التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الغروي المزيد...
499 /
303

..........

____________

الصيام في جزء من النهار بل هو من إتيان العمل الناقص- تقية- في مرحلة الامتثال.

و قد مر أن ذلك يجزى عن العمل التام المأمور به و هذا نظير ما إذا أفطر بما لا يراه العامة مفطرا- تقية- فكما أنه محكوم بالصحة و الأجزاء و لا يجب معه القضاء كما مر لأنه ليس من ترك العمل المأمور به برمته بل من قبيل الإتيان بالعمل الناقص و هو مجزئ عن التام فكذلك الحال في المقام.

نعم لو اضطر- في مورد- إلى ترك الصيام المستمر من أول النهار الى آخره انطبق عليه الكبرى المتقدمة أعني ترك العمل رأسا تقية و هو غير مجزئ عن الواجب كما عرفت.

و أما الروايتان المستشهد بهما على وجوب القضاء في محل الكلام فيدفعه:

أنهما ضعيفتا السند لإرسالهما فان كلا من رفاعة و داود بن الحصين يروى عن رجل و هو مجهول على أن في سند إحداهما سهل بن زياد و هو ضعيف فلا يصح الاعتماد على شيء منهما للاستدلال فالصحيح عدم وجوب القضاء فيما إذا أفطر في نهار شهر رمضان تقية لثبوت الهلال عندهم.

«الجهة السادسة»:

أنه بناء على ما سردناه من أن أجزاء العمل المأتي به تقية عن الوظيفة الأولية على خلاف القاعدة و انه يحتاج إلى دليل يدلنا عليه و ان الدليل على أجزائه هو السيرة العملية يختص الحكم بالاجزاء بالعبادات و لا يأتي في شيء من المعاملات بالمعنى الأعم و لا في المعاملات بالمعنى الأخص فإذا ألجأته التقية على غسل ثوبه المتنجس مرة واحدة فيما يجب غسله مرتين لم يحكم بطهارته بذلك بل يبقى على نجاسته.

304

..........

____________

نعم إذا صلى في ذلك الثوب تقية حكم بصحة صلاته و عدم وجوب إعادتها أو قضائها كما انه إذا اضطر إلى بيع ماله ببيع فاسد كما إذا باع مثليا بما هو أزيد منه لعدم حرمة الربا عند العامة في المثليات- مثلا- لم يحكم بصحة المعاملة أو إذا طلق زوجته عند غير عدلين تقية لم يحكم بصحة طلاقه لافتقاده شهادة العدلين. كل ذلك لما عرفت من أن أجزاء العمل المأتي به تقية على خلاف القاعدة و هو محتاج إلى دلالة الدليل و الدليل انما هو السيرة و لم تقم سيرة على التبعية للعامة في غير العبادات.

و أما بناء على الاعتماد على شيء من الأدلة اللفظية المتقدمة فيشكل الأمر في المسألة لان مقتضى عمومها و إطلاقها عدم الفرق في الحكم بالصحة و الاجزاء بين العبادات و المعاملات، لان مثل قوله (ع) التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله اللّٰه له (1) أعم من الحلية التكليفية و الوضعية على ما أفاده شيخنا الأنصاري.

فيحكم بسقوط الجزئية و الشرطية و المانعية عند التقية حتى في المعاملات و لازم ذلك عدم الفرق في الصحة و الاجزاء بين العبادات و المعاملات و لا نعهد أحدا التزم بالاجزاء في المعاملات فليكن هذا أيضا من أحد المحاذير المترتبة على الاستدلال بالأدلة اللفظية في المقام.

«الجهة السابعة»:

في اعتبار عدم المندوحة في موارد التقية و تفصيل

____________

(1) المروية في ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

305

..........

____________

الكلام في هذا المقام:

ان التقية قد تكون من العامة و قد تكون من غيرهم.

أما التقية بالمعنى الأعم أعني التقية من غير العامة كما إذا أجبره سلطان جائر على ترك واجب أو على إتيان فعل حرام فلا ينبغي الإشكال فيها في اعتبار عدم المندوحة في جواز ترك الواجب أو الإتيان بالحرام.

و ذلك لاختصاص أدلة حلية المحرمات بحال الضرورة و الاضطرار كما تقدم في صحيحة زرارة: التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله اللّٰه له (1) و قوله: التقية في كل ضرورة .. (2) و لا تصدق الضرورة و الاضطرار مع وجود المندوحة في البين و معه عموم أدلة ذلك الواجب أو المحرم يكون محكما لا محالة.

و اما التقية بالمعنى الأخص أعني التقية من العامة فهي قد تكون في ترك الواجب أو في الإتيان بالحرام و اخرى في ترك جزء أو شرط أو الإتيان بالمانع في المأمور به و ان شئت قلت التقية قد تكون في غير العبادة من ترك الواجب أو الإتيان بالحرام و قد تكون في العبادة.

أما التقية في ترك الواجب أو الإتيان بالحرام- لو لا التقية- فالظاهر فيها اعتبار عدم المندوحة في وجوب التقية أو جوازها.

و ذلك لأن التقية في عدة من الروايات قد قيدت بالضرورة و الاضطرار و هي الصحاح الثلاث المرويات عن أبي جعفر (ع).

ففي بعضها: التقية في كل ضرورة و صاحبها أعلم بها حين تنزل به.

و في الأخرى: التقية في كل ضرورة فقد دلتنا على عدم مشروعية التقية في غير الضرورة.

____________

(1) المروية في ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

(2) المروية في ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

306

..........

____________

و هذا لا لأجل القول بمفهوم اللقب كما ربما يتراءى من الروايتين بل من جهة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد حصر المسند في المسند إليه فإن حق العبارة لو لا الحصر أن يقال: كل ضرورة فيها التقية، فتقديمه (ع) التقية على كل ضرورة انما هو لأجل حصر التقية في موارد الضرورة بحسب ظاهر الكلام- و بما ان معنى التقية في كل ضرورة ان التقية مشروعة في كل ضرورة لعدم كونها ناظرة إلى نفس التقية فيستفاد من هاتين الصحيحتين عدم مشروعية التقية في غير موارد الضرورة.

و في الثالثة: التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله اللّٰه له (1) و دلالتها على الحصر أظهر لأن ال«فاء» تفريعية فقد دلت على عدم الحلية فيما لا يضطر اليه ابن آدم و نحن انما قلنا بالمفهوم في الجملات الشرطية لمكان ال«فاء» التي هي للتفريع فيكون الحال في المقام هو الحال في الجملات الشرطية فلاحظ.

نعم لو كانت الصحيحة هكذا: التقية في كل شيء. و كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله اللّٰه له أمكن أن يقال: انها اشتملت على كبريين.

«إحداهما»: التقية في كل شيء سواء أ كانت مع الاضطرار أم لم تكن.

و «ثانيتهما»: كل شيء يضطر اليه .. إلا انها ليست كذلك كما ترى. و بما أن الضرورة و الاضطرار لا يصدق مع وجود المندوحة فلا محالة تختص التقية المشروعة بموارد عدم المندوحة.

و مما يدلنا على ذلك أيضا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن معمر بن يحيى قال: قلت لأبي جعفر (ع) ان معي بضائع للناس

____________

(1) المروية في ب 25 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

307

..........

____________

و نحن نمر بها على هؤلاء العشار فيحلفونا عليها فنحلف لهم فقال: وددت أني اقدر على أن أجيز أموال المسلمين كلها و احلف عليها، كل ما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية (1).

و بذلك كله نقيد الإطلاقات الواردة في بعض الأخبار كقوله (ع) ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة (2).

هذا على أنه يمكن أن يمنع عن دلالة المطلقات على عدم اعتبار المندوحة من الابتداء و ذلك لما قدمناه من أن التقية من وقى يقي وقاية و الوقاية بمعنى الصيانة عن الضرر و منه المتقون، لتحذرهم و صيانة أنفسهم من سخط اللّٰه سبحانه و عليه فقد أخذ في مفهوم التقية خوف الضرر و احتماله، و لا إشكال في أن المكلف مع وجود المندوحة لا يحتمل ضررا في ترك شرب النبيذ أو في الإتيان بواجب، لأن المفروض تمكنه من ذلك لوجود المندوحة العرضية أو الطولية و مع و عدم خوفه و عدم احتماله الضرر في ترك شرب النبيذ كيف يكون ارتكابه تقية رافعة لحرمته و عليه فلا يصدق مفهوم التقية في موارد وجود المندوحة.

إذا لا إطلاق يقتضي مشروعية التقية عند وجود المندوحة حتى تحتاج الى تقييده بما قدمناه من الصحاح هذا كله فيما إذا كانت التقية من العامة في غير العبادات من ترك الواجب أو فعل الحرام.

و أما التقية منهم في العبادات كما في التقية في ترك شرط أو جزء أو الإتيان بمانع في العبادة فالظاهر تسالمهم على عدم الاعتبار و انه لا يعتبر عدم المندوحة فيها مطلقا بحيث لو تمكن من الإتيان بالوظيفة الواقعية إلى

____________

(1) المروية في ب 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل.

(2) المروية في ب 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل.

308

..........

____________

آخر الوقت لم يجز له التقية معهم فاعتبار عدم المندوحة فيها عرضية كانت أم طولية مقطوع الفساد و ذلك لما ورد منهم (ع) من الحث و الترغيب في الصلاة معهم و في عشائرهم و في مساجدهم كما مر (1).

بل في بعضها ان الصلاة معهم في الصف الأول كالصلاة خلف رسول اللّٰه (ص) (2) فان مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين صورة التمكن من الإتيان بالوظيفة الواقعية إلى آخر الوقت و صورة عدم التمكن من ذلك و حملها على عدم التمكن من الإتيان بالصلاة الواقعية و لو في داره إلى نهاية الوقت حمل لها- على كثرتها- على مورد نادر و هو من الاستهجان بمكان.

بل ظاهر أمرهم (ع) بالصلاة معهم و حثهم و ترغيبهم الى ذلك ان تكون الصلاة معهم و في صفوفهم بالقدرة و الاختيار لا خصوص ما إذا كانت لأجل الضرورة و الاضطرار و من هنا ذهبوا الى عدم اعتبار عدم المندوحة في جواز التقية على وجه الإطلاق.

اعتبار عدم المندوحة في محل الكلام:

و هل يعتبر عدم المندوحة حال التقية و العمل كما لعله المشهور بينهم أو ان المندوحة غير معتبر في وجوب التقية و إجزائها عن الوظيفة الواقعية حتى في حال التقية و العمل؟

فلو تمكن حال الصلاة معهم من أن يقف في صف أو مكان يتمكن فيه من السجود على ما يصح السجود عليه جاز له أن يترك ذلك و يقف على صف لا يتمكن فيه من السجود على ما يصح السجود عليه، أو إذا كان في

____________

(1) المتقدمة في ص 290.

(2) المتقدمة في ص 290.

309

..........

____________

مسجده موضعان أحدهما مما يصح السجود عليه جاز له أن يسجد على الموضع الآخر الذي لا يجوز السجود عليه.

قد ذهب شيخنا الأنصاري و المحقق الهمداني (قدس اللّٰه سرهما) إلى اعتبار عدم المندوحة حال التقية و الامتثال و ما استدل به على ذلك في مجموع كلماتهم وجوه:

وجوه الاستدلال [على اعتبار عدم المندوحة حال التقية و الامتثال]

«الأول»: ان مقتضى الأخبار الواردة في المقام هو اختصاص التقية بصورة الضرورة و الاضطرار و عدم مشروعيتها في غير موارد الضرورة فضلا عن إجزائها غير انا خرجنا عن ذلك في غير حال التقية بما قدمناه من الأخبار الآمرة بالصلاة معهم و الدالة على الحث و الترغيب في متابعتهم و الصلاة في مساجدهم و عشائرهم. و أما في حال التقية و العمل فلم يقم دليل على عدم اعتبار الضرورة و الاضطرار فيبقى ظواهر الروايات بالنسبة الى حال التقية و العمل بحالها.

