المسائل الناصريات

- السيد المرتضى المزيد...
446 /
105

المسألة الثانية و العشرون [هل يجوز إزالة النجاسات بشيء من المائعات سوى الماء المطلق]

«لا يجوز إزالة النجاسات بشيء من المائعات، سوى الماء المطلق» [1].

عندنا: أنه يجوز إزالة النجاسة بالمائع الطاهر و إن لم يكن ماء (1)، و به قال أبو حنيفة، و أبو يوسف (2).

و قال محمد، و زفر، و مالك، و الشافعي: لا يجوز ذلك (3).

دليلنا على صحة ما ذهبنا اليه بعد الإجماع المقدم ذكره، قوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ (4) فأمر بتطهير الثوب و لم يفصل بين الماء و غيره.

و ليس لهم أن يقولوا: إنا لا نسلم أن الطهارة تتناول الغسل بغير الماء.

لأن تطهير الثوب ليس هو بأكثر من إزالة النجاسة عنه، و قد زالت بغسله بغير الماء مشاهدة، لأن الثوب لا تلحقه عبادة.

____________

[1] حكاها في البحر عن أكثر القاسمية و الناصرية ج 1 ص 29 (ح).

____________

(1) لا يخفى أنه لم يوافقه أحد من علمائنا على ما ذهب إليه منذ زمنه و إلى يومنا هذا. انظر: الخلاف 1: 59 مسألة (8)، مختلف الشيعة 1: 222، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة 1: 59، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 1: 315 و غيرها.

(2) المبسوط للسرخسي 1: 96، اللباب في شرح الكتاب 1: 50، الفتاوى الهندية 1: 41، شرح فتح القدير 1: 169، المجموع شرح المهذب 1: 95، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 51، الميزان الكبرى 1: 110، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة (ضمن الميزان الكبرى) 1: 4.

(3) المبسوط للسرخسي 1: 96، بداية المجتهد 1: 85، المجموع شرح المهذب 1: 95، حلية العلماء 1: 70، شرح فتح القدير 1: 170.

(4) سورة المدثر، الآية: 4.

106

و أيضا ما روي عنه (عليه السلام) في المستيقظ من النوم: «لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها» (1) فأمر بما يتناوله اسم الغسل، و لا فرق في ذلك بين سائر المائعات.

و أيضا حديث عمار رضى الله عنه و قوله (عليه السلام): «إنما يغسل الثوب من المني و الدم» (2) و هذا عموم فيما يسمى غسلا.

و أيضا حديث خولة بنت يسار [1]، أنها سألت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال (عليه السلام): «حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه» [2] و لم يذكر الماء.

و ليس لهم أن يقولوا: إن إطلاق الأمر بالغسل ينصرف إلى ما يغسل [به] في العادة، و لا يعرف في العادة إلا الغسل بالماء دون غيره.

و ذلك أنه لو كان الأمر على ما قالوه، لوجب ألا يجوز غسل الثوب (5) بماء الكبريت و النفط و غيرهما، مما لم تجر العادة بالغسل به، فلما جاز ذلك و لم يكن معتادا- بغير خلاف- علم أن المراد بالخبر ما يتناوله اسم الغسل حقيقة من غير اعتبار بالعادة.

____________

[1] خولة بنت يسار روت حديث الحيض عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و روى عنها علي بن ثابت، و لم تترجم بأكثر من هذا. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 4: 294- 380، أسد الغابة 5: 447.

[2] لم نعثر على هذا النص في المصادر المتوفرة عندنا، و الذي وجدناه من هذا الطريق قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): (اغسليه و صلي فيه)، انظر: سنن أبي داود 1: 100- 365، السنن الكبرى للبيهقي 2: 408، مسند أحمد 2: 364.

____________

(1) صحيح مسلم 1: 233- 87، سنن أبي داود 1: 25- 103- 105، سنن النسائي 1: 6- 7، مسند أحمد 2:

241، سنن الدار قطني 1: 49- 2، السنن الكبرى للبيهقي 1: 45 و 47.

(2) تقدم تخريجه في المسألة 12 فراجع.

(5) في (ج): «البول» بدل «الثوب».

107

المسألة الثالثة و العشرون [يجب الاستنجاء من كل خارج من السبيلين سوى الريح]

«يجب الاستنجاء من كل خارج من السبيلين سوى الريح، فإن الاستنجاء من خروجها سنة حسنة و فضل» [1].

عندنا: أن الاستنجاء من البول و الغائط واجب، فمن تعمد تركه لم يجز صلاته، و بذلك قال الشافعي (1).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: الاستنجاء غير واجب (2).

و اختلفت الرواية عن مالك في وجوب الاستنجاء و نفي وجوبه، و الأشبه أنه موافق لأبي حنيفة في نفي وجوبه (3).

فأما الريح فلا استنجاء فيها لا واجبا و لا ندبا، و هو مذهب سائر الفقهاء (4).

و الذي يدل على وجوب الاستنجاء بعد الإجماع المتقدم ذكره، ما رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من قوله: «إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم للغائط فلا يستقبل القبلة و لا يستدبرها بغائط و بول، و ليستنج بثلاثة أحجار» (5).

____________

[1] هذه المسألة ذكرها في البحر ج 1 ص 51 عن العترة اي القاسمية و الناصرية، و أما الاستنجاء من الريح فحكى عن أكثر الأئمة أنه مستحب (ح).

____________

(1) الام 1: 36، حلية العلماء 1: 206، المجموع شرح المهذب 2: 95، فتح العزيز (ضمن كتاب المجموع) 1:

456.

(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 54، الهداية للمرغيناني 1: 37، شرح فتح القدير 1: 187، أحكام القرآن للجصاص 3: 366، حاشية على مراقي الفلاح للطحاوي 1: 29.

(3) المدونة الكبرى 1: 7، الاستذكار لابن عبد البر 1: 173، حلية العلماء 1: 206.

(4) المدونة الكبرى 1: 7، المجموع شرح المهذب 2: 96، مواهب الجليل 1: 286، المغني لابن قدامة 1: 140.

(5) سنن النسائي 1: 38، سنن ابن ماجة 1: 14- 313، السنن الكبرى للبيهقي 1: 91، كنز العمال 9: 362- 26466.

108

و أمره (عليه السلام) على الوجوب.

و أيضا ما روي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «لا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاثة أحجار» (1).

و في لفظ آخر: «لا يجزي أحدكم دون ثلاثة أحجار» (2).

و أما الريح: فلو كان فيها استنجاء واجب أو مستحب- مع عموم البلوى بها، و كثرة حدوثها و وقوعها- لوجب أن يكون النقل به متظاهرا، كما تظاهر في غيره.

و أيضا فالأصل أنه لا عبادة، و الشرع طار متجدد، و قد علمنا أن الاستنجاء من الريح شرع، فمن ادعاه فعليه الدلالة، و لا دلالة كافية له في ذلك.

المسألة الرابعة و العشرون [النية شرط في صحة الوضوء]

«النية شرط في صحة الوضوء» [1].

و عندنا: أن الطهارة تفتقر إلى نية، وضوء كانت، أو تيمما، أو غسلا من جنابة، أو حيض، و هو مذهب مالك، و الشافعي، و ربيعة [2]، و أبي ثور [3]، و إسحاق بن

____________

[1] حكى في البحر ج 1 ص 55 عن القاسمية و الناصرية ان النية في الوضوء فرض و احتج بما يفيد انها شرط (ح).

[2] ربيعة بن أبي عبد الرحمن أبو عثمان التيمي المدني، مولى آل المنكدر، و يقال له ربيعة الرأي، روى عن أنس ابن مالك، و سعيد بن المسيب، و القاسم بن محمد و غيرهم، و عنه مالك، و سفيان الثوري، و الأوزاعي، و الليث ابن سعد، و أبو ضمرة و آخرون، مات سنة 136 هانظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 37، الجرح و التعديل للرازي 3: 475- 2131، ميزان الاعتدال 2: 44- 2753، تذكرة الحفاظ 1: 157- 153، العبر 1: 183.

[3] أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي و يكنى أبا عبد الله أيضا، كان على مذهب أهل الرأي حتى قدم الشافعي العراق فاختلف إليه و اتبعه، حدث عن سفيان بن عيينة، و أبي معاوية، و وكيع و طبقتهم، و عنه أبو داود، و ابن ماجة، و محمد بن إسحاق و خلق، مات في صفر سنة 240 هانظر: تذكرة الحفاظ 2- 512- 528، تاريخ بغداد 6: 65- 3100، ميزان الاعتدال 1: 29- 8، وفيات الأعيان 1:

26- 2، طبقات الشافعية لابن هداية الله: 5.

____________

(1) سنن النسائي 1: 44، سنن ابن ماجة 1: 115- 316، سنن الدار قطني 1: 54- 1، كنز العمال 9:

511- 27202، صحيح مسلم 1: 224 ذيل حديث 57.

(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 367.

109

راهويه [1]، و داود، و ابن حنبل (2).

و قال الثوري، و أبو حنيفة، و أصحابه: إن الطهارة بالماء لا تفتقر إلى النية (3).

و قالوا جميعا إلا زفر: ان التيمم لا بد فيه من نية (4).

و قال الحسن بن حي: يجزي الوضوء و التيمم جميعا بغير نية (5).

دليلنا بعد الإجماع المقدم ذكره، قوله تعالى يٰا أَيُّهَا (6) الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (7) الآية.

و تقدير الكلام: فاغسلوا للصلاة، و انما حذف ذكر الصلاة اختصارا.

و هكذا مذهب العرب، لأنهم إذا قالوا: إذا أردت لقاء الأمير فالبس ثيابك،

____________

[1] أبو يعقوب إسحاق بن أبي الحسن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، سمع جرير بن عبد الحميد الرازي، و سفيان بن عيينة، و وكيع بن الجراح، و أبا معاوية، و عبد الرزاق بن همام و طبقتهم و روى عنه محمد بن إسماعيل البخاري، و مسلم بن الحجاج النيسابوري، و أبو عيسى الترمذي، و خلق يطول ذكرهم، ولد سنة 166 هو توفي سنة 238 هانظر: العبر 1: 426، طبقات الفقهاء للشيرازي: 78، تذكرة الحفاظ 2: 433- 440، تاريخ بغداد 6: 345- 3381.

____________

(2) بداية المجتهد 1: 8، المجموع شرح المهذب 1: 312، المغني لابن قدامة 1: 91، حلية العلماء 1: 128، أحكام القرآن للجصاص 3: 336.

(3) الهداية للمرغيناني 1: 13، المبسوط للسرخسي 1: 72، المجموع شرح المهذب 1: 313، الأصل للشيباني 1: 52- 53، أحكام القرآن للجصاص 3: 336، بداية المجتهد 1: 8، حلية العلماء 1: 128، المغني لابن قدامة 1: 91.

(4) بداية المجتهد 1: 68، المجموع شرح المهذب 1: 313.

(5) بداية المجتهد 1: 68، المجموع شرح المهذب 1: 313، حلية العلماء 1: 129.

(6) حيث تحذف ألف يا النداء الداخلة على (أي) و (آية) و (أهل).

(7) سورة المائدة، الآية: 6.

110

و إذا أردت لقاء العدو فخذ سلاحك، و تقدير الكلام: فالبس ثيابك للقاء الأمير، و خذ سلاحك للقاء العدو.

و الغسل لا يكون للصلاة إلا بالنية، لأن بالنية يتوجه الفعل إلى جهة (1) دون غيرها.

و أيضا ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من قوله: «الأعمال بالنيات، و إنما لامرئ ما نوى» (2) و قد علمنا أن الأعمال قد توجد أجناسها من غير نية، فوضح أن المراد بالخبر أنها لا تكون قربة شرعية مجزئة إلا بالنيات.

و قوله (عليه السلام): «إنما لا لامرئ ما نوى» يدل على أنه ليس له ما لم ينو.

هذا حكم اللغة العربية، ألا ترى أن القائل إذا قال: «إنما لك درهم» فقد نفى أن يكون له أكثر من درهم.

و الذي يدل على صحة ما ذكرناه في لفظه (إنما) أن ابن عباس [1] كان يذهب الى جواز بيع الدرهم بالدرهمين نقدا و يأبى نسية (4).

و خالفه في ذلك وجوه الصحابة، و احتجوا عليه بنهي النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن بيع

____________

[1] عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو العباس القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و كان يسمى البحر، لسعة علمه، و حبر الأمة، و جاء عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): (لكل شيء فارس و فارس القرآن عبد الله بن عباس) و الأخبار الدالة على مدحه و ملازمته للإمام علي و من بعده للامامين الحسن و الحسين (عليهم السلام) كثيرة، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، و مات بالطائف سنة 68 هانظر: سفينة البحار 2: 150، معجم رجال الحديث 10: 229- 6943، وفيات الأعيان 3: 62، أسد الغابة 3: 192، رجال الطوسي 22- 6 و 46- 3.

____________

(1) في (م): «وجهة» بدل «جهة».

(2) صحيح البخاري 1: 92- 53، صحيح مسلم 3: 1515- 155، سنن الترمذي 4: 154- 1647، سنن أبي داود 2: 269- 2201، سنن النسائي 1: 58، سنن ابن ماجة 2: 1413- 4227، السنن الكبرى للبيهقي 7: 341، التهذيب 4: 186- 518- 519، أمالي الشيخ الطوسي 2: 231.

(4) بداية المجتهد 2: 195، حلية العلماء 4: 153، سنن الترمذي 3: 543.

111

الذهب بالذهب و الفضة بالفضة (1).

فعارضهم بقوله (عليه السلام): «إنما الربا في النسيئة» (2).

فجعل هذا الخبر دليلا على أنه لا ربا إلا في النسيئة. و قول ابن عباس حجة فيما طريقه اللغة، و بعد فإن المخالفين له في هذه المسألة لم يمنعوه عن قوله من طريق اللغة، بل من جهة غيرها، فدل ذلك على ما ذكرناه.

و قد استقصينا هذه المسائل غاية الاستقصاء، و انتهينا فيها إلى أبعد الغايات في (مسائل الخلاف).

المسألة الخامسة و العشرون [المضمضة و الاستنشاق سنتان في الوضوء و الغسل جميعا]

«المضمضة و الاستنشاق سنتان في الوضوء و الغسل جميعا» [1].

هذا صحيح، و هو مذهبنا، و مذهب الحسن البصري، و الزهري، و ربيعة، و مالك، و الشافعي، و الليث بن سعد [2]، و الأوزاعي (4).

____________

[1] هذه حكاها في البحر عن الناصر ج 1 ص 61 (ح).

[2] الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث مولى خالد بن ثابت، روى عن عطاء، و الزهري، و نافع، و ابن أبي مليكة و خلق كثير، روى عنه ابن المبارك، و ابن وهب، و ابن شعيب و غيرهم، ولد سنة 94 هو مات سنة 175 هانظر: تذكرة الحفاظ 1: 224- 210، الجرح و التعديل للرازي 7: 179- 1015، العبر 1: 266، سير أعلام النبلاء 8: 136- 1195.

____________

(1) انظر: صحيح مسلم 3: 1210- 80 و 1211- 82، سنن النسائي 7: 280، سنن الترمذي 3: 542- 1241، السنن الكبرى للبيهقي 6: 141. و في (ط) و (د): «عن بيع الذهب و الفضة».

(2) صحيح مسلم 3: 1218- 102، سنن النسائي 7: 281، سنن ابن ماجة 2: 758- 2257، السنن الكبرى للبيهقي 6: 141، مسند أحمد 5: 208 و 209، كنز العمال 4: 115- 9814.

(4) حلية العلماء 1: 138، المغني لابن قدامة 1: 102، المجموع شرح المهذب 1: 362، بداية المجتهد 1: 10، المحلى بالآثار 1: 296، نيل الأوطار 1: 173، مغني المحتاج 1: 57، المدونة الكبرى 1: 15، الاستذكار لابن عبد البر 1: 158.

112

و ذهب إسحاق بن راهويه، و ابن أبي ليلى [1] إلى أنهما واجبان في الوضوء و الغسل معا (2).

و ذهب ابن حنبل، و أبو ثور إلى أن الاستنشاق واجب فيهما، و المضمضة غير واجبة فيهما (3).

و قال داود: الاستنشاق واجب في الوضوء دون المضمضة، و لا يجبان في غسل الجنابة (4).

و ذهب الثوري، و أبو حنيفة و أصحابه- في بعض الروايات عن الليث بن سعد- إلى أنهما واجبان في الغسل، من الجنابة، غير واجبين في الوضوء (5).

و الذي يدل على صحة مذهبنا بعد الإجماع المتقدم ذكره: ما روي عن أم

____________

[1] أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، و من أصحاب الرأي، تولى القضاء بالكوفة و أقام حاكما ثلاثا و ثلاثين سنة، ولي لبني أمية ثم لبني العباس، تفقه على الشعبي و عطاء، و نافع، و عمرو بن مرة و طائفة، و حدث عنه شعبة، و سفيان، و وكيع، و أبو نعيم و خلائق، ولد سنة 74 هو توفى سنة 148 هانظر: ميزان الاعتدال 3: 613- 7825، وفيات الأعيان 4: 179- 564، طبقات الفقهاء للشيرازي: 64، المعارف لابن قتيبة: 494.

____________

(2) المجموع شرح المهذب 1: 363، المغني لابن قدامة 1: 102، نيل الأوطار 1: 172، بداية المجتهد 1: 10، الاستذكار لابن عبد البر 1: 158.

(3) المغني لابن قدامة 1: 102، المجموع شرح المهذب 1: 363، نيل الأوطار 1: 172، الاستذكار لابن عبد البر 1: 159.

(4) المحلى بالآثار 1: 296، الاستذكار لابن عبد البر 1: 159، المجموع شرح المهذب 1: 363.

(5) أحكام القرآن للجصاص 3: 375، المبسوط للسرخسي 1: 62، الهداية للمرغيناني 1: 12 و 16، اللباب في شرح الكتاب 1: 9 و 14، الاستذكار لابن عبد البر 1: 158، المحلى بالآثار 1: 296، المدونة الكبرى 1:

15، حلية العلماء 1: 139.

113

سلمة [1] رضي الله عنها أنها قالت قلت لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه (2) في الغسل من الجنابة؟ فقال (عليه السلام): «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من الماء، و تفيضي الماء عليك، فإذا أنت فعلت ذلك فقد طهرت» (3).

فبين (عليه السلام) إن الإجزاء واقع بغير المضمضة و الاستنشاق.

و أيضا إن الأصل أنه لا واجب من هذه الشرعيات، و إيجاب المضمضة و الاستنشاق شرع، فمن ادعاه كان عليه الدليل، و لا دليل في ذلك يقطع العذر.

و قد سقط بهذه الجملة إذا تؤملت خلاف كل من حكينا خلافه في هذه المسائل، و من أراد الاستقصاء رجع إلى ما أمليناه في (مسائل الخلاف) فإن الكلام في هذه المسألة مستقصى هناك.

المسألة السادسة و العشرون [تخليل اللحية واجب أم لا]

«تخليل اللحية واجب، كثيفة (4) كانت أو رقيقة» (5).

الصحيح عندنا: أن الأمرد و كل من لا شعر له على وجهه يجب عليه غسل

____________

[1] أم سلمة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، زوج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) تزوجها بعد أبي سلمة بن عبد الأسد، هاجرت الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة، و فضائلها كثيرة معروفة، توفيت بعد واقعة كربلاء. انظر: تنقيح المقال 3: 72، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 4: 421 و 454، أسد الغابة 5: 588، طبقات ابن سعد 8: 86، رجال الطوسي: 32- 2.

____________

(2) في (ط) و (د) و (م): «أو انقضه».

(3) صحيح مسلم 1: 259- 58، سنن ابن ماجة 1: 198- 603، سنن النسائي 1: 131، سنن الدار قطني 1:

114- 15، السنن الكبرى للبيهقي 1: 178.

(4) في (د) و (ط): «كثة» بدل «كثيفة».

(5) هذه المسألة حكاها في البحر عن القاسمية و الناصرية ج 1 ص 61 (ح).

114

وجهه، و حد الوجه من قصاص شعر الرأس إلى محادر الذقن طولا، و ما دارت السبابة و الإبهام و الوسطى عرضا.

فمن كان ذا لحية كثيفة تغطي بشرة وجهه، فالواجب عليه غسل ما ظهر من بشرة وجهه، و ما لا يظهر مما تغطية اللحية لا يلزمه إيصال الماء إليه، و يجزيه إجراء الماء على اللحية من غير إيصاله إلى البشرة المستورة.

و وافقنا الشافعي في ذلك، إلا في حد الوجه، فإنه حده في كتاب (الأم) بأنه من قصاص شعر الرأس و أصول الأذنين الى ما أقبل من الذقن و اللحيين (1).

و حده المزني [1]: بأنه من منابت شعر رأسه، و أصول أذنيه، و منتهى اللحية، الى ما أقبل من وجهه و ذقنه (3).

و قال أبو حنيفة: يلزمه غسل ما ظهر من الوجه و من اللحية ربعها (4).

و قال أبو يوسف: يلزمه إمرار الماء على ما ظهر من بشرة الوجه، فأما ما غطاه الشعر فلا يلزمه إيصال الماء اليه، و لا إمراره على الشعر النابت عليه (5).

____________

[1] أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني المصري، صاحب الشافعي و من أكبر أنصاره و ناشري مذهبه حتى قال الشافعي في حقه: المزني ناصر مذهبي، و له في المذهب كتب كثيرة منها:

المختصر، الجامع الكبير و الجامع الصغير و المبسوط و المنثور و غيرها، كانت ولادته سنة 175 هو وفاته سنة 264 هانظر: طبقات الشافعية لابن هداية: 5، طبقات الفقهاء للشيرازي: 79، طبقات الشافعية لابن قاضي شبهة 1: 58- 3، وفيات الأعيان 1: 217- 93.

____________

(1) الأم 1: 4.

(3) مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 94.

(4) المبسوط للسرخسي 1: 80، شرح فتح القدير 1: 13، الفتاوى الهندية 1: 4، أحكام القرآن للجصاص 3:

343، المغني لابن قدامة 1: 101، حلية العلماء 1: 142، و في نسخة (د): «يلزمه غسل الوجه».

(5) المبسوط للسرخسي 1: 80، أحكام القرآن للجصاص 3- 343، حلية العلماء 1: 143.

115

و قال أبو ثور: يلزمه غسل بشرة الوجه، و إن كان الشعر قد غطاها (1).

و أشار المزني في بعض كتبه إلى هذا (2).

و الذي يدل على أن تخليل اللحية الكثيفة و إيصال الماء إلى البشرة لا يلزم، بل يكفي إجراء الماء على الشعر النابت، بعد إجماع الفرقة المحقة، قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (3) و الذي يواجه هو اللحية دون البشرة، لأن الشعر قد غطاها، فبطلت المواجهة فيها.

و أيضا لا خلاف في أن الوجه اسم لما يقع المواجهة به، و إنما الخلاف وقع في أنه هل كلما يواجه به وجه، أم لا؟

و قد علمنا أن باطن اللحية و بشرة الوجه المستورة بالوجه ليس مما يواجه به، فلا يلزم التخليل.

فأما الحجة على أبي حنيفة، و أبي يوسف، فهي قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ و من غسل بعض بشرة وجهه، و بعض ما على البشرة من شعر لحيته، لم يغسل جميع وجهه، و الآية تقتضي غسل جميع الوجه.

و أما الدليل على صحة حدنا في الوجه: فهو بعد الإجماع المقدم ذكره، أنه لا خلاف في أن ما اعتبرناه في حدنا هو من الوجه و يجب غسله، و انما الخلاف فيما زاد عليه، و من ادعى زيادة على المجمع عليه كان عليه الدليل.

____________

(1) المجموع شرح المهذب 1: 374.

(2) حكاه عنه في المجموع شرح المهذب 1: 374.

(3) سورة المائدة، الآية: 6.

116

المسألة السابعة و العشرون [هل غسل العذار واجب بعد نبات اللحية]

«غسل العذار [1] واجب بعد نبات اللحية، كوجوبه قبل نباتها» [2].

هذا غير صحيح، و الكلام فيه قد بيناه في تخليل اللحية، و الكلام في المسألتين واحد، لأنا قد بينا أن الشعر الكثيف إذا علا البشرة انتقل الفرض إليه [3].

المسألة الثامنة و العشرون [يدخل المرفقان في الوضوء]

«يدخل المرفقان في الوضوء» [4].

و هذا صحيح، و عندنا أن المرافق يجب غسلها مع اليدين، و هو قول جميع الفقهاء إلا زفر بن الهذيل وحده.

و حكي عن أبي بكر بن داود الأصفهاني [5] مثل قول زفر في هذه المسألة (1).

____________

[1] العذار: جانب اللحية التي يتصل أعلاها بالصدغ و أسفلها بالعارض. انظر مجمع البحرين 3: 398 (مادة:

عذر).

[2] هذه لم يخصها بالذكر في البحر و لعله تركها بناء على انه من اللحية (ح).

[3] في (د): «لا ينقل الفرض».

[4] و هذه حكاها عن الأكثر في البحر ج 1 ص 63 و ذكرها المؤيد بالله في شرح التجريد ج 1 في باب الوضوء و روى فيها حديثا مسندا من طريق الناصر (عليه السلام) (ح).

[5] أبو بكر محمد بن داود بن علي الأصبهاني الظاهري، أحد أئمة الظاهرية، جلس في حلقة أبيه بعد وفاته، و تصدر للفتيا بعده، حدث عن أبيه، و عباس الدوري، و محمد بن عيسى المدائني و طبقتهم، و روى عنه نفطويه، و القاضي أبو عمر محمد بن يوسف و جماعة، صنف كتبا عديدة منها:

الزهرة، و الفرائض، و الوصول إلى معرفة الأصول و غيرها، كانت ولادته سنة 255 هو وفاته سنة 297 هانظر: تاريخ بغداد 5: 256- 2750، طبقات الفقهاء للشيرازي: 148، وفيات الأعيان 4: 259- 604، سير أعلام النبلاء 13: 109- 2295.

____________

(1) حلية العلماء 1: 145، أحكام القرآن للجصاص 3: 344، المجموع شرح المهذب 1: 385، المغني لابن قدامة 1: 107، الاستذكار لابن عبد البر 1: 165، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 87.

117

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: إجماع الفرقة المحقة.

و أيضا قوله تعالى وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (5) و لفظة (إلى) قد تستعمل في الغاية، و تستعمل أيضا بمعنى مع، و كلا الأمرين حقيقة.

قال الله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَهُمْ إِلىٰ أَمْوٰالِكُمْ (6) أراد- بلا خلاف- مع أموالكم.

و قال تعالى حاكيا عن عيسى (عليه السلام) مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ (7) أراد مع الله.

و تقول العرب: ولي فلان الكوفة إلى البصرة، و إنما يريدون مع البصرة من غير التفات إلى الغاية.

و يقولون أيضا: فعل فلان كذا و أقدم على كذا هذا الى ما فعله من كذا و كذا، و إنما يريدون مع ما فعله.

و بعد فإن لفظة (إلى) إذا احتملت الغاية، و احتملت أن تكون بمعنى مع، فحملها على معنى مع أولى، لأنه أعم في الفائدة، و أدخل في الاحتياط لفرض الطهارة.

و شبهة من أخرج المرافق من الوضوء: أنه جعل (إلى) للغاية و الحد، و ظن أن الحد لا يدخل في المحدود.

____________

(5) سورة المائدة، الآية: 6.

(6) سورة النساء، الآية: 2.

(7) سورة الصف، الآية: 14.

118

و هذا ليس بصحيح، لأنا قد بينا أن لفظة (إلى) مشتركة بين الغاية و غيرها، و لو حملت على الغاية لكان دخول المرافق واجبا، لأنه أولى في باب الاستظهار للفرض و الاحتياط له، و لأن الحدث قد حصل يقينا فلا يجوز إسقاطه بالشك، و إذا كان دخول الغاية و الحد أو خروجهما مشكوكا فيه، وجب إدخال المرافق له مع الشك و حصول اليقين.

المسألة التاسعة و العشرون [الغسل من المرفق إلى الكف]

«لا يجوز الغسل من المرفق إلى الكف» [1].

و عندنا: الصحيح خلاف ذلك، و أن الابتداء من المرفقين إلى أطراف الأصابع.

و يكره استقبال الشعر و الابتداء بالأصابع، و في أصحابنا من أوجب ذلك و ذهب إلى أنه متى ابتدأ بالأصابع و انتهى إلى المرفقين لم يرتفع (1).

و من عدا فقهاء الشيعة يجعل المتوضئ مخيرا بين الابتداء بالأصابع أو المرفق، و لا يرى لأحد الأمرين مزية على الآخر.

دليلنا على صحة مذهبنا: الإجماع المتقدم ذكره.

و أيضا ما روي عنه (عليه السلام) من أنه توضأ مرة مرة و قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (2) فلا يخلو من أن يكون ابتدأ بالمرافق أو الأصابع، فإن كان ابتدأ

____________

[1] لم أجدها للناصر (عليه السلام) و مذهب الهادوية جواز الوجهين (ح).

____________

(1) المراسم لسلار: 37، و حكاه العلامة الحلي عن ابن أبي عقيل و جماعة. لاحظ: مختلف الشيعة 1: 276.

(2) سنن ابن ماجة 1: 145- 240، أحكام القرآن للجصاص 3: 364، السنن الكبرى للبيهقي 1: 80، مجمع الزوائد 1: 239، مسند أبي يعلى الموصلي 9: 448- 5598، تاريخ بغداد 11: 28، اتحاف السادة المتقين 2:

360.

119

بالمرفق فهو الذي ذهبنا اليه، و إن كان بالأصابع فيجب أن يكون على موجب ظاهر الخبر: أنه من ابتدأ بالمرفق لا يقبل صلاته، و أجمع الفقهاء على خلاف ذلك، و لا اعتبار بمن تجدد خلافه في هذه المسألة فأوجب الابتداء بالأصابع، لأن الإجماع سابق له، و لانه بنى ذلك على أن (إلى) بمعنى الغاية و الحد، و أن الحد خارج عن المحدود، و قد بينا (1) اشتراك هذه اللفظة.

المسألة الثلاثون [فرض المسح متعين بمقدم الرأس و إلهامه إلى الناصية]

«فرض المسح متعين بمقدم الرأس و إلهامه [1] إلى الناصية» [2].

هذا صحيح و هو مذهبنا، و بعض الفقهاء يخالفون في ذلك، و يجوزون المسح مع الاختيار على أي بعض كان من الرأس (3).

و الدليل على صحة مذهبنا: الإجماع المقدم ذكره، و أيضا فلا خلاف بين الفقهاء في أن من مسح على مقدم الرأس فقد أدى الفرض و أزال الحدث، و ليس كذلك من مسح مؤخر الرأس، فما عليه الإجماع أولى.

و أيضا فإن الحدث متيقن، و إزالته بمتيقن أولى، و من مسح على مقدم رأسه أزاله بيقين، و ليس كذلك من يمسح غير هذا الموضع.

____________

[1] في نسخة (م): «و انتهاؤه» بدل «و الهامة».

[2] حكاها في البحر عن الناصر ج 1 ص 64 (ح).

____________

(1) كما مر في المسألة السابقة.

(3) حلية العلماء 1: 148، المجموع شرح المهذب 1: 398، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 6: 89، الاستذكار لابن عبد البر 1: 169، الشرح الكبير 1: 135- 136.

120

المسألة الحادية و الثلاثون [المسح على الرجلين إلى الكعبين هو الفرض]

«المسح على الرجلين إلى الكعبين هو الفرض» [1].

و هذا صحيح، و عندنا أن الفرض في الرجل المسح دون الغسل، فمن غسل لم يجزه.

و قد روي القول بالمسح عن جماعة من الصحابة و التابعين كابن عباس (رحمه الله) و عكرمة [2]، و أنس، و أبي العالية [3]، و الشعبي [4]، و غيرهم (4).

و كان الحسن بن أبي الحسن البصري يقول بالتخيير بين المسح و الغسل، و هو مذهب محمد بن جرير الطبري [5]، و أبي علي الجبائي [6] (7).

____________

[1] و الذي حكاه عن الناصر في البحر ج 1 ص 67 الجمع بين الغسل و المسح (ح).

[2] عكرمة بن عبد الله المدني، مولى عبد الله بن عباس، أصله من البرير من أهل المغرب، كان لحصين بن الحر العنبري فوهبه لابن عباس، روى عن جماعة من الصحابة كابن عباس و عائشة و ابن عمر و أبي هريرة و غيرهم و روى عنه الشعبي و الزهري و عمرو بن دينار و أبو إسحاق السبيعي و عاصم الأحول و ثور بن يزيد و آخرون، مات سنة 107 هبالمدينة. انظر: طبقات الحفاظ: 37- 85، و تذكرة الحفاظ 1: 95- 87، وفيات الأعيان 3: 265- 421، طبقات ابن سعد 2: 385، سير أعلام النبلاء 5: 12- 635.

[3] أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري مولى امرأة من بني رياح بطن من تميم، أسلم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بسنتين، روى عن عمرو ابن مسعود و الامام على (عليه السلام) و عائشة و طائفة، و عنه قتادة، و خالد الحذاء، و الربيع بن أنس، و داود بن أبي هند و طائفة، توفي سنة 93 ه. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي:

70، تذكرة الحفاظ 1: 61- 50، سير أعلام النبلاء 4: 207- 466، العبر 1: 108.

[4] أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الشعبي، كوفي تابعي، كانت ولادته أثناء خلافة عمر على ما قيل، و يقال إنه أدرك خمسمائة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و روى عن الامام علي (عليه السلام) و أبي هريرة، و المغيرة، و عدة من كبراء الصحابة، و روى عنه الأعمش، و أشعث بن سوار، و أبو حنيفة، و إسماعيل بن أبي خالد و خلق، توفي سنة ثلاث أو أربع و مائة. انظر: الكاشف للذهبي 2: 54- 2553، العبر 1: 127، تذكرة الحفاظ 1: 79- 76، وفيات الأعيان 3: 12- 317.

[5] محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب أبو جعفر الطبري، صاحب التفسير و التاريخ الشهيرين، و أحد أئمة العلماء، ولد بآمل سنة 224 ه، و طاف في الأقاليم في طلب العلم ثم استوطن بغداد و أقام بها إلى حين وفاته سنة 310 ه. سمع أحمد بن منيع البغوي، و يعقوب بن إبراهيم الدورقي، و محمد بن حميد الرازي، و محمد بن عبد الملك و خلقا كثيرا، و حدث عنه محمد بن عبد الله الشافعي، و مخلد بن جعفر، و أحمد بن كامل القاضي و غيرهم. انظر: الكنى و الألقاب 1: 241، تاريخ بغداد 2: 162- 589، معجم الأدباء 18:

40- 17، لسان الميزان 5: 100- 344.

[6] أبو علي هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد المعروف بالجبائي أحد كبار أئمة المعتزلة ولد سنة 235 هأخذ العلم عن أبي يوسف يعقوب الشحام البصري، و عنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري، له كتاب التفسير و الجامع و الرد على أهل السنة، مات في شعبان سنة 203 ه. انظر: الأنساب للسمعاني 2: 17، المنتظم لابن الجوزي 13: 164- 2120، الملل و النحل 1: 78- 12.

____________

(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 349، المبسوط للسرخسي 1: 8، المجموع شرح المهذب 1: 418، بداية المجتهد 1: 15، الاستذكار لابن عبد البر 1: 179، مقدمات ابن رشد 1: 53، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 92، التفسير الكبير للرازي 11: 161، مجمع البيان 3: 255.

(7) المبسوط للسرخسي 1: 8، المجموع شرح المهذب 1: 417، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 92، التفسير الكبير للرازي 11: 161، مجمع البيان 3: 255، حلية العلماء 1: 155، التنقيح لابن عبد الهادي 1:

100، بداية المجتهد 1: 15، المغني لابن قدامة 1: 121.

121

و قال من عدا من ذكرناه من الفقهاء: إن الفرض هو الغسل دون المسح (8).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (9).

و أوجب على الوجوه- بظاهر اللفظ- الغسل، ثم عطف الأيدي على الوجوه، و أوجب لها بالعطف مثل حكمها، فصار كأنه قال: و اغسلوا وجوهكم و اغسلوا أيديكم.

ثم أوجب مسح الرؤوس- بصريح اللفظ- كما أوجب غسل الوجوه كذلك، ثم عطف الأرجل على الرؤوس، فوجب أن يكون لها في المسح مثل حكمها بمقتضى العطف، و لو جاز أن يخالف في الحكم المذكور الرؤوس الأرجل، جاز أن يخالف

____________

(8) الاستذكار لابن عبد البر 1: 179، المبسوط للسرخسي 1: 8، المجموع شرح المهذب 1: 417، حلية العلماء 1: 154، المغني لابن قدامة 1: 120.

(9) سورة المائدة، الآية: 6.

122

حكم الأيدي في الغسل الوجوه.

و روى أمير المؤمنين (عليه السلام) و ابن عباس رضى الله عنه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه توضأ و مسح على قدميه و نعليه (1).

و روي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فمسح على رجليه (2).

و روي عنه أيضا أنه قال: «إن في كتاب الله المسح، و يأبى الناس إلا الغسل» (3).

و قد روى مثل ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «ما نزل القرآن إلا بالمسح» (4).

و روي عن ابن عباس أيضا أنه قال: غسلتان و مسحتان (5).

و هذه الأخبار التي ذكرناها مما رواها مخالفونا من الفقهاء و سطروها في كتبهم، فليس لهم أن يقولوا: إنا ما نعرفها.

فأما ما نختص بروايته في وجوب مسح الرجلين، فهو أكثر من السيل و الليل، و من أن تحصى كثرة (6).

و ليس لأحد أن يحمل خفض الرؤوس على المجاورة، كما قالوا: جحر ضب

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 3: 351.

(2) التهذيب 1: 63- 22، الوسائل 1: 295 باب 25 من أبواب الوضوء ح 6.

(3) سنن ابن ماجة 1: 156- 458، مصنف ابن أبي شيبة 1: 32- 14، الدر المنثور للسيوطي 2: 262.

(4) التهذيب 1: 63- 24، الوسائل 1: 295 باب 25 من أبواب الوضوء ح 8.

(5) مسند أحمد 6: 358، سنن الدار قطني 1: 96- 5، السنن الكبرى للبيهقي 1: 72، الدر المنثور للسيوطي 2:

262، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 6: 92.

(6) الكافي 3: 29- 2 و 31- 9، علل الشرائع 289- 2، الاستبصار 1- 64- 189، و 191، التهذيب 1: 63- 172، 173، 174، 175، و 92- 246.

123

خرب، لأن ذلك باطل من وجوه:

أولها: أنه لا خلاف بين أهل اللغة في أن الأعراب بالمجاورة شاذ نادر لا يقاس عليه، و إنما ورد في مواضع لا يتعدى الى غيرها، و ما هذه صورته لا يجوز أن يحمل كتاب الله تعالى عليه.

و ثانيها: أن كل موضع أعرب بالمجاورة مفقود فيه حرف العطف الذي تضمنته الآية، و لا مجاورة مع حرف العطف لأنه حائل بين الكلامين، مانع من تجاورهما، ألا ترى أنه لما أن أعربوا جحر ضب خرب بالمجاورة، كان اللفظان متجاورين متقاربين من غير حائل بينهما.

و كذلك قول الشاعر:

كبير أناس في بجاد مزمل (1)

لأن المزمل من صفات الكبير لا البجاد، فلما جروه بالمجاورة كان اللفظان متجاورين بلا حائل من العطف.

و ثالثها: أن الأعراب بالجوار إنما يستحسن بحيث ترتفع الشبهة في المعنى، ألا ترى أن الشبهة زائلة في كون خرب من صفات الضب، و أنه من صفات الجحر.

و كذلك لا شبهة في أن الوصف بمزمل راجع إلى الكبير لا إلى البجاد، و ليس هكذا الآية، لأن الأرجل يصح أن يكون فرضها المسح، كما يصح أن يكون الغسل، و الشك واقع فلا يجوز إعرابها بالمجاورة مع وقوع اللبس و الشبهة.

فإن قيل: كيف اعتمدتم على القراءة، بالجر في الأرجل، و قد قرئت بالنصب، و النصب موجب لغسل الأرجل؟

قلنا: القراءة بالنصب أيضا يقتضي المسح، لأن موضع الرؤوس في العربية

____________

(1) عجز بيت لامرئ القيس. كما في مغني اللبيب لابن هشام 2: 699، لسان العرب 11: 311.

124

موضع نصب بوقوع الفعل الذي هو المسح، و انما جرت الرؤوس بالباء الزائدة، و على هذا لا ينكر أن يعطف الأرجل على موضع الرؤوس لا لفظها فتنتصب، و ان كان الفرض فيها المسح كما كان في الرؤوس، و العطف على الموضع جائز مشهور عند أهل العربية.

ألا ترى أنهم يقولون: لست بقائم و لا قاعدا، فينصبون قاعدا على موضع قائم لا لفظه.

كذلك يقولون: حشيت بصدره و صدر زيد. و أن زيدا في الدار و عمرو، فرفع عمرو على الموضع، لأن أن و مات عملت فيه في موضع رفع.

و مثله قوله تعالى مَنْ يُضْلِلِ اللّٰهُ فَلٰا هٰادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ [1] بالجزم على موضع فلا هادي له لأنه موضع جزم.

قال الشاعر:

معاوي إننا بشر فأسجح * * * فلسنا بالجبال و لا الحديدا (2)

فنصب الحديد على الموضع.

و قال الآخر:

هل أنت باعث دينار لحاجتنا * * * أو عبد رب أخا عون بن مخراق (3)

و انما نصب عبد رب، لأن من حق الكلام: هل أنت باعث دينارا، فحمل على الموضع لا اللفظ.

____________

[1] سورة الأعراف، الآية: 186. قال في مجمع البيان ج 4 ص 774: قرأ أهل العراق: و يذرهم بالياء و الجزم كوفي غير عاصم و الباقون و نذرهم بالنون و الرفع.

____________

(2) لعقبة بن حارث الأسدي، مجمع البحرين 2: 370، أحكام القرآن للجصاص 3: 350.

(3) شرح ابن عقيل 2: 120.

125

و هذه المسألة أيضا مما استقصيناه و استوفينا الكلام فيه في مسائل الخلاف، فمن أراد بلوغ الغاية في معنى هذه الآية، رجع إلى الموضع الذي ذكرناه.

المسألة الثانية و الثلاثون [هل الدلك شرط في صحة الوضوء]

«الدلك شرط في صحة الوضوء» [1].

عندنا: أن إمرار اليد على الجسد في غسل الجنابة غير واجب، و كذلك في الوضوء، و به قال أبو حنيفة و أصحابه، و الثوري، و الأوزاعي، و الشافعي (1).

و قال مالك: لا يجزيه حتى يدلك ما يغسله و يمر يده عليه، و هو مذهب الزيدية (2).

دليلنا بعد إجماع الفرقة المحقة قوله تعالى حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (3).

و قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (4).

و لا شبهة في أنه يسمى مغتسلا، و إن لم يدلك بدنه و يمر يده عليه.

و قوله (عليه السلام): «أما أنا فأفيض على رأسي، و سائر بدني، فإذا فعلت ذلك فقد

____________

[1] هذا من الغسل عند أهل المذهب و لذلك لم يذكروا اشتراط الدلك (ح).

____________

(1) المبسوط للسرخسي 1: 44- 45، المجموع شرح المهذب 2: 185، بداية المجتهد 1: 45، المغني لابن قدامة 1: 218، الشرح الكبير 1: 214، مغني المحتاج 1: 74، إرشاد الساري 1: 315، الاستذكار لابن عبد البر 1: 330.

(2) بداية المجتهد 1: 45، الاستذكار لابن عبد البر 1: 329، إرشاد الساري 1: 315، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 5: 210، شرح الأزهار 1: 85، المنار في المختار 1: 60- 61، نيل الأوطار 1: 277، المغني لابن قدامة 1: 218.

(3) سورة النساء، الآية: 43.

(4) سورة المائدة، الآية: 6.

126

طهرت» (1).

فبين وقوع الكفاية و الطهارة بهذا الغسل دون إمرار اليد.

و قوله (عليه السلام) لأم سلمة: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي الماء عليك، فإذا أنت فقد طهرت» (2).

و قوله (عليه السلام): «إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك» (3).

و من اغتسل و لم يمر يده، قد أمس الماء جلده.

المسألة الثالثة و الثلاثون [التوالي واجب في أحد الوجهين]

«التوالي واجب في أحد الوجهين» [1].

عندنا: أن الموالاة واجبة بين الوضوء، و لا يجوز التفريق، و من فرق بين الوضوء بقدر [2] ما يجف معه غسل العضو الذي انتهى إليه، و قطع الموالاة منه في الهواء المعتدل وجب عليه إعادة الوضوء، و هو القول المتقدم للشافعي، و به قال الأوزاعي في بعض الروايات، و ربيعة بن أبي عبد الرحمن، و ابن حنبل (5).

____________

[1] لم أجده للناصر (عليه السلام) و حكى في البحر ج 1 ص 75 عن القاسمية و الناصرية ان التفريق لا يبطل الوضوء (ح).

[2] في (د) مقدار، و في (م): «بمقدار» بدل: «بقدر».

____________

(1) صحيح البخاري 1: 178- 247، صحيح مسلم 1: 258- 54، سنن ابن ماجة 1: 190- 575، السنن الكبرى للبيهقي 1: 176، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 169- 282.

(2) صحيح مسلم 1: 259- 58، سنن الدار قطني 1: 114- 15، سنن النسائي 1: 131، السنن الكبرى للبيهقي 1: 178، سنن ابن ماجة 21: 189- 603، سنن أبي داود 1: 65- 251، سنن الترمذي 1: 176- 175، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 170- 284.

(3) سنن الدار قطني 1: 187- 6، السنن الكبرى للبيهقي 1: 179، أحكام القرآن للجصاص 3: 339، كنز العمال 9: 593- 27567، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 172- 288.

(5) المجموع شرح المهذب 1: 451 و 454- 455، المغني لابن قدامة 1: 128، حلية العلماء 1: 157.

127

و قال مالك، و ابن أبي ليلى، و الليث بن سعد: من فرق متعمدا وجب عليه أن يستأنف، و إن فرق لعذر جاز أن يبني عليه (1).

و التفريق المتعمد عنده: أن يغسل وجهه و لا يغسل يديه، مع وجود الماء و تمكنه منه، حتى يجف الماء على وجهه.

و التفريق بالعذر: أن ينقلب الماء، أو يجد منه دون الكفاية، فيتشاغل بطلب الكفاية.

و قال أبو حنيفة و أصحابه: يجوز تفريق الوضوء، و هو مذهب سعيد بن المسيب [1]، و عطاء [2]، و الحسن، و الثوري، و داود، و به قال الشافعي في الجديد، و روي أيضا عن الأوزاعي (4).

دليلنا على وجوب الموالاة بعد الإجماع المتكرر ذكره، ما روي عنه (عليه السلام) من

____________

[1] سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث و الفقه، سمع أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) و عثمان، و سعد بن أبي وقاص، و أبا هريرة، و زيد بن ثابت، و أم سلمة، و عائشة، و روى عنه الزهري، و قتادة، و يحيى بن سعيد الأنصاري.

ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر. مات سنة 94 هبالمدينة. انظر: سير أعلام النبلاء 4: 217- 469، تهذيب التهذيب 4: 74- 145، وفيات الأعيان 2: 375- 262، الجرح و التعديل 4: 59- 262، تذكرة الحفاظ 1: 54- 38، حلية الأولياء 2: 161- 170.

[2] عطاء بن أبي رباح أبو محمد بن أسلم القرشي، مفتي أهل مكة، و محدثهم، روى عن عائشة، و أم سلمة، و أبي هريرة، و ابن عباس، و جابر بن عبد الله، و أبي سعيد و آخرين، و عنه أبو حنيفة، و أبو إسحاق، و الأوزاعي، و عمرو بن دينار و آخرون. ولد في خلافة عثمان و مات سنة 114 بمكة. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 98- 90، ميزان الاعتدال 3: 70- 5640، طبقات ابن سعد 2: 386، طبقات الفقهاء للشيرازي: 44، وفيات الأعيان 3: 261- 419.

____________

(1) المدونة الكبرى 1: 15، بداية المجتهد 1: 18، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 6: 98، حلية العلماء 1: 157، المبسوط للسرخسي 1: 56.

(4) المبسوط للسرخسي 1: 56، المجموع شرح المهذب 1: 454، حلية العلماء 1: 156- 157.

128

أنه توضأ مرة مرة و قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (1).

فلا يخلو من أن يكون (عليه السلام) و الى بين الوضوء أو لم يوال، فإن لم يكن والى أدى ذلك إلى أن الوضوء مع الموالاة لا تقبل الصلاة به، و هذا خلاف الإجماع، فثبت أنه (عليه السلام) والى و بين أن خلافه لا يجوز.

و روى أبو داود [1] في كتاب السنن عنه (عليه السلام) أنه رأى رجلا توضأ، و في قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره (عليه السلام) بأن يعيد الوضوء و الصلاة (3).

و من قال إن الأمر على الفور و هو الظاهر في الشريعة يمكن أن يستدل بالآية (4) على وجوب الموالاة، و أنه بعد غسل وجهه مأمور على الفور بغسل يديه، و كذلك باقي الأعضاء.

____________

[1] أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني، صاحب كتاب «السنن»، رحل الى خراسان و العراق و الجزيرة و الشام و الحجاز و مصر، سمع أبا الوليد الطيالسي، و أبا عمر الضرير، و مسلم بن إبراهيم، و سليمان بن حرب، و شيخه أحمد بن حنبل، و حدث عنه الترمذي، و النسائي، و ابنه أبو بكر بن أبي داود، و أبو عوانة و غيرهم. ولد سنة 202 هو توفي سنة 275 ه.

انظر: تذكرة الحفاظ 2: 591- 615، وفيات الأعيان 2: 404- 272، الجرح و التعديل للرازي 4:

101- 456، تهذيب التهذيب 4: 149- 298، سير أعلام النبلاء 13: 203- 2355.

____________

(1) سنن ابن ماجة 1: 145- 420، السنن الكبرى للبيهقي 1: 80، مجمع الزوائد 1: 239، مسند أبي يعلى 9:

448- 5598، أحكام القرآن للجصاص 3: 364.

(3) سنن أبي داود 1: 45- 175.

(4) سورة المائدة، الآية: 6.

129

المسألة الرابعة و الثلاثون [لا يجوز المسح على الخفين]

«لا يجوز المسح على الخفين (1) مع القدرة على غسل الرجلين، و من مسح مقلدا أو مجتهدا ثم وقف على خطائه وجب عليه إعادة الصلاة».

هذا صحيح، و لا يجوز عندنا المسح على الخفين، و لا الجوربين، و لا الجرموقين، في سفر و لا حضر مع الاختيار، و قد وافقنا في ذلك جماعة من السلف منهم صحابة و تابعون (2).

و اختلف الرواية عن مالك، فروى ابن القاسم [1] عنه أنه ضعف المسح على الخفين، و حكى ابن المنذر [2] عن بعض أصحاب مالك: أن الذي استقر عليه مذهب مالك أنه لا يجوز المسح على الخفين. و قد روي عنه جوازه، إلا أنه لم يحد في ذلك حدا كما حد غيره من الفقهاء، و سوى بين المقيم و المسافر (4).

____________

[1] عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي، المصري، الفقيه المالكي، صاحب «المدونة»، روى عن مالك و بكر بن مضر، نافع بن أبي نعيم القاري، و ابن عيينة و غيرهم، و عنه ابنه موسى، و سعيد بن عيسى، و سحنون، و الحارث بن مسكين و غيرهم. ولد سنة 131 هو مات سنة 191 ه. انظر: العبر 1:

307، تهذيب التهذيب 6: 227- 503، تذكرة الحفاظ 1: 356- 346، وفيات الأعيان 3: 129- 362.

[2] إبراهيم بن المنذر أبو إسحاق الحزامي الأسدي، المدني، روى عن مالك، و سفيان بن عيينة، و الوليد بن مسلم و طبقتهم، و عنه البخاري، و ابن ماجة، و محمد بن إبراهيم البوشنجي و آخرون، مات سنة 236 هانظر: تذكرة الحفاظ 2: 470- 482، ميزان الاعتدال 1: 67- 222 تهذيب التهذيب 1: 145- 300.

____________

(1) حكى في البحر عن العترة جميعا انه لا يجزئ ج 1 ص 69 (ح).

(2) الاستذكار لابن عبد البر 1: 273، بداية المجتهد 1: 19، المبسوط للسرخسي 1: 97- 98، نيل الأوطار 1:

222، التفسير الكبير للرازي 11: 163.

(4) المدونة الكبرى 1: 41، الاستذكار لابن عبد البر 1: 272، بداية المجتهد 1: 19، المجموع شرح المهذب 1:

476، حلية العلماء 1: 160، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 6: 100، التفسير الكبير للرازي 11: 163.

130

و قال أبو حنيفة و أصحابه، و الثوري، و الأوزاعي، و ابن حي، و الشافعي، و داود: بالمسح على الخفين (1).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتكرر قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (2).

فأوجب تعالى إيقاع المسح على ما هو رجل على الحقيقة، و قد علمنا أن الخف لا يسمى رجلا في لغة و لا شرع و لا عرف، كما أن العمامة لا تسمى رأسا، و البرقع لا يسمى وجها.

و ليس لهم أن يعترضوا بقول القائل: وطأت كذا برجلي، و إن كان لابسا للخف، لأن ذلك مجاز و اتساع بلا خلاف، و المجاز لا يحمل عليه الكتاب إلا بدليل قاهر.

و يدل على ذلك أيضا ما روي عنه (عليه السلام) من أنه توضأ مرة مرة و قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (3).

و لا خلاف أنه أوقع الفعل في تلك الحال على الرجل دون الخفين، فوجب مطابقة الخبر و لا يجوز إيقاعه على غيرهما.

و ليس لأحد أن يدعي في الآية و هذا الخبر جميعا: أنهما إنما يتناولان من كان ظاهر الرجل دون لابس الخف، لأن ذلك تخصيص العموم بغير دليل.

و يدل على ذلك أيضا ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنه قال: «نسخ

____________

(1) المبسوط للسرخسي 1: 97- 98، الأم 1: 48، الاستذكار لابن عبد البر 1: 275، المجموع شرح المهذب 1: 476، حلية العلماء 1: 160، مغني المحتاج 1: 63، بداية المجتهد 1: 19، المغني لابن قدامة 1: 283.

(2) سورة المائدة، الآية: 6.

(3) سنن ابن ماجة 1: 145- 420، السنن الكبرى للبيهقي 1: 80، مسند أبي يعلى 9: 448- 5598، مجمع الزوائد، 1: 239، أحكام القرآن للجصاص 3: 364، تاريخ بغداد 11: 28.

131

الكتاب المسح على الخفين» (1).

و رواية أخرى: «ما أبالي أ مسحت على الخفين أو على ظهر عير بالفلاة» (2).

و لم نر أحدا من الصحابة خالفه في ذلك، أو اعترض قوله بإنكار مع ظهوره.

و روي عن ابن عباس أنه قال: سبق كتاب الله المسح على الخفين (3)، و لم ينكر ذلك عليه أحد.

و روي عن عائشة [1] أنها قالت: لأن تقطع رجلاي بالمواسي أحب إلى من أن أمسح على الخفين (5)، و لم نعرف رادا لقولها أو منكرا عليها.

فأما الأخبار التي رووها من أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مسح على خفيه، و أباح المسح على الخفين (6) فلا يعارض ظاهر الكتاب، لأن نسخ الكتاب أو تخصيصه بها- و لا بد من أحدهما- غير جائز.

و لنا أيضا على سبيل الاستظهار أن نتقبلها و نحملها على ظاهر الضرورة، أما لبرد شديد يخاف منه على النفس أو الأعضاء، أو لعدو مرهق، و الضرورة تبيح ذلك عندنا.

____________

[1] عائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة، تزوجها النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قبل الهجرة بسنتين بعد وفاة خديجة (عليها السلام)، روت عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عن أبيها و عمر و سعد بن أبي وقاص و جماعة من الصحابة، و روى عنها أبو هريرة، و أبو موسى، و ابن عباس، و عروة، و سعيد بن المسيب و غيرهم ماتت سنة 58 ه. انظر: العبر 1: 63، أسد الغابة 5: 501، تذكرة الحفاظ 1: 27- 13 سير أعلام النبلاء 2: 135- 119، الإصابة في تمييز الصحابة 4.

359.

____________

(1) السنن الكبرى للبيهقي 1: 272، مصنف ابن أبي شيبة 1: 213- 3، في المصادر: «سبق» بدل، «نسخ».

(2) التحقيق في اختلاف الحديث 1: 156.

(3) مصنف ابن أبي شيبة 1: 213- 4، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 156، السنن الكبرى للبيهقي 1: 273.

(5) مصنف ابن أبي شيبة 1: 214- 10، نصب الراية 1: 174، التفسير الكبير للرازي 11: 163.

(6) انظر: صحيح البخاري 1: 158- 196- 199، صحيح مسلم 1: 227- 228- 72- 75، سنن أبي داود 1:

36- 149، جامع الأصول 7: 228- 5269، أحكام القرآن للجصاص 3: 353.

132

و هذه المسألة أيضا مما استقصيناه في (مسائل الخلاف) فمن أراد استيفاءها أصابه هناك.

فأما من مسح مقلدا أو مجتهدا إذا وقف على خطئه بعد ذلك، فلا شبهة في أنه يجب عليه إعادة الصلاة، لأنه ما أدى الفرض، لأن الله تعالى أوجب عليه تطهير رجليه فطهر غيرهما.

المسألة الخامسة و الثلاثون [النوم بمجرده حدث و لا يعتبر أحوال النائم]

«النوم بمجرده حدث [1]، و لا يعتبر أحوال النائم».

و هذا صحيح، و عندنا أن النوم الغالب على العقل و التمييز ينقض الوضوء، على اختلاف حالات النائم من قيام و قعود و ركوع و سجود، و وافقنا على ذلك المزني (1).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: لا وضوء من النوم إلا على من نام مضطجعا أو متوكئا، فأما من نام قائما، أو راكعا، أو ساجدا، أو قاعدا، سواء كان في الصلاة أو غيرها فلا وضوء عليه (2).

____________

[1] حكى في البحر عن الناصر انه لا ينقض الوضوء في الصلاة ج 1 ص 88 و لعله تصحيف لأن رقم الناصر (ن) و رقم زيد بن علي (ز) و قد ذكر زيد بن علي في مجموعه انه لا ينقض في الصلاة فلا يبعد أن الأصل (ز) و ذكر المؤيد بالله في شرح التجريد ان النوم المزيل للعقل على اي حال كان ينقض الطهارة ذكره لمذهب الهادي قال و هو مذهب سائر أهل البيت (عليهم السلام) (ح).

____________

(1) مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 96، حلية العلماء 1: 184، المجموع شرح المهذب 2: 17، الاستذكار لابن عبد البر 1: 192.

(2) الأصل للشيباني 1: 57، المبسوط للسرخسي 1: 78، المجموع شرح المهذب 2: 18، حلية العلماء 1:

184، نيل الأوطار 1: 240.

133

و روي عن أبي يوسف: إن تعمد النوم في السجود فعليه الوضوء (1).

و قال ابن حي، و الثوري: لا وضوء إلا على من نام مضطجعا، و هو مذهب داود (2).

و قال مالك: من نام ساجدا أو مضطجعا يتوضأ، و من نام جالسا فلا وضوء عليه إلا أن يطول، فيفرق في القاعد بين القليل من النوم و الكثير، و هو مذهب ابن حنبل (3).

و قال الليث: إذا تصنع النوم جالسا فعليه الوضوء، و لا وضوء على القائم و الجالس إذا غلبهما النوم [1].

و قال الشافعي: من نام في غير حال القعود وجب عليه الوضوء، فأما من نام قاعدا فإن كان زائلا غير مستوي الجلوس لزمه الوضوء، و ان كان متمكنا من الأرض، فلا وضوء عليه (5).

و روي عن الأوزاعي أنه قال [2]: لا وضوء من النوم، فمن توضأ منه ففضل أخذ به، و إن تركه فلا حرج. و لم يذكر عنه الفصل بين أحوال النائم (7).

و قد حكي عن قوم من السلف نفي الوضوء من النوم، كأبي موسى الأشعري [3]، و عمرو بن دينار [4]، و حميد الأعرج [5] (11).

____________

[1] الاستذكار لابن عبد البر 1: 191، و في نسخة (ط) و في المصدر: «اتضع»، و قال محقق المصدر: في الأصل:

تصنع، و هو تحريف.

[2] كلمة «قال» ساقطة من (ج) و (م).

[3] أبو موسى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري، استعمله النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مع معاذ على اليمن، و ولاه عمر إمرة الكوفة و البصرة، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و علي بن أبي طالب (عليه السلام) و معاذ، و ابن مسعود، و عمار، و ابن عباس و غيرهم، و روى عنه أولاده و أبو بردة، و أبو سعيد الخدري و آخرون، توفي سنة 44 ه. انظر: أسد الغابة 3: 245، الإصابة في تمييز الصحابة 2: 359، سير أعلام النبلاء 2:

380- 188، العبر 1: 52، تهذيب التهذيب 5: 317- 625.

[4] أبو محمد عمرو بن دينار الأثرم الجمحي مولاهم المكي، سمع من ابن عباس، و جابر بن عبد الله، و ابن عمر، و أنس بن مالك، و عبد الله بن جعفر و غيرهم، حدث عنه ابن جريج، و الزهري، و سفيان الثوري، و الحمادان و آخرون. مات سنة 126 ه. انظر: ميزان الاعتدال 3: 260- 6367، تهذيب التهذيب 8: 26- 45، تذكرة الحفاظ 1: 113- 89، طبقات ابن سعد 5: 479، العبر 1: 163.

[5] أبو صفوان حميد بن قيس المكي الأعرج، المقرئ. روى عن مجاهد، و عطاء، و روى عنه سفيان بن عيينة، و مالك و الزنجي، توفي سنة 130 ه. انظر: ميزان الاعتدال 1: 615- 2341، لسان الميزان 7:

205- 2783، الجرح و التعديل للرازي 3: 227- 1001، و في نسخة (ط) و (د): «حميد بن الأعرج».

____________

(1) الأصل للشيباني 1: 58، المبسوط للسرخسي 1: 79، الاستذكار لابن عبد البر 1: 190، المحلى بالآثار 1:

213.

(2) الاستذكار لابن عبد البر 1: 190، المحلى بالآثار 1: 213.

(3) الاستذكار لابن عبد البر 1: 190، بداية المجتهد 1: 37، المدونة الكبرى 1: 9- 10، حلية العلماء 1: 185، المغني لابن قدامة 1: 166- 167، و في نسخة (م): «ففرق في القاعد.».

(5) المجموع شرح المهذب 2: 17، الاستذكار لابن عبد البر 1: 191، نيل الأوطار 1: 240.

(7) الاستذكار لابن عبد البر 1: 190.

(11) الاستذكار لابن عبد البر 1: 192، حلية العلماء 1: 183، المبسوط للسرخسي 1: 78، المغني لابن قدامة 1: 164- 165، نيل الأوطار 1: 239.

134

و متى دللنا على وجوب الوضوء من الاستغمار [1] في النوم على طريق العموم، فقد رددنا على جميع المخالفين في هذه المسألة.

دليلنا على ذلك: الإجماع المتقدم ذكره، و قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية (13).

و قد نقل أهل التفسير جميعا أن المراد بالآية: إذا قمتم من النوم (14)، و أن الآية وردت على سبب معروف يقتضي تعلقها بالنوم، فكأنه تعالى قال: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم فتوضأوا، و هذا يوجب الوضوء من النوم على الإطلاق.

و أيضا ما روي عن النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- أنه قال: «العينان وكاء السه، فمن نام

____________

[1] في نسخة (م): «الاستقرار».

____________

(13) سورة المائدة، الآية: 6.

(14) أحكام القرآن للجصاص 3: 331، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 6: 82، التبيان للطوسي 3: 448.

135

فليتوضأ» (1).

و في خبر آخر: «العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» (2).

و أيضا ما رواه صفوان بن عسال المرادي [1] أنه قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام و لياليهن، ليس من الجنابة، لكن من بول، و غائط، و نوم» (4).

و ظاهر هذه الاخبار تدل على وجوب الوضوء من كل نوم، من غير مراعاة لاختلاف الأحوال.

و ليس لأحد أن يصرف ذكر النوم في الأخبار التي ذكرناها الى المعهود المألوف، و هو نوم المضطجع دون القائم و الراكع، و يدعي أن القائل إذا قال: فلان قد نام، لا يعقل من إطلاقه إلا النوم المعتاد دون غيره، و ذلك أن الظاهر يقتضي عموم الكلام و تعلقه بكل من يتناول الاسم، و تعلقه بنوم دون نوم تخصيص للعموم بلا دلالة.

و بعد: فغير مسلم أن القائل إذا قال: «نام فلان» أنه يفهم من إطلاقه الاضطجاع، و ان فهم ذلك في بعض الأحوال فبقرينة هو دلالة.

على أنه لا خلاف بيننا و بين من راعى اختلاف الأحوال في النوم، أن

____________

[1] صفوان بن عسال بن زاهر بن عامر، المرادي، سكن الكوفة، له صحبة، و روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و روى عنه ابن مسعود، و عبد الله بن سلمة، و زر بن حبيش. انظر: أسد الغابة 3: 24، الإصابة في تمييز الصحابة 2:

189- 4080، تهذيب التهذيب 4: 376- 750، الجرح و التعديل للرازي 4: 420- 1845.

____________

(1) سنن الدار قطني 1: 161- 5، سنن أبي داود 1: 52- 203، سنن ابن ماجة 1: 161- 477، السنن الكبرى للبيهقي 1: 118، نصب الراية 1: 45.

(2) سنن الدار قطني 1: 160- 2، مسند أحمد 4: 97، سنن الدارمي 1: 184، أحكام القرآن للجصاص 3:

333، نصب الراية 1: 46، كنز العمال 9: 342- 26350.

(4) سنن الترمذي 1: 159- 96، سنن ابن ماجة 1: 161- 478، سنن النسائي 1: 83، سنن الدار قطني 1:

133- 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 114.

136

قوله (عليه السلام): «من نام فليتوضأ» (1) يتناول نوم المضطجع في كل وقت من ليل أو نهار، و لا يختص بالأوقات المعهود فيها النوم، حتى يدعي مدع أنه يختص بليل أو بوسط نهار، لان ما عدا ذلك، من أوقات النهار ليس بمعهود فيه النوم، فكما إنا نحمله على عموم الأوقات التي يقع فيها النوم، و لا يراعى ما يعهد فيه النوم، فكذلك يحمل على جميع الأشكال و الهيئات التي ينام النائم عليها، و لا يراعي في ذلك عادة مألوفة.

و أيضا ما روته عائشة عنه (عليه السلام) أنه قال: «من استجمع نوما فعليه الوضوء» (2).

و في خبر آخر: «إذا استثقل أحدكم نوما فليتوضأ» [1].

و أما الأخبار التي رووها عن النبي (عليه السلام) في نفي الوضوء من النوم (4)، فإنا نحملها- إذا تقبلناها- على نوم لا استثقال معه، و إنما هو تهويم و سنة خفيفة، و قد استقصينا الكلام في هذه المسألة لنا و علينا في (مسائل الخلاف).

المسألة السادسة و الثلاثون [فعل الكبيرة ليس بحدث]

«فعل الكبيرة حدث» [2].

هذا غير صحيح و عندنا و عند جميع الفقهاء (5)، بلا خلاف في نفيه [3]، و على هذا إجماع، الفرقة المحقة، بل إجماع الأمة كلها، و من تجدد خلافه في ذلك فالإجماع قد

____________

[1] لم نعثر عليه.

[2] و هذا حكاه المؤيد بالله في شرح التجريد عن القاسم و الناصر و مثله في البحر ج 1 ص 89- 90 (ح).

[3] في (ط) و (د): «في نفسه».

____________

(1) مر تخريجه آنفا في هذه المسألة.

(2) تلخيص الحبير 1: 118، فتح العزيز 2: 21.

(4) سنن أبي داود 1: 52- 202، سنن الدار قطني 1: 159- 1 و 160- 4، السنن الكبرى للبيهقي 1: 121.

(5) المغني لابن قدامة 1: 168- 169، الأم 1: 35، المجموع شرح المهذب 2: 61، الشرح الكبير 1: 193.

137

سبقه.

و لا ينقل أحد من الرواة أن فعل المعاصي في أيام النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أو في أيام الصحابة و التابعين حدث، و قد اختلفوا في كثير من الأحداث عد حدثا في نفسه و أنه ينقض الطهر.

و بعد: فقد بينا أن ما تعم به البلوى و يتكرر حدوثه لا بد من إيراد بيان حكمه موردا يقطع العذر و يثلج الصدر و على هذا عولنا في أن مس الذكر لا ينقض الوضوء.

و لو كان فعل المعصية حدثا في نفسه لوجب أن يرد ذلك ورودا يقطع العذر، و يوجب العلم، و يشترك فيه الخاص و العام، كما وجب في أمثاله.

على أن الأمة مجمعة على أن الأحداث كلها ما خرجت من البدن، ثم اختلفوا فيما يخرج من السبيلين، فراعى قوم كونه معتادا، و فرق بينه و بين ما ليس بمعتاد (1) و لا أحد منهم أثبت حدثا ينقض طهرا لا يخرج من البدن، و لا يعترض على هذه الجملة النوم، و الجنون، و الإغماء، لأن ذلك كله إذا غلب على التمييز لا يؤمن معه خروج الخارج من السبيلين، الذي هو الحدث، فجعلوا ما لا يؤمن معه الحدث حدثا في نفسه، و المعاصي خارجة عن هذه الجملة، فكيف يجعل إحداثا؟! على أنه يلزم على هذا المذهب أن يكون من عصى باعتقاد مذهب فاسد لا يصح وضوؤه ما دام مصرا على هذه المعصية، لأن الدليل قد دل على أن جنس الاعتقاد لا يبقى، و انما يستمر كون المعتقد معتقدا باعتقادات يجددها في كل حال، و إذا كان من ذكرناه يجدد في كل حال اعتقادات هي معاص و كبائر، لم يصح له وضوء، و هذا يوجب إلا تصح الصلاة و لا الوضوء ممن هذه حاله، و قد علم خلاف ذلك.

____________

(1) الاستذكار لابن عبد البر 1: 199- 200، المجموع شرح المهذب 2: 8، المغني لابن قدامة 1: 164.

138

و أيضا فإن المصر على المعاصي، هو الذي يجدد مع الذكر لها العزم على فعلها، و العزم على المعصية معصية، و هذا يوجب ألا يصح وضوء مصر على المعاصي و لا صلاته، و لا أحد من الأمة يبلغ الى هذه الحال.

المسألة السابعة و الثلاثون [ليس كل حركة كانت معصية نقضت الوضوء]

«كل حركة كانت معصية نقضت الوضوء [1]».

و الكلام في هذه المسألة هو الكلام الذي تقدمها، فلا معنى لإعادته.

المسألة الثامنة و الثلاثون [لا تزول طهارة متيقنة بحدث مشكوك]

«لا تزول طهارة متيقنة بحدث مشكوك [2]».

هذا صحيح، و عندنا أن الواجب البناء على الأصل، طهارة كان أو حدثا، فمن شك في الوضوء و هو على يقين من الحدث، وجب عليه الوضوء، و من شك في الحدث و هو على يقين من الوضوء، بنى على الوضوء و كان على طهارته، و هو مذهب الثوري، و الأوزاعي، و ابن حي، و أبي حنيفة و أصحابه، و الشافعي (1).

و قال مالك: ان استولى الشك و كثر منه بنى على اليقين- مثل قولنا- فإن لم يكن كذلك و شك في الحدث بعد يقينه بالوضوء، وجب أن يعيد الوضوء (2).

____________

[1] قد ذكر الامام القاسم بن محمد بن أئمة الزيدية في كتابه الأساس عن الناصر أن كل عمد كبيرة، دخلت هذه المسألة في التي قبلها (ح).

[2] ذكرها في البحر عن العترة القاسمية و الناصرية ج 1 ص 80 (ح).

____________

(1) المبسوط للسرخسي 1: 86، الاستذكار لابن عبد البر 2: 239، المجموع شرح المهذب 2: 63- 64، المغني لابن قدامة 1: 193.

(2) الاستذكار لابن عبد البر 2: 239، المدونة الكبرى 1: 14، المغني لابن قدامة 1: 193.

139

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتكرر ذكره.

و أيضا ما رواه عبد الله بن زيد الأنصاري [1] قال: شكي الى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الرجل يخيل إليه الشيء و هو في الصلاة.

فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): «لا ينفتل عن صلاته حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا» (2).

و روى أبو هريرة: أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «إذا كان أحدكم في المسجد، فوجد ريحا بين أليتيه فلا ينصرف، حتى يجد ريحا، أو يسمع صوتا» (3).

و في خبر آخر: «إن الشيطان يأتي أحدكم و هو في الصلاة، فينفخ بين أليتيه فيقول: أحدثت، أحدثت، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا» (4).

و كل هذه الأخبار توجب اطراح الشك و البناء على اليقين، و لم يفرق في جميعها بين أن يعرض ذلك مرة أو مرارا.

و تعلقهم بقوله (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (5) ليس بشيء، و هذا الخبر دليلنا في المسألة، لأن ما يريبه الشك، و الذي لا يريبه هو اليقين، فيجب أن يعمل على اليقين و هو الوضوء، و يطرح الشك.

____________

[1] أبو محمد عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب المازني، الأنصاري، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حديث الوضوء و غيره، و روى عنه ابن أخيه عباد بن تميم، و سعيد بن المسيب، و يحيى بن عمارة و غيرهم، قتل بالحرة سنة 63 ه. انظر: أسد الغابة 3: 167. الإصابة في تمييز الصحابة 2: 312- 4688، سير اعلام النبلاء 2:

377- 186، تهذيب التهذيب 5: 196- 386.

____________

(2) صحيح البخاري 1: 132- 134، صحيح مسلم 1: 276- 98، سنن أبي داود 1: 45- 176، السنن الكبرى للبيهقي 1: 161، جامع الأصول 7: 195- 5215.

(3) صحيح مسلم 1: 276- 99، سنن الترمذي 1: 109- 75، السنن الكبرى للبيهقي 2: 254، جامع الأصول 7: 194- 5214، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 153- 251.

(4) سنن أبي داود 1: 45- 177، مسند أحمد 3: 96، كنز العمال 1: 251- 1269، بتفاوت.

(5) سنن النسائي 8: 230، السنن الكبرى للبيهقي 5: 335، مسند أحمد 3: 112، مجمع الزوائد 1: 238، نصب الراية 2: 471، جامع الأصول 10: 179- 7674.

140

المسألة التاسعة و الثلاثون [خروج المني يوجب الاغتسال]

«خروج المني من غير شهوة لا يوجب الاغتسال [1]».

عندنا أن خروج المني يوجب الاغتسال، على جميع الوجوه و اختلاف الأحوال، بشهوة و دفق أو بغير ذلك، و قبل الغسل أو بعده، و سواء بال قبل ذلك أو لم يبل، و هو مذهب الشافعي (1). و قال أبو حنيفة و أصحابه: المني لا يوجب الاغتسال، إلا أن يخرج على وجه الدفق و الشهوة (2).

ثم اختلفوا فيمن جامع و اغتسل، ثم خرج منه شيء، فقال أبو حنيفة و محمد:

إن كان ذلك بعد البول فلا غسل عليه، و إن كان قبل البول فعليه الغسل (3).

و قال أبو يوسف: ليس عليه غسل بال أو لم يبل، إذا خرج بعد الدفقة الاولى، و به قال مالك (4).

دليلنا بعد الإجماع المتكرر، ما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «الماء من الماء» (5).

و ظاهر ذلك يقتضي إيجاب الغسل من الماء على اختلاف أحواله، و اسم الماء يتناول المني- عرفا و شرعا- في أنه حمل جميع الفقهاء هذا الخبر على أن المراد به

____________

[1] حكاه في البحر ج 1 ص 98 عن أكثر القاسمية و الناصري (ح).

____________

(1) المجموع شرح المهذب 2: 139، حلية العلماء 1: 217، فتح الوهاب: 18، المبسوط للسرخسي 1: 67.

(2) المبسوط للسرخسي 1: 67، الهداية للمرغيناني 1: 16، اللباب في شرح الكتاب 1: 16، المجموع شرح المهذب 2: 139، حلية العلماء 1: 218.

(3) المبسوط للسرخسي 1: 67، المجموع شرح المهذب 2: 139، حلية العلماء 1: 219.

(4) المصادر السابقة.

(5) صحيح مسلم 1: 269- 80، 81، سنن ابن ماجة 1: 199- 607، سنن أبي داود 1: 65- 217، سنن النسائي: 1: 115، السنن الكبرى للبيهقي 1: 167، نصب الراية 1: 81، جامع الأصول 7: 273- 5306.

141

المني.

و أيضا ما روي من أن أم سلمة قالت: يا رسول الله! إذا رأت المرأة الماء تغتسل؟. فقال (عليه السلام): «نعم إذا رأت الماء» (1)، و لم يفرق بين الأحوال، فوجب أن يكون على عمومه.

و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان يقول: «إنما الغسل من الماء الأكبر» (2).

و أيضا فقد اتفقنا على أن النائم إذا خرج منه المني لزمه الغسل، ذكر الاحتلام أو لم يذكره، و جائز أن يكون المني خرج في حال النوم من غير شهوة، و هذا يدل على أن الاعتبار في وجوب الاغتسال انما هو خروج المني.

المسألة الأربعون [التقاء الختانين يوجب الاغتسال و إن لم يكن معه إنزال]

«التقاء الختانين يوجب الاغتسال و إن لم يكن معه إنزال [1]».

هذا صحيح، و عندنا أن الختانين إذا التقيا و غابت الحشفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل، و هو مذهب جميع الفقهاء إلا داود فإنه اعتبر في وجوب الغسل الإنزال (3).

____________

[1] حكاه في البحر عن العترة القاسمية و الناصرية ج 1 ص 99 و ذكر المؤيد بالله في شرح التجريد انه لا خلاف فيه الا بين الصدر الأول (ح).

____________

(1) صحيح البخاري 1: 186- 273، صحيح مسلم 1: 251- 32، سنن ابن ماجة 1: 197- 600، سنن الترمذي: 1: 209- 122، السنن الكبرى للبيهقي 1: 167، الموطأ 1: 51- 85.

(2) الكافي 3: 48- 1، التهذيب 1: 120- 316، الاستبصار 1: 109- 362.

(3) الاستذكار لابن عبد البر 1: 346- 347، بداية المجتهد 1: 48، حلية العلماء 1: 216، المجموع شرح المهذب 2: 136، المغني لابن قدامة 1: 203، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 167، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 205.

142

و الذي يدل على صحة مذهبنا بعد الإجماع المتقدم ما رواه الزهري، و عن سهل ابن سعد [1] أنه أخبره: أن أبي بن كعب [2] [قال:] (3) «رخص في بدون الإسلام للمجامع أن يتوضأ، ثم أمرنا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بالغسل (4)».

و أيضا فقد كانت الصحابة اختلفت في هذا الباب، فقال جمهورهم مثل ما حكيناه من مذهبنا، و قالت الأنصار: الماء من الماء، فأرسلوا بأبي سعيد الخدري [3] إلى عائشة فسألها، فقالت: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إذا التقى الختانان و غابت

____________

[1] أبو العباس سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري، الخزرجي، الساعدي، من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و ابي بن كعب، و عاصم بن عدي، و عنه ابن عباس، و ابن شهاب الزهري، و أبو هريرة و غيرهم، توفي سنة 91 ه. انظر: أسد الغابة 2: 366، الإصابة في تمييز الصحابة 2: 88- 3533، تهذيب التهذيب 4: 221- 441، سير أعلام النبلاء 2: 422- 306.

[2] أبو المنذر أبي بن كعب بن قيس بن أبي بن زيد بن بني النجار، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عنه أبو أيوب الأنصاري، و ابن عباس، و سهل، و أبو هريرة، و أبو موسى و غيرهم. مات في المدينة سنة 22 ه. انظر: أسد الغابة 1: 49، الإصابة في تمييز الصحابة 1: 19- 32، سير اعلام النبلاء 1: 389- 88، تنقيح المقال 1:

44- 260، رجال الطوسي: 4- 16.

[3] أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان، الخدري الأنصاري، المدني، من فقهاء الأصحاب، شهد بيعة الرضوان، و الخندق و غيرها من المشاهد كان من أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و شهد معه النهروان، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الامام على بن أبي طالب (عليه السلام) و عنه مجاهد، و جابر بن عبد الله، و عبد الله بن عباس، و أنس، و سعيد بن المسيب و غيرهم. مات بالمدينة سنة 74 ه. انظر: أسد الغابة 2: 289، الإصابة في تمييز الصحابة 2: 35- 3196، تاريخ بغداد 1: 180- 19، رجال الطوسي، 20 و 43، سير اعلام النبلاء 3: 168- 260.

____________

(3) أثبتناه من المصدر.

(4) سنن الدارقطني 1: 126- 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 165، نصب الراية 1: 83، سنن ابن ماجة 1:

200- 609.

143

الحشفة وجب الغسل» فعلته أنا و رسول الله، فاغتسلنا (1). و رجعوا إلى قولها.

و قال عمر [1]: إن خالف أحد بعد هذا جعلته نكاحا، و قال لزيد بن ثابت [2]: لو أفتيت بعد هذا بخلافه لأوجعتك (4).

و أيضا فإن التابعين أجمعوا بعد الاختلاف المتقدم من الصحابة على ما كررناه، و سقط حكم الاختلاف المتقدم. و الإجماع بعد الخلاف على أحد القولين يزيل حكم الخلاف، و يصير القول إجماعا.

المسألة الإحدى و الأربعون [يستباح بغسل الجنابة الصلاة]

«الوضوء [3] قبل الغسل فرض، و بعده نفل».

و الصحيح عندنا خلاف ذلك، و الذي نذهب إليه أنه يستباح بغسل الجنابة

____________

[2] أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح القرشي العدوي، استخلفه أبو بكر، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عن أبي بكر، و ابي بن كعب، و عنه أولاده، و سعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و ابن مسعود و خلق كثير، ولد بعد الفجار بأربع سنين و قتل سنة 23 ه. انظر: شذرات الذهب 1: 177، الإصابة في تمييز الصحابة 2: 518- 5736، أسد الغابة 4: 52، تذكرة الحفاظ 1: 5- 2.

[3] أبو سعيد زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الأنصاري الخزرجي، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عنه ابنه خارجة و أنس، و ابن عمر، و طاوس، و عروة و آخرون. توفي سنة 45 هو قيل غير ذلك. انظر: أسد الغابة 2: 221، تذكرة الحفاظ 1: 30- 15، سير اعلام النبلاء 2: 426- 191، طبقات الفقهاء للشيرازي: 15، العبر 1: 53.

[4] لعله أراد الوضوء الذي هو أول الغسل و لكن قد حكى مثل ما هنا عن الناصر في البحر ج 1 ص 108 و جعله وضوء الصلاة و يحتمل أن الناصر يجعل الوضوء في أول الغسل يجزي للصلاة كما يؤخذ له من المسألة السابعة و الخمسين (ح).

____________

(1) السنن الكبرى للبيهقي 1: 164، سنن ابن ماجة 1: 199- 608.

(4) المبسوط للسرخسي 1: 69، الاستذكار لابن عبد البر 1: 344، المغني لابن قدامة 1: 203، شرح الزرقاني على الموطأ 1: 96.

144

الصلاة، و ان لم يجدد المغتسل وضوء، و هو مذهب جميع الفقهاء (1).

دليلنا على صحة قولنا بعد إجماع الفرقة المحقة، قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (2) فمنع الجنب من الصلاة، و جعل الاغتسال الحد و الغاية، فيجب لمن اغتسل أن تحل له الصلاة.

و أيضا ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي، أ فأنقضه للغسل من الجنابة؟ فقال (عليه السلام) لها: «لا بل يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي الماء عليك، فإذا أنت قد طهرت» (3).

فأطلق القول بطهارتها عند إفاضة الماء، فدل على أنه يجوز لها استباحة الصلاة، لأن من يجب عليه الوضوء لا يقال له أنه قد طهر على الإطلاق.

فإن تعلق من خالفنا في ذلك بأن الله تعالى أمر المحدث بالوضوء، بقوله إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا الى قوله وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثم أمر الجنب بالغسل بقوله وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (4) فمن كان محدثا جنبا وجب عليه الأمران جميعا.

قلنا له: أما الآيتان لا حجة لكم فيهما، لأن الله تعالى لما قال إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ لم يكن بد من إضمار [1] حدث يتعلق به وجوب الوضوء، لأن الوضوء

____________

[1] في (ج): «احتمال»

____________

(1) الاستذكار لابن عبد البر 1: 327، مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 97، المجموع شرح المهذب 2:

186، المغني لابن قدامة 1: 218، سنن الترمذي 1: 180.

(2) سورة النساء، الآية: 43.

(3) تقدم تخريجه، فراجع.

(4) سورة المائدة، الآية: 6.

145

لا يجب بالقيام إلى الصلاة، و لا بإرادة القيام إليها.

و ليس مخالفونا بأن يضمروا (و أنتم محدثون على كل حال) بأولى منا إذا أضمرنا (و أنتم محدثون الحدث الذي لا ينضم إليه الجنابة)، لأن لفظ الظاهر لا يقتضي قولهم و لا قولنا، و انما يكون حجة لهم و لنا بالإضمار الذي ليس هو لفظ الآية، فإذا لا حجة في ظاهرها لهم. و إذا قمنا مقامهم في الإضمار و هو [1] دليلهم، سقط استدلالهم بها، على أن اضمارنا أولى من إضمارهم بالأدلة التي تقدمت.

المسألة الثانية و الأربعون [يجري في الوضوء و الغسل ما أصاب البدن من الماء و لو مثل الدهن]

«يجري في الوضوء و الغسل ما أصاب البدن من الماء و لو مثل الدهن [2]».

قد روى أصحابنا عن أئمتهم (عليهم السلام) مثل هذا اللفظ بعينه (2).

و الذي يجب أن يعول عليه أن الله تعالى أمر في الجنابة بالاغتسال، و في الطهارة الصغرى بغسل الوجه و اليدين، فيجب أن يفعل المتطهر من الجنابة و المتوضي ما يسمى غسلا، و لا يقتصر على ما يسمى مسحا و لا يبلغ الغسل.

فأما الأخبار الواردة «بأنه يجزئك و لو مثل الدهن» (3)، فإنها محمولة على

____________

[1] في (ج) و (م): «و هي».

[2] لعله (عليه السلام) يعنى ما يسيل على الجلد من جزء الى جزء و لا يشترط في الغسل ان يقطر و الدليل على هذا ما حكاه في البحر في غسل الرأس عن الناصر انه يجزى لانه مسح و زيادة فدل على الفرق عنده اللهم الا ان يكون هذا الاحتجاج انما هو من صاحب البحر احتج به للناصر فلا دلالة (ح).

____________

(2) التهذيب 1: 138- 385، الاستبصار 1: 122- 414. 1

(3) الكافي 3: 21- 2، التهذيب 1: 138- 387.

146

دهن يجري على العضو و يكثر عليه، حتى يسمى غسلا، و لا يجوز غير ذلك.

المسألة الثالثة و الأربعون [البول لا يوجب الغسل بعد الإنزال أو قبله]

«و من اغتسل من جنابة فيها إنزال قبل أن يبول، صح اغتساله و طهر في الحالة، فإذا بال فعليه إعادة الاغتسال [1]».

قد بينا (1) في مسألة خروج المني بشهوة و غير شهوة، و ما يجب بيانه في هذا الباب: بأن خروج المني يوجب الغسل قبل البول أو بعده، فإن لم يخرج المني فلا غسل لأجل البول.

فإن كان المراد في هذه المسألة بقوله: إذا بال فعليه إعادة الغسل، لأنه إذا بال بولا يخرج معه مني مشاهد فهو صحيح، و قد دللنا عليه.

و إن لم يرد ذلك فالكلام غير صحيح، لأن البول إذا لم يقترن بالمني فلا يجب غسل، لأن البول لا يوجب الغسل، و إنما يوجبه خروج المني.

____________

[1] لم أجده عن الناصر و لكن روى المؤيد بالله في شرح التجريد بسند من طريق الناصر عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) «إذا جامع الرجل فلا يغتسل حتى يبول و إلا تردد بقية المني فكان منه داء لا دواء له» (ح).

____________

(1) تقدم عنه (قده) ص: 66، فراجع.

147

المسألة الرابعة و الأربعون [غسل الإحرام واجب في إحدى الروايتين و هو سنة في رواية أخرى]

«غسل الإحرام واجب [1] في إحدى الروايتين، و هو سنة في رواية أخرى (1)».

الصحيح عندي أن غسل الإحرام سنة، لكنها مؤكدة غاية التأكيد، فلهذا اشتبه الأمر فيها على أكثر أصحابنا، و اعتقدوا أن غسل الإحرام واجب (2)، لقوة ما ورد في تأكيده.

و الذي يدل على أنه غير واجب: أن الوجوب إنما يعلم شرعا، و الأصل نفي الوجوب، فمن ادعى ذلك فعليه الدليل، و لا دليل في ذلك يقطع العذر.

المسألة الخامسة و الأربعون [غسل الاستحاضة فرض]

غسل الاستحاضة التي تتميز أيام حيضها من طهرها لكل صلاتين فضل لا فرض [2].

الذي عندنا أن المستحاضة إذا احتشت بالقطن نظر، فإن لم يثقب الدم القطن، و لم يظهر عليه، كان عليها تغيير ما تحتشي به عند كل صلاة، و تجدد الوضوء لكل صلاة.

و إن ثقب الدم القطن و رشح عليه و لم يسل عنه، كان عليها تغييره عند كل صلاة، و تغتسل لصلاة الفجر خاصة، و تصلي باقي الصلاة بوضوء تجدده عند كل صلاة.

____________

[1] قال المؤيد بالله في شرح التجريد: و روي عن الناصر أنه قال بوجوبه (اه) و حكى في البحر وجوبه عن الناصر ج 2 ص 298 (ح).

[2] هذا رواه في البحر عن الأكثر و ذكر الخلاف للإمامية و لم يذكر الناصر و جوز استحباب الغسل (ح).

____________

(1) في (ط) و (م) و (د): «في الرواية الأخرى».

(2) انظر مختلف الشيعة 1: 315.

148

فإن ثقب الدم ما تحتشي به و سال، فعليها أن تصلي صلاة الليل و الغداة بغسل، و الظهر و العصر بغسل، و المغرب و عشاء الآخرة بغسل.

و قال الشافعي، و الثوري في المستحاضة: انها تتوضأ لكل صلاة فريضة (1).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: تتوضأ لوقت كل صلاة (2).

و قال مالك، و الليث، و داود: ليس على المستحاضة وضوء، و إلا أن مالكا يستحبه (3).

فأما الذي يدل على صحة هذا الترتيب الذي رتبناه و حكيناه عن أصحابنا فهو إجماع الفرقة المحقة عليه.

و أما الذي يبطل قول من أسقط الوضوء عنها، فهو ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش [1]: «اغسلي عنك الدم و توضأ لكل صلاة» (4) فأمرها بالوضوء، و أمره (عليه السلام) على الوجوب.

و روى عدي بن ثابت [2]، عن أبيه، عن جده قال: «المستحاضة تتوضأ لكل

____________

[1] فاطمة بنت أبي حبيش قيس بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدية، القرشية، من المهاجرات، روت عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حديث الاستحاضة، و عنها عروة بن الزبير. انظر: أسد الغابة 5: 518، تهذيب التهذيب 12: 469- 2861، الإصابة في تمييز الصحابة 4: 381- 835.

[2] عدي بن ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري، الكوفي، عالم الشيعة، حدث عن أبيه، و جده لأمه عبد الله ابن يزيد الخطمي، و البراء بن عازب، و سعيد بن جبير و آخرون، و حدث عنه: أبان بن تغلب، و الأعمش، و شعبة و آخرون. مات سنة 116 هانظر: تهذيب التهذيب 7: 149- 330، ميزان الاعتدال 3:

61، سير اعلام النبلاء: 5: 188- 694، العبر 1: 144.

____________

(1) المجموع شرح المهذب 2: 535، حلية العلماء 1: 302، فتح العزيز 433- 435، الاستذكار لابن عبد البر 2: 50، المغني لابن قدامة 1: 355، المبسوط للسرخسي 1: 84، و في (د): لوقت كل صلاة.

(2) المبسوط للسرخسي 1: 84، المجموع شرح المهذب 2: 535، فتح العزيز 2: 437، و العبارة ساقطة من (د).

(3) الاستذكار لابن عبد البر 2: 50، بداية المجتهد 1: 61، المجموع شرح المهذب 2: 535، المغني لابن قدامة 1: 355.

(4) صحيح مسلم 1: 262- 62، سنن الدار قطني 1: 212- 37- 38، سنن أبي داود 1: 80- 298، السنن الكبرى للبيهقي 1: 344، نصب الراية 1: 203.

149

صلاة» (1).

و هذه الأخبار تبطل خلاف مالك، و داود، و تبطل أيضا مذهب أبي حنيفة، لأنه أمر فيها بالوضوء لكل صلاة، و الصلاة غير وقت الصلاة.

و أما الذي يبطل مذهب من يرى أن غسل المستحاضة فضل لا فرض فيه، فهو أنه مأمور به، و الأمر بظاهره يقتضي الوجوب، و القول بأنه فضل إخراج الأمر عن ظاهره.

المسألة السادسة و الأربعون [التيمم ضربة واحدة للوجه و ظاهر الكفين]

«التيمم ضربتان، ضربة للوجه و ضربة لليدين إلى الرسغين [1]».

الصحيح من مذهبنا في التيمم: أنه ضربة واحدة للوجه و ظاهر الكفين، و هو مذهب الأوزاعي، و مالك، و قول الشافعي القديم (2)، إلا أن مالكا و الشافعي لا يقتصران على ظاهر الكف، بل على الظاهر و الباطن فيما أظن، و لا يتجاوزان الرسغ (3).

و ذهب أبو حنيفة، و الشافعي في الجديد: إلى أنه ضربتان، ضربة للوجه

____________

[1] حكى هذا في البحر عن الناصر ج 1 ص 127 بلفظ الى الزندين (ح).

____________

(1) سنن أبي داود 1: 80- 297، السنن الكبرى للبيهقي 1: 347، نصب الرواية 1: 202.

(2) المجموع شرح المهذب 2: 210- 211، حلية العلماء 1: 230- 231، أحكام القرآن للجصاص 4: 27، الاستذكار لابن عبد البر 2: 12، نيل الأوطار 1: 332.

(3) الاستذكار لابن عبد البر 2: 11، حلية العلماء 1: 238- 239.

150

و ضربة لليدين الى المرفقين (1).

و ذهب الزهري إلى أنه ضربتان، ضربة للوجه و ضربة لليدين الى المناكب (2).

و قال الحسن بن حي، و ابن أبي ليلى: أنه ضربتان، يمسح بكل واحدة منهما وجهه و يديه (3).

فأما الذي يدل على صحة ما اخترناه من أنه ضربه: فهو الحديث المروي عن عمار رضى الله عنه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «التيمم ضربة للوجه و الكفين» (4).

و روي عنه أيضا أنه قال: أجنبت فتمعكت، فأخبرت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بذلك.

فقال (عليه السلام): «إنما يكفيك هذا»، و ضرب بيديه على الأرض ضربة واحدة، ثم نفضهما و مسح بهما وجهه و ظاهر كفيه (5).

و يدل أيضا على ما ذكرناه: أنه لا خلاف فيما اخترناه أنه ضربة واحدة، و لا بد منها على مذاهب الكل، فمن ادعى ما زاد على الضربة فقد ادعى شرعا زائدا، و عليه الدليل، و ليس في ذلك ما يقطع العذر و يوجب العلم.

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 4: 27، المبسوط للسرخسي 1: 106- 107، الهداية للمرغيناني 1: 25، المجموع شرح المهذب 2: 210، حلية العلماء 1: 230، الاستذكار لابن عبد البر 2: 12.

(2) أحكام القرآن للجصاص 4: 27، الاستذكار لابن عبد البر 2: 13، المبسوط للسرخسي 1: 107، حلية العلماء 1: 231، نيل الأوطار 1: 334.

(3) أحكام القرآن للجصاص 4: 28، الاستذكار لابن عبد البر 2: 13.

(4) سنن الدار قطني 1: 182- 28، سنن الترمذي 1: 268- 144، سنن أبي داود 1: 89- 327، مسند أحمد 4: 263، سنن الدارمي 1: 190، أحكام القرآن للجصاص 4: 28.

(5) صحيح البخاري 1: 214- 334، مصنف ابن أبي شيبة 1: 159، سنن النسائي 1: 166 و 169 و 170، سنن أبي داود 1: 88- 323 و 324، سنن ابن ماجة 1: 188- 569 و 570، أحكام القرآن للجصاص 4: 28.

151

و بهذا أيضا يحتج في الاقتصار على ظاهر الكفين، و قد استقصينا هذه المسألة غاية الاستقصاء في مسائل الخلاف.

المسألة السابعة و الأربعون [و تعميم الوجه و اليدين غير واجب]

«و تعميم الوجه و اليدين واجب [1]».

أن يكون التيمم عاما في العضوين و هو مبني على التخفيف؟.

هذا غير صحيح، و قد بيناه في المسألة التي قبل هذه و دللنا عليه، و كيف يجوز ألا ترى أن الوضوء في أربعة أعضاء، و التيمم في عضوين، و ما كان موضوعا على التخفيف لا يساوي رتبة المغلظ، و قد أجمع أصحابنا على أن التيمم في الوجه إنما هو من قصاص الشعر الى طرف الأنف، و في ظاهر الكفين دون باطنهما، و دون ما يتجاوز ذلك (1).

المسألة الثامنة و الأربعون [لا يجوز التيمم إلا بالصعيد الطيب]

«لا يجوز التيمم إلا بالصعيد الطيب، الذي يرتفع منه غبار و ينبت فيه الحشيش، و لا يكون سبخة [2]».

و الذي يذهب إليه أصحابنا: أن التيمم لا يكون إلا بالتراب، أو ما جرى مجرى التراب مما لم يتغير تغيرا يسلبه إطلاق اسم الأرض عليه، و يجوز التيمم بغبار

____________

[1] حكى في البحر عن العترة الناصرية و القاسمية وجوب تعميم الوجه و اليدين و إلا لم يصح (ح).

[2] حكى هذه المسألة في البحر عن العترة القاسمية و الناصرية ج 1 ص 118 (ح).

____________

(1) المقنعة للمفيد: 62، الكافي في الفقه لأبي الصلاح الحلبي: 136، المراسم لسلار: 54، الوسيلة لابن حمزة:

72، النهاية للطوسي: 49، مختلف الشيعة 1: 426.

152

الثوب و ما أشبهه، إذا كان ذلك الغبار من التراب أو ما يجري مجراه.

و قال الشافعي: التيمم بالتراب و ما أشبهه من المدر و السبخ، و لم يجز التيمم بالنورة و الزرنيخ و الجص (1).

و قال أبو حنيفة: يجوز التيمم بالتراب، و كل ما كان من جنس الأرض، و أجازه بالزرنيخ و الكحل و النورة، و أجاز التيمم بغبار الثوب و ما أشبهه (2).

و قال أبو يوسف: لا يجوز التيمم إلا بالتراب أو الرمل خاصة (3).

و أجاز مالك التيمم بكل ما أجازه أبو حنيفة، و زاد عليه بأن أجازه من الشجر و ما جرى مجراه (4).

دليلنا على صحة مذهبنا: الإجماع المقدم ذكره، و نزيد عليه قوله تعالى:

فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (5) و الصعيد هو التراب.

و حكى ابن دريد [1] في كتاب (الجمهرة) عن أبي عبيدة معمر بن المثنى [2]: أن

____________

[1] أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي، اللغوي، البصري، ولد بالبصرة سنة 223 ه. له تصانيف منها «الجمهرة في اللغة»، حدث عن أبي حاتم السجستاني، و الرياشي، و ابن أخي الأصمعي و غيرهم، و عنه أبو سعيد السيرافي و أبو الفرج الأصبهاني، و عيسى بن الوزير و طائفة. مات سنة 321 ه.

انظر: سير اعلام النبلاء 15: 96- 2933، وفيات الأعيان 4: 323- 637، تاريخ بغداد 2: 195- 621، الكنى و الألقاب 1: 284.

[2] أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، البصري، اللغوي، ولد سنة 110 ه، له عدة تصانيف، و حدث عن هشام بن عروة، و أبي عمرو بن العلاء و طائفة، و حدث عنه علي بن المغيرة، و أبو عثمان المازني، و أبو حاتم السجستاني، مات سنة 210 ه. انظر: وفيات الأعيان 5: 235- 731، العبر 1: 359، تاريخ بغداد 13:

252- 7210، سير اعلام النبلاء 9: 445- 1500.

____________

(1) الأم: 1: 66- 67، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 98، المجموع شرح المهذب 2: 213، حلية العلماء 1:

232، مغني المحتاج 1: 96.

(2) أحكام القرآن للجصاص 4: 29، المبسوط للسرخسي 1: 108، الهداية للمرغيناني 1: 25، الاستذكار لابن عبد البر 2: 9، اللباب في شرح الكتاب: 1: 31.

(3) أحكام القرآن للجصاص 4: 29، اللباب في شرح الكتاب 1: 32، المبسوط للسرخسي 1: 108،

(4) الاستذكار لابن عبد البر 2: 9، بداية المجتهد 1: 72، المغني لابن قدامة 1: 248، المجموع شرح المهذب 2:

213، حلية العلماء 1: 232، كفاية الأخيار 1: 35.

(5) سورة النساء، الآية: 43.

153

الصعيد هو التراب الخالص الذي لا يخالطه سبخ [1].

و قول أبي عبيدة حجة في اللغة.

و الصعيد لا يخلو أن يراد به التراب أو نفس الأرض، و قد حكي (9) أنه يطلق عليها و يراد ما تصاعد على الأرض.

فإن كان الأول فقد تم ما أردناه، و إن كان الثاني لم يدخل فيه ما ذهب إليه أبو حنيفة، لأن الكحل و الزرنيخ لا يسمى أرضا بالإطلاق، كما لا يسمى سائر المعادن من الذهب و الفضة و الحديد بأنه أرض.

و إن كان الصعيد ما يصاعد على الأرض [2]، لم يخل من أن يكون ما تصاعد عليها ما هو منها و تسمى باسمها، أو لا يكون كذلك.

فإن كان الأول فقد دخل فيما ذكرناه، و إن كان الثاني فهو باطل، لأنه لو تصاعد على الأرض شيء من التمر [3] و المعادن، أو مما هو خارج عن جوهر الأرض، فإنه لا يسمى صعيدا بالإجماع.

و أيضا ما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها

____________

[1] جمهرة اللغة لابن دريد 2: 654، كلمة «سبخ» محذوفة من (ط) و (د).

[2] في (ط) و (د): «ما تصاعد من الأرض».

[3] في (ط) و (د): «الثمر».

____________

(9) حكاه ابن منظور في لسان العرب 3: 254 «مادة صعد».

154

طهورا» (1).

و أيضا فقد علمنا أنه إذا تيمم بما ذكرناه استباح الصلاة بالإجماع، و إذا تيمم بما ذكره المخالف لم يستبحها بإجماع و علم، فيجب أن يكون الاحتياط و الاستظهار فيما ذكرناه.

و لك أيضا أن تقول: أنه على يقين من الحدث، فلا يجوز أن يستبيح الصلاة إلا بيقين، و لا يقين إلا بما ذكرناه دون ما ذكره المخالف.

المسألة التاسعة و الأربعون [لا يجوز التيمم بتراب نجس]

«لا يجوز التيمم بتراب نجس، و لا مستعمل [1]».

أما التراب النجس فلا خلاف في أن التيمم به لا يجوز، كما لا يجوز الوضوء بالماء النجس.

و أما التراب المستعمل فيجوز التيمم به، كما يجوز الوضوء بالماء المستعمل، و قد دللنا على ذلك فيما مضى، و إنما بنى من منع من التيمم بالتراب المستعمل ذلك على المنع بالوضوء بالماء المستعمل، و قد دللنا على جواز الوضوء بالماء المستعمل و أوضحناه.

و يدل على ذلك أيضا قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ (2) و لم يفرق بين أن يكون الصعيد مستعملا أو غير مستعمل.

____________

[1] اما المتنجس ففي البحر أنه لا يجزى رواه عن الأكثر إذا تغير بالنجاسة و عن أكثر العترة اي القاسمية و الناصرية إذا لم يتغير ج 1 ص 119 (ح).

____________

(1) دعائم الإسلام 1: 120- 121، صحيح مسلم 1: 371- 522، سنن الدار قطني 1: 176- 2، السنن الكبرى للبيهقي 1: 213، نصب الراية 1: 158.

(2) سورة المائدة، الآية: 6.