التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الغروي المزيد...
499 /
403

(الشرط الخامس): أن لا يكون ظرف ماء الوضوء من أواني الذهب أو الفضة (1) و الا بطل سواء اغترف منه أو إدارة على أعضائه و سواء انحصر فيه أم لا، و مع الانحصار يجب أن يفرغ ماءه في ظرف آخر و يتوضأ به و ان لم يمكن التفريغ الا بالتوضؤ يجوز ذلك حيث ان التفريغ واجب و لو توضأ منه جهلا أو نسيانا أو غفلة صح كما في الآنية الغصبية

____________

مع الماء المباح و لو برد المجموع اليه لعد ذلك ماء مغايرا مع الماء المغصوب و مباينا معه و هذا كما إذا كان الماء ان سنخين متغايرين كما إذا كان أحدهما معدا للشرب و الآخر معدا لإزالة القذارات أو كان أحدهما حلوا و الآخر مرا.

كما إذا وقع مقدار من الماء المغصوب الحلو في خزان ماء الحمام لأنه حينئذ غير قابل للرد الى مالكه و لو برد مجموع ماء الخزان.

ففي الصورة الاولى لا يجوز التوضؤ من الماء الممتزج لاشتماله على ماء الغير و الوضوء بماء الغير غير صحيح و أما في الصورة الثانية فلا مانع من التوضؤ من الماء الممتزج من جهة ان الماء الواقع فيه غير موجود وقتئذ فإنه يعد تالفا لدى العرف و ينتقل الأمر معه الى البدل من المثل أو القيمة من دون أن يكون لمالك الماء حق في الماء الممتزج و ما أفاده (قده) هو المتين

الشرط الخامس: أن لا يكون ظرف ماء الوضوء من أواني الذهب أو الفضة

(1) قد أسلفنا تفصيل الكلام في هذه المسألة عند الكلام على أواني الذهب و الفضة و انما نتعرض في المقام الى ما لم نتعرض له هناك و هو ما أشار إليه بقوله: و ان لم يمكن التفريغ الا بالتوضؤ يجوز ذلك ..

404

و المشكوك كونه منهما يجوز التوضؤ منه (1) كما يجوز سائر استعمالاته.

إذا لم يمكن التفريغ الا بالتوضؤ:

____________

(1) ذكر (قده) ان الماء إذا كان منحصرا بما في إحدى الإناءين وجب تفريغه في ظرف آخر مقدمة للوضوء الواجب و اما إذا لم يمكن تفريغهما الا بالتوضؤ منهما فقد ذكر في بحث أواني النقدين ان الوجوب يرتفع عن الغسل أو الوضوء و يجب التيمم في حق المكلف.

و ذكر في المقام ان التوضؤ منهما حينئذ أمر جائز لأن التفريغ واجب كما عرفت فلو توضأ منهما بقصد التفريغ لوقع وضوئه أو غسله سائغا لا محالة.

و هذا الذي ذكره في المقام مناقض صريح لما قدمنا نقله عنه (قده) في الكلام على أواني النقدين و الصحيح هو الذي ذكره هناك.

و الوجه في ذلك ان تفريغ ماء الإناءين و ان لم يكن محرما لعدم كونه استعمالا لهما فيما إذا لم يكونا من الأواني المعدة للتفريغ (كالسماور) و (القوري) و نحوهما لوضوح ان التفريغ في مثلهما استعمال لهما فيما أعدا له.

و أما إذا لم يكونا مما أعد للتفريغ فلا بأس بتفريغهما بل هو أمر واجب عند الانحصار لأنه مقدمة للواجب و هي واجبة إما عقلا فحسب و اما عقلا و شرعا فلا يقع التفريغ محرما لا محالة الا ان التوضؤ منهما استعمال لهما يقينا و قصد كون ذلك تفريعا لهما لا يغير الفعل عن حقيقته فكيف يكون قصد التفريغ مانعا عن كون الفعل استعمالا لهما.

فالصحيح ان الوضوء يسقط وقتئذ عن الوجوب و ينتقل الأمر إلى بدله و هو التيمم.

405

(مسألة 20): إذا توضأ من إنية باعتقاد غصبيتها، أو كونها من الذهب أو الفضة، ثم تبين عدم كونها كذلك ففي صحة الوضوء اشكال (1) و لا يبعد الصحة إذا حصل منه قصد القربة.

التوضؤ من إناء باعتقاد الغصبية و انكشاف الخلاف:

____________

(1) قد فصل (قده) بين صورتي حصول قصد القربة من المكلف و عدمه و حكم بالصحة في الأولى دون الثانية و ما أفاده هو الصحيح.

و توضيح ما أفاده (قده): ان المعتقد بغصبية الإناء أو بكونه من من النقدين قد لا يعلم حرمة التصرف في المغصوب أو حرمة استعمال الأواني المصوغة من الذهب و الفضة و لو عن تقصير منه في التعلم كما يتفق ذلك في كثير من العوام أو انه يعلم بحرمة التصرف أو الاستعمال غير انه يعتقد عدم انطباق التصرف و الاستعمال على التوضؤ من الإناء بدعوى ان التصرف و الاستعمال انما يتحققان بأخذ الماء من الإناء.

و أما التوضؤ أو الاغتسال بعد ذلك فهو أمر أجنبي عن التصرف و الاستعمال رأسا ففي هاتين الصورتين لا إشكال في تمشي قصد التقرب من المكلف في الوضوء و حيث انه بحسب الواقع أمر مباح فلا محالة يحكم بصحته لتمشي قصد التقرب و إباحة الماء و الإناء.

و أخرى يعلم المعتقد بمغصوبية الإناء أو بكونه من النقدين حرمة التصرف في المغصوب أو استعمال أواني النقدين و يعتقد أيضا بانطباق التصرف و الاستعمال على نفس الوضوء.

و لا يتمشى منه قصد التقرب في هذه الصورة بوجه لعلمه بحرمة

406

(الشرط السادس): أن لا يكون ماء الوضوء مستعملا في رفع الخبث (1) و لو كان طاهرا مثل ماء الاستنجاء مع الشرائط المتقدمة، و لا فرق بين الوضوء الواجب و المستحب على الأقوى، حتى مثل وضوء الحائض.

و اما المستعمل في رفع الحدث الأصغر فلا إشكال في جواز التوضؤ منه، و الأقوى جوازه من المستعمل في رفع الحدث الأكبر، و ان كان الأحوط تركه مع وجود ماء آخر و اما المستعمل في الأغسال المندوبة فلا اشكال فيه أيضا، و المراد من المستعمل في رفع الأكبر هو الماء الجاري على البدن للاغتسال إذا اجتمع في مكان.

____________

التوضؤ كما مر و لا يعقل معه التمكن من قصد التقرب أبدا الا على وجه التصور و الخيال لا الواقع و الحقيقة.

اشتراط ان لا يكون الماء مستعملا في رفع الخبث:

(1) قد اشترطوا في صحة الوضوء أن لا يكون الماء المستعمل فيه مستعملا في رفع الخبث و لو مع الحكم بطهارته كما في ماء الاستنجاء أو الغسالة المتعقبة بطهارة المحل أو مطلقا بناء على طهارة الغسالة على نحو الإطلاق.

و أيضا اشترطوا ان لا يكون الماء المستعمل فيه مستعملا في رفع الحدث الأكبر و اما المستعمل في رفع الحدث الأصغر فلا مانع من ان يستعمل في رفع الحدث الأصغر ثانيا و ثالثا و هكذا و تفصيل الكلام في هذه المسألة و جميع فروعها قد أسلفناه عند التكلم على مطهرية المياه فليراجع.

407

و أما ما ينصب من اليد أو الظرف حين الاغتراف أو حين إرادة الاجراء على البدن من دون أن يصل الى البدن فليس من المستعمل. و كذا ما يبقى في الإناء. و كذا القطرات الواقعة في الإناء و لو من البدن، و لو توضأ من المستعمل في الخبث جهلا أو نسيانا بطل، و لو توضأ من المستعمل في رفع الأكبر احتاط بالإعادة.

(السابع): أن لا يكون مانع من استعمال الماء من مرض أو خوف أو عطش أو نحو ذلك: و إلا فهو مأمور بالتيمم و لو توضأ و الحال هذه بطل (1) و لو كان جاهلا بالضرر صح، و ان كان متحققا في الواقع و الأحوط الإعادة أو التيمم.

اشتراط ان لا يكون هناك مانع من استعمال الماء:

____________

(1) قد يستند الحكم بجواز التيمم الى النص الشرعي كما في موارد الخوف على النفس من العطش أو المرض أو اشتداده و نحوها حيث ورد الأمر بالتيمم وقتئذ في صحيحة الحلبي (1) و غيرها مما يأتي في مبحث التيمم ان شاء اللّٰه و يكون ذلك النص تخصيصا شرعيا فيما دل على وجوب التوضؤ على واجد الماء لان المفروض ان المكلف متمكن من استعمال الماء عقلا و شرعا فأمره بالتيمم- و الحال هذه- تخصيص في تلك الأدلة لا محالة.

و معه إذا أقدم المكلف على الوضوء و ترك التيمم فمقتضى القاعدة هو الحكم ببطلان وضوئه لعدم الأمر به بل قد عرفت ان مقتضى إطلاق دليل التخصيص تعين التيمم في حقه و كونه واجبا تعينيا لا تخيريا، و كفاية الطهارة المائية عن الطهارة الترابية يحتاج الى دليل و هو مفقود على الفرض.

____________

(1) راجع ب 25 من أبواب التيمم من الوسائل.

408

..........

____________

بلا فرق في ذلك بين موارد حرمة استعمال الماء في الوضوء كما إذا فرضنا ان استعمال الماء موجب لاشتداد المرض و موارد عدم حرمته كما إذا خاف من العطش بعد ذلك.

فان استعمال الماء وقتئذ و ان كان مفوتا للواجب الا ان الاستعمال غير محرم شرعا و مع ذلك لو توضأ حينئذ حكمنا ببطلانه للنص الدال على تعين التيمم في حقه.

و قد يستند الحكم بجواز التيمم الى حكم العقل به كما في موارد المزاحمة بين وجوب الوضوء و واجب آخر أهم كإنقاذ الغريق و نحوه كما إذا كان عنده مقدار من الماء يكفي لوضوئه فحسب و وجبت عليه ازالة النجاسة عن المسجد و حيث ان الإزالة مما لا بدل له و الوضوء مما له البدل يتعين عليه صرف الماء في الإزالة و التيمم للصلاة.

و هذا لا من جهة دلالة الدليل الشرعي عليه بل من جهة استقلال العقل بقبح التكليف لما لا يطاق لعدم تمكن المكلف من امتثال كلا التكليفين و عدم إمكان الأمر بالضدين في زمان واحد.

ففي هذه الموارد إذ عصى المكلف للأمر بالتيمم و صرف الماء في الإزالة الواجبة- مثلا- فصرفه في الوضوء أمكننا الحكم بصحة وضوئه بالترتب و حيث ان المخصص للأمر بالوضوء عقلي و ليس دليلا شرعيا كي يتمسك بإطلاقه حتى في صورة عصيان الأمر بالأهم فلا مناص من الاكتفاء فيه بمقدار الضرورة.

كما هو الحال في موارد التخصيصات العقلية و هو صورة امتثال المكلف للأمر بالأهم فإنه وقتئذ غير مكلف بالوضوء جزما لاستلزامه التكليف بما لا يطاق و لأجل الفرار عن هذا المحذور رفعنا اليد عن إطلاق الأمر بالمهم- عند امتثال المكلف للأمر بالأهم- فان بهذا المقدار من تقييد

409

..........

____________

دليل المهم يرتفع المحذور العقلي من البين و معه لا موجب لرفع اليد عن أصله و أساسه فإذا فرضنا ان المكلف عصى للأمر بالأهم و المفروض بقاء الأمر بالمهم بحاله فلا مانع من التمسك بإطلاقه و الحكم بوجوب الوضوء عليه في محل الكلام لتمكنه منه بحسب العقل و الشرع فإذا أتى به وقع صحيحا و مأمورا به لا محالة.

نعم قد استشكل شيخنا الأستاذ (قدس سره) في جريان الترتب في الطهارات الشرعية مدعيا أن القدرة قد أخذت في موضوعها لقوله عز من قائل فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً .. لان التفصيل قاطع للشركة فيدلنا ذلك على ان الوضوء وظيفة واجد الماء كما ان التيمم وظيفة الفاقد و العاجز عنه.

و حيث ان المكلف في مفروض الكلام غير متمكن- شرعا- على صرف الماء في الوضوء لمكان مزاحمته مع الواجب الأهم فلا يكون الوضوء مشروعا في حقه لاختصاصه بالواجد و المتمكن منه كما عرفت و عصيان الأمر بالأهم لا يجعل العاصي متمكنا من الماء شرعا لوجوب صرف الماء في الإزالة- مثلا- و لا قدرة له في استعماله في الوضوء سواء امتثل التكليف بالأهم أم لم يمتثل.

و نحن أيضا قد بنينا على ذلك برهة من الزمان و قد عدلنا عنه أخيرا نظرا إلى ان القدرة المأخوذة في هذه الموارد أعني الوضوء و الحج و غيرهما انما هي القدرة بالمعنى اللغوي أعني المفهوم العرفي العام و هو التمكن من الشيء تكوينا و عدم الممنوعية عنه شرعا و ليس لها معنى شرعي آخر.

و حيث ان المكلف عند عصيانه الأمر بالأهم يتمكن من الإتيان بالمهم تكوينا كما لا ممنوعية له عنه شرعا فيتحقق الموضوع للأمر بالمهم في حقه و يشمله دليله. أما تمكنه من الوضوء في مفروض المسألة عقلا و بحسب التكوين فلأنه أمر ظاهر جلي إذ لا يتصور أي مانع عقلي أو تكويني من

410

..........

____________

استعماله الماء في الوضوء و اما تمكنه منه شرعا فلأجل عدم تعلق أي نهى على استعمال الماء في الوضوء و انما تعلق الأمر باستعماله في الإزالة فحسب و الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده.

نعم إذا كان استعماله الماء في الوضوء ممنوعا عنه بحسب الشرع كما في التوضؤ من الماء المغصوب انتقل فرضه الى التيمم و منع عن الوضوء لا محالة لعدم قدرته على التوضؤ شرعا.

و ثالثة يستند جواز التيمم إلى الأدلة العامة كقاعدتي نفي الحرج و الضرر من دون أن يستند الى دليل يخصه بحسب الشرع أو العقل كما كان كذلك في الصورتين الأوليتين و هذا كما في موارد كون الوضوء مستلزما للتضرر غير المنصوص عليه في الأخبار فهل يحكم بصحة الوضوء وقتئذ فيما إذا أقدم عليه عالما بكونه ضرريا في حقه أو حرجيا أو لا يحكم عليه بالصحة؟

قد فصل الماتن (قده) في مبحث التيمم في هذه المسألة بين الحرج و الضرر مدعيا ان هاتين القاعدتين انما تتكفلان نفي الإلزام و الوجوب و لا يتكفلان نفي المشروعية و الجواز فمن هنا يصح وضوئه في موارد الحرج.

و أما في موارد الضرر فحيث ان الإضرار محرم و هو ينطبق على الوضوء فلا محالة يتصف الوضوء بالحرمة فيبطل من هذه الناحية.

و لنا في ذلك كلام يأتي في مبحث التيمم ان شاء اللّٰه فلا نتعرض إلى ذلك في المقام تبعا للماتن حيث لم يتعرض له هنا بل نتعرض لما تعرض له (قده).

و هو ما إذا كان المكلف جاهلا بأن الوضوء يترتب عليه الضرر فأقدم عليه و ترتب عليه الضرر واقعا أعني الضرر غير المنصوص عليه في الاخبار كترتب ذهاب مال له عليه كما إذا اشتغل بالوضوء فسرق اللصوص أمواله

411

..........

____________

فهل يحكم بصحة وضوئه؟

حكم بصحته في المتن و احتاط بإعادته- إذا لم يترتب عليه الضرر- كما احتاط بالتيمم- فيما إذا استلزم الضرر- و قد تعرض الماتن (قده) لهذه المسألة بعينها في مبحث التيمم و جزم بالصحة هناك من غير أن يحتاط بشيء.

و الصحيح في المسألة التفصيل: و ذلك لأن الضرر المترتب على الوضوء قد لا يكون أمرا مبغوضا لدى الشرع و قد يكون مبغوضا شرعيا على نحو لا يرضى الشارع بتحققه في الخارج بوجه.

أما إذا لم يكن الضرر مبغوضا عند الشارع كما إذا ترتب على وضوئه سرقة مال له فلا مناص من الحكم بصحة الوضوء حينئذ و ذلك لأنه أمر مباح في الواقع على الفرض و لا يشمله حديث نفي الضرر لأنه قاعدة امتنانية و لا امتنان في الحكم ببطلان الوضوء الصادر عن الجاهل بترتب الضرر الغير المحرم عليه.

إذا فلا مانع من أن ينطبق المأمور به على الوضوء المأتي به في الخارج لانه مصداقه و محققه فيحكم بصحته، بل يمكن أن يقال ان في نفس الأخبار الواردة في التيمم اشعارا بصحة الوضوء عند الجهل بضرره فان الظاهر من تلك الروايات ان موضوع وجوب التيمم انما هو خوف الضرر و لكن لا على وجه الموضوعية بل على وجه الطريقية إلى الضرر الواقعي أعني به الضرر الواصل للمكلف و مع الجهل به و عدم خوفه منه لا يكون الضرر واصلا للمكلف فلا ينتقل فرضه الى التيمم فلا بد من الحكم بصحة وضوئه، و إذا كان الضرر المترتب على الوضوء محرما و مما لا يرضى الشارع بوجوده في الخارج كما إذا ترتب على الوضوء قتل النفس المحترمة أو ما يشاكل

412

(الثامن): أن يكون الوقت واسعا للوضوء و الصلاة، بحيث لم يلزم من التوضؤ وقوع صلاته و لو ركعة منها (1) خارج الوقت و إلا وجب التيمم إلا أن يكون التيمم أيضا كذلك بأن يكون زمانه بقدر زمان الوضوء أو أكثر إذ حينئذ يتعين الوضوء.

____________

ذلك مما لا يرضى به الشارع فلا بد من الحكم بالبطلان لان الوضوء وقتئذ محرم و كيف يعقل أن يكون المحرم مصداقا للواجب؟ و الجهل بحرمته لا يقلب الحرام إلى الجائز أو الوجوب.

و على الجملة ان المسألة من صغريات الكبرى المتقدمة في التوضؤ بالماء المغصوب جاهلا بمغصوبيته و قد مر ان الصحيح وقتئذ هو الحكم بالبطلان.

و أما ما ربما يتوهم من تصحيح ذلك بالملاك فيندفع بما ذكرناه غير مرة من ان دعوى وجود الملاك تخرص على الغيب إذ لا علم لنا بالملاك بعد سقوط الأمر و التكليف أنه على تقدير القول به فهو ملاك مندك في جنب الملاك الآخر أعنى ملاك الحرمة لأن المفروض حرمته و الملاك المندك مما لا يترتب عليه أي أثر.

اشتراط السعة في الوقت:

(1) من المحتمل القوي أن يكون قوله: و لو ركعة من باب المثال لوضوح انها مما لا خصوصية له بل لا يجوز إيقاع نصف جزء من أجزاء الصلاة أيضا في خارج الوقت لان مقتضى الأخبار الواردة في الوقت وجوب إيقاع الصلاة بأجمعها فيما بين المبدء و المنتهى فلا يجوز إيقاعها خارج الوقت و لو بجزء منها أو نصف جزء.

فإذا فرضنا أن التوضؤ يستلزم إيقاع شيء من الصلاة في خارج الوقت

413

..........

____________

دون التيمم فلا محالة ينتقل فرضه الى التيمم اللهم الا ان يكون التيمم أيضا كالوضوء من هذه الجهة فإن فرضه وقتئذ هو الوضوء أيضا.

ثم ان الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين:

«إحداهما»: هل ان ضيق الوقت من مسوغات التيمم في الشريعة المقدسة أو ان التيمم لا يسوغه ذلك؟ حيث لم يرد نص على مسوغية ضيق الوقت للتيمم بل قد حكى عن الشيخ حسين آل عصفور عدم مسوغية له لعدم دلالة الدليل عليه و ان الآية المباركة و الروايات انما تدلان على مشروعية التيمم لفاقد الماء فحسب و المفروض ان المكلف واجد للماء فكيف يشرع التيمم في حقه.

و هو ظاهر صاحب المدارك (قده) أيضا فيمن كان واجد للماء أولا فأهمل حتى ضاق الوقت بحيث لو توضأ لم يمكنه إيقاع الصلاة بتمامها في وقتها، حيث حكم عليه بوجوب التوضؤ و عدم مشروعية التيمم في حقه معللا بأن التيمم انما هو وظيفة فاقد الماء و المكلف في مفروض المسألة واجد للماء و لم يرد أي نص على ان ضيق الوقت من مسوغات التيمم و قد نسب ذلك إلى المعتبر أيضا. فإن هذه المسألة و ان كانت غير مسألتنا هذه لان المفروض فيها تمكن المكلف من الماء للصلاة الا انه أهمل حتى ضاق الوقت عن الصلاة و هي غير ما نحن فيه اعنى ما إذا كان الضيق ناشئا عن غير الاختيار الا ان تعليله يعم المقام أيضا.

و هذه المسألة لم يتعرضوا لها إلا في كلمات متأخر المتأخرين و ذكر في الحدائق ان الوجه في ذلك لعله وضوح المسألة عندهم و قد أورد على صاحب المدارك بأن ضيق الوقت من المسوغات إذ المدار في وجوب التيمم انما هو عجز المكلف و عدم تمكنه من استعمال الماء للطهارة و الصلاة.

و ما أفاده هو الصحيح و ضيق الوقت من مسوغات التيمم شرعا

414

..........

____________

و الوجه في ذلك ان التيمم انما لا يكون سائغا فيما إذا تمكن المكلف من استعمال الماء لوضوء الصلاة فكلما لم يتمكن المكلف من استعماله ساغ التيمم في حقه و لو كان متمكنا من استعمال الماء في غير الوضوء أو في غير وضوء الصلاة أعني الوضوء لأجل غير الصلاة كما إذا أذن له مالك الماء في التصرف في مائه في غير وضوء الصلاة فإن المكلف حينئذ و ان كان واجدا للماء لغير وضوء الصلاة غير ان فرضه هو التيمم دون الوضوء.

و ذلك لان كلا من الأمر بالوضوء و الأمر بالتيمم في الآية المباركة أمر غيري و مقدمة للصلاة فقد قال عز من قائل إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا .. إلى أن قال أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ .. فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (1).

و قد استفدنا من ذكر المريض في الآية المباركة ان المراد بالوجدان هو التمكن من استعمال الماء فإذا فرضنا ان المكلف يتمكن من استعماله لوضوء الصلاة إذا يجب عليه الوضوء فإذا لم يتمكن من استعماله لوضوء الصلاة ففرضه ينتقل الى التيمم و ان كان واجدا للماء بالوجدان و متمكنا من استعماله في غير وضوء الصلاة.

و حيث ان المفروض عدم تمكن المكلف من استعمال الماء لوضوء الصلاة عند ضيق الوقت فلا محالة يشرع في حقه التيمم كما أشرنا إليه.

هذا كله في هذه الجهة.

«الجهة الثانية»: انه بعد الفراغ في الجهة المتقدمة عن ان ضيق الوقت من مسوغات التيمم يقع الكلام في ان الوقت إذا ضاق بحيث لو توضأ لم يتمكن الا من إيقاع ركعة واحدة منها في وقتها و وقعت البقية في خارج الوقت فهل يسوغ له أن يتيمم حتى يوقع الصلاة بتمام أجزائها

____________

(1) المائدة: 5: 6

415

..........

____________

في وقتها أو يجب عليه أن يتوضأ و ان لم يدرك من الوقت إلا ركعة واحدة لان من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة كلها في وقتها فكأنه متمكن من أن يتوضأ و يأتي بجميع أجزاء الصلاة في وقتها؟

التحقيق هو الأول و ذلك لان اللّٰه سبحانه قد قسم المكلفين على قسمين و هما واجد الماء و فاقده و أوجب عليهما ثمان ركعات- مثلا- فيما بين المبدء و المنتهى أعني ما بين الدلوك و الغروب فمن تمكن من استعمال الماء لأجل الصلاة فيما بين الحدين وجب عليه الوضوء و من لم يتمكن من استعماله لأجلها ما بين الحدين فقد وجب عليه التيمم.

و حيث ان المكلف لا يتمكن من استعمال الماء لأجل إيقاع الصلاة بأسرها في الوقت فلا جرم وجب عليه التيمم اللهم إلا أن يكون التيمم أيضا كالوضوء بان لا يتمكن معه أيضا من الإتيان بالفريضة بأسرها في الوقت فان المتعين وقتئذ هو الوضوء كما تقدم.

و أما حديث من أدرك فالصحيح المعتبر منه ما ورد في صلاة الغداة من أن من أدرك ركعة منها فقد أدرك الغداة تامة (1) و أما غيرهما مما ورد من أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (2) أو ان من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الشمس (3) فهي روايات ضعاف.

و ما ورد في الغداة و ان لم تكن مختصة بها فان المورد لا يكون مخصصا لا محالة الا انه غير ناظر إلى شيء من أجزاء الصلاة و شرائطها و إلى تغيير الوظيفة و التكليف عما كانا عليه بل إنما تنظر إلى توسعة الوقت

____________

(1) المروية في ب 30 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(2) المروية في ب 30 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(3) المروية في ب 30 من أبواب المواقيت من الوسائل.

416

و لو توضأ في الصورة الأولى بطل (1) ان كان قصده امتثال الأمر المتعلق به من حيث هذه الصلاة على نحو التقييد.

____________

و ان طبيعي الصلاة سواء أ كانت مقيدة بالطهارة المائية أم بالطهارة الترابية إذا وقعت ركعة منها في وقتها فقد وقعت أداء.

بمعنى ان المكلف متى ما تمكن من إيقاع ركعة من الفريضة في وقتها على اختلاف الفرائض باختلاف المكلفين وجب أن يوقعها في وقتها و لا يسوغ له ان يؤخرها و يقضيها في خارجه فان إيقاع ركعة من الصلاة في الوقت كايقاعها بأسرها في وقتها.

و من الظاهر ان من تمكن من الأداء لم يجز له أن يفوت وقتها و يأتي بها قضاء فلا نظر لها الى أن من تمكن من الصلاة مع الوضوء في وقتها و لو بمقدار ركعة وجب أن يتوضأ و يأتي بها مع الطهارة المائية و لا يشرع التيمم في حقه.

و على الجملة أن الحديث غير ناظر الى تغيير الوظيفة و التكليف من التيمم الى الوضوء و بيان ان شرط الصلاة حينئذ أي شيء و انما نظره الى التوسعة في الوقت في طبيعي الصلاة سواء أ كانت مقيدة بالوضوء أم مشروطة بالتيمم حسب اختلاف المكلفين.

إذا توضأ و هو مأمور بالتيمم:

(1) أراد بذلك بيان حكم المتوضئ فيما إذا حكمنا عليه بوجوب التيمم و انه عند ضيق وقت الصلاة إذا توضأ و ترك التيمم الواجب في حقه فهل نحكم بصحة وضوئه و جاز له قضائها في خارج الوقت بهذا الوضوء أم لا بد من الحكم ببطلانه. و لا تخلو عبارة الماتن عن قصور.

417

نعم لو توضأ لغاية أخرى أو بقصد القربة صح، و كذا لو قصد ذلك الأمر بنحو الداعي لا التقييد.

____________

و توضيح ذلك ان المكلف ربما يأتي بالتوضؤ- في مفروض المسألة- قاصدا به امتثال الأمر بالصلاة المقيدة في الشريعة المقدسة بالطهارة المائية و حينئذ لا بد من الحكم ببطلان الوضوء لان ما قصده لم يقع و ما وقع لم يقصد لانه لم يؤمر في الشريعة المقدسة بالصلاة المتقيدة بالوضوء و الطهارة المائية و انما أمر في حقه بالصلاة المقيدة بالطهارة الترابية و التيمم، و المفروض أنه لم يأت بالوضوء قاصدا لامتثال هذا الأمر.

و ربما يتوضأ قاصدا به امتثال الأمر المتعلق بطبيعي الصلاة الأعم من المقيدة بالوضوء و المقيدة بالتيمم إما لداعي أن لا يصلي به بوجه بل يأتي به لغيرها من الغايات المترتبة عليه كالكون على الطهارة أو الاستحباب النفسي و نحوها و اما بداعي أن يأتي به الصلاة الواجبة على ذمته بحيث لو لا وجوب الصلاة في حقه لم يكن يتوضأ أبدا الا انه نوى في وضوئه امتثال الأمر المتعلق بطبيعي الصلاة.

و حينئذ يحكم بصحة الوضوء لأن مجرد كونه مأمورا بالتيمم حينئذ لا يخرج الوضوء عن محبوبيته و لا يسلب ملاكه بل هو باق على استحبابه النفسي و ذكرنا في محله ان الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده إذا فالوضوء مستحب و محبوب و لم يتعلق عليه أي نهي فلا محالة يقع صحيحا و ان كان المكلف قد عصى بتركه التيمم الواجب في حقه حتى يتمكن من إيقاع الصلاة كلها في وقتها.

فإذا صح ذلك و حكم على المكلف بالطهارة و الوضوء فله أن يصلي بهذا الوضوء أية صلاة شاءها و منها قضاء صلاته في خارج الوقت هذا، و لكن الصحيح أن يقال: انا ذكرنا في التكلم على مقدمة الواجب

418

..........

____________

ان عبادية الوضوء و الغسل غير ناشئة عن أمرها الغيري المقدمي بل إنما نشأت عن استحبابها النفسي إذا فالعبادية في مرتبة سابقة على الأمر الغيري المقدمي.

نعم لا يعتبر في عباديتها قصد أمرها النفسي على ما أسلفناه في محله كما سبق في التكلم على التعبدي و التوصلي أن العبادية يكتفي فيها بالإتيان بذات العمل و إضافته نحو المولى سبحانه نحو اضافة و بهذا يمتاز الواجب التعبدي عن التوصلي فعلى ذلك يكفي في صحة الوضوء في محل الكلام الإتيان به مضافا الى اللّٰه سبحانه نحو اضافة من غير ان يعتبر في صحته قصد الحصة الخاصة من الوضوء أعني الوضوء المأمور به مقدمة للصلاة.

فما أفاده الماتن لا يتم لا على ما ذكرناه آنفا و لا على ما هو ظاهر عبارته. أما بناء على ما سردناه آنفا فلأن قصد المكلف الإتيان بالحصة الخاصة من الوضوء أعني الوضوء الواجب مقدمة للصلاة- الذي هو المراد من قصده امتثال الأمر المتعلق به من حيث هذه الصلاة على نحو التقييد- قصد أمر لا واقع له.

حيث عرفت ان الوضوء بطبيعية عبادة و مستحب ذاتي و ليست له حصتان و لا هو على نوعين و قسمين فقصد الحصة الخاصة من الوضوء مما لا واقع له و هو نظير قصده الوضوء الليلي أو النهاري حيث لا حصة الوضوء من حيث الليل و النهار فالقيد بهذا المعنى مما لا واقع له.

نعم المقيد و هو الصلاة على قسمين لأنها قد تتقيد بالطهارة الترابية و قد تتقيد بالطهارة المائية و أما القيد فلا كما مر، و اما بناء على ما هو ظاهر عبارته (قده) من تقسيمه الوضوء المأتي به على قسمين و انه قد يأتي به على نحو التقييد بأن يأتي الوضوء بداعي أنه الذي تتقيد به الصلاة الواجبة في حقه على نحو لو لم يكن صلاته متقيدة به

419

..........

____________

لم يكن يأتي به.

و قد يأتي به على نحو الداعي- لا التقييد- بأن يأتي به بداعي أنه الذي تقيدت به صلاته و لكن لا على نحو لو لم تتقيد به صلاته لم يكن يأتي به، بل هو يأتي بذلك الوضوء حتى لو لم تكن صلاته متقيدة به كما مر منه (قده) هذا التفسير للداعي و التقييد في المسألة الثالثة من مسائل الوضوءات المستحبة.

فالوجه في عدم تمامية ما أفاده (قده) هو ما أسلفناه هناك من ان التقييد بهذا المعنى أيضا لا يرجع الى محصل فإن العبادة يكفي في صحتها أن يؤتى بذات العمل مضافة إلى المولى نحو اضافة و المفروض ان المكلف في المقام قد أتى بذات الوضوء و أضافها إلى اللّٰه سبحانه أيضا و بذلك تمت العبادة و غاية الأمر انه كان معتقدا بوجوبه فقد ظهر استحبابه فهو من قبيل الخطأ في التطبيق و قصده ان لا يأتي به على تقدير عدم كونه مقدمة لصلاته لغو و لا يضر بصحة ما أتى به من العمل متقربا به الى اللّٰه تعالى اللهم إلا ان يكون عالما بعدم وجوبه و ان الصلاة غير متوقفة عليه و مع ذلك أتى به بداعي أنه مقدمة لصلاته فإنه وقتئذ تشريع محرم و هو مبطل للعبادة كما قدمنا تفصيله في محله فما أفاده (قده) من ان الإتيان بالوضوء قد يكون على وجه التقييد و قد يكون على وجه الداعي لا يرجع الى محصل معقول.

بل الصحيح أن يفصل في صحة الوضوء بين ما إذا كان المكلف عالما بعدم توقف صلاته على الوضوء لعلمه بضيق الوقت و ان وظيفته حينئذ هو التيمم و معه قد أتى به بقصد انه واجب مقدمي للصلاة فإنه وقتئذ تشريع و هو موجب لبطلان وضوئه.

و ما إذا لم يكن عالما بعدم المقدمية بل كان جاهلا بها و لكنه أتى به

420

(مسألة 21): في صورة كون استعمال الماء مضرا (1) لو صب الماء على ذلك المحل الذي يتضرر به و وقع في الضرر ثم توضأ صح إذا لم يكن الوضوء موجبا لزيادته لكنه عصى بفعله الأول:

(التاسع): المباشرة في أفعال (2) الوضوء في حال الاختيار،

____________

بداعي شيء من الغايات المترتبة عليه أو بداعي تلك الصلاة مع الغفلة عن نضيق وقتها و عدم توقف صلاته عليه فان وضوئه صحيح في هذه الصورة فإنه أتى بذات العمل مضافة الى اللّٰه سبحانه و قد عرفت أنه يكفي في الحكم بصحة العبادة و ان أخطأ في التطبيق حيث تخيل وجوبه و كان أمرا استحبابيا واقعا.

(1) بان حصل الضرر بمجرد وصول الماء إلى البشرة بحيث لو صب الماء بعد ذلك بقصد الغسل أو الوضوء لم يترتب عليه أي ضرر من حدوث مرض أو اشتداده أو بطء زواله و نحو ذلك فيقع غسله أو وضوئه صحيحا حيث لا ضرر في شيء منهما و ان عصى بذلك حيث أوقع نفسه في الضرر بناء على أن مطلق الإضرار بالنفس محرم شرعا و اما بناء على ما قدمناه في محله من عدم دلالة الدليل على حرمة مطلق الإضرار بالنفس فلا معصية أيضا بوجه.

اعتبار المباشرة في أفعال الوضوء:

(2) و يدل على ذلك مضافا الى الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية حيث دلت بأجمعها على أنه (ع) قد اسدل الماء من أعلى وجهه أو من مرفقه و أمر يده الى الذقن أو الأصابع نفس الخطابات المتكفلة لوجوب الغسل و المسح كما في الآية المباركة و الروايات.

421

فلو باشرها الغير أو اعانه في الغسل و المسح بطل و أما المقدمات للأفعال فهي أقسام: «أحدها»: المقدمات البعيدة كإتيان الماء أو تسخينه أو نحو ذلك.

____________

فان مقتضى إطلاق الأمر بالغسل ان المكلف يجب أن يغسل وجهه و يديه بنفسه و كذلك يجب أن يمسح رأسه أو رجليه بنفسه فلو غسلهما أو مسحهما الغير لم يسقط بذلك التكليف عنه لأن إيجابهما مطلق و يدل على وجوب الإتيان بهما بالمباشرة سواء أتى بهما غيره أم لم يأت بهما.

و كذلك الحال في جميع التكاليف و الواجبات تعبدية كانت أم توصلية فإن المناط المتقدم أعني ظهور نفس الخطاب و توجيه في وجوب المباشرة و عدم سقوط الواجب بفعل الغير متحقق في الجميع على حد سواء. اللهم إلا ان يقوم دليل خارجي على أن الغرض يحصل في الخارج من مجرد تحقق المأمور به و وجوده سواء استند ذلك إلى المباشرة أم التسبيب و فعل الغير فلو أمر بغسل ثوبه فمقتضى ظهور هذا الخطاب و إطلاقه عدم كفاية غسل الغير في حصول الامتثال إلا ان القرينة الخارجية دلتنا على ان الغرض من الأمر بغسله انما هو مجرد إزالة النجاسة عنه حصل ذلك بفعل نفس المأمور و مباشرته أو بفعل شخص آخر بل و سواء حصل من عاقل بالاختيار أم من غير العاقل أو من دون الاختيار كما إذا أطارته الريح و ألقته في كر من الماء و زالت عنه النجاسة بذلك أو وقع عليه المطر فطهره.

و اما إذا لم تقم قرينة خارجية على ذلك فمقتضى الظهور و الإطلاق انما هو اشتراط المباشرة كما عرفت.

و قد خرجنا عن ذلك في باب العقود و الإيقاعات لأنه لو أمر بالبيع أو النكاح أو الطلاق أو الصلح فكما يحصل امتثال الأمر بذلك بإيقاع

422

..........

____________

المعاملة بنفسه و المباشرة كذلك يحصل يأمره الغير بإيقاعها.

و السر في ذلك ما أشرنا إليه في بحث المكاسب من ان الافعال التكوينية ليست كالأفعال الاعتبارية من جهة ان اسناد الافعال التكوينية على وجه الحقيقة لا يصح الا الى فاعلها و مصدرها أو صانعها فلا يصح أن يقال شرب فلان الماء الا إذا شربه بالمباشرة فلو أمر غيره بشربه فشربه ذلك الغير لم يصح ان يقال شرب فلان الماء حقيقة.

هذا بخلاف الأفعال الاعتبارية لأنها كما يصح إسنادها إلى فاعلها بالمباشرة كذلك يصح اسنادها حقيقة إلى فاعلها بالتسبيب كما إذا أوجدها من أمره بإيجادها و ذلك لأن قوام الأمور الاعتبارية باعتبار فيصح إسنادها إلى من اعتبرها حقيقة كما إذا اعتبر ملكية ماله للمشترى و أمر غيره بأن يبيع ماله منه أي من ذلك المشتري.

فكما يصح أن يقال حقيقة ان الوكيل أو المأمور قد باع ذلك المال كذلك يصح أن يقال حقيقة ان المالك و الآمر قد باع ذلك المال لقيام الاعتبارية و كذا فيما لو باعه الفضولي فإجازة مالك المال لأنه بالإجازة يصح ان يسند البيع إلى المالك بإمضائه و اجازته و يصح أن يقال فلان باع داره حقيقة لأنه الذي اعتبر ملكيتها للمشتري و أبرزه بإجازته و إمضائه.

و أظهر من ذلك ما إذا كان المأمور وكيلا في مجرد إيقاع الصيغة و إنشائها من دون علمه بالعوضين و لا عرفانه بشيء من شروطهما فان البيع حينئذ يسند إلى الموكل المالك إسنادا حقيقيا بل في صحة إسناده إلى الوكيل المذكور اشكال و من هنا تأمل الشيخ (قده) في ثبوت خبار المجلس لمثل هذا الوكيل نظرا الى ان البيع لا يصدق على مثله حقيقة.

و كيف كان فالخطابات بأنفسها و إطلاقاتها ظاهرة في اشتراط المباشرة في الأفعال التكوينية اللهم إلا أن يقوم دليل على صحة النيابة كما في الجهاد و عليه يكون العمل الصادر من الغير مسقطا للواجب عن ذمة المنوب

423

و هذه لا مانع من تصدى الغير لها.

____________

عنه لا أنه يقع مصداقا للمأمور به لوضوح عدم معقولية تكليف أحد بالعمل الصادر من الغير و هذا ظاهر.

و أما في الأفعال الاعتبارية فظهور الخطابات و لا إطلاقاتها لا يقتضي اعتبار المباشرة كما عرفت و حيث ان الغسل و المسح من الأفعال التكوينية و لم يقم دليل على صحة النيابة فيهما فمقتضى ظهور الآية و الاخبار و إطلاقاتهما هو اعتبار المباشرة في الوضوء و عدم سقوطه بالفعل الصادر من الغير.

على ان المسألة مما لا خلاف فيه الا من ابن الجنيد حيث ذهب الى كراهة التولية في الوضوء الا انه مما لا يعبأ به لشذوذه و ندرته فإنه على خلاف المتسالم عليه بين الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم).

(1) و يدل عليه مضافا الى الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية لاشتمالها على أنه (صلى اللّٰه عليه و آله) دعا بقعب أو قدح أو طست أو تور أو غيره من أواني الماء (1) و هي قد وردت في مقام البيان فيستفاد منها ان الإعانة في أمثال ذلك من المقدمات البعيدة للوضوء أمر سائغ لا منع عنه.

ان التوضؤ من دون اعانة الغير في المقدمات أمر لا يتحقق الا نادرا لتوقفه على أن يصنع لنفسه ظرفا من إبريق و نحوه حتى يخرج به الماء من البئر أو البحر أو المخزن و نحوها و الا فصانع الإبريق أو من أتى به الماء- مثلا- معين للمتوضئ في وضوئه فلا يتحقق الوضوء من دون اعانة الغير الا بالذهاب الى بحر أو نهر ليتوضأ منه بلا اعانة الغير و هو قليل التحقق لا محالة.

____________

(1) راجع ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

424

«الثاني»: المقدمات القريبة مثل صب الماء في كفه و في هذه يكره (1) مباشرة الغير.

____________

هذا على ان عبادية الوضوء ليست بأرقى من عبادية بقية العبادات كالحج و الصلاة و لا إشكال في جواز الاستعانة من الغير في مقدماتهما فهل يكون هذا تشريكا في الحج و الصلاة، أو انه لا مانع من الشركة فيهما بخلاف الوضوء و هذا مما يدلنا على عدم المنع من الاستعانة بالغير في مقدمات الوضوء.

مورد كراهة مباشرة الغير:

(1) بل الظاهر عدم المنع عن ذلك لا كراهة و لا تحريما و لا يمكن المساعدة على ما ذكره الماتن من الحكم بالكراهة و ذلك لعدم قيام دليل على الكراهة بوجه و ما استدل به عليها من الروايات الآتي نقلها اما ضعيف السند و الدلالة معا أو من احدى الجهتين.

مضافا الى دلالة الرواية الصحيحة على الجواز و عدم الكراهة أو الحرمة و هي صحيحة الحذاء قال: وضأت أبا جعفر (ع) بجمع «عرفات» و قد بال فناولته ماء فاستنجى ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه (و كفا غسل به ذراعه الأيمن) و كفا غسل به ذراعه الأيسر ثم مسح بفضله الندى رأسه و رجليه (1).

و هي صريحة الدلالة على جواز تصدي الغير بالمقدمات القريبة في الوضوء.

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

425

..........

____________

نعم رواها الشيخ (قده) في موضع آخر [1] من التهذيب مشتملة على قوله ثم أخذ كفا. بدل ثم صببت عليه كفا. كما نقله في الوسائل و عليه تكون الرواية أجنبية عما نحن بصدده.

الا ان الصحيح هو نسخة الوسائل و لعله سقط عن قلم الشيخ اشتباها و ذلك لاشتمال صدرها على قول الحذاء: وضأت أبا جعفر: فلو كان (ع) أخذ الماء بنفسه فأين وضاءه الحذاء حينئذ؟ هذا.

و قد استدل للكراهة بعدة روايات.

«منها» رواية حسن الوشاء قال: دخلت على الرضا (ع) و بين يديه إبريق يريد أن يتهيأ منه للصلاة فدنوت منه لأصب عليه فأبى ذلك فقال: مه با حسن: فقلت له لم تنهاني أن أصب الماء على يديك تكره أن أؤجر قال: تؤجر أنت و أوزر أنا فقلت: و كيف ذلك؟ فقال:

اما سمعت اللّٰه عز و جل يقول فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً. و ما أنا ذا أتوضأ للصلاة و هي العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد (2).

و لكنها ضعيفة السند بإبراهيم بن إسحاق الأحمر لأنه ممن ضعفه الشيخ و النجاشي (قدهما).

كما انها ضعيفة الدلالة على المدعى حيث ان ظاهرها الحرمة لأن معنى قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا .. انه من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر.

و من الظاهر ان ارتكاب أمر مكروه عند اللّٰه سبحانه لا يستلزم انتفاء الايمان باللّه سبحانه و اليوم الآخر فلا يتحقق هذا الا في ارتكاب المحرمات.

____________

[1] كما في الجزء الأول ص 79 من الطبعة الحديثة و أخرجها في ص 58 مطابقة لما في الوسائل فلاحظ.

____________

(2) المروية في ب 47 من أبواب الوضوء من الوسائل

426

..........

____________

أضف الى ذلك قوله (ع) أوزر أنا. فان الوزر بمعنى العقاب و هو مختص بالحرام.

و في الرواية مناقشة أخرى و هي ان ظاهر الآية المباركة التي استشهد بها الامام (ع) عدم جواز الإشراك في العبودية و ان من أمن باللّه و اليوم الآخر لا يسوغ له أن يعبد غير اللّٰه سبحانه بل لا مناص من حصر المعبودية به جلت عظمته كما اشتمل عليه غيره من الآيات أيضا كقوله عز من قائل وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (1) و قوله إِيّٰاكَ نَعْبُدُ (2).

لا يستفاد منها عدم جواز الإتيان بعبادة اللّٰه تعالى- من دون اشراك- مع الاستعانة بالغير في مقدمات العمل.

و على الجملة ان ظاهر الآية عدم جواز الإشراك في المعبود دون الإشراك في العمل.

إذا لا مناص من طرح الرواية أو حملها على ارادة التشريك في نفس العمل كما إذا وضأه غيره كما كان هو المرسوم عند السلاطين و الجبابرة العظماء حيث كانوا يوضئهم الخدم و العبيد و لم يكونوا يتصدون لتلك الأمور بالمباشرة و قد أشير الى ذلك في بعض الروايات الآتية (3) أيضا فلاحظ.

و لا ينبغي الإشكال في ان ذلك يوجب البطلان لمنافاته اشتراط المباشرة في أعمال المكلف.

و «منها»: مرسلة الصدوق (قده) قال: كان أمير المؤمنين (ع) إذا توضأ لم يدع أحدا يصب عليه الماء فقيل له يا أمير المؤمنين لم لا تدعهم

____________

(1) البينة: 98: 5

(2) الفاتحة: 1: 5

(3) و هي مرسلة المقيد الآتية. المروية في 47 من أبواب الوضوء من الوسائل.

427

«الثالث»: مثل صب الماء على أعضائه مع كونه هو المباشر لإجرائه و غسل أعضائه.

و في هذه الصورة و إن كان لا يخلو تصدي الغير عن إشكال الا ان الظاهر صحته، فينحصر البطلان فيما لو باشر الغير غسله أو اعانه على المباشرة بأن يكون الاجراء و الغسل منهما معا.

____________

يصبون عليك الماء؟ فقال: لا أحب ان أشرك في صلاتي أحدا و قال اللّٰه تبارك و تعالى فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (1).

و يتوجه على الاستدلال بها.

«أولا»: انها ضعيفة السند بالإرسال.

و «ثانيا»: انها قاصرة الدلالة على المدعى لما مر من ان ظاهر الآية المباركة حرمة الإشراك في عبادة اللّٰه سبحانه و هل يكون الإشراك مكروها؟

و الا لم يختص تركه بمن آمن باللّه و يوم المعاد هذا.

على ان ظاهر الرواية ان عدم حبه (ع) ان يصب عليه الماء مستند الى كون الوضوء مقدمة للصلاة و ان الإشراك فيه اشراك في الصلاة و لازم هذا كراهة الاستعانة في جميع مقدمات الصلاة حتى تهيئة المكان و المسجد و غيرهما لانه اشراك في الصلاة و هذا مما لا يمكن الالتزام به.

هذا كله فيما رواه الصدوق (قده) في المقنع و الفقيه على وجه الإرسال.

و قد نقله (قده) في العلل بالإسناد عن أبيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن احمد عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد اللّٰه بن حماد عن إبراهيم

____________

(1) المروية في ب 47 من أبواب الوضوء من الوسائل.

428

..........

____________

ابن عبد الحميد عن شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (ع).

و هذا الطريق أيضا ضعيف بإبراهيم بن إسحاق الأحمر لأن الشيخ و النجاشي (قدهما) قد ضعفاه. و نقله الشيخ (قده) في تهذيبه بإسناده عن إبراهيم بن هاشم عن عبد الرحمن بن حماد عن إبراهيم بن عبد الحميد، و هذا أيضا ضعيف لأن عبد الرحمن بن حماد امامي مجهول.

و «منها»: مرسلة المفيد (قده) قال: دخل الرضا (ع) يوما و المأمون يتوضأ للصلاة، و الغلام يصب على يده الماء فقال: لا تشرك يا أمير المؤمنين بعبادة ربك أحدا، فصرف المأمون الغلام و تولى تمام وضوئه بنفسه (1).

و قد استدل بها على كراهة الاستعانة بالغير في المقدمات نظرا الى ان الامام (ع) لم يأمر المأمون بالاستئناف و اعادة وضوئه بل قد أتم وضوئه بالمباشرة و أمضاه الإمام (عليه السلام) فلو كانت الاستعانة بالغير محرما لأمره بالاستئناف و الإعادة.

و لكنها أيضا ضعيفة بإرسالها كما انها قاصرة الدلالة لعين ما قدمناه في سابقتها لأن ظاهرها ان الاستعانة بالغير في مقدمات الوضوء اشراك في العبادة و هي الصلاة و لازمة كراهة الاستعانة بالغير في مطلق مقدمات الصلاة لأنها اشراك في العبادة و الصلاة كما عرفت ان الآية المباركة منطبقة على الإشراك في العمل لأنها انما دلت على حرمة الإشراك و لا حرمة إلا في الإشراك في المعبود لا في العمل.

و «منها»: ما رواه هو (قده) في الخصال بإسناده عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّٰه (ع)

____________

(1) المروية في ب 47 من أبواب الوضوء من الوسائل

429

..........

____________

عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: رسول اللّٰه (ص) خصلتان لا أحب أن يشاركني فيهما أحد: وضوئي فإنه من صلاتي و صدقتي فإنها من يدي إلى يد السائل فإنها تقع في يد الرحمن (1).

و هي و ان كانت من حيث السند معتبرة حيث بنينا أخيرا على اعتبار روايتي النوفلي و السكوني اعتمادا على ما يحكي عن الشيخ (قده) من دعوى إجماعهم على العمل بروايات السكوني في غير واحد من مواضع كلامه.

و هذا الإجماع توثيق منهم للسكوني و هو و ان اختلفوا في مذهبه و قد قيل انه عامي الا ان مذهبه غير قادح في وثاقته في الرواية.

ثم ان هذا الإجماع كما ذكره الوحيد البهبهاني (قده) يلازم الإجماع على قبول روايات النوفلي أيضا لأن طريق السكوني في كتابه انما هو النوفلي الذي يروي عن إبراهيم بن هاشم فإذا أجمعوا على اعتبار روايات السكوني كان ذلك إجماعا بالملازمة على اعتبار روايات النوفلي أيضا فلاحظ هذا.

و يمكن المناقشة في ذلك بان ما سردناه و ذكره البهبهاني (قده) انما يتم فيما إذا كانت روايات السكوني منحصرة بما في كتابه عن النوفلي و ليس الأمر كذلك لأن له روايات أخرى بطريق آخر غير كتابه حسب ما نقله الأردبيلي (قده) في جامع الرواة.

و معه لا يكون الإجماع على اعتبار روايات السكوني إجماعا بالملازمة على اعتبار روايات النوفلي أيضا إذا لا بد من ملاحظة حال النوفلي رأسا و هو و ان لم يضعف في الرجال الا أنه لم يوثق أيضا و لم يذكروا له مدحا و لا توثيقا و بذلك بكون النوفلي مجهول الحال فيكون السند في الرواية ضعيفا

____________

(1) المروية في ب 47 من أبواب الوضوء من الوسائل

430

..........

____________

لا محالة [1].

و لكنها قاصرة الدلالة على المدعى لأن ظاهرها هو الاستعانة بالغير في نفس العمل و الوضوء دون مقدماته لأن المشاركة لا تطلق على مجرد الإعانة في المقدمات فلا يصح أن يقال: لمن هيأ الدواة و القرطاس انه شارك الكاتب فيما كتبه و لا يقال: للخياط انه شارك اللابس في لبسه الثياب.

فالمشاركة انما يصح إطلاقها فيما إذا أعان الفاعل في نفس العمل بان صدر الفعل من اثنين معا و لا إشكال في بطلان الوضوء بذلك لانه خلاف الأدلة المتقدمة الدالة على اعتبار المباشرة في الواجبات.

و يؤيد ذلك الفقرة الأخيرة من الرواية حيث ان مشاركة الغير في الصدقة انما تتصور بإعطاء الفلوس- مثلا- لذلك الغير حتى هو يوصله الى يد السائل و هو الشركة في نفس العمل و الاستنابة فيه.

و هذا قرينة على ان المراد من الفقرة الأولى أيضا هو ذلك و لا إشكال في ان الشركة في نفس الوضوء و الاستنابة فيه موجبان للبطلان فالمتحصل الى هنا ان الحكم بكراهة الاستعانة بالغير في المقدمات مشكل جدا و لم يدلنا على كراهيتها دليل.

مضافا الى القطع بأنه لا خصوصية للوضوء من بين العبادات فلو كانت الاستعانة في مقدماته مكروهة لكرهت الاستعانة في مقدمات مثل الحج

____________

[1] و لا يخفى أن النوفلي ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات و قد بنى دام ظله- أخيرا- على اعتبار كل من وقع في سلسلة أسانيد ذلك الكتاب و لم يضعف بتضعيف معتبر إذا على هذا المسلك يكون النوفلي ممن وثقه ابن قولويه و حيث لم يضعف بتضعيف معتبر فلا بد أن يحكم بوثاقة الرواية في المقام

431

..........

____________

و الصلاة و الصوم و الجهاد أيضا و هذا مما لا يلتزم به القائل بكراهة الاستعانة في مقدمات الوضوء و تخصيص الوضوء بذلك من بين العبادات مما لا مخصص له.

ثم انه قد ظهر مما بيناه في المقام ان الأخبار المستدل بها على الكراهة في الاستعانة بالغير في مقدمات الوضوء غير قابلة للاعتماد عليها عند الاستدلال لضعفها من جهتي السند و الدلالة معا و انه ليست المناقشة فيها منحصرة بضعف السند فحسب- كما عن بعضهم- حتى يجاب عنها- كما في الجواهر بان ضعفها منجبر بعمل المشهور على طبقها على ان ضعف السند غير مضر في الحكم بالكراهة من جهة قاعدة التسامح في أدلة السنن.

و قد مر ان الاخبار المتقدمة زائدة على ضعف السند قاصرة الدلالة أيضا على المدعى.

و ما أجاب به في الجواهر على تقدير تماميته انما يتكفل لتصحيح السند و لا يدفع المناقشة عنها في دلالتها على انه غير دافع للمناقشة السندية أيضا.

و ذلك لأنا لو سلمنا ان اعتماد الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم) على رواية ضعيفة جابر لضعفها لكشفه عن انهم قد أصابوا بقرينة دلتهم على اعتبارها فهو انما يتم فيما إذا أحرزنا صغرى تلك القاعدة و علمنا انهم قد اعتمدوا في حكمهم هذا على تلك الرواية الضعيفة.

و من أين نحرز ذلك في المقام حيث ان الحكم من الأحكام غير الإلزامية فيحتمل انهم اعتمدوا في الحكم بكراهة الاستعانة في المقدمات على قاعدة التسامح في أدلة السنن و معه كيف يمكن الحكم بانجبار ضعف الروايات بدعوى انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور على طبقها.

و أما التمسك في المقام بقاعدة التسامح في أدلة السنن.

فيتوجه عليه مضافا الى انها مما لا أساس له حسب ما قدمناه في محله،

432

(مسألة 22): إذا كان الماء جاريا من ميزاب أو نحوه، فجعل وجهه أو يده تحته بحيث جرى الماء عليه بقصد الوضوء صح (1) و لا ينافي وجوب المباشرة.

بل يمكن أن يقال (2): إذا كان شخص يصب الماء من مكان عال لا بقصد أن يتوضأ به أحد (3) و جعل هو يده أو وجهه تحته صح أيضا و لا يعد هذا من اعانة الغير أيضا.

____________

انها لو تمت في نفسها فإنما تتم في المستحبات لأن ظاهر قوله (ص) من بلغه ثواب من اللّٰه على عمل .. (1) هو الفعل و العمل فلا يعم الترك و الكراهة.

فالصحيح ما قدمناه من أن الكراهة مما لا أساس له في المقام فما ذهب اليه صاحب المدارك و اختاره في الحدائق من عدم كراهة الاستعانة في المقدمات القريبة- فضلا- عن البعيدة هو الصحيح.

(1) و ذلك لصحة استناد الوضوء حينئذ إلى المتوضي حقيقة لدى العرف لأنه الذي جعل يده تحت الميزاب و غسل وجهه و يده دون غيره كما هو ظاهر.

(2) لعين ما قدمناه في الوضوء من الماء الجاري من الميزاب لأن غسل الوجه و اليدين بالإمرار أو بأخذ اليد تحت الماء انما يستند إلى المتوضي حقيقة.

و أما صب الماء من غير أن يقصد توضؤ الغير به فإنما هو اعداد لا اعانة في الوضوء.

(3) بل و لو بقصد أن يتوضأ به أحد لأن القصد و عدمه مما لا مدخلية له في استناد الوضوء إلى المتوضي و عدمه فلو كانت له مدخلية فإنما هي

____________

(1) راجع ب 18 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل

433

(مسألة 23): إذا لم يتمكن من المباشرة جاز (1).

____________

في صدق الإعانة على صبه لا في صدق الاستعانة و عدم استناد الوضوء إلى فاعله.

بناء على ان مفهوم الإعانة يتقوم بالقصد كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) فإنه إذا لم يقصد بصبه أن يتوضأ به غيره لم يصدق على صبه عنوان الإعانة.

كما انها تصدق مع قصده ذلك و أما في صدق الاستعانة فلا! و السر في ذلك هو ان الجزء الأخير الذي به يتحقق الفعل المأمور به انما يصدر من المتوضي بإرادته و اختياره و هو جعل يده و وضعها تحت الماء الذي به يتحقق الوضوء من غسل يده و وجهه فيه صح أن يقال انه توضأ سواء قصد الصاب بصبه هذا ان يتوضأ به غيره أم لم يقصده.

ففرق ظاهر بين أن تكون يده في موضع فصب عليها الماء غيره و ان يصب الماء غيره و هو وضع يده تحته للوضوء، لان الوضوء حينئذ يستند الى فاعله حقيقة. نعم لو أمر المتوضي غيره بأن يصب الماء على يده دخل ذلك في الاستعانة بالغير في المقدمات و قد أسلفنا حكمها.

وظيفة العاجز عن المباشرة:

(1) المسألة متسالم عليها عندهم و لم يعرف فيها الخلاف و انما الكلام في مدركها و ان المكلف بعد ما وجبت عليه المباشرة في العمل و إصدار المكلف به بنفسه من جهة اقتضاء ظواهر الخطابات ذلك إذا عجز عن التصدي له بالمباشرة لما ذا يجب عليه الاستنابة و الاستعانة بغيره.

مع ان مقتضى القاعدة ان تتبدل وظيفته الى التيمم لعدم تمكنه من

434

..........

____________

الوضوء المأمور به أعني الوضوء الصادر منه بالمباشرة.

و قد قيل في وجه ذلك أمور:

«الأول»: قاعدة الميسور و ان الوضوء المباشري إذا تعذر على المكلف وجب عليه أن يأتي بميسوره و هو أصل طبيعي الوضوء بإلغاء قيد المباشرة.

و فيه مضافا الى ما مر منا غير مرة من المناقشة في كبرى تلك القاعدة ان الصغرى قابلة للمنع في المقام و ذلك لأن طبيعي العمل المأمور به و ان كان بالنظر العقلي ميسورا للطبيعي المقيد بالمباشرة إلا أنهما بالنظر العرفي متباينان و لا يعد العمل الصادر من الغير بالتسبيب ميسورا للعمل الصادر منه بالمباشرة فإنهما أمران متباينان عندهم و على الجملة أن التمسك في المقام بقاعدة الميسور مما لا وجه له و العمدة فيه هي المناقشة الكبروية.

«الثاني»: الإجماع القطعي في المسألة و يمكن المناقشة فيه أيضا بأن المستند في حكمهم في المسألة ان كان منحصرا بالإجماع فهو و ان أمكن الاستدلال به نظرا إلى انه إجماع تعبدي كاشف عن رضى المعصوم (ع) إلا ان الوجه متعدد في المقام و لا ينحصر المستند بذلك.

و معه يحتمل أن يكون المستند لهم في ذلك قاعدة الميسور أو غيرها من الوجوه المستدل بها في المقام و مع هذا الاحتمال لا يكون الإجماع تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم (ع) بوجه.

«الثالث»: ما رواه الشيخ (قده) بطرق متعددة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث انه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة و هو في مكان بارد قال: فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني فحملوني و وضعوني على خشبات، ثم صبوا عليّ الماء فغسلوني (1).

____________

(1) المروية في ب 48 من أبواب الوضوء من الوسائل

435

..........

____________

حيث دل على ان من عجز عن الغسل بالمباشرة ينتقل فرضه إلى الغسل بالتسبيب أي بالاستعانة بغيره حتى يغسله.

و بما رواه الكليني بإسناده عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: قيل له:

ان فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسلوه فمات فقال: قتلوه ألا سألوا؟

ألا يمموه؟! ان شفاء العي السؤال (1) و غيرها من الأخبار الواردة بهذا المضمون.

لدلالتها على ان من عجز عن المباشرة بالتيمم يجب أن يستعين بفعل الغير حتى ييممه و الاستدلال بهذه الأخبار انما يفيد فيما إذا انضم اليه القطع بعدم الفرق في ذلك بين الغسل و التيمم و بين الوضوء و ان فرض من عجز عن المباشرة لغسله و تيممه إذا كان هو الاستعانة و الاستنابة لتغسيله و تيممه فلا بد أن يكون الأمر كذلك في الوضوء أيضا.

و حيث انه لو لا دعوى القطع بعدم الفرق يمكن أن يقال ان الحكم بما أنه على خلاف القاعدة لأنها تقتضي انتقال الأمر إلى التيمم فلا يمكن أن نتعدى عن مورد النص الى سواه.

«الثالث»: ان دليل اعتبار المباشرة و شرطيتها في الواجبات ليس دليلا لفظيا حتى يمكن التمسك بإطلاقه في كلتي حالتي التمكن منها و عدمه و ذلك لان دليل الشرطية إذا كان لفظيا لم يكن أي مانع من الحكم بشرطية المباشرة في كل من المتمكن و العاجز عنها.

و لا يصغى الى ما ذكره المحقق القمي (قده) في بعض كلماته و كذا صاحب الجواهر (قده) من أن دليل الشرطية و الاعتبار إذا كان هو الأمر و الإيجاب اختص ذلك بحالة القدرة و التمكن و لا يعم حالة العجز.

____________

(1) المروية في ب 5 من أبواب التيمم من الوسائل

436

..........

____________

و الوجه في عدم الإصغاء اليه ان القدرة انما تعتبر في متعلق الأوامر المولوية و أما الأوامر الإرشادية فلا وجه لاشتراط القدرة فيها بوجه لعدم لزوم أي محذور في كون الشرطية مطلقة و ثابتة في كل من حالتي التمكن و عدمه.

و غاية الأمر ان العاجز عن الشرط بما أنه غير متمكن من الإتيان بالمأمور به واجدا لشرطه فيسقط عن ذمته و ينتقل الأمر إلى بدله من الوضوء أو غيره.

و كيف كان إذا كان الدليل على اعتبار المباشرة لفظيا لالتزمنا بشرطيتها مطلقا الا ان دليل شرطية المباشرة ليس كذلك في المقام لأنا إنما استفدنا اعتبارها و شرطيتها من حال الخطابات و ظواهرها في نفسها لأنها تقتضي اعتبار استناد العمل و صدوره الى نفس المكلف الفاعل له فلا بد في الحكم بسقوط الواجبات من أن يصح إسنادها إلى فاعلها.

و هذا يختلف باختلاف الفاعلين لأن الفاعل إذا كان قادرا متمكنا من الإتيان بالعمل الواجب بالمباشرة فلا يصح إسناده اليه إلا إذا أتى به بنفسه بحيث لو أتى به شخص آخر و لو بتسبيبه لم يصح إسناده اليه على وجه الحقيقة.

و أما إذا كان عاجزا عن إصدار العمل و الإتيان به بنفسه و بالمباشرة فأتى به بالتسبب فلا مانع من صحة إسناد ذلك العمل اليه على وجه الحقيقة.

و هذا لا من جهة ان المراد من اللفظ هو إيجاد غير العاجز عن المباشرة بالمباشرة و إيجاد العاجز عن المباشرة بالتسبب ليكون لفظ واحد مستعملا في معنيين.

بل من جهة ان المتبادر من الأوامر الواردة في الآية المباركة و الروايات

437

..........

____________

بغسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين ليس إلا وجوب إصدار مطلق الطبيعة على كل مكلف من المكلفين على وجه يصح إسناده إليه لدى العرف.

و هذا أمر يختلف باختلاف المكلفين و الأشخاص من جهة قدرتهم و عجزهم فإنه كالاختلاف في التعظيم و التجليل حسب اختلاف الأشخاص من حيث القدرة و عدمها فنرى أن من عجز عن القيام للتعظيم إذا حرك جانبه أو قام لا على وجه التمام تعظيما للوارد عليه أو إقامة غيره صح ان يسند اليه التعظيم على وجه الحقيقة.

بخلاف من تمكن من القيام لأنه إذا لم يقم وجه التمام بل حرك جانبه أو قام لا على وجه التمام أو إقامة غيره و هو متمكن من القيام لم يصح اسناد التعظيم إليه حقيقة.

و كذلك البناء المتمكن من البناية لانه لا تستند اليه البناية الا فيما إذا باشرها بنفسه كما إذا بنى دارا أو حانوتا- مثلا- فيصح حينئذ أن يقول قد بنيت الدار و يسند البناية الى نفسه على وجه الحقيقة و اما إذا بناهما غيره و لو بتسبيبه فإنه لا يصح ان يسند اليه بنايتهما حقيقة.

و هذا بخلاف مالك الدار العاجز عن البناية لصحة أن يقول اني بنيت داري أو حانوتي أو عمرتهما و يصح أن يسند بنايتهما الى نفسه حقيقة مع انه انما أوجد البناية بالتسبيب من دون أن يصدر عنه بالمباشرة.

و عليه فإذا عجز المكلف من التوضؤ بنفسه و بالمباشرة و استعان فيه بالغير بأن أوجده بالتسبيب صح أن يسند اليه فعل الوضوء لدى العرف.

و بهذا يظهر ان الأخبار الواردة في الغسل و التيمم الدالة على وجوبهما على من عجز عنهما بالتسبيب على طبق القاعدة لأنها كما عرفت يقتضي

438

أن يستنيب (1) بل وجب و ان توقف على الأجرة (2) فيغسل الغير أعضاءه

____________

إصدار العمل بالتسبيب إذا لم يمكن الإتيان به بالمباشرة.

و هذا الوجه قد ذكره شيخنا المحقق الهمداني «قده، و لعمري أنه قد أجاد فيما أفاد و جاء فيما نقلناه عنه بما فوق المراد و كم له (قده) من بيانات شافية في المطالب الغامضة و الدقيقة فشكر اللّٰه سعيه و أجزل مثوبته.

إذا توقفت الاستنابة على الأجرة:

(1) الاستنابة في المقام بمعنى الاستعانة بالغير في إيجاد العمل المأمور به.

(2) إذا فرضنا ان استناد فعل الوضوء الى المكلف على وجه التسبب قد توقف على بذل المال و الأجرة للغير حتى يوضأ أو يغسله فهل يجب أن يبذلها؟ يختلف ذلك باختلاف الوجوه المتقدمة في بيان وجوب الاستنابة و إصدار العمل الواجب على وجه التسبيب.

فان اعتمدنا في ذلك على الأخبار المتقدمة الحاكية لفعل أبي عبد اللّٰه (ع) مع التعدي عن موردها الى الوضوء أو الواردة في تيمم المجدور فلا يمكننا الحكم بوجوب بذل المال و الأجرة في الوضوء أو الغسل التسبيبين.

حيث لا يستفاد منها أنه (ع) بذل الأجرة لعمل المباشر أم لم يبذلها له و ان المجدور لا بد أن ييمم و ان استلزم الأجرة و الضرر المالي أو انه ييمم حيث لا يتوقف على البذل و إعطاء الأجرة فلا دلالة على ذلك في شيء من الروايات.

و كذلك الحال فيما إذا اعتمدنا على الإجماع المدعى في المقام لأنه إنما انعقد على الحكم و لم ينعقد على لفظ ليستكشف أنه صدر من المعصوم (ع) حتى يؤخذ بإطلاقه، و من الظاهر ان الإجماع دليل لبي يقتصر فيه على

439

..........

____________

المورد المتيقن و هو ما إذا لم يتوقف التسبيب على بذل الماء أو إعطاء الأجرة عليه و لم يعلم انعقاد الإجماع فيما إذا توقف على بذل الأجرة بوجه.

نعم إذا اعتمدنا في المسألة على ما أسلفنا نقله عن شيخنا المحقق الهمداني (قده) و وافقناه عليه لم يكن بد من الحكم بوجوب إصدار المأمور به على وجه التسبيب عند العجز عن المباشرة حتى إذا توقف على بذل الأجرة و إعطاء المال.

لأن فعل الغير أعني تغسيل الغير أو توضؤه عمل من الأعمال المحترمة و هو مال له قيمته بحسب الطبع ما لم يزيل احترام ماله بقصد التبرع و الإحسان فإذا كان العمل مالا بطبعه و كانت له قيمة سوقية لدى العرف و قد عرفت ان الآية المباركة و الأخبار الآمرة بالوضوء و الاغتسال قد دلتنا على وجوب استناد تلك الأفعال إلى المكلفين و قد ذكرنا ان الاستناد مع التمكن من المباشرة لا يتحقق إلا بالمباشرة بنفسه كما انه مع العجز لا يتحقق الا بالتسبيب.

إذا تدلنا الآية المباركة و الروايات على وجوب التسبيب لدى العجز و لزوم الإتيان بتلك الافعال بفعل الغير الذي له قيمته على الفرض فيكون دفع الأجرة على عمل الغير مأمورا به بذلك الأمر المتعلق بإيجاد الأفعال و لو بالتسبيب و استنادها الى المكلفين باستنابة الغير و تسبيبه لأن العمل الصادر من الغير مال بطبعه و له قيمة سوقية لدى العرف.

هذا كله فيما إذا توقف العمل التسبيبي على بذل الأجرة له بمقدار ماليته لدى العرف و العادة.

و اما إذا توقف على بذل المال زائدا على قيمته المتعارفة كما إذا طلب الغير دينارا على عمله و هو يسوى عند العرف درهما أو درهمين فلا ينبغي التأمل في عدم وجوب البذل وقتئذ لأنه ضرر مالي زائدا على ما يقتضيه طبع الاستنابة و التسبيب و مقتضى قاعدة نفي الضرر عدم وجوبه على المكلف.

440

و هو ينوي الوضوء (1) و لو أمكن اجراء الغير الماء بيد المنوب عنه بأن يأخذ يده و يصب الماء فيها و يجريه بها هل يجب أم لا؟ الأحوط ذلك

تعيين من تجب عليه النية في الوضوء التسببي:

____________

(1) فهل يجب نية الوضوء على المتوضي العاجز عن المباشرة أو ان الناوي لا بد أن يكون هو المعين؟

و تظهر ثمرة ذلك في الاستعانة بما لا نية له كالاستعانة ببعض الحيوانات المعلمة أو الصبي و نحوهما يختلف الحال في المسألة حسب اختلاف الوجوه المتقدمة في التعليقة المتقدمة.

فإن كان المعتمد في تلك المسألة هو قاعدة الميسور أو الوجه الأخير الذي قد اخترناه فلا بد أن يكون الناوي هو نفس المتوضئ العاجز عن المباشرة و ذلك لان العمل عمله غاية الأمر انه عمل ناقص أو عمل بالتسبب فكما ان العمل التام و المباشري كان مستندا اليه على وجه الحقيقة دون المجاز كذلك العمل الناقص و الميسور أو العمل بالتسبيب مستندان إليه حقيقة إذا لا بد أن يكون الناوي هو المتوضئ العاجز عن المباشرة.

و اما إذا استندنا فيها الى دعوى الإجماع أو الاخبار المتقدمة فلا بد من الاحتياط بالجمع بين نية المعين و نية المتوضئ العاجز عن المباشرة و ذلك لان الإجماع دليل لبي و معقده غير مبين لعدم علمنا ان مراد المجمعين هل هو وجوب الاستعانة بالغير مع كون الناوي هو ذلك المعين أو مع كون النية من المتوضئ العاجز؟

كما ان الأخبار مجملة من تلك الجهة لوضوح انه لا دلالة في شيء منها على ان الامام (ع) قد نوى الغسل أو ان الغلمان نووا ذلك.

441

و ان كان الأقوى عدم وجوبه لأن مناط المباشرة في الاجراء و اليد آلة (1) و المفروض ان فعل الاجراء من النائب. نعم في المسح لا بد من كونه بيد المنوب عنه (2) لا النائب فيأخذ يده و يمسح بها رأسه و رجليه و ان لم يمكن ذلك أخذ (3) الرطوبة التي في يده و مسح بها، و لو كان يقدر على المباشرة في بعض دون بعض بعض.

____________

و كذلك الحال في تيمم المجدور و حيث انما علمنا إجمالا بوجوب احدى النيتين و هما متباينان فلا مناص من الاحتياط بالجمع بين كلتا النيتين فينوي الوضوء كل من المعين و المتوضئ العاجز تحصيلا لليقين و الجزم بحصول شرط العمل.

(1) كما سيظهر الوجه في ذلك.

لا بد ان يكون المسح بيد المنوب عنه:

(2) لأنه يعتبر في المسح أن يكون ببلة اليد و ان يكون على وجه المباشرة فإذا سقط قيد المباشرة بالعجز فلا بد من التحفظ على بقية القيود الميسورة للمكلف و هي كون المسح باليد و بالبلة.

و هذا بخلاف غسل الوجه و اليدين إذ لا يعتبر ان يكون غسلهما بيد المتوضئ العاجز عن المباشرة بل يكفي غسلهما بيد المعين لوضوح ان الغسل باليد غير معتبر في الوضوء حال الاختيار لجواز غسلهما بصوف أو قطن أو بملعقة و نحوهما من الآلات فضلا عن حالة العجز و عدم التمكن من المباشرة و لعله واضح.

(3) لما أشرنا إليه من أنه يعتبر في المسح أن يكون ببلة ما في يمناه على وجه المباشرة فإذا سقط قيد المباشرة و كونه باليد من جهة العجز و عدم

442

(العاشر): الترتيب (1) بتقديم الوجه، ثم اليد اليمنى، ثم اليد اليسرى، ثم مسح الرأس، ثم الرجلين و لا يجب الترتيب بين أجزاء

____________

التمكن منها فلا مناص من التحفظ على بقية قيود الموضوع الممكنة للمكلف إذا يجب أن يأخذ الموضئ المعين البلة من يد المتوضي العاجز و يمسح بها رأسه و رجليه و لا اعتبار بالبلة الكامنة في يد المعين.

اعتبار الترتيب في أفعال الوضوء:

(1) و يدل عليه مضافا الى تسالمهم على ذلك في المسألة الروايات الآمرة بالبدء بما بدء به اللّٰه سبحانه ففي صحيحة زرارة قال: سأل أحدهما (ع) عن رجل بدأ بيده قبل وجهه و برجليه قبل يديه: قال: يبدأ بما بدأ اللّٰه به و ليعد ما كان (1).

و في صحيحة الأخرى قال: قال أبو جعفر (ع) تابع بين الوضوء كما قال اللّٰه عز و جل أبد بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس و الرجلين و لا تقدمن شيئا بين يدي شيء تخالف ما أمرت به فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه، و أعد على الذراع، و ان مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل، ثم أعد على الرجل، ابدا بما بدأ اللّٰه عز و جل (2) الى غير ذلك من الاخبار الآمرة بتقديم غسل الوجه على غسل اليدين و على مسح الرأس و الرجلين.

و اما ما دل على لزوم مراعاة الترتيب بين اليدين فهو أيضا عدة من الأخبار.

____________

(1) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 34 من أبواب الوضوء من الوسائل

443

..........

____________

«فمنها»: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (ع) في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين، قال: يغسل اليمين و يعيد اليسار (1).

«و منها»: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه و ان كان انما نسي شماله فليغسل الشمال و لا يعيد على ما كان توضأ و قال اتبع وضوئك بعضه بعضا (2).

و «منها»: ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب النوادر لأحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الكريم يعني ابن عمرو عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: إذا بدأت بيسارك قبل يمينك و مسحت رأسك و رجليك، ثم استيقنت بعد أنك بدأت بها غسلت يسارك ثم مسحت رأسك و رجليك (3) الى غير ذلك من الروايات.

و اما ما دل على لزوم الترتيب بين مسح الرجلين و كذا بينه و مسح الرأس فقد قدمنا الكلام عليه مفصلا فلا نعيد.

و مقتضى هذه الروايات لزوم مراعاة الترتيب بين الأفعال المذكورة و لزوم العود على ما يحصل به الترتيب على تقدير الإخلال به للنسيان سواء تذكره في الأثناء أم بعد الفراغ عن الوضوء قبل فوات الموالاة.

و اما بعد فواتها فلا بد من استئناف الوضوء لبطلانه بفوات الموالاة المعتبرة بين أجزائه.

____________

(1) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

444

..........

بقي الكلام في شيء:

____________

و هو أن مقتضى الأخبار الواردة في المقام انه إذا نسي غسل اليد اليمنى قبل غسل اليسرى فغسلهما على خلاف الترتيب المعتبر في أفعال الوضوء ثم تذكر وجب أن يغسل يمينه بعد ذلك مرة ثانية ثم يساره أيضا ثانيا و لا يكتفي بإعادة غسل اليد اليسرى فقط.

هذا كما في موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: ان نسيت غسل وجهك فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك، ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه فإن بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد على غسل الأيمن ثم اغسل اليسار، و ان نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك (1) و مرسلة الصدوق (قده) قال روي في حديث آخر فيمن بدأ بغسل يساره قبل يمينه أنه يعيد على يمينه ثم على يساره (2) الى غير ذلك من الروايات.

و لا نرى نحن وجها صحيحا لوجوب الإعادة في غسل اليد اليمنى أبدا لأن الترتيب المعتبر بين أفعال الوضوء انما يحصل بإعادة الغسل في اليد اليسرى فحسب و لا مناص معه من رفع اليد عن الأخبار الآمرة بإعادة غسلهما معا أو حملها على ما إذا غسل اليسار فقط قبل غسل اليمنى من غير أن يغسل اليمنى بعدها فإنه وقتئذ لا بد من غسل اليمنى ابتداء ثم يعيد غسل اليسرى حتى يتحقق بذلك الترتيب المعتبر في الوضوء

____________

(1) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل

445

كل عضو (1) نعم يجب مراعاة الأعلى فالأعلى كما مر و لو أخل بالترتيب و لو جهلا أو نسيانا بطل إذا تذكر بعد الفراغ و فوات الموالاة، و كذا ان تذكر في الأثناء لكن كانت نيته فاسدة (2) حيث نوى الوضوء على هذا الوجه

عدم اعتبار الترتيب بين أجزاء العضو:

____________

(1) فله أن يصب الماء على ظاهر يده من المرفق و يغسله ثم يصب الماء على باطنها فيغسل باطنها كما له ان يعكس الأمر بأن يغسل باطن يده من المرفق أولا ثم يغسل ظاهرها.

و كذلك الحال في غسل الوجه فان له أن يغسل جانبه الأيمن أولا بأن يصب الماء عليه بيده ثم يغسل الجانب الأيسر كذلك كما ان له أن يعكس الأمر فلا يعتبر الترتيب بين الاجزاء العرضية في الأعضاء.

نعم لا بد من مراعاة الأعلى فالأعلى فيما يغسله من الأطراف فإذا أراد غسل باطن يده من المرفق ابتداء فلا بد من ان يغسل الجزء المسامت للجزء المتأخر عنه أولا ثم يغسل ذلك الجزء الثاني المسامت للجزء الثالث ثانيا و هكذا يراعى الأعلى فالأعلى إلى آخر الاجزاء الواجب غسلها و هكذا الحال فيما إذا غسل ظاهر يده أو وجهه.

نعم لا تعتبر في المسامة المسامتة الدقيقة العقلية بل المسامتة العرفية كافية في تحقق الشرط المعتبر في الوضوء كما مر في محله.

(2) كما إذا قصد امتثال أمر متعلق بوضوء مقيد بان يغسل فيه اليد اليسرى قبل غسل اليمنى أو يغسل فيه الوجه بعد غسل اليدين أو بغير ذلك من القيود و الجامع أن يكون متعلق الأمر مقيدا بما لا واقع له فان الوضوء وقتئذ باطل على الإطلاق و هذا لا لأجل التشريع فحسب لتختص

446

و ان لم تكن نيته فاسدة فيعود على ما يحصل به الترتيب (1) و لا فرق في وجوب الترتيب (2) بين الوضوء الترتيبي و الارتماسي.

____________

حرمته بصورة العلم بالحال بل من جهة ان العمل غير مقرب واقعا و قصد التقرب لو تمشي في مثله لم يسبب حصول التقرب لعدم صلاحية العمل للمقربية واقعا و هذا لا يفرق فيه بين صورتي العلم و الجهل و لا بين التذكر في أثناء العمل أو بعد الفراغ عنه نعم لا بأس بالوضوء في محل الكلام فيما إذا أخطأ في التطبيق بان قصد امتثال الأمر الواقعي المتعلق بالوضوء الذي اعتقد كونه مقيدا بكذا و كذا خطأ، الا ان هذه المسألة مستدركة في المقام لان الكلام في الترتيب و انه أمر معتبر في الوضوء و يبطل بالإخلال فيه بالترتيب و اما بطلانه من غير هذه الناحية كقصد امتثال أمر متعلق بما لا واقع له فهو خارج عن محط الكلام.

(1) و قد بينا الوجه فيه مفصلا آنفا فلا يجب عليه اعادة غسل كل من اليدين فيما إذا غسل اليد اليسرى مقدما على غسل اليمنى لانه لو أعاد غسل اليسرى فحسب لحصل به الترتيب المعتبر في الوضوء.

عدم الفرق في اعتبار الترتيب بين الارتماسي و الترتيبي:

(2) أشار (قده) بذلك إلى الفرق بين الطهارتين أعني الغسل و الوضوء و ان الوضوء لا يختلف الترتيب المعتبر فيه باختلاف أنحائه و اقسامه كما يختلف في الغسل لوضوح أن غسل الرأس مقدم في الغسل على غسل الجانبين من غير خلاف كما ان غسل الجانب الأيمن مقدم على الأيسر على المشهور.

الا ان ذلك خاص بالترتيبي منه دون الارتماسي فإن الأمر ربما ينعكس في الارتماس فيغسل أولا رجليه ثم جانبيه ثم رأسه لأنه إنما يدخل

447

(الحادي عشر): الموالاة (1) بمعنى عدم جفاف الأعضاء السابقة قبل الشروع في اللاحقة فلو جف تمام ما سبق بطل، بل لو جف العضو

____________

في الماء من طرف الرجل غالبا- في الارتماس- هذا بخلاف الوضوء لأن مقتضى إطلاق أدلته ان الترتيب معتبر فيه مطلقا سواء أ كان التوضؤ بالترتيب أم بالارتماس فالارتماسي فيه كالترتيبي فان المراد بالارتماس في الوضوء انما هو ارتماس وجهه أو يده اليمنى أو اليسرى فلو قدم ما هو متأخر بطل وضوءه لا محالة.

اشتراط الموالاة في أفعال الوضوء:

(1) لا اشكال و لا خلاف في اعتبار الموالاة في الوضوء و ان كان بينهم كلام في ان الموالاة واجب شرطي فيبطل الوضوء بالإخلال بها أو انها واجب نفسي فالإخلال بها يوجب الإثم و العقاب و لا يبطل بذلك الوضوء و كيف كان فالمسألة متسالم عليها عندهم.

و توضيح الكلام في ذلك: ان مقتضى إطلاق أدلة الوضوء من الآية المباركة و الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) عدم الموالاة في الوضوء و ان حاله حال الغسل فكما لا تعتبر الموالاة في صحته فله أن يغسل رأسه في مجلس و زمان و يغسل طرفه الأيمن في وقت آخر و الأيسر في زمان ثالث فكذلك الحال في الوضوء فيتمكن المكلف من ان يغسل وجهه في زمان و يديه في وقت آخر و ان طال الفصل بينهما حسب ما يقتضيه إطلاق الأدلة كما عرفت.

نعم الفصل الطويل بين الغسلتين و المسحتين مخل بالصحة من جهة اعتبار ان يكون المسح في الوضوء بالنداوة الباقية في يد المتوضي و مع الفصل

448

..........

____________

الكثير ترتفع النداوة و ييبس المحل فلا يتحقق المسح المأمور به في الوضوء.

و على الجملة انا لو كنا نحن و هذه المطلقات لحكمنا بعدم اعتبار الموالاة- بما لها من المعنى و التفسير- في الوضوء.

و اما الأخبار الآمرة بالاتباع في الوضوء أو الاخبار الدالة على وجوب المتابعة فيه أو ما دل على ان الوضوء غير قابل للتبعيض فسيأتي ان شيئا من ذلك لا دلالة له على اعتبار الموالاة العرفية فلاحظ.

نعم ان بين الروايات روايتان و هما موثقة أبي بصير و صحيحة معاوية ابن عمار و كلتاهما عن أبي عبد اللّٰه (ع).

قال في أولا لهما: إذا توضأت بعض وضوئك و عرضت لك حاجة حتى يبس وضوئك فأعد وضوئك فإن الوضوء لا يبعض (1).

و في ثانيتهما: قلت لأبي عبد اللّٰه (ع) ربما توضأت فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ بالماء فيجف وضوئي فقال: أعد (2) و قد دلتا على عدم بطلان الوضوء بحدوث الفصل الطويل في أثنائه ما دام لم يؤد إلى جفاف الأعضاء المتقدمة و لو كان الفصل مخلا بالموالاة لدى العرف.

فنستفيد منهما ان الموالاة المعتبرة في الوضوء عند الشارع ليست هي الموالاة العرفية فحسب بل ان لبقاء الرطوبة على الأعضاء المتقدمة مدخلية تامة في تحقق الموالاة في نظره.

و هذا المعنى من الموالاة أعني عدم جفاف الأعضاء المتقدمة. و ان كان أمرا تعبديا في الجملة لا محالة الا أنه في الجملة أيضا موافق للذوق العرفي فإن الأعضاء السابقة ما دامت باقية على رطوبتها فكأنها باقية على اتصالها مع الاجزاء اللاحقة عليها لدى العرف و انما يراها منفصلة عن سابقتها إذا جفت و يبست و اما مع بقاء الرطوبة فالوحدة باقية في نظره

____________

(1) المروية في ب 33 من أبواب الوضوء من الوسائل

(2) المروية في ب 33 من أبواب الوضوء من الوسائل

449

..........

____________

و عليه فمقتضى الجمع بينهما و الأخبار المطلقة أن نكتفي في حصول شرط الوضوء بكل من الموالاة العرفية و بقاء الأعضاء المتقدمة على رطوبتها فأي منهما حصل كفى في الحكم بصحة الوضوء.

فإذا فرضنا أنه فصل بين أجزاء الوضوء بمقدار مخل للموالاة العرفية و لكن الأعضاء المتقدمة كانت باقية على رطوبتها لبرودة الهواء- مثلا- كما في الشتاء بحيث لو كان الفصل غير فصل الشتاء لجفت و يبست كفى ذلك في صحة الوضوء.

كما انا لو فرضنا أن الأعضاء السابقة- لمرض كما في بعض أقسام الحمى أو لحرارة الهواء- تجف بمجرد وصول الماء إليها الا ان الفصل المخل بالموالاة العرفية لم يتحقق في الخارج أيضا حكمنا بصحة الوضوء.

نعم إذا فرضنا أن الأعضاء السابقة قد ببست من جهة التأخير و عدم مراعاة الموالاة حكمنا عليه بالبطلان بمقتضى الموثقة و الصحيحة و هذا بخلاف ما إذا راعى الموالاة و لكن الأعضاء ببست بسبب حرارة البدن أو الهواء فان الإطلاقات المقتضية للصحة هي المحكمة وقتئذ.

فلا نشترط الموالاة العرفية على وجه الإطلاق كما لا نشترط بقاء الأعضاء السابقة على رطوبتها على الإطلاق هذا.

و قد يقال مستدلا بالموثقة و الصحيحة المتقدمتين ان المدار في بطلان الوضوء انما هو جفاف الأعضاء المتقدمة سواء استند ذلك الى التأخير و الفصل الكثير المنافي للموالاة العرفية أم استند إلى حرارة البدن أو الهواء فبجفاف الأعضاء المتقدمة يحكم بالبطلان و إن كانت المولاة العرفية غير زائلة.

لأن المذكور في الموثقة و ان كان هو يبوسة الأعضاء المتقدمة من جهة الفصل الطويل المسبب عن عروض الحاجة له الا ان التعليل الوارد في ذيلها

450

..........

____________

بقوله (ع) فان الوضوء لا يبعض يعم ما إذا حصل الجفاف من جهة حرارة البدن أو الهواء لدلالته على ان جفاف الأعضاء السابقة مبعض للوضوء سواء استند إلى ذلك أو الى ذاك هذا.

و لا يخفى ان الكبرى الواردة في ذيل الموثقة و ان كنا نسلمها و نعترف بأن الوضوء لا ببعض الا ان الكلام في ان التبعيض في الوضوء يتحقق بأي شيء و الظاهر انه لا بد أن يكون التبعيض بأحد أمرين: فاما ان يكون التبعيض بالنظر العرفي و ترك الموالاة العرفية. و اما ان يكون التبعيض بالتعبد الشرعي كما إذا حصلت اليبوسة في الأعضاء السابقة من جهة الفصل الطويل كما هو مورد الرواية.

و إذا فرضنا بقاء الموالاة العرفية في مورد فلا محالة يتوقف حصول التبعيض تعبدا بمجرد جفاف الأعضاء السابقة من جهة المرض أو الحرارة الهواء على دلالة الدليل عليه و المفروض عدمها لأن العلة الواردة في ذيل الموثقة انما تشتمل على الكبرى فقط و قد عرف انا نسلمها و نعترف بمضمونها الا انها غير متكفلة لبيان الصغرى و المصداق اعني ما به يتحقق التبعيض في الوضوء و موردها خصوص ما إذا استند جفاف الأعضاء السابقة إلى الفصل الطويل لأجل عروض الحاجة له و لا تعرض لها الى الجفاف المستند إلى حرارة البدن أو الهواء. و قد ذكرنا ان التبعيض انما يتحقق بأحد أمرين و المفروض انه لا أثر منهما في المقام هذا كله في الموثقة.

و أما صحيحة معاوية فيتوجه على الاستدلال بها في المقام ان الحكم الذي تكفلته الصحيحة قضية شخصية في واقعة و هو خطاب لمعاوية. و لا بد في مثلها من الاقتصار على المقدار المتيقن و المعلوم و هو مورد الرواية أعني ما اشتمل على قيدين: أحدهما جفاف الأعضاء السابقة. و ثانيهما: استناد ذلك إلى التأخير و الإبطاء المستندين إلى عروض الحاجة له و وجوب الإعادة

451

..........

____________

في مثله مما لا كلام فيه.

و اما التعدي عنه إلى ما اشتمل على قيد واحد و هو مجرد الجفاف و ان لم يستند إلى الإبطاء و التأخير فيما لا شاهد له و لا يمكن استفادته من الحكم الخاص أعني ما تكفلته الصحيحة في موردها.

و عليه فما ذهب إليه في المتن و وافقه عليه جملة من المحققين أعني القول بكفاية أحد الأمرين من الموالاة العرفية أعني عدم التبعيض و بقاء الرطوبة في الأعضاء هو المتين و لعل هذا القول منشأه الصدوق (قده) هذا.

ثم ان مقتضى الروايتين هو اعتبار جفاف الأعضاء السابقة بأجمعها لمكان قوله (ع) فيجف وضوئي أو حتى يبس وضوئك. فإن ظاهرهما هو جفاف تمام الوضوء و عليه فجفاف بعض الأعضاء السابقة مع رطوبة البعض الآخر مما لا يترتب عليه أثر في البطلان.

و من ذلك يظهر بطلان ما ذهب إليه الإسكافي (قده) من الحكم بالبطلان عند ما يبس شيء من الأعضاء المتقدمة لما عرفت من ان المدار في ذلك انما هو يبوسة الأعضاء السابقة بتمامها و لا دليل على بطلان الوضوء بجفاف بعضها بوجه.

و كذلك الحال فيما سلكه الحلي (قده) من ذهابه الى الحكم بالبطلان عند جفاف العضو المتقدم على العضو الذي يريد غسله أو مسحه.

و ذلك لأنه ان أراد بذلك جفاف تمام الأعضاء المتقدمة- بالملازمة- كما هو الأقرب، لأنه إذا كان التأخير بمقدار جف معه العضو المتقدم على ما يريد الاشتغال به فيجف معه الأعضاء المتقدمة عليه بطريق أولي فهو عين ما قدمناه من اعتبار جفاف الأعضاء السابقة بتمامها.

و ان أراد به جفاف خصوص العضو السابق على ما بيده و لو مع بقاء الرطوبة في العضو المتقدم عنه كما إذا كانت رطوبة وجهه باقية و قد جفت

452

..........

____________

رطوبة يده اليمنى و هو يريد الاشتغال باليد اليسرى- مثلا- فقد ظهر انه مما لا دليل عليه لأن ظاهر الصحيحة و الموثقة انما هو اعتبار الجفاف في تمام الأعضاء المتقدمة كما مر.

و مما يدلنا على بطلان هذا القول هو الاخبار الآمرة بأخذ البلة من اللحى و الحاجبين فيما إذا توضأ و نسي المسح ثم تذكر و قد جفت رطوبة يده و وجهه فان الوضوء إذا قلنا ببطلانه بجفاف العضو السابق على المسح للزم الحكم ببطلان الوضوء في موارد الأخبار المذكورة و لم يكن وجه لصحته بأخذ البلة من اللحى و الحاجبين.

فالمتحصل ان الوضوء يعتبر فيه أحد الأمرين المتقدمين: بقاء الأعضاء السابقة على رطوبتها. و الموالاة العرفية فيما إذا لم يستند جفاف الأعضاء إلى التأخير.

ما ذهب اليه جمع من الأصحاب (قدهم):

بقي الكلام فيما ذهب اليه جمع من الأصحاب «قدهم» من ان العامد في الإخلال بالموالاة العرفية يبطل وضوءه و اما المضطر الذي من جملته الناسي فهو انما يبطل وضوءه بالإخلال بالموالاة فيما إذا جفت الأعضاء المتقدمة و اما إذا تذكر مع بقاء الأعضاء المتقدمة على رطوبتها فهو محكوم بصحة الوضوء.