و مقتضى ذلك عدم جواز التقية فيما إذا تمكن حال التقية و الصلاة من الإتيان بالوظيفة الواقعية فإذا تمكن- مثلا- من الوقوف في صف يتمكن فيه من السجود على ما يصح السجود عليه وجب عليه ذلك و لم يجز له الوقوف في مورد آخر لا يتمكن فيه من ذلك.

و يندفع هذا بإطلاقات الأخبار المتقدمة أعني ما دل على الحث و الترغيب في إظهار المتابعة لهم و الآمرة بالصلاة معهم، لأن ظاهرها ان المصلي معهم كأحدهم فيصلي كصلاتهم و لم يقيد ذلك بما إذا كان غير قادر من العمل بحسب الوظيفة الواقعية حال العمل.

310

..........

____________

بل ذكرنا ان مقتضى الحث و الترغيب أن يكون الدخول معهم في الصلاة اختياريا للمكلف فهو مع تمكنه من الصلاة المأمور بها يصلي معهم إظهارا للموافقة و تحسب صلاته هذه صلاة واقعية و لو كان ذلك بداعي التقية و ان لا يعرف المصلي بالتشيع عندهم.

ففي بعض الروايات انه قال أبو عبد اللّٰه (ع): يحسب لك إذا دخلت معهم و ان كنت لا تقتدي بهم مثل ما بحسب لك إذا كنت مع من تقتدي به (1).

بل بعضها كاد أن يكون صريحا فيما ادعيناه كما دل على ان من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول اللّٰه (ص) (2) لدلالته على استحباب الصلاة معهم في الصف الأول مطلقا و ان لم يتمكن المكلف من السجود على ما يصح السجود عليه في ذلك الصف بخلاف غيره من الصفوف كما يتفق ذلك كثيرا فهذا الوجه ساقط.

«الثاني»: ان التقية قد أخذ في مفهومها خوف الضرر كما تقدم غير مرة و مع تمكن المكلف من الإتيان بالوظيفة الواقعية لا يحتمل الضرر في ترك التقية، إذا لا مناص من اعتبار عدم المندوحة حال العمل تحقيقا لمفهوم التقية فإنه مع وجود المندوحة لا تحقق للتقية.

و الجواب عن ذلك ان الوجه في الحكم بصحة العبادة المأتي بها تقية ان كان هو الاخبار العامة الواردة في التقية فحسب كان لهذا الكلام مجال إلا أن الأمر ليس كذلك لوجود الأخبار الخاصة الآمرة بالصلاة معهم و عيادة مرضاهم و لا صلاة في عشائرهم كما تقدم (3) و هي أخص مطلقا من عمومات التقية كما لا يخفى فيخصصها بغير العبادات من موار التقية.

____________

(1) المروية في ب 5 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

(2) المروية في ب 5 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

(3) تقدم في ص 290 و 308.

311

..........

____________

و أما في العبادات فلا يعتبر في صحة العمل المأتي به لأجل المتابعة للمخالفين احتمال الضرر عند تركه بل لا بد من الحكم بصحتها و لو مع عدم احتمال الضرر و الخوف شخصا. نعم لا نضايق أن تكون الحكمة في ذلك هي مراعاة التقية و المحافظة على الشيعة كي لا يعرفوا بالتشيع لدى الناس.

«الثالث»: ما رواه إبراهيم بن شيبة قال: كتبت الى أبي جعفر الثاني (ع) اسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (ع) و هو يرى المسح على الخفين، أو خلف من تحرم المسح و هو يمسح فكتب (ع) ان جامعك و أباهم موضع فلم تجد بدا من الصلاة فأذن لنفسك و أقم، فإن سبقك إلى القراءة فسبح (1) حيث دلتنا على أن الصلاة مع من يمسح على الخفين انما تجوز فيما إذا لم يجد بدا من ذلك.

و برد على هذا الاستدلال «أولا»: ان الرواية ضعيفة السند لأن إبراهيم بن شيبة لم يوثق و ما في كلام المحقق الهمداني (قده) من إسناد الرواية إلى إبراهيم بن هاشم من سهو القلم.

و «ثانيا»: ان الرواية أجنبية عما نحن بصدده لأن الكلام انما هو في الصلاة مع العامة، و الرجل في الرواية على ما يبدو انها شيعي لانه يتولى أمير المؤمنين (ع) و ان كان يتبع العامة في مسحه كما يتفق ذلك في بعض الأمكنة فترى ان جماعة يتولون عليا (ع) إلا انهم في الفروع يجرون على طريقة العامة لعدم وصول الفروع الصحيحة إليهم أو لغير ذلك من الجهات، و بما أن صلاة الرجل كانت محكومة بالبطلان في مورد الرواية فلذا منع (ع) عن الصلاة خلفه فهي خارجة عن محل الكلام.

و «ثالثا»: لو تنازلنا عن ذلك و بنينا على صحة الرواية بحسب السند لدلتنا على اعتبار عدم المندوحة العرضية و الطولية لتخصيصها الجواز

____________

(1) المروية في ب 33 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

312

..........

____________

بما إذا كان لا بد من الصلاة خلفه و قد عرفت التسالم على عدم اعتبار المندوحة الطولية فليلاحظ.

«الرابع»: ما عن دعائم الإسلام بسنده عن أبي جعفر (ع) لا تصلوا خلف ناصب و لا كرامة الا ان تخافوا على أنفسكم. (1).

و يتوجه على هذا الاستدلال ان روايات دعائم الإسلام غير قابلة للاعتماد عليها للإرسال و ان كان مؤلفه جليل القدر و كبير الشأن كما ذكرناه غير مرة هذا.

على انها على تقدير تماميتها سندا قاصرة الدلالة على المدعى لاختصاصها بالناصب و هو خارج عن محل الكلام لأنه محكوم بالكفر بل بالنجاسة أيضا على الأظهر.

و على تقدير التنازل فلا مانع من كون الرواية مخصصة لما دل على جواز الصلاة مع المخالفين و دالة على عدم جواز الصلاة مع المخالف الناصب.

«الخامس»: ما في الفقه الرضوي «لا تصل خلف أحد إلا خلف رجلين أحدهما من تثق به و بدينه و ورعه و الآخر من تتقي سيفه و سوطه و شره و بوائقه و شنعته فصل خلفه على سبيل التقية و المداراة (2).

و يرده ان كتاب الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلا عن اعتبارها مضافا الى عدم دلالتها على المدعى لأنها بصدد حصر الإمام في رجلين و أما ان الصلاة خلف من يتقى منه مشروطة بعدم المندوحة حال العمل فلا دلالة لها على ذلك بوجه.

بل يمكن أن يقال ان قوله (ع) على سبيل التقية و المداراة، بنفسه

____________

(1) المروية في ب 6 من أبواب صلاة الجماعة من مستدرك الوسائل.

(2) المروية في ب 9 من أبواب صلاة الجماعة من مستدرك الوسائل.

313

..........

____________

يدلنا على عدم اعتبار عدم المندوحة حال الصلاة و انما يصلي معهم مع التمكن من الإتيان بالوظيفة الواقعية على سبيل المداراة لا الضرورة و الاضطرار.

ما ينبغي التنبيه عليه:

و مما ينبغي أن ينبه عليه في المقام هو أن الصلاة معهم ليست كالصلاة خلف الامام العادل و انما هي على ما يستفاد من الروايات صورة صلاة يحسبها العامة صلاة و ائتماما بهم و من هنا لم يرد في الروايات عنوان الاقتداء بهم بل ورد عنوان الصلاة معهم، فهو يدخل الصلاة معهم و يؤذن و يقيم و يقرأ لنفسه على نحو لا يسمع همسه فضلا عن صوته.

و لا دلالة في شيء من الروايات على انها صلاة حقيقة و قد ورد في بعضها: ما هم عنده (ع) إلا بمنزلة الجدر (1) إذا لا تكون الصلاة معهم كالصلاة خلف الامام العادل بل انما هي صورة الائتمام لتحسبوها كذلك من دون أن يسقط القراءة و الإقامة و لا غيرهما لأنهم ليسوا الا كالجدر.

نعم قد استفدنا من الأخبار الواردة في التقية بحسب الدلالة الالتزامية ان عدم المندوحة غير معتبر في الصلاة معهم لا حال العمل و الامتثال و لا فيما بعده.

فما ورد في عدة من الروايات من النهي عن الصلاة خلف فاسدي المذهب أو الفاسق أو شارب الخمر أو غير ذلك مما ورد في الأخبار لا ينفي شيء منه ما ذكرناه في المقام من صحة الصلاة معهم على النحو الذي بيناه لأنها انما دلت على عدم جواز الصلاة خلف الجماعة المذكورين على نحو الائتمام الصحيح كالائتمام بالإمام العادل و قد عرفت ان الصلاة معهم

____________

(1) المروية في ب 10 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

314

..........

____________

ليست إلا صورة الائتمام.

فالمتحصل الى هنا ان في التقية من العامة في العبادات الظاهر عدم اعتبار عدم المندوحة مطلقا لا عرضية و لا طولية و ان كان اشتراط عدم المندوحة العرضية أحوط.

«الجهة الثامنة»:

في المراد بالضرر الذي يعتبر احتماله في مفهوم التقية و في الحكم بجوازها أو وجوبها.

أما في التقية بالمعنى الأعم أو بالمعنى الأخص في موارد ترك الواجب أو فعل الحرام تقية فالقدر المتيقن من الضرر المسوغ احتماله للارتكاب انما هو الضرر المتوجه الى نفس الفاعل سواء أ كان بدنيا أم ماليا أم عرضيا و يلحق بذلك الضرر المتوجه إلى الأخ المؤمن لعدة من الروايات الواردة في جواز الحلف كاذبا لأجل حفظ أموال المسلمين (1) و قد طبق على ذلك في بعضها قوله: «كل ما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية (2).

مع ان المفروض انه لا ضرر و لا ضرورة في ترك الحلف على نفسه بل الضرورة و الضرر متوجهان إلى الأخ المؤمن أو المسلم فمن تطبيق الكبرى المذكورة على موارد الضرر المتوجه إلى الأخ المؤمن نستكشف ان الضرر المسوغ للتقية أعم من ضرر نفس الإنسان و ضرر أخيه المؤمن.

ثم انا نتعدى من مورد الروايات و هو التضرر المالي للأخ المؤمن إلى التضرر العرضي و النفسي بطريق الأولوية و عليه فالجامع فيما يسوغ التقية في ترك الواجب أو في فعل الحرام انما هو الضرر المتوجه الى النفس أو الأخ

____________

(1) راجع ب 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل.

(2) راجع ب 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل.

315

..........

____________

المسلم في شيء من المال أو العرض أو النفس.

و أما إذا لم يترتب على ترك التقية ضرر على نفسه و لا على غيره بل كانت التقية لمحض جلب النفع من الموادة و التحابب و المجاملة معهم في الحياة فلا تكون مسوغة لارتكاب العمل المحرم و لا ترك الفعل الواجب فليس له الحضور في مجالسهم المحرمة كمجلس الرقص و شرب الخمر و نحوهما لأجل المجاملة لعدم تحقق مفهوم التقية حينئذ حيث لا ضرر يترتب على تركها.

