المسائل الناصريات

- السيد المرتضى المزيد...
446 /
155

المسألة الخمسون [هل استعمال التراب في أعضاء التيمم شرط في الصحة]

«استعمال [1] التراب في أعضاء التيمم شرط في صحة التيمم» و عندنا أن ذلك ليس بشرط، و هو مذهب أبي حنيفة (1).

و الشافعي يذهب الى اعتبار تعلق التراب باليد و يقول: لا بد من ممسوح به (2).

و الدليل على صحة ما اخترناه أنه تعالى أمر بالتيمم بالصعيد الطيب، و لم يشترط فيه بقاء التراب على اليد، فيجب ألا يكون شرطا.

و أيضا ما روي عنه (عليه السلام) «من أنه نفض يديه قبل أن يمسح بهما وجهه و يديه» (3).

و هذا يدل على أن بقاءه على اليد ليس بشرط.

و أيضا ليس يجوز تعلق التراب باليد من ذهب الى الضربة الواحدة، لأنه معلوم أنه إذا مسح وجهه لم يبق فيهما من التراب بعد ذلك ما يمسح به يديه.

و تعلق الشافعي في أنه لا بد من ممسوح به، بقوله تعالى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ (4) (5)، لأن «من» هنا مبني لابتداء الغاية و ليست

____________

[1] لعله يعنى المسح و قد ذكر في البحر الإجماع عليه (ح).

____________

(1) المبسوط للسرخسي 1: 107، شرح فتح القدير 1: 113، بداية المجتهد 1: 72، حلية العلماء 1: 232.

(2) الام 1: 67، المجموع شرح المهذب 2: 238، حلية العلماء 1: 232، كفاية الأخيار 1: 36، أحكام القرآن للجصاص 4: 30.

(3) صحيح البخاري 1: 214- 334، مصنف ابن أبي شيبة 1: 159، سنن أبي داود 1: 88- 323- 324، سنن النسائي 1: 165 و 169 و 170، سنن ابن ماجة 1: 188- 569- 570، أحكام القرآن للجصاص 4: 28.

(4) سورة المائدة، الآية 6.

(5) المجموع شرح المهذب 2: 214، 238، فتح العزيز 2: 318، بداية المجتهد 1: 72، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 5: 239.

156

للتبعيض، و عند جميع النحويين من البصريين أن «من» لا يكون إلا لابتداء الغاية (1).

المسألة الحادية و الخمسون [لا يجوز الصلاة بالتيمم إلا في آخر وقتها]

«لا يجوز فعل الصلاة بالتيمم إلا في آخر وقتها [1]».

هذا صحيح، و عندنا زيادة على ذلك: أن التيمم لا يجوز استعماله إلا في آخر وقت الصلاة، و في الحال التي يتعين فيه الفرض و يتضيق، و من تيمم قبل ذلك لم يجزه.

و جميع الفقهاء يخالفونا في هذه الجملة، إلا أن أبا حنيفة يستحب تأخيره (2)، و الشافعي يستحب تقديمه في أول الوقت، و قد روي عنه قول آخر و هو: استحباب تأخيره كما يقول أبو حنيفة (3).

ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة: يجوز التيمم قبل دخول الوقت (4).

و قال الشافعي، و مالك: لا يجوز إلا بعد دخول وقت الصلاة (5).

____________

[1] ذكر المسألة في البحر ثم حكى عن العترة انه لا يجزى أول الوقت يعنى قبل آخر الوقت لان احتجاجه يفيد ذلك ج 1 ص 123 (ح).

____________

(1) مغني اللبيب لابن هشام 1: 419، كلمة «لابتداء» ساقطة من (ط) و (د).

(2) الهداية للمرغيناني 1: 26، اللباب في شرح الكتاب 1: 33، شرح فتح القدير 1: 120.

(3) مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 100، المجموع شرح المهذب 2: 261، حلية العلماء 1: 248، المغني لابن قدامة 1: 243.

(4) المبسوط للسرخسي 1: 109، المجموع شرح المهذب 2: 243، حلية العلماء 1: 242، بداية المجتهد 1: 69، نيل الأوطار 1: 329.

(5) المجموع شرح المهذب 2: 243، حلية العلماء 1: 242، الأم 1: 62، بداية المجتهد 1: 69، نيل الأوطار 1:

329.

