التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الغروي المزيد...
499 /
353

..........

____________

مما لا يحتمل صدوره عمن هو دونه فضلا عن مثله (قدس اللّٰه إسراره).

و «ثالثا»: بأن ما أفاده (قده) إذا كان تماما في قوله الماء كله طاهر .. أو كل شيء نظيف .. فلما ذا لا يلتزم به في قوله (ع) كل شيء لك حلال حتى تعلم انه حرام (1) بأن يدعى ان الحرمة مما لا واقعية له و انما هي أمر اعتباري اعتبرها الشارع بعد العلم بها و من البعيد جدا أن يلتزم بتوقف الحرمة على العلم بها مع ان وزانه وزان قوله الماء كله طاهر.

و هذا على انا لو سلمنا كلا الوجهين و بنينا على صحة انطباق الروايات الواردة في معذورية الجاهل على ما نحن فيه و على ان النجاسة انما تثبت بالعلم بها أيضا لا يمكننا الالتزام بما أفاده في المقام و ذلك للنص الخاص الذي دل على وجوب إعادة الصلاة أو قضائها فيما إذا توضأ بالماء النجس جاهلا و مع وجود النص الصريح كيف يمكن العمل على طبق القاعدة؟! و هو موثقة عمار الساباطي انه سأل أبا عبد اللّٰه (ع) عن رجل يجد في إنائه فأرة و قد توضأ من ذلك الإناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه و قد كانت الفأرة متسلخة، فقال ان كان رآها في الإناء قبل ان يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة و ان كان انما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمس من ذلك الماء شيئا و ليس عليه شيء لأنه لا يعلم متى سقطت فيه ثم قال: لعله أن يكون انما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها (2).

____________

(1) راجع ب 4 من أبواب ما يكتسب به و ب 61 من الأطعمة المباحة و 64 من الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(2) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

354

و كذا طهارة مواضع الوضوء (1) و يكفي طهارة كل عضو قبل غسله، و لا يلزم أن يكون قبل الشروع تمام محله طاهرا، فلو كانت نجسة و يغسل كل عضو بعد تطهيره كفى. و لا يكفي غسل واحد بقصد الإزالة و الوضوء و ان كان برمسه في الكر أو الجاري

____________

فإن تعليله الحكم بقوله لأنه لا يعلم متى سقطت فيه. كالصريح في أنه لو كان علم سقوطها فيه قبل الوضوء أو الاغتسال أو غسل الثوب وجبت عليه اعادة الوضوء و الصلاة و لزم أن يغسل ثيابه و كل ما أصابه ذلك الماء و انما لم يجب عليه ذلك لاحتمال وقوعها في الماء في تلك الساعة التي رآها.

ثم ان الرواية نعم ما إذا انكشفت نجاسة الماء قبل خروج وقت الصلاة و ما إذا كان الانكشاف بعد خروجه و ذلك لقوله قد توضأ من ذلك الإناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه، لأن الوضوء مرارا أو الاغتسال و غسل الثياب كذلك- لعطفهما على الوضوء مرارا- قبل خروج وقت الصلاة مما لا يتحقق عادة و العجب منه (قده) كيف لم يلتفت الى وجود النص في المقام و التزم بما نقلناه عنه؟!

اشتراط الطهارة في مواضع الوضوء:

(1) اعتبار الطهارة في مواضع الوضوء و ان نسب الى المشهور إلا أنه مما لم ينص عليه في الأخبار و من هنا وقع الكلام في مدرك الحكم بالاعتبار و انه لما ذا لم يجز تطهير المواضع المذكورة بالغسلة الوضوئية نفسها. و استدل على اعتبار الطهارة فيها بوجوه:

«الأول»: ان يستفاد حكم المسألة مما ورد في كيفية غسل الجنابة

355

..........

____________

من لزوم غسل الفرج أولا ثم الشروع في الاغتسال. بأن يقال: انه لا وجه لذلك الا اعتبار طهارة المحل في حصول الطهارة المعتبرة في الصلاة و لا يفرق في ذلك بين الغسل و الوضوء.

و «يندفع»: «أولا» بأن المسألة في الغسل غير مسلمة فما ظنك بالوضوء؟! و «ثانيا»: بأن الغسل أمر و الوضوء أمر آخر فكيف يمكن أن يستفاد الوظيفة في أحدهما من بيان الوظيفة في الآخر و هل هذا الا القياس و هو مما لا نقول به.

«الثاني»: ان المحل إذا كان متنجسا قبل الوضوء فلا محالة ينفعل الماء الوارد عليه بالملاقاة و قد أسلفنا اعتبار الطهارة في ماء الوضوء و قلنا ان الوضوء بالماء المتنجس باطل إذا لا بد من تطهير مواضع الوضوء أولا حتى لا يتنجس الماء بالمحل و يقع الوضوء صحيحا.

و هذا الوجه و ان كان لا بأس به في نفسه الا انه لا يصحح الحكم بلزوم طهارة المحل على وجه الإطلاق. بل لا بد من إخراج التوضؤ بالمياه المعتصمة كما إذا توضأ بماء المطر أو بالارتماس في الكر أو غيرهما من المياه المعتصمة لبداهة ان الماء وقتئذ باق على طهارته و ان لاقى المحل المتنجس و مع طهارة الماء لا وجه للحكم ببطلان الوضوء، كما ان الوضوء إذا كان بالماء القليل لا بد في الحكم باعتبار طهارة المحل من القول بنجاسة الغسالة من حين ملاقاتها مع المتنجس.

إذ لو قلنا بطهارتها مطلقا أو في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل كما هو الصحيح، أو قلنا بنجاستها بعد الانفصال عن المتنجس لا قبله لم يكن وجه للمنع عن الوضوء لفرض عدم انفعال الماء بالصب على الموضع المتنجس اما مطلقا- كما على الأول- أو فيما إذا كانت متعقبة بطهارة

356

..........

____________

المحل- كما على الثاني- كالغسلة الأولى في المتنجس بما لا يعتبر في غسله التعدد أو الغسلة الثانية فيما يعتبر التعدد في غسله.

فإذا نوى الوضوء في الغسلة الثانية لم يحكم عليه بالبطلان لعدم نجاسة الماء حال كونه في اليد أو في غيرها من الأعضاء.

و كيف كان لا بد على هذا الوجه من التفصيل بين ما إذا كان الماء معتصما كالكر و المطر و كونه غير معتصم و على الثاني أيضا يفصل بين كون الغسالة متنجسة ما دامت في المحل و كونها طاهرة فيلتزم باشتراط الطهارة في المحل فيما إذا كان الماء غير معتصم و كون الغسالة متنجسة في المحل.

«الثالث»: أصالة عدم التداخل و حيث انا أمرنا بغسل المتنجس و تطهيره كما أمرنا بغسلة الوضوء و كل منهما سبب تام لوجوب غسل المحل و قد تحقق السببان معا وجب الغسل متعددا لأن كل سبب يؤثر في إيجاب مسببه مستقلا و معه لا بد من غسل مواضع الوضوء أولا ثم الإتيان بغسلة الوضوء فان الاكتفاء بالغسلة الواحدة لرفع كل من الحدث و الخبث على خلاف الأصل و هو أصالة عدم التداخل كما مر.

و لا يمكن المساعدة على هذا الاستدلال بوجه و ذلك لأن عدم التداخل أو التداخل انما هي فيما إذا كان الأمران مولويين كما إذا وجبت كفارتان من جهة الإفطار في نهار شهر رمضان و من جهة حنث النذر- مثلا- فيأتي وقتئذ مسألة التداخل و عدمه فيقال ان كلا من الأمرين يستدعي امتثالا مستقلا فتجب عليه كفارتان و الاكتفاء بالكفارة الواحدة خروجا عن عهدة كلا الأمرين على خلاف الأصل فإن الأصل عدم التداخل.

و اما إذا لم يكن الأمران مولويين كما في المقام إذ الأمر بغسل المتنجس إرشادي لا محالة لكونه إرشادا إلى النجاسة و انها مما ترتفع بالغسل فلا مجال فيه لهذه الأصالة و عدمها فإن الأمر بالغسل قد يكون إرشادا إلى أمر واحد

357

..........

____________

و قد يكون إرشادا إلى أمرين: أعني النجاسة و كونها مما يزول بالغسل.

و الأول كما إذا فرغنا عن نجاسة شيء فورد الأمر بغسله كما في موثقة [1] عمار سألته عن الإناء كيف يغسل و كم مرة يغسل قال: يغسل ثلاث مرات .. [2] لأن الأمر بالغسل إرشاد الى ان نجاسته مما تزول بالغسل.

و الثاني كما إذا لم يعلم نجاسة الشيء قبل ذلك ورود الأمر بغسله ابتداء كما في قوله (ع) اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه (3) لأن الأمر بالغسل في مثله إرشاد إلى نجاسة أبوال مالا يؤكل لحمه و إلى أن نجاسته مما يزول بالغسل.

و من الظاهر ان طهارة المتنجس بالغسل مما لا يتوقف على القصد بل يطهر بمجرد وصول الماء اليه و تحقق غسله و عليه فإذا صب الماء على العضو المتنجس قاصدا به الوضوء حصلت بذلك طهارته أيضا كما يتحقق به الوضوء بل الأمر كذلك حتى فيما إذا قصد به الوضوء و لم يقصد به الإزالة أصلا كما إذا لم يكن ملتفتا الى نجاسته.

نعم يبقى هناك احتمال أن تكون الغسلة الوضوئية مشروطة بطهارة المحل قبلها فلا يكتفي بطهارته الحاصلة بالوضوء و لكنه يندفع بإطلاقات الأمر بغسل الوجه و اليدين في الآية المباركة و الروايات المشتملة على الأمر

____________

[1] على ما حققه سيدنا الأستاذ مد ظله من أن الصحيح في سندها محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال- لا كما في التهذيب و الوسائل أعني رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن احمد بن يحيى و الا فاحمد بن يحيى مجهول فليلاحظ.

[2] هو مضمون موثقة عمار المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

____________

(3) المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل.

358

نعم لو قصد الإزالة بالغمس و الوضوء بإخراجه كفى (1) و لا يضر تنجس عضو بعد غسله و ان لم يتم الوضوء.

____________

بغسلهما لعدم تقييد الغسل فيها بطهارة المحل قبل ذلك.

و عليه فالصحيح عدم اشتراط طهارة الأعضاء قبل الوضوء فيما إذا كان التوضؤ بالماء القليل و كانت الغسلة غير متعقبة بطهارة المحل كما في الغسلة الأولى فيما إذا كانت متنجسة بما يعتبر التعدد في إزالته لاستلزام نجاسة الأعضاء وقتئذ نجاسة الماء الوارد عليها و هي قادحة في صحة الوضوء كما مر.

و أما إذا كان التوضؤ بشيء من المياه المعتصمة أو كان بالماء القليل و كانت الغسالة متعقبة بطهارة المحل كما إذا لم تكن النجاسة مما يعتبر تعدد الغسل في إزالتها أو كان معتبرا الا انه قصد التوضؤ بالغسلة الثانية المتعقبة بطهارة المحل فلا يشترط طهارة الأعضاء قبل التوضؤ كما لا يخفى.

و قد سقط في تعليقات سيدنا الأستاذ- مد ظله- تفصيل هذه المسألة حيث ان السيد (قده) في أحكام غسل الجنابة اعتبر طهارة البدن قبل غسلها و علق عليه سيدنا الأستاذ- دام ظله- بقوله: مرّ تفصيلها في الوضوء. و لم يتقدم عنه هذا التفصيل في تعليقاته على مسائل الوضوء و هو سقط مطبعي [1].

إذا قصد الوضوء بالإخراج:

(1) ما أفاده (قده) متين بالنسبة إلى رفع غائلة نجاسة المحل و هو كاف في صحة الوضوء مع قطع النظر عما أشرنا إليه سابقا من ان الظاهر المستفاد

____________

[1] و قد أضيف هذا التفصيل على تعليقته المباركة في طبعاتها الأخيرة

359

(مسألة 1) لا بأس بالتوضؤ بماء «القليان» ما لم يصير مضافا (1) (مسألة 2) لا يضر في صحة الوضوء نجاسة سائر مواضع البدن بعد كون محاله طاهرة. نعم الأحوط (2) عدم ترك الاستنجاء قبله.

____________

من الأخبار الآمرة بالغسل في الوضوء و الغسل انما هو إيجاد الغسل و احداثه و اما الغسل بحسب البقاء فهو غير كاف في صحته و حيث ان الغسل بإخراج العضو من الماء ليس باحداث للغسل و انما هو إبقاء له و الاحداث انما كان بإدخاله العضو في الماء. فلا يمكن الاكتفاء به في الحكم بصحة الوضوء.

التوضؤ بماء القليان:

(1) هذه المسألة لا تناسب المسائل الراجعة إلى اشتراط طهارة الماء أو الأعضاء في الوضوء فكان الاولى و الأنسب أن يعنون المسألة باشتراط طهارة الوضوء و عدم تغيره بشيء من أوصاف النجس ثم يذكر ان التغير بغير أوصاف النجس- كتغير ماء القليان بالدخان- غير قادح في صحته ما دام لم يصير مضافا.

(2) هذا الاحتياط احتياط استحبابي و المنشأ فيه ما ورد في بعض النصوص من الأمر بإعادة الوضوء فيمن ترك الاستنجاء نسيانا (1) و حمل الوضوء فيها على الاستنجاء كما عن بعضهم خلاف ظاهر الروايات إذا تدلنا هي على اشتراط الاستنجاء في صحة الوضوء.

و قد ورد في مقابلها عدة روايات فيها صحاح و موثقة دلت على عدم بطلان الوضوء بترك الاستنجاء و الجمع بينهما بحمل الأمر بإعادة الوضوء

____________

(1) راجع ب 10 من أحكام الخلوة و ب 18 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

360

(مسألة 3): إذا كان في بعض مواضع وضوئه جرح لا يضره الماء و لا ينقطع دمه فليغمسه بالماء و ليعصره قليلا حتى ينقطع الدم آنا ما، ثم ليحركه بقصد الوضوء (1) مع ملاحظة الشرائط الأخر، و المحافظة على عدم لزوم المسح بالماء الجديد إذا كان في اليد اليسرى، بأن يقصد الوضوء بالإخراج من الماء.

____________

في الطائفة الأولى على الاستحباب غير صحيح لأنه انما يصح فيما إذا كان الأمر في المتعارضين مولويا و ليس الأمر كذلك لأن الأمر بالإعادة في الطائفة الأولى إرشاد إلى بطلان الوضوء و اشتراطه بالاستنجاء.

و عليه فالصحيح في الجمع بينهما حمل الطائفة الآمرة بالإعادة على التقية و إلا فهما متعارضتان و لا بد من الحكم بتساقطها و الرجوع الى إطلاقات أدلة الوضوء كما في الآية المباركة و الروايات لعدم تقييد الأمر بالغسل فيها بالاستنجاء فمقتضى الإطلاقات عدم اشتراط الاستنجاء في الوضوء.

كيفية غسل موضع الجرح:

(1) قد عرفت غير مرة ان المأمور به في الوضوء انما هو احداث الغسل و إيجاده و لا يكفي فيه الغسل بقاء و منه يظهر الحال فيما إذا قصد الوضوء بإخراج يده من الماء.

نعم هناك طريقة اخرى و هي أن يضع يده على موضع الجرح و يدخلها في الماء و يحرك يده حتى يدخل الماء تحتها ثم يخرجها عنه و يغسل بقية المواضع- أعني المقدار الباقي من اليد- في الخارج بصب الماء عليه.

361

(الثالث): أن لا يكون على المحل حائل (1) يمنع وصول الماء إلى البشرة و لو شك في وجوده يجب الفحص حتى يحصل اليقين أو الظن بعدمه، و مع العلم بوجوده يجب تحصيل اليقين بزواله (2).

[الثالث] اعتبار عدم الحائل على المحل:

____________

(1) فان الوضوء غسلتان و مسحتان فكما انه لا بد في المسحتين من وقوع المسح على نفس البشرة و لا يكفي المسح على الحائل على ما عرفت تفصيله فكذلك الحال في الغسلتين.

عدم الاعتبار بالظن:

(2) لا اعتبار بالظن بالعدم لان مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم العلم بالفراغ و الخروج عن عهدة التكليف المتيقن و عليه لا مناص من الفحص حتى يحصل له العلم أو الاطمئنان بوصول الماء إلى البشرة و زوال الحاجب أو تقوم على ذلك أمارة معتبرة شرعا.

فلا وجه للتفرقة بين موارد الشك في الحاجب و موارد العلم بوجوده كما صنعه الماتن (قده) و اعتبر تحصيل اليقين بزواله عند العلم بالوجود و اقتصر على الظن بالعدم عند الشك في وجوده فان الصحيح كما عرفت انما هو تحصيل الحجة المعتبرة على زوال المانع و وصول الماء إلى البشرة لأن استصحاب عدم الحاجب لا يترتب عليه الحكم بالوصول الا على القول بالأصول المثبتة.

و السيرة على عدم الاعتناء بالشك في وجود الحائل مما لا أساس له

362

(الرابع): ان يكون الماء و ظرفه و مكان الوضوء و مصب مائه مباحا (1)

____________

فلا مناص من الاستناد الى حجة معتبرة من الاطمئنان أو غيره كما مرّ بلا فرق في ذلك بين الصورتين: أعني صورة العلم بوجود الحائل و صورة الشك في وجوده.

[الرابع إباحة الماء و ظرفه و مصبه و مكان الوضوء]

اعتبار الإباحة في الماء:

(1) اما اعتبار إباحة الماء في صحة الوضوء فهو مما اشكال فيه و لا خلاف لأن الماء إذا كان مغصوبا محرما حرم جميع التصرفات الواقعة فيه و من جملتها غسل مواضع الوضوء به و إذا حرم الغسل به استحال أن يكون متصفا الوجوب.

و ذلك لأن حرمة التصرف في المغصوب انحلالية و قد ثبتت على كل واحد من أنحاء التصرفات في الماء و مقتضى الأمر بطبيعي الوضوء و الغسل و ان كان هو الترخيص في تطبيقه على أي فرد شاءه المكلف خارجا.

إلا أن من الظاهر ان الترخيص في التطبيق يختص بالافراد غير المحرمة إذ لا معنى للترخيص في الحرام فلا يجوز تطبيق الطبيعي المأمور به في الوضوء و الغسل على الغسل بالماء المغصوب فإذا توضأ بالماء الغصبي بطل وضوءه لا محالة.

ثم لا يخفى ان الحكم بفساد الوضوء من الماء المغصوب غير مبتن على مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي و استحالته و ان نسب إلى الكليني (قده) جواز التوضؤ بالماء المغصوب و لعله استند في ذلك الى جواز اجتماع الأمر و النهي.

363

فلا يصح لو كان واحد منها غصبا من غير فرق بين صورة الانحصار، و عدمه، إذ مع فرض عدم الانحصار و ان لم يكن مأمورا بالتيمم إلا ان وضوءه حرام من جهة كونه تصرفا أو مستلزما للتصرف في مال الغير فيكون باطلا، نعم لو صب الماء المباح من الظرف الغصبي في الظرف

____________

و الوجه في عدم ابتناء هذه المسألة على تلك المسألة هو أن مسألة جواز الاجتماع و امتناعه انما هي فيما إذا كان هناك عنوانان قد تعلق بأحدهما الأمر و تعلق النهي بالآخر و تصادق كل من العنوانين على شيء واحد خارجا فإنه يتكلم وقتئذ في أن ذلك المجمع للحرمة و الوجوب هل هو موجود واحد حقيقة حتى يحكم بالامتناع لعدم إمكان أن يكون شيء واحدا واجبا و حراما في وقت واحد أو انه موجود واحد بالإشارة إلا أنه في الحقيقة أمران قد الضم أحدهما بالآخر حتى يحكم بالجواز كما في الصلاة و الغصب المنطبقتين على الصلاة في الدار المغصوبة.

و أما إذا تعلق الأمر بشيء كالغسل في الوضوء و تعلق عليه النهي أيضا لكونه غصبيا فلا ينبغي الإشكال في خروجه بذلك عن الوجوب سواء قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي أم بالامتناع و ذلك للعلم باتحاد متعلق الأمر و النهي فان الغسل بعينه تصرف مبغوض.

و بعبارة أخرى إذا تعلق النهي بشيء و كان من أحد مصاديقه هو ما تعلق الأمر بطبيعيه كان النهي مقيدا لما تعلق به الأمر بغير ذلك الفرد الذي وقع مصداقا للمنهي عنه لأن النهي الحلالي و النهي عن فرد من افراد الطبيعة المأمور بها يوجب تقيد متعلق الأمر بغير ذلك الفرد لا محالة و هذا من دون فرق بين صورتي انحصار الماء به و عدمها.

364

..........

اعتبار الإباحة في الظرف و المكان و المصب:

____________

و أما إباحة الظرف أو المكان أو مصب ماء الوضوء فالصحيح أن يفصل فيها بين صورتي الانحصار و عدمه.

فإذا فرضنا ان الماء منحصر بالماء الموجود في الإناء المغصوب أو المكان أو المصب منحصر بالمغصوب منهما حكم ببطلان الوضوء لانه تصرف في ماء الغير من دون اذنه أو ان الماء ملكه أو مباح له و التصرف فيه سائغ إلا ان التوضؤ به مستلزم للحرام لأن أخذه و الاغتراف به من إناء الغير محرم مبغوض فلا يتعلق به الأمر و ينتقل فرضه الى التيمم.

و كذلك الحال فيما إذا كان التوضؤ به مستلزما للتصرف في مكان الغير أو في المصب المغصوب و كل ذلك تصرف حرام.

و أما إذا فرضنا عدم الانحصار لا في الماء و لا في المكان و المصب بأن كان له ماء آخر مباح أو مكان أو مصب مباحان فالصحيح صحة الوضوء حينئذ كما مر في التكلم على أواني الفضة و الذهب فلاحظ و الوجه فيه ان المحرم انما هو مقدمة الوضوء أعني الاغتراف من إناء الغير و أما الماء فهو مباح التصرف له على الفرض و من هنا لو أفطر في نهار شهر رمضان بذلك الماء لم يكن إفطارا بالحرام.

فإذا كان الماء مباحا له فله أن يتوضأ منه كما له أن يصرفه في غيره من الأمور و المفروض انه مكلف بالوضوء لعدم انحصار الماء بما يستلزم الوضوء منه تصرفا حراما و حرمة المقدمة لا تسرى إلى ذي المقدمة.

و كذا الحال فيما إذا كان المكان محرما لأن الغسل المأمور به الذي هو بمعنى مرور الماء على أعضائه مما لا حرمة له و إن كانت مقدمته كتحريك اليد

365

..........

____________

تصرفا في ملك الغير و هو حرام إلا ان حرمة التحريك و المكان لا تسرى الى الغسل الذي فسرناه بمرور الماء على أعضائه.

و كذا فيما إذا كان المصب مغصوبا لأن الوضوء و صب الماء على العضو و مروره عليه كان مستلزما لوقوع فطراته على المصب المغصوب و هو كالعلة التامة للتصرف الحرام إلا أنا قدمنا في محله ان المقدمة لا تتصف بالوجوب فضلا عن أن تكون محرمة و لو كانت كالعلة التامة للوقوع في الحرام.

و عليه فالوضوء و إن كان مستلزما للتصرف الحرام إلا أنه لا يتصف بالحرمة و معه لا مانع من الامتثال به و وقوعه مصداقا للواجب و إن كان الأحوط هو الاجتناب لوجود القائل بالحرمة و البطلان هذا.

و قد قدمنا في التكلم على أواني الفضة و الذهب ان الوضوء في مفروض الكلام محكوم بالصحة حتى في صورة الانحصار فيما إذا كان الإناء مغصوبا أو كان المصب أو المكان محرما.

و ذلك لأن القدرة المعتبرة في الواجبات انما هي القدرة التدريجية و المفروض في محل الكلام ان المكلف قادر و متمكن من الماء المباح و كذا من التوضؤ بعد الاغتراف فالقدرة على الماء و الوضوء تحصل له بالتدريج حسب تدريجية الغرفات و ان كان كل واحد من اغترافاته محرما و تصرفا في مال الغير من دون رضائه.

إذا المكلف قادر من الماء و التوضؤ به على تقدير ارتكابه المعصية و هي الاغتراف و عليه فلا فرق بين صورتي الانحصار و عدمها إلا في ان ان المكلف مأمور بالوضوء في صورة عدم الانحصار و أما في صورة الانحصار فله أن يختار التيمم من دون أن يرتكب المعصية بالاغتراف و يكلف بالوضوء.

366

المباح ثم توضأ: لا مانع منه (1) و إن كان تصرفه السابق على الوضوء حراما و لا فرق في هذه الصورة بين صورة الانحصار و عدمه، إذ مع الانحصار و إن كان قبل التفريغ في الظرف المباح مأمورا بالتيمم إلا انه بعد هذا يصير واجدا للماء في الظرف المباح و قد لا يكون التفريغ أيضا حراما (2) كما لو كان الماء مملوكا له و كان إلقاؤه في ظرف الغير تصرفا فيه، فيجب تفريغه حينئذ فيكون من الأول مأمورا بالوضوء، و لو مع الانحصار

____________

(1) لصيرورته بالتفريغ متمكنا من الوضوء بالماء المباح بالتكوين و ان كان غير قادر عليه قبله و ذلك لحرمة التصرف في إناء الغير بالتفريغ، و الممتنع شرعا كالممتنع عقلا و من هنا وجب عليه التيمم في صورة الانحصار.

(2) ما أفاده (قده) انما يتم فيما إذا كان اشغال ظرف الغير غير مستند إلى اختياره أو كان مستندا إلى سوء الاختيار، إلا أنا بنينا على أن الامتناع بالاختيار- كالامتناع بغير الاختيار- ينافي الاختيار.

لأن مالك الماء مكلف وقتئذ بتفريغ إناء الغير لما فرضنا من أن بقاء ماله في الإناء مما يصدق عليه التصرف لدى العرف و إن لم يكن مستندا إلى اختياره و لا يحرم عليه التصرف فيه بالتفريغ لعدم استناده إلى اختياره أو على فرض أنه مستند اليه بنينا على ان الامتناع و لو بالاختيار يوجب سقوط الحرمة و ارتفاعها و المكلف- على هذا- يكون متمكنا من الماء فيجب عليه الوضوء من الابتداء.

و أما إذا كان التصرف في إناء الغير و إشغاله مستندا الى سوء اختياره كما هو الغالب في الغاصبين و بنينا في محله على ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار- كما هو الصحيح- فلا يتم ما أفاده الماتن بوجه.

لأنه وقتئذ محرم التصرف في إناء الغير- بالحرمة السابقة على الامتناع- و معه لا يتمكن من تفريغ الإناء كما لا يتمكن من إبقائه بحاله لأنه أيضا

367

لا فرق في عدم صحة الوضوء بالماء المضاف أو النجس أو مع الحائل بين صورة العلم و العمد و الجهل و النسيان (1) و أما في الغصب فالبطلان مختص بصورة العلم و العمد (2) سواء كان في الماء أو المكان أو المصب فمع الجهل بكونها مغصوبة أو النسيان لا بطلان، و كذا مع الجهل بالحكم أيضا إذا كان قاصرا، بل و مقصرا أيضا إذا حصل منه قصد القربة، و ان كان الأحوط مع الجهل بالحكم خصوصا في المقصر الإعادة

____________

معدود من التصرف في مال الغير- على الفرض- فلا يحكم على تفريغ الإناء بالوجوب.

بل لو فرغه لارتكب محرما من المحرمات و إن كان العقل يلزمه بالتفريغ لأنه أقل الضررين و أخف القبيحين فهو مأمور به عقلا و محرم عليه شرعا. و كيف كان فسواء كان تفريغه محرما أم لم يكن فهو بعد ما فرغ الإناء واجد للماء و متمكن من الوضوء فلا بد من الحكم بوجوبه في حقه.

اشتراط الإطلاق و اخويهما واقعا:

(1) بمعنى ان شرطية الإطلاق و الطهارة و عدم الحائل شرطية واقعية ثابتة في كلتا حالتي العلم و الجهل الشامل للنسيان أيضا.

اشتراط الإباحة ذكري:

(2) فتكون شرطية الإباحة في الماء و المكان و المصب ذكرية فلا اشتراط عند الجهل و النسيان.

و تفصيل الكلام في هذا المقام ان الماتن ذهب الى ان الإباحة في كل

368

..........

____________

من الماء و المكان و المصب انما تشترط في صحة الوضوء حال العلم بغصبيتها و حرمتها و هي شرط ذكري ليست كبقية الشرائط المتقدمة التي هي شروط واقعية.

و على ذلك لا اشتراط في حالتي الجهل و النسيان بلا فرق في ذلك بين الجهل بالحكم و الجهل بالموضوع بل بلا فرق بين القاصر و المقصر في الجاهل بالأحكام لأن استحقاق العقاب في الجاهل المقصر لا ينافي صحة الوضوء منه حال الجهل بحرمة الغصب لأنه قد اتى بطبيعي الغسل و تمشى منه قصد القربة لجهله بحرمته و معهما يتم عمله و يصح وضوءه و ان استحق بذلك العقاب أيضا هذا ما ذهب إليه الماتن في المقام.

و هو ان كان موافقا للمشهور في غير التعدي إلى الجاهل المقصر لأن المشهور قد ألحقوه بالعالم المتعمد في الترك.

و أما عدم مانعية الغصب في غير صورة العلم به فهو المعروف و المشهور بين الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم) بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية و الموضوعية.

و قد ادعى صاحب مفتاح الكرامة (قده)- على ما يبالي- الإجماع على صحة الوضوء عند الجهل بحرمة الغصب أو الجهل بموضوعه الذي هو الغصب.

إلا ان ما أفاده (قده) مما لا يمكن المساعدة عليه.

أما بالإضافة إلى التعدي إلى الجاهل المقصر فيتوجه عليه ان المقصر و ان كان قد تمشى منه قصد القربة إلا ان العمل مما لا يمكن التقرب به واقعا لمبغوضيته و حرمته فهو غير قابل للمقربية بحسب الواقع و لأجل ذلك يستحق العقاب لأن العقاب انما هو على نفس عمله الحرام لا على تركه التعلم أو غير ذلك و مع كون العمل موجبا للعقاب و مبغوضية صدوره من فاعله كيف

369

..........

____________

يمكن أن يكون مقربا إلى اللّٰه سبحانه فهل يكون المبغوض محببا و المبعد مقربا؟! و أما بالإضافة إلى الجاهل القاصر فلأن الإجماع المدعى على صحة الوضوء منه لا يحتمل أن يكون إجماعا تعبديا كاشفا عن رضى المعصوم و رأيه و انما هو مستند الى ما زعموه في محل الكلام من ان المورد من موارد اجتماع الأمر و النهي لأن الغسل بماء الغير واجب من جهة و محرم من جهة أخرى.

فإذا كانت الحرمة متنجزة لكونها واصلة إلى المكلف فلا محالة نبني على بطلان الوضوء و العبادة لما عرفت من ان الحرام و المبغوض لا يقع مصداقا للواجب و المحبوب و مع العلم بهما لا يمكن قصد التقرب بالعمل.

و أما إذا لم يتنجز الحرمة و لم تصل الى المكلف و فرضناه معذورا في ارتكابه لان جهله عذر مستند الى قصوره فلا مانع من ان يأتي بالعمل و المجمع و بقصد به القربة حيث لا حرمة متنجزة في حقه حتى تمنع عن قصد التقرب و كون العمل مصداقا للواجب.

و هذا مما لا يمكن المساعدة عليه كما تعرضنا له مفصلا في الكلام على مسألة اجتماع الأمر و النهي و ذلك لما أشرنا إليه من ان المقام خارج عن بحث الاجتماع فان الغصب يحرم التصرفات الواقعة فيه بأجمعها و من جملتها الغسل فيكون الغسل مصداقا للواجب و الحرام و تركبهما اتحادي لا محالة بمعنى ان ما هو متعلق للنهي بعينه مصداق للواجب و مع التركب الاتحادي أعني وحدة المصداق حقيقة لا يكون المورد من موارد اجتماع الأمر و النهي.

و معه لا مناص من ان يقيد الترخيص في تطبيق الطبيعي المأمور به على مصاديقه بغير هذا المصداق المحرم لاستحالة اجتماع الحرمة و الوجوب في

370

..........

____________

شيء واحد حقيقي لوضوح ان الحرام لا يمكن أن يقع مصداقا للواجب و المبعد لا يمكن أن يكون مقربا كما تقدم هذا كله في صورة العلم بحرمة المجمع.

و أما إذا لم تتنجز الحرمة على المكلف لجهله المعذر له فلا ينبغي الإشكال في جواز تصرفاته في الماء حينئذ لمعذوريته و من تلك التصرفات غسله في الوضوء و تطبيقه للطبيعي المأمور به على الغسل بذلك الماء و معه يجب عليه التوضؤ لتمكنه شرعا من الغسل.

إلا أن الكلام في أن هذا الترخيص في التصرفات التي منها تطبيق الغسل المأمور به على الغسل بذلك الماء ترخيص واقعي و ان الحكم بوجوب الوضوء في حقه وجوب واقعي أو ان كلا من الترخيص و الوجوب حكم ظاهري في حقه، فان قلت ان الوضوء واجب واقعي في حقه و هو مرخص في التصرف في الماء بحسب الواقع و معه يلزم اجتماع الوجوب و الحرمة في مورد واحد واقعا.

و ذلك لأن حرمة الحرام انما تسقط في موارد الجهل ظاهرا و أما الحرمة الواقعية فهي غير مرتفعة بالجهل أبدا لعدم دوران الحرمة الواقعية مدار العلم و الجهل بها فهو مع الحرمة الواقعية قد اتصف بالوجوب و اجتماع الحرمة و الوجوب بحسب الواقع من الاستحالة بمكان و عليه فلا مناص من أن يكون الوجوب و الترخيص ظاهريين قد ثبتا في ظرف الجهل بحرمته.

و معه إذا انكشف الخلاف و علم المكلف بغصبية الماء أو بحرمة الغصب وجبت إعادة وضوئه و صلاته لان ما أتى به غير مطابق للواجب الواقعي و لم يقم أي دليل على أجزاء غير المأمور به عن المأمور به في المقام.

و السر فيما ذكرناه ان مصداق المأمور به إذا اتحد مع ما هو من

371

..........

____________

مصاديق الحرام كان النهي- لمكان أنه انحلالي- مخصصا للإطلاق في دليل الواجب و مقيدا له بالإضافة الى هذا الفرد لأن الحرام لا يعقل أن يكون مصداقا للواجب و المبعد لا يمكن أن يكون مقربا و بما ان التخصيص واقعي فلا يكون العمل مصداقا للواجب فيقع باطلا لا محالة و الجهل بحرمته لا يجعله مأمورا به و انما يكون عذرا عن عقابه فحسب هذا.

و مما يتعجب به في المقام ما صدر عن المحقق النائيني (قده) حيث انه مع تعرضه لما ذكرناه آنفا و بنائه على ان المحرم إذا كان مصداقا للواجب على نحو التركب الاتحادي استحال ان يتعلق به الوجوب لان المبغوض و الحرام لا يكونان مقربين و مصداقين للواجب و المحبوب.

التزم في المقام بعدم بطلان الوضوء من الماء المغصوب عند الجهل بحرمته أو بموضوعه و احتمال انه مستند إلى الإجماع المدعى بعيد للقطع بعدم كونه تعبديا و لعله من جهة الغفلة عن تطبيق الكبرى المذكورة على موردها هذا كله في الجهل بالحرمة.

و أما ناسي الحرمة أو الغصبية فالصحيح صحة عمله و ذلك لان النسيان يوجب سقوط الحرمة عن الناسي واقعا و ليس ارتفاعها ظاهريا في حقه كما في الجاهل لأنا قد ذكرنا ان الرفع في حديث الرفع بالإضافة إلى «مالا يعلمون» رفع ظاهري و بالإضافة إلى النسيان و الاضطرار و أخواتهما رفع واقعي و إذا سقطت الحرمة الواقعية في حق المكلف فلا يبقى أي مانع من أن يشمله إطلاق دليل الواجب لأنه عمل مرخص فيه بحسب الواقع فلا محذور في شمول الإطلاق له كما أنه صالح للتقرب به.

و أما ما عن شيخنا المحقق النائيني (قده) من ان المرتفع عن المضطر و للناسي و نحوهما هو الحرمة دون ملاكها اعني المبغوضية و مع كون العمل مبغوضا واقعا لا يمكن التقرب به لان المبعد و المبغوض لا يصلح أن يكون

372

..........

____________

مقربا و محبوبا كما قدمناه في الجاهل المقصر.

فقد ظهر الجواب عنه بما سردناه في صورة الاضطرار الى ارتكاب الحرام حيث قلنا ان المبغوضية و الملاك و ان كانا باقين في كلتا صورتي الاضطرار و النسيان و أمثالهما كما يقتضيه ظاهر اسناد الرفع إليهما لأنه انما يصح فيما إذا كان هناك مقتض و ملاك حتى يصح أن يقال ان أثره و مقتضاه مرفوع عن المضطر و الناسي و نحوهما، إلا انهما غير مؤثرين في الحرمة كما هو المفروض لعدم حرمة العمل بحسب الواقع و لا انهما مانعان عن ترخيص الشارع في ذلك العمل كما هو الحال في الناسي و المضطر و غيرهما.

و المقتضي و الملاك اللذان لا يؤثران في الحرمة و لا أنهما يمنعان عن ترخيص الشارع في ذلك العمل غير مانع عن المقربية و عن صحة التقرب به هذا كله فيما إذا كان النسيان عذرا و اما النسيان غير المعذر الذي هو من من قبيل الممتنع بالاختيار المستند الى اختياره و ترك تحفظه كما في نسيان الغاصب فان الغالب فيه هو النسيان حيث انه بعد ما غصب شيئا و لم يرده الى مالكه ينسى كونه مغصوبا غالبا إلا ان نسيانه ناش عن سوء الاختيار أعني غصبه لمال الغير و عدم رده الى مالكه في أول الأمر.

إذا فهو من قبيل ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فهو عمل يعاقب عليه الغاصب و بصدر عنه مبغوضا و مع المبغوضية الواقعية و كونه موجبا للعقاب لا يمكن التقرب به بوجه لأن المبعد يستحيل أن يكون مقربا و المبغوض لا يقع مصداقا للواجب و المحبوب كما مر في الجاهل المقصر.

373

(مسألة 5): إذا التفت الى الغصبية في أثناء الوضوء صح ما مضى (1) من أجزائه و يجب تحصيل المباح للباقي و إذا التفت بعد الغسلات قبل المسح هل يجوز المسح بما بقي من الرطوبة في يده و يصح الوضوء أولا قولان (2)

الالتفات إلى الغصبية في أثناء الوضوء:

____________

(1) هذا على مسلكه (قدس سره) من عدم بطلان وضوء الجاهل بغصبية الماء.

و أما بناء على ما قدمناه فلا بد من الحكم ببطلان ما مضى من الاجزاء المتقدمة و وجوب استئنافها بالماء المباح. اللهم إلا أن يكون ناسيا بنسيان عذري لما تقدم و عرفت من أن مصداق المأمور به إذا كان متحدا مع المنهي عنه فلا محالة يخصص إطلاق دليل الواجب بالحرام تخصيصا واقعيا و من المعلوم ان الجهل بالحرام لا يجعل ما ليس بمأمور به مأمورا به كما تقدم تفصيله.

الالتفات إلى الغصبية بعد الغسلات:

(2) قد استدل عليه بما أشار إليه في المتن من أن النداوة الباقية من الغسل بالماء المغصوب لا تعد مالا و لا يمكن ردها إلى مالكها.

و الظاهر انه لم يرد بذلك ان الرطوبة لا تعد مالا لعدم إمكان الانتفاع بها مع بقائها على ملك مالكها و الا لم يصح حكمه بجواز التصرف في النداوة المذكورة بالمسح بها لان المال و الملك يشتركان في حرمة التصرف

374

..........

____________

فيهما من دون اذن مالكيهما.

و انما الفرق بينهما في أن الملك لا ضمان فيه كما في حبة من الحنطة و الثاني فيه الضمان لمكان المالية له و لكن الحكم بوجوب الرد الى المالك و حرمة التصرف و غيرهما أمر يشترك فيه كل من المال و الملك و ان كانت الأدلة اللفظية الواردة في حرمة التصرف من دون اذن المالك واردة في خصوص المال كقوله (ع) لا يحل مال امرء مسلم الا بطيبة نفس منه [1] الا ان من الظاهر ان التصرف في ملك الغير أيضا ظلم و من أظهر موارد التعدي و العدوان فهو أيضا محرم و لا بد من رده الى مالكه.

فكأنه (قده) أراد بذلك بيان ان الماء بعد ما صرف في الغسل يعد تالفا و ينتقل الأمر فيه الى بدله من القيمة أو المثل فالرطوبة في الأعضاء لا تعتبر مالا حيث لا ينتفع به في شيء بحسب الغالب فالرطوبة المتحققة في التراب عند اراقة ماء الغير على الأرض لا تعتبر مالا لمالكها كما لا تعتبر ملكا له للغوية اعتبار الملك فيما لا يمكن إرجاعه إلى مالكه كما في النداوة.

فإذا لم تكن الرطوبة مالا و لا ملكا لأحد جاز للمتوضئ أن يتصرف فيها بالمسح أو بالصلاة في الثوب المرطوب الذي قد غسل بالماء المغصوب مع بقاء الرطوبة فيه أو بالصلاة مع رطوبة بدن المصلي فيما إذا اغتسل بماء الغير ثم التفت الى غصبيته قبل جفاف البدن.

و ما أفاده في المقام و فيما رتبه على ذلك بقوله: إذا توضأ بالماء المغصوب عمدا ثم أراد الإعادة هو الصحيح فإذا توضأ أو اغتسل بماء الغير

____________

[1] كما في موثقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (ع) (في حديث) أن رسول اللّٰه (ص) قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها فإنه لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلا بطيبة نفس منه المروية في ب 3 من أبواب مكان المصلي من الوسائل.

375

أقواهما الأول لأن هذه النداوة لا تعد مالا و ليس مما يمكن رده الى مالكه، و لكن الأحوط الثاني.

و كذا إذا توضأ بالماء المغصوب عمدا ثم أراد الإعادة هل يجب عليه (1) تجفيف ما على محال الوضوء من رطوبة الماء المغصوب أو الصبر حتى تجف أولا؟ قولان أقواهما الثاني. و أحوطهما الأول.

و إذا قال المالك أنا لا أرضى أن تمسح بهذه الرطوبة أو تتصرف فيها لا يسمع منه بناء على ما ذكرناه. نعم لو فرض إمكان انتفاعه بها فله ذلك (2) و لا يجوز المسح بها حينئذ.

____________

نسيانا عذريا على ما سلكناه أو جهلا و نسيانا و لو غير عذري على مسلكه ثم التفت الى غصبية الماء قبل المسح جاز له أن يمسح بالرطوبة الباقية على يديه و بذلك يصح غسله أو وضوءه.

(1) الوجوب المذكور في كلامه شرطي لا محالة و ليس وجوبا تكليفيا و إلا لم يفترق الحال في حرمة التصرف في مال الغير أو في ملكه- على تقدير ان تكون الرطوبة باقية على ماليتها و ملكيتها- بين تجفيفها أو صب الماء عليها للتوضؤ أو الاغتسال فالوجوب المذكور شرطي أي هل يشترط في صحة الوضوء أحد الأمرين أم لا؟

و قد ظهر مما سردناه عدم اشتراط شيء من الأمرين في صحة الوضوء لعدم بقاء الرطوبة على ماليتها و ملكيتها كما لا يخفى.

ابتناء المسألة على ثبوت حق الاختصاص:

(2) تبتني هذه المسألة على ما تعرضنا له في بحث المكاسب تبعا لشيخنا الأنصاري (قده) من أن المال إذا حكم عليه بالتلف و انتقل الأمر إلى

376

..........

____________

بدله من القيمة أو المثل فهل يبقى للمالك حق الاختصاص فيما بقي من آثار ذلك المال مما لا مالية له أو لا يثبت حق اختصاص للمالك فيه.

و ذلك كما إذا كسر جرة غيره و حكم عليه بضمان قيمتها فهل المواد الخزفية الباقية بعد الكسر التي لا مالية لها بوجه ترجع الى مالك الجرة لحق الاختصاص أو لا ترجع اليه؟

أو إذا أتلف خلا لغيره كما إذا جعله خمرا- مثلا- فهل لمالك الخل حق الاختصاص بها فيصح له منع الغير عن الانتفاع بها في مثل التداوي و نحوه من الانتفاعات المحللة فيجوز له خاصة أن ينتفع منها بتلك الانتفاعات المحللة دون غيره الا برضاه أو لا يثبت له حق الاختصاص بها؟

حكم شيخنا الأنصاري (قده) ان الحكم بوجوب رد العوض من المثل أو القيمة في تلك الموارد انما هو غرامة و ليس من باب المعاوضة في شيء و على ذلك ترجع المواد و الأجزاء الباقية من المال التالف الى مالك المال و ان لم يكن لها أية مالية و قيمة عند العقلاء و ذلك لحق الاختصاص.

و قد ذكرنا نحن في محله ان مقتضى السيرة و بناء العقلاء عدم ثبوت حق الاختصاص للمالك في تلك الموارد لأن رد البدل عندهم معاوضة قهرية حينئذ و بتلك المعاوضة تنتقل الأجزاء الباقية و المواد الى الضامن دون المالك و ليس في ذلك حق الاختصاص بها.

و عليه فلو طالب مالك الماء المتوضئ بالرطوبة الباقية على يديه لإلصاق ورقة بأخرى بتلك الرطوبة- مثلا- لم يجب سماعه بل للمتوضئ أن يمسح بها لانتقالها إليه بالمعاوضة القهرية و رد البدل و معه لا وجه للاستشكال في جواز المسح بالرطوبة المذكورة عند مطالبة المالك بها لغاية الانتفاع منها على الوجه الحلال و على الجملة لا بد أن يكون الماء مباحا في الوضوء.

ثم ان الإباحة قد تستند الى كون الماء من المباحات الأصلية التي

377

..........

____________

لا مالك لها شرعا.

و قد تستند الى كونه ملكا للمتوضئ بعنوانه و تشخصه.

و ثالثة تستند إلى كونه ملكا لجهة عامة أو خاصة تشمل المتوضئ كما في الأوقاف العامة أو الخاصة فيما إذا كان المتوضئ من الموقوف عليهم و رابعة تستند الى كون منفعة الماء مملوكة للمتوضئ كما في موارد الإجارة.

و أما إذا لم يكن هناك شيء من هذه الأمور فلا بد في صحة الوضوء من اذن مالك الماء و رضائه و ذلك لان حرمة التصرف في مال الغير من دون اذنه قد أطبقت عليها الأديان و الشرائع و من الأمور الضرورية عند العقلاء.

لبداهة ان التصرف في ملك الغير من دون رضائه ظلم و عدوان كما ان الحرمة من ضروريات الدين و قد دلت موثقة سماعة المتقدمة (1) على عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بطيبة نفسه.

ثم ان المالك قد يصرح برضاه و اذنه في الوضوء كما إذا قال أبحت لك التصرف في هذا الماء بالوضوء أو قوله انتفع به في الوضوء أو غير ذلك من العبارات.

و قد يستكشف رضائه بالفحوى و طريق الأولوية كما إذا أجاز له في إتلاف ماله لأنه يستلزم الاذن في الوضوء بطريق أولى حيث لا إتلاف معتد به في الوضوء أو لو كان فهو قليل.

و ثالثة يستكشف الاذن من شاهد حال كما في الضيوف و لا سيما في المضايف العامة فإنه إذا أضاف أحد غيره يرضى بتصرفاته في مثل الماء الموجود في محل الضيافة بالاستنجاء أو بالتوضؤ أو بغيرهما مما لا يوجب

____________

(1) المتقدمة في ص 374

378

..........

____________

الإضرار و الإتلاف كما جرت عليه السيرة في الضيافات فان الضعيف بتصرف في مال المضيف كتصرفات نفسه و قد قيد الماتن (قده) شاهد الحال بالقطعي و يأتي عليه الكلام عن قريب ان شاء اللّٰه تعالى.

بقي هنا شيء:

و هو انك قد عرفت ان بناء العقلاء و المتشرعة على عدم جواز التصرف في مال الغير بغير اذنه و رضاه بل مرّ ان ذلك من ضروريات الدين و مما أطبقت عليه الأديان و الشرائع إذا حرمة التصرف في مال الغير من غير اذنه و رضاه مما لا اشكال فيه.

و انما الكلام في ان موضوع الحرمة المذكورة هل هو عدم الرضا القلبي و الطيب النفساني أو ان موضوعها عدم الاذن و عدم إبراز الرضى بحيث لو علمنا برضاه قلبا و لكنه لم يبرزه بمبرز في الخارج من تصريح أو فحوى و نحوهما حكم بحرمة التصرف في ماله؟

مقتضى ما جرت عليه سيرة العقلاء و المتشرعة انما هو الأول و من هنا تراهم يتصرفون في أموال غيرهم من كتاب أو لحاف أو عباء عند العلم برضى مالكه و ان لم يبرز رضائه في الخارج بشيء.

و تدل عليه صريحا موثقة سماعة «لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلا بطيبة نفس منه» (1) حيث علقت الجواز على طيبة النفس لا على الاذن و الإبراز.

نعم ورد في التوقيع الخارج الى الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان

____________

(1) المروية في ب 3 من أبواب مكان المصلي من الوسائل

379

..........

____________

العمري (قدس اللّٰه روحه) قوله (ع) فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه (1) و هو كما ترى قد علق الجواز على اذن المالك و إبراز رضائه في الخارج.

و لكن الصحيح هو الأول كما مرّ و ذلك لأن الرواية الثانية ضعيفة السند فإنها قد رويت في الاحتجاج عن أبي الحسين محمد بن جعفر و هو منقطع السند و رويت أيضا عن مشايخ الصدوق (قده) كعلي بن احمد ابن محمد الدقاق و علي بن عبد اللّٰه الوراق و غيرهما و لكنهم لم يوثقوا في الرجال و ليس في حقهم غير انهم من مشايخ الإجازة للصدوق (قده) و انه قد ترضى و ترحم على مشايخه في كلامه.

و شيء من ذلك لا يدل على توثيقهم لوضوح ان مجرد كونهم مشيخة الإجازة غير كاف في التوثيق لعدم دلالته على الوثاقة بوجه، كما ان ترحمه و ترضيه (قده) كذلك فإن الإمام (ع) قد يترحم على شيعته و محبيه و لا يدل ذلك على وثاقة شيعته فكيف بترحم الصدوق (قده) هذا أولا.

و ثانيا ان الجمع العرفي بين الروايتين يقتضي حمل الاذن في الرواية الثانية على كونه كشافا عن الطيب النفساني و الرضا القلبي من دون أن تكون له خصوصية في ذلك و مع إمكان الجمع العرفي بين الروايتين لا تكون الرواية مخالفة لما ذكرناه إذا المدار في جواز التصرف لغير المالك انما هو رضى المالك و طيبة نفسه سواء أ كان مبرزا بشيء أم علمنا بوجوده من دون إبرازه بمبرز.

هذا كله فيما إذا علمنا برضى المالك على أحد الأنحاء المتقدمة و اما إذا شككنا في رضاه فقد أشار الماتن الى تفصيل الكلام فيه بقوله: مع الشك.

____________

(1) المتقدمة في ص 374

380

(مسألة 6): مع الشك في رضا المالك (1) يجوز التصرف و يجرى

صور الشك في رضى المالك:

____________

(1) قد لا يكون لرضى المالك حالة سابقة متيقنة و قد يكون مسبوقا بها.

أما إذا لم تكن له حالة سابقة فلا إشكال في عدم جواز التصرف في ماء الغير بالتوضؤ أو بغيره و ذلك لاستصحاب عدم اذنه و رضاه لأن المستثنى في قوله (ع) لا يحل لأحد ان يتصرف في مال غيره الا برضاه أو بطيبة نفسه و هو مما يجرى الاستصحاب في عدمه.

و أما إذا كانت له حالة سابقة فهي على قسمين:

فقد يعلم برضى المالك بهذا التصرف الشخصي سابقا كما إذا كانت بينهما صداقة فاذن له في التوضؤ بمائه أو في جميع التصرفات فيه ثم ارتفعت الصداقة و لأجله شككنا في بقاء اذنه و رضاه و لا شبهة وقتئذ في جريان الاستصحاب في بقاء الرضاء و به يحكم على جواز التوضؤ و صحته.

و اخرى لا يعلم إلا أصل الرضا على نحو الإجمال كما إذا لم ندر انه هل رضى بالتصرف في مائه هذا اليوم فقط أو انه أذن له في تصرفاته فيه في اليوم الثاني و الثالث أيضا ففي هذه الصورة لا بد من الاقتصار بالمقدار المتيقن من اذن المالك و هو اليوم الأول في المثال و أما في غيره فلا بد من الرجوع الى عمومات حرمة التصرف في مال الغير من دون اذنه.

و السر في ذلك ما سردناه في التكلم على المعاطاة من ان كل تصرف

381

عليه حكم الغصب فلا بد فيما إذا كان ملكا للغير من الاذن في التصرف فيه صريحا أو فحوى (1).

أو شاهد حال قطعي (2).

____________

مغاير للتصرف الآخر و حرمة التصرف في مال الغير انحلالية و قد ثبت على كل واحد من أفراد التصرفات حرمة استقلالية و معه إذا علمنا ارتفاع الحرمة عن فرد من أفراد المحرم فقد علمنا بجواز ذلك الفرد من الافراد المحرمة و لا يستلزم هذا ارتفاع الحرمة عن الفرد المحرم الآخر بل لا بد معه من الرجوع إلى عموم حرمة التصرف في مال الغير كما عرفت.

(1) كما قدمناه فلاحظ.

(2) قد قيد شاهد الحال بالقطعي و لعله أراد منه مطلق الحجة المعتبرة إذ لا وجه لتخصيصه ذلك بخصوص القطعي منها لوضوح أن الاطمئنان أيضا حجة عقلائية يعتمدون عليه في أمورهم و معاشهم و لا سيما في أمثال تصرفات الضيوف للاطمئنان الخارجي برضى المضيف لهم.

بل و كذلك الحال في القسمين السابقين أعني تصريح المالك بالإذن أو استكشافه بالفحوى فإن مالكية الآذن قد تثبت بالبينة و الامارة الشرعية كاليد لا بالعلم الوجداني. و كذا تصريحه بالإذن فإنه قد يثبت بالبينة و قد تثبت بالفحوى كما إذا رأينا ان من بيده المال قد أذن في إتلافه و علمنا منه اذنه في الوضوء بطريق الأولوية القطعية مع ان مالكيته مستندة الى اليد.

و على الجملة تكفي في جواز التصرفات في الاملاك الراجعة إلى الغير قيام شيء من الحجج المعتبرة على الاذن و الرضا بتلك التصرفات و لا اختصاص في ذلك للعلم.

382

(مسألة 7): يجوز الوضوء و الشرب من الأنهار الكبار (1) سواء كانت قنوات أو منشقة من شط و ان لم يعلم رضى المالكين بل و ان كان فيهم الصغار و المجانين نعم مع نهيهم بشكل الجواز.

حكم التوضؤ من الأنهار الكبار:

____________

(1) قد أسلفنا حكم التوضؤ من المياه المملوكة غير الكبيرة.

و أما المياه الكبيرة المملوكة للغير فقد أفتى الماتن (قده) بجواز التوضؤ و الشرب من الأنهار الكبيرة و ان لم يعلم برضى ملاكها و هذا هو المشهور بين الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم).

بل قد ذهب بعضهم الى جواز التصرف فيها حتى مع منع المالك عن تصرف الغير في مياهه، و كذلك التصرف في الأراضي الوسيعة بالتوضؤ فيها أو الجلوس و النوم عليها. و تبعهم الماتن في بعض أقسام الأراضي كالأراضي المتسعة جدا.

و الكلام في مدرك ذلك و العمدة فيه هي السيرة القطعية المستمرة على ما يأتي تقريبها.

و قد يستدل عليه بانصراف أدلة حرمة التصرف في مال الغير بغير اذنه عن مثل الصلاة و الجلوس و النوم و نحوها من التصرفات غير المضرة لمالك المال و كذلك الوضوء فيما إذا صب مائه على النهر المملوك لمالك الماء بحيث نعلم عدم تضرره الا بمقدار يسير لا يعتني به عند العقلاء أعني الرطوبات الباقية على يديه أو وجهه و من هنا جاز الاستظلال بجدار الغير أو الاستضاءة بنوره أو ناره.

و يندفع بأن الاستظلال بجدار الغير أو الاستضاءة بنوره و ان كان

383

..........

____________

مباحين الا ان الوجه في إباحتهما عدم كونهما تصرفا في جدار الغير أو مصباحه- مثلا.

و ليس الوجه فيه هو انصراف أدلة حرمة التصرف عن مثله، حيث لا موجب للانصراف بعد صدق التصرف على مثل الصلاة في أرض الغير أو الوضوء بمائه مع عموم قوله في موثقة سماعة المتقدم «لا يحل مال امرء مسلم الا بطيبة نفسه».

و أخرى يتوهم عدم شمول أدلة حرمة التصرف لمثل الوضوء من الأنهار الكبيرة من جهة معارضتها بما دل على مطهرية الماء و طهارته و عدم انفعاله الا بالتغير نظرا الى ان مقتضى إطلاق تلك الأدلة أو عمومها حصول الطهارة بالتوضؤ من مياه الغير.

و يتوجه عليه انا لا ننكر طهورية الماء و عدم انفعاله إلا بالتغير و انما ننكر مطهريته عند كونه ملك الغير من جهة العنوان الثانوي و هو كونه تصرفا في مال الغير من دون اذنه و عليه فالأدلة المذكورة أجنبية عما نحن بصدده و غير معارضة للأدلّة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير من دون رضاه.

نعم حكى عن المجلسي و الكاشاني (قدهما) الاستدلال على ذلك بما ورد في بعض الروايات من ان الناس في ثلاثة شرع سواء الماء و النار و الكلاء و مقتضاها جواز التوضؤ و الشرب من المياه المملوكة للغير و ان لم يرض به ملاكها.

و الجواب عن ذلك ان الرواية لا بد من حملها على المياه التي هي من المباحات غير الداخلة في حيازة أحد و كذا في النار و الكلاء و إلا فظاهرها جواز التصرف في تلك الأمور الثلاثة مطلقا حتى فيما إذا حازها أحد و جعلها في إناء مثلا أو كان التصرف فيها مستلزما لتضرر

384

..........

____________

ملاكها كشق نهر مملوك لغيره و نحو ذلك.

مع انه على خلاف الضرورة و خلاف ما بنى عليه العقلاء، فان الاشتراك في الأموال المذكورة على خلاف الأديان و خلاف الضرورة في ديننا و هو من أظهر أنحاء الظلم و العدوان و تعدى لأموال الناس بلا مسوغ فكيف يؤخذ مال الغير من دون اذنه بدعوى انه ماء أو نار أو كلاء.

و حمل الرواية على خصوص الأنهار الكبار يستلزم تخصيص الأكثر المستهجن إذا لا مناص من حملها على الماء أو الكلاء أو النار التي هي من المباحات الأصلية غير الداخلة في حيازة أحد أو مع كراهة المنع عن فضل الماء أو الكلاء كما ورد في بعض الروايات (1).

و لعله من جملة الحقوق المستحبة فيستحب أن لا يمنع فضل الأمور المذكورة فلاحظ.

هذا مع انا لم نقف على الرواية المذكورة بتلك الألفاظ لا من طرقنا و لا من طرق العامة و الموجودة في رواياتنا انما هي رواية الشيخ (قده) بإسناده عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن أبي الحسن (ع) قال سألته عن ماء الوادي فقال ان المسلمين شركاء في الماء و النار و الكلاء (2) و رواها الصدوق (قده) أيضا بإسناده عن محمد بن سنان و لكنها أيضا ضعيفة السند بمحمد بن سنان و غير قابلة للاستدلال بها في محل الكلام و ورد أيضا عن ابن عباس ان رسول اللّٰه (ص) قال: الناس شركاء في ثلاث النار و الماء و الكلاء (3) و لكنها أيضا ضعيفة السند بالإرسال.

____________

(1) راجع ب 7 من أبواب إحياء الموات من الوسائل.

(2) المروية في ب 5 من أبواب إحياء الموات من الوسائل.

(3) المروية في ب 4 من أبواب إحياء الموات من المستدرك.

385

..........

____________

و على تقدير تماميتها من حيث السند لا بد من حملها على المحملين الذين قدمنا ذكرهما آنفا و المراد بالنار في الرواية اما أصلها و هو الحطب فتكون الرواية دالة على كراهة المنع عن فضل الحطب أيضا أو تبقى على ظاهرها فيحكم بكراهة المنع عن فضل النار نفسها و كيف كان لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية في المقام.

و المتحصل عدم إمكان الاستدلال على هذا الحكم بشيء من الأمور المتقدمة.

فالعمدة هي السيرة القطعية المستمرة حيث ان الناس يتصرفون في الأراضي الوسيعة بمثل الاستراحة و التغدي أو الصلاة و في الأنهار الكبيرة بالشرب و الاغتسال و التوضؤ كما هو المشاهد في الماشين إلى زيارة الحسين (عليه السلام) راجلا.

و لم يرد ردع عن ذلك كما عرفت فلو كان ذلك من التصرفات المحرمة لردعوا عن ذلك لا محالة و على هذا فإن أحرزنا جريان السيرة على ذلك في مورد فلا بد من أن نحكم بجواز التوضؤ و الصلاة أيضا كيفية التصرفات فيه.

و أما مع الشك في قيامها في مورد كما إذا كان المالك صغيرا أو مجنونا أو منع الغير عن التصرف في مائه و نهره فلا مناص من الحكم بحرمة التصرفات الواقعة فيه لعدم قيام السيرة فيها على الجواز.

و الحاصل ان حرمة التصرف في أموال الناس و أملاكهم مما قد أطبقت عليه الأديان- كما قيل- و هو الصحيح المحقق في محله لان التصرف في أموال الناس من دون إذنهم ظلم و عدوان و عليه جرت سيرة المتدينين و بناء العقلاء بل هو من ضروريات الدين الحنيف مضافا الى الأخبار الدالة على عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بطيبة نفسه.

386

..........

____________

إذا لا بد في جواز التصرف في أموال الغير من العلم برضى المالك و اذنه.

نعم إذا اذن المالك الحقيقي و هو الشارع في التصرف في مال الغير كما في حق المارة مثلا- أيضا يجوز التصرف فيه سواء رضي به المالك الصوري أم لم يرض به بل منع عنه و الا فمقتضى ما قدمناه حرمة التصرفات في أموال الغير و عدم جوازه.

و المخصص لتلك الأدلة ليس دليلا لفظيا- على ما قدمناه- ليتمسك بعمومه أو إطلاقه و انما هو السيرة القطعية الجارية على التصرف في مثل الأنهار الكبار و الأراضي المتسعة حيث لا يرون ذلك منافيا للعدالة بل يتصرفون فيها تصرف الملاك في أملاكهم و لم يردع عنها الشارع كما مر و هي دليل لبي يقتصر فيها بالمقدار المتيقن أعني موارد العلم بقيام السيرة.

ففي كل مورد علمنا بقيامها فيه فهو و أما إذا شككنا في تحققها و عدمه فمقتضى العمومات و الإطلاق و إطباق الأديان و العقلاء هو حرمة التصرف و عدم جوازه كما مر.

و المقدار الذي يتيقن بقيام السيرة فيه على الجواز انما هو الأنهار الكبيرة و الأراضي المتسعة فيما إذا كانت بيد ملاكها و كانوا متمكنين من التصرف فيها و يسمع إذنهم و إجازتهم فيه و لم يظهر منهم عدم الرضا به و أما إذا فرضنا ان المالك صغير أو مجنون بحيث لو اذن في التصرف في أمواله لم يسمع منه ذلك فضلا عما إذا لم يأذن.

و لا يتمكن وليه من الاذن فيه لأن اذنه في التصرف في أموال الصغار انما يعتبر في الأمور الراجعة إلى مصلحة الصغير أو المجنون بمراعاة غبطتهما و لا مصلحة في الاذن في تصرف الناس في أنهارهما أو أراضيهما كما لا يخفى.

و كذلك الحال فيما إذا أحرزنا ان المالك بخيل لا يرضى بالتصرف

387

و إذا غصب غاصب أيضا يبقى جواز التصرف (1) لغيره ما دامت جارية في مجراها الأول، بل يمكن بقاؤه مطلقا.

و أما الغاصب فلا يجوز (2) و كذا لاتباعه (3) من زوجته و أولاده

____________

في أمواله فلا علم لنا بتحقق السيرة و قيامها على الجواز.

و مع عدم إحراز السيرة لا يمكن الحكم بجواز التصرف من الوضوء و الاغتسال و الصلاة فيما يرجع إليهما و كذا الحال فيما إذا ظن كراهة المالك و هذا لا لان الظن حجة يعتمد عليها لدى الشرع بل من جهة أنه يولد التردد و الشك في تحقق السيرة و مع عدم إحرازها لا يمكن الحكم بالجواز.

نعم إذا شككنا في ان المالك صغير أو مجنون أو كاره للتصرف في مائه أو أرضه لم يكن مانع من التصرف بالوضوء و الصلاة و أمثالهما وقتئذ من جهة قيام السيرة عليه مع الشك في ذلك.

اغتصاب الأنهار الكبيرة غير مغير لحكمها:

(1) و لكنك قد عرفت عدم جواز التصرف فيما إذا لم يكن الماء تحت يد المالك لأن القدر المتيقن من السيرة الجارية على الجواز انما هو ما كان الماء أو الأرض تحت يد مالكيهما و اما إذا كان خارجا عن يده و كان في يد الغاصب فلا علم بثبوت السيرة و جريانها على التصرف فيهما بالتوضؤ أو الصلاة و نحوهما و لعل الوجه في عدم جريان السيرة حينئذ ان التصرف في الماء و هو في يد الغاصب تأييد عملي له.

(2) لحرمة التصرف في مال الغير من دون اذنه و رضاه و عدم تحقق السيرة على تصرف الغاصب فيما غصبه بالتوضؤ أو الصلاة.

(3) لعين ما قدمناه في التعليقة المتقدمة.

388

و ضيوفه، و كل من يتصرف فيها بتبعيته، و كذلك الأراضي الوسيعة (1) يجوز التوضؤ فيها كغيره من بعض التصرفات، كالجلوس و النوم و نحوهما ما لم ينه المالك (2) و لم يعلم كراهته، بل مع الظن (3) أيضا الأحوط الترك، و لكن في بعض أقسامها يمكن ان يقال ليس للمالك النهي أيضا.

(مسألة 8): الحياض الواقعة في المساجد و المدارس إذا لم يعلم كيفية وقفها من اختصاصها بمن يصلي فيها أو الطلاب الساكنين فيها، أو عدم اختصاصها لا يجوز لغيرهم التوضؤ منها (4) الا مع جريان العادة بوضوء كل من يريد مع عدم منع أحد فإن ذلك يكشف عن عموم الاذن.

____________

(1) لقيام السيرة على التصرف فيها بمثل الصلاة و الاستراحة عليها كما تقدم.

(2) لعدم قيام السيرة على جواز التصرف في الأنهار الكبار و الأراضي المتسعة عند نهي المالك عن التصرف في ماله و لا أقل من الشك في ذلك و هو كاف في الحكم بحرمة التصرف و عدم الجواز.

(3) لا لاعتبار الظن و حجيته بل لايراثه الشك في تحقق السيرة كما مر.

حكم التوضؤ من حياض المساجد و نحوها:

(4) قد تعرضنا لتفصيل هذه المسألة في التكلم على أحكام التخلي عند تعرض الماتن للتخلي في أرض الغير و ذكرنا هناك ان عموم الوقف و خصوصه انما يتبعان جعله على وجه العموم أو الخصوص حال الوقف و إنشائه.

فإذا شككنا في ذلك فمقتضى أصالة عدم جعله و لحاظه على وجه

389

و كذا الحال في غير المساجد و المدارس كالخانات و نحوها.

(مسألة 9): إذا شق نهر أو قناة من غير اذن مالكه لا يجوز الوضوء بالماء الذي في الشق (1) و ان كان المكان مباحا أو مملوكا له.

بل يشكل (2) إذا أخذ الماء من ذلك الشق و توضأ في مكان آخر و ان كان له أن يأخذ من أصل النهر أو القناة.

(مسألة 10): إذا غير مجرى نهر من غير اذن مالكه، و ان لم يغصب الماء ففي بقاء حق الاستعمال الذي كان سابقا من الوضوء و الشرب من ذلك الماء لغير الغاصب اشكال.

و ان كان لا يبعد (3) بقاء هذا بالنسبة إلى مكان التغيير، و اما ما قبله

____________

العموم عدم جواز تصرف غير المخصوصين من سكنة المدارس أو المصلين في المسجد و نحوهما فلا يجوز التصرف فيه لمن شك في اندراجه في الموقوف عليهم أو المباح لهم و لا يعارضها أصالة عدم جعله على وجه الخصوص و ذلك لأنها مما لا أثر شرعي له في المقام فإن الأثر أعني حرمة التصرف لغير المخصوصين مترتب على عدم جعله على وجه العموم و عدم لحاظه ذلك حين الوقف و لم يترتب على جعله على وجه الخصوص.

(1) لعدم جريان السيرة وقتئذ على التصرف في الماء بالتوضؤ.

(2) لعين ما قدمناه من عدم إحراز قيام السيرة على التصرف عند عدم كون الماء تحت يد المالك.

إذا غير المجرى من دون اذن المالك:

(3) كما إذا كان مجرى الماء على وجه الدائرة فغيره و جعله على وجه الخط المستقيم لغرض له في ذلك من دون أن يكون الماء تحت يد الغاصب

390

و ما بعده فلا إشكال.

(مسألة 11): إذا علم أن حوض المسجد وقف على المصلين فيه (1) لا يجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر و لو توضأ بقصد الصلاة فيه ثم بدا له أن يصلي في مكان آخر أو لم يتمكن من ذلك فالظاهر عدم بطلان وضوئه.

____________

و لا ان يكون المكان و المجرى مغصوبا كما إذا كان برضى مالك المجرى أو كان مملوكا لمالك الماء، و حيث ان المتيقن من موارد السيرة هو ما إذا كان الماء في المجرى الأولى و نشك في قيامها مع التغيير فلا بد من الحكم بحرمة التصرف في الماء بالتوضؤ أو الاغتسال و نحوهما من جهة الأدلة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير من غير إحراز المخصص لها و هو السيرة كما مر.

إذا كان حوض المسجد وقفا على المصلين فيه:

(1) و حيث ان الصلاة متأخرة عن الوضوء فتكون حرمة التوضؤ- من الماء الموقوف على المصلين في المسجد بالإضافة الى من لا يصلي فيه- مشروطة بالشرط المتأخر و هو عدم الصلاة في المسجد بعد الوضوء و هذا من أحد موارد الشرط المتأخر في الأحكام الشرعية.

فإذا توضأ منه ثم ترك الصلاة فيه استكشف من تركه ان الوضوء كان محرما في حقه لأنه خارج عن الموقوف عليهم و هو من صلى في المسجد بعد الوضوء على الفرض.

ثم ان حال هذه الحرمة لا تخلو عن أحد أوجه ثلاثة لأنها اما ان تكون فعلية متنجزة، و أما أن تكون فعلية غير متنجزة، و اما ان لا تكون

391

بل هو معلوم في الصورة الثانية، كما انه يصح لو توضأ غفلة أو باعتقاد عدم الاشتراط، و لا يجب عليه أن يصلي فيه و ان كان أحوط بل لا يترك في صورة التوضؤ بقصد الصلاة فيه و التمكن منها،

____________

فعلية و لا متنجزة بل كان هناك مجرد إنشاء الحرمة.

أما الصورة الاولى أعني ما إذا كانت حرمة الوضوء من الماء فعلية متنجزة كما إذا كان المكلف عالما بالاختصاص و ان الماء موقوف على خصوص من صلى في المسجد بعد الوضوء و كان قاصدا عدم الصلاة فيه بعد الوضوء فإن الحرمة متنجزة حينئذ لعلم المكلف بها و تعمده فلا إشكال في حرمة التوضؤ و بطلانه حينئذ.

لأنه لا يتمشى منه قصد القربة مع العلم بالحرمة و عدم كونه من الموقوف عليهم حتى لو عدل عن قصده بعد الوضوء و بني على الصلاة في ذلك المسجد لم يكن قصده ذلك و عمله المتأخران عن التوضؤ الباطل مصححين له لان الوضوء بعد ما وقع باطلا لعدم تمشي قصد القربة حال العمل لا ينقلب عما وقع عليه بقصد المتوضي الصلاة في المسجد و هذا ظاهر.

و أما الصورة الثانية أعني ما إذا كانت حرمة التوضؤ فعلية من غير أن تكون متنجزة في حق المكلف كما إذا توضأ بذلك الماء قاصدا به الصلاة في المسجد الا انه لم يكن في علم اللّٰه سبحانه ممن يصلي في المسجد بعد الوضوء و لم يكن من جملة الموقوف عليهم.

لانه وقتئذ و ان كان معذورا في تصرفه في الماء بقصده الصلاة في المسجد بعد الوضوء الا انه بحسب الواقع كان محرما في حقه فان تركه الصلاة في المسجد بعد الوضوء يكشف عن عدم كونه مندرجا في الموقوف عليهم و المفروض ان التصرف في الماء محرم لغيرهم.

فالحكم في هذه الصورة يبتنى على ما قدمناه في التوضؤ بالماء المغصوب جاهلا

392

..........

____________

بالحال من ان الحرمة و المبغوضية الواقعيتين هل يقتضيان بطلان العمل لاستحالة كون المحرم مصداقا للواجب أو ان الحرمة من الموانع الذكرية و مع الجهل بها لا مقتضى للبطلان و قد عرفت ان الأول هو الحق.

و بناء على ذلك لا مناص من الحكم ببطلان الوضوء في مفروض الكلام للمبغوضية و الحرمة الواقعيتين و استحالة كون المحرم مصداقا للواجب على تفصيل قد عرفت و حيث ان الماتن كغيره ممن لا يرى الحرمة الواقعية مبطلة للعمل ما دام غير متنجز على المكلف.

فقد ذهب في المتن إلى صحة التوضؤ في مفروض المسألة في هذه الصورة.

و من هذا القبيل ما إذا توضأ بماء المسجد قاصدا به الصلاة فيه الا انه احتمل عدم تمكنه من ذلك كما إذا كان باب المسجد ينسد في وقت معين و احتمل المكلف اقتراب وقت الانسداد و لكنه عمد الى الوضوء بحجة معتبرة قائمة على تمكنه من الصلاة في المسجد من استصحاب أو امارة و كان في الواقع و علم اللّٰه سبحانه لا يتمكن من الصلاة فيه و كان خارجا عن الموقوف عليهم واقعا، لان عدم تمكنه من ذلك بعد الوضوء يكشف عن عدم كونه من الموقوف عليهم لا محالة و ان التصرف في ذلك الماء كان محرما في حقه واقعا و ان كان معذورا في تصرفه في الماء بالوضوء.

و أما الصورة الثالثة أعني ما إذا لم تكن حرمة التصرف فعلية و لا متنجزة في حق المكلف بل انما كان هناك إنشاء الحرمة فحسب.

كما إذا توضأ بماء الحوض في المسجد معتقدا تمكنه من الصلاة في المسجد بعد الوضوء أو غافلا عن ان الوقف مخصوص بالمصلين في المسجد و لم يكن بحسب الواقع متمكنا من الصلاة في المسجد و الماء موقوف على خصوصهم.

393

..........

____________

فإن حرمة التصرف فيه ساقطة واقعا حيث لا معنى لفعلية الحرمة مع الغفلة أو الاعتقاد بالتمكن من الصلاة لعدم كونها قابلة للامتثال في حقيهما و لو على وجه الاحتياط لأن الغافل و الجاهل المركب غير متمكنين من الاحتياط و مع عدم قابلية الحكم للامتثال لا معنى لفعليته.

فالصحيح حينئذ هو الحكم بصحة وضوئه لتمشي قصد التقرب منه و عدم حرمة الفعل و مبغوضيته واقعا و مع انتفاء الحرمة لا وجه للبطلان نعم يبقى الكلام حينئذ في أنه إذا التفت الى خصوصية الوقف بعد الوضوء أو علم بخطإ اعتقاده ثم عرض له التمكن بعد ذلك فهل يجب عليه أن يصلي في ذلك المسجد حتى يندرج بذلك في عنوان الموقوف عليهم؟

ذكر في المتن انه هو الأحوط بل لا يترك في صورة التوضؤ بقصد الصلاة فيه و التمكن منها. و لا ترى نحن وجها صحيحا لإيجاب الصلاة عليه في المسجد في مفروض الكلام و ذلك لان ما يوجب بطلان الوضوء انما هو أحد أمرين إما الحرمة المتنجزة و إما الحرمة الواقعية على الخلاف فيها بيننا و بين الأصحاب (قدهم). و لا تحقق لشيء منهما في المقام و معه يقع الوضوء محكوما بالصحة- لا محالة- فلا وجه للحكم بوجوب الصلاة في ذلك المسجد، لان الوضوء من حوض المسجد قد حكم بصحته سواء اندرج المتوضي في الموقوف عليهم أم لم يندرج فله أن يصلي في أي مكان شاءه.

تنبيه:

و هو أن صحة الوضوء في الصورة الثالثة من جهة عدم فعلية الحرمة في حق المكلف لا تستلزم الحكم بعدم ضمانه الماء فيما إذا كانت للماء الذي توضأ به مالية لدى العرف كما إذا توضأ خارج الحوض و صرف مقدارا له مالية عند العقلاء و ذلك لأنه إتلاف لمال الموقوف عليهم فيوجب الضمان

394

(مسألة 12): إذا كان الماء في الحوض و أرضه و أطرافه مباحا لكن في بعض أطرافه نصب آجر أو حجر غصبي يشكل الوضوء منه (1) مثل الآنية إذا كان طرف منها غصبيا

____________

و ان قلنا بصحة وضوئه.

و على الجملة لا ملازمة بين الحكمين بوجه فربما نحكم بصحة وضوئه و ضمانه كما في المثال.

و قد نحكم بصحة وضوئه من دون ان نحكم بالضمان كما إذا توضأ غفلة من الماء في الحوض من دون أن يصبه على الأرض بحيث لم يتلف من الماء إلا بمقدار الرطوبة الباقية على أعضائه و هي مما لا مالية له، و ثالثة نحكم بالضمان و لا نحكم بصحة الوضوء كما إذا توضأ من الماء في إحدى الصورتين الأوليتين و صرف من الماء مقدارا له ماليته عند العقلاء.

إذا كان بعض أطراف الحوض مغصوبا:

(1) الحكم بالبطلان في مفروض المسألة يبتني على أن يعد التوضؤ من الحوض أو الإناء تصرفا في ذلك الآجر المغصوب أو الطرف الغصبي منه سواء كان على نحو الإشاعة كما في اغتصاب أحد الشريكين حصة شريكه من الحوض أو الإناء أم كان على نحو التعيين و الإفراز لأنه إذا عد من التصرف لدى العرف و كان الماء منحصرا بذلك الماء الموجود في الحوض أو الإناء وجب عليه التيمم لا محالة.

فلا أمر في حقه بالوضوء لفرض انه فاقد الماء فلا يقع وضوءه على وجه الصحة.

و أما إذا لم يعد تصرفا عرفيا فيهما أوعد و لم يكن الماء منحصرا بالماء

395

(مسألة 13): الوضوء في المكان المباح مع كون فضائه غصبيا مشكل بل لا يصح لان حركات يده تصرف في مال الغير (1).

____________

الموجود فيهما فالتحقيق صحة وضوئه كما أسلفناه في التوضؤ من الإناء المغصوب لأنه مأمور بالوضوء وقتئذ و الماء مباح له و انما المحرم مقدمة وضوئه أعني التصرف في ذلك الحوض أو الإناء بأخذ الماء منه و قد تقدم غير مرة ان حرمة المقدمة لا تسرى إلى ذي المقدمة هذا.

بل ذكرنا في الكلام على أواني الفضة و الذهب أنه يمكن ان يحكم بصحة الوضوء حتى في صورة انحصار الماء به و ذلك بالترتب لأنه حينئذ إذا أراد أن يمتثل الوظيفة المقررة في حقه شرعا من غير عصيان يتيمم و يصلي.

و أما إذا عصى و أخذ الماء من ذلك الإناء أو الحوض فهو متمكن من التوضؤ على وجه التدريج و هذا كاف في الحكم بصحة الوضوء بالترتب.

إذا كان الفضاء غصبيا:

(1) لا إشكال في ان حركة اليد تصرف في الفضاء و قد فرضنا أنه للغير فهو محكوم بالحرمة لا محالة غير ان حرمته لا تستلزم الحكم ببطلان الوضوء لأن حركات يده مقدمة للوضوء أو الاغتسال المأمور به أعني وصول الماء إلى بشرته.

و قد ذكرنا غير مرة ان حرمة المقدمة لا تسري إلى ذي المقدمة فهو و ان كان يصدر عنه أمران منضمان أحدهما التحريك و الآخر الاغتسال و إيصال الماء إلى البشرة أحدهما محرم و الآخر مأمور به الا ان الحكم لا يسري من أحدهما إلى الآخر كما مر.

396

(مسألة 14): إذا كان الوضوء مستلزما (1) لتحريك شيء مغصوب فهو باطل (2).

____________

و كذلك الحال في مسح الرجلين لانه و ان كان موجبا للتصرف في الفضاء لاشتماله على إمرار اليد على الرجلين و هو من التصرف في الفضاء لا محالة إلا ان الإمرار خارج عن حقيقة المسح المأمور به لأنه في لغة العرب هو المس و لا فرق بينهما إلا في التدرج فان المسح هو المس التدريجي.

و من هنا قلنا ان مجرد وضع اليد على الرجلين غير كاف في تحقق المسح المأمور به بل لا بد من مسها عليهما و لكن المس أمر و الإمرار أمر آخر.

نعم لا يتحقق المس إلا بالإمرار فهو مما لا يتحقق الواجب الا به لا أنه من أحد أجزاء الواجب و المأمور به إذا حرمة الإمرار و الحركة لا تسري إلى الوضوء أعني الغسل و المسح.

نعم لو تمكن من التيمم في الفضاء المباح تعين عليه التيمم لأنه فاقد للماء حيث ان الوضوء في حقه مشتمل على أمر حرام من جهة مقدمته و الشارع لا يأمر بالحرام الا انه إذا عصى ذلك التكليف و ارتكب الحرام فقد صار واجدا للماء و متمكنا من الوضوء فلو توضأ وقع وضوئه صحيحا لا محالة.

استلزام الوضوء تحريك المغصوب:

(1) بأن كان بينهما مجرد التلازم الخارجي من دون أن يكون الوضوء متوقفا عليه كما إذا كان الحرام مقدمة للوضوء و مثاله ما إذا كان وضوئه أعني الغسلتين و المسحتين مستلزما لتحريك ما بيده و بدنه من الثوب المغصوب.

(2) قد عرفت عدم بطلان الوضوء فيما إذا كانت مقدمته محرمة

397

(مسألة 15): الوضوء تحت الخيمة المغصوبة ان عدّ تصرفا فيها كما في حال الحر و البرد المحتاج إليها باطل (1).

____________

فكيف ما إذا كانت مقدمته مباحة و لكن كان الملازم الخارجي له محكوما بالحرمة.

فإن الحكم بعدم بطلان الوضوء فيما إذا كان ما يتوقف عليه محرما يستلزم الحكم بعدم بطلانه فيما إذا كان ملازمه محرما- دون مقدمته- بطريق أولى حيث يصدر من المكلف أمران متلازمان و حرمة أحدهما لا تسري إلى الآخر كما مر.

الوضوء تحت الخيمة المغصوبة:

(1) و نظيرها ما إذا كان السقف غصبيا أو كان الحيطان أو الجص كذلك من دون حرمة المكان و الفضاء و الماء.

و قد فصل (قده) في هذه المسألة بين ما إذا عد التوضؤ تحت الخيمة تصرفا عرفيا في الخيمة و ما إذا لم يكن معدودا من التصرف بالحكم بالبطلان في الصورة الأولى دون الثانية.

و لا كلام لنا في الشرطية بوجه و انه متى ما صدق على التوضؤ تحت الخيمة عنوان التصرف فيها كان الوضوء باطلا.

و انما الكلام في أنه متى يصدق على التوضؤ تحت الخيمة المغصوبة عنوان التصرف فيها و انه كيف يكون الوضوء تصرفا في الخيمة أو السقف نعم الانتفاع بالخيمة أمر صحيح حيث انتفع بظلها أو بغير الظل من فوائد الخيمة و اما انه تصرف فيها فلا ترى له وجها محصلا.

نعم إذا استولى على خيمة الغير و كانت الخيمة ذات منفعة و مالية

398

(مسألة 16): إذا تعدى الماء المباح من المكان المغصوب الى المكان المباح لا إشكال في جواز الوضوء منه (1).

(مسألة 17): إذا اجتمع ماء مباح كالجاري من المطر في ملك

____________

كما في أيام الحر في الأماكن الحارة- مثلا- استلزم ذلك ضمان الخيمة و ضمان جميع منافعها الفائتة ما دامت تحت يد الغاصب أي ما دام مستوليا عليها سواء استوفاها أم لم يستوفها الا انه أمر آخر إذ الكلام فيما إذا توضأ تحت الخيمة من غير الاستيلاء عليها خارجا و قد سلمنا أن التوضؤ تحتها قد يكون انتفاعا منها.

الا ان ذلك لا يصحح أن يكون الوضوء تصرفا في الخيمة أو السقف بوجه و من هنا يظهر أنه إذا اغتصب خيمة غيره- كما في العرفات مثلا- و علم غيره أنها مغصوبة جاز له أن يتوضأ تحتها.

لما عرفت من عدم كون ذلك تصرفا في الخيمة و لا انه مأمور برد الخيمة إلى مالكها لعدم اغتصابه لها على الفرض و لا سيما فيما إذا لم يكن المتصرف تحت الخيمة أعني المستولي عليها عالما بكونها مغصوبة أو فرضنا غفلتها عن ذلك.

(1) لبداهة ان دخول الماء على أرض مغصوبة لا يوجب حرمة التوضؤ به في غيرها من الأراضي المباحة كما لا يستلزم بطلانه و إلا للزم الحكم ببطلان الوضوء من الماء القليل الذي أخذه مالكه في ظرفه و أدخله مكانا غصبيا ثم أخرجه عنه مع انه مما لا يمكن الالتزام به و المسألة ظاهرة و انما تعرض لها الماتن (قده) طردا للباب.

399

الغير، ان قصد المالك تملكه كان له (1)،

هل القصد الساذج يكفي في الحيازة:

____________

(1) هل القصد المجرد يكفي في الحكم بصيرورة المباح الأصلي ملكا لمالك الأرض أو أنه غير كاف في صدق الحيازة و التملك؟ فيه وجهان الظاهر كفاية ذلك في التملك.

و ذلك لما ورد من أن من استولى على شيء فهو له [1] حيث ان الاستيلاء بعد دخول ذلك المباح في ملكه انما يتحقق بمجرد قصد التملك و الحيازة لانه بقصده ذلك يكون مستوليا عليه و هذه الرواية و ما هو بمضمونها و ان كانت ضعافا- على ما نستعهده- إلا انه يكفينا في ذلك السيرة العقلائية حيث ان بناءهم على عدم مزاحمة من قصد التملك و الحيازة لما دخل في ملكه من المباحات الأصلية فلا يرون مزاحمته بالأخذ منه بل يرونه أحق بذلك و أولى.

- مثلا- إذا اجتمع ماء المطر في حوض أحد و قصد مالك الحوض تملكه له فلا يرون العقلاء أخذ ذلك الماء منه فليس لمن طريقه الى بيته من ذلك المكان الذي فيه الحوض أو ان له حق المرور منها إلى داره للتصرف في ذلك الماء من دون اذن مالك الحوض.

و من هذا القبيل الصيد أو النبات الداخل على بستان أحد أو غيرهما من المباحات الأصلية.

____________

[1] الذي عثرنا عليه من ذلك هو ما ورد في ذيل ما رواه يونس ابن يعقوب من قوله (ع) و من استولى على شيء منه فهو له. المروية في باب 8 من أبواب ميراث الأزواج من الوسائل.

400

و إلا كان باقيا على إباحته (1).

فلو أخذه غيره و تملكه ملك الا انه عصى من حيث التصرف في ملك الغير، و كذا الحال في غير الماء من المباحات مثل الصيد و ما أطارته الريح من النباتات.

(مسألة 18): إذا دخل لمكان الغصبي غفلة و في حال الخروج توضأ بحيث لا ينافي فوريته، فالظاهر صحته لعدم حرمته (2) حينئذ.

____________

(1) لوضوح انه إذا لم يقصد المالك تملكه لم يكن مجرد دخوله في أرضه و بستانه مخرجا له عن الإباحة بلا كلام فيجوز لغيره أن يأخذه و يتملكه كما إذا دخل صيد دار أحد و لم يتمكن من الخروج عنها و لم يلتفت مالك الدار الى ذلك فلم يقصد تملكه فان للغير ان يأخذه و يتملكه و ان كان دخوله في دار الغير تصرفا حراما فيما إذا لم يكن مأذونا من قبل مالك الدار.

التوضؤ عند الخروج عن المغصوب:

(2) الخروج عن المكان المغصوب في مفروض المسألة و ان لم يكن حراما للاضطرار اليه من دون استناده الى سوء الاختيار الا ان الحكم بصحة الوضوء وقتئذ- بناء على اعتبار الإباحة في مصب ماء الوضوء في نهاية الاعتضال.

و ذلك لأن ما كان المكلف مضطرا اليه انما هو المشي في الأرض و التصرف في الفضاء و قد ارتفعت عنهما الحرمة بالاضطرار و أما صب ماء الوضوء على الأرض فهو ليس بمورد الاضطرار فلا محالة تبقى على حرمته

401

و كذا إذا دخل عصيانا ثم تاب و خرج بقصد التخلص من الغصب (1) و ان لم يتب و لم يكن بقصد التخلص ففي صحة وضوئه حال الخروج إشكال

____________

فإذا اشترطنا في صحة الوضوء إباحة المصب كما عليه الماتن (قده) فلا محالة يقع الوضوء باطلا لاستلزامه التصرف في مال الغير من دون اذنه اللهم إلا ان يتوضأ على نحو لا يصب ماءه على الأرض.

التوضؤ عند الخروج بلا قصد التخلص:

(1) تبتنى هذه المسألة على ما أسلفناه في بحث الاجتماع عند الكلام على مسألة من توسط أرضا مغصوبة بسوء الاختيار فان قلنا في تلك المسألة بما قررناه هناك من ان التوبة إنما ترفع العقاب عما ارتكبه التائب من المعاصي قبل توبته أعني العقاب في دخوله أرض الغير من دون رضائه.

و لا أثر للتوبة بالنسبة الى ما ارتكبه حال التوبة أعني به الخروج عن الدار المغصوبة.

و حيث انه باق على مبغوضيته و عقوبته من جهة النهي السابق عليه فلا محالة يقع الوضوء حال الخروج المبغوض المترتب عليه العقاب باطلا فان الاضطرار انما يرفع النهي عنه حال الخروج كما فيمن القى نفسه من الشاهق الا أنه منهي عنه بالنهي المتقدم على الاضطرار و مع كون الدخول فيها بسوء الاختيار يقع الخروج عنها مبغوضا و معاقبا عليه.

و على الجملة حال الخروج- على هذا- حال الدخول فان كان صادرا على وجه الإباحة فخروجه أيضا مباح كما انه إذا كان صادرا على الوجه الحرام كان الخروج عنها أيضا كذلك

402

(مسألة 19): إذا وقع قليل من الماء المغصوب في حوض مباح فإن أمكن رده الى مالكه و كان قابلا لذلك لم يجز التصرف في ذلك الحوض (1) و ان لم يمكن رده يمكن أن يقال بجواز التصرف فيه، لأن المغصوب محسوب تالفا، لكنه مشكل من دون رضا مالكه.

____________

و أما إذا بنينا على ما ربما يظهر من شيخنا الأنصاري (قده) من عدم حرمة الخروج في مفروض المسألة لمكان أنه مقدمة للتخلص عن الحرام و هو أمر واجب لا محالة و مقدمة الواجب اما واجبة عقلا فقط أو انها واجبة بحسب العقل و الشرع لأن التخلص الواجب متوقف عليه و الشارع لا يأمر بالحرام فلا محالة يقع الخروج على الوجه المباح و يصح التوضؤ حينئذ فيما إذا لم يستلزم صب ماء الوضوء على الأرض و لا يفرق على ذلك بين توبته و قصد التخلص الملازم معها أي التوبة و التندم أم لم ينوها.

إذا وقع قليل من الماء المغصوب في حوض مباح:

(1) الظاهر ان نظره (قده) الى ان القليل من الماء المغصوب بعد ما وقع في الماء المباح و امتزج معه قد يمكن رده الى مالكه و لو برد جميع الماء الممتزج بحيث لو رد اليه جميعه صدق انه رده الى مالكه.

و حينئذ يتخير مالك الماء المغصوب بين الشركة مع مالك الماء المباح و بين أن يأخذ قيمته و يسلم المجموع الى شريكه.

و هذا كما إذا كان الماء ان من سنخ واحد بأن كان كلاهما من المياه المعدة للشرب أو المعدة للغسل و ازالة الأقذار أو كان كلاهما حلوا أو مرا الى غير ذلك من الخصوصيات.

و أخرى لا يكون الماء المغصوب ممكن الرد الى مالكه بعد الامتزاج