نعم لا بأس بذلك في خصوص الصلاة فإن له ان يحضر مساجدهم و يصلي معهم للمداراة و المجاملة من دون أن يترتب ضرر على تركه بالنسبة إلى نفسه أو بالإضافة إلى الغير و ذلك لإطلاقات الأخبار الآمرة بذلك لأن ما دل على أن الصلاة معهم في الصف الأول كالصلاة خلف رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) غير مقيد بصورة ترتب الضرر على تركها.

بل قد عرفت أن حملها على تلك الصورة حمل لها على مورد نادر لبعد ان يكون ترك الحضور في مساجدهم أو ترك الصلاة معهم مرة أو مرتين أو أكثر مستلزما لاشتهاره بالتشيع و معروفيته به أو لأمر آخر موجب لتضرره.

نعم إذا ترك ذلك بالكلية أمكن أن يستلزم الضرر بل قد قدمنا ان ظاهر هذه الروايات هو الحث و الترغيب إلى إظهار الموافقة معهم في الصلاة أو في غيرها من الأعمال بالقدرة و الاختيار لا من جهة الخوف و الالتجاء و التقية.

و قد ورد ان الصلاة معهم من حيث الأثر و الثواب كالصلاة خلف من يقتدى به حيث قال (ع) يحسب لك إذا دخلت معهم و ان كنت

316

..........

____________

لا تقتدي بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من يقتدى به (1) و هو أيضا غير مقيد بصورة خوف الضرر عند ترك الصلاة معهم فجواز الحضور عندهم أو الصلاة معهم و عيادة مرضاهم و غير ذلك من الأمور الواردة في الروايات غير مقيد بصورة ترتب الضرر على تركها و انما ذلك من باب المجاملة و المداراة معهم.

و لقد صرح بحكمة تشريع التقية في هذه الموارد و عدم ابتنائها على خوف الضرر في صحيحة هشام الكندي قال سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: إياكم أن تعملوا عملا نعير به، فان ولد السوء يعير والده بعمله كونوا لمن انقطعتم اليه زينا و لا تكونوا عليه شينا، صلوا في عشائرهم (2) و عودوا مرضاهم و اشهدوا جنائزهم و لا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم و اللّٰه ما عبد اللّٰه بشيء أحب إليه من الخباء قلت: و ما الخباء؟

قال: التقية (3).

لدلالتها على ان حكمة المداراة معهم في الصلاة أو غيرها انما هي ملاحظة المصلحة النوعية و اتحاد كلمة المسلمين من دون أن يترتب ضرر على تركها فان ظاهرها معروفية أصحابه (ع) بالتشيع في ذلك الوقت و لم يكن أمره بالمجاملة لأجل عدم انتشار تشيعهم من الناس و إنما كان مستندا إلى تأديبهم بالأخلاق الحسنة ليمتازوا بها عن غيرهم و يعرفوا الشيعة بالأوصاف الجميلة و عدم التعصب و العناد و اللجاج و تخلقهم بما ينبغي أن يتخلق به

____________

(1) راجع ب 5 من أبواب صلاة الجماعة و ب 1 من أحكام العشرة.

(2) هكذا في الكافي و الوسائل و في الوافي في عشائركم راجع المجلد الأول ص 122 م 3.

(3) المروية في ب 26 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

317

..........

____________

حتى يقال رحم اللّٰه جعفرا ما أدب أصحابه.

كما ورد في رواية زيد الشحام عن أبي عبد اللّٰه (ع) انه قال:

يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم، صلوا في مساجدهم و عودوا مرضاهم و اشهدوا جنائزهم و ان استطعتم أن تكونوا الأئمة و المؤذنين فافعلوا فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية، رحم اللّٰه جعفرا ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه، و إذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية فعل اللّٰه بجعفر ما كان أسوء ما يؤدب أصحابه (1).

و قد ورد في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان انه قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: أوصيكم بتقوى اللّٰه و لا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلوا ان اللّٰه عز و جل يقول: في كتابه قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً، ثم قال:

عودوا مرضاهم و احضروا جنائزهم و اشهدوا لهم و عليهم و صلوا معهم في مساجدهم حتى يكون التمييز و تكون المباينة منكم و منهم (2).

و على ذلك لا يتوقف جواز الصلاة معهم على ترتب أي ضرر على تركه و لو احتمالا و هذا قسم خاص من التقية فلنعبر عنه بالتقية بالمعنى الأعم لمكان انها أعم من التقية بالمعنى العام إذ لا يعتبر في ذلك ما كان يعتبر في ذلك القسم من خوف الضرر و احتماله على تقدير تركها.

بل هذا القسم خارج من المقسم لعدم اعتبار احتمال الضرر في تركه هذا و في بعض الكلمات ان الأخبار الآمرة بالصلاة معهم و حضور مجالسهم مختصة بصورة خوف الضرر على تقدير تركها.

إلا أن سبر الروايات الواردة في هذا الباب المروية في الوسائل في

____________

(1) المروية في ب 75 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

(2) راجع ب 5 من أبواب صلاة الجماعة و ب 1 من أبواب أحكام العشرة من الوسائل.

318

..........

____________

أبواب مختلفة كباب العشرة من كتاب الحج و في كتاب الأمر بالمعروف و كتاب الايمان يشهد يعدم تمامية هذا المدعى لإطلاقاتها و عدم كونها مقيدة بصورة الخوف على تقدير تركها.

فبناء على ذلك لا بد من حمل ما ورد من أنه ليس منا من لم يجعل التقية شعاره و دثاره مع من يأمنه لتكون سجية مع من يحذره (1) على التقية بهذا المعنى الأخير كما في حضور مجالسهم و الصلاة معهم لأنها التي لا يعتبر فيها خوف الضرر و لا يمكن حملها على التقية بالمعنى المتقدم في ترك الواجب و فعل الحرام لتقومها بخوف الضرر كما مر.

و لا خوف من الضرر مع من يأمنه أو في التقية في الباطن كما هي المراد من قوله (ع) شعاره و دثاره، أي في باطنه و ظاهره و من هنا يحرم على المكلف الارتماس في الماء في نهار شهر رمضان إذا كان عنده من العامة من لا يخاف منه على نفسه و لا على غيره و هذا و ان كان حملا للرواية على غير ظاهرها إلا انه مما لا بد منه بعد عدم إمكان التحفظ على ظهورها على أنها ضعيفة السند فليلاحظ.

«الجهة التاسعة»:

هل التقية بالمعنى الأخير تختص بزمان شوكة العامة و اقتدارهم و عظمتهم كما في أعصار الأئمة (ع) أو أنها تعم عصرنا هذا و قد ذهب فيه اقتدارهم و لم تبق لهم تلك العظمة على نحو لا يخاف من ضررهم فلو تشرف أحدنا سامراء- مثلا- استحب له حضور مساجدهم و الصلاة معهم إلى غير ذلك من الأمور الواردة في الروايات المتقدمة؟

____________

(1) المروية في ب 24 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

319

..........

____________

لم نعثر على من تعرض لهذه المسألة إلا المحقق الهمداني (قده) حيث تعرض لها و اختار اختصاصها بزمان اقتدارهم و أيام عظمتهم.

و الصحيح عدم اختصاص التقية بوقت دون وقت لان اختصاصها بعصر شوكتهم انما يتم فيما إذا أريد من التقية معناها المتقدم المتقوم بخوف الضرر حيث لا يحتمل ضرر في ترك التقية في أمثال زماننا إلا انك قد عرفت انها بهذا المعنى غير مرادة في مثل الصلاة.

و انما الحكمة في تشريعها هي المداراة و توحيد الكلمة و إبراز الميزة بينهم و بين العامة و عليه فهي تأتي في أمثال زماننا أيضا فيستحب حضور مساجدهم و الصلاة معهم ليمتاز الشيعة بذلك عن غيرهم و يتبين عدم تعصبهم حتى تتحد كلمة المسلمين.

و الخطاب في بعض الأخبار المتقدمة و ان كان لا يشملنا لاختصاصه بذلك الزمان كما اشتمل على الأمر بالصلاة في عشائركم و قوله (ع) عودوا مرضاهم. حيث لا عشيرة لنا من المخالفين ليستحب الصلاة معهم الا ان في إطلاق بعضها الآخر مما اشتمل على بيان حكمة تشريع تلك التقية أو غيره من المطلقات المتقدمة. كما دل على ان الصلاة في الصف الأول معهم كالصلاة خلف رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) غنى و كفاية.

لتحقق الحكمة في أعصارنا و عدم تقيد استحباب الصلاة في الصف الأول معهم بزمان دون زمان و لا باحتمال ترتب الضرر على تركها و على هذا يمكن أن يمثل للتقية المستحبة بهذه التقية أعني حضور مساجدهم و الصلاة معهم من دون احتمال الضرر على تقدير تركها.

320

..........

____________

«الجهة العاشرة»:

ان ما هو محل البحث و الكلام في هذه المسألة انما هو التقية من العامة بإظهار الموافقة معهم في الصلاة أو الصوم أو الحج و نحوها من العبادات و غير العبادات و قد عرفت حكمها على نحو لا مزيد عليه.

و أما إذاعة أسرارهم (عليهم السلام) و كشف الستر عن خصوصياتهم و مزايا شيعتهم عند العامة أو غيرهم فهي محرمة في نفسها فان الكشف عن أسرار الأئمة (ع) للمخالفين أو غيرهم مرغوب عنه عندهم بل أمر مبغوض و قد نهى عنه في عدة روايات (1) و في بعضها ان من أذاع أسرارهم يمس حر الحديد (2) و لعل قتل معلى بن الخنيس أيضا كان مستندا إلى ذلك حيث كشف عن بعض أسرارهم (صلوات اللّٰه و سلامه عليهم أجمعين).

«الجهة الحادية» عشرة:

ان المكلف في موارد التقية إذا ترك العمل على طبقها استحق العقاب على مخالفته لما تقدم من ان التقية واجبة في مواردها فلا ينبغي إشكال في

____________

(1) راجع ب 32 و 34 و غيرهما من الأبواب المناسبة من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

(2) عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: من استفتح نهاره بإذاعة سرنا سلط اللّٰه عليه حر الحديد و ضيق المجالس المروية في ب 34 من أبواب الأمر و النهي من الوسائل.

321

..........

____________

أن ترك التقية محرم بالحرمة التكليفية و انما الكلام في حرمته الوضعية و ان العمل إذا لم يؤت به على طبق التقية فهل يقع فاسدا و لا بد من الحكم ببطلانه أو انه محكوم بالصحة إذا كان مطابقا للواجب الواقعي؟.

و للمسألة صور:

«الصورة الأولى»:

ان يترك المكلف- في موارد التقية- العمل برمته فلا يأتي به على طبق التقية و لا على طبق الوظيفة الأولية كما إذا اقتضت التقية الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام و المكلف قد ترك الوقوف معهم في ذلك اليوم و في اليوم التاسع حسب عقيدته، أو ان التقية اقتضت غسل رجليه و لكنه ترك غسلهما كما ترك مسحهما.

فان استندنا في الحكم بصحة العمل المتقى به و اجزائه عن المأمور به الأولى الى السيرة العملية الجارية على الاكتفاء به في مقام الامتثال من لدن عصرهم إلى زماننا فلا كلام في الحكم ببطلان العمل وقتئذ حيث يكفي في بطلانه مخالفته للوظيفة الواقعية و من الظاهر ان المخالف للواقع باطل لا يمكن الاكتفاء به في مقام الامتثال اللهم إلا ان يدل عليه دليل.