157

دليلنا على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة، و أيضا فإن التيمم إنما أبيح للضرورة و الحاجة، و لا يجوز استعماله قبل تحقق الضرورة و تأكيد الحاجة، ألا ترى أن أكل الميتة لما أبيح [1] للضرورة، لم يجز استعماله إلا عند تأكيدها؟!

المسألة الثانية و الخمسون [السعي في طلب الماء واجب]

«السعي في طلب الماء واجب [2]».

و هذا صحيح، و طلب الماء واجب عندنا، و لا يجوز التيمم قبل الطلب، و وافقنا على ذلك الشافعي (2).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: الطلب غير واجب (3).

دليلنا على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة، و أيضا فإن تحقيق الكلام في هذه المسألة و تقريره يقتضي الإجماع على أن الطلب واجب، و إنما يبقى الكلام في كيفية الطلب، لأنا نقول لأصحاب أبي حنيفة: خبرونا عمن لم يجد ماء بحضرته [3]، و كان بين يديه إناء مغطى الرأس يجوز أن يكون فيه ماء، أ توجبون عليه كشفه و معرفة ما فيه، أم لا توجبون ذلك؟.

فإن قالوا: لا يجب عليه كشف الإناء، و جائز له التيمم، لأنه غير واجد الماء و لا عالم به.

____________

[1] كلمة «لما أبيح» ساقطة من (د) و (ط).

[2] حكاها في البحر عن العترة القاسمية و الناصرية ج 1 ص 113 (ح).

[3] في (د) و (ط): «ما يختص به» بدل «ماء بحضرته».

____________

(2) الام 1: 62، مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 99، المجموع شرح المهذب 2: 249، حلية العلماء 1:

244، المغني لابن قدامة 1: 236، بداية المجتهد 1: 68.

(3) المبسوط للسرخسي 1: 108، الهداية للمرغيناني 1: 28، شرح فتح القدير 1: 125، اللباب في شرح الكتاب 1: 35، المجموع شرح المهذب 2: 249، بداية المجتهد 1: 68، المغني لابن قدامة 1: 236.

158

قلنا لهم: هذا مما لا نظنكم ترتكبونه، و لا أحد من الأمة يجوزه، و قد صرح أبو يوسف، و محمد: بأن من لم يكن معه ماء يطمع في أن يعطيه رفيقه وجب عليه سؤاله و طلب الماء منه، و لم يجز له التيمم إلا بعد أن ييأس و يمنعه الرفيق (1)، و هذا قول من لا يحسن [1] ما فرضناه و حققناه.

فإن فرقوا بين طلب الماء من الرفيق و بين كشف الإناء، بأن قالوا: هو متحقق لوجود الماء مع الرفيق و ليس يتحقق أن الماء في الإناء.

قلنا: لا فرق بين الأمرين، لأنه و ان تحقق وجود الماء مع الرفيق، فإنه لا يتحقق بذله له و تسليمه اليه، و إنما يطمع في ذلك، و يجوز أن يفعل و ألا يفعل على سواء، و كذلك الإناء المغطى، لأنه يطمع في أن يكون فيه ما يجوزه و ليس بآيس منه، فيجب عليه طلبه منه.

فإن أوجبوا كشف الإناء المغطى و طلب الماء منه، فقد أوجبوا الطلب عند الطمع في وجود الماء، و إنما يبقى كيفية الطلب و غايته و حده، و سقط الخلاف في هذه المسألة.

المسألة الثالثة و الخمسون [يصلي بتيمم واحد صلوات كثيرة ما لم يحدث أو يجد الماء]

«يصلي بتيمم واحد صلوات كثيرة ما لم يحدث أو يجد الماء في إحدى الروايتين، و لا يصلي بتيمم واحد إلا فريضة واحدة في الرواية الأخرى [2]».

عندنا: أن التيمم يجوز له أن يصلي بتيمم واحد من الفرض و النوافل ما يشاء،

____________

[1] في (د) و (ط) و (ن): «يجيز» بدل «يحسن».

[2] و هكذا ذكر في البحر قولين للناصر ج 1 ص 121 (ح).

____________

(1) الأصل للشيباني 1: 111، المبسوط للسرخسي 1: 115، الهداية للمرغيناني 1: 27- 28.

159

ما لم يحدث أو يجد الماء، و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه، و الثوري (1).

و قال مالك: لا يصلي التيمم بتيمم واحد صلاتي فرض، و لا يصلي فرضا و نافلة إلا بأن يكون الفرض قبل النافلة، و كان التيمم لصلاة الفجر عنده يلزمه أن يعيد التيمم بين فرضين إذا صلى ركعتي النافلة (2).

