التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الغروي المزيد...
499 /
253

..........

____________

الأخبار و قد حملناه على التقية (1) و على الجملة ان عدم جريان التقية في الأمور المذكورة انما هو من جهة خروجها عن التقية بحسب الموضوع أو الشرط فإن شئت قلت بحسب الموضوع فقط لانه الجامع بين الموضوع الذي أشرنا اليه و الشرط.

و لا نظر الرواية الى عدم جريان التقية فيها بحسب الحكم حتى تكون مخصصة للعمومات و الإطلاقات و ذلك للقطع بان الأمر إذا دار بين المسح على الخفين و ضرب أعناق المؤمنين لم يرض الشارع بترك المسح بدعوى حرمة المسح على الخفين و عدم جوازه من باب التقية و على ما ذكرناه لا مانع من المسح على الخفين إذا اقتضت التقية ذلك بحسب العمومات و الإطلاقات. و لما آل الأمر إلى هنا فمن الجدير جدا أن نتعرض إلى أحكام التقية على وجه البسط التفصيل.

بحوث التقية:

و ذلك انما يتم بالبحث عن جهات:

«الجهة الأولى»: ان التقية مصدر تقي يتقى و الاسم التقوى و هي مأخوذة من الوقاية و تائها بدل من الواو بمعنى الصيانة و التحفظ عن الضرر و منه المتقون لأنهم صانوا أنفسهم عن سخط اللّٰه سبحانه و عقابه و قد تجيء بمعنى الخوف كما إذا أسند إلى اللّٰه سبحانه كما في قوله تعالى وَ اتَّقُوا اللّٰهَ (2).

____________

(1) راجع ب 25 الحديث 13 و 14 و 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) سورة البقرة: 2 الآية: 194 و 196 و 203 و غيرها من الآيات.

254

..........

____________

و هي قد تستعمل و يراد منها المعنى العام و هو التحفظ عما يخاف ضرره و لو في الأمور التكوينية كما إذا اتقى من الداء بشرب الدواء و أخرى تستعمل و يراد منها المعنى الخاص و هو التقية المصطلح عليها أعني التقية من العامة.

أما التقية من اللّٰه سبحانه فمن الظاهر انها غير محكومة بحكم شرعا لأن الأمر بها مساوق للأمر بإتيان الواجبات و ترك المحرمات كالأمر بالطاعة و من الظاهر أنه واجب عقلي و لا حكم له شرعا.

و أما التقية بالمعنى الأعم فهي في الأصل محكومة بالجواز و الحلية و ذلك لقاعدة نفي الضرر و حديث رفع ما اضطروا اليه (1) و ما ورد من أنه ما من محرم إلا و قد أحله اللّٰه في مورد الاضطرار (2) و غير ذلك مما دل على حلية أي عمل عند الاضطرار اليه فكل عمل صنعه المكلف اتقاء لضرره و اضطرارا اليه فهو محكوم بالجواز و الحلية في الشريعة المقدسة.

و أما التقية بالمعنى الأخص أعني التقية من العامة فهي في الأصل واجبة و ذلك للأخبار الكثيرة الدالة على وجوبها بل دعوى تواترها الإجمالي و العلم بصدور بعضها عنهم (عليهم السلام) و لا أقل من اطمئنان ذلك قريبة جدا هذا على أن في بينها روايات معتبرة كصحيحتي ابن أبي يعفور و معمر بن خلاد (3) و صحيحة زرارة (4) و غيرها من الروايات الدالة على وجوب التقية.

____________

(1) المروية في ب 30 من أبواب الخلل و 56 من أبواب جهاد النفس من الوسائل.

(2) المروية في ب 1 من أبواب القيام و ب 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل.

(3) المروية في ب 24 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

(4) المروية في ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

255

..........

____________

ففي بعضها ان التقية ديني و دين آبائي و لا دين لمن لا تقية له (1) و أي تعبير أقوى دلالة على الوجوب من هذا التعبير حيث أنه ينفي التدين رأسا عمن لا تقية له فمن ذلك يظهر أهميتها عند الشارع و أن وجوبها بمثابة قد عدّ تاركها ممن لا دين له.

و في بعضها الآخر: لا ايمان لمن لا تقية له (2) و هو في الدلالة على الوجوب كسابقه.

و في ثالث: لو قلت ان تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا (3) و دلالته على الوجوب ظاهرة لان الصلاة هي الفاصلة بين الكفر و الايمان- كما في الأخبار- و قد نزلت التقية منزلة الصلاة و دلت على انها أيضا كالفاصلة بين الكفر و الايمان و في رابع ليس منا من لم يجعل التقية شعاره و دثاره (4).

و قد عد تارك التقية في بعضها ممن أذاع سرهم و عرفهم إلى أعدائهم (5) إلى غير ذلك من الروايات فالتقية بحسب الأصل الأولي محكومة بالوجوب.

ثم ان التقية بالمعنى الجامع بين التقية بالمعنى الأعم و التقية المصطلح عليها قد يتصف بالوجوب كما إذا ترتب على تركها مفسدة لا يرضى الشارع بوقوع المكلف فيها كالقتل هذا في التقية بالمعنى الأعم و أما التقية بالمعنى

____________

(1) المروية في ب 24 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

(2) كما في صحيحتي ابن أبي يعفور و معمر بن خلاد المتقدمتين

(3) كما في رواية السرائر المروية في ب 24 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

(4) المروية في ب 24 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

(5) كما في رواية الاحتجاج المروية في ب 39 و صحيحة معلى بن خنيس المتقدمة المروية في ب 24 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

256

..........

____________

الأخص فقد عرفت انها مطلقا واجبة و ان لم يترتب عليها إلا ضرر يسير و قد يتصف التقية بالمعنى الجامع المتقدم بالحرمة التشريعية و هذا كما إذا أجبره الجائر على الصلاة خلف من نصبه أماما للجماعة أو خلف رجل آخر علمنا فسقه فإنه إذا صلى خلفه ناويا بها التقرب و الامتثال فقد فعل محرما تشريعيا لا محالة لأن التقية تنادي بصورة الصلاة معه و حيث أنه يعلم ببطلانها و عدم كونها مأمورا بها حقيقة فلو أتى بها بقصد القربة كان ذلك محرما تشريعيا لا محالة.

و نظيره ما إذا أتى بالعبادة تقية و قلنا انها غير مجزئة عن المأمور بها لأن التقية انما تقتضي جواز العمل فقط و لا يقتضي الاجزاء عن المأمور به كما ذهب اليه جمع و منهم المحقق الهمداني (قده) كما في المسح على الخفين- مثلا فإنه لو اتقى بذلك و مسح على خفيه تقية لم يجز له ان يقصد به التقرب و الامتثال لعدم كونه مصداقا للمأمور به فلو قصد به ذلك كان محرما تشريعيا كما عرفت.

و من ذلك ما إذا وقف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام تقية و قلنا بعدم أجزائه عن الوقوف المأمور به و هو الوقوف بها يوم التاسع من الشهر المذكور مطلقا أو فيما إذا علم بأن اليوم يوم الثامن دون التاسع فإنه لا يجوز أن ينوي به التقرب و الامتثال و إلا لارتكب عملا محرما تشريعيا لا محالة.

و ثالثة تتصف التقية بالمعنى الجامع بالحرمة الذاتية و هذا كما إذا أجيره الجائر بقتل النفس المحترمة فإنه لا يجوز له أن يقتلها تقية لما دل على أن التقية إنما شرعت لحقن الدماء فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية فإذا قتلها تقية ارتكب محرما ذاتيا لا محالة.

و قد يمثل لذلك بما إذا لم يترتب على ترك التقية ضرر عاجل و لا آجل.

257

..........

____________

و لكنا قدمنا ان التقية من الوقاية. و قد أخذ في موضوعها خوف الضرر و مع العلم بعدم ترتب الضرر على تركها لا يتحقق موضوع للتقية.

و الصحيح ان يمثل التقية المحرمة بالقتل كما مر و بما إذا كانت المفسدة المترتبة على فعل التقية أشد و أعظم من المفسدة المترتبة على تركها أو كانت المصلحة في ترك التقية أعظم من المصلحة المترتبة على فعلها، كما إذا علم بأنه ان عمل بالتقية ترتب عليه اضمحلال الحق و اندراس الدين الحنيف و ظهور الباطل و تزويج الجبت و الطاغوت و إذا ترك التقية ترتب عليه قتله فقط أو قتله مع جماعة آخرين و لا إشكال حينئذ في أن الواجب ترك العمل بالتقية و توطين النفس للقتل لأن المفسدة الناشئة عن التقية أعظم و أشد من مفسدة قتله.

نعم ربما تكون المفسدة في قتله أعظم و أكثر كما إذا كان العامل بالتقية ممن يترتب على حياته ترويج الحق بعد الاندراس و إنجاء المؤمنين من المحن بعد الابتلاء و نحو ذلك و لكنه أمر آخر و التقية بما هي تقية متصفة بالحرمة في تلك الصورة كما عرفت.

و لعله من هنا أقدم الحسين (سلام اللّٰه و صلواته عليه) و أصحابه (رضوان اللّٰه عليهم) لقتال يزيد بن معاوية و عرضوا أنفسهم للشهادة و تركوا التقية عن يزيد و كذا بعض أصحاب أمير المؤمنين (ع) بل بعض علمائنا الأبرار (قدس اللّٰه أرواحهم) و جزاهم عن الإسلام خيرا كالشهيدين و غيرهما.

و رابعة تتصف التقية- بالمعنى المتقدم- بالاستحباب و قد مثل له شيخنا الأنصاري (قده) بالمداراة معهم و معاشرتهم في بلادهم و حضور مجالسهم و عيادة مرضاهم و غير ذلك مما لا يترتب أي ضرر على تركه بالفعل إلا أن تركه كان مفضيا الى الضرر على نحو التدريج و فيه ما تقدم من ان التقية متقومة بخوف الضرر الذي يترتب على

258

..........

____________

تركها و مع العلم بعدم ترتب الضرر على ترك التقية لا يتحقق موضوع للتقية كما مر.

و عليه فالصحيح أن يمثل للتقية المستحبة بالمرتبة الراقية من التقية لأن لها كالعدالة و غيرها مراتب و درجات متعددة و هذا كشدة المواظبة على مراعاتها حتى في موارد توهم الضرر فضلا عن موارد احتماله لئلا يذاع بذلك اسرار أهل البيت (عليهم السلام) عند أعدائهم و لا إشكال في استحباب ذلك مع تحقق موضوع التقية و هو احتمال الضرر و لو ضعيفا.

و يشهد على ذلك ما رواه حماد بن عيسى عن عبد اللّٰه بن حبيب (جندب) عن أبي الحسن (ع) في قول اللّٰه عز و جل «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ» قال: أشدكم تقية (1) فإن ذلك و ان كان من أحد مصاديق التقية فإن التقية قد تكون من اللّٰه سبحانه و قد يكون من العامة و غيرهم.

إلا ان الرواية تدلنا على ان من كان شديد المواظبة على التقية فهو اتقى و أكرم عند اللّٰه و هذا كاف في رجحان شدة المواظبة على التقية.

و يمكن التمثيل للتقية المستحبة أيضا بما إذا أكره مكره على إظهار كلمة الكفر أو التبري من أمير المؤمنين (ع) بناء على أن التقية وقتئذ بإظهار البراءة أرجح من تركها و من تعريض النفس على الهلاكة و القتل كما يأتي عن قريب ان شاء اللّٰه.

و قد تتصف التقية- بالمعنى المتقدم- بالكراهة و مرادنا بها ما إذا كان ترك التقية أرجح من فعلها و هذا كما إذا أكره على إظهار البراءة من أمير المؤمنين (ع) و قلنا ان ترك التقية حينئذ و تعريض النفس للقتل أرجح من فعلها و إظهار البراءة منه (ع) كما احتمله بعضهم.

و كما إذا ترتب ضرر على أمر مستحب كزيارة الحسين (ع) فيما إذا

____________

(1) المروية في ب 24 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

259

..........

____________

كانت ضررية فإن ترك التقية حينئذ بإتيان المستحب الضرري أرجح من فعلها و ترك العمل الاستحبابي و هذا بناء على ما قدمناه عند التكلم على حديث لا ضرر من أنه كحديث الرفع و غيره مما دل على ارتفاع الأحكام الضررية على المكلف. و معه يكون ترك التقية بإتيان المستحب أرجح من فعلها و ترك العمل المستحب هذا كله في هذه الجهة.

«الجهة الثانية»: بيان مورد التقية بالمعنى الأخص مقتضى الإطلاقات الكثيرة الدالة على أن من لا تقية له لا دين له أو لا ايمان له و انه ليس منا من لم يجعل التقية شعاره و دثاره و ان التقية في كل شيء، و التقية ديننا الى غير ذلك من الأخبار المتقدمة (1) أن التقية تجري في كل مورد احتمل ترتب ضرر فيه على تركها.

بل الظاهر مما ورد من أن التقية شرعت ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (2) ان التقية جارية في كل شيء سوى القتل و قد أشرنا آنفا أن التقية بالمعنى أخص واجبة فتجب في كل مورد احتمل فيه الضرر على تقدير تركها و قد استثنى الأصحاب «قدهم» عن وجوب التقية موارد:

موارد الاستثناء:

«الأول»: ما إذا كره على قتل نفس محترمة و قد تقدم ان التقية المتحققة بقتل النفس المحترمة محرمة و ذلك لما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: انما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (3) و صحيحة أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) .. انما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم

____________

(1) المتقدمة في ص 246 و 255

(2) المروية في ب 31 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

(3) المروية في ب 31 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

260

..........

____________

فلا تقية .. (1).

و «الثاني»: ما إذا لم يترتب على ترك التقية أي ضرر عاجل أو آجل فقد ذكروا ان التقية محرمة وقتئذ، و بينا نحن ان التقية قد أخذ في موضوعها احتمال الضرر فإذا لم يترتب هناك ضرر على تركها فهي خارجة عن موضوع التقية رأسا و على الجملة ان خروج مثلها تخصصي موضوعي لا تخصيصي.

«الثالث»: مسح الخفين حيث ذكروا ان التقية غير جارية في مسح الخفين و ذكرنا نحن ان عدم جريان التقية في مسح الخفين و متعة الحج و شرب المسكر يختص بالأئمة (عليهم السلام) و لا يعم غيرهم و على تقدير التنازل عن ذلك و فرض شمول الحكم لغيرهم (ع) كما إذا كانت الكلمة الواردة في صحيحة زرارة المتقدمة «لا يتقى» لا «لا نتقي» ذكرنا ان الظاهر ان خروج الموارد الثلاثة عن التقية خروج موضوعي غالبا لا انها خارجة عنها حكما على ما فصلنا الكلام عليه سابقا.

فعلى ذلك لو فرضنا ان موضوع التقية في المسح على الخفين قد تحقق في مورد على وجه الندرة و الاتفاق كما إذا خاف من العامة على نفسه من الإتيان بالمأمور به أعني المسح على الرجلين فمسح على الخفين تقية فالظاهر جريان التقية فيه لانصراف الاخبار الى الغالب و انه الذي لا يتحقق فيه موضوع التقية.

«الرابع»: ما إذا أكره على التبري من أمير المؤمنين (ع) لما ورد في عدة من الأخبار من الأمر بمد الأعناق و النهي عن التبري منه (ع) لأنه على الفطرة أو مولود على الفطرة.

فمن جملتها ما رواه الشيخ في مجالسه بإسناده عن محمد بن ميمون عن

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

261

..........

____________

جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (ع) قال: قال: أمير المؤمنين (ع) ستدعون إلى سبي فسبوني و تدعون إلى البراءة مني فمدوا الرقاب فاني على الفطرة (1).

و «منها»: ما رواه الشيخ أيضا في مجالسه بإسناده عن علي بن على أخي دعبل بن علي الخزاعي عن علي بن موسى عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب (ع) انه قال: انكم ستعرضون على سبي فإن خفتم على أنفسكم فسبوني ألا و انكم ستعرضون على البراءة مني فلا تفعلوا فانى على الفطرة (2).

و «منها»: ما في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (ع) انه قال أما انه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن يأكل ما يجد و يطلب ما لا يجد فاقتلوه و لن تقتلوه ألا و انه سيأمركم بسبي و البراءة مني فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة و لكم نجاة و أما البراءة فلا تبرءوا أو «تتبرءوا» مني فإني ولدت على الفطرة و سبقت الى الايمان و الهجرة (3) إلى غير ذلك من الروايات المستفيضة.

و لا ينبغي الإشكال في دلالتها على المدعى أعني تعريض النفس للهلاك عدا الإكراه على التبري منه (ع) و لا يعارضها رواية مسعدة بن صدقة قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (ع) ان الناس يرون أن عليا (ع) قال على منبر الكوفة: أيها الناس انكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرءوا مني، فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي (ع) ثم قال: و انما قال: انكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني و اني لعلى دين محمد (ص) و لم يقل و لا تبرءوا مني.

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

(2) المروية في ب 29 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

(3) المروية في ب 29 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

262

..........

____________

فقال له السائل: أ رأيت ان أخبار القتل دون البراءة فقال: و اللّٰه ما ذلك عليه و ما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة و قلبه مطمئن بالإيمان فأنزل اللّٰه عز و جل فيه «إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» فقال له النبي (ص) عندها: يا عمار ان عادوا فعد فقد أنزل اللّٰه عذرك و أمرك أن تعود ان عادوا (1) و ذلك أما أولا فلأنها ضعيفة السند بمسعدة لعدم توثيقه في الرجال [2].

و أما ثانيا فلقصور دلالتها على حرمة القتل و وجوب التبري عند الإكراه لأنه (ع) انما نفى كون القتل على ضرره و بين أن ما ينفعه ليس إلا ما مضى عليه عمار و لم تدل على حرمة التعرض على القتل حينئذ بوجه بل التعرض على القتل و التبري كلاهما سيان.

و الظاهر أن هذا مما لا كلام فيه و انما الكلام في أنه هل يستفاد من تلك الروايات المستفيضة وجوب اختيار القتل و عدم جواز التبري و إظهاره باللسان للصيانة عن القتل أو انه لا يستفاد منها ذلك؟

الثاني: هو الصحيح و ذلك لعدم دلالتها على تعين اختيار القتل حينئذ لأنها انما وردت في مقام توهم الحظر لان تعريض النفس على القتل حرام و بهذه القرينة بكون الأمر بمد الأعناق و اختيار القتل ظاهرا في الجواز دون دون الوجوب و عليه فالأخبار انما تدلنا على الجواز في كل من التقية بإظهار

____________

[2] الرجل ممن وقع في سلسلة أسانيد كامل الزيارات و تفسير القمي فعلى ما سلكه سيدنا مد ظله من وثاقة كل من وقع في سلسلة أحاديث الكتابين المذكورين إذا لم يضعف بتضعيف معتبر لا بد من الحكم بوثاقته و اعتباره.

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

263

..........

____________

التبري منه (ع) باللسان و تركها باختيار القتل و مد الأعناق.

و يدلنا على ذلك ما رواه عبد اللّٰه بن عطاء قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجلان من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما: أبرئا عن أمير المؤمنين (عليه السلام): فبرئ واحد منهما و ابى الآخر فخلي سبيل الذي بريء و قتل الآخر فقال: أما الذي بريء فرجل فقيه في دينه و أما الذي لم يبرء فرجل تعجل إلى الجنة (1) و قد دلت على جواز كل من التبري منه (ع) تقية و التعرض للقتل و ان كلا من الرجلين من أهل الجنة و قد تعجل أحدهما إلى الجنة و تأخر الآخر.

و ما رواه محمد بن مروان قال: قال لي أبو عبد اللّٰه (ع) ما منع ميثم (رحمه اللّٰه) من التقية؟ فو اللّٰه لقد علم ان هذه الآية نزلت في عمار و أصحابه: الا من اكره و قلبه مطمئن بالإيمان (2) لدلالتها على جواز كل من البراءة و اختيار القتل لانه (ع) لم يتزجر عما فعله ميثم و انما سئل عن وجهه هذا.

و قد يقال إن ترك التقية أرجح من التقية بإظهار التبري منه (ع) و عليه فيكون المقام من موارد التقية المكروهة و المرجوحة و إذا قلنا بعكس ذلك و ان التقية بإظهار التبري أرجح من تركها فيكون المقام مثالا للتقية المستحبة لا محالة.

و الصحيح ان الأمرين متساويين و لا دلالة لشيء من الروايات على أرجحية أحدهما عن الآخر أما رواية عبد اللّٰه بن عطاء فلأنها إنما دلت على ان من ترك التقية فقتل فقد تعجل إلى الجنة و لا دلالة لذلك على أن ترك التقية باختيار القتل

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

(2) المروية في ب 29 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

264

..........

____________

أرجح من فعلها و ذلك لان العامل بالتقية أيضا من أهل الجنة و انما لم يتعجل بل تأجل فلا يستفاد منه إلا تساويهما.

و أما ما رواه محمد بن مروان فلأنها انما تدل على أرجحية التقية بإظهار التبري منه (ع) فيما إذا كانت كلمة «ميثم» غير منصرفة فيصح وقتئذ أن تقرأ كلمة «منع» مبنية للفاعل و المفروض ان كلمة «ميثم» لا تكتب منصوبة (ميثما) لعدم انصرافها فتدلنا الرواية حينئذ على توبيخ ميثم لتركه التقية و تعرضه للقتل و الهلاك.

الا ان كلمة «ميثم» منصرفة لوضوح عدم اشتمالها على موانع الصرف و عليه فلا يصح قراءة كلمة «منع» مبنية للفاعل و الا للزم أن تكون كلمة «ميثم» منصوبة و أن تكون العبارة هكذا ما منع ميثما و لم تذكر الكلمة في شيء من النسخ التي وقفنا عليها منصوبة بل هي في جميع النسخ مكتوبة بالرفع «ميثم» و معه لا بد من قراءة كلمة «منع» مجهولة و مبنية للمفعول هكذا «ما منع ميثم» أي لم تكن التقية ممنوعة و غير سائغة في حقه بل كانت مرخصة بالنسبة اليه و هو أيضا كان عالما بجوازها و مع ذلك اختار القتل باختياره إذا فلا يستفاد منها توبيخ ميثم على عمله ل معناها أحد أمرين:

«أحدهما»: أن تكون هذه الجملة «ما منع ميثم» دفعا للاعتراض على ميثم بأنه لما ذا اختار القتل و لم يتق و هل كان ممنوعا عن التقية فأجاب (عليه السلام): عن ذلك بأنه ما كان ممنوعا عن التقية و انما اختار القتل لتساوي التقية و تركها في الرجحان عند اللّٰه سبحانه و حينئذ لا يستفاد منها مدح ميثم و لا قدحه:

و «ثانيهما»: أن تكون الجملة دالة على مدح ميثم و انه مع علمه بالحال و ان التقية جائزة في حقه قد اختار القتل لعدم طيب نفسه بالتبري

265

..........

____________

عن سيده و مولاه و لو بحسب الظاهر و اللسان لقوة ايمانه و شدة حبه و علاقته لمولاه (ع) إذا تكون الرواية دالة على مدحه (رضوان اللّٰه عليه) و على كل لا يستفاد منها أرجحية التقية عن القتل.

و يحتمل أن يكون الوجه في اختيار ميثم القتل على التقية هو علمه بانتفاء موضوع التقية في حقه لانه كان يقتل على كل حال لمعروفيته بالولاء و اشتهاره بالتشيع و الإخلاص لأمير المؤمنين (صلوات اللّٰه عليه).

و على الجملة الرواية أما أن تدلنا على أرجحية القتل من التقية و إما أن تدل على تساوي التعرض للقتل و التقية و أما أن التقية بالتبري عنه (ع) أرجح من التعرض للقتل فلا يكاد يستفاد من الرواية بوجه فالحكم بأرجحية التقية من القتل في نهاية الإشكال هذا كله في هذه الجهة.

«الجهة الثالثة»: ان الاضطرار و التقية هل يقتضيان ارتفاع الآثار المترتبة على الفعل الاضطراري لو لا الاضطرار و التقية- إذا كان لدليل ثبوتها إطلاق أو عموم- أو ان الآثار المترتبة على الفعل لا ترتفع من جهة الاضطرار اليه و إتيانه تقية؟ استشكل شيخنا الأنصاري (قده) في ارتفاع الآثار من جهة التقية و الاضطرار نظرا إلى ان المرفوع في حديث الرفع ليس هو جميع الآثار المترتبة على الفعل المأتي به بداعي التقية أو الاضطرار و انما المتيقن رفع خصوص المؤاخذة على الفعل و أما ارتفاع جميع آثاره بالاضطرار فلم يقم عليه دليل ثم أمر بالتأمل. و لا بد لنا في المقام من التكلم على جهات ثلاث:

«الجهة الأولى»: ان التقية و الاضطرار هل يوجبان ارتفاع الأحكام التكليفية المتعلقة بالفعل المأتي به تقية أو اضطرارا أو لا يوجبان؟ كما إذا اضطر الى ارتكاب فعل حرام كشرب الخمر و نحوه أو الى ترك واجب من الواجبات كترك صوم يوم من شهر رمضان.