و الدليل على أجزاء العمل المخالف للواقع في موارد التقية انما هو السيرة و هي انما تحققت فيما إذا كان العمل المخالف للواقع موافقا لمذهب العامة بأن يؤتى به متابعة لهم و أما ما كان مخالفا للواقع و لم يكن موافقا مع العامة و على طبق مذهبهم فلم تقم أية سيرة على صحته و كونه مجزئا عن الوظيفة الواقعية فلا مناص وقتئذ من الحكم بالبطلان.

و أما إذا استندنا في الحكم بصحة العمل المتقى به و إجزائه إلى الأدلة

322

..........

____________

اللفظية كقوله (ع) ما صنعتم من شيء .. (1) أو غيره من الروايات المتقدمة كما صنعه شيخنا الأنصاري (قده).

فان استفدنا من الأمر بالتقية في ذلك المورد أو من غيره انقلاب الوظيفة الواقعية و تبدلها إلى ما يراه العامة وظيفة حينئذ فأيضا لا بد من الحكم بالبطلان لعدم مطابقة العمل المأتي به لما هو الوظيفة في ذلك الحال.

و هذا كما في غسل الرجلين بدلا عن المسح حال التقية أو الغسل منكوسا بدلا عن الغسل من الأعلى إلى الأسفل فإن ظاهر الأمر بهما أن الوظيفة حال التقية في الوضوء انما هو الوضوء بغسل الرجلين أو الغسل منكوسا و لا يجب عليه المسح أو الغسل من الأعلى إلى الأسفل.

و كذا الحال في مسح الخفين بناء على الاعتماد على رواية أبي الورد لدلالتها على الرخصة في مسح الخفين عند التقية و قد ذكرنا ان الرخصة في مثله لا يحتمل غير الترخيص الغيري و عدم كون ذلك العمل مانعا عن الوضوء بل هو جزء أو شرط له.

ففي هذه الموارد إذا أتى بالوضوء و لم يأت بغسل الرجلين أو بمسح الخفين أو بالغسل منكوسا فلا محالة يحكم ببطلانه لمخالفة الوضوء كذلك للوضوء الواجب حينئذ و ذلك لما استفدناه من الأدلة من التبدل و الانقلاب بحسب الوظيفة الواقعية.

و أما إذا لم نستفد من الدليل انقلاب الوظيفة الواقعية و تبدلها الى العمل المطابق للعامة بل انما علمنا بوجوب التقية فحسب بمقتضى الأدلة المتقدمة كما هو الحال في الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام فلا يبعد حينئذ الحكم بصحة العمل لأن مقتضى الأدلة اللفظية سقوط الجزئية و الشرطية و المانعية في ذلك الحال و عدم كون الفعل مقيدا بما اقتضت التقية

____________

(1) المتقدمة في ص 278.

323

..........

____________

تركه أو فعله.

و معه لا وجه لبطلان العمل إذ الحج- مثلا- في حقه غير مقيد بالوقوف يوم التاسع لاضطراره إلى تركه تقية فإذا أتى به و ترك الوقوف يوم التاسع فقد أتى بما وجب عليه في ذلك و هو الحج من دون اعتبار الوقوف فيه يوم التاسع و غاية الأمر أنه عصى و ارتكب الحرام لعدم عمله بالتقية بالوقوف يوم الثامن إظهارا للموافقة معهم إلا ان عصيانه من تلك الجهة غير موجب لبطلان حجّة بوجه بعد ما فرضناه من مطابقته لما هو الواجب عليه حينئذ.

و دعوى أن حجه عند اضطراره إلى إظهار الموافقة معهم قد قيد بالوقوف معهم يوم الثامن و بما أنه لم يأت بالوقوف في ذلك اليوم كما لم يأت به بعده فلا محالة يقع عمله باطلا لعدم اشتماله لما هو المعتبر حينئذ من الوقوف يوم الثامن- مثلا.

مندفعة: بأن غاية ما يستفاد من الأدلة الآمرة بالتقية و انه لا دين لمن لا تقية له أو لا ايمان له و أمثال ذلك أن التقية و إظهار الموافقة معهم واجبة و ان تركها أمر غير مشروع.

و أما ان عمله مقيد و مشروط بما يراه العامة شرطا أو جزءا للعمل فهو مما لم يقم عليه دليل و على الجملة مقتضى سقوط الجزئية و الشرطية و المانعية انما هو الحكم بصحة العمل عند ما ترك المكلف قيده و شرطه رأسا و لم يأت به على نحو يوافق مذهب العامة و لا على نحو تقتضيه الوظيفة الواقعية.

«الصورة الثانية»:

ما إذا ترك المكلف العمل على طبق مذهبهم و أتى به على طبق الوظيفة الواقعية فيما تقتضي التقية إظهار الموافقة معهم و هذا قد يتصور في المعاملات

324

..........

____________

بالمعنى الأعم أو بالمعنى الأخص و قد يتصور في العبادات.

أما ترك العمل بالتقية في المعاملات و الإتيان بها حسب ما يقتضيه الحكم الواقعي كما إذا فرضنا ان التقية اقتضت الطلاق من غير شهادة العدلين و المكلف قد ترك التقية و طلق زوجته عند العدلين و شهادتهما. فلا ينبغي الإشكال في وقوع المعاملات صحيحة عندئذ لأن ترك التقية و ان كان محرما كما عرفت إلا ان النهي في المعاملات لا بعنوانها بل بعنوان آخر لا دلالة له على الفساد و حيث ان المعاملة مشتملة على جميع القيود و الشروط فلا محالة تقع المعاملة صحيحة و ان كان المكلف قد ارتكب معصية كما عرفت.

و أما في العبادات فترك العمل فيها على طبق التقية و إتيانه على طبق الوظيفة الواقعية يتصور على وجهين: و ذلك لان التقية قد تقتضي فعل شيء إلا ان المكلف يتركه و يخالف فيه التقية و أخرى ينعكس الأمر فتقتضي التقية ترك الإتيان بشيء في مورد و المكلف يخالف التقية و يأتي به.

أما إذا اقتضت التقية فعل شيء و خالفها المكلف بترك ذاك العمل فالصحيح صحة عباداته مطلقا سواء أ كان فعله جزءا من العبادة على مذهبهم كقول آمين بعد القراءة أم كان شرطا للعبادة كما في التكفير بوضع احدى اليدين على الأخرى أو لا هذا و لا ذاك بل كان امرأ مستحبا عندهم غير ان التقية اقتضت إظهار الموافقة معهم في الإتيان بالمستحب كصلاة الجماعة معهم فإذا ترك التأمين و التكفير و لم يصل معهم و هو في المسجد.

فالظاهر صحة عمله لموافقته للوظيفية الواقعية و غاية الأمر أنه ارتكب الحرام بتركه التقية إلّا ان ارتكاب المحرم في الصلاة غير مضر بصحتها بعد ما فرضنا كونها مطابقة للمأمور به الواقعي.

و السر في ذلك ان الأدلة الآمرة بالتقية كقوله (ع) لا دين لمن لا تقية له أو لا ايمان له و نحوهما مما قدمنا نقله (1) انما تدلنا على أن

____________

(1) في ص 246 و 255.

325

..........

____________

التقية من الدين و تركها أمر غير مشروع و أما ان القيود المعتبرة عند العامة أيضا معتبرة في العمل تقية فلا دلالة لها على ذلك كما مر.

و أما إذا كانت التقية في الترك و خالفها المكلف بإتيان ذلك الفعل و هو و هو مطابق للوظيفة المقررة بحسب الواقع فله صورتان:

«إحداهما»: ما إذا كان العمل المأتي به في العبادة- على خلاف التقية- خارجا عن العبادة و لم يكن من قيودها و شرائطها، كما إذا اقتضت التقية ترك القنوت إلا ان المكلف قد أتى به و ترك التقية بتركه.

و لا مانع في هذه الصورة من الحكم بصحة العبادة لأن العمل المأتي به و ان كان محرما على الفرض و قد وجب عليه ان يتركه للتقية غير ان العمل المحرم الخارج عن حقيقة العبادة غير مضر للعبادة بوجه.

اللهم إلا ان نقول بما احتمله شيخنا الأستاذ (قده) بل بنى عليه من ان الذكر المحرم من كلام الآدميين و هو مبطل للصلاة و لكنا أجبنا عنه في محله بأن حرمة الذكر لا يخرج الذكر عن حقيقته و لا تبدله إلى حقيقة أخرى بل هو ذكر محرم لا أنه حقيقة ثانوية أخرى و المبطل انما هو كلام الآدميين دون الذكر كما لا يخفى.

و «ثانيتهما»: ما إذا كان العمل المأتي به على خلاف التقية من أجزاء العبادة أو شرائطها كما إذا اقتضت التقية ترك السجدة على التربة الحسينية على مشرفها آلاف التحية و السلام. و المكلف قد خالف التقية و سجد على التربة فحينئذ إن اقتصر على ذلك و لم يأت بسجدة أخرى موافقة للتقية فلا ينبغي التأمل في بطلان عبادته.

لأن السجدة على التربة- لأجل كونها على خلاف التقية- محرمة على الفرض، و المحرم لا يعقل أن يكون مصداقا للواجب، و حيث أنه قد

326

..........

____________

اقتصر عليها و لم يأت بسجدة اخرى موافقة للتقية فقد ترك جزءا من صلاته و معه تقع الصلاة فاسدة لا محالة.

و أما إذا لم يقتصر على ذلك العمل المحرم بل أتى به ثانيا مطابقا للتقية فهو أيضا على قسمين.

لان ما اتى به من العمل المحرم في الصلاة قد تكون من الأفعال التي زيادتها مانعة عن صحة الصلاة كما في زيادة السجدة على ما استفدناه من النهي عن قراءة العزائم في الصلاة معللا بأن السجدة الواجبة لأجلها زيادة في المكتوبة فأيضا لا بد من الحكم ببطلان العبادة.

لأن الصلاة وقتئذ و ان كانت مشتملة على جزئها و هو السجدة على غير التربة. إلا ان اشتمالها على سجدة أخرى محرمة و هي السجدة على التربة الحسينية- مثلا- في حال التقية يوجب الحكم ببطلانها لأن السجدة زيادة في الفريضة كما عرفت.

و قد لا تكون من الأفعال التي تبطل الصلاة بزيادتها و هذا أيضا على قسمين:

لأن العبادة ان كانت مما يبطل بمطلق الزيادة فيها كالصلاة أيضا لا بد من الحكم بالبطلان لأنها و ان كان مشتملة على جزئها غير أن تكراره زيادة و الزيادة في الصلاة موجبة لبطلانها و ان كانت نفس الزيادة غير معدودة من الزيادة في الفريضة.

و ان لم تكن مما يبطل بمطلق الزيادة كما في غير الصلاة، و لم يكن العمل المتكرر مما تمنع زيادته عن صحة العبادة- كما في غير السجدة- حكم بصحة العمل و العبادة لمكان اشتمالها على ما هو جزؤها أعني الفعل المأتي به ثانيا حسب ما تقتضيه التقية في ذلك الحال و ان كان المكلف قد ارتكب محرما بالإتيان بالعمل المخالف للتقية.

327

(مسألة 38): لا فرق في جواز المسح على الحائل في حال الضرورة بين الوضوء الواجب و المندوب (1).

(مسألة 39): إذا اعتقد التقية أو تحقق إحدى الضرورات الأخر فمسح على الحائل، ثم بان أنه لم يكن موضع تقية أو ضرورة ففي صحة وضوئه إشكال (2).

____________

إلا انك قد عرفت ان حرمة ذلك العمل غير مضرة بصحة العبادة هذا تمام الكلام في التقية و قد اتضح بذلك الحال في جملة من الفروع المذكورة في المتن فلا نتعرض لها ثانيا و بقيت جملة أخرى نتعرض لها في التعليقات الآتية ان شاء اللّٰه تعالى.

لا فرق في التقية بين الواجب و المندوب:

(1) لإطلاق الأدلة الدالة على كفاية العمل المأتي به تقية عن المأمور به الواقعي كغسل الرجلين في الوضوء عند التقية أو الغسل منكوسا لأنها تعم كلا من الوضوء الواجب و المستحب و كذا ما دل على جواز مسح الخفين بناء على اعتبار رواية أبي الورد و كذلك الأخبار الآمرة بالصلاة معهم و في مساجدهم و على الجملة ان أدلة التقية في كل مورد من مواردها بإطلاقها يقتضي عدم الفرق بين كون العمل المتقى به واجبا و كونه مستحبا في نفسه.

إذا اعتقد التقية ثم انكشف الخلاف:

(2) الأمر كما أفاده (قده) و الوجه في ذلك ان الماتن لم يرد من من هذه المسألة ما إذا احتمل المكلف الضرر في الإتيان بالوظيفة الواقعية

328

..........

____________

و تحقق فيه الخوف من تلك الناحية ثم انكشف انه لم يكن أي ضرر في الإتيان بالمأمور به الاولى و ذلك لان الحكم بالبطلان أو الاستشكال في صحة العمل حينئذ بلا وجه.

لما تقدم من أن صحة التقية في العبادات غير متوقفة على احتمال الضرر عند الترك فإن التقية إنما شرعت فيها لمحض المجاملة و المداراة مع العامة سواء كان في تركها ضرر على المكلف أم لم يكن بأن علمنا ان الإتيان بالوظيفة الواقعية غير موجب للضرر بوجه فاحتمال الضرر و عدمه مما لا أثر له في العبادات.

و أما في غيرها فوجوب التقية أو جوازها انما يدور مدار احتمال الضرر احتمالا عقلائيا فالخوف وقتئذ تمام الموضوع لوجوب التقية أو جوازها و لا يعتبر في ذلك أن يكون في ترك التقية ضررا واقعا لان الخوف أعم فقد يكون في الواقع أيضا ضرر و قد لا يكون فلا وجه للاستشكال في صحة العمل عند انكشاف عدم ترتب الضرر على ترك التقية و ذلك لان موضوعها انما هو الخوف و قد فرضنا انه كان متحققا بالوجدان.

فمراد الماتن (قده) من قوله إذا اعتقد التقية أو تحقق إحدى الضرورات الأخر. حسب ما فهمناه من ظاهر عبارته: أن يعتقد المكلف ان الموضوع للتقية أو لسائر الضرورات قد تحقق في حقه، و لم يكن لها موضوع واقعا.

كما إذا اعتقد ان أهل البلد الذي نزل فيه من العامة أو ان الجماعة الحاضرة عنده من المخالفين أو كان أعمى فتخيل ان العامة حاضرون في المسجد عنده فاتقى في وضوئه أو في صلاته و لم يكن الأمر كما زعمه واقعا و لم يكن أهل البلد أو الجماعة الحاضرون عنده من العامة أو لم يكونوا حاضرين عنده في المسجد أصلا.

329

..........

____________

و اعتقد أن ما يراه من بعيد سبع فمسح على خفيه لان مسحه على رجليه يتوقف إلى زمان يخاف من وصول السبع إليه في ذلك الزمان- بناء على تمامية رواية أبي الورد لتعدي الفقهاء (قدس اللّٰه أسرارهم) من العدو فيها إلى كل ما يخاف منه كالسبع و نحوه.

و اعتقد أن الرجل القادم عدوه فاتقى منه و مسح على خفيه ثم ظهر ان السبع صورة مجسمة و الرجل صديقه فلا موضوع للتقية واقعا.

و الظاهر في تلك الصورة بطلان وضوئه و صلاته و ذلك لان مدرك صحة العمل المأتي به تقية و إجزائه عن المأمور به الواقعي انما هو السيرة العملية كما مر و من المعلوم انها انما كانت متحققة عند إتيان العمل على طبق مسلك العامة عند وجودهم و حضورهم عنده و أما العمل طبق مذهبهم من دون أن يكون عندهم و لا بمحضرهم فلا سيرة عملية تقتضي الاجزاء و الحكم بصحته.

و كذلك الحال فيما إذا اعتمدنا على رواية أبي الورد، حيث انها قيدت الحكم بالمسح على الخفين بما إذا كان هناك عدو تتقيه فوجود العدو مما لا بد منه في الأمر بالمسح على الخفين و مع فرض صداقة الرجل القادم لا موضوع للحكم بالتقية و إجزائها و على الجملة المكلف إذا اعتقد وجود موضوع التقية- سواء خاف أم لم يخف- و لم يكن هناك موضوع واقعا فالظاهر بطلان عمله و هذا هو الذي أراده الماتن من عبارته فلاحظ.

330

(مسألة 40): إذا أمكنت التقية بغسل الرجل فالأحوط تعينه (1) و ان كان الأقوى جواز المسح على الحائل أيضا.

دوران الأمر بين الغسل و المسح:

____________

(1) إذا دار أمر المكلف بين التقية بغسل رجليه و التقية بالمسح على الخفين قدم الأول على الثاني لا محالة و هذا لا لأجل الوجوه الاعتبارية و الاستحسانية التي عمدتها ما ذكره الشهيد (قده) من ان غسل الرجلين أقرب الى المأمور به من مسح الخفين نظرا إلى أن في غسلهما يتحقق مسح البشرة بالرطوبة لا محالة و ان كانت الرطوبة رطوبة خارجية و هذا بخلاف المسح على الخفين لعدم تحقق المسح على البشرة وقتئذ بوجه لا برطوبة الوضوء و لا بالرطوبة الخارجية و من الظاهر ان المسح بالرطوبة الخارجية أقرب إلى المأمور به أعني مسح الرجلين برطوبة الوضوء.

و ذلك لعدم إمكان الاعتماد على الوجوه الاعتبارية بوجه و من الواضح أن مسح البشرة بالرطوبة الخارجية غير معدود بالنظر العرفي ميسورا للمسح على البشرة برطوبة الوضوء.

بل الوجه في تقديم الغسل على مسح الخفين هو أنه إذا قلنا بعدم جريان التقية في المسح على الخفين على ما نطقت به الروايات فلا إشكال في أن المتعين هو الغسل و إذ قلنا بجريانها في مسح الخفين أيضا بحمل الروايات على أن عدم التقية فيه من خصائصهم (ع) حسب ما فهمه زرارة أيضا تعين عليه الغسل.

و ذلك لان الغسل مما ورد به الأمر بالخصوص و لم يرد أمر بمسح الخفين إلا في رواية أبي الورد و قد عرفت انها ضعيفة السند و غير قابلة

331

(مسألة 41): إذا زال السبب المسوغ للمسح على الحائل من تقية أو ضرورة، فإن كان بعد الوضوء فالأقوى عدم وجوب إعادته (1) و إن كان قبل الصلاة إلا إذا كانت بلة اليد باقية فيجب اعادة المسح و ان كان في أثناء الوضوء فالأقوى الإعادة إذا لم تبق البلة.

____________

للاعتماد عليها و ظاهر الأمر بغسل الرجلين هو التعين و عدم كفاية غيره عنه في موارد التقية، فمقتضى الأصل اللفظي أعني ظهور الأمر في التعيين وجوب تقديم الغسل على مسح الخفين، كما ان غسلهما موافق للاحتياط.

لان المورد من موارد دوران الأمر بين التعيين و التخيير، حيث لا نحتمل وجوب المسح على الخفين تعيينا بخلاف غسل الرجلين و الاحتياط حينئذ انما هو باختيار ما يحتمل فيه التعين هذا كله فيما إذا دار الأمر بينهما و اما إذا لم يتمكن إلا من المسح على الخفين فلا شك في تعينه و هذا ظاهر.

زوال السبب المسوغ للتقية:

(1) إذا زال السبب المسوغ للمسح على الحائل في أثناء الوضوء أعني ما قبل المسح على الخفين أو غسل الرجلين فلا إشكال في عدم جواز التقية بالمسح على الخفين أو بغسل الرجلين حيث لا موجب للتقية عند المسح على الفرض فيجب عليه الإتيان بالمأمور به الأولى بأن يمسح على رجليه. و إذا زال السبب و ارتفعت التقية بعد المسح أو الغسل فان كانت البلة موجودة و لم تكن الموالاة فائتة وجب عليه المسح على رجليه لأنه إتمام للوضوء الواجب و قد فرضنا أنه لا مانع من إتمامه لارتفاع التقية.

و لا دليل على عدم وجوب إتمام الوظيفة الأولية فيما إذا لم يكن في البين ما يمنع عن الإتمام، لأن ما دل على أجزاء التقية و صحتها انما ينفي

332

(مسألة 42): إذا عمل في مقام التقية بخلاف مذهب من يتقيه (1) ففي صحة وضوئه إشكال، و ان كانت التقية ترتفع به، كما إذا كان مذهبه

____________

وجوب الإعادة أو القضاء و لا دلالة في شيء منها على عدم وجوب إكمال العمل و إتمامه.

نعم إذا فرضنا أن البلة غير باقية أو الموالاة مرتفعة بحيث احتاج تحصيل الوظيفة الأولية إلى الإعادة لم تجب عليه الإعادة حسب ما دلتنا عليه الأدلة المتقدمة من أن التقية مجزئة و لا تجب معها الإعادة أو القضاء.

إذا عمل بخلاف مذهب من يتقيه:

(1) كما إذا كان من يتقيه من الحنفية إلا انه أتى بالعمل على طبق الحنابلة أو المالكية أو الشافعية لا إشكال في ذلك بحسب الحكم التكليفي من الوجوب أو الجواز لأن التقية بمعنى الصيانة عن الضرر و تتأدى ذلك بإظهار الموافقة مع الحنابلة- مثلا- و ان كان من يتقيه من الحنفية- مثلا- و انما الكلام في صحة ذلك و اجزائه، و الظاهر ان العمل وقتئذ صحيح و مجزئ عن المأمور به الأولى.

و ذلك لأن المستفاد من الأخبار الواردة في التقية انها انما شرعت لأجل أن تختفي الشيعة عن المخالفين و الا يشتهروا بالتشيع و بالرفض و لأجل المداراة و المجاملة معهم و من البين ان المكلف إذا أظهر مذهب الحنابلة عند الحنفي- مثلا- أو بالعكس حصل بذلك التخفي و عدم الاشتهار بالرفض و التشيع و تحققت المداراة و المجاملة معهم فإذا صلى في مسجد الحنفية مطابقا لمذهب الحنابلة صدق أنه صلى في مساجدهم أو معهم.

و السر في ذلك ان الواجب انما هو التقية من العامة و المجاملة و المداراة

333

وجوب المسح على الحائل دون غسل الرجلين فغسلهما، أو بالعكس، كما أنه لو ترك المسح و الغسل بالمرة بطل وضوئه (1) و ان ارتفعت التقية به أيضا.

____________

معهم و لم يرد في شيء من الأدلة المتقدمة وجوب اتباع أصنافهم المختلفة و لا دليل على وجوب اتباع من يتقي منه في مذهبه و انما اللازم هو المداراة و المجاملة مع العامة و إخفاء التشيع عندهم.

و هذا يتأتى بإتيان العمل على طبق الحنابلة عند كون الحاضر الذي اتقى منه حنفيا- مثلا- أو بالعكس فإن الأصناف الأربعة لا يخطى كل منهم الآخر و لا يعترضون و لا ينكرون مذهبه بل ربما يقتدي بعضهم ببعض هذا.

على أن التقية بإتيان العمل على طبق المذهب الآخر أعني غير مذهب المتقى منه قد يكون مطابقا للتقية و ذلك كما إذا كان المتقى من بلد معروف أهله بالشافعية و قد ورد بلدا آخرا و هم الحنابلة- مثلا- فإنه إن اتقي حينئذ بإتيان العمل على مذهب الحنابلة ربما يعرف أنه ليس من الحنابلة لأنه موجب لإلفات نظرهم اليه حيث انه من بلدة فلانية و هم من الشافعية- مثلا- و هو يعمل على مذهب الحنابلة فبذلك يتضح أنه أظهر التسنن معهم و هو رافضي.

و هذا بخلاف ما إذا أتى بالعمل على طبق الشافعية لأنهم يحملون ذلك على أنه من البلدة الفلانية و هم من الشافعية فلا يقع موردا للإعجاب و التحقيق حتى يتفحص و يظهر تشيعه عندهم.

(1) قد أسلفنا الكلام على ذلك في الجهة الحادية عشرة مفصلا و هو الصورة الأولى من صور ترك العمل بالتقية فلاحظ.

334

(مسألة 43): يجوز في كل من الغسلات أن يصب على العضو عشر غرفات بقصد غسلة واحدة، فالمناط في تعدد الغسل المستحب ثانيه و الحرام ثالثه، ليس تعدد الصب بل تعدد الغسل مع القصد (1).

جواز الصب متعددا في كل غسلة:

____________

(1) بمعنى أن ما سردناه سابقا من أن الغسل مرة واحدة هو الواجب في الوضوء و يستحب مرتين و الغسل الثالث و ما زاد بدعة انما هو في الغسل فحسب و أما الصب فهو خارج عن الغسل و له صب الماء كيف ما شاء و لو عشرات مرات.

و توضيح هذه المسألة ان المكلف قد يعتبر وجهه أو يديه ذا جهات فيصب صبة على موضع منهما قاصدا بذلك غسل جهة من تلك الجهات و يصب صبة ثانية بقصد غسل الجهة الثانية و هكذا إلى خمس جهات أو أكثر و هذا مما لا ينبغي الإشكال في صحته لان مجموع الصبات و الغسلات محقق للغسل الواحد المعتبر في الوضوء و لا يعد كل صبة غسلة واحدة مستقلة.

الا ان هذه الصورة خارجة عن محط نظر الماتن (قده) لان نظره إلى صورة تعدد الصب و الغسل.

و قد يعتبر مجموع وجهه أو مجموع اليدين شيئا واحدا فيصب الماء على المجموع صبة أو صبتين أو صبات متعددة و بما أن الغسل ليس من الأمور المتوقفة على القصد لأنه بمعنى مرور الماء على المغسول سواء قصد به الغسل أم لم يقصد فيصدق أنه غسل وجهه مرة أو مرتين أو مرات حسب تعدد الصبات.

335

(مسألة 44): يجب الابتداء في الغسل بالأعلى، لكن لا يجب الصب على الأعلى، فلو صب على الأسفل و غسل من الأعلى بإعانة اليد صح (1).

____________

نعم ليس مطلق الغسل و طبيعة الغير المتوقف على القصد ليس من الغسل المعتبر في الوضوء فان الغسل الوضوئي موقوف على قصد كونه وضوئيا إذا له أن يصب الماء عشر مرات و لا يقصد بها الغسل المعتبر في الوضوء بل يقصده في الصبة الأخيرة فقد أتى وقتئذ غسلا واحدا من غسلات الوضوء و الصبات و الغسلات المتحققتان قبل الصبة الأخيرة خارجتان عن الغسل المعتبر في الوضوء فلا يكون تعددهما مخلا له. نعم إذا قصد الغسل المعتبر في الوضوء في كل واحد من الصبات تحققت بذلك غسلات متعددة و الثالثة و ما زاد منها بدعة محرمة.

وجوب الابتداء في الغسل بالأعلى:

(1) إمرار اليد من الأعلى إلى الأسفل ليس من حقيقة الغسل لا في شيء من لغة العرب و لا في غيرها لضرورة أن قطرة من الماء إذا وقعت على أي موضع من البدن أو غيره فأمررنا عليها اليد مرتين- مثلا- لم يصدق أنا غسلناه مرتين.

بل الغسل عبارة عن مرور الماء على الوجه أو اليد أو غيرهما من المواضع فإذا صب الماء على الأسفل فهو غسل حقيقة إلا انه غير معتبر في الوضوء للزوم كون الغسل من الأعلى إلى الأسفل دون العكس.

فلو بقي شيء من الماء في يده حين وصولها أي اليد إلى الأعلى فأمرّ يده بالماء من أعلى الوجه إلى الذقن صدق عنوان الغسل عليه إلا ان الاجتزاء به

336

(مسألة 45): الإسراف في ماء الوضوء مكروه (1)

____________

يبتني على كفاية مطلق الغسل في مقام الامتثال على أنه من الندرة بمكان لعدم بقاء الماء بحسب العادة في اليد بعد صبه من الأسفل حين وصولها إلى الأعلى.

و أما بناء على ما قدمناه من عدم كفاية الغسل بحسب البقاء في موارد الأمر بالغسل كالوضوء و الغسل و وجوب إحداث الغسل و إيجاده فيشكل الحكم بصحة الوضوء في مفروض المسألة لأن الغسل قد تحقق من صب الماء من الأسفل و هو غسل حادث إلا أنه غير معتبر لمكان أنه من الأسفل إلى الأعلى.

فالغسل المعتبر و المأمور به انما هو إمرار اليد بالماء من الأعلى إلى الأسفل و لكنه غسل بحسب البقاء دون الحدوث و قد بنينا على عدم كفاية الغسل بحسب البقاء و لزوم كون الغسل حادثا و عليه فلا مناص من أن يصب الماء من أعلى الوجه كما في الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية ليتحقق الغسل الحادث من الأعلى إلى الأسفل.

كراهة الإسراف في ماء الوضوء:

(1) الحكم بكراهة الإسراف في ماء الوضوء يبتني على القول بالتسامح في أدلة السنن ثم التعدي من المستحبات الى المكروهات.

و الوجه في ذلك: ان الرواية المستدل بها على ذلك في المقام هي ما رواه الكليني (قده) عن علي بن محمد و غيره عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون (بالتخفيف أو التشديد) عن حماد بن عيسى عن حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: ان للّٰه ملكا يكتب سرف

337

لكن الإسباغ مستحب (1) و قد مر أنه يستحب أن يكون ماء الوضوء بمقدار مد (2) و الظاهر ان ذلك لتمام ما يصرف فيه من أفعاله و مقدماته من المضمضة، و الاستنشاق و غسل اليدين.

____________

الوضوء كما يكتب عدوانه (1) و محمد بن الحسن بن شمون ضعيف ضعفه النجاشي صريحا و كذا سهل بن زياد فإنه أيضا ضعيف فلاحظ.

الإسباغ مستحب:

(1) كما ورد في عدة من الروايات فيها الصحاح و غيرها (2).

تحديد ماء الوضوء بالمدّ:

(2) كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يتوضأ بمد و يغتسل بصاع، و المد رطل و نصف و الصاع ستة أرطال (3) و صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) أنهما سمعاه يقول: كان رسول اللّٰه (ص) يغتسل بصاع من ماء و يتوضأ بمد من ماء (4).

و مفهوم المد و ان لم يمكن تحقيقه على وجه دقيق إلا أن شيخنا البهائي (قده) على ما يحكى عنه في الحبل المتين ذكر ان المد ربع المن

____________

(1) المروية في ب 52 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) راجع ب 54 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 50 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(4) المروية في ب 50 من أبواب الوضوء من الوسائل.

338

..........

____________

التبريزي الصغير- على وجه التقريب- و هو ستمائة و أربعون مثقالا، و عليه يكون المد مائة و خمسون مثقالا- تقريبا.

و الوجه في كون ذلك على وجه التقريب ان المد ربع الصاع، و الصاع ستة أرطال بالرطل المدني و تسعة بالعراقي. فالمد رطل و نصف.

و كل رطل مائة مثقال مع شيء زائد، إذ الصاع- الذي هو ستة أرطال- ستمائة و أربعة عشر مثقالا و ربع مثقال. فيكون الرطل و النصف- الذي هو المد- عبارة عن مائة و خمسين مثقالا و ثلاثة مثاقيل و نصف مثقال و حمصة و نصف. و هو قريب من ربع المن التبريزي أعني مائة و خمسين مثقالا كما ذكره شيخنا البهائي (قده).

إلا أن استحباب كون الوضوء بهذا المقدار من الماء لا توافقه الروايات الواردة في الوضوءات البيانية، لمكان اشتمالها على أنه (ص) أخذ كفا من الماء و أسدله على وجهه و أخذ كفا ثانيا فغسل به يده اليمنى ثم غرف غرفة ثالثة فغسل بها يده اليسرى، و من الظاهر ان ثلاث غرف لا يبلغ ربع المن التبريزي الذي هو المد.

و عليه لا بد من الجمع بين الاخبار الواردة في استحباب كون الوضوء بمد من الماء و الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية بحمل الثانية على ورودها لبيان الأمور المعتبرة في الوضوء على وجه الوجوب و لم تشتمل من المستحبات الا على شيء قليل، إذ الغرض منها تعريضهم (ع) للمخالفين، حيث نسبوا اليه (ص) أنه غسل منكوسا و غسل الرجلين عوضا عن مسحهما فثلاث غرفات من جهة ما يحصل به المقدار الواجب من الغسل في الوضوء.

و تحمل الأولى على بيان المقدار المستحب في الوضوء مشتملا على جميع مستحباته لأن الماء المصروف في الوضوء المراعى فيه تمام المستحبات لا يقل عن ربع المن التبريزي بكثير.

339

..........

____________

لانه يستحب فيه غسل اليدين مرة من حدث البول و مرتين من حدث الغائط فهذا كف أو كفان و يستحب غسل الوجه مرتين و هما كفان فهذه ثلاثة أكف أو أربعة.

و يستحب الغسل في كل من اليدين مرتين و هو يستلزم الماء كفين لعدم كون اليد مسطحة كالوجه حتى يكتفي فيها بكفة واحدة في غسلها على وجه الإسباغ، اللهم الا ان يواصل الماء الى تمام أجزاء يده بإمرار اليد و هو ينافي الإسباغ المستحب و عليه لا بد من صب كف من الماء على ظاهرها و صب كف أخرى على باطنها ليتحقق بذلك الإسباغ و هذه أربعة أكف و مع ضم الثلاثة المتقدمة إليها ليبلغ سبعة.

و يستحب المضمضة و الاستنشاق ثلاث مرات و هي ستة و المجموع تبلغ ثلاثة عشرة أو أربعة عشرة كفا و هو قريب من المد و ربع المن التبريزي.

و معه لا حاجة إلى إدخال الاستنجاء أيضا في الوضوء كما عن بعضهم و حمل أخبار المد على الوضوء مع الاستنجاء لوضوح أنه أمر آخر لا موجب لإدراجه في الوضوء بعد كون الماء المصروف فيه بجميع مستحباته بالغا حد المد كما عرفت.

و قد ورد في الفقيه أنه قال رسول اللّٰه (ص) الوضوء مد و الغسل صاع، و سيأتي أقوام بعدي يستقلون ذلك فأولئك على خلاف سنتي و الثابت على سنتي معي في حظيرة القدس (1).

و يمكن الاستدلال بها على كراهة السرف في الوضوء و انه بأكثر من مد- لاستقلال المد و عدم اعتقاده بكفايته للوسواس- خلاف سنة رسول اللّٰه (ص)

____________

(1) المروية في ب 50 من أبواب الوضوء من الوسائل.

340

(مسألة 46): يجوز الوضوء برمس الأعضاء كما مر، و يجوز برمس أحدها و إتيان البقية على المتعارف (1) بل يجوز التبعيض في غسل عضو واحد مع مراعاة الشروط المتقدمة من البدأة بالأعلى و عدم كون المسح بماء جديد و غيرهما.

____________

غير ان الرواية مرسلة، فيبتني الاستدلال بها أيضا على التسامح في أدلة السنن و إلحاق المكروهات بالمستحبات.

جواز التوضؤ برمس بعض الأعضاء:

(1) تقدمت مسألة الغسل الارتماسي في الوضوء برمس أعضائه في الماء و حكم الماتن (قده) بأنه لا بد من نية الغسل حال إخراج العضو من الماء و تقدم منا الاستشكال فيما أفاده سابقا و تعرض في هذه المسألة لما إذا غسل بعض أعضائه بالارتماس و غسل بعضها الآخر بالترتيب و صب الماء عليه و حكم بصحته و ما افاده (قده) هو الصحيح و الوجه فيه ان الآية المباركة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ (1) مطلقة و لم يرد عليها أي مقيد و إطلاقها يقتضي جواز الاكتفاء في الغسل بالتبعيض كما ذكره في المتن.

و أما ما ورد في بعض الروايات البيانية من أنه (ع) صب الماء على وجهه و يديه [2] فإنما هو من جهة الغلبة إذ الغالب في الوضوء أن يكون بالصب و الماء القليل.

____________

[2] هذا مضمون عدة روايات مشتملة على لفظة الصب أو ما هو بمعناه كاسدال الماء على الوجه أو اليد أو الذراع أو غيرهما المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

____________

(1) المائدة: 5: 6.

341

(مسألة 47): بشكل صحة وضوء الوسواسي (1) إذا زاد في غسل اليسرى من اليدين في الماء، من لزوم المسح بالماء الجديد، في بعض الأوقات. بل ان قلنا بلزوم كون المسح ببلة الكف دون رطوبة سائر الأعضاء يجيء الإشكال في مبالغته في إمرار اليد، لانه يوجب مزج رطوبة الكف برطوبة الذراع.

(مسألة 48): في غير الوسواسي إذا بالغ في إمرار يده على اليد اليسرى لزيادة اليقين لا بأس به ما دام يصدق عليه انه غسل

الإشكال في وضوء الوسواسي:

____________

(1) لأن الوسواسي بعد تحقق الغسل المعتبر في الوضوء يصب الماء على يديه و هو يستلزم أن يكون المسح بالماء الجديد و قد عرفت لزوم كون المسح بالبلة الوضوئية الباقية في اليد و كذا يجيء الاشكال عند إمرار يده من المرفق- بعد تمامية الغسل المعتبر- لاستلزامه امتزاج رطوبة الكف برطوبة المرفق و الذراع و هو يمنع عن كون المسح ببلة اليد كما لعله ظاهر.

و من هنا الأولى للوسواسي- كما ابتلينا به برهة من الزمان- ان يتوضأ وضوئين بأن يتوضأ أولا وضوءا عاديا كما يصنعه غير الوسواسي- و ان كان هذا باطلا حسب عقيدته- ثم يتوضأ ثانيا بما يراه وضوءا صحيحا حسب اعتقاده لئلا يلزم محذور كون المسح بغير بلة الوضوء.

342

واحد (1) نعم بعد اليقين إذا صب عليها ماء خارجيا يشكل (2) و ان كان الغرض منه زيادة اليقين لعده في العرف غسلة اخرى، و إذا كان

إذا بالغ غير الوسواسي في غسله:

____________

(1) أي قبل حصول اليقين أو الاطمئنان أو قيام الامارة الشرعية على تحقق الغسل المعتبر في الوضوء.

(2) لاستلزام ذلك أن يكون المسح بالماء الجديد، و كذا الكلام فيما إذا أمرّ يده بعد اليقين أو الاطمئنان بحصول الغسل المعتبر من طرف المرفق الى طرف الأصابع لاستلزامه امتزاج رطوبة الكف برطوبة المرفق و الذراع.

الشك في تحقق الغسل:

بقي الكلام فيما إذا شك المكلف في تحقق الغسل المعتبر في الوضوء و عدمه، لان مقتضى الاستصحاب و قاعدة الاشتغال وجوب صب الماء مرة ثانية أو إمرار يده حتى يحصل اليقين بتحقق الغسل المعتبر في الوضوء و قد عرفت انه إذا صب على يده الماء ثانيا أو أمر يده على مرفقه لم يمكنه الجزم بأن المسح بالبلة الباقية.

لاحتمال أن يكون المسح بالماء الجديد كاحتمال امتزاج البلة الموجودة في كفه ببلة الذراع و المرفق و ذلك لاحتمال تحقق الغسل المعتبر في الوضوء- واقعا- و معه يكون الماء الذي قد صبه بعد الشك و التردد من الماء الجديد أو تكون الرطوبة الموجودة في يده ممتزجة برطوبة المرفق و الذراع

343

..........

____________

فلا يمكنه إحراز أن البلة بلة الوضوء.

و الأصلان أنما يقتضيان وجوب الصب و عدم تحقق الغسل المعتبر في الوضوء و أما ان البلة بلة الوضوء فلا يمكن إحرازها بشيء منهما.

فهل تجب عليه اعادة الوضوء ثانيا، أو لا مانع من أن يصب الماء بعد الشك و التردد في تحقق الغسل المعتبر أو يمر يده من المرفق إلى أصابعه؟

قد يقال: ان الحكم ببطلان الوضوء عند صب الماء بعد الشك أو إمرار اليد من المرفق يستلزم الهرج و المرج إذ قلما ينفك المتوضئ عن هذا الابتلاء أعني الشك في تحقق الغسل المعتبر- في الجملة.

و الظاهر أنه لا مانع من الاحتياط فيه في نفسه بأن يصب الماء على يده عند الشك في تحقق الغسل المعتبر أو يمر بيده من المرفق، فلا حاجة معه الى التمسك بلزوم الهرج و المرج و ذلك لوجهين:

«أحدهما»: ان مقتضى الأخبار الواردة في المقام ان المسح لا بد من أن يكون بالبلة الباقية في الكف بعد تمامية الغسل المأمور به في الوضوء و الاستصحاب يقتضي أن يكون غسلها عند الشك مأمورا به- ظاهرا- و معه يكون البلة الموجودة في الكف بلة باقية بعد تمامية الغسل المأمور به لأنه لا فرق بين الغسل المأمور به الواقعي و الغسل المأمور به بحسب الظاهر.

و «ثانيهما»: نفس الأخبار الواردة في الشك في الإتيان ببعض الأفعال المعتبرة في الوضوء قبل إتمامه لدلالتها على وجوب الإتيان بما يشك في الإتيان به و ما بعده من الاجزاء و الشرائط ثانيا و مع الأمر بتلك الأفعال لا تكون الرطوبة الباقية في الكف رطوبة خارجية جديدة فلا تضر بصحة المسح و الوضوء لاستنادها إلى الغسل المعتبر في الوضوء.

344

غسله لليسرى بإجراء الماء من الإبريق- مثلا- و زاد على مقدار الحاجة (1) مع الاتصال لا يضر ما دام يعد غسلة واحدة.

صب الماء زائدا على مقدار الحاجة:

____________

(1) الزيادة على مقدار الحاجة من صب الماء من الإبريق أو الحنفيات المتعارفة اليوم قد تكون قليلة و مما لا بد منها في استعمال مقدار الحاجة من الماء و هي غير قادحة في صحة الوضوء ابدا لقلتها بل و مما لا بد منه في الاستعمال لان صب الماء على اليد بمقدار لا يزيد عن مقدار الحاجة و لا ينقص منه بشيء أمر متعذر فلا مناص من صبه الماء و ان زاد على مقدار الحاجة بشيء يسير.

و أخرى تكون الزيادة كثيرة و مما لا يتسامح به كما إذا فرضنا أن الصب من الإبريق أو الحنفية دقيقة واحدة يكفي في مقدار الحاجة من الماء و به يمكن غسل اليد بتمامها إلا أنه صبه ساعتين أو أوقف يده تحت الحنفية كذلك و هذه الزيادة قادحة في صحة المسح و الوضوء لا محالة.

و هذا لا لأن الغسلة متعددة بل مع تسليم وحدتها- لان الاتصال مساوق للوحدة، و هي غسلة واحدة طالت أم قصرت- لا يمكن الحكم بعدم قدحها إذ المدار على تعدد غسلة الوضوء و وحدتها لا على تعدد طبيعي الغسلة و تعددها، و الغسلة المطلقة و ان لم تتعدد سواء طال صب الماء على العضو أم قصر إلا ان غسلة الوضوء متعددة لا محالة.

و ذلك لأن غسلة الوضوء عبارة عن اجراء الماء على العضو بمقدار يتحقق به غسله و لنفرض حصولها بصب الماء دقيقتين و ما زاد عليها تعد غسلة وضوئية زائدة و هو نظير الغسل تحت الحنفية أو بالارتماس في الماء

345

(مسألة 49): يكفي في مسح الرجلين المسح بواحدة من الأصابع الخمس الى الكعبين أيها كانت حتى الخنصر منها (1).

____________

لأنه يتحقق بمجرد إحاطة الماء على تمام البدن و يكون بقائه تحت الماء زائدا على مقدار إحاطة الماء على البدن زائدا على الغسلة الواجبة الكافية في حصول الغسل. و المسح برطوبة الغسلة الزائدة حينئذ لا يخلو عن الاشكال بل الصحة ممنوعة جدا.

(1) ظهر الحال في هذه المسألة مما قدمناه في كيفية المسح على الرجلين فليراجع.

346

فصل في شرائط الوضوء «الأول»: إطلاق الماء (1) فلا يصح بالمضاف و لو حصلت الإضافة بعد الصب على المحل من جهة كثرة الغبار أو الوسخ عليه، فاللازم كونه باقيا على الإطلاق إلى تمام الغسل.

«الثاني»: طهارته (2).

فصل في شرائط الوضوء

[الأول و الثاني: إطلاق الماء و طهارته]

____________

(1) قد أسلفنا تفصيل الكلام على ذلك في أوائل الكتاب و ذكرنا ان المضاف لا يزيل خبثا و لا يرفع حدثا.

(2) للروايات المستفيضة بل المتواترة المروية في الوسائل و غيره في أبواب مختلفة كما دل على لزوم اهراق الماءين المشتبهين و التيمم بعده (1)، و ما دل على النهي عن التوضؤ بفضل الكلب معللا بأنه رجس نجس لا يتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء (2).

و ما دل على النهي عن الوضوء بالماء المتغير (3) الى غير ذلك من الروايات فاعتبار الطهارة في الماء المستعمل في الوضوء مما لا اشكال فيه.

و انما الكلام في أن الطهارة شرط واقعي في صحته فوضوء الجاهل

____________

(1) المروية في ب 12 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(2) و هي صحيحة البقباق المروية في ب 1 من أبواب الأسئار من الوسائل.

(3) راجع ب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

347

..........

____________

بالنجاسة محكوم بالبطلان فلو توضأ بالماء النجس فصلى ثم انكشف ان الماء كان نجسا أعاد وضوءه كما يعيد صلاته إذا كان في الوقت و يقضيها فيما إذا كان الانكشاف في خارجه أو أن الطهارة شرط علمي أي انها شرط بالإضافة إلى العالم بالنجاسة حال الوضوء أو العالم بها قبله فيما إذا نسيها فتوضأ بماء نجس. و أما الجاهل فلا يشترط الطهارة في صحة الوضوء في حقه بوجه فكل من الوضوء و الصلاة في المثال المتقدم محكوم بالصحة لا محالة.

لا اشكال و لا خلاف- كما ذكره في الحدائق- في وجوب الإعادة أو القضاء فيما إذا توضأ بالماء المتنجس مع العلم بنجاسة الماء حال الوضوء كما ان الظاهر من كلماتهم ان من علم بنجاسة الماء قبل الوضوء و نسيها حال الوضوء فتوضأ بالماء النجس أيضا كذلك و ان الناسي للنجاسة يلحق بالعالم بالنجاسة حال الوضوء لوجوب التحفظ في حقه.

و لعلهم استفادوا ذلك مما دل على بطلان صلاة الناسي للنجاسة في ثوبه أو بدنه لاستناده الى ترك التحفظ عن النجاسة لا محالة.

و أما إذا توضأ بالماء النجس جاهلا بالنجاسة فالمشهور بين المتأخرين الحاقه بالقسمين المتقدمين و الحكم عليه بوجوب الإعادة أو القضاء و المفهوم من كلام الشيخ في المبسوط- على ما في الحدائق- وجوب الإعادة في الوقت خاصة دون وجوب القضاء خارج الوقت و به صرح ابن البراج كما انه ظاهر ابن الجنيد.

و خالفهم في ذلك صاحب الحدائق (قده) و ذهب إلى عدم وجوب الإعادة و القضاء حيث أنه بعد ما نقل كلام العلامة و الشهيد «قدهما» قال ما مضمون كلامه: ان ما ذكروه من وجوب الإعادة و القضاء فإنما يسلم في القسمين الأولين و أما في حق الجاهل بنجاسة الماء فلا لعدم توجه النهي إليه لجهالته فلا تجب عليه الإعادة و لا القضاء. و عمدة ما استند (قده)

348

..........

____________

إليه في حكمه هذا أمران:

«أحدهما»: ما ذكره في مقدمات كتابه الحدائق من معذورية الجاهل مطلقا إلا ما خرج بالدليل مستندا في ذلك إلى جملة من الروايات الواردة في مواردها خاصة «منها»: ما ورد في باب الحج كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه و هو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه [1].

و كما رواه عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: جاء رجل يلبي حتى دخل المسجد الحرام و هو يلبى و عليه قميصه، فوثب عليه الناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شق قميصك و أخرجه من رجليك فان عليك بدنة و عليك الحج من قابل و حجك فاسد فطلع أبو عبد اللّٰه (ع) فقام على باب المسجد فكبر و استقبل الكعبة فدنا الرجل من أبي عبد اللّٰه (ع) و هو ينتف شعره و يضرب وجهه، فقال له أبو عبد اللّٰه (ع) اسكن يا عبد اللّٰه فلما كلمه و كان الرجل أعجميا، فقال أبو عبد اللّٰه (ع) ما تقول؟

قال: كنت رجلا أعمل بيدي فاجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم أسأل أحدا عن شيء فأفتوني هؤلاء أن أشق قميصي و أنزعه من قبل رجلي و ان حجي فاسد و ان علي بدنه فقال له: متى ليست قميصك أبعد ما لبيت أم قبل؟

قال: قبل أن ألبي قال: فأخرجه من رأسك فإنه ليس عليك بدنه و ليس عليك الحج من قابل، أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه. طف بالبيت أسبوعا و صل ركعتين عند مقام إبراهيم (ع) واسع بين الصفا و المروة و قصر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهل بالحج و اصنع كما

____________

[1] المروية في ب 8 من أبواب بقية كفارات الإحرام من الوسائل و قد نقلناها في المتن عن الحدائق و هي فيه بهذا المقدار نعم لها صدر و ذيل رواهما في الوسائل فلاحظ.

349

..........

____________

يصنع الناس (1).

و شيخنا الأنصاري (قده) رواها بلفظه «أيما امرء ركب أمرا بجهالة ..».

و «منها» ما ورد في النكاح في العدة كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (ع) قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أ هي ممن لا تحل له ابدا؟ فقال لها لا اما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك فقلت بأي الجهالتين أعذر بجهالته ان يعلم ان ذلك محرم عليه أم بجهالته انها في العدة؟ فقال: احدى الجهالتين أهون من الأخرى، الجهالة بأن اللّٰه حرم عليه ذلك .. (2).

فان هذه الروايات تقتضي ارتفاع جميع الآثار عند ارتكاب العمل بالجهالة و معه لا تجب على من توضأ بالماء النجس شيء من الإعادة و القضاء كما لا عقاب عليه لجهله بالنجاسة فضلا عن اشتراط الصلاة أو الوضوء بالطهارة.

و «ثانيهما»: ان النجاسة انما تثبت عند العلم بها و لا نجاسة عند عدمه حتى تمنع عن صحة وضوئه أو صلاته و ذلك لقوله (ع) كل ماء طاهر (3).

____________

(1) نقلناها عن الحدائق و هي تختلف عن رواية الوسائل في بعض الألفاظ فراجع ب 45 من أبواب تروك الإحرام من الوسائل.

(2) كذا في الحدائق و «حرم ذلك عليه» كما في ب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها من الوسائل.

(3) كذا في الحدائق و الموجود في الوسائل عن حماد: الماء كله طاهر. نعم روى في الوسائل عن الصادق (ع) كل ماء طاهر الا ان ذيله، الا ما علمت انه قذر لا حتى يعلم أنه قدر فليراجع.

350

..........

____________

حتى تعلم أنه قذر (1) و قوله كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر (2) لدلالتهما على ان النجاسة ليست من الأمور الواقعية و انما هي اعتبار شرعي قد ثبت لدى العلم بالنجاسة دون الجهل. و قد رتب على ذلك عدم وجوب الإعادة و القضاء عند الجهل بنجاسته.

ثم استشهد على ذلك بكلام المحدث السيد نعمة اللّٰه الجزائري و الشيخ جواد الكاظمي و افتائهما بما ذهب إليه في المسألة و ذكر في ذيل كلامه ان بعض معاصريه استبعد ما ذهب اليه لمخالفته ما هو المشهور بين الأصحاب حيث ان طبعة الناس مجبولة على متابعة المشهورات و إن أنكروا بظاهرهم تقليد الأموات.

و ان اللّٰه سبحانه قد وفقه للوقوف على كلام الفاضلين المذكورين فأثبته في المقام لا للاستعانة به على قوة ما ذهب اليه بل لكسر سورة النزاع ممن ذكره من المعاصرين، لعدم قبولهم الا لكلام المتقدمين هذا.

و لا يخفى عدم إمكان المساعدة على شيء مما استند اليه في المقام.

اما ما ذكره في الوجه الأول فلأن معذورية الجاهل مطلقا إلا في موارد قيام الدليل فيها على عدم المعذورية و ان كانت مسلمة لعين الأخبار التي ذكرها في كلامه و من هنا حكمنا ان من أفطر في نهار شهر رمضان بما لا يعلم بمفطريته و لا بحرمته لم تجب عليه الكفارة وفاقا لصاحب العروة و خلافا لشيخنا الأستاذ «قدهما» في هامشها.

و كذا قلنا بعدم ترتب الكفارة على ارتكاب محرمات الإحرام جهلا

____________

(1) المروية في ب 1 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(2) المروية في ب 37 من أبواب النجاسات من الوسائل.

351

..........

____________

بحكمها أو بموضوعها و بارتفاع الحد عن ارتكاب المحرم إذا كان عن جهل بحكمه أو بموضوعه.

و قد ورد في موثقة ابن بكير عن أبي عبد اللّٰه (ع) في رجل شرب الخمر على عهد أبي بكر و عمر و اعتذر بجهله بالتحريم فسألا أمير المؤمنين (عليه السلام) فأمر (ع) بأن يدار به على مجالس المهاجرين و الأنصار و قال من تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه ففعلوا ذلك فلم يشهد عليه أحد فخلى سبيله (1).

بلا فرق في ذلك بين المقصر و القاصر و لا بين الجهل بالحكم و الجهل بالموضوع إلا في موارد قام الدليل فيها على عدم معذورية الجاهل و ذلك كمن تزوج بامرأة جاهلا بكونها في العدة فدخل بها لأنها بذلك تحرم عليه مؤبدا إلى غير ذلك من الموارد فعموم هذه الأخبار و إطلاقها هو المحكم في غير موارد الاستثناء.

نعم لا مناص من تقييدها بما إذا كان العمل و الارتكاب بعد الفحص في الشبهات الحكمية لدلالة الأدلة على ان الأحكام الواقعية متنجزة على المكلفين قبل الفحص.

الا انها غير منطبقة على المقام و ذلك لان مقتضاها انما هو ارتفاع المؤاخذة و العقاب عما ارتكبه جاهلا من فعل المحرمات أو ترك الواجبات و ارتفاع الآثار المترتبة عليه من كفارة أوحد أو غيرهما من الآثار و من البين ان وجوب الإعادة أو القضاء ليس من الآثار المترتبة على التوضؤ بالماء المتنجس بل انما هما من آثار بقاء التكليف الأول و عدم سقوطه عن ذمة المكلف و من آثار فوات الواجب في ظرفه و لا يترتب شيء منهما على التوضؤ بالماء النجس حتى يحكم بارتفاعهما.

____________

(1) كذا في الحدائق و روى تفصيله في ب 10 من أبواب حد المسكر من الوسائل.

352

..........

____________

نعم نحكم بارتفاع الحرمة و المؤاخذة عن ارتكابه فحسب و على الجملة إنما ترتفع بها الآثار المترتبة على الفعل أو الترك الصادر منه جهلا دون ما لم يكن كذلك كالاعادة أو القضاء و كتنجس يده المترتب على ملاقاة النجس و نحوه فالتطبيق في غير محله.

و أما ما ذكره في الوجه الثاني: فلاندفاعه.

«أولا»: بأن قوله (ع) حتى تعلم أنه قذر أدل دليل على ثبوت النجاسة و القذارة في ظرف الجهل و عدم العلم لبداهة انه لو لا ثبوتهما قبل العلم بهما فبأي شيء يتعلق علمه في قوله حتى تعلم.

فلا مناص من التزام ثبوت النجاسة قبل ذلك واقعا و هي قد يتعلق بها العلم و قد لا يتعلق و عليه فمفاد الروايتين انما هو الطهارة الظاهرية الثابتة في ظرف الشك في النجاسة و حيث ان وضوئه قد وقع بالماء النجس- واقعا- فلا مناص من الحكم بالفساد و البطلان و لزوم اعادة ما أتى به من الصلوات بعده أو قضائها لأن الاجتزاء بما أتى به من الصلوات الفاسدة يحتاج إلى دليل و لا دليل عليه.

و مقتضى القاعدة لزوم الإعادة في الوقت و القضاء في خارجه.

و «ثانيا»: بأنا نقطع أن صاحب الحدائق (قده) بنفسه لا يلتزم بما أفاده في المقام فما ظنك بغيره!؟ و ذلك لأنا إذا غسلنا ثوبا متنجسا بماء مشكوك الطهارة و النجاسة مع فرض كونه نجسا واقعا فهل يفتي صاحب الحدائق بالطهارة في مثله حتى بعد الانكشاف و العلم بقذارة الماء حال الغسل به بحيث لا يحكم بنجاسة ما أصابه ذلك الثوب أو ذلك الماء حال الجهل بنجاسته؟.

بدعوى ان تطهير الثوب المتنجس يتوقف على غسله بالماء الطاهر و الغسل محرز بالوجدان و طهارة الماء ثابتة بالتعبد على ما ادعاه. و هذا