و قال الشافعي: لا يجمع التيمم بين فرضين، و يصلي الفرض كله، و النافلة، و صلاة الجنازة، بتيمم واحد (3).

و قال شريك [1]: بتيمم لكل صلاة (5).

الدليل على صحة مذهبنا: الآية (6)، فإنه تعالى أوجب الطهارة على القائم إلى الصلاة إذا وجد الماء، ثم عطف عليه بالتيمم عند فقد الماء، و الصلاة اسم جنس، فكأنه قال: إن الطهارة بالماء إذا وجدتموه يجزيكم لجنس الصلاة، و إذا فقدتموه أجزأكم التيمم لجنسها.

و أيضا ما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء». (7)

____________

[1] أبو عبد الله شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي، ولد ببخارى سنة 95 هسمع سلمة بن كهيل، و سماك، و عاصم الأحول و غيرهم، و عنه عبد الله بن المبارك، و أبو نعيم، و إسحاق الأزرق و غيرهم، مات سنة 177 هبالكوفة. انظر: وفيات الأعيان 2: 464- 291، تهذيب التهذيب 4: 293- 587، سير اعلام النبلاء 8: 200، تاريخ بغداد 9: 279- 4838، العبر 1: 270.

____________

(1) المبسوط للسرخسي 1: 113، الاستذكار لابن عبد البر 2: 19، بداية المجتهد 1: 75، المجموع شرح المهذب 2: 294، حلية العلماء 1: 263، المغني لابن قدامة 1: 266.

(2) الاستذكار لابن عبد البر 2: 18، بداية المجتهد 1: 75، حلية العلماء 1: 263، المحلى بالآثار 1: 356.

(3) مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 99، المجموع شرح المهذب 2: 293- 294، حلية العلماء 1: 263، الاستذكار لابن عبد البر 2: 18، المغني لابن قدامة 1: 266.

(5) الاستذكار لابن عبد البر 2: 19، المحلى بالآثار 1: 356.

(6) سورة المائدة، الآية: 6.

(7) أحكام القرآن للجصاص 4: 17، نصب الراية 1: 148.

160

و قوله (عليه السلام) لأبي ذر رضى الله عنه: «التراب كافيك و لو إلى عشر حجج» (1).

و ظاهر هذين الخبرين يدل على قيام التيمم مقام الطهارة بالماء، و أنه يستباح به ما يستباح بها.

المسألة الرابعة و الخمسون [فإن وجد الماء بعد ما فرغ من صلاته]

«فإن وجد الماء بعد ما فرغ من صلاته، و هو في بقية من وقتها، وجب عليه إعادتها [1] [2]، فإن وجده بعد مضي وقتها فلا إعادة عليه [3]».

و هذا الفرع لا يشبه أصل من ذهب الى أن الصلاة بالتيمم لا يجوز إلا في آخر الوقت، و انما يجوز أن يفرع هذا الفرع من يجوز الصلاة في وسط الوقت، أو قبل تضييق الوقت.

و قد بينا أن ذلك لا يجوز، فلا معنى لهذا الفرع على مذهبنا، و مذهب من وافقنا في أن الصلاة لا تجوز إلا في آخر الوقت على ما اختير [4] و حكي في هذه المسألة.

____________

[1] في (د) و (ط): «أعادها» بدل «وجب عليه إعادتها».

[2] حكاها في البحر عن الناصر: ان وجد الماء في بقية من الوقت أدرك فيها الصلاة و الوضوء (ح).

[3] حكى هذه في البحر ج 1 ص 113 عن العترة القاسمية و الناصرية (ح).

[4] في (د) و (ط): «أخبر» بدل «اختير».

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 4: 17، تلخيص الحبير (ضمن كتاب المجموع) 2: 337، الاستذكار لابن عبد البر 2: 4.

161

المسألة الخامسة و الخمسون [و من لم يجد ماء و لا ترابا نظيفا]

«و من لم يجد ماء و لا ترابا نظيفا، وجب عليه أن يصلي بغير طهارة [1]، فإن وجد الماء أو التراب بعد مضي وقتها، فلا اعادة عليه».

و ليس لأصحابنا في هذه المسألة نص صريح، و يقوى في نفسي أنه إذا لم يجد ماء و لا ترابا نظيفا فإن الصلاة لا تجب عليه، و إذا تمكن من الماء أو التراب النظيف قضى الصلاة و إن كان الوقت قد خرج، و هو مذهب أبي حنيفة، و في بعض الروايات عن محمد (1)، و في رواية أخرى عنه: أنه يصلي و يعيد (2).

و قال الشافعي، و أبو يوسف: يصلي بغير طهارة ثم يقضي (3).

الدليل على صحة ما اخترناه: قوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (4) فمنع من فعل الصلاة مع الجنابة إلا بعد الاغتسال.

و أيضا قوله (عليه السلام) «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (5) و الطهور هو الماء عند وجوده، و التراب عند فقد، و قد عدمها جميعا فوجب

____________

[1] ذكرها في البحر ج 1 ص 122 عن العترة القاسمية و الناصرية و لم يذكر القضاء، و معنى وجوبها و صحتها سقوط القضاء (ح).

____________

(1) الأصل للشيباني 1: 112، المبسوط للسرخسي 1: 116، المغني لابن قدامة 1: 251، نيل الأوطار 1:

338.

(2) الأصل للشيباني 1: 125، المبسوط للسرخسي 1: 123.

(3) الام 1: 68، المجموع شرح المهذب 2: 278، الأصل للشيباني 1: 112، المبسوط للسرخسي 1: 166.

(4) سورة النساء، الآية: 43.

(5) صحيح مسلم 1: 204- 224، سنن الترمذي 1: 5- 1، سنن أبي داود 1: 16- 59، سنن ابن ماجة 1:

100- 271- 274، سنن النسائي 1: 88.

162

أن لا يكون له صلاة.

و ليس للمخالف أن يتعلق بقوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ (1) الى [1] قوله تعالى وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ (2) لأنه تعالى إنما أمرنا [2] بإقامة الصلاة، و هذه ليست بصلاة لأنها بغير طهارة و لا يتناولها الاسم.

المسألة السادسة و الخمسون [فإن وجد ماء يكفيه لوجهه و يده]

«فإن وجد ماء يكفيه لوجهه و يده غسلهما، و لا تيمم [3] عليه [4]».

هذا قول واقف، لأن من وجد من الماء ما يكفيه لوجهه و يده فغسلهما، كيف يستبيح [5] الصلاة و هو ما أكمل الطهارة بالماء، التي هي في أربعة أعضاء و لا

____________

[1] كذا في النسخ، و الظاهر: «و» بدل «إلى».

[2] في (ط) و (د) و (م): «أمر» بدل «أمرنا».

[3] في (ط) و (د): «و لا يتيمم».

[4] ذكر في البحر ج 1 ص 117 فيمن يضره انه إذا توضأ مرتين بنية انه من الوضوء و غسل الجنابة فهو كالمتوضي و لا يتيمم و حكى عن الناصر انه ان غسل أكثر جسده فلا يتيمم و الا تيمم (اه) (ح).

[5] لعل الناصر يرى ان الوضوء من الغسل و انه يجزي عن وضوء الصلاة لا مضافا الى الغسل، فلذلك أجزأ لأنه قد فعله و سقط عنه التيمم لانه قد وجد ماء لبعض الطهارة لعموم قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فلا يصدق عليه انه لم يجد ماء فلا يشرع له، و لو كان يرى ان غسل وجهه و يده بعض من الوضوء لا من الغسل و يرى ان الوضوء قبل الغسل لا جزءا منه في أوله لما خفي عليه انه يجب التيمم بدلالة آية سورة النساء، لانه حين غسل وجهه و يده للوضوء، صار عادما للماء للغسل كله و هو جنب فكيف يخفى هذا على الناصر فظهر انه انما أسقط التيمم بناء على ان الوضوء في حق الجنب جزء من الغسل. تمت (ح).

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 78.

(2) سورة هود، الآية: 114.

163

تيمم؟! و إنما اختلف الفقهاء فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه لجميع أعضائه، فعندنا أن من كانت هذه حاله يجب عليه التيمم، و لا يستعمل الماء الذي لا يكفيه، و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه، و المزني. (1)

و قال الشافعي: يستعمل الماء فيما يكفيه من أعضائه و يتيمم (2)، فكأنه يوجب الجمع بين التيمم و بين ما يكفي من الماء لغسله من أعضائه.

و لم يقل أحد إنه إن وجد من الماء ما يكفيه لبعض الأعضاء استعمله فيها و لم يتيمم، و الإجماع سابق لهذا القول الحادث.

فأما الدليل على صحة قولنا في المسألة التي حكيناها فهو الآية (3)، و أنه تعالى أوجب التيمم عند عدم الماء، و إنما عنى بقوله الماء الكافي لها لا محالة، فصار وجود ما لا يكفي كعدمه.

ألا ترى أنه إذا وجد ما يخالف العطش إن استعمله في وضوئه، وجب عليه التيمم، من حيث كان ما معه من الماء ما وجوده كعدمه في أن الطهارة ما فرضت عليه.

____________

(1) الأصل للشيباني 1: 110- 111، المبسوط للسرخسي 1: 113، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 100، حلية العلماء 1: 252- 253.

(2) الام 1: 66، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 100، حلية العلماء 1: 252، المجموع شرح المهذب 2: 268.

(3) سورة المائدة، الآية: 6.

164

المسألة السابعة و الخمسون [و لو أجنب رجل في شدة البرد و خشي من الاغتسال]

«و لو أجنب رجل في شدة البرد، و خشي من الاغتسال و لم يخش من الوضوء، توضأ و صلى و لا تيمم [1] عليه [2]».

و هذا أيضا غير صحيح، و هو خلاف إجماع الفقهاء، لأنه متى خشي في الاغتسال على نفسه يجب عليه التيمم الذي هو فرضه عند زوال فرض الطهارة بالماء.

و الوضوء في الأعضاء الأربعة لا يزيل حدث الجنابة، و لا يقوم مقام الاغتسال، فكيف تستباح الصلاة مع حدث الجنابة؟! و هذا مما لا شبهة في مثله.

المسألة الثامنة و الخمسون [أقل الحيض ثلاثة أيام]

«أقل الحيض ثلاثة أيام، و أكثره غير مقدر (1) في إحدى الروايتين، و يعتبر صفات الدم، و في الرواية الأخرى أكثره عشرة أيام».

عندنا: أن أقل الحيض ثلاثة أيام، و أكثره عشرة أيام، و به قال أبو حنيفة

____________

[1] في (ج) و (م): «و لا يتمم».

[2] و هذه كالتي قبلها بل هي التي حكاها عن أكثر العترة و قال يتوضأ مرتين، و انما سبق إلى ذهني عادم الماء لتشابه المسألتين و لعل دليله (عليه السلام) قوله تعالى لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا فسقط بقية الغسل و لم يجب عليه التيمم، لانه لم يشرع عنده لبعض الطهارة إنما شرع بدل الكل و وجبت عليه الصلاة كما تجب على الحالة إذا عدم الماء و التراب (ح).

____________

(1) ذكره عن الناصر في البحر ج 1 ص 132 (ح).

165

و أصحابه، و الثوري (1).

و قال الشافعي، و الأوزاعي: أقله يوم و ليلة، و أكثره خمسة عشر يوما (2).

و حكى الطحاوي عن مالك: أنه لأحد لأقل الحيض و لا لأكثره، و هو مذهب داود (3).

و روى غير الطحاوي عن مالك، أنه كان لا يجعل لأقله حدا، و يجعل الحد في أكثره خمسة عشر يوما (4).

دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، و أيضا ما رواه القاسم بن محمد [1] عن أبي أمامة [2] عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام، و أكثره عشرة أيام» (5) و هذا نص صريح في موضع الخلاف.

____________

[1] أبو محمد القاسم بن محمد بن أبي بكر القرشي التيمي، سمع عمته عائشة، و ابن عباس، و ابن عمر و طائفة، و عنه ابن عبد الرحمن، و الزهري، و الشعبي، و ربيعة الرأي و خلق. مات سنة 107 ه. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 96- 88، العبر 1: 132، سير اعلام النبلاء 5: 53- 644، طبقات الفقهاء للشيرازي: 27.

[2] أبو أمامة صدي بن عجلان بن وهب الباهلي، صاحب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و شهد صفين مع علي أمير المؤمنين (عليه السلام) روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و علي أمير المؤمنين (عليه السلام) و عمر، و عثمان، و معاذ، و عنه سليمان بن حبيب، و شداد، و أبو سلام الأسود، و مكحول و غيرهم. مات سنة 86 هانظر: تهذيب التهذيب 4: 368- 734، العبر 1: 101، سير أعلام النبلاء 3: 359.

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 23، الأصل للشيباني 1: 458، الهداية للمرغيناني 1: 30، اللباب في شرح الكتاب: 1: 42، المبسوط للسرخسي 3: 147، المجموع شرