المسائل الناصريات

- السيد المرتضى المزيد...
446 /
55

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

57

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

58

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

59

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

60

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

61

مقدمة المؤلف

: الحمد لله [1] [2] على ما خص و عم من نعمه، و ظهر و بطن من مننه [3]، و إياه نسأل الزيادة في اليقين، و لزوم محجة الدين، التي لا يضل سالكها، و لا يهتدى تاركها، و أن يجعل أفضل صلاته و تحياته، غادية رائحة على خير خلقه، سيدنا محمد نبيه و عترته، ما أضاء نهار، و أسبل قطار.

و من بعد: فإن المسائل المنتزعة [4] من فقه الناصر [5] (رحمه الله) وصلت و تأملتها [6] و أجبت المسؤول [7] من شرحها و بيان وجوهها، و ذكر من يوافق و يخالف فيها.

____________

[1] قال بدر الدين بن أمير الدين الحوثي اليماني الزيدي الحسني: قد كتبت الحواشي لتخريج ما نسب الى الناصر في هذا الكتاب من كتب الزيدية، و عندنا سند لكتب الناصر المعروفة عند الزيدية، و سند لكتبنا التي أنقل منها هذا التخريج، و هي مشهورة متداولة بين الزيدية و مؤلفوها من أئمة الزيدية، و لهم تراجم في كتب الزيدية و غيرها، فنقلت من البحر و هو البحر الزخار تأليف الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى خمسة مجلدات ذكر فيه جمعا كبيرا من الخلافات و الحجج، و نقلت فيه من شرح التجريد تأليف الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني و هو في مذهب الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم وجده القاسم الرسي الحسني أحد أئمة الزيدية يذكر قولهما، و يحتج له، و يرد على المخالفين، و نقلت مرة من أمالي أخيه الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني.

[2] في «د» و «ط»: أحمد الله.

[3] في «د» و «ط»: من هبته.

[4] في «د» و «ط»: المتنوعة.

[5] في «ج» و «م»: الناصرية.

[6] في «د» و «ط»: و تأملت.

[7] في «د» و «ط»: إلى المسؤول.

62

و أنا بتشييد علوم هذا الفاضل البارع (كرم الله وجهه) أحق و أولى، لأنه جدي من جهة والدتي، لأنها فاطمة بنت أبي محمد الحسن [1] بن أحمد أبي [2] الحسين، صاحب جيش أبيه الناصر الكبير أبي محمد الحسن [3] بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي السجاد زين العابدين ابن الحسين السبط [4] الشهيد ابن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، و [5] الطاهرين من عقبه (عليهم السلام) و الرحمة.

و الناصر: كما تراه من أرومتي، و غصن من أغصان دوحتي، و هذا نسب عريق في الفضل [6] و النجابة و الرئاسة.

أما أبو محمد الحسن [7]: الملقب بالناصر ابن أبي [8] الحسين أحمد، الذي شاهدته و كاثرته، و كانت وفاته ببغداد في سنة ثمان و ستين و ثلاث مائة، فإنه كان خيرا فاضلا دينا، نقي السريرة، جميل النية، حسن الأخلاق، كريم النفس، و كان معظما مبجلا، مقدما في أيام معز الدولة و غيرها (رحمه الله) [9] لجلالة نسبه و محله في نفسه، و لأنه كان ابن خالة بختيار عز الدولة، فإن أبا الحسين أحمد والده تزوج كنز حجير بنت

____________

[1] في «د» أبي محمد.

[2] في «د» و «ط»: ابن الحسين.

[3] في «د» و «ط»: أبي محمد الحسن بن الحسين بن علي. و في «م»: أبي محمد الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر و في «ج»: أبي محمد الحسين بن أحمد بن الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن عمر، و لكن الصحيح ما أثبتناه في المتن.

[4] في «د» و «ط»: السيد.

[5] في «ط»: و على آله الطاهرين.

[6] في «د» و «ط»: بالفضل.

[7] في «د» و «ط» و «ج»: الحسين.

[8] كلمة «أبي» ساقطة من «م».

[9] في «د» و «ط»: رحمهما الله.

63

سهلان السالم [1] الديلمي، و هي خالة بختيار و أخت زوجة معز الدولة و لوالدته هذه بيت كبير في الديلم و شرف معروف.

و ولي أبو محمد الناصر- جدي الأدنى- النقابة على العلويين بمدينة السلام عند اعتزال والدي (رحمه الله) لها سنة اثنتين [2] و ستين و ثلاث مائة.

فأما أبو الحسين أحمد بن الحسن [3] فإنه كان صاحب جيش أبيه، و كان له فضل و شجاعة و نجابة [4] و مقامات مشهورة يطول ذكرها.

و أما أبو محمد الناصر الكبير و هو: الحسن [5] بن علي، ففضله في علمه و زهده و فقهه أظهر من الشمس الباهرة، و هو الذي نشر الإسلام في الديلم حتى اهتدوا به بعد الضلالة، و عدلوا بدعائه عن الجهالة، و سيرته الجميلة أكثر من أن تحصى، و أظهر من أن تخفى، و من أرادها أخذها من مظانها.

فأما أبو الحسن [6] علي بن الحسين [7] فإنه كان عالما فاضلا.

و أما الحسن [8] بن علي فإنه كان سيدا مقدما مشهور الرئاسة.

و أما علي بن عمر الأشرف، فإنه كان عالما، و قد روى الحديث.

و أما عمر بن علي بن الحسين و لقبه الأشرف، فإنه كان فخم السيادة، جليل القدر و المنزلة في الدولتين معا الأموية و العباسية، و كان ذا علم، و قد روي عنه

____________

[1] في «ج» كساء و في «م»: كسالم.

[2] في «د» و «ط» و «ج» اثني.

[3] في «د» و «ط»: أحمد بن الحسين و هو خطأ واضح.

[4] لا يوجد «نجابة» في «ط» و «د».

[5] في «د» و «ط»: الحسين (عليه السلام) و هو خطأ.

[6] في «د» و «ط»: أبو الحسين.

[7] بين القوسين ساقط من «د» و «ط» و الصواب: علي بن الحسن.

[8] كذا في «م» و في غيرها: «الحسين» و هو خطأ.

64

الحديث.

و روى أبو الجارود زياد بن المنذر، قال: قيل لأبي جعفر الباقر (عليه السلام): أي إخوتك أحب إليك و أفضل؟ فقال (عليه السلام): «أما عبد الله فيدي التي أبطش بها- و كان عبد الله أخاه لأبيه و أمه- و أما عمر فبصري الذي أبصر به، و أما زيد فلساني الذي أنطق به، و أما الحسين فحليم يمشي عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً، وَ إِذٰا خٰاطَبَهُمُ الْجٰاهِلُونَ قٰالُوا سَلٰاماً» [1].

و أنا الآن مبتدئ بالكلام على المسائل، و إيضاح الحق منها [2]، و من الله استمد المعونة و حسن التوفيق، فما يظفر بهما إلا من أعطاه، و لا يملكها سواه، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

____________

[1] لم نعثر عليه، في فطانة قال المامقاني: و نقله الحائري عن الناصريات قائلا: و هذا الخبر و إن كان مرسلا إلا أن ظاهر إيراد السيد (رض) كونه قطعيا. تنقيح المقال: 2- 200.

[2] أي عند المؤلف (ح).

65

كتاب الطهارة

66

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

67

المسألة الأولى [إذا وقعت النجاسة في ماء يسير نجس]

قال الناصر (رحمه الله):

«إذا وقعت النجاسة في ماء يسير نجس، تغير بها أو لم يتغير» [1].

قال الشريف الأجل المرتضى علم الهدى (رحمه الله): هذا صحيح، و هو مذهب الشيعة الإمامية و جميع الفقهاء، و إنما خالف في ذلك مالك [2]، و الأوزاعي [3] و أهل الظاهر [4] و راعوا في نجاسة الماء- القليل منه و الكثير- تغير أحد أوصافه من طعم، أو لون، أو رائحة (1).

و الحجة في صحة مذهبنا: إجماع الشيعة الإمامية، و في إجماعهم عندنا الحجة،

____________

[1] مثل هذا عن الناصر (رحمه الله) عند الزيدية في اليمن حكاه الإمام المهدي في البحر ج 1 ص 32. (ح).

[2] أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الحميري المدني الأصبحي، ولد سنة 93 هجرية، و طلب العلم و هو حدث، فأخذ عن جمع كثير منهم: الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، و نافع، و الزهري، و سعيد المقبري، و حدث عنه: ابن المبارك و القطان، و ابن مهدي، و ابن وهب و غيرهم، و توفى سنة 179 هانظر: سير أعلام النبلاء 8: 48- 1193، تذكرة الحفاظ 1: 207- 199، تهذيب التهذيب 10: 5- 3، طبقات الفقهاء للشيرازي: 42.

[3] أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي الدمشقي، إمام أهل الشام، ولد في بعلبك سنة 88 هرحل إلى طلب العلم و الحديث، فأخذ عن عطاء بن أبي رباح، و قتادة، و ربيعة، و الزهري و جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) و غيرهم، و حدث عنه: مالك، و شعبة، و الثوري، و ابن المبارك، و أبو إسحاق الفزاري و آخرون، توفي سنة 157 هانظر: تهذيب التهذيب 6: 216- 487، العبر للذهبي 1: 227، وفيات الأعيان 3:

127- 361، تذكرة الحفاظ 1: 178- 177، رجال الشيخ الطوسي: 231- 133.

[4] أهل الظاهر: هؤلاء جماعة ينتحلون مذهب داود بن علي الأصبهاني، فإنهم يجرون النصوص على ظاهرها.

و يلغون ما سوى ذلك من الرأي و التأويل و القياس، و من أكابرهم القاضي الجزري، و ابن حزم الأندلسي.

انظر: الملل و النحل 1: 187، الأنساب للسمعاني 4: 99، الفهرست لابن النديم: 271.

____________

(1) بداية المجتهد 1: 24، المجموع شرح المهذب 1: 113، المحلى بالآثار 1: 141، أحكام القرآن للجصاص 5:

205، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 42.

68

و قد دللنا على ذلك في غير موضع من كتبنا. (1)

و أيضا قوله تعالى وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ (2) و قوله تعالى وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (3)، و قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ (4).

و هذه الظواهر تقتضي تحريم النجاسة من غير مراعاة لتغير الأوصاف التي هي الطعم و اللون و الرائحة.

المسألة الثانية [إن وقعت النجاسة في ماء كثير لم ينجس]

«إن وقعت النجاسة في ماء كثير لم ينجس، ما لم يتغير أحد أوصافه، و الكثير ما بلغ قلتين فصاعدا» [1].

قد اختلف الفقهاء في هذه المسألة:

فقالت الشيعة الإمامية: إن الماء الكثير لا ينجس بحلول النجاسة فيه، إلا بأن يغير لونه أو طعمه أو رائحته.

و حد الكثير عندهم ما بلغ كرا فصاعدا.

و حد الكر ما وزنه ألف و مائتا رطل بالرطل المدني، و الرطل المدني مائة و خمسة و تسعون درهما.

و قال أبو حنيفة [2] و أصحابه: كل ماء تيقنا حصول النجاسة فيه، أو غلب في

____________

[1] حكي عن الناصر تحديد القليل بما دون القلتين و حكي في البحر ج 1 ص 32 الإجماع عليه (ح).

[2] أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، ولد سنة 80 هو تفقه على الإمام الصادق (عليه السلام) و حماد بن أبي سليمان، روى عن عطاء بن أبي رباح، و عامر الشعبي، و قتادة، و الزهري، و نافع، و أخذ عنه خلق كثير منهم: الحسن بن زياد اللؤلؤي، و زفر بن الهذيل، و محمد بن الحسن الشيباني، و أبو يوسف القاضي، توفي سنة 150 هببغداد. انظر: تاريخ بغداد 13: 323- 7297، العبر للذهبي 1: 214، ميزان الاعتدال 4:

265- 9092، وفيات الأعيان 5: 405- 765، البداية و النهاية 10: 110.

____________

(1) منها في الانتصار: 6.

(2) سورة الأعراف: الآية 157.

(3) سورة المدثر: الآية 5.

(4) سورة المائدة: الآية 3.

69

ظننا ذلك، فهو نجس لا يجوز استعماله، قليلا كان الماء أو كثيرا، تغيرت صفاته أو لم تتغير (1).

و راعى مالك، و الأوزاعي، و الشافعي [1] و أهل الظاهر في الماء القليل و الكثير تغير الأوصاف (3).

و راعي الشافعي القلتين، فما بلغه المقدار عليها لم ينجس عنه، و ما نقص عنها نجس (4).

و قال الحسن بن صالح بن حي [2]: إذا كان الماء أقل من كر و حلته نجاسة نجس،

____________

[1] كلمة «الشافعي» ذكرت في النسخة الحجرية فقط، و الشافعي: هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس ابن عثمان بن شافع القرشي المطلبي المكي، ولد بغزة سنة 150 هأخذ العلم عن عمه محمد، و سفيان بن عيينة، و مالك بن أنس، و عبد العزيز بن الماجشون و غيرهم، و حدث عنه الحميدي، و أبو عبيد، و أحمد بن حنبل، و البويطي و آخرون، مات سنة 204 هانظر تهذيب الأسماء و اللغات 1: 44- 2، طبقات الشافعية لابن هداية: 2، تهذيب التهذيب 9: 23- 39. حلية الأولياء 9: 63- 415.

[2] أبو عبد الله الهمداني الثوري، فقيه معروف، من كبار علماء بعض فرق الزيدية المدثرة، روى عن أبيه، و عبد الله بن دينارا، و سلمة بن كهيل، و سماك بن حرب و جماعة، و روى عنه وكيع بن الجراح، و أبو نعيم، و عبيد الله بن موسى و آخرون. مات سنة 167 هانظر طبقات الفقهاء للشيرازي: 66، تهذيب التهذيب 2: 248- 516، العبر للذهبي 1: 249، سير أعلام النبلاء 7: 361- 134، الفرق بين الفرق: 33.

____________

(1) اللباب في شرح الكتاب 1: 20، فتح القدير 1: 64، أحكام القرآن للجصاص 5: 204، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 42.

(3) بداية المجتهد 1: 24، الاستذكار لابن عبد البر 1: 203، المجموع شرح المهذب 1: 110، المغني لابن قدامة 1: 25.

(4) المجموع شرح المهذب 1: 112، حلية العلماء 1: 80، أحكام القرآن للجصاص 5: 205، و في «د» و «ط» (فما بلغه المقدار عليه ما لم ينجس عنه) و العبارة مضطربة.

70

و إذا كان كرا لم ينجس (1).

و حد الكر بأنه ثلاثة آلاف رطل (2).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (3).

و قد علمنا أن الماء الكثير إذا خالطته نجاسة فلم يتغير أحد [1] أوصافه، لم يخرجه من أن يكون منزلا من السماء، و من أن يكون مستحقا لهذا الوصف، فيجب أن يكون الحكم المقترن بهذا الاسم (لازما له ما لزمه هذا الاسم) [2].

و قد روى أصحاب الحديث عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا» (6).

و روت الشيعة الإمامية عن أئمتها (عليهم السلام) بألفاظ مختلفة، و وجوه مختلفة: أن الماء إذا بلغ كرا لم ينجسه ما يقع فيه من نجاسة، إلا بأن يغير أحد أوصافه (7).

و أجمعت الشيعة الإمامية على هذه المسألة، و إجماعها هو الحجة فيها.

و أما الكلام في تصحيح الحد الذي ذكرناه من الكر و تعينه بالأرطال، فالحجة في صحته إجماع الإمامية عليه و إجماعها هو الحجة.

____________

[1] كلمة «أحد» محذوفة في «د» و «ط».

[2] ما بين الهلالين ليس في «د» و «ط».

____________

(1) الخلاف للشيخ الطوسي 1: 190 مسألة 147، و انظر أحكام القرآن للجصاص 5: 205.

(2) حكاه عنه العلامة الحلي في منتهى المطلب 1: 40، و ذكره السيد المرتضى أيضا في الانتصار: 8.

(3) سورة الفرقان: الآية 48.

(6) الخلاف للشيخ الطوسي 1: 174 مسألة 127، منتهى المطلب 1: 34، عوالي الآلي 2: 16- 30 و لم نعثر على الحديث بلفظة في المجامع الحديثية للجمهور سوى ما حكاه الجزري مرسلا عن ابن سيرين كما في النهاية 4: 162.

(7) انظر الكافي 3: 2- 2، من لا يحضره الفقيه 1: 8- 12، التهذيب 1: 39- 107، الاستبصار 1: 6- 1- 3.

71

و أيضا فإن الشافعي الذي يخالفنا في تحديده بقلتين، مذهبنا أولى من مذهبه، لأن القلة اسم مشترك بين أسماء [1] مختلفة، كقلة الجبل، و الجرة، و يستعمل أيضا في ذروة كل شيء و أعلاه، و في غير ذلك. و الكر يتناول شيئا واحدا، فإن اختلفت مقاديره في البلدان و عادات أهلها فالتحديد به أولى.

فإن قيل: قد روى الشافعي ما يزيل الاحتمال في ذلك، و هو قوله: بقلال هجر [2] (3).

قلنا: قد ذكر أهل العلم أن التحديد بقلال هجر من جهة الراوي (4)، و أنه ليس من لفظ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على أن الاشتراك باق مع هذا اللفظ، لأن قلال هجر أسلم مبهم يحتمل سائر ما تقدم ذكره.

فأما الكر و إن كان مختلفا في مقاديره [3]، فليس يختلف ما يقع عليه هذا الاسم كاختلاف ما يقع عليه اسم القلة، و يجري الكر في ما يتناوله مجرى قولنا: «رجل» في أنه يقع على أمر [4] واحد غير مختلف في حقيقته، و إن اختلف الرجال في الطول، و القصر، و العلم، و الجهل، و الأوصاف المختلفة، و يجري اسم القلة مجرى قولنا:

«شيء» في اختلاف ما يتناوله.

على أننا نتمكن من استعمال خبر القلتين، و نحمله على الجرتين الكبيرتين اللتين

____________

[1] في (ن) و (م): «أشياء» بدل: «أسماء».

[2] هجر: قال الإمام النووي: هجر بفتح الهاء و الجيم قرية بقرب المدينة، و ليست هجر البحرين، المجموع 1:

121.

[3] في (د) و (ط): تقاديره.

[4] في (د) و (ط): «امرئ» بدل: «أمر».

____________

(3) المجموع شرح المهذب 1: 121، الام 1: 18، الاستذكار لابن عبد البر 1: 204، السنن الكبرى للبيهقي 1:

263.

(4) نصب الراية 1: 110- 111، المحلى بالآثار 1: 157.

72

تبلغ ما تسعانه مقدار الكر، و أصحاب القلتين لا يمكنهم استعمال خبر الكر، لأنه لا نعرف شيئا من الأكرار تبلغ خمس مائة رطل.

فإن قيل: و لا نعرف أيضا كرا يبلغ ألفا و مائتي رطل.

قلنا: الأكرار مختلفة في البلدان، و قد ذكر الناس اختلافها و مبالغها في عادات أهلها، و قالوا في الكر السليماني: أنه سدس و عشر العدد [1]، فإنه ألف و تسع مائة رطل و عشرون رطلا بالبغدادي، فإذا نقصنا من ذلك الرطل المدني و العراقي قارب المبلغ الذي ذكرناه، فمن ادعى أن الذي حددنا [2] به الكر غير معروف، مبطل على كل حال.

المسألة الثالثة [هل يفرق بين ورود الماء على النجاسة و بين ورود النجاسة على الماء]

«و لا فرق بين ورود الماء على النجاسة، و بين ورود النجاسة على الماء» [3].

هذه المسألة لا أعرف فيها نصا لأصحابنا، و لا قولا صريحا.

و الشافعي يفرق بين ورود الماء على النجاسة، و ورودها عليه، فيعتبر القلتين في ورود النجاسة على الماء، و لا يعتبر في ورود الماء على النجاسة (3).

و خالفه سائر الفقهاء في هذه المسألة، و يقوى في نفسي عاجلا- إلى أن يقع

____________

[1] في (د) و (ط): «المعدل» بدل «العدد».

[2] في (د) و (ط): حدد.

[3] ذكرها في البحر عن (ه) اي القاسمية و الناصرية اي أتباع القاسم و الناصر عموما ج 1 ص 33 (ح).

____________

(3) المجموع شرح المهذب 1: 138، حلية العلماء 1: 88، بداية المجتهد 1: 26، الاستذكار لابن عبد البر 1:

196.

73

التأمل لذلك- صحة ما ذهب إليه الشافعي.

و الوجه فيه: أنا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل الوارد على النجاسة، لأدى ذلك إلى أن الثوب لا يطهر من النجاسة إلا بإيراد كر من الماء عليه، و ذلك يشق، فدل على أن الماء إذا ورد على النجاسة لا يعتبر فيه القلة و الكثرة كما يعتبر فيما ترد النجاسة عليه.

المسألة الرابعة [الماء إذا خالطه طاهر فغير إحدى صفاته هل يجوز الوضوء به]

«الماء إذا خالطه طاهر فغير إحدى صفاته لا يجوز الوضوء به» (1).

الصحيح عندنا: أن الماء إذا خالطه بعض الأجسام الطاهرة- من جامد أو مائع- فلم يثخن به [1]، و لم يخرج عن طبعه و جريانه، و يسلبه إطلاق اسم الماء عليه، فإن الوضوء به جائز، و لا اعتبار في الغلبة بظهور اللون، أو الطعم، أو الرائحة، بل بغلبة الأجزاء على حد يسلبه إطلاق اسم الماء، و وافقنا على ذلك أبو حنيفة (2).

و راعى الشافعي، و مالك في ذلك تغير الأوصاف من لون، أو طعم، أو رائحة، و زعما أن أحد أوصاف الماء متى تغير- و لو باليسير من الطاهر- لم يجز الوضوء به (3).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه مع إجماع الفرقة المحقة، قوله تعالى:

____________

[1] في (د) و (ط): فلم ينجس به.

____________

(1) و هذه حكاها في البحر عن القاسمية و الناصرية ج 1 ص 31 (ح).

(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 19، الهداية للمرغيناني 1: 18، حلية العلماء 1: 78.

(3) الأم 1: 20، كفاية الأخيار 1: 6، المجموع شرح المهذب 1: 103، بداية المجتهد 1: 27.

74

فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا (1) فنقلنا من الماء عند فقده إلى التراب من غير واسطة، و الماء الذي خالطه يسير من زعفران يطلق عليه اسم الماء، و لا ينتقل مع وجوده إلى التراب.

و أيضا قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (2) عام في كل مائع يتأتى الاغتسال به، إلى أن يقوم دليل على إخراج بعضها.

و ليس لأحد أن يدعي: أن يسير الزعفران إذا خالطه الماء سلبه إطلاق اسم الماء، و ذلك أن إطلاق الاسم هو الأصل، و التقييد داخل عليه و طار بعده، كالحقيقة و المجاز، فمن ادعى زوال الإطلاق في الماء فعليه الدليل.

و بعد: فإنهم يقولون في ذلك إنه ماء وقع فيه زعفران، و لا يضيفونه إليه كما يضيفون الماء المعتصر من الزعفران إليه.

و مما يدل على أن تغير أحد الأوصاف لا معتبر به: أن الماء الذي يجاوره الطيب الكثير كالمسك و غيره، قد تتغير رائحته بمجاورة الطيب، و مع هذا فلا خلاف في جواز الوضوء به.

المسألة الخامسة [و لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة]

«و لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة» [1].

عندنا: أن الوضوء بشيء من الأنبذة لا يجوز، لا النية منها، و لا المطبوخة، و لا النقيعة، و هو مذهب مالك، و الشافعي، و أبي يوسف [2] و أحمد بن حنبل [3]

____________

[1] قد شملت هذه المسألة الرابعة (ح).

[2] أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي، قاضي القضاة، ولد سنة 113 هو تفقه على أبي حنيفة، و سمع أبا إسحاق الشيباني، و سليمان التيمي، و يحيى بن سعيد الأنصاري، و عطاء بن السائب و طبقته، و حدث عنه ابن معين، و أحمد بن حنبل و جماعة، له عدة تصانيف منها: الأصل، و الخراج، و أدب القاضي و غيرها، توفي سنة 182 هانظر: هداية العارفين 2: 536، العبر للذهبي 1: 284، مفتاح السعادة 2: 211، تاريخ بغداد 14: 242- 7558، رجال الطوسي: 337- 60، وفيات الأعيان 6: 378- 824.

[3] أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني، ولد سنة 164 هو اتجه إلى طلب العلم و هو ابن خمس عشرة سنة، فرحل إلى الأقطار، و كتب عن شيوخها، و أخذ عن الشافعي، و أبي يوسف القاضي، و سفيان بن عيينة و غيرهم، توفي سنة 241 هانظر: طبقات الحنابلة 1: 4، الكنى و الألقاب للقمي 1: 268، غاية النهاية في طبقات القراء 1: 112- 515، البداية و النهاية 10: 340.

____________

(1) سورة النساء: الآية 43.

(2) سورة المائدة، الآية: 6.

75

و داود [1] (6).

و أجاز أبو حنيفة التوضؤ بنبيذ التمر المطبوخ الشديد عند عدم الماء (7).

و قال محمد بن الحسن [2]: يتوضأ به و يتيمم مع فقد الماء، و أوجب الجمع بينهما في السفر (9).

دليلنا على صحة مذهبنا مع الإجماع المقدم ذكره، بل إجماع أهل البيت (عليهم السلام):

____________

[1] أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني البغدادي، إمام أهل الظاهر، كان مولده سنة 200 هو قيل سنة 202 هسمع من سليمان بن حرب، و مسدد، و إسحاق بن راهويه، و أبي ثور و طبقتهم، و حدث عنه ابنه محمد، و أبو الطيب الديباجي، و أبو نصر السجستاني، و أبو سعيد الحسن بن عبيد الله، له كتب منها: الإيضاح، و الإفصاح، و الدعوى و البينات و غيرها، توفي سنة 270 هانظر: لسان الميزان 2: 422- 1842، طبقات الفقهاء للعبادي: 58، تذكرة الحفاظ 2: 572- 597، طبقات الفقهاء للشيرازي: 76.

[2] أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، ولد بواسط سنة 132 هو نشأ بالكوفة، و أخذ عن أبي حنيفة، و أبي يوسف، و الثوري، و مالك، و الأوزاعي و غيرهم، و له كتاب الجامع الصغير، الأصل، الحجة على أهل المدينة و غيرها، توفي سنة 189 هانظر: الجرح و التعديل للرازي 7: 227- 1253، ميزان الاعتدال 3: 513- 7374، تاريخ بغداد 2: 172، المجروحين للبستي 2: 275.

____________

(6) المدونة الكبرى 1: 4، المجموع شرح المهذب 1: 92- 93، المغني لابن قدامة 1: 9، المحلى بالآثار 1: 195.

(7) المبسوط للسرخسي 1: 88، الأصل للشيباني 1: 75، بداية المجتهد 1: 34، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 13: 51.

(9) الأصل للشيباني 1: 74- 75.

76

قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا (1) فنقلنا من الماء إلى التراب من غير واسطة، و أبو حنيفة يخالف هذا الظاهر، لأنه يجعل بينهما واسطة هي النبيذ.

و ليس له أن يقول: إن في النبيذ ماء، فمن وجده كان واجدا للماء، و لا يجوز انتقاله إلى التراب.

و ذلك أن ليس كل شيء كان فيه ماء، يطلق اسم الماء عليه، لأن الخل، و ماء الورد، و سائر المائعات فيها ماء و لا يطلق عليها اسم الماء، و يتيمم مع وجودها.

على أنه لو تناول النبيذ اسم الماء لدخل تحت الآية [كدخول الماء المطلق، و وجبت مساواة النبيذ الماء في حكم الآية] [1]، و يلزم جواز الوضوء بالنبيذ مع وجود الماء لأنه جار مجراه، و قد أجمعوا على خلاف ذلك.

على أن الأنبذة المسكرة عندنا نجسة، و لا يجوز الوضوء بها و هي نجسة، و ما ليس بمسكر منها فما دل على أن المائعات كالخل و ما أشبهه لا يجوز الوضوء بها يدل على أنه لا يجوز الوضوء به.

و قد استقصينا في كتابنا مسائل الخلاف بين سائر الفقهاء [2] الكلام في أنه لا يجوز الوضوء بالأنبذة، و تكلمنا على خبر ليلة الجن [3] و وصفناه، فمن أراد

____________

[1] ما بين المعقوفين ساقط من (د) و (ط).

[2] الكتاب غير متوفر لدينا، و سيأتي منه (قده) الإحالة على هذا الكتاب في كثير من استدلالاته. لاحظ على سبيل المثال الصفحات: 13، 25، 42.

[3] و قد جاء في بعض ألفاظ هذا الخبر كما عن السنن الكبرى للبيهقي:

«عن ابن مسعود قال: أتانا رسول الله (عليه السلام) فقال: إني قد أمرت أن أقرأ على إخوانكم من الجن، ليقم معي رجل منكم، و لا يقم معي رجل في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، فقمت معه و معي إداوة من ماء. إلى أن قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لابن مسعود: هل معك من وضوء؟ قلت: لا. قال: فما ذا في الإداوة؟ قلت: نبيذ. قال:

تمرة حلوة و ماء طيب. ثم توضأ و أقام الصلاة. إلى آخره. قال النووي في مقام رده على هذه الروايات في كتابه (المجموع) ما نصه: و لقد أحسن و أنصف الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي إمام الحنيفة في الحديث، و المنتصر لهم، حيث قال في أول كتابه: إنما ذهب أبو حنيفة و محمد إلى الوضوء بالنبيذ اعتمادا على حديث ابن مسعود، و لا أصل له، فلا معنى لتطويل كتابي بشيء فيه. انظر: المجموع شرح المهذب 1: 95، و السنن الكبرى للبيهقي 1: 9، سنن الترمذي 1:

147- 88، سنن أبي داود 1: 21- 84، سنن ابن ماجة 1: 135- 384، سنن الدار قطني 1: 78- 16، مصنف ابن أبي شيبة 1: 25.

____________

(1) سورة النساء، الآية: 43، و المائدة، الآية: 6.

77

الاستقصاء وجده هناك.

المسألة السادسة [هل يجوز الوضوء بالماء المستعمل]

«و لا يجوز الوضوء بالماء المستعمل» (1).

و عندنا أن الماء المستعمل في تطهير الأعضاء و البدن الذي لا نجاسة عليه، إذا جمع في إناء نظيف كان طاهرا مطهرا، و وافقنا في ذلك الحسن [1]، و النخعي [2]، و الزهري [3]، و الثوري [4]، و مالك، و داود (2).

____________

[1] أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، يقال مولى زيد بن ثابت، من فقهاء التابعين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، نشأ بالمدينة، ثم صار كاتبا في دولة معاوية لوالي خراسان الربيع بن زياد، حدث عن عثمان، و عمران بن حصين، و المغيرة بن شعبة، و سمرة بن جندب، و خلق، و حدث عنه ابن عون، و يونس، و مالك بن دينار و أمم سواهم، مات بالبصرة سنة 110 هانظر: طبقات المفسرين للداودي 1:

150- 144، حلية الأولياء 2: 131- 169، طبقات الفقهاء للشيرازي: 68، تهذيب التهذيب 2:

231- 488.

[2] أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي اليماني، الفقيه التابعي، مفتي أهل الكوفة، روى عن خاله، و مسروق، و أبي زرعة، و شريح القاضي و غيرهم، و روى عنه الحكم بن عتيبة، و سماك بن حرب و سليمان الأعمش و خلق سواهم، مات سنة 96 هانظر تهذيب الكمال 2: 233- 265، الكنى و الألقاب للقمي 3:

211، وفيات الأعيان 1: 25، تذكرة الحفاظ 1: 73.

[3] أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي المدني، ولد سنة 50 ه، عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، روى عن أبي عمر، و عبد الله بن جعفر، و سهل بن سعد، و أنس بن مالك و غيرهم، و عنه الأوزاعي، و الليث، و مالك، و سفيان بن عيينة و أمم سواهم، مات في شهر رمضان سنة 124 هانظر: التاريخ الكبير للبخاري 1: 220- 693، العبر للذهبي 1: 158، البداية و النهاية 9: 354، طبقات الفقهاء للشيرازي، 35، رجال الطوسي: 101- 5.

[4] أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ولد في خلافة سليمان بن عبد الملك سنة 96 هو قيل سنة 97، عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، روى عن الأعمش، و أبي حصين، و الأوزاعي، و مالك، و ابن المبارك، و حفص بن غياث و غيرهم. مات سنة 161 هانظر: تهذيب التهذيب 4: 99- 199، تهذيب الأسماء و اللغات 1: 22- 215، رجال الطوسي: 212- 162، وفيات الأعيان 2:

386- 366.

____________

(1) حكاه في البحر عن أكثر القاسمية و الناصرية ج 1 ص 34 (ح).

(2) المغني لابن قدامة 1: 18، المحلى بالآثار 1: 182، المدونة الكبرى 1: 4، المجموع شرح المهذب 1: 151، نيل الأوطار للشوكاني 1: 28، إرشاد الساري 1: 269.

78

و قد قيل: إن مالكا كرهه بعض الكراهية (6).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: إن الماء المستعمل لا يجوز الوضوء به (7).

و اختلفوا في نجاسته.

فقال أبو يوسف: هو نجس، و روي مثل ذلك عن أبي حنيفة (8).

و الصحيح من قول أبي حنيفة أنه طاهر غير مطهر، و هو قول محمد بن الحسن (9).

و قال الشافعي: إنه طاهر و غير مطهر إيضا (10)، و قد حكى عنه عيسى بن أبان [1]: أنه طاهر مطهر (12)، و ذلك غير معمول عليه.

____________

[1] أبو موسى عيسى بن أبان بن صدقة بن عدي البغدادي، تلميذ محمد بن الحسن، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، حدث عن إسماعيل بن جعفر، و هشيم، و يحيى بن أبي زائدة، و عنه الحسن بن سلام و غيره، توفي سنة 220 أو 221 هانظر: الفهرست لابن النديم: 258، هدية العارفين 1: 806، الجواهر المضية 1: 401، سير أعلام النبلاء 10: 440- 141.

____________

(6) بداية المجتهد 1: 28، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 48.

(7) المبسوط للسرخسي 1: 46، الهداية للمرغيناني 1: 19- 20.

(8) اللباب في شرح الكتاب 1: 23، الهداية للمرغيناني 1: 20، المبسوط للسرخسي 1: 46.

(9) المبسوط للسرخسي 1: 46، الهداية للمرغيناني 1، 19- 20، اللباب في شرح الكتاب 1: 23، الأصل للشيباني 1: 25.

(10) المجموع شرح المهذب 1: 151.

(12) حلية العلماء 1: 97، المجموع شرح المهذب 1: 150.

79

و الدليل على صحة مذهبنا: الإجماع المقدم ذكره.

و أيضا قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (13) و هذا عموم في المستعمل و غيره، لأن الاستعمال لا يخرجه عن كونه منزلا من السماء.

و أيضا قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا (14) و الواجد للماء المستعمل واجد لما يتناوله اسم الماء.

و أيضا قوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (15) فأجاز عز و جل الدخول في الصلاة بعد الاغتسال، و من اغتسل بالماء المستعمل يتناوله اسم المغتسل بلا شبهة.

و لا معنى لخلاف من يخالف في أن إطلاق اسم الماء لا يتناول المستعمل، و يدعي أنه بالاستعمال قد خرج عن تناول الاسم له.

و ذلك أن الوصف للماء بأنه مستعمل وصف غير مؤثر فيه، و لا مخرج له من تناوله لاسم الماء المطلق، و يجري في ذلك مجرى الماء المشمس، و المبرد، و المسخن.

و مما يدل على أن بالاستعمال لمن يخرج عن تناول اسم الماء المطلق حتى يصير في حكم ماء الورد و ماء الباقلاء، أنه لو شربه من حلف أنه لا يشرب ماء لحنث باتفاق، و لو شرب ماء الورد لم يحنث، و قد استقصينا هذه المسألة أيضا في مسائل الخلاف.

____________

(13) سورة الأنفال، الآية: 11.

(14) سورة النساء، الآية: 43.

(15) سورة النساء، الآية: 43.

80

المسألة السابعة [هل يجوز التوضؤ بالماء المغصوب]

«و لا يجوز التوضؤ بالماء المغصوب» (1).

و تحقيق هذه المسألة: إنه لا خلاف بين الأمة في أن استعمال الماء المغصوب قبيح لا يجوز في الشريعة، لأنه تصرف في ملك الغير بلا إذنه.

و ليس المراد بقولهم: إنه يجوز التوضؤ به أو لا يجوز هذا المعنى، بل المراد بذلك:

هل يكون من توضأ بالماء المغصوب، و فعل قبيحا بتصرفه فيه، و استحق العقاب و الذم، مزيلا لحدثه و مستبيحا بذلك الصلاة، أو لا يكون كذلك؟ [1].

و عندنا أن الوضوء بالماء المغصوب لا يزيل الحدث، و لا يبيح الصلاة، و خالف سائر الفقهاء في ذلك و ادعوا: أن الوضوء به مجز و مزيل الحدث و إن كان قبيحا (2).

و الدليل على صحة مذهبنا: الإجماع المتقدم ذكره، و أيضا فقد دل الدليل على أن الوضوء عبادة و قربة، و مما يستحق به الثواب، و لا يجوز التقرب إلى الله تعالى و استحقاق الثواب منه بالمعاصي، و لا خلاف أن الوضوء بالماء المغصوب معصية و قبيح و حرام.

و أيضا فلا خلاف في أن نية القربة و العبادة في الوضوء مسنونة مندوب إليها، و لا يجوز أن يتقرب إلى الله تعالى بالمعاصي و القبائح.

____________

[1] في (د) و (ط): لذلك.

____________

(1) حكاها في البحر عن القاسمية و الناصرية ج 1 ص 37 (ح).

(2) انظر المغني لابن قدامة 1: 63، المجموع شرح المهذب 1: 247.

81

المسألة الثامنة [و لا يجوز التحري في الأواني]

«و لا يجوز التحري في الأواني و إن كانت جهة [1] الطاهر أغلب» (1).

و هذا صحيح، و إليه ذهب أصحابنا.

و قال أبو حنيفة و أصحابه: لا يجوز التحري في الإناءين، و يجوز في ما عدا ذلك إذا كانت الغلبة للطاهر (2).

و أجاز الشافعي التحري في الإناءين، و في ما زاد على ذلك (3).

دليلنا على المنع من التحري في الآنية التي يتيقن نجاسة أحدهما: قوله تعالى:

فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا (4)، و إنما عنى بالوجود القدرة على الماء الطاهر و التمكن منه، و من لا يعرف الشيء بعينه و لا يميزه، فليس يتمكن منه و لا واجد له، و لأنه تعالى لم يذكر التحري في الآية، بل أمر باستعمال الماء عند وجوده، و التراب عند فقده من غير أمر بالتحري، فمن أوجبه فقد زاد في الظاهر ما لا يقتضيه.

المسألة التاسعة [سؤر السباع نجس]

«سؤر السباع نجس». (5)

الصحيح عندنا أن سؤر جميع البهائم من ذوات الأربع و الطيور- ما خلا الكلب

____________

[1] في (د) و (ط) «حجة» بدل «جهة».

____________

(1) حكاها في البحر عن الناصر ج 1 ص 39 (ح).

(2) انظر: أصول السرخسي 2: 14، حلية العلماء 1: 104، المجموع شرح المهذب 1: 181، المغني لابن قدامة 1: 50.

(3) الام 1: 25، المجموع شرح المهذب 1: 180، حلية العلماء 1: 103، المهذب للشيرازي 1: 9.

(4) سورة النساء، الآية: 43، المائدة، الآية: 6.

(5) حكاها في البحر عن الناصر ج 1 ص 39 (ح).

82

و الخنزير- طاهر يجوز الوضوء به.

و يكره سؤر ما يأكل الجيف و الميتة من هذه الجملة، و كذلك يكره سؤر الجلال، و بمثل ذلك قال الشافعي (1).

و قال مالك: أسآر جميع الحيوان طاهر (2)، و هو مذهب أهل الظاهر (3).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: سباع ذوات الأربع كلها نجسة، و كذلك أسآرها، ما خلا الهر فإن سؤرها طاهر، إلا أن الوضوء به مكروه، و إن فعل أجزأ (4)، و لم يكره أبو يوسف سؤر الهر (5).

و أما سؤر جميع سباع الطير، و حشرات الأرض كالفأرة، و الحية، و ما أشبهها، فتجري عندهم مجرى سؤر الهر في كراهية الوضوء به (6).

دليلنا على كراهية سؤر ما ذكرناه و جواز الوضوء، قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (7).

و قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (8)، و قد علمنا أن شرب البهائم منه لا يخرجه من أن يكون منزلا من السماء، فيجب بقاؤه على أصل الطهارة.

____________

(1) المجموع شرح المهذب 1: 172، حلية العلماء 1: 313.

(2) بداية المجتهد 1: 29، الاستذكار لابن عبد البر 1: 258، المدونة الكبرى 1: 5، حلية العلماء 1: 313، المحلى بالآثار 1: 140، المجموع شرح المهذب 2: 580، المبسوط للسرخسي 1: 48.

(3) المحلى بالآثار 1: 138، حلية العلماء 1: 313، المغني لابن قدامة 1: 41، الاستذكار لابن عبد البر 1: 261.

(4) المبسوط للسرخسي 1: 48، شرح فتح القدير 1: 95، الهداية للمرغيناني 1: 23.

(5) المبسوط للسرخسي 1: 51، الهداية للمرغيناني 1: 23.

(6) اللباب في شرح الكتاب 1: 29، الهداية للمرغيناني 1: 23، الأصل للشيباني 1: 32.

(7) سورة الفرقان، الآية: 48.

(8) سورة الأنفال، الآية: 11.

83

و قد روى أصحاب الحديث نقلا مستفيضا عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه سئل فقيل له:

أ يتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: «نعم و بما أفضلت السباع» (1).

فأما نفي كراهية سؤر الهر، فالدليل عليه ما روي عن كبشة بنت كعب بن مالك [1] أنها قالت: دخلت على أبي قتادة [2] فسكبت له وضوءا، فأتت الهر فشربت منه، فأصغى [3] لها الإناء، فنظرت اليه فقال: أ تعجبين يا ابنة أخي! سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: «الهر ليس بنجس» (5).

و هذا صريح في نفي كراهية سؤرها.

و قد روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه كان يصغي لها الإناء، و كان يتوضأ بسؤرها (6).

____________

[1] في (م) و (ج) «كسبة» بدل «كبشة». و هو تصحيف، و الصحيح ما أثبتناه، و هي: كبشة بنت كعب بن مالك الأنصارية السلمية، امرأة ابن أبي قتادة، روت عن أبي قتادة الأنصاري، و روت عنها بنت أختها أم يحيى حميدة بنت عبيد. انظر: أسد الغابة 5: 537، تهذيب التهذيب 12: 475- 2878، تهذيب الكمال 35:

290- 7916، الثقات لابن حبان 3: 357 و 5: 344.

[2] الحارث بن ربعي الأنصاري السلمي، شهد بدرا و أحدا و ما بعدها، و كان يعبر عنه بفارس النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بالمدينة سنة 54 هو صلى عليه أمير المؤمنين (عليه السلام). انظر: الكنى و الألقاب 1: 146، الإصابة في تمييز الصحابة 4: 158- 921، رجال الطوسي: 16- 10، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 4: 161، معجم رجال الحديث 4: 194- 2468.

[3] أصغى الإناء: أماله و حرفه على جنبه ليجتمع ما فيه. لسان العرب 14: 461 مادة (صغا) و في (د) و (ط) و (ج): أكفأ.

____________

(1) السنن الكبرى البيهقي 1: 249، سنن الدار قطني 1: 62- 2 و 3، مسند الشافعي (ضمن كتاب الام) 8:

446، نصب الراية 1: 136.

(5) سنن أبي داود 1: 19- 75، سنن ابن ماجة 1: 131- 367، سنن الترمذي 1: 153- 92، الموطأ 1:

22- 13، سنن الدار قطني 1: 70- 22، السنن الكبرى البيهقي 1: 245، مسند أحمد 5: 303، جامع الأصول 7: 102- 5075.

(6) انظر: سنن أبي داود 1: 20- 76، سنن الدار قطني 1: 66- 1، السنن الكبرى البيهقي 1: 245، مستدرك الوسائل 1: 220- 408 و 409.

84

المسألة العاشرة [سؤر المشرك نجس]

«سؤر المشرك نجس» [1].

عندنا: أن سؤر كل كافر- بأي ضرب من الكفر كان كافرا- نجس لا يجوز الوضوء به.

و أجاز الوضوء بذلك أبو حنيفة و أصحابه (1).

و حكى الطحاوي [2] عن مالك في سؤر النصراني و المشرك أنه لا يتوضأ به (3).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الفرقة المحقة قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (4)، و في هذا تصريح بنجاسة أسآرهم.

و روى عبد الله بن المغيرة [3]، عن سعيد الأعرج [4]، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)

____________

[1] حكى المهدي في البحر عن الناصر انه يقول بنجاسة الكافر في ج 1 ص 12 و ذكر في الأسآر ان الخلاف في سؤر الكافر تابع للخلاف فيه (ح).

[2] أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي المصري الطحاوي، ولد سنة 239 هبطحا قرية من صعيد مصر، كان أولا على مذهب الشافعي ثم تحول إلى مذهب الحنفية لمسألة جرت له مع خاله أبي إبراهيم إسماعيل المزني، سمع الحديث من يونس بن عبد الأعلى، و هارون بن سعيد الايلي، و إبراهيم ابن أبي داود، و أبي بكرة بكار بن قتيبة القاضي و غيرهم، و روى عنه ابنه علي، و أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، و عبد العزيز الجوهري و آخرون، مات سنة 321 هله من الكتب: اختلاف الفقهاء، أحكام القرآن معاني الآثار، الوصايا، و غيرها، انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 120، لسان الميزان 1:

274- 836، العبر للذهبي 2: 11، الأنساب للسمعاني 4: 53، مرآة الجنان 2: 281.

[3] أبو محمد البجليّ الكوفي، مولى جندب بن عبد الله بن سفيان، من أصحاب الإمامين الكاظم و الرضا (عليهما السلام)، عده الكشي من أصحاب الإجماع، و أكد على وثاقته النجاشي و قال: إنه لا يعدل به أحد في جلالته و دينه و ورعه. انظر: رجال الكشي: 556- 1050، رجال الطوسي: 355- 21 و 379- 4، رجال النجاشي: 215- 561.

[4] أبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن (عبد الله) الأعرج السمان التيمي مولاهم، كوفي، ثقة، روى عن الإمامين أبي عبد الله، و موسى بن جعفر (عليهما السلام)، و روى عنه إسحاق بن عمار، و عبد الله بن المغيرة، و علي بن النعمان، و محمد بن هيثم التميمي و غيرهم. انظر: رجال العلامة: 80- 6، رجال النجاشي: 181- 477، معجم رجال الحديث 8: 105- 5099، تنقيح المقال 2: 27- 4845.

____________

(1) الأصل للشيباني 1: 78.

(3) انظر: المدونة الكبرى 1: 14.

(4) سورة التوبة، الآية: 28.

85

عن الوضوء بسؤر اليهودي و النصراني، فقال: «لا» (7).

المسألة الحادية عشرة [سؤر الحمار طاهر]

«سؤر الحمار طاهر» [1].

الصحيح عندنا طهارة سؤر الحمار، و جواز الوضوء به، و هو قول مالك، و الأوزاعي، و الشافعي، و أهل الظاهر (8).

و قال أبو حنيفة و أصحابه، و الثوري: لا يجوز الوضوء به (9).

و أوجب أبو حنيفة عند عدم الماء المتيقن طهارته، الجمع بين الوضوء بسؤر الحمار و التيمم (10).

دليلنا على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة عليه، و الخبر الذي رويناه قبل

____________

[1] و هو مذهب الهادوية و في مجموع زيد بن علي انه إذا لم يكن له لعاب أجزأ التطهر به (ح).

____________

(7) الكافي 3: 11- 5، التهذيب 1: 223- 638، الاستبصار 1: 18- 36.

(8) المدونة الكبرى 1: 5، المجموع شرح المهذب 1: 172، المحلى بالآثار 1: 138، المغني لابن قدامة 1: 42.

(9) الأصل للشيباني 1: 253، الهداية للمرغيناني 1: 24.

(10) الأصل للشيباني 1: 128، الهداية للمرغيناني 1: 24، اللباب في شرح الكتاب 1: 29، المبسوط للسرخسي 1: 50، شرح فتح القدير 1: 102.

86

هذه المسألة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من إجازته الوضوء بما أفضلت الحمر (1).

و ليس لهم أن يحملوا لفظة «الحمر» على الوحشية، لأن ذلك تخصيص للعموم بغير دليل، و لأن من حرم سؤر الحمار الأهلي إنما بناه على تحريم لحمه، و عندنا أن لحمه مباح فسؤره تابع للحمه.

المسألة الثانية عشرة [كل حيوان يؤكل لحمه فبوله و روثه طاهر]

«كل حيوان يؤكل لحمه، فبوله و روثه طاهر» [1].

هذا صحيح، و هو مذهب مالك، و الثوري، و زفر [2] و الحسن بن حي (3).

و قال محمد بن الحسن في البول خاصة بمثل قولنا، و خالفنا في الروث (4).

و قال أبو حنيفة، و أبو يوسف، و الشافعي: بول ما يؤكل لحمه و روثه نجس، كنجاسة ذلك مما لا يؤكل لحمه (5).

____________

[1] و هذا حكاه في البحر ج 1 ص 8 عن العترة اي القاسمية و الناصرية و رمزهم فيه هكذا (ه) في البحر كله (ح).

[2] أبو الهذيل زفر بن الهذيل بن قيس العنبري الفقيه، صاحب أبي حنيفة، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي و القياس، عده الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، توفي بالبصرة سنة 158 هعن ثمان و أربعين سنة. انظر: لسان الميزان 2: 476- 1919، طبقات الفقهاء للشيرازي: 113، طبقات ابن سعد 6: 387، وفيات الأعيان 2: 317، رجال الطوسي: 201- 96.

____________

(1) سنن الدار قطني 1: 62- 2 و 3، السنن الكبرى البيهقي 1: 249، نصب الراية 1: 136، مسند الشافعي (ضمن كتاب الام) 8: 446 و قد تقدم في صفحة 19.

(3) بداية المجتهد 1: 82، المحلى بالآثار 1: 170، حلية العلماء 1: 306، المجموع شرح المهذب 1: 549، شرح فتح القدير 1: 181.

(4) المبسوط للسرخسي 1: 54 و 61، الأصل للشيباني 1: 30، حلية العلماء 1: 306.

(5) المبسوط للسرخسي 1: 54، الأصل للشيباني 1: 30، 37، المجموع شرح المهذب 2: 549، بداية المجتهد 1: 82.

87

الدليل على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة عليه.

و ما رواه البراء بن عازب [1] عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «ما أكل لحمه فلا بأس ببوله» (2).

و في خبر آخر «لا بأس ببوله و سلحه» (3) و روى حميد [2] عن أنس [3]: «أن قوما من عرينة» [4] قدموا على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) المدينة فاستوخموها [5] فانتفخت أجوافهم، فبعثهم إلى لقاح الصدقة ليشربوا من أبوالها (8).

____________

[1] البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الحارثي، يكنى أبا عمارة، و قيل: أبا عمرو أو أبا عامر، من أعيان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، غزا مع النبي أربع عشرة غزوة، و شهد مع الإمام علي الجمل و صفين و النهروان، مات بالكوفة سنة 72 هانظر: أسد الغابة 1: 171، رجال الطوسي: 8- 3، 35- 2، تهذيب التهذيب 1: 372- 785، معجم رجال الحديث 3: 275- 1653.

الإصابة في تمييز الصحابة 1: 146- 618.

[2] أبو عبيدة حميد بن أبي حميد الطويل الخزاعي مولاهم، أحد التابعين البصريين، روى عن أنس ابن مالك، و الحسن البصري، و بكير بن عبد الله المزني و غيرهم، و عنه ابن أخته حماد بن سلمة، و السفيانان، و القطان، و عبد الله السهمي و آخرون، مات سنة 143 هو قيل سنة 142 هانظر: تهذيب التهذيب 3: 34- 65، العبر للذهبي 1: 194، الجرح و التعديل للرازي 3: 219- 961.

[3] أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، ولد قبل عام الهجرة بعشر سنين، روى عن أبي بكر، و عمر و عثمان و جماعة، و عنه الحسن، و ابن سيرين، و الشعبي، و أبو قلابة و آخرون، توفي سنة 93 هو قيل غير ذلك. انظر: أسد الغابة 1: 127، سير أعلام النبلاء 3: 395- 296، الإصابة في تمييز الصحابة 1: 71، رجال الطوسي: 3- 5.

[4] عرينة: كجهينة قبيلة عربية من بجيلة من قحطان، انظر معجم قبائل العرب 2: 776، الأنساب للسمعاني 8:

435.

[5] في (د): «فاستوبوها» بدل «فاستوخموها».

____________

(2) سنن الدار قطني 1: 128- 3، السنن الكبرى للبيهقي 2: 413، كنز العمال 9: 368- 26550.

(3) سنن الدار قطني 1: 128- 6.

(8) صحيح البخاري 2: 632- 1403، صحيح مسلم 3: 1296- 1671، سنن الترمذي 1: 106- 72، سنن النسائي 7: 95، سنن ابن ماجة 2: 861- 2578، سنن أبي داود 4: 131- 4367، سنن الدارقطني 1:

131- 1، مسند أحمد 3: 107 و 205.

88

فلو كان بولها نجسا لما جاز ذلك.

و قوله (عليه السلام) لعمار [1] (رحمه الله): «إنما يغسل الثوب من البول، و الدم، و المني» (2).

فدل ظاهره على ما ذكرناه، لأن لفظة «إنما» يقتضي ظاهرها التخصيص و نفي الحكم عما عدا المذكور.

فإن قيل: ففي الخبر ذكر البول.

قلنا: ظاهره يدل على أنه لا يغسل من الروث، و لم يقل أحد من الأمة أن الروث طاهر و البول نجس، و بالخبر يعلم طهارة الروث، و بالإجماع يعلم أن البول مثله، فيحمل ذكر البول في الخبر على أن المراد به ما لا يؤكل لحمه.

المسألة الثالثة عشرة [بول الإنسان نجس]

«و بول الصبي الذي لم يطعم نجس كبوله إذا طعم» [2].

الصحيح في تقرير [3] هذه المسألة: أنه لا خلاف بين العلماء في نجاسة أبوال بني آدم صغيرهم و كبيرهم، و إنما اختلفوا في بول الصبي قبل أن يطعم، فأوجب قوم فيه

____________

[1] أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر بن مالك المذحجي العنسي، حليف بني مخزوم، و هو و أبوه و امه من السابقين، روي أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال فيه: «عمار ملي إيمانا إلى مشاشه» و قال: «ثلاثة تشتاق إليهم الجنة:

علي، و سلمان، و عمار» و مناقبه و فضائله كثيرة جدا، استشهد بصفين سنة 37 هانظر: أسد الغابة 4: 43، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2: 476، الإصابة في تمييز الصحابة 2: 512- 5704، مجمع الرجال 7:

113، رجال الطوسي: 24- 33.

[2] و هذا حكاه في البحر ج 1 ص 19 عن العترة اي القاسمية و الناصرية (ح).

[3] في النسخ: «تقدير».

____________

(2) سنن الدار قطني 1: 127- 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 14.

89

الغسل كبول الكبير، و ذهب آخرون إلى أن الغسل لا يجب، و إنما يجب الرش و النضح، و من حكي عن الشافعي أنه ليس بنجس، فقد و هم عليه (1).

و عندنا: أن بول الغلام الصغير لا يجب غسله من الثوب، بل يصب عليه الماء صبا، فإن كان قد أكل الطعام وجب غسله، و جائز أن يغسل الثوب من بوله على كل حال.

و قال الشافعي بمثل مذهبنا، و نص على أنه يكفي فيه الرش (2).

و قال الأوزاعي: لا بأس ببول الصبي ما دام يشرب اللبن و لا يأكل الطعام (3)، و معنى هذا القول من الأوزاعي أنه لا بأس بترك غسله، و العدول إلى النضح و الرش.

و قال أبو حنيفة، و مالك، و الثوري، و ابن حي: بول الصبي و الصبية كبول الرجل، يجب غسل الجميع، و لم يفرقوا (4).

فأما الذي يدل على نجاسة بول الصبي ما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «استنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه» (5) و لم يفصل بين بول الصغير و الكبير.

و قوله (عليه السلام) لعمار: «إنما يغسل الثوب من البول و الدم و المني» (6) و لم يفصل.

و أما الذي يدل على خفة بول الرضيع، و جواز الاقتصار على صب الماء

____________

(1) انظر: الاستذكار لابن عبد البر 2: 67.

(2) مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 111، المجموع شرح المهذب 2: 590، المغني لابن قدامة 1: 734، نيل الأوطار 1: 58.

(3) المجموع شرح المهذب 2: 590، الاستذكار لابن عبد البر 2: 67، حلية العلماء 1: 322.

(4) الفتاوى الهندية 1: 46، الاستذكار لابن عبد البر 2: 67، حلية العلماء 1: 322، المغني لابن قدامة 1: 735، المجموع شرح المهذب 2: 590.

(5) سنن الدارقطني 1: 128- 7، كنز العمال 9: 347- 26375.

(6) سنن الدارقطني 1: 127- 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 14.

90

و النضح فهو إجماع الفرقة المحقة.

و ما رواه أمير المؤمنين [1] (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «يغسل من بول الجارية، و ينضح [2] من بول الصبي ما لم يأكل الطعام» (3).

و روت لنا لبابة بنت الحارث [4] أن النبي (عليه السلام) أخذ الحسين بن علي [5] (عليه السلام)

____________

[1] الإمام أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و صهره على ابنته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، و أبو السبطين الإمام الحسن و الإمام الحسين، أول القوم إسلاما و أخلصهم إيمانا و أشدهم يقينا و أخوفهم لله، و الأحاديث في فضله و مناقبه كثيرة، غزيرة جدا، حتى روى الجويني الشافعي أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «لو أن الغياض أقلام، و البحر مداد، و الجن حساب، و الإنس كتاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب» ولد (سلام الله عليه) في مكة المكرمة، في الكعبة المشرفة قبل البعثة باثنتي عشرة سنة، و قتل سنة 40 هفي شهر رمضان، ضرب ليلة تسع عشرة، و قبض ليلة إحدى و عشرين. انظر: أسد الغابة 4: 16، الإصابة في معرفة الصحابة 2:

507- 5688، تاريخ بغداد 1: 133- 10، تذكرة الحفاظ 1: 10- 4، طبقات ابن سعد 3: 19، أعيان الشيعة 1: 323، فرائد السمطين 1: 16.

[2] النضح: الرش. لسان العرب 2: 618 مادة (نضح) و في (د) و (ط) ينضح على.

[4] ورد في (ج): «روت لباب بنت الجون». و في الأصول الأخرى: «زينب بنت الجون» و هو تصحيف، و الصحيح ما اثبت، و هي لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم الهلالية أم الفضل، زوج العباس بن عبد المطلب و أم أكثر بنيه، و أخت ميمونة زوج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و يقال إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، فكان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يزورها و يقبل عندها. انظر أسد الغابة 5: 539، الإصابة في تمييز الصحابة 4: 483- 1448، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 4: 398، رجال الطوسي: 33- 14.

[5] سيد الشهداء الإمام أبو عبد الله الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثالث أئمة أهل البيت الطاهرين، و ثاني السبطين و سيدي شباب أهل الجنة، أمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، ولد بالمدينة في الثالث من شعبان، و قيل: لخمس خلون منه، سنة ثلاث أو أربع من الهجرة، و قد وردت في فضله و مناقبه أحاديث كثيرة عن جده رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) منها قوله: «حسين منى و أنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط». و «من أحب أن ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى الحسين» استشهد (عليه السلام) يوم عاشوراء سنة 61 هجرية في كربلاء من أرض العراق. انظر: سير أعلام النبلاء 3: 280- 282، الإصابة في معرفة الصحابة 1: 332- 1724، مروج الذهب 3: 64، ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) من تاريخ ابن عساكر، أسد الغابة 2: 18.

____________

(3) انظر: السنن الكبرى للبيهقي 2: 415، سنن الدار قطني 1: 129- 2- 3، سنن أبي داود 1: 103- 377، كنز العمال 9: 524- 27261.

91

فأجلسه في حجره، فبال عليه.

قالت: فقلت له (صلى الله عليه و آله و سلم): لو أخذت ثوبا، و أعطيتني إزارك لأغسله.

فقال (عليه السلام): «إنما يغسل من بول الأنثى، و ينضح على بول الذكر» (1) و قد استقصينا أيضا هذه المسألة في مسائل الخلاف غاية الاستقصاء.

المسألة الرابعة عشرة [المني نجس دون المذي]

«المني [1] نجس، و كذلك المذي» [2].

أما المني فعندنا أنه نجس يجب غسله من البدن و الثوب، فإما المذي فعندنا أنه طاهر.

و وافقنا على نجاسة المني خاصة، مالك، و أبو حنيفة و أصحابه، لأن أبا حنيفة و أصحابه (2) و إن وافقوا في نجاسته، فإنهم يوجبون غسله رطبا، و يجزئ عندهم فركه يابسا (3).

____________

[1] حكاها في البحر ج 1 ص 9 عن القاسمية و الناصرية في مني الآدمي (ح).

[2] هذا ذكره في البحر و أطلقه، لم يستثن إلا بعض الإمامية فقال في ج 1 ص 10: و الودي و المذي نجسان الا عن بعض الإمامية، فظاهره اتفاق من عداهم على نجاسته (ح).

____________

(1) سنن أبي داود 1: 102- 375، سنن ابن ماجة 1: 174- 522، السنن الكبرى للبيهقي 2: 414، مسند أحمد 6: 339، كنز العمال 9: 367- 26501.

(2) المدونة الكبرى 1: 21، بداية المجتهد 1: 84، الاستذكار لابن عبد البر 1: 359، المبسوط للسرخسي 1:

81، اللباب في شرح الكتاب 1: 51، الهداية للمرغيناني 1: 35، الفتاوى الهندية 1: 46، حلية العلماء 1:

308، المحلى بالآثار 1: 135.

(3) المبسوط للسرخسي 1: 81، اللباب في شرح الكتاب 1: 51، الفتاوى الهندية 1: 44، حلية العلماء 1: 308- 309، المحلى بالآثار 1: 135.

92

و قال الثوري: يفرك، و إن لم يفرك أجزأت الصلاة فيه (1).

و قال ابن حي: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب، و تعاد منه إذا كان على الجسد. و كان يفتي مع ذلك بفركه من الثوب إذا كان يابسا، و بغسله إذا كان رطبا (2).

و قال الشافعي: المني طاهر، و يفرك من الثوب، فإن لم يفرك فلا بأس (3).

و الذي يدل على نجاسة المني: إجماع الشيعة الإمامية، و لا خلاف بينهما في ذلك.

و يدل أيضا عليه قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ (4) و روي في التفسير أنه تعالى أراد بذلك إنزال الاحتلام (5) فدلت الآية على نجاسة المني من وجهين:

أحدهما: قوله تعالى وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ الرجز و الرجس و النجس بمعنى واحد.

يدل على ذلك قوله تعالى وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (6) و أراد به عبادة الأوثان، فعبر عنهما تارة بالرجز و أخرى بالرجس، فثبت أن معناهما واحد، و إذا سمى الله تعالى المني رجسا ثبتت نجاسته.

و الوجه الثاني من دلالة الآية أنه تعالى أطلق عليه اسم التطهير، و التطهير لا

____________

(1) الاستذكار لابن عبد البر 1: 359.

(2) الاستذكار لابن عبد البر 1: 359، حلية العلماء 1: 309 نيل الأوطار للشوكاني 1: 66

(3) المجموع شرح المهذب 2: 553، حلية العلماء 1: 307، المغني لابن قدامة 1: 736، الاستذكار لابن عبد البر 1: 360 فتح العزيز 1: 188.

(4) سورة الأنفال، الآية: 11.

(5) التفسير الكبير للرازي 15: 133، أحكام القرآن للجصاص 3: 375، مجمع البيان 4: 808- 809 و في (ط) و (د) انه الاحتلام.

(6) سورة المدثر، الآية: 5.

93

يطلق في الشرع إلا لإزالة النجاسة، أو غسل الأعضاء الأربعة.

و يدل على ذلك أيضا ما رواه عمار بن ياسر (رحمه الله): أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «إنما يغسل الثوب من البول، و الدم، و المني» (1).

و هذا يقتضي وجوب غسله، و ما يجب غسله لا يكون إلا نجسا، و قد نبه على نجاسته من وجه آخر، و هو الجمع بينه و بين النجاسات كالدم و البول.

فأما المذي فعندنا: أنه ليس بنجس، و لا ينقض الوضوء.

و خالفنا جميع الفقهاء في ذلك (2)، إلا أن مالكا قال في المذي: إنه إن خرج على وجه يخالف العادة و زاد على المعتاد، لم ينقض الوضوء (3).

و الذي يدل على ذلك: إجماع الفرقة المحقة.

و أيضا فالمذي مما يعم البلوى به و يكثر و يتردد ظهوره، فلو كان نجسا و حدثا لتظاهر الخبر بذلك على وجه لا يمكن دفعه، و لعلم ضرورة من دينه (عليه السلام) كما علم في نظائره من البول، و الغائط، و ما جرى مجراهما.

و أيضا فإن الأصل الطهارة، و النجاسة إنما تعلم بالشرع على سبيل التجدد، و لم ينقطع عذر بالشرع يوجب العلم في أن المذي نجس و أنه ينقض الوضوء.

و قد روى أصحابنا من طرق مختلفة: بأنه طاهر لا ينقض الوضوء. (4).

و خبر عمار- الذي تقدم ذكره- يدل على طهارته، لأنه روي عنه (عليه السلام): أن

____________

(1) السنن الكبرى للبيهقي 1: 14، سنن الدار قطني 1: 127- 1، كنز العمال 9: 349- 26385.

(2) المبسوط للسرخسي 1: 67، الام 1: 55، المجموع شرح المهذب 2: 144 و 552، حلية العلماء 1: 218- 219، القوانين الفقهية لابن جزي: 34، الاستذكار لابن عبد البر 1: 301 و 305.

(3) المدونة الكبرى 1: 10- 11، بداية المجتهد 1: 35، الاستذكار لابن عبد البر 1: 306.

(4) انظر: على سبيل المثال-: الكافي 3: 39- 1 و 3، تهذيب الأحكام 1: 21- 52، الاستبصار فيما اختلف من الأخبار 1: 91- 291.

94

الثوب لا يغسل إلا من أشياء مخصوصة، ليس فيها المذي.

المسألة الخامسة عشرة [الدم من كل حيوان له نفس سائلة نجس]

«الدم كله نجس» [1].

عندنا: أن دم السمك طاهر، لا بأس بقليله و كثيره في الثوب، و كذلك ما لا دم له سائل نحو البراغيث و البق، و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه (1).

و قال مالك في دم البراغيث: إنه إذا تفاحش غسل، و إذا لم يتفاحش لا بأس به (2).

و قال: يغسل دم السمك، و الذباب (3).

و سوى الشافعي بين الدماء كلها في النجاسة (4).

فأما دليلنا على طهارة دم السمك (5) فهو بعد إجماع الفرقة المحقة، قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ (6) يقتضي إباحة ظاهرة [2]، و إباحة لكل سمك و طهارة لجميع أجزائه، لأن التحليل يقتضي الإباحة من جميع الوجوه.

____________

[1] ذكر في البحر عن الأكثر نجاسة الدم السافح عند الأكثر ج 1 ص 16 ثم حكى عن الناصر في ص 17 تحديد غير السافح بمثل رؤوس الابر و حب الخردل فكأنه يرخص في غير السافح المذكور (ح).

[2] ما أثبتناه من (د) و في باقي الأصول: طاهرة.

____________

(1) اللباب في شرح الكتاب 1: 23، الهداية للمرغيناني 1: 19، شرح فتح القدير 1: 183، المبسوط للسرخسي 1: 86، أحكام القرآن للجصاص 1: 152.

(2) المدونة الكبرى 1: 21، الاستذكار لابن عبد البر 2: 38، أحكام القرآن للجصاص 1: 152.

(3) المدونة الكبرى 1: 21، مواهب الجليل: 1: 98، أحكام القرآن للجصاص 1: 152.

(4) المجموع شرح المهذب 2، 555، مغني المحتاج 1: 78، حلية العلماء 1: 309، أحكام القرآن للجصاص 1:

152.

(5) في (ن) و (ج) إضافة: و الذباب.

(6) سورة المائدة، الآية: 96.

95

و يدل عليه أيضا قوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ (1) فأخبر تعالى أن ما عدا المسفوح ليس بمحرم، و دم السمك ليس بمسفوح فوجب إلا يكون محرما.

و يدل على ذلك أيضا: أنه لا خلاف في جواز أكل السمك بدمه من غير أن يسفح منه، فلو كان نجسا لما جاز ذلك، ألا ترى أن سائر الدماء لما كانت نجسة لم يجز أكل الحيوان التي هي فيه، إلا بعد سفحها.

و أيضا فلا خلاف في جواز أكل اللحم الذي قد بقي في عروقه أجزاء من الدم، فإنه لا يجب أن ينتفي [1] ذلك بالغسل، لأنه ليس بدم يسفح، و كذلك دم السمك.

و أيضا فقد اتفقوا على أن الدم الباقي في العروق بعد الذكاة طاهر، لا يجب غسله، لأنه باق في العروق بعد الذكاة و يجوز أكله (3) و كذلك دم السمك.

المسألة السادسة عشرة [الخمر نجسة]

«الخمر نجسة، و كذلك كل شراب يسكر كثيره» [2].

لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر، إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم (4).

و الذي يدل على نجاستها قوله تعالى:

____________

[1] أي يخرج. انظر: مجمع البحرين 1: 418 مادة (نفا).

[2] حكى هذا في البحر عن القاسمية و الناصرية ج 1 ص 10 (ح).

____________

(1) سورة الأنعام، الآية: 145.

(3) المجموع شرح المهذب 2: 557، أحكام القرآن للجصاص 1: 152، 3: 296.

(4) المجموع شرح المهذب 2: 563، حلية العلماء 1: 313، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 288.

96

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ (1) و قد بينا (2) أن الرجس و الرجز بمعنى واحد في الشريعة.

فأما الشراب الذي يسكر كثيره: فكل من قال إنه محرم الشرب، ذهب إلى أنه نجس كالخمر. و إنما يذهب إلى طهارته من ذهب الى إباحة شربه (3).

و قد دلت الأدلة الواضحة على تحريم كل شراب أسكر كثيره، فوجب أن يكون نجسا، لأنه لا خلاف في أن نجاسته تابعة لتحريم شربه.

المسألة السابعة عشرة [كل حيوان ليس له دم سائل فإنه لا ينجس بالموت]

«كل حيوان ليس له دم سائل فإنه لا ينجس بالموت، [و لا ينجس الماء]» [1] [2].

و هذا صحيح عندنا: أن كل ما لا نفس له سائلة كالذباب، و الجراد، و الزنابير، و ما أشبهها، لا ينجس بالموت و لا ينجس الماء إذا وقع فيه، قليلا كان أو كثيرا، و أبو حنيفة وافقنا في هذه المسألة (5) و كذلك مالك (6).

____________

[1] ما بين المعقوفين ساقط من (ط) و (د).

[2] هذه حكاها في البحر مؤلفه الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى أحد أئمة الزيدية ج 1 ص 14- 15 و ظاهره حكاية الإجماع عليها (ح).

____________

(1) سورة المائدة، الآية: 90.

(2) مر ذلك في المسألة 14 و أيضا في الانتصار: ص 15.

(3) المجموع شرح المهذب 2: 564، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 295 و 10: 131، المغني لابن قدامة 10: 341.

(5) الهداية للمرغيناني 1: 19، المبسوط للسرخسي 1: 51، اللباب في شرح الكتاب 1: 22، حلية العلماء 1:

311.

(6) الاستذكار لابن عبد البر 1: 212، المدونة الكبرى 1: 4- 5، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 46، حلية العلماء 1: 311.

97

و للشافعي فيها قولان:

قال في القديم: إنه لا ينجس الماء (1).

و في الجديد: إنه ينجسه (2).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: قوله تعالى لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ (3) و ظاهر هذه الآية يقتضي أنه لا يحرم من المطعومات إلا ما تضمنت ذكره، و لم تتضمن ذكر ما وقع فيه بعض ما لا نفس له سائلة من الطعام و الشراب، فوجب أن يكون مباحا، فلو كان نجسا لما أبيح أكله و شربه، و لا يلزمنا ما أخرجناه من عموم هذه الآية من المحرمات الكثيرة، لأن الدليل اقتضى ذلك، و لا دليل فيما اختلفنا فيه يقتضي العدول عن ظاهر الآية.

فإن قيل: قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ (4) و قوله في الآية التي تعلقتم بها إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً فدل على بطلان ما ذكرتموه.

قلنا: ليس الأمر على ما ظننتم، لأنه غير مسلم أن اسم الميتة بالإطلاق يتناول ما لا نفس له سائلة من البعوض و البق إذا مات، و التعارف يمنع من ذلك، على أن تحريمه تعالى الميتة إنما المراد به الأفعال في عين الميتة دون غيرهما من أكل، و بيع،

____________

(1) المجموع شرح المهذب 1: 127، الام 1: 18، حلية العلماء 1: 86، مغني المحتاج 1: 23، فتح العزيز 1: 163.

(2) المجموع شرح المهذب 1: 127، فتح العزيز 1: 163، حلية العلماء 1: 87، الام 1: 18، المبسوط للسرخسي 1: 51، الهداية للمرغيناني 1: 19.

(3) سورة الأنعام، الآية: 145.

(4) سورة المائدة، الآية: 3.

98

و تصرف، و انتفاع، و الماء الذي تجاوره الميتة ليس بميتة، فيجب أن يكون موقوفا في طهارته أو نجاسته على الدلالة، و لم يعده الله تعالى في المحرمات من المطعومات، فيجب أن يكون طاهرا.

و أيضا فقد روى أبو هريرة [1] عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله» (2).

و ذلك عموم في الحي و الميت، فدل على أن حصولها في الماء لا ينجسه، و لأن المقل يوجب الموت ألا ترى أنه إذا مقلها في طعام شديد الحرارة فإنها تموت في الحال. و لم يفصل (عليه السلام) بين الحار و البارد، [فلو كان موتها يوجب النجاسة لم أمر (عليه السلام) بمقلها مع علمه بأنه يوجب موتها؟] [2].

و في خبر آخر، روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «كل طعام أو شراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فهو الحلال أكله، و شربه، و الوضوء منه» (4).

____________

[1] أبو هريرة: اختلف الناس في اسمه، فقيل عبد الرحمن، و قيل عمير، و قيل عبد شمس، و قيل غير ذلك، و ينسب إلى دوس و هي قبيلة يمانية، أسلم بعد فتح خيبر سنة سبع للهجرة فصحب النبي مدة ثلاث سنين، بعثه عمر واليا على البحرين سنة 21، ثم عزله بعثمان بن أبي العاص الثقفي، توفي سنة 57 هو قيل سنة 58 هو قيل غير ذلك. انظر: طبقات ابن سعد 2: 362 و 4: 325، الإصابة في تمييز الصحابة 4: 202- 1190، تذكرة الحفاظ 1: 32- 16، المعارف لابن قتيبة: 277.

[2] ما بين المعقوفين ليس في (ط) و (د).

____________

(2) سنن أبى داود 3: 365- 3844، صحيح البخاري 77: 263- 674، سنن ابن ماجة 2: 1159- 3505، سنن الدارمي 2: 99، السنن الكبرى للبيهقي 1: 252، مسند أحمد 2: 229، الاستذكار لابن عبد البر 1:

212 و في الجميع «فليغمسه» نعم رواه بلفظه ابن قدامة في المغني 1: 39.

فليمقله: أي فليغمسه. انظر: جمهرة اللغة 2: 975 «مادة: مقل».

(4) سنن الدار قطني 1: 37- 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 253.

99

المسألة الثامنة عشرة [كل حيوان لا يؤكل لحمه يجوز ذكاته لجلده إلا الكلب و الخنزير]

«كل حيوان لا يؤكل لحمه فلا حكم لذكاته، و موته و ذكاته سواء» [1].

الصحيح عندنا خلاف ذلك، لأن ما لا يؤكل لحمه مما ليس بكلب و لا خنزير، و لا إنسان تؤثر فيه الذكاة و تخرجه من أن يكون ميتة، و لو مات حتف أنفه لم تجر مجرى خروج نفسه بالذكاة، و هو مذهب أبي حنيفة (1).

و قال الشافعي: ما لا يؤكل لحمه لا يلحقه الذكاة، و موته و ذكاته سواء (2).

دليلنا على صحة ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه.

و أيضا ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من قوله: «دباغ الأديم ذكاته» (3).

و في بعض الأخبار: «ذكاة الأديم دباغه» (4)، فأقام الذكاة مقام الدباغ، فاقتضى ذلك أن ما يعمل الدباغ في تطهيره يعمل الذكاة فيه.

____________

[1] حكاها في البحر عن الهادي و لا فرق بين رقم الهادي و رقم القاسمية و الناصرية إلا قليل، إذ رقم الهادي هكذا (ه) و رقم العترة اي القاسمية و الناصرية هكذا (ه). فلا يبعد التصحيف من الناسخ لأن المسألة مظنة ذلك و ان أصله (ه). و الله اعلم و محلها في البحر ج 1 ص 24 و ذكرها المؤيد بالله احمد بن الحسين الهاروني في شرح التجريد في باب اللباس و المؤيد بالله من أئمة الزيدية و كتابه المذكور في مذهب الهادي و القاسم من أئمة الزيدية (ح).

____________

(1) الهداية للمرغيناني 1: 21، اللباب في شرح الكتاب 3: 230، شرح فتح القدير 1: 83- 84، المجموع شرح المهذب 1: 245.

(2) الام 1: 23، حلية العلماء 1: 120، المجموع شرح المهذب 1: 245.

(3) سنن الدار قطني 1: 45- 13، السنن الكبرى للبيهقي 1: 21.

(4) مسند أحمد 3: 476.

100

المسألة التاسعة عشرة [شعر الميتة طاهر و كذلك شعر الكلب و الخنزير]

«شعر الميتة طاهر، [1] و كذلك شعر الكلب و الخنزير» [2].

هذا صحيح و هو مذهب أصحابنا (1)، و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه (2).

و قال الشافعي: إن ذلك كله نجس (3).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتكرر، قوله تعالى وَ مِنْ أَصْوٰافِهٰا وَ أَوْبٰارِهٰا وَ أَشْعٰارِهٰا أَثٰاثاً وَ مَتٰاعاً إِلىٰ حِينٍ (4) فامتن علينا بأن جعل لنا في ذلك منافع، و لم يفرق بين الذكية و الميتة، فلا يجوز الامتنان بما هو نجس لا يجوز الانتفاع به.

و أيضا فإن الشعر لا حياة فيه، ألا ترى أن الحيوان لا يألم بأخذه منه كما يألم بقطع سائر أعضائه.

و أيضا لو كان فيه حياة، لما جاز أخذه من الحيوان في حال حياته و الانتفاع به، كما لا يجوز ذلك في سائر أجزائه.

و يقوي ذلك ما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «ما بان من البهيمة و هي حية، فهو ميتة» (5).

____________

[1] هذه نسبها في البحر ج 1 ص 14 الى القاسمية و الناصرية و لكنه استثنى الكلب و الخنزير و الكافر (ح).

[2] هذا حكاه في البحر عن الناصر ج 1 ص 12 في الكلب و الخنزير (ح).

____________

(1) مذهب أصحابنا خلاف ذلك، إذ لم يقل أحد منهم بطهارة شعر الكلب و الخنزير، فتأمل. انظر: تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي 1: 60 مسألة 19، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة 1: 139، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 5: 331.

(2) الهداية للمرغيناني 1: 21، اللباب في شرح الكتاب 1: 24.

(3) الام 1: 23، المجموع شرح المهذب 1: 243، فتح العزيز 1: 300، حلية العلماء 1: 113.

(4) سورة النحل، الآية: 80.

(5) أحكام القرآن للجصاص 1: 150، سنن أبي داود 3: 111- 2858، سنن الترمذي 4: 62- 1480، سنن ابن ماجة 2: 1072- 3216، مسند أحمد 5: 218، سنن الدار قطني 4: 292- 83، السنن الكبرى للبيهقي 1: 23 و فيه: «ما قطع».

101

و الشعر يبين منها في حال حياتها و لا يكون ميتة، لأنه لو كان ميتة كان بمنزلة سائر أجزائها، و يمنع الانتفاع به، و إذا ثبت أن الشعر، و الصوف، و القرن لا حياة فيه لم يحله الموت، و إذا لم يحله الموت كانت حياته بعده كحياته قبله.

و ليس لهم أن يتعلقوا بقوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (1) فإن اسم الميتة يتناول الجملة بسائر أجزائها، و ذلك أن الميتة اسم لما يحله الموت، و الشعر لا يحله الموت كما لا تحله الحياة، و يخرج عن الظاهر.

و ليس لأحد أن يقول: إن الشعر و الصوف من جملة الخنزير و الكلب، و هما نجسان.

و ذلك أنه لا يكون من جملة الحي إلا ما تحله الحياة، و ما لا تحله الحياة ليس من جملته و إن كان متصلا به.

المسألة العشرون [جلد الميتة لا يطهر بالدباغ]

«جلد الميتة لا يطهر بالدباغ» [1].

هذا صحيح، و عندنا أنه لا يطهر جلد الميتة بالدباغ.

و خالف سائر الفقهاء في ذلك (2) إلا ما روي عن أحمد بن حنبل، فإنه يمنع من

____________

[1] حكاها في البحر عن أكثر القاسمية و الناصرية ج 1 ص 23 قال المؤيد بالله في شرح التجريد ج 1 ص 30 (مخطوطة) و هو مذهب القاسم و الناصر و هو المروي عن جعفر بن محمد (عليه السلام) و الأظهر فيه أنه إجماع أهل البيت (ح).

____________

(1) سورة المائدة، الآية: 3.

(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 24، الهداية للمرغيناني 1: 20، حلية العلماء 1: 110، المجموع شرح المهذب 1: 215 و 217، أحكام القرآن للجصاص 1: 142، نيل الأوطار 1: 73، المحلى بالآثار 1: 132، بداية المجتهد 1: 80.

102

طهارة جلد الميتة بالدباغ (1) الدليل على صحة مذهبنا: الإجماع المتقدم ذكره.

و أيضا قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (2) و اسم الميتة يتناول الجلد قبل الدباغ و بعده.

و أيضا ما روي من أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال قبل موته بشهر: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب و لا عصب» (3) و هذا صريح في نصرة مذهبنا، و يقضي على ما يروونه عنه (عليه السلام) من قوله: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (4) لأن خبرهم متقدم و خبرنا متأخر.

و خلاف من يخالف في أن اسم الإهاب يتناول الجلد قبل الدباغ و بعده لا يتناوله (5) لا يلتفت إلى مثله، فإنه قول من لا يحصل، و لا خلاف بين أهل اللغة في أن اسم الإهاب يتناول الجلد في سائر حالاته (6).

____________

(1) المغني لابن قدامة 1: 55، الشرح الكبير (ضمن كتاب المغني) 1: 64، التحقيق في اختلاف الحديث: 47، التنقيح لابن عبد الهادي: 47، حلية العلماء 1: 111، المجموع شرح المهذب 1: 217، المبدع في شرح المقنع 1: 70، الفتاوى الكبرى 1: 44.

(2) سورة المائدة، الآية: 3.

(3) سنن أبي داود 4: 67- 4128، سنن الترمذي 4: 194- 1729، سنن ابن ماجة 2: 1194- 1613.

سنن النسائي 7: 175، مسند أحمد 4: 310.

(4) سنن الترمذي 4: 193- 1728، سنن ابن ماجة 2: 1193- 3609، سنن الدار قطني 1: 48- 24، كنز العمال 9: 418- 26766.

(5) في (د) و (ط) «و هذه لا يتناوله». انظر: المجموع شرح المهذب 1: 215، سنن أبي داود 4: 67 ذيل الحديث 4128 باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، الصحاح للجوهري 1: 89، تاج العروس 2: 40 (مادة:

أهب).

(6) انظر: العين للخليل 4: 99، معجم مقاييس اللغة 1: 149، مجمع البحرين 2: 10 (مادة: أهب).

103

المسألة الحادية و العشرون [في الإناء من ولوغ الكلب و الخنزير ثلاث غسلات]

«ليس في غسل الإناء من ولوغ الكلب و الخنزير عدد محصور، و إنما يجب غسله إلى أن يتيقن التطهير و التنظيف» [1].

الصحيح عندنا: أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات، أولاهن بالتراب.

و قال أبو حنيفة: لا تحديد في غسله، كما لا تحديد في إزالة سائر النجاسات (1).

و قال الشافعي: يغسل سبعا إحداهن بالتراب (2).

و ذهب مالك إلى أن الغسل ليس بواجب و لكنه مستحب، فإن استعمل لا يكون إلا سبعا، و هو مذهب داود (3).

و قال الحسن بن حي [2]: يغسل سبعا و الثامنة بالتراب (5).

فأما الذي يدل على نجاسته بعد الإجماع المتقدم ذكره، فهو أن الأخبار

____________

[1] حكى في البحر ج 1 ص 20 عن العترة اي القاسمية و الناصرية انه يكفي التثليث من ولوغ الكلب و لم يذكر الخنزير (ح).

[2] في بعض المصادر المتوفرة عندنا جاء اسم الحسن البصري بدل: الحسن بن حي و في بعضها أطلق.

____________

(1) المبسوط للسرخسي 1: 48، الاستذكار لابن عبد البر 1: 259، المجموع شرح المهذب 2: 580، حلية العلماء 1: 318، المغني لابن قدامة 1: 45، بداية المجتهد 1: 31، الشرح الكبير (ضمن كتاب المغني) 1: 286.

(2) المجموع شرح المهذب 2: 580، حلية العلماء 1: 317، فتح العزيز 1: 260، فتح الباري لابن حجر 1:

221، الأم 1: 19.

(3) المدونة الكبرى 1: 5، مقدمات ابن رشد 1: 61، الاستذكار لابن عبد البر 1: 258 و 261، المحلى بالآثار 1: 123، حلية العلماء 1: 313، المجموع شرح المهذب 2: 580.

(5) المغني لابن قدامة 1: 45، الشرح الكبير 1: 286، فتح الباري 1: 222، سبل السلام 1: 30، نيل الأوطار 1: 46 الجوهر النقي (ضمن سنن البيهقي) 1: 241.

104

المتظاهرة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) «أنه أمر بغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب» (1) و الأمر يقتضي الوجوب، و الغسل لا يكون إلا من نجاسة.

و في بعض الأخبار: «أمرنا بإراقة الماء» (2).

و كل ذلك يدل على النجاسة.

فمما روي فيه: ما رواه أبو هريرة من أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا» (3).

و روى عبيد بن عمير [1]: أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات» (5).

و الذي يدل على أن تحديدنا بالثلاث أولى مما زاد على ذلك: أنه لا خلاف بين أصحاب التحديد في وجوب الثلاث، و من زاد على هذا العدد كان عليه الدليل، و لا حجة بقطع العذر فيما زاد على ذلك.

و لأنا نتمكن من استعمال أخبارهم بحمل ما زاد على الثلاث على الندب، و هم لا يتمكنون من استعمال أخبارنا، لأن الاقتصار على الثلاث لا يجوز عندهم بحال.

____________

[1] أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد الليثي، الجندعي، المكي، ولد على عهد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، روى عن أبيه، و عمر، و أبي موسى الأشعري، و أبي هريرة. و روى عنه ابنه عبد الله، و عطاء، و مجاهد، و عمرو بن دينار، مات سنة 68 هانظر: أسد الغابة 3: 353، تذكرة الحفاظ 1: 50- 28، تهذيب التهذيب 7: 65- 148، الجرح و التعديل 5: 409- 1896.

____________

(1) انظر- على سبيل المثال-: صحيح البخاري 1: 145 باب 130، إذا شرب الكلب في إناء، صحيح مسلم 1:

234 باب 27 حكم ولوغ الكلب.

(2) انظر: صحيح مسلم 1: 234- 89، سنن النسائي 1: 53، سنن الدار قطني 1: 66- 16 و 17، السنن الكبرى للبيهقي 1: 239.

(3) سنن الدار قطني 1: 65- 13 و 14، السنن الكبرى للبيهقي 1: 240.

(5) سنن الدار قطني 1: 66- 17، السنن الكبرى للبيهقي 1: 242، و فيهما: عن عبيد بن عمير عن أبي هريرة.