266

..........

____________

«الجهة الثانية»: ان التقية و الاضطرار هل يرفعان الأحكام المترتبة على الفعل المأتي به تقية أعني الأحكام التي نسبتها الى الفعل المأتي به نسبة الحكم الى موضوعه المترتب عليه لا نسبة الحكم إلى متعلقه كما في الجهة الأولى بلا فرق في ذلك بين الأحكام التكليفية و الوضعية و ذلك كوجوب الكفارة المترتبة على ترك الصوم في نهار شهر رمضان أو على إتيان بعض المحرمات على المحرم في الحج و كالضمان المترتب على إتلاف مال الغير من جهة الاضطرار كالمخمصة و نحوها أو من جهة التقية كما إذا قسم الحاكم السني مال شيعي و اعطى له حصته فقبلها و أتلفها تقية.

«الجهة الثالثة»: ان الجزئية أو الشرطية إذا اضطر إلى ترك جزء أو شرط أو تركهما تقية أو المانعية إذا اضطر إلى إتيان ما هو مانع من العمل أو أتى به تقية فهل يرتفع للتقية و الاضطرار حتى يحكم بصحة ما أتى به لمطابقته المأمور به و يسقط عنه وجوب الإعادة و القضاء أو لا ترتفع؟

أما الجهة الأولى: فلا ينبغي الإشكال في أن الاضطرار إلى فعل المحرم أو ترك الواجب يرفع الإلزام عن ذلك الفعل لحديث الرفع و غيره مما دل على حلية الفعل عند الاضطرار و ليس المرتفع في حديث الرفع خصوص المؤاخذة أو استحقاق العقاب لأنهما أمران خارجان عما تناله يد الجعل و التشريع رفعا و وضعا و لا مناص من أن يكون المرفوع امرا تناله يد التشريع و هو منشأ لارتفاع المؤاخذة و استحقاق العقاب و ليس هذا إلا الإلزام و مع ارتفاعه يبقى الفعل على إباحته.

كما أن الأمر كذلك عند الإتيان بالمحرم أو ترك الواجب تقية حيث ان التقية واجبة كما عرفت و مع وجوبها لا يعقل أن يكون الفعل باقيا على حرمته أو وجوبه بل ترتفع حرمته إذا أتى به تقية كما ترتفع وجوبه إذا تركه كذلك بل هذا هو المقدار المتيقن من حديث الرفع و غيره من أدلة

267

..........

____________

التقية و هذا ظاهر.

و أما الجهة الثانية: فالذي تقتضيه القاعدة في نفسها ان العمل الاضطراري أو الذي أتى به تقية كلا عمل لأنه معنى رفعه فكأنه لم يأت به أصلا كما أنه لازم كون العمل عند التقية من الدين فإذا كان الحال كذلك فنرتفع عنه جميع آثاره المترتبة عليه لارتفاع موضوعها تعبدا فلا تجب عليه الكفارة إذا أفطر في نهار شهر رمضان متعمدا لأن إفطاره كلا إفطار أو لأن إفطاره من الدين و لا معنى لوجوب الكفارة فيما يقتضيه الدين و التشريع.

هذا كله فيما تقتضيه القاعدة فلو كنا نحن و هذه القاعدة لحكمنا بارتفاع جميع الآثار المترتبة على الفعل عند التقية و الاضطرار سواء أ كانت الآثار حكما تكليفيا أم كان حكما وضعيا.

و يؤيد ذلك صحيحة أحمد بن أبي عبد اللّٰه عن أبيه عن صفوان و احمد ابن محمد بن أبي نصر جميعا عن أبي الحسن (ع) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك يلزمه ذلك؟ فقال:

لا قال رسول اللّٰه (ص) وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا (1).

لان الحلف بالأمور المذكورة و ان لم تكن صحيحا حال الاختيار أيضا إلا أن قوله (ع) في ذيل الصحيحة قال رسول اللّٰه (ص) و استشهاده بحديث الرفع أقوى شاهد على أن الرفع غير مختص بالمؤاخذة بل يشمل الآثار كلها.

و ما ورد من قوله (ع) أي و اللّٰه أفطر يوما من شهر رمضان أحب إلي من أن يضرب عنقي (2).

____________

(1) المروية في ب 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل

(2) المروية في ب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل

268

..........

____________

و قوله فكان إفطاري يوما و قضاؤه أ يسير علي من أن يضرب عنقي و لا يعبد اللّٰه (1) حيث ان عدم ذكره (ع) إعطاء الكفارة بعد الإفطار يدل على أن وجوب الكفارة يرتفع بالإفطار تقية و الا لكان المتعين التعرض له لأنه أشد و أعظم من وجوب القضاء.

و ما رواه الأعمش عن جعفر بن محمد (ع) في (حديث شرائع الدين) قال: و لا يحل قتل أحد الكفار و النصاب في التقية إلا قاتل أو ساع في فساد ذلك إذا لم تخف على نفسك و لا على أصحابك، و استعمال التقية في دار التقية واجب و لا حنث و لا كفارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلما عن نفسه (2).

و على الجملة ان مقتضى القاعدة المؤيدة بعدة من الروايات ان الاضطرار و التقية يوجبان ارتفاع جميع الآثار المترتبة على الفعل المأتي به بداعيهما بلا فرق في ذلك بين الأحكام التكليفية و الأحكام الوضعية.

نعم يستثنى عن ذلك موردان:

«أحدهما»: ما إذا كان نفى الآثار عن العمل المأتي به عن تقية أو اضطرار خلاف الامتنان على نفس للفاعل كما إذا اضطر- لا سمح اللّٰه- إلى بيع داره أو ثيابه لصرف ثمنهما في معالجة أو معاش فان الحكم وقتئذ ببطلان بيعه على خلاف الامتنان في حقه بل مستلزم لتضرره و مشقته بل ربما يؤدي الى موته مرضعا أو جوعا في بعض الموارد.

و «ثانيهما»: ما إذا كان نفي الآثار عن العمل المأتي به بداعي الاضطرار أو التقية على خلاف الامتنان في حق غيره كما إذا أتلف مال غيره لاضطرار كما في المخمصة أو للتقية كما مثلناه سابقا فان الحكم بعدم

____________

(1) المروية في ب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل

(2) المروية في ب 24 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

269

..........

____________

ضمانه لمال الغير تستلزم تضرر مالك المال المتلف و هو على خلاف الامتنان في حقه و الحديث لا يجري في الموارد الفاقدة للامتنان.

و «أما الجهة الثالثة»: أعني ما إذا ترك جزءا أو شرطا تقية أو للاضطرار كما إذا صلى بلا سورة أو من دون البسملة لعدم كونهما جزءا من المأمور به عند المخالفين- مثلا- أو صلى مع المانع تقية كما إذا صلى في شيء من الميتة لطهارتها عندهم بالدبغ فهل يقتضي التقية أو الاضطرار سقوط الجزئية أو الشرطية أو المانعية حينئذ أو لا يقتضي؟ و كلامنا في المقام انما هو فيما لو كنا نحن و الأخبار الواردة في التقية عموما- كحديث الرفع- أو خصوصا- كما ورد في التقية بخصوصها مع قطع النظر عما دل على صحة الصلاة الفاقدة لشيء من أجزائها أو شرائطها عند الاضطرار فهل تقتضي أدلة التقية صحة العمل وقتئذ بحيث لا تجب إعادته أو قضاؤه أو لا تقتضي؟

التنبيه على أمرين:

و قبل الخوض في تحقيق ذلك ننبه على أمرين:

«الأمر الأول»: ان محل الكلام في المانعية انما هو المانعية المنتزعة عن النواهي الغيرية كالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل أو النهي عن الصلاة في الحرير و نحوها، و أما المانعية المنتزعة عن النهي المستقل فهي غير داخلة في محل النزاع و هذا كاعتبار عدم كون المكان أو اللباس مغصوبا في الصلاة أو عدم كون الماء مغصوبا في الوضوء لأنه لم يرد اعتبار ذلك في شيء من الأدلة اللفظية و غيرها بل انما نشأ اعتباره من النهي النفسي الدال على حرمة التصرف

270

..........

____________

في مال الغير من غير رضاه نظرا إلى استحالة اجتماع الحرمة و الوجوب في شيء واحد و عدم معقولية كون المحرم مصداقا للواجب فمانعية الغصب في الصلاة و الوضوء ناشئ من النهي النفسي المستقل بمعونة الحكم العقلي و استقلاله في عدم إمكان كون المحرم مصداقا للواجب.

و الوجه في خروج هذا القسم من المانعية عن محل النزاع هو أن المكلف إذا اضطر الى إتلاف ماء الغير أو إلى التصرف في ماله تقية أو اضطرارا سقطت عنه حرمته لما قدمناه آنفا من أن الاضطرار و التقية يرفعان الأحكام المتعلقة بالفعل الاضطراري لا محالة و مع سقوط الحرمة النفسية ترتفع المانعية أيضا لأنها ناشئة و مسببة عنها فإذا زالت زالت.

و أما ما ذهب اليه شيخنا الأستاذ (قده) من ان الاضطرار و التقية و غيرهما من الروافع و الأعذار انما يقتضي ارتفاع الحرمة فحسب و أما الملاك المقتضي للحرمة فهو بعد بحاله و لا موجب لارتفاعه بالاضطرار أو التقية أو غيرهما و مع بقاء الملاك المقتضي للحرمة تبقى المانعية أيضا بحالها.

لأن للملاك و المفسدة الملزمة معلولان: «أحدهما»: الحرمة النفسية و «ثانيهما»: المانعية و إذا سقط أحدهما و هو الحرمة بالتقية أو بالاضطرار فيبقى معلوله الثاني بحاله لا محالة فالمانعية المستفادة من النهي النفسي كالمانعية المستفادة عن النواهي الغيرية و لا ترتفع بالاضطرار الى التصرف في مال الغير بوجه.

فمما لا يمكن المساعدة عليه و ذلك لأنا لو سلمنا ان الاضطرار و غيره من الأعذار غير مقتضى لارتفاع المفسدة و الملاك كما لا يبعد حيث أن الرفع انما يتصور فيما إذا كان هناك مقتض للتكليف كما قدمناه عند التكلم على حديث الرفع فلا نسلم عدم ارتفاع المانعية عند سقوط الحرمة النفسية بالاضطرار.

271

..........

____________

و ذلك لأن الملاك على تقدير بقائه غير مؤثر في المنع عن الفعل المضطر اليه و حرمته لان الشارع قد رخص في فعله و مع عدم تأثير الملاك في المنع و التحريم و جواز التصرف في مال الغير بترخيص الشارع نفسه لا معنى للمانعية في الصلاة لضرورة ان العمل إذا كان مباحا و مرخصا فيه في غير الصلاة فهو مباح و مرخص فيه في الصلاة أيضا فإن الصلاة و غيرها سيان من هذه الجهة فإذا جاز له لبس لباس الغير في غير الصلاة جاز له لبسه في الصلاة أيضا إذ لا فرق بينها و بين غيرها من ناحية الترخيص في التصرف في مال الغير.

و لا يقاس محل الكلام بما إذا اضطر إلى لبس الحرير لبرد أو غير برد حيث أنه مع سقوط الحرمة النفسية في لبس الحرير بالاضطرار لا يمكنه لبسه في الصلاة بل يجب عليه إيقاع الصلاة في غير الحرير لعدم سقوط المانعية عن لبس الحرير بسقوط حرمته النفسية و ذلك لأن المانعية في لبس الحرير لم ينشأ عن حرمة لبسه النفسية و انما هي منتزعة عن النهي عن الصلاة في الحرير و هذا باق بحاله و هذا بخلاف المقام فإن المانعية إنما نشأت عن النهي النفسي و مع سقوطه بالتقية و الاضطرار ترتفع المانعية المنتزعة عنة بالتبعية لا محالة.

«الأمر الثاني» ان محل الكلام و مورد النقض و الإبرام انما هو ما إذا كان لدليل كل من الجزئية و الشرطية و المانعية إطلاق أو عموم يشمل حال الاضطرار إلى تركها. و أما إذا لم يكن كذلك كما إذا ثبتت الأمور المذكورة بإجماع أو سيرة أو بدليل لفظي لا إطلاق و لا عموم له فهو خارج عن محل النزاع.

و ذلك لان الواجب إذا كان لدليله عموم أو إطلاق يتمسك بإطلاقه أو عمومه و به يثبت عدم جزئية الشيء أو شرطيته أو مانعيته للواجب حال

272

..........

____________

الاضطرار اليه. و إذا فرضنا عدم الإطلاق أو العموم لدليل الواجب يتمسك بأصالة البراءة في نفي الجزئية و الشرطية و المانعية في حال الاضطرار فمورد الكلام و محل النقض و الإبرام منحصر بما إذا كان لأدلة التكاليف الغيرية عموم أو إطلاق يشمل كلتا حالتي التمكن و الاضطرار إذا عرفت ذلك فنقول:

قد يقال بأن التقية و الاضطرار كما أنهما يرفعان التكاليف النفسية من الحرمة و الوجوب كذلك يرفعان التكاليف الغيرية من الشرطية و الجزئية و المانعية و يستدل على ذلك بوجوه:

وجوه الاستدلال في محل الكلام:

«الأول»: قوله (ص) رفع عن أمتي تسعة .. حيث أنه يقتضي ارتفاع الشرطية أو الجزئية بالاضطرار إلى تركهما كما يقتضي ارتفاع المانعية للاضطرار إلى الإتيان بها و بذلك يثبت ان العمل غير مشترط بما تعلق به الاضطرار إلى تركه أو فعله و انه لا بد من الإتيان به فاقدا للجزء أو للشرط المضطر إلى تركه أو واجدا للمانع المضطر إلى الإتيان به.

و يدفعه: ما قدمناه في محله من أن الاضطرار الى ترك شيء من الاجزاء و الشرائط أو الى الإتيان بالموانع ان كان مختصا بفرد من الافراد الواجبة و لم يستوعب الوقت كله فهو مما لا يترتب عليه ارتفاع ما اضطر إليه في صلاته و ذلك لأنما اضطر إلى تركه أو إلى فعله مما لم يتعلق به الأمر- أعني الفرد- و ما تعلق به الأمر و هو طبيعي الصلاة لم يتعلق به الاضطرار لأنه إنما اضطر الى ترك شيء من الاجزاء و الشرائط في الفرد لا في طبيعي الصلاة.

273

..........

____________

و أما إذا استوعب الوقت كله أو كان الوقت ضيقا و لم يكن له إلا فرد واحد فاضطر إلى ترك شيء من الجزء أو الشرط في طبيعي المأمور به فالحديث أيضا لا يقتضي ارتفاع شيء من الجزئية أو الشرطية و ذلك لأن الجزئية و الشرطية و المانعية إنما تنتزع عن الأمر بالعمل المركب من الشيء المضطر إليه و غيره و هي بأنفسها مما لا تناله يد الوضع و الرفع و انما ترتفع برفع منشأ انتزاعها.

- مثلا- إذا اضطر المكلف إلى ترك السورة في الصلاة أو إلى الصلاة فيما لا يؤكل لحمه فمقتضى الحديث انما هو ارتفاع الأمر عن المجموع المركب مما اضطر إليه و غيره أعني الصلاة مع السورة أو الصلاة فيما يؤكل لحمه بالنسبة إليه لأنه المنشأ لانتزاع الجزئية أو المانعية و أما الأمر بالصلاة الفاقدة للسورة أو الواجدة للمانع كما لا يؤكل لحمه فهو مما لا يمكن استفادته من الحديث بل يحتاج إثبات الأمر بالعمل الفاقد المضطر إليه إلى دليل هذا.

على أن الحديث انما يقتضي ارتفاع التكليف عند الاضطرار و لا تتكفل إثبات التكليف بوجه فهذا الوجه ساقط.

«الثاني»: ما استدل به شيخنا الأنصاري من قوله (ع) التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله اللّٰه له (1) و قد ورد ذلك في عدة روايات.

«منها»: ما رواه إسماعيل الجعفي و معمر بن يحيى بن سالم [2]

____________

[2] هكذا في الوسائل و هو غلط و الصحيح سام كما في نسخة الكافي على ما في الوافي م 3 ص 122 من المجلد الأول أو بسام كما احتمله بعضهم.

____________

(1) المروية في ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل

274

..........

____________

و محمد بن مسلم و زرارة و هي رواية صحيحة. بتقريب ان لفظة «كل» من أداة العموم فقد دلت الرواية على أن التقية جائزة أو واجبة في كل أمر اضطر اليه ابن آدم ثم فرعت عليه قوله (ع) فقد أحله اللّٰه .. و دلنا ذلك على أن كل أمر اضطر اليه العباد فهو محلل في حقه و ان الاضطرار و التقية رافعان لحرمته على تقدير كونه محرما في نفسه.

و من الظاهر ان حلية كل حرام بحسبه، فإذا كان العمل محرما نفسيا في نفسه مع قطع النظر عن التقية فهي يجعله مباحا نفسيا لا يترتب على فعله العقاب و المؤاخذة كما انه إذا كان محرما غيريا فالتقية تجعله مباحا غيريا و معناه عدم كون العمل مشروطا بذلك الشيء.

- مثلا- إذا اضطر المكلف إلى التكفير في صلاة أو إلى ترك البسملة أو الى استعمال التراب للتيمم في صلاته و هي من المحرمات الغيرية لاشتراط الصلاة بعدم التكفير و عدم ترك البسملة فالتقية تجعلها مباحة غيرية بمعنى عدم اشتراط الصلاة بعدم التكفير أو بعدم ترك البسملة و هكذا.

و نتيجة ذلك ان الصلاة الواجبة في حقه غير مشروطة بعدم التكفير و عدم ترك البسملة و بذلك يثبت وجوب الصلاة الفاقدة لبعض أجزائها أو شرائطها أو الواجدة لبعض موانعها.

و على الجملة ان الصحيحة كما تشمل التكاليف النفسية من الوجوب و الحرمة النفسيين كذلك تشمل التكاليف الغيرية أعني الوجوب و الحرمة الغيرين هذا.

و فيه ان الظاهر من الصحيحة ان كل عمل كان محرما بأي عنوان من العناوين المفروضة تزول عنه حرمته بواسطة التقية فيصير العمل المعنون بذلك العنوان متصفا بالحلية لأجلها لا أن الحلية توجب التغير و التبدل في موضوعها لوضوح ان الحكم لا يكون محققا لموضوعه و لا مغيرا له

275

..........

____________

مثلا- التكتف في الصلاة لما كان بعنوان كونه مبطلا محرما في الصلاة فتقتضي التقية كون التكتف المبطل حلالا في الصلاة و معنى ذلك أن الإبطال أمر محلل لأجل التقية و قد ارتفعت حرمته.

و ليس معنى ذلك ان التكتف يخرج عن كونه مبطلا للصلاة بسبب التقية حتى تصح معه الصلاة بل التكتف المعنون بالمبطلية في الصلاة يحكم عليه بالحلية لأجلها فيصير إبطال الصلاة جائزا بالتقية و أما أن التكتف لأجل الحكم بحليته و ارتفاع حرمته يخرج عن كونه مبطلا للصلاة فلا يكاد يستفاد من الروايات بوجه.

و على الجملة الصحيحة إنما تختص بالتكاليف النفسية و لا تشمل التكاليف الغيرية أبدا لأن الحكم لا يحقق موضوع نفسه و لا يتصرف فيه بوجه إذا لا بد من ملاحظة ان العمل بأي عنوان كان محرما لو لا الاضطرار حتى يحكم بحليته و رفع حرمته لطرو الاضطرار عليه فالتكتف قد حكم عليه بالحرمة بعنوان إبطاله الصلاة مع قطع النظر عن التقية و الاضطرار و كذلك ترك السورة أو غيرها من الأجزاء و الشرائط متعمدا بناء على حرمة إبطال الصلاة فإذا طرأت عليه التقية و الاضطرار رفعا حرمة الابطال و أوجبا حليته و النتيجة ان إبطال الصلاة حلال للتقية و الاضطرار لا أن التكتف أو ترك الجزء أو الشرط متعمدا غيره مبطل للصلاة.

و كذا الحال في الصوم المعين لأن إبطاله بتناول المفطرات حرام مطلقا و في الصوم غير المعين حرام إذا كان بعد الزوال إلا ان ذلك العمل المحرم بعنوان الابطال محلل فيما إذا كان للاضطرار و التقية و كذا في غير ذلك من الموارد التي حكم فيها بحرمة الإبطال في نفسه.

و أما إذا لم يكن الابطال محرما في نفسه كما في إبطال الصلاة على الأظهر و كما في إبطال الوضوء و الغسل و نحوهما من العبادات لعدم حرمة إبطالهما جزما

276

..........

____________

فهل يمكن أن يقال ان مثل المسح على الخفين في الوضوء أو التكتف في الصلاة أو ترك البسملة و السورة و غيرها من الموانع و الأجزاء و الشرائط أعني المحرمات الغيرية ترتفع حرمتها الغيرية بالتقية و الاضطرار و يقال ان التكتف في الصلاة محرم بالحرمة الغيرية في نفسه لو لا التقية و الاضطرار و محلل غيري عند التقية و الاضطرار و كذا ترك السورة أو غيرها من الأجزاء و الشرائط لحرمته الغيرية في نفسه فإذا طرأت عليه التقية ارتفعت حرمته و بها اتصفت بالإباحة الغيرية و معناه عدم مانعية التكتف أو عدم جزئية السورة في الصلاة و هكذا.

أو ان الصحيحة لا يمكن التمسك بها في التكاليف الغيرية من الشرطية و الجزئية و المانعية؟.

الثاني هو التحقيق و ذلك لأن العمل المركب من الأجزاء و الشرائط و عدم المانع ارتباطي لا محالة فإذا فرضنا ان المكلف قد عجز عن الإتيان بتمامه و اضطر الى ترك شيء من أجزائه أو شرائطه أو الى الإتيان بشيء من موانعه سقط التكليف المتعلق بالمركب عن مجموع العمل لا محالة فلا يبقى تكليف بالمركب هناك و ذلك لأنه مقتضى إطلاق أدلة الجزئية أو الشرطية أو المانعية الشامل لموارد الاضطرار الى تركها- كما هو مفروض كلامنا- لأن لازمة سقوط الأمر عن مجموع العمل المركب لعدم قدرة المكلف عليه بجميع أجزائه و شرائطه و إذا فرضنا سقوط الأمر و الإلزام عن العمل المركب لم يبق معنى للاضطرار الى ترك أجزائه و شرائطه أو إلى فعل شيء من موانعه لتمكنه من ترك العمل برأسه و عدم الإتيان به من أساسه و قد تقدم ان مفهوم الاضطرار قد أخذ فيه اللابدية و عدم التمكن من فعله أو من تركه و هذا غير متحقق عند تمكن المكلف من ترك الأجزاء و الشرائط بترك العمل المركب رأسا

277

..........

____________

و مع هذا الفرض أعني التمكن من ترك العمل برأسه لم يصدق الاضطرار إلى ترك الشرط أو الجزء أو الى الإتيان بالمانع.

و على ذلك فالتقية و الاضطرار يرفعان الحرمة النفسية المترتبة على ترك الواجب المركب عند الاضطرار الى ترك شيء من أجزائه و شرائطه. و أما الجزئية و الشرطية و المانعية فهي غير مرتفعة بشيء من التقية و الاضطرار لعدم تحقق الاضطرار إليها عند التمكن من ترك العمل برأسه.

فلا يصح أن يقال انه مضطر الى ترك الجزء أو الشرط أو إلى الإتيان بالمانع عند التمكن من ترك العمل برمته اللهم إلا ان يكون قوله (ع) في الرواية: فقد أحله اللّٰه .. شاملا للتكاليف الغيرية من الجزئية و الشرطية و المانعية أيضا حتى يدل على وجوب العمل الفاقد للمضطر الى تركه من جزء أو شرط أو الواجد للمضطر الى فعله أعنى المانع لأنه وقتئذ مضطر الى ترك الجزء أو الشرط أو الى الإتيان بالمانع و لا يتمكن من ترك العمل المركب برمته- لقدرته من الإتيان به على الفرض.

إلا أن الحكم لا يكون محققا لموضوع نفسه فكيف يعقل أن يكون الحكم بالحلية محققا للاضطرار الذي هو موضوعه لانه موضوع للحكم بالحلية و ارتفاع الحرمة و لا مناص من أن يتحقق بنفسه أو لا مع قطع النظر عن حكمه حتى يحكم بالحلية و ليس الأمر كذلك في المقام لوضوح أن المكلف مع قطع النظر عن الحكم بالحلية في مورد الاضطرار غير مضطر الى ترك الجزء أو الشرط بالوجدان لتمكنه و اقتداره من ترك العمل المركب رأسا.

كما ان العلم الخارجي- في مورد كالصلاة- بأن المركب عمل لا يسقط عنه حكمه ابدا و ان لم يتمكن المكلف من جزئه أو شرطه أو من ترك الإتيان بمانعه، كذلك أي لا يحقق ذلك صدق عنوان الاضطرار و تحققه إلى

278

..........

____________

ترك الجزء أو الشرط أو إلى الإتيان بالمانع حتى يحكم بارتفاع التكاليف الغيرية بالتبع.

لأن الكلام انما هو في أنه لو كنا نحن و الأدلة الدالة على ارتفاع ما اضطر اليه و حلية العمل المأتي به تقية فهل يقتضي تلك الأدلة ارتفاع التكاليف الغيرية بالاضطرار و عدم اشتراط العمل بما اضطر إلى تركه من شرط أو جزء أو إلى فعله كالموانع حتى يجب الإتيان به فاقدا لما اضطر اليه و لا تجب عليه الإعادة أو القضاء ليكون ذلك قاعدة كلية تجري في جميع الموارد أو انها لا تقتضي ذلك؟

لا فيما إذا علمنا بوجوب العمل الفاقد لما اضطر إلى تركه أو الى فعله في مورد واحد بالدليل الخارجي كالصلاة لوضوح ان وجوب الفاقد حينئذ غير مستند إلى أدلة التقية حتى نتعدى إلى جميع مواردها بل انما يستند إلى الدليل الخارجي فيثبت في مورده فقط.

و «منها» صحيحة [1] أبي الصباح قال و اللّٰه لقد قال لي جعفر ابن محمد (ع) .. ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة (2).

لأن إطلاق قوله (ع) ما صنعتم. يشمل إتيان العمل فاقدا لجزئه أو شرطه أو واجدا لمانعه إذا فالمكلف في سعة من قبل ترك الجزء أو الشرط أو الإتيان بالمانع فلا يترتب عليه التكليف بالإعادة أو القضاء و هي نظير

____________

[1] بناء على أنه أبو الصباح الكناني الثقة كما لا يبعد و ان سيف بن عميرة الواقع في سندها لم يثبت كونه واقفيا و الا فعلى ما حكى عن بعضهم من كونه واقفيا فالرواية موثقة لا صحيحة.

____________

(2) المروية في ب 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل

279

..........

____________

ما ورد من أن الناس في سعة ما لم يعلموا [1] فكما أنه يدلنا على ارتفاع المشكوك جزئيته أو شرطيته لأنه معنى كونهم في سعة ما لا يعلمون فكذلك الحال في هذه الصحيحة.

فتدلنا على ارتفاع الجزئية أو الشرطية أو المانعية عند التقية.

و يرد على الاستدلال بهذه الرواية انها و ان كانت تامة بحسب السند غير انها بحسب الدلالة غير تامة و لا دلالة لها على ذلك المدعى و الوجه في ذلك ان السعة انما هي في مقابل الضيق فمدلول الصحيحة ان العمل المأتي به في الخارج إذا كان فيه ضيق في نفسه- لو لا التقية- فيرتفع عنه ضيقه و يتبدل بالسعة فيما إذا أتى به لأجل التقية و الاضطرار- مثلا- شرب المسكر أمر فيه ضيق من ناحيتين- لو لا التقية و هما جهتا حرمته وحده لأن من شربه متعمدا بالاختيار ترتب عليه العقوبة و الحد و يحكم بفسقه لارتكابه الحرام بالاختيار.

فيقع المكلف في الضيق من جهتهما فإذا صدر منه ذلك من أجل التقية أو الاضطرار لأنه لو لم يشربه لقتله السلطان أو أخذ أمواله أو مات في وقته لمرضه ارتفعت عنه الجهتان و لا يترتب عليه الحرمة و لا الحد فيكون المكلف في سعة من قبلهما.

و كذلك الحال فيما إذا تناول ما لا يراه العامة مفطرا للصوم فإنه مما يترتب عليه الحكم بالحرمة كما أنه موجب للكفارة لا محالة لأنه إفطار عمدي على الفرض إلا أنهما ترتفعان عن ذلك فيما إذا استند إلى التقية و الاضطرار و بكون المكلف في سعة من جهة الحرمة و الكفارة.

____________

[1] الرواية و ان لم نعثر عليها بهذه الألفاظ إلا أن مضمونها قد ورد في رواية السفرة و اللفظ فيها: هم في سعة حتى يعلموا. المروية في ب 23 من أبواب اللقطة من الوسائل.

280

..........

____________

و على الجملة أن مقتضى الصحيحة أن أي أثر كان يتعلق بالعمل أو يترتب عليه ترتب الحكم على موضوعه- لو لا التقية- يرتفع عنه عند التقية و الاضطرار فيكون المكلف في سعة من ناحيته.

و هذا المعنى غير متحقق عند ترك الجزء أو الشرط أو الإتيان بالمانع و ذلك لأنه لا يترتب على تلك التكاليف الغيرية أي ضيق حتى يتبدل إلى السعة للتقية و الاضطرار.

أما بطلان العمل بتركها أو بإتيانها فلأن البطلان كالصحة أمران واقعيان خارجان عن اختيار الشارع و تصرفاته و ليس له رفعهما و لا وضعهما فان البطلان عبارة عن مخالفة المأتي به للمأمور به كما أن الصحة عبارة عن موافقة المأتي به للمأمور به.

و أما وجوب الإعادة أو القضاء بترك الإتيان بالجزء أو الشرط أو بالإتيان بالمانع فلأن الإعادة غير مترتبة على الإتيان بالعمل الفاسد بل موضوع الإعادة عدم الإتيان بالمأمور به لأن الأمر بالإعادة هو بعينه الأمر بالإتيان بالمأمور به و امتثاله كما أن القضاء كذلك فإنه مترتب على فوات الواجب و غير مترتب على الإتيان بالعمل الفاسد و عليه فلا ضيق على المكلف في مخالفة التكاليف الغيرية حتى يرتفع عنه بالتقية و يكون المكلف في سعة من جهته و ينتج ذلك وجوب الإتيان بالعمل الفاقد لجزئه أو لشرطه أو الواجد لمانعه.

و مما يوضح ذلك بل يدل عليه ملاحظة غير العبادات من المعاملات بالمعنى الأعم فإنه إذا اضطر أحد إلى غسل ثوبه المتنجس بالبول مرة واحدة و لم يتمكن من غسله مرتين أو لم يتمكن من غسله بالماء فغسله بغير الماء أو لم يتمكن من طلاق زوجته عند عدلين فطلقها عند فاسقين اضطرارا لم يمكن أن يحكم بحصول الطهارة للثوب أو بوقوع الطلاق على الزوجة

281

..........

____________

بدعوى أنه أمر قد صدر عن تقية أو اضطرار.

فهذا أقوى شاهد و دليل على عدم ارتفاع الشرطية أو الجزئية أو المانعية في حال الاضطرار و التقية إذا لا يكون العمل الفاقد لشيء من ذلك أي من الجزء أو الشرط مجزئا في مقام الامتثال.

و من هنا يظهر أن قياس محل الكلام بما ورد من ان الناس في سعة ما لم يعلموا. قياس غير قريب و ذلك لأن المشكوك فيه في ذلك الحديث انما هو نفس الجزئية و عديليها و من البديهي ان في جزئية المشكوك فيه أو شرطيته أو مانعيته ضيقا واضحا على المكلف لأنه تقييد لإطلاق المأمور به و موجب للكلفة و الضيق فيكون في رفعها عند الشك توسعة له و رفعا للتضيق الناشئ من جزئية الجزء أو شرطية الشرط أو مانعية المانع.

و أين هذا مما نحن فيه، لأن الصحيحة ناظرة إلى ما أتى به المكلف من العمل في الخارج كما هو مفاد قوله ما صنعتم إذا لا بد من ملاحظة ان العمل الخارجي الفاقد لجزئه أو شرطه أو الواجد لمانعه. أي ضيق يترتب عليه من ناحية ترك الجزء أو الشرط أو الإتيان بالمانع حتى يرتفع بالتقية و يبتدل ضيقه بالسعة. و قد عرفت أنه لا يوجد أي ضيق يترتب عليه فلا موضوع للسعة في التكاليف الغيرية بوجه.

و على الجملة ان الصحيحة قد دلت على التوسعة مما يؤتى به تقية و التوسعة انما يكون بأحد أمرين: اما برفع الإلزام المتعلق بالفعل المتقى به كالتحريم في شرب الخمر أو في ترك العبادة الواجبة و أما برفع الأحكام المترتبة عليه كوجوب الكفارة في ترك الصيام تقية أو في حنث اليمين كذلك و كالحد في شرب المسكر و هكذا و لا يوجد شيء من هذين الأمرين في التكاليف الغيرية كما مر.

و كيف كان لا يمكن ان يستفاد من شيء من الأدلة ان العمل الفاقد

282

..........

____________

لجزئه أو لشرطه أو الواجد لمانعه واجب بوجه.

و من هنا يظهر عدم صحة التمسك في المقام بحديث رفع الاضطرار (1) بدعوى دلالته على أن ما أتى به المكلف في الخارج بالاضطرار كأنه مما لم يأت به و انه كالعدم حقيقة فإذا شرب خمرا بالاضطرار أو تكتف في الصلاة تقية فكأنه لم يشرب الخمر من الابتداء أو لم يتكتف في صلاته أصلا و معنى ذلك ان المانعية أعني مانعية التكتف مرتفعة حال التقية أو حال الاضطرار فبذلك ترتفع أحكامه و آثاره سواء أ كانت من الأحكام النفسية أم كانت من الأحكام الغيرية.

و الوجه في عدم صحة التمسك به في المقام هو أن ما أتى به المكلف اضطرارا لا معنى لرفعه و هو موجود بالتكوين الا بلحاظ الأمور المترتبة على وجوده كالالزام المتعلق به من وجوب أو تحريم أو حد أو كفارة كما في شرب الخمر و ترك الصيام و الحنث في اليمين و ليس شيء من ذلك متحققا في التكاليف الغيرية كما عرفت فلا دلالة للحديث إلا على رفع ما يترتب على وجود العمل الصادر بالاضطرار من الآثار و الأحكام و أما ان العمل الفاقد لجزئه أو لشرطه أو الواجد لمانعه واجب و مجزئ في مقام الامتثال فهو مما لا يمكن استفادته من الحديث و قد قدمنا الكلام على حديث الرفع مفصلا فليجعل هذا تتميما لما تقدم و «منها»: ما رواه ابن أبي عمر الأعجمي عن أبي جعفر (ع) انه قال: ان التقية في كل شيء إلا في شرب المسكر و المسح على الخفين [2]

____________

[2] كما نقله شيخنا الأنصاري (قده) عن أصول الكافي في رسالة التقية ناسيا للرواية الى أبي جعفر (ع) و لكن الموجود في الوسائل منسوب

____________

(1) المروية في ب 56 من أبواب جهاد النفس من الوسائل

283

..........

____________

بدعوى دلالتها على أن التقية ترفع الأحكام المتعلقة بالعمل المأتي به تقية مطلقا سواء أ كان ذلك من الأحكام النفسية أو من الأحكام الغيرية و ذلك لمكان استثناء مسح الخفين و هو من المحرمات الغيرية لوضوح عدم حرمة المسح على الخفين حرمة نفسية و هذا يدلنا على أن قوله (ع) كل شيء يعم التكاليف النفسية و الغيرية.

فالمتحصل منها ان الجزئية و الشرطية و المانعية ترتفع كلها بالتقية و الاضطرار نظير غيرها من الأحكام النفسية إلا في موردين و هما شرب المسكر و المسح على الخفين.

فإذا تكتف في صلاته تقية ارتفع عنه المسح الغيري و هو المانعية و معناه عدم مانعية التكتف في الصلاة حال التقية.

و يرد عليه أولا: ان الرواية ضعيفة السند كما تقدم (1).

و ثانيا: ان حمل الرواية على هذا المعنى اعني ارتفاع الأحكام المتعلقة بالفعل المأتي به تقية مضافا إلى أنه خلاف الظاهر في نفسه. مما لا يمكن المساعدة عليه لوجود القرينة في نفس الرواية على عدم إرادته.

و القرينة هو استثناء شرب المسكر و ذلك لأن حمل الرواية على المعنى المدعى يستلزم الحكم بعدم ارتفاع الحرمة في شرب المسكر عند التقية و الاضطرار كعدم ارتفاع الحرمة الغيرية في المسح على الخفين لمكان استثنائهما

____________

إلى أبي عبد اللّٰه (ع) و مشتمل على النبيد بدل المسكر كما أنه مشتمل على جملة أخرى في صدرها و هي قوله (ع) لا دين لمن لا تقية له و كذلك الحال في الكافي و الوافي و غيرهما فالظاهر ان ما في كلام شيخنا الأنصاري (قدس سره) من اشتباه القلم فليلاحظ. راجع ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

____________

(1) تقدم في ص 247

284

..........

____________

عن العموم و هو مما لا يمكن التفوه به كيف و التقية و الاضطرار يحللان ما هو أعظم من شرب المسكر كترك الصلاة فيما إذا أجبره الجائر عليه و ترتب ضرر على ترك التقية كالقتل فكيف يحكم بحرمته حال الاضطرار إلى شربه فان حفظ النفس من الهلكة أولى من ترك شرب المسكر فلا وجه لحمل الرواية على هذا المعنى.

بل الصحيح- كما هو ظاهرها- ان الرواية ناظرة الى أن تشريع التقية و حكمها من الجواز و الوجوب جار في كل شيء إلا في شرب المسكر و المسح على الخفين، فإن التقية غير مشرعة فيهما فلا يجب أو لا يجوز التقية فيهما، لا ان الحرمة غير مرتفعة عن شرب المسكر في حال التقية و الاضطرار.

و الوجه في ذلك أي في عدم تشريع التقية في الموردين على ما قدمناه مفصلا- عدم تحقق موضوعها فيهما. أما في شرب المسكر فلأن حرمته من الضروريات في الإسلام و قد نطق بها الكتاب الكريم و لم يختلف فيها سني و لا شيعي فلا معنى للتقية في شربه.

و اما في المسح على الخفين فلانا لم نعثر فيما بأيدينا من الأقوال على من أوجبه من العامة و انما ذهبوا إلى جواز كل من مسح الخفين و غسل الرجلين.

نعم ذهبت جماعة منهم إلى أفضليته كما مر [1] و عليه فلا يحتمل ضرر في ترك المسح على الخفين بحسب الغالب.

نعم يمكن أن تتحقق التقية فيهما نادرا كما إذا أجبره جائر على شرب المسكر أو على مسح الخفين إلا أنه من الندرة بمكان و لا كلام حينئذ في مشروعية التقية فإن الرواية المانعة ناظرة الى ما هو الغالب.

____________

[1] قد مر الكلام في ذلك في ص 130 و أشرنا إليه في ص 252.

285

..........

____________

و لعل الشيخ (قده) لم يلفت نظره الشريف إلى ملاحظة استثناء شرب المسكر لتوجهه الى استثناء مسح الخفين و من هنا حمل الرواية على غير المعنى الذي ذكرناه و اللّٰه العالم بحقيقة الحال فعلى ما بيناه الرواية أجنبية عما نحن بصدده.

و «منها»: موثقة سماعة قال سألته عن رجل كان يصلى فخرج الامام و قد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة قال: ان كان اماما عدلا فليصل أخرى و ينصرف و يجعلهما تطوعا و ليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، و ان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلي ركعة أخرى و يجلس قدر ما يقول: «اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله» ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإن التقية واسعة، و ليس شيء من التقية الا و صاحبها مأجور عليها ان شاء اللّٰه (1).

أما الجهة الأولى أعني قوله: ان كان الامام عادلا فمضمونها هو ما دل عليه غيرها من الأخبار من ان من دخل في الفريضة ثم أقيمت الجماعة استحب له أن يجعل ما بيده من الفريضة تطوعا و يسلم في الركعة الثانية حتى يدرك ثواب الجماعة بائتمامه من أول الصلاة، و أما الجهة الثانية أعني قوله: و ان لم يكن امام عدل، فقد حملها شيخنا الأنصاري (قده) على ما قدمناه في الجملة الأولى من أنه يجعل ما بيده من الفريضة تطوعا و يسلم في الثانية و يأتم الامام و يأتي من أجزاء الصلاة و شرائطها على ما استطاع فان تمكن من أن يأتي بتمامهما مع الامام فهو و ان لم يستطع إلا من بعضهما فيكتفي بالبعض لأن التقية واسعة.

____________

(1) المروية في ب 56 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

286

..........

____________

فقد استدل (قده) بقوله: على ما استطاع على أن ما أتى به المكلف من الأجزاء و الشرائط تقية كاف و مجزئ في مقام الامتثال سواء كان ما أتى به تمام الاجزاء و الشرائط أم كان بعضهما.

و لا يخفى غرابة ذلك منه (قده) لأن مضمون الرواية على ما هو ظاهرها ان الامام إذا لم يكن امام عدل فلا يجعل المأموم صلاته تطوعا كما كان يجعلها كذلك في الصورة الأولى بل يظهر للناس أنه جعلها تطوعا بأن يصلي ركعة أخرى ثم يتشهد من دون أن يسلم بعدها و يقوم بعد ذلك و يصلي صلاته بنفسه مظهرا للغير الائتمام و الاقتداء بالإمام الحاضر بقدر يستطيعه من الإظهار و الإبراز لأن التقية واسعة و هذا لا اختصاص له بالائتمام من أول الصلاة.

بل لو أظهر الائتمام في أثناء الصلاة أيضا كان ذلك تقية كما أن لها طريقا آخر غيرهما و ما من شيء من أنحاء التقية الا و هو واجب أو جائز و صاحبه مأجور عليه و على ذلك لا دلالة للرواية على جواز الاكتفاء في الصلاة معهم بما يتمكن منه من الاجزاء و الشرائط هذا.

على ان الرواية مضمرة و للمناقشة في سندها أيضا مجال لأن مضمرها و هو سماعة ليس كزرارة و محمد بن مسلم و اضرابهما من الأجلاء و الفقهاء اللذين لا يناسبهم السؤال عن غير أئمتهم (عليهم السلام) بل هو من الواقفة و من الجائز أن يسأل غير أئمتنا (عليهم السلام).

و لقد صرح بما ذكرناه في معنى الرواية صاحب الوسائل (قده) و عنوان الباب باستحباب إظهار المتابعة حينئذ في أثناء الصلاة مع المخالف تقية فلاحظ و لعل الشيخ (قده) لم يلفت نظره الشريف إلى عنوان الباب في الوسائل.

و «منها»: ما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّٰه (ع) في

287

..........

____________

حديث .. و تفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم و فعلهم على غير حكم الحق و فعله، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز (1) بدعوى ان جواز كل شيء بحسبه فالرواية تعم الأشياء المحرمة النفسية لو لا التقية و تجعلها جائزة نفسية كما تعم الأشياء المحرمة بالحرمة الغيرية فتقبلها الى الجواز الغيري لا محالة.

إذا تدلنا الرواية على صحة الصلاة المقترنة بالتكتف أو بغيره من الموانع لأنها جائزة جوازا غيريا بمقتضى التقية و كذا الصلاة الفاقدة للجزء أو الشرط.

و يرد عليه أولا: انها ضعيفة السند بمسعدة لعدم توثيقه في الرجال [2].

و ثانيا: ان الرواية لا دلالة لها على المدعى لان الجواز فيما إذا أسند إلى الفعل كان ظاهره الجواز النفسي فحسب أي كون الفعل بما هو و في نفسه أمرا جائزا لا انه جائز لدخالته في الواجب وجودا أو عدما أو عدم دخالته فيه و هو المعبر عنه بالجواز الغيري.

و ثالثا: ان ملاحظة صدر الرواية تدلنا على أن المراد بالجواز في الرواية انما هو جواز نفس التقية لا جواز الفعل المتقى به فلا دلالة لها على جواز الفعل حتى يقال أنه أعم من الجواز النفسي و الغيري.

____________

[2] قد قدمنا غير مرة ان الرجل و ان لم يوثق في الرجال الا أنه ممن ورد في أسانيد كامل الزيارات و تفسير القمي فعلى مسلك سيدنا الأستاذ مد ظله من وثاقة كل من وقع في شيء من الكتابين المذكورين و لم يضعف بتضعيف معتبر لا بد من الحكم بوثاقة الرجل.

____________

(1) المروية في ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

288

..........

____________

و قد ورد في صدرها: ان المؤمن إذا أظهر الايمان ثم ظهر منه ما يدل على نقضه خرج مما وصف و أظهر و كان له ناقضا، الا ان يدعى أنه انما عمل ذلك تقية و مع ذلك ينظر فيه فان كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك لأن للتقية مواضع من إزالتها عن مواضعها لم تستقم له و تفسير ما يتقى مثل أن يكون ..

و هذا يدلنا على أنه (ع) بصدد بيان المواضع التي تستقيم فيها التقية و تجوز و أراد تمييز تلك الموارد عما لا يجوز التقية في مثله كما إذا شرب المسكر سرا و ادعى أنه كان مستندا إلى التقية فلا دلالة للرواية على وجوب الإتيان بالعمل مقترنا بمانعه أو فاقدا لجزئه و شرطه.

فالمتحصل إلى هنا أنه لا دلالة في شيء من الأخبار المتقدمة على وجوب إتيان العمل فاقدا لشرطه أو لجزئه أو مقترنا بمانعه إذا استند إلى التقية حتى لا يجب إعادته أو قضائه.

ما يستفاد من الأخبار الآمرة بالتقية:

إذا لا بد من عطف عنان الكلام إلى أنه هل يستفاد من الأخبار الآمرة بالتقية صحة العمل لدى الإتيان به فاقدا لشيء من أجزائه و شرائطه أو واجدا لشيء من موانعه للتقية أو لا يستفاد منها ذلك؟ فنقول.

الصحيح أن يقال: إن الاضطرار إذا كان مستندا إلى غير جهة التقية المصطلح عليها و هي التقية من العامة فيما يرجع إلى الأمور الدينية فمقتضى القاعدة حينئذ سقوط الأمر بالمركب عند الاضطرار الى ترك شيء مما اعتبر في المأمور به لأن ذلك مقتضى إطلاق أدلة الجزئية و الشرطية أو المانعية و هو يشمل كلا من صورتي التمكن من الإتيان بها و عدمه.

289

..........

____________

و بما أن المكلف غير متمكن من إتيان العمل واجدا لشرطه أو جزئه أو فاقدا لمانعية فلا محالة يسقط الأمر بالمركب رأسا في حقه فلا يجب عليه شيء وقتئذ إلا في خصوص الصلاة فيما إذا لم يتمكن من شيء من أجزائها و شرائطها- في غير الطهور- فإنه يجب فيها الإتيان بالمقدار الممكن من الصلاة لأنها لا تسقط بحال.

و أما إذا كان الاضطرار من جهة التقية المصطلح عليها فان كان العمل المتقى به موردا للأمر به بالخصوص في شيء من رواياتنا كما في غسل الرجلين، و الغسل منكوسا و ترك القراءة في الصلاة خلفهم و نحو ذلك مما ورد فيه الأمر بالعمل بالخصوص فلا ينبغي الإشكال في صحته بل و اجزائه عن المأمور به الواقعي بحيث لا تجب عليه الإعادة و لا القضاء.

و ذلك لان الظاهر من الأمر بالإتيان بالعمل الفاقد لبعض الأمور المعتبرة في المأمور به انما هو جعل المصداق للطبيعة المأمور بها تقية و مع جعل الشارع شيئا مصداقا للمأمور به لا بد من الحكم بسقوط الأمر المتعلق بالطبيعة لأن الإتيان بذلك الشيء إتيان لما هو مصداق و فرد للطبيعة المأمور بها فيسقط به الأمر المتعلق بها لا محالة.

و أما إذا لم يكن العمل المتقي به موردا للأمر بالخصوص فالتحقيق أن يفصل حينئذ بين الأمور التي يكثر الابتلاء بها لدى الناس أعني الأمور عامة البلوى التي كانوا يأتون بها بمرئي من الأئمة (عليهم السلام) و الأمور التي لا يكون الابتلاء بها غالبا و بمرئي منهم (عليهم السلام): بل يندر الابتلاء به.

فان كان العمل من القسم الأول كما في التكتف في الصلاة و غسل الرجلين في الوضوء مع قطع النظر عن كونه موردا للأمر به بالخصوص لكثرة الابتلاء به في كل يوم مرات متعددة فلا مناص فيه من الالتزام

290

..........

____________

بالصحة و الاجزاء أي عدم وجوب الإعادة أو القضاء لان عدم ردعهم عما جرت به السيرة من إتيان العمل تقية أقوى دليل على صحته و كونه مجزئا في مقام الامتثال فلو لم تكن التقية مقيدة للاجزاء في مثله فلا بد من بيانه و نفس عدم بيان البطلان و ترك التنبيه على عدم اجزائها مع كون العمل موردا للابتلاء و بمرئي منهم (ع) يدلنا على إمضائهم لما جرت به السيرة.

و لم يرد في شيء من رواياتنا أمر بإعادة العمل المتقي به أو قضائه و لو على نحو الاستحباب.

نعم عقد صاحب الوسائل (قده) بابا و عنونه باستحباب إيقاع الفريضة قبل المخالف أو بعده (1) إلا ان شيئا مما نقله من الروايات غير مشتمل على الأمر بالإعادة أو القضاء. فيما أتى به تقية و لو على وجه الاستحباب.

بل قد ورد في بعض الروايات ما لا تقبل المناقشة في دلالته على الاجزاء و هذا كما دل على أن من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) أ فيحتمل عدم كون الصلاة خلف رسول اللّٰه (ص) مجزئة عن المأمور به الأولى؟! و في بعض آخر أن المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل اللّٰه (3).

و في جملة من الروايات الأمر بالصلاة معهم في مساجدهم (4) و على الصلاة في عشائرهم (5)

____________

(1) راجع ب 6 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

(2) المروية في ب 5 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

(3) المروية في ب 5 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

(4) المروية في ب 5 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

(5) المروية في 26 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل و في باب 1 من أبواب أحكام العشرة أيضا حديث 6.

291

..........

____________

و في بعضها الصلاة في عشائركم (1) فليلاحظ.

و كيف كان فلم يرد في رواياتنا أمر بإعادة الصلاة أو الوضوء أو غيرهما من الأعمال المتقى بها من العامة على كثرة الابتلاء بها لكونهم معاشرين لهم في أسواقهم و مساجدهم و في محلاتهم و أماكنهم حتى في بيت واحد إذ ربما كان الابن عاميا و الأب على خلافه أو بالعكس أو أحد الأخوين شيعي و الآخر عامي و كانوا يصلون أو يتوضئون بمرئي منهم و مشهد فالسيرة كانت جارية على التقية في تلك الأفعال كثيرة الدوران و مع عدم ردعهم (ع) يثبت صحتها لا محالة.

نعم ورد في بعض الروايات الأمر بالصلاة قبل الإمام أو بعده إذا لم يكن موردا للوثوق حيث نهى (ع) السائل عن الصلاة خلفه و لو يجعلها تطوعا لعدم جواز الصلاة خلف من لا يوثق به، ثم أمره بالصلاة قبله أو بعده و لعله الى ذلك أشار صاحب الوسائل (قده) في عنوان الباب المتقدم نقله غير ان الرواية خارجة عما نحن بصدده لورودها في الصلاة خلف من لا يثق به و هو أعم من أن يكون عاميا أو شيعيا. و الرواية لم تشتمل على الأمر بالصلاة معه ثم إتيانها اعادة أو قضاء بعده.

و مما يؤيد ما قدمناه ما فهمه زرارة في الصحيحة المتقدمة المشتملة على قوله (عليه السلام) ثلاثة لا اتقى فيهن أحدا .. (2) حيث قال أعني زرارة: و لم يقل الواجب عليكم ان لا تتقوا فيهن أحدا.

و ذلك لان المسح على الخفين ليس من المحرمات النفسية ليكون جريان التقية فيه موجبا لارتفاع حرمته بل انما هو محرم غيري فلو جازت التقية فيه أو وجبت لدل على ارتفاع المنع الغيري أعني المانعية في الوضوء و كون الوضوء المشتمل

____________

(1) المروية في ب 1 من أبواب أحكام العشرة من الوسائل.

(2) المروية في ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

292

..........

____________

على مسح الخفين صحيحا. هذا كله في الصلاة و الوضوء.

و من هذا القبيل الصيام لأنه أيضا من الأمور العامة البلوى و قد كانوا يصومون معهم و يفطرون بما لا يراه العامة مفطرا في نهار شهر رمضان أو في اليوم الذي لا يرونهم من شهر رمضان و ذلك كله للتقية و المعاشرة معهم.

الوقوف بعرفات في اليوم الثامن:

و من هذا القبيل الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام لأن الأئمة (عليهم السلام): كانوا يحجون أغلب السنوات و كان أصحابهم و متابعوهم أيضا يحجون مع العامة في كل سنة و كان الحكم بيد المخالفين من بعد زمان الأمير (ع) إلى عصر الغيبة و لا يحتمل عاقل توافقهم معهم في هلال الشهر طوال تلك السنوات و تلك المدة التي كانت قريبة من مائتين سنة و عدم مخالفتهم معهم في ذلك أبدا.

بل نقطع قطعا وجدانيا انهم كانوا مخالفين معهم في أكثر السنوات و مع هذا كله لم ينقل و لم يسمع عن أحدهم (ع) ردع الشيعة و متابيعهم عن تبعية العامة في الوقوف بعرفات وقتئذ و قد كانوا يتبعونهم بمرئي و مسمع منهم (عليهم السلام) بل كانوا بأنفسهم يتبعون العامة فيما يرونه من الوقوف و على الجملة قد جرت سيرة أصحاب الأئمة (ع) و متابعيهم على التبعية في ذلك للعامة في سنين متمادية.

و لم يثبت ردع منهم (عليهم السلام) عن ذلك و لا أمر التابعين للوقوف بعرفات يوم التاسع احتياطا و لا انهم تصدوا بأنفسهم لذلك و هذا كاشف قطعي عن صحة الحج المتقى به بتلك الكيفية و اجزائه عن الوظيفة الأولية

293

..........

____________

في مقام الامتثال.

بلا فرق في ذلك بين كون الحج في سنة الاستطاعة و كونه في غير تلك السنة لوجوب الحج في كليهما و عدم كونه مطابقا للوظيفة الأولية أيضا في كليهما و قد عرفت ان السيرة قد جرت على التقية في ذلك كما جرت على الحج في سنة الاستطاعة كثيرا و هي سيرة قطعية ممضاة بعدم الردع عنها مع كونه بمرئي منهم (عليهم السلام) فلم يردعوهم عن ذلك و لا أمروهم بالوقوف يوم التاسع احتياطا كما مر و في مثل ذلك إذا لم يكن عملهم مجزئا عن الوظيفة الواقعية لوجب التنبيه على ذلك و ردعهم عما يرتكبونه حسب سيرتهم.

هذا كله فيما إذا لم يعلم المخالفة بالوجدان كما إذا علم علما وجدانيا أن اليوم الذي تقف فيه العامة بعرفات يوم الثامن دون التاسع.

و أما إذا حصل للمكلف علم وجداني بذلك فالظاهر عدم صحة الوقوف حينئذ و وجوب اعادة الحج في السنة المقبلة إلا فيما إذا أدرك وقوف اختياري المشعر بل و كذا فيما إذا أدرك وقوف اضطراري المشعر.

و الوجه في ذلك هو أن الوقوف بعرفات مع العلم الوجداني بالخلاف ليس من الأمور كثيرة الابتلاء ليقال إن الأئمة (عليهم السلام) مع جريان للسيرة بذلك بمرئي منهم لم يردعوا عنه و لم يأمروهم بالوقوف يوم التاسع ليكون ذلك كاشفا قطعيا عن كون عملهم مجزئا في مقام الامتثال بل انما هو أمر نادر الاتفاق أو لعله أمر غير واقع و عدم الردع في مثلة لا يكون دليلا قطعيا على صحة ذلك الوقوف و أجزائه في مقام الامتثال.

نعم يمكن الحكم بصحة الوقوف حتى مع العلم الوجداني بالمخالفة فيما إذا ثبت أمران:

«أحدهما»: كون حكم الحاكم المخالف نافذا في حق الجميع و واجب

294

..........

____________

الاتباع حسب مذهبهم حتى في حق العالم بالخلاف.

و «ثانيهما»: أن يتم شيء من الأدلة اللفظية المتقدمة المستدل بها على سقوط الجزئية و الشرطية و المانعية عند التقية. فإنه بعد ثبوت هذين الأمرين يمكن الحكم بصحة الوقوف مع العلم بالخلاف، لأنه من موارد التقية من العامة على الفرض من ان حكم الحاكم نافذ عندهم حتى بالنسبة إلى العالم بالخلاف كما ان كل عمل أتى به تقية مجزئ في مقام الامتثال على ما دلت عليه الأدلة اللفظية المتقدمة فإن الفرض تماميتها.

الا ان الأمرين ممنوعان:

أما الأمر الأول فلعدم ثبوت ان حكم الحاكم عندهم نافذ حتى في حق العالم بالخلاف.

و أما الأمر الثاني فلما عرفت تفصيله و كيف كان لا دليل على صحة الحج و الوقوف مع العلم الوجداني بالخلاف هذا كله فيما إذا كان العمل المأتي به تقية كثير الابتلاء و بمرئي من الأئمة (ع).

و أما إذا لم يكن العمل من هذا القبيل بل كان نادرا و غير محل الابتلاء فلا دليل في مثله على كون العمل الفاقد لشيء من الاجزاء و الشرائط أو الواجد للمانع صحيحا و مجزئا في مقام الامتثال فان الدليل على ذلك ينحصر بالسيرة و لا سيره في أمثال ذلك على الفرض.

و من هذا القبيل الوضوء بالنبيذ و لا سيما النبيذ المسكر على ما ينسب الى بعض المخالفين من تجويزه التوضؤ بالنبيذ فإنه إذا توضأ بالنبيذ تقية فهو و ان كان جائزا أو واجبا على الخلاف إلا انه لا يجزى عن المأمور به الأولى بوجه لأن التوضؤ بالنبيذ أمر نادر التحقق و لم يتحقق سيره في مثله حتى يقال ان الأئمة (عليهم السلام) لم يردعوا عنها مع كون العمل بمرئي منهم (عليهم السلام) و هذا بخلاف ما إذا تمت الأدلة اللفظية المتقدمة المستدل بها

295

..........

____________

على سقوط الجزئية و الشرطية و المانعية عند التقية لأن مقتضاها صحة الوضوء في الصورة المفروضة كما هو واضح.

و من هذا القبيل المسح على الخفين و ذلك لندرة الابتلاء به في مقال التقية، حيث ان العامة غير قائلين بوجوبه تعيينا و عليه فان قلنا بتمامية رواية أبي الورد المتقدمة (1) المشتملة على الترخيص في المسح على الخفين فيما إذا كان مستندا إلى التقية فلا مناص من الحكم بصحته و كونه مجزئا في مقام الامتثال لعدم كون المسح على الخفين من المحرمات النفسية و انما هو من المحرمات الغيرية فالترخيص في مثله بمعنى رفع المانعية لا محالة.

و أما إذا لم نعتمد على الرواية لعدم توثيق أبي الورد و لا مدحه للوجوه المتقدمة سابقا فلا يمكننا الحكم بصحته و إجزائه إذ لا سيرة عملية حتى يدعي انها كاشفة عن الصحة و الاجزاء لعدم ردعهم (ع) عن ذلك مع كونه بمرئي منهم.

و أما قضية ما فهمه زرارة من الصحيحة المتقدمة- و هو الذي جعلناه مؤيدا للمدعى ففهمه انما يتبع بالإضافة إلى كبرى المسألة أعني التقية في المحرمات للغيرية.

و اما خصوص مورد الصحيحة أعني المسح على الخفين فلا لما مر من أن العامة على ما وقفنا على أقوالهم غير ملتزمين بوجوبه التعييني كما تقدم هذا بل نفس إطلاق الروايات الآمرة بغسل الرجلين المحمولة على التقية يقتضي الحكم ببطلان المسح على الرجلين و عدم كونه مجزئا لأن مقتضى إطلاقها ان غسل الرجلين واجب تعييني مطلقا و لو في حال التقية و لا يجزئ عنه أمر آخر أي أنه ليس بواجب تخييري ليتخير المكلف بينه و بين المسح على الخفين فلو اقتضت التقية المسح على الخفين في مورد على وجه الندرة فهو

____________

(1) المتقدمة في ص 233 فليراجع.

296

..........

____________

لا يكون مجزئا عن المأمور به الاولى.

و من هذا القبيل الوقوف بعرفات يوم الثامن مع العلم بالمخالفة، لأنه أمر يندر الابتلاء به و مع الندرة لا مجال لدعوى السيرة و لا لكشفها عن الأجزاء في مقام الامتثال لأجل عدم ردع الأئمة (ع) عنها، اللهم إلا أن يتم شيء من الأدلة اللفظية على التفصيل المتقدم آنفا.

«الجهة الرابعة»:

فيمن يتقى منه: لا ينبغي التردد في أن التقية المحكومة بالوجوب أو الجواز لا يختص بالعامة على وجه الخصوص بل تعم كل ظالم و جائر إذا خيف ضرره و هو مورد للتقية الواجبة أو الجائزة و يدلنا على ذلك مضافا إلى العمومات (1) و إلى حديث رفع الاضطرار (2) ما دل على أنه ما من محرم إلا و قد أحله لمن اضطر اليه (3) و حديث لا ضرر و لا ضرار (4) موثقة أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّٰه (ع) التقية من دين اللّٰه؟ قال:

أي و اللّٰه من دين اللّٰه و لقد قال يوسف «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ» و اللّٰه ما كانوا سرقوا شيئا. و لقد قال إبراهيم «إِنِّي سَقِيمٌ» و اللّٰه ما كان سقيما (5).

حيث ان تطبيقه (ع) التقية التي هي من دين اللّٰه على قولي يوسف

____________

(1) راجع ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

(2) المروية في ب 56 من أبواب جهاد النفس من الوسائل.

(3) راجع ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

(4) راجع ب 5 من أبواب الشفعة و ب 7 و 12 من أبواب إحياء الموات من الوسائل.

(5) راجع ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

297

..........

____________

و إبراهيم (عليهما السلام) دليل قطعي على ان التقية التي هي من دين اللّٰه سبحانه غير مختصة بالعامة بل كل أحد خيف من ضرره وجبت عنه التقية أو جازت.

و ما رواه محمد بن مروان قال: قال لي أبو عبد اللّٰه (ع) ما منع ميثم (رحمه اللّٰه) من التقية؟ فو اللّٰه لقد علم ان هذه الآية نزلت في عمار و أصحابه:

الا من اكره و قلبه مطمئن بالايمان (1) و غير ذلك من الأخبار.

و إنما الكلام في الأحكام الوضعية المترتبة على التقية كالحكم بصحة العمل مع التقية و اجزائها فهل الصحة و الاجزاء يترتبان على كل تقية أو يختصان بالتقية من العامة بالخصوص.

و الصحيح أن يقال أنه ان تم هناك شيء من الأدلة اللفظية المستدل بها على سقوط التكاليف الغيرية عند التقية فلا مناص من الحكم بالصحة و الأجزاء في جميع موارد التقية و لو كانت من غير العامة بمقتضى عموم الأدلة المذكورة كقوله (عليه السلام) التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله اللّٰه (2).

و قد ادعى شيخنا الأنصاري (قده) ان الحلية أعم من الحلية النفسية و الحلية الغيرية. و أما إذا لم يتم شيء من تلك الأدلة و انحصر دليل صحة التقية و الأجزاء بالسيرة كما هو الحق فالظاهر اختصاص الحكمين بخصوص التقية من العامة لأنها التي تحققت فيها السيرة و لم يردع عنها الأئمة (ع) و لا علم لنا بتحقق السيرة في غيرها.

كما أنه بناء على ما ذكرناه لا يجرى الحكم بالصحة و الاجزاء في

____________

(1) المروية في ب 29 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

(2) راجع ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

298

..........

____________

التقية من جميع العامة بل يختص بالتقية من العامة المعروفين القائلين بخلافة الخلفاء الأربعة.

و أما التقية من الخوارج الملتزمين بخلافة الخليفتين الأولتين فهي خارجة عن الحكم بالصحة و الأجزاء و ذلك لعدم كثرة الابتلاء بالتقية منهم في تلك الأزمنة حتى نستكشف من عدم ردعهم (ع) صحة العمل المأتي به تقية و أجزائه عن المأمور به الواقعي هذا على ان التقية من النواصب داخلة في التقية من غير العامة من الكفار لان النواصب محكومة بالكفر.

ثم ان التقية مختصة بالأحكام و اما التقية من العامة المعروفين الذين هم محل الابتلاء كثيرا في الموضوعات الخارجية كما إذا اعتقد عامي ان ثوبا من الحرير و كانت الصلاة واجبة في الثوب الحرير في مذهبهم فإن التقية حينئذ في لبس الثوب الذي يعتقده العامي حريرا تقية في الموضوع الخارجي قد اشتبه أمره على العامي و غير راجعة إلى التقية في الأحكام و لم يتحقق في مثلها سيرة من المتدينين على التبعية حتى يحكم بصحة التقية و أجزائها.

نعم بناء على تمامية الأدلة اللفظية المتقدمة فمقتضى عمومها و إطلاقها عدم الفرق في صحة التقية و أجزائها بين التقية في الاحكام و التقية في الموضوعات.

و الظاهر عدم التزام الفقهاء «قدهم» بصحة التبعية في الموضوعات و هذا من أحد المفاسد المترتبة على القول بسقوط الجزئية و الشرطية و المانعية في موارد التقية اعتمادا على الأدلة اللفظية المتقدمة.

299

..........

تنبيه:

____________

ما قدمناه من أن العمل المأتي به تقية إذا كان مما يبتلي به غالبا و هو بمرئي من الأئمة (عليهم السلام) فسكوتهم و عدم ردعهم عن ذلك العمل و عدم تعرضهم لوجوب إعادته أو قضائه يكشف كشفا قطعيا عن صحته و إجزائه عن الإعادة و القضاء و سقوط المأمور به الاولى بسببه و ارتفاع جميع آثاره انما يختص بما إذا كانت الآثار المترتبة عليه من الآثار التي تترتب على فعل المكلف بما هو فعله.

كما في غسل اليد منكوسا أو غسل رجليه أو التكتف في الصلاة إلى غير ذلك من الأفعال المترتبة عليها آثارها فإن أمثالها إذا استندت إلى التقية ارتفعت عنها آثارها كما عرفت.

و أما إذا لم تكن الآثار المترتبة عليه من آثار فعل المكلف فالتقية في مثله لا يرفع عنه آثارها بوجه سواء استندنا في الحكم بصحة العمل المتقى به و أجزائه إلى السيرة العملية أم الى الأدلة اللفظية كقوله (ع) ما صنعتم من شيء .. (1) لاختصاصها بما إذا اتى المكلف بعمل و صنع صنعا يترتب عليه آثاره.

و عليه فلو فرضنا أنه غسل ثوبه المتنجس مرة فيما يجب غسله مرتين- تقية- أو غسله من دون تعفير فيما يجب تعفيره أو من غير ازالة عين النجس لعدم كونه نجسا عندهم كما في المني على ما ينسب الى بعضهم لم يحكم بذلك على ارتفاع نجاسة الثوب أو الإناء و لا بسقوط اعتبار الغسل مرة ثانية أو التعفير أو غير ذلك مما يعتبر في التطهير واقعا.

____________

(1) المروية في 12 من كتاب الايمان من الوسائل.

300

..........

____________

و ذلك لأن النجاسة و وجوب الغسل مرتين أو مع التعفير أو غيرهما ليست من الآثار المترتبة على فعل المكلف بما هو فعله و انما هي من الآثار المترتبة على ملاقاة النجس و هي ليست من أفعال المكلفين. نعم لو صلى في ذلك الثوب تقية أو اضطرارا حكمنا بصحتها.

و هذا نظير ما قدمناه في محله عند التعرض لحديث الرفع من أن الاضطرار و الإكراه إنما يوجبان ارتفاع الآثار المترتبة على الفعل المكره عليه أو المضطر اليه و لا يرتفع بهما الآثار المترتبة على أمر آخر غير الفعل كما إذا اضطر الى تنجيس شيء طاهر لأنه لا يحكم عند استناد ذلك الى الاضطرار بارتفاع نجاسة الملاقي لحديث الرفع.

لأنها لم تترتب على فعل المكلف بما هو فعله بل انما ترتبت على ملاقاة النجس و هي قد تكون من فعله و قد تكون من أمر آخر.

«الجهة الخامسة»:

ان ما ذكرناه آنفا من أن العمل المأتي به تقية محكوم بالصحة و الأجزاء بمقتضى السيرة العملية أو الأدلة اللفظية المتقدمة انما هو فيما إذا أتى المكلف بعمل في مقام الامتثال و لكنه كان ناقصا لافتقاده جزءا أو شرطا أو لاشتماله على مانع تقية و حينئذ يأتي ما ذكرناه من أنه يجزى عن العمل التام بمقتضى السيرة أو بحسب الأدلة اللفظية.

و اما إذا أدت التقية إلى ترك العمل برمته كما إذا ترك الصلاة- مثلا- تقية فلا ينبغي الإشكال حينئذ في وجوب الإتيان بالمأمور به الاولى بعد ذلك في الوقت ان كان باقيا و في خارجه إذا كانت التقية مستوعبة للوقت فان

301

..........

____________

ترك العمل لا يجزى عن العمل و هذا بحسب الكبرى مما لا اشكال فيه عند الاعلام.

و إنما وقع الكلام في بعض تطبيقاتها و مصاديقها كما إذا حكم الحاكم بثبوت الهلال فاضطر المكلف إلى أن يظهر موافقته لحكمه فأفطر في ذلك اليوم تقية فقد يقال وقتئذ ان ذلك من باب ترك العمل الواجب و هو الصوم من أجل التقية و قد قدمنا ان الاجزاء و الصحة انما يأتيان فيما إذا أتى المكلف بعمل ناقص في مقام الامتثال فإنه يجزى عن المأمور به التام بحسب الأدلة التي قد عرفتها.

و أما ترك المأمور به رأسا فهو لا يجزي عن الواجب بوجه فيجب قضاء ذلك اليوم الذي ترك فيه الصيام تقية و يستشهد على ذلك برواية داود ابن الحصين عن رجل من أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (ع) انه قال و هو بالحيرة في زمان أبي العباس: اني دخلت عليه و قد شك الناس في الصوم و هو و اللّٰه من شهر رمضان فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد اللّٰه صمت اليوم، فقلت لا، و المائدة بين يديه قال: فادن فكل، قال:

فدنوت فأكلت قال: و قلت: الصوم معك و الفطر معك، فقال الرجل لأبي عبد اللّٰه (ع) تفطر يوما من شهر رمضان؟ فقال: اي و اللّٰه أفطر يوما من شهر رمضان أحب إلي من أن يضرب عنقي (1).

فإن هذه الرواية و ان لم تشتمل على قضاء ذلك اليوم الذي أفطر فيه تقية إلا ان كلمة أفطر التي صدرت منه (ع) ظاهرة في ان ما صنعه من أكل و شرب كان مفطرا لصومه و انه قد بطل بارتكابه، فلو كان الإفطار تقية غير مبطل للصوم و لا موجب لارتفاعه لم يكن وجه لتوصيفه ذلك الفعل بالإفطار فقد دلتنا هذه الرواية على أن ترك الصيام تقية غير مقتض للاجزاء بل لا بد من قضائه لبطلانه بالإفطار.

____________

(1) المروية في ب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل.

302

..........

____________

و برواية رفاعة عن رجل عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال: يا أبا عبد اللّٰه ما تقول في الصيام اليوم؟ فقال:

ذاك إلى الامام ان صمت صمنا و ان أفطرت أفطرنا فقال: يا غلام عليّ بالمائدة فأكلت معه و انا أعلم و اللّٰه انه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوما و قضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي و لا يعبد اللّٰه (1).

و هي صريحة الدلالة على عدم أجزاء ترك الصوم تقية و وجوب قضائه بعد ذلك.

و لا يخفى ان كبرى عدم أجزاء ترك العمل رأسا عن الوظيفة المقررة وجوبا و ان كانت مسلمة كما عرفت إلا أن تطبيقها على الإفطار تقية لحكم حاكمهم بثبوت الهلال مما لا وجه له و السر في ذلك ان إلزام الإمام (ع) أو غيره على إظهار الموافقة لحكم حاكمهم انما يقتضي الإفطار في قطعة خاصة من اليوم كساعة أو ساعتين و نحوهما أو طول المدة التي كان (ع) عند الحاكم في تلك المدة- مثلا.

و لا يقتضي التقية أزيد من الإفطار في ذلك الزمان كتمام النهار من أوله إلى آخره و عليه فالمكلف العامل بالتقية حينئذ لا يترك صيامه الواجب في مجموع النهار و انما تركه تقية في جزء خاص منه مع تمكنه من الصيام في المدة الباقية من النهار و معه لا يسقط عنه الأمر بالصوم بذلك و من هنا لا يجوز له أن يتناول شيئا من المفطرات في غير ساعة التقية فلا مرخص له أن يتغدى في منزله.

و ليس هذا إلا من جهة أمره بالصيام و عدم اضطراره الى ترك الصوم في تمام النهار و مع ذلك كيف تنطبق كبرى ترك العمل رأسا على ترك

____________

(1) المروية في ب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل.