ص 264 من الطبعة الأخيرة و الوافي في م 8 ص 45 ج 2

234

..........

____________

«إحداهما»: ان قوله (عليه السلام) انكم مغفورون لا يدلنا على أزيد من ان الرجل شيعي فان شيعة علي (ع) إذا حجوا غفرت ذنوبهم المتقدمة فليستقبلوا أعمالهم [1] و أما غيرهم فعمله غير مقبول و من هنا قال:

انكم مغفورون و لم يقل انك مغفور حتى يتوهم منه توثيق الرجل.

و يؤيده أيضا مقابلة ذلك بقوله و غيركم، لان ظهوره في إرادة غير الشيعة غير قابل للإنكار و من الظاهر ان كون الرجل شيعيا إماميا غير كاف في اعتبار روايته.

و «ثانيتهما»: انا لو سلمنا ان الرواية صريحة الدلالة على توثيق الرجل و انه ثقة و من الأتقياء و انه معهم (عليه السلام) في الجنة مثلا- إلا انا من أين نعرف ان الرجل المذكور في الرواية هو أبو الورد الراوي للرواية التي بأيدينا، لعدم انحصار المكنى بأبي الورد براوي هذه الرواية و من الجائز أن يكون هناك رجل آخر مكني بأبي الورد قد ورد على الامام (ع) و سأله و أجاب (عليه السلام) بما تقدم و ليس في الرواية غير أنه كان يقال له أبو الورد و أما أنه الراوي لهذه الرواية فلا قرينة عليه بوجه.

بل القرينة موجودة على خلافه لأن أبا الورد الراوي لهذا الخبر ممن عدوه من أصحاب الباقر (عليه السلام) و هو يروى عنه (عليه السلام) كما أن

____________

[1] هذا مضمون جملة من الأخبار الواردة في فضل الحج و العمرة- بضميمة ما ورد من أن اللّٰه لا يتقبل إلا من المؤمنين- و في بعضها انهم على أصناف ثلاثة فأفضلهم نصيبا رجل غفر له ذنبه ما تقدم منه و ما تأخر و وقاه اللّٰه عز و جل عذاب البقر و اما الذي يليه فرجل غفر له ذنبه ما تقدم منه و يستأنف العمل مما بقي من عمره و أما الذي يليه فرجل حفظ في أهله و ماله. و روى في الفقيه: أنه الذي لا يقبل منه الحج. راجع الجزء الثاني من الوافي كتاب الحج م 8 ص 40 و الجزء الأول منه م 3 ص 142

235

..........

____________

ما بأيدينا من الرواية أيضا رواها عنه (ع) و لم يكن معاصرا لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و إلا لعدوه من أصحاب الصادق و الباقر (عليهم السلام) كليهما و أبو الورد في رواية الكافي من معاصري أبي عبد اللّٰه (ع) حيث أنه ورد عليه و سأله كما في الخبر و هذا يوجب الظن بل الاطمئنان بأنهما متغايران و أحدهما غير الآخر و معه كيف يمكن إثبات وثاقة الرجل بتلك الرواية.

و ما صنعه الميرزا (قده) من إيراد الرواية المتقدمة الواردة في الحج في ترجمة أبي الورد راوي هذه الرواية فمبني على نظره و اجتهاده و لا يمكننا الاعتماد عليه في مقام الاستدلال. إذا لا دلالة في الرواية على المدعي.

و لعل صاحب الحدائق (قده) التفت إلى ما ذكرناه و من هنا قال قد روى في الكافي ما يشعر بمدحه [1] فما استشكله صاحب المدارك (قده) من ان الرجل لم يثبت وثاقته و الرواية ضعيفة هو الصحيح و عليه لا بد من الحكم بوجوب التيمم لعدم تمكنه من الوضوء المأمور به و لا بأس بالاحتياط بالجمع بين التيمم و المسح على الحائل.

و «منها»: أي مما يستدل به على جواز المسح على الحائل فيما إذا كان لضرورة من برد أو خوف سبع و نحوهما رواية عبد الأعلى مولى آل سام الواردة فيمن عثر فانقطع ظفره فجعل على إصبعه مرارة فكيف يصنع في الوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّٰه عز و جل

____________

[1] و لا يخفى ان الرجل و ان لم يوثق في الرجال إلا انه ممن وقع في أسانيد تفسير علي بن إبراهيم القمي فبناء على ما عليه سيدنا الأستاذ مد ظله من وثاقة كل وقع في سلسلة أسانيد ذلك الكتاب أعني تفسير القمي لا بد من الحكم باعتبار الرواية و معه لا حاجة الى الاستدلال على وثاقة الرجل برواية الكليني (قده) المتقدمة فإن الرواية ضعيفة السند بسلمة بن محرز لعدم ثبوت وثاقته و لا يمكن إثبات وثاقة الرجل بالرواية الضعيفة بوجه.

236

..........

____________

قال اللّٰه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. امسح عليه (1).

لأنها و ان وردت في انقطاع الظفر و جعل المرارة على الإصبع إلا ان المستفاد من قوله (ع) يعرف هذا و أشباهه .. انه حكم كبروي يستفاد من الكتاب و ان من لم يتمكن من المسح على بشرته فوظيفته المسح على الحائل بلا فرق في ذلك بين الإصبع و المرارة و غيرهما.

و يرد على هذا الاستدلال أمران:

«أحدهما»: أن الرواية ضعيفة السند لان عبد الأعلى مولى آل سام لم يوثق في الرجال.

و «ثانيهما»: انها ضعيفة الدلالة و ذلك لان ما يعرف من كتاب اللّٰه ليس هو جواز المسح على الحائل عند عدم التمكن من المسح على البشرة حتى يقال ان ذلك حكم كبروي و لا اختصاص له بمن انقطع ظفره و جعل على إصبعه مرارة بل الذي يستفاد من الكتاب انما هو عدم وجوب المسح على البشرة لانه عسر. و أما وجوب المسح على المرارة و الحائل فلا يستفاد من الكتاب و كيف يمكن أن يستفاد منه ان المسح على المرارة ميسور المسح على البشرة مع أنهما متغايران.

نعم يستفاد ذلك من قوله (عليه السلام) فامسح على المرارة و عليه فهي كسائر الأخبار الواردة في الجبائر كما يأتي في محلها و عليه فهو حكم يختص بالجبائر أعني من انقطع ظفره- مثلا- و جعل على إصبعه مرارة فلا يمكننا التعدي عن موردها الى المقام اعني ما إذا لم يتمكن المتوضئ من المسح على بشرته لضرورة من الخوف و نحوه فالصحيح أنه إذا اضطر إلى عدم مسح البشرة وجب عليه التيمم لعدم تمكنه من الوضوء المأمور به و من عجز عن الطهارة المائية انتقلت وظيفته إلى الطهارة الترابية لا محالة.

____________

(1) المروية في ب 39 من أبواب الوضوء من الوسائل

237

من غير فرق بين مسح الرأس و الرجلين (1)

____________

نعم الأحوط الجمع بينه و بين المسح على الخفين هذا.

ثم انا إذا قلنا باعتبار رواية أبي الورد إما من جهة انجبارها بعمل الأصحاب و اما من جهة وقوع حماد بن عثمان في سندها و اما من جهة كون الرجل ممدوحا أو لغير ذلك من الوجوه لا بد من أن يعمم الحكم أعني جواز المسح على الخفين الى ما إذا ترتب الضرر من المسح على البشرة على ما هو أعظم و أهم من الرجلين كالبدن إذا استلزم مسحهما طرو الحمى على بدنه أو كانت القافلة على شرف الحركة و النفر فاستلزم المسح على رجليه بقاءه منفردا و منفصلا عن القافلة في قفر من القفار أو غير ذلك مما هو أعظم من اصابة البرد أو الثلج على رجليه.

بل نتعدى الى ما إذا ترتب على المسح ما هو مساو لاصابة البرد و الثلج كما إذا خاف من اصابة الحر على رجليه و ذلك لان ظاهر الرواية ان اصابة الثلج مما لا خصوصية له في الحكم و انما ذكره (ع) من باب أنه أقل أفراد الضرر المترتب على مسح الرجلين.

و على الجملة ان مقتضى المناسبة بين الحكم و موضوعه عدم اختصاص الحكم المذكور بمن خاف على رجليه من الثلج خاصة، بل يعم ما إذا خاف على رجليه من الحر أو ما هو أعظم من ذلك كما مر، كما ان مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي التعدي الى غير الخفين من الموانع المتحققة في الرجل كالجورب و نحوه لان مورد الرواية و ان كان هو الخف إلا ان المورد لا يكون مخصصا. بل الظاهر منها بمناسبة الحكم و الموضوع جواز المسح على كل حائل عند الضرورة و عدم التمكن العرفي من المسح على البشرة.

(1) لا يخفى ان رواية أبي الورد على تقدير القول باعتبارها تختص بالرجلين، كما ان الإجماع- على تقدير تماميته- منعقد فيما إذا خاف

238

..........

____________

على رجليه من البرد و عليه فالتعدي إلى مسح الرأس يحتاج إلى دليل.

و دعوى القطع بعدم الفرق بين مسح الرجلين و مسح الرأس عهدتها على مدعيها لعدم علمنا بملاكات الأحكام و يحتمل اختصاص الملاك بالرجلين لموافقة المسح على الخفين مع العامة بخلاف مسح الحائل في الرأس.

نعم قد يستدل على جواز المسح بالحائل في الرأس عند الضرورة بالروايتين الواردتين في الحناء.

«إحداهما»: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (ع) في الرجل يحلق رأسه ثم يطلبه بالحناء ثم تتوضأ للصلاة فقال: لا بأس بأن يمسح رأسه و الحناء عليه (1).

و «ثانيتهما» صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال: يمسح فوق الحناء (2) بدعوى ان الظاهر منهما إرادة الضرورة و التداوي بالحناء و لا يمكن الاستدلال بشيء من الروايتين.

اما الرواية الأولى: فلأن ظاهرها كما قدمناه ان طلى الحناء بعد الحلق انما كان مستندا إلى التداوي بالحناء و عليه فلا مانع من المسح عليه لأن كفاية المسح على الدواء عن المسح على البشرة منصوصة على ما يأتي تفصيله عند الكلام على أحكام الجبائر ان شاء اللّٰه تعالى فلا دلالة لها على كفاية المسح على كل حائل على الرأس عن المسح بالبشرة.

و اما الرواية الثانية فللقطع الوجداني بعدم خصوصية للحناء في ذلك فلو جاز المسح عليه جاز المسح على كل حائل على الرأس و عليه فلا مناص من حمل الرواية على التقية لموافقتها للعامة: اللهم إلا ان تحمل على صورة التداوي بالحناء فيتحد مع الرواية السابقة. و قد عرفت ان كفاية المسح

____________

(1) المروية في ب 37 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 37 من أبواب الوضوء من الوسائل.

239

و لو كان الحائل متعددا لا يجب نزع ما يمكن (1) و ان كان أحوط، و في المسح على الحائل أيضا لا بد (2) من الرطوبة المؤثرة في الماسح، و كذا سائر ما يعتبر في مسح البشرة.

____________

على الدواء منصوصة.

فالمتحصل أنه لا دليل على جواز المسح على الحائل عند الضرورة على ترك مسح الرأس فلا مناص حينئذ من التيمم و الاحتياط بالجمع بينه و بين المسح على الحائل أولى كما لا يخفى.

تعدد الحائل:

(1) كما إذا لبس جوربا زائدا على الخفين أو جوربا ثانيا و هكذا و كما إذا لبس «عرقجين» تحت العمامة فهل يجب نزع ما يمكن نزعه من افراد الحائل؟ الصحيح لا.

و ذلك لإطلاق الرواية و كلمات الأصحاب لأن الظاهر من قوله (ع) لا إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك أنه في مائتين الصورتين لا مانع من المسح على الخفين سواء كان معهما حائل آخر أم لم يكن رقيقا كان أم غليظا واحدا كان أم متعددا.

اعتبار الرطوبة المؤثرة في المسح على الحائل:

(2) لأن ظاهر الرواية المتقدمة ان المسح على الحائل كالمسح على البشرة فيرعى فيه ما روعي في المسح على البشرة فهي توسعة في الممسوح و لا دلالة لها على إلغاء الشرائط المعتبرة في المسح من لزوم كونه بنداوة الوضوء و أن يكون على

240

(مسألة 34): ضيق الوقت عن رفع الحائل أيضا مسوغ للمسح عليه (1) لكن لا يترك الاحتياط بضم التيمم أيضا.

____________

نحو التدريج و ان يكون بإمرار اليد على الرأس و الرجلين و غيرها من الشرائط المتقدمة فلا بد من مراعاتها حسب إطلاق أدلتها و هذا ظاهر.

ضيق الوقت غير مسوغ للمسح على الحائل:

(1) ما سردناه إلى هنا من جواز المسح على الخفين أو غيرهما من افراد الحائل انما يختص بما لم يتمكن المتوضي من المسح على بشرته خوفا مما يترتب على مسحها من برد أو حر أو غيرهما من المضمار على ما تقدم تفصيله.

و أما إذا فرضنا أنه متمكن من مسح البشرة و لم يترتب عليه أي ضرر إلا أنه عجز عن مقدمته كنزع الخفين- مثلا- لما في يده من الشلل أو أن يده قد أصابها البرد بحيث لا يمكنه نزعهما أو لم يتمكن من نزعهما لضيق الوقت لكن لو نزعهما أحد أو نزعهما بنفسه لم يترتب على مسح للرجلين أي ضرر برد أو حر أو غيرهما فهل يجوز له المسح على الخفين حينئذ أيضا أو لا يجوز؟

الصحيح عدم الجواز خلافا للماتن (قده) و ذلك لان الرواية مختصة بما إذا ترتب على مسح البشرة ضرر من برد أو حر و قد تعدينا عن موردها و هو خوف الثلج على الرجلين إلى صورة الخوف على ما هو أعظم منهما كالبدن إذا خيف عليه من الحمى- مثلا- و نحو ذلك:

و أما صورة عدم ترتب أي ضرر على مسحهما و عدم تمكنه من النزع و لو لأجل ضيق الوقت فلم يدلنا فيها دليل على كفاية المسح على الخفين حينئذ بل لا بد معه من التيمم فلو جمع بينه و بين المسح على خفيه لكان أولى

241

(مسألة 35): إنما يجوز المسح على الحائل في الضرورات ما عدا التقية إذا لم يمكن رفعها (1) و لم يكن بد من المسح على الحائل و لو بالتأخير

____________

و أحسن و الاقتصار في هذه الصورة بخصوص المسح على الخفين خلاف الاحتياط جدا.

شرطية عدم التمكن من رفع الضرورات:

(1) و الوجه في ذلك ان الاضطرار الى المسح على الخفين في محل الكلام نظير بقية موارد الاضطرار فهو انما يكفي و يجتزى به في مقام الامتثال فيما إذا لم يتمكن من المسح على نفس الرجلين في الطبيعي المأمور به في شيء من الافراد الواجبة ما بين المبدء و المنتهى. دون ما إذا لم يتمكن منه في فرد أو فردين- و لكن كان متمكنا في غيره من الافراد العرضية- كما إذا لم يتمكن من المسح عليهما في ساحة الدار خوفا من البرد على رجليه و تمكن منه في داخل الغرفة لأن الهواء فيها متدافئ- أو من الافراد الطولية- كما إذا تمكن من المسح على بشرته إذا صبر و أخر الوضوء إلى آخر الوقت- فإنه حينئذ متمكن من المسح المأمور به فلا يجزى عنه غيره.

و بعبارة أخرى الشيء الذي وجب في حق المكلف انما هو الطبيعي الواقع بين المبدء و المنتهى فلا بد في تحقق الاضطرار من العجز عن المسح المأمور به في ذلك الطبيعي الواقع بين الحدين فلو عجز عن المسح المأمور به في فرد دون بقية الأفراد فهو يتمكن من المسح الواجب لا محالة و معه كيف يمكن الاجتزاء بغيره و العجز و الاضطرار في جميع أفراد الطبيعة هو الذي يستفاد من رواية أبي الورد المتقدمة و لا إطلاق لها بالإضافة إلى كفاية العجز عن مسح البشرة في فرد من افراد الواجب حتى يتمسك به في الحكم

242

إلى آخر الوقت. و أما في التقية فالأمر أوسع (1) فلا يجب الذهاب إلى مكان لا تقية فيه، و ان أمكن بلا مشقة، نعم لو أمكنه- و هو في ذلك المكان- ترك التقية و إراءتهم المسح على الخف- مثلا- فالأحوط بل الأقوى ذلك، و لا يجب بذل المال لرفع التقية بخلاف سائر الضرورات (2) و الأحوط في التقية أيضا الحيلة في رفعها مطلقا.

____________

بكفاية مجرد الاضطرار في فرد واحد من أفراد الطبيعة المأمور بها.

(1) يأتي الكلام على التقية مفصلا بعد بيان الفروع المترتبة على الاضطرار الى المسح على الخفين ان شاء اللّٰه.

لا يجب بذل المال لرفع التقية:

(2) كما إذا توقف المسح المأمور به أعني المسح على البشرة على بذل مال لنزع الخفين من رجلي المتوضي أو لإدخاله مكانا متدافئا لا يخاف فيه من البرد على رجليه أو لغيرهما مما يتمكن به من المسح المأمور به.

و لعل الماتن (قده) استفاد وجوب بذل المال على ذلك مما ورد في بعض الروايات من وجوب بذل المال على ماء الوضوء و لو كان كثيرا و ذكر في ذيله: و ما يسوؤني (تسرني) بذلك مال كثير (1).

و لا يمكن المساعدة على ذلك بوجه لأن إيجاب الوضوء ليس كإيجاب سائر الواجبات المالية أو البدنية كالخمس و الزكاة و الجهاد و الحج إيجابا مبنيا على الضرر المالي أو البدني من الابتداء ليقال ان المال فيها لا بد من بذله و ان كان موجبا للضرر و لا يتوقف تحصيله على بذل مال.

و عليه فإذا استلزم امتثال إيجاب الوضوء ضررا ماليا أو بدنيا على

____________

(1) راجع ب 26 من أبواب التيمم من الوسائل

243

(مسألة 36): لو ترك التقية في مقام وجوبها (1) و مسح على البشرة ففي صحة الوضوء إشكال.

(مسألة 37): إذا علم بعد دخول الوقت انه لو أخر الوضوء و الصلاة يضطر الى المسح على الحائل فالظاهر وجوب المبادرة إليه (2) في غير ضرورة التقية و ان كان متوضئا و علم انه لو أبطله يضطر الى المسح على الحائل لا يجوز له الابطال.

____________

المكلف فمقتضى قاعدة نفي الضرر عدم وجوب الوضوء في حقه لأنه أمر ضرري و لا ضرر و لا ضرار في الإسلام فإذا لم يجب عليه الوضوء وجب عليه التيمم لا محالة بمقتضى تلك القاعدة و قد خرجنا عن عمومها في خصوص ما إذا توقف تحصيل ماء الوضوء على بذل مال فان مقتضى أدلة نفي الضرر عدم وجوب البذل و عدم وجوب الوضوء عليه.

و لم يرد هناك تخصيص للقاعدة و عليه ففي مفروض المسألة لا مناص من الحكم بوجوب التيمم من دون أن يجب عليه بذلك المال لرفع الضرورة في المسح على الخفين.

(1) تأتي هذه المسألة عند التعرض لأحكام التقية بعد التكلم على فروع الاضطرار الى مسح الخفين فانتظر.

وجوب المبادرة في محل الكلام:

(2) يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين:

«أحدهما»: ما إذا علم المكلف- بعد دخول وقت الصلاة- أنه لو أخر الوضوء و لم يتوضأ فعلا لم يتمكن من الوضوء المأمور به و المسح على البشرة بعد ذلك، أو كان متوضئا على النحو المأمور به و علم بأنه لو

244

..........

____________

أبطله لم يتمكن من الوضوء مع المسح على البشرة بعد ذلك. فهل يجب عليه المبادرة إلى الوضوء في المسألة الأولى و يحرم عليه إبطال الوضوء في المسألة الثانية أولا؟

الصحيح كما أفاده في المتن وجوب المبادرة و حرمة الابطال و ذلك لأنه حينئذ يتمكن من الإتيان بالمأمور به الأولى حال وجوبه و به يتنجز عليه وجوب الصلاة مع الوضوء المأمور به في حقه لتمكنه من امتثاله و عليه فلو اخرج نفسه عن التمكن و القدرة إلى العجز بإراقة الماء أو بترك المبادرة أو بإبطال وضوئه كان ذلك عصيانا و مخالفة لذلك الأمر المتنجز فلا محالة يعاقب على تفويته و تركه الواجب بالاختيار.

و أدلة الابدال انما تدل على البدلية لمن لم يتمكن من المأمور به الاولى و كان عاجزا عن الماء أو غيره و المفروض أنه متمكن من الماء و من الوضوء الصحيح فلا يجوز في حقه الإتيان ببدله الا بتفويت قدرته و تمكنه و إخراج نفسه عن التمكن و إدخالها في العجزة و غير القادرين و هذا أمر غير سائغ.

بل لو كنا نحن و أدلة وجوب الوضوء لقلنا بسقوط الأمر بالوضوء و الصلاة عمن عجز نفسه بتفويت قدرته على الماء أو المسح المأمور به بالعصيان و معاقبته بترك الواجب اختيارا.

إلا ان الأدلة دلت على أن الصلاة لا تسقط بحال و لا بد من إتيانها بالطهارة الترابية و هذا لا ينافي العقاب من جهة تركه المأمور به بالاختيار هذا كله فيما إذا علم بذلك بعد دخول الوقت.

و «ثانيهما»: ما إذا علم بذلك قبل دخول وقت الوجوب و هو الذي أشار إليه الماتن بقوله: و ان كان ذلك قبل دخول الوقت ..

245

و ان كان ذلك قبل دخول الوقت (1) فوجوب المبادرة أو حرمة الإبطال غير معلوم.

____________

(1) و الصحيح في هذه المسألة عدم وجوب المبادرة إلى الوضوء و عدم حرمة الأبطال و ذلك لأن وجوب الوضوء و الصلاة مشروط في الشريعة المقدسة بدخول وقتها كما دل عليه قوله عز من قائل، أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ .. (1) و قوله (ع) إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة و لا صلاة إلا بطهور (2).

و على ذلك لا حكم متنجز بشيء من الطهور و الصلاة قبل الوقت فلو ترك المكلف المبادرة إلى الوضوء أو أبطله قبل دخول الوقت لم يكن في ذلك أية مخالفة و عصيان للتكليف المتنجز عليه لان المفروض ان التكليف قد اشترط بالوقت و هو غير متحقق بعد فلا وجه للحكم بوجوب المبادرة اليه و لا لحرمة إبطاله.

نعم قد يتوهم ان في ترك المبادرة قبل الوقت أو في إبطال الوضوء حينئذ تفويتا للملاك الملزم و هو بالنظر العقلي كعصيان التكليف المنجز في القبح فلا مناص معه من الحكم بوجوب المبادرة و حرمة الابطال و هذا الكلام و ان كان بحسب الكبرى صحيحا و مما لا مناقشة فيه لما ذكرناه غير مرة من ان تفويت الملاك الملزم و مخالفة التكليف المنجز سيان عند العقل و كلاهما عصيان و مخالفة لديه.

الا ان الكلام كله في صغرى ذلك في المقام و ان الصلاة مع الوضوء التام هل فيها ملاك ملزم بالإضافة إلى العاجز عن الوضوء المأمور به من أول الوقت أو ان الملاك الملزم يخص القادرين؟ و حيث لا سبيل لنا إلى

____________

(1) سورة الإسراء 17: 78

(2) المروية في ب 24 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

246

و اما إذا كان الاضطرار بسبب التقية (1) فالظاهر عدم وجوب المبادرة و كذا يجوز الابطال و ان كان بعد دخول الوقت لما مر من الوسعة في أمر التقية لكن الاولى و الأحوط فيها أيضا المبادرة و عدم الابطال

____________

استكشاف ملاكات الأحكام الشرعية على ما ذكرناه غير مرة إلا بالأمر و التكليف شرعا و لا تكليف على العاجز و من لم يتمكن من الوضوء التام بالإضافة إلى الوضوء قبل الوقت و لا بعده فلا يمكننا تحصيل العلم بوجود الملاك الملزم في حقه.

و من الجائز- وجدانا- أن تكون القدرة دخيلة في تحقق الملاك و معه لا يمكن الحكم بحرمة إبطال الوضوء أو بوجوب المبادرة إليه قبل الوقت بدعوى أنه تفويت للملاك الملزم هذا كله في الفروع المترتبة على ترك المسح المأمور به أعني المسح على غير البشرة بشيء من الضرورات المتقدمة غير التقية

إذا كانت الضرورة هي التقية:

(1) و أما إذا كانت الضرورة هي التقية فالمعروف المشهور بين الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم) جواز المسح على الخفين نقية و تدل عليه العمومات و الإطلاقات الواردة في وجوب التقية و مشروعيتها كقوله (ع) التقية ديني و دين آبائي و لا دين لمن لا تقية له (1) التقية في كل شيء (2) على ما سيأتي فيها الكلام و أيضا تدل عليه رواية أبي الورد المتقدمة حيث صرح

____________

(1) المروية في ب 24 و 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

(2) المروية في ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

247

..........

____________

فيها بجواز المسح على الخفين تقية و قال: لا الا من عدو تنقيه (1).

و في قبال ذلك عدة روايات دلت على عدم جواز المسح على الخفين تقية.

«الأولى»: صحيحة زرارة قال: قلت له: في مسح الخفين تقية؟

فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا شرب المسكر و مسح الخفين و متعة الحج (2) و هما كالصريحة في عدم جريان التقية في المسح على الخفين نعم الراوي فهم من قوله: لا أتقي. الاختصاص و ان عدم جواز التقية في الأمور الثلاثة من خصائصه (ع) على ما صرح به في ذيل الرواية حيث قال: قال زرارة: و لم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدا و هو على جلالته و علو مقامه لا مناص من رفع اليد عما فهمه بقرينة صحيحته الثانية التي رواها الكليني (قده) و لم نعثر عليها في أبواب التقية من الوسائل.

و «الثانية»: ما أشرنا إليه آنفا أعني صحيحة زرارة التي رواها الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز عن زرارة عن غير واحد قال: قلت لأبي جعفر (ع) في المسح على الخفين تقية؟ قال: لا ينقى في ثلاثة قلت: و ما هن قال: شرب الخمر أو قال: (شرب المسكر) و المسح على الخفين و متعة الحج (3).

فإنها صريحة في عدم اختصاص الحكم بهم (عليهم السلام) بقوله:

(عليه السلام) لا يتقى. و معه لا بد من حمل قوله (ع) في الصحيحة الأولى

____________

(1) المروية في ب 38 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 38 من أبواب الوضوء من الوسائل

(3) المروية في الكافي الجزء 6 ص 615 و عنه في الوافي المجلد الثالث م 11 ص 86 من الطبعة الأخيرة بلفظة (لا لتقي) لا (لا يتقى) فلاحظ.

248

..........

____________

لا أتقي على المثال:

«الثالثة»: ما رواه الكليني (قده). أيضا عن درست عن محمد ابن الفضيل الهاشمي قال: دخلت مع اخوتي على أبي عبد اللّٰه (ع) فقلنا انا نريد الحج و بعضنا صرورة فقال: عليكم بالتمتع فانا لا نتقي في التمتع بالعمرة إلى الحج سلطانا و اجتناب المسكر و المسح على الخفين (1) «الرابعة»: ما رواه الكليني و البرقي و الصدوق (قدس اللّٰه أسرارهم) عن أبي (ابن) عمر الأعجمي عن أبي عبد اللّٰه (ع) في حديث انه قال:

لا دين لمن لا تقية له، و التقية في كل شيء إلا في النبيذ و المسح على الخفين (2) و زاد في الخصال ان تسعة أعشار الدين في التقية، و لم يذكر في هذه الرواية متعة الحج كما لم يذكر في شيء من روايات الكليني و البرقي و الصدوق لهذه الرواية و لا نقل ذلك عنهم «قدهم» في الوسائل و لا في غيره من كتب الحديث.

فما في كلام المحقق الهمداني (قده) من نقل الرواية مشتملة على متعة الحج من سهو القلم هذه هي الأخبار الواردة في المقام و قد عرفت استدلالهم بها على عدم جواز التقية في المسح على الخفين.

و يرد الاستدلال بالرواية الأخيرة انها ضعيفة السند و غير قابلة للاستدلال بها على شيء لأن أبا عمر الأعجمي ممن لم يتعرضوا لحاله فهو مجهول الحال من جميع الجهات حتى من حيث التشيع و عدمه فضلا عن الوثاقة و عدمها فالرواية ساقطة عن الاعتبار و كذلك الرواية الثالثة لضعفها بمحمد بن الفضيل الهاشمي لعدم توثيقه في الرجال و كذلك درست. المواقع في سندها

____________

(1) المروية في الكافي الجزء 4 ص 293 من الطبعة الحديثة

(2) المروية في ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

249

..........

____________

لأنه لم يوثق في الرجال [1] و أما الرواية الأولى أعني صحيحة زرارة الأولى فهي أيضا غير صالحة للاستدلال بها على المدعى لاحتمال أن يكون الحكم الوارد فيها من مختصاته (ع) و مع هذا الاحتمال كيف يسوغ الاستدلال بها على عدم جواز التقية في مسح الخفين على المكلفين فلا تبقى في البين رواية الا الصحيحة الثانية لزرارة و هي العمدة في المقام.

فان قلنا باعتبار رواية أبي الورد المتقدمة و لو بأحد الوجهين المتقدمين من عمل المشهور على طبقها أو لكون حماد بن عثمان الواقع في سندها من أحد أصحاب الإجماع فلا إشكال في المسألة لأن الرواية ناصة في الجواز و الصحيحة ظاهرة في حرمة التقية في محل الكلام فيجمع بينهما بحمل الظاهر على النص.

و نتيجة هذا الجمع ان التقية في الأمور الثلاثة الواردة في الرواية أمر مكروه أو يحمل الصحيحة على غير الكراهة مما لا ينافي الرواية و اما إذا لم نقل باعتبار الرواية و لم نعتمد عليها في الاستدلال فهل يمكننا رفع اليد بصحيحة زرارة عن الإطلاقات و العمومات الواردة في التقية نظرا إلى أن الصحيحة أخص منها مطلقا فهي توجب تقييدها لا محالة أو ان الأمر بالعكس فلا بد من أن يرفع اليد عن الصحيحة بهذه الإطلاقات و العمومات؟

الثاني هو التحقيق و ذلك لان الظاهر ان الصحيحتين المتقدمتين لزرارة متحدتان و الوجه في هذا الاستظهار أمور.

«منها»: ان زرارة بعد ما نقل الصحيحة الأولى و عقبها بما فهمه منها من ان عدم جواز التقية في الموارد الواردة في الصحيحة من خصائص

____________

[1] نعم ورد درست في أسانيد تفسير القمي فهو ثقة بتوثيقه فليلاحظ.

250

..........

____________

الامام (ع) حيث قال: و لم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا كيف يسوغ له أن يروى رواية أخرى بعين ذلك السند يدل على خلاف ما استفاده من الصحيحة الأولى أعني حرمة التقية في الأمور الثلاثة الواردة في الصحيحة.

و «منها»: ان السند في كلتا الروايتين واحد كما تقدم.

و «منها»: ان الرواية قد نقلها في الوافي بلفظة «لا نتقي» لا «لا يتقى» و لعله هو الصحيح و ان كانت نسخ الكافي كلها حتى النسخة التي بهامش مرآة العقول و هكذا نسخ غير الكافي بلفظة «لا يتقى» و على ذلك فالاتحاد بين الروايتين ظاهر حيث لا فرق بين «نتقي» و «اتقي» لأنهم (عليهم السلام) بمنزلة شخص واحد.

و كيف كان فبهذه الأمور نستظهر اتحاد الروايتين و لا أقل من احتمال ذلك كما لا يخفى. إذا لا دلالة في الصحيحة على عدم جواز التقية في الأمور الثلاثة لغيرهم (عليهم السلام).

و لعل هذا هو السر في أن صاحب الوسائل (قده) لم ينقل الصحيحة الثانية في شيء من الأبواب المناسبة لها فإنه لو لا اتحاد الروايتين و كون الصحيحة بلفظة لا نتقي لم يكن لما صنعه صاحب الوسائل من ترك نقل الصحيحة الثانية وجه صحيح لصحة سندها و وضوح دلالتها مع أنه قد التزم بنقل الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة في الوسائل.

و الظاهر ان النسخة عند صاحب الحدائق (قده) أيضا «لا نتقي» لأنه بعد ما نقل الصحيحة الأولى عن زرارة و حمل الشيخ لها في التهذيبين على اختصاص عدم جواز التقية في الأمور الثلاثة به (عليه السلام) قال: و مثل خبر زرارة المذكورة أيضا ما رواه في الكافي ثم نقل الصحيحة الثانية إلى آخرها.

251

..........

____________

و لو لا كون النسخة عنده «لا نتقي» لم يكن هذه الصحيحة مثلا للصحيحة الأولى بل كانت مغايرة معها لأن إحداهما مشتملة على كلمة «لا أنقي» الدالة على الاختصاص و «ثانيتهما» مشتملة على كلمة «لا يتقى» و هي تدل على عمومية الحكم و عدم اختصاصه له (ع) فالمتحصل ان عدم التقية في تلك الأمور من خصائصهم (عليهم السلام) هذا أولا.

ثم لو سلمنا ان الصحيحة «لا يتقى» و انها مغايرة مع الصحيحة الأولى فالظاهر انها غير ناظرة إلى أن التقية غير جارية في الأمور الثلاثة بحسب الحكم بأن تكون الصحيحة دالة على حرمة التقية فيها و مخصصة للعمومات و الإطلاقات الواردة في التقية بل انما هي ناظرة إلى عدم جريان التقية فيها بحسب الموضوع أو الشرط.

و ذلك أما بالإضافة إلى شرب الخمر فلأنا لم نجد أحدا يفتي من العامة بجواز شرب الخمر في الشريعة المقدسة كيف و حرمته من الضروريات و المسلمات و مع عدم ذهابهم إلى الجواز لا معنى للتقية المصطلح عليها في شربها لأنها انما يتحقق فيما إذا كان الأمر على خلاف مذهبهم و أما مع الموافقة فلا موضوع للتقية و هذا ظاهر.

نعم يمكن أن يجبر سلطان أو حاكم أحدا على شربها إلا أنه خارج عن التقية المصطلح عليها و يندرج في عنوان الاضطرار أو الإكراه على شرب الخمر لأن التقية انما يتحقق بإظهار الموافقة معهم فيما يرجع إلى الدين و إظهار الموافقة معهم لا بعنوان الدين و الحكم الشرعي خارج عن التقية بالكلية.

و أما متعة الحج فلأجل انها و ان كانت من مختصات الطائفة المحقة- على ما هو المعروف بيننا- الا ان التقية فيها فاقدة لشرطها و هو خوف ترتب الضرر على خلاف التقية أعني الإتيان بمتعة الحج لإمكان الإتيان بها

252

..........

____________

من دون أن يترتب عليها أي ضرر بحسب الغالب و ذلك من جهة أن حج التمتع بعينه حج القران لاشتراكهما في الأمور المعتبرة فيهما و يمتاز التمتع عنه بأمرين:

«أحدهما»: النية لأنا ننوي التمتع و هم ينوون القران.

و «ثانيهما» التقصير. و أما في غيرهما من الإحرام من المواقيت و دخول مكة و الطواف فهما مشتركان لا يمتاز أحدهما عن الآخر و النية أمر قلبي لا معنى للتقية فيه لعدم ظهورها في الخارج و هذا ظاهر و التقصير مما يتمكن منه أغلب الناس، لأن أخذ شيء من شعر الرأس أو الأظافر أمر متيسر للأغلب واو في الخلوة فالتمتع في الحج فاقد لشرط التقية.

نعم انها احدى المتعتين اللتين حرمهما الخليفة الثاني إلا ان تابعيه قد قبلوا منه تحريم متعة النساء و لم يقبلوا منه تحريم متعة الحج بل وقع فيه الخلاف بينهم- فعن مسند أحمد ان عبد اللّٰه بن عمر حج متمتعا فقيل له هل تخالف سنة أبيك فقال: يا سبحان اللّٰه سنة أبي أحق ان يتبع أم سنة رسول اللّٰه (ص) و في خبر آخر سنة اللّٰه فليراجع.

فالتقية في متعة الحج فاقدة للشرط بحسب الأغلب فلو وجد مورد و لم يتمكن فيه من التمتع على طريقة الشيعة فهو من النذرة بمكان و الأخبار منصرفة عن مثله إلى ما هو الغالب لا محالة.

و أما المسح على الخفين فلأجل ان وجوب المسح عليهما ليس من المسائل الاتفاقية عندهم بل الأكثر منهم ذهبوا إلى التخيير بين المسح عليهما و غسل الرجلين و ذهب بعضهم إلى أفضلية المسح على الخفين (1).

إذا فلا موضوع للتقية في المسح على الخفين بل ينتزع الخفين عن رجليه من غير خوف و لكنه يغسلهما تقية كما ورد الأمر بغسلهما في بعض

____________

(1) راجع تعليقة ص 130 من هذا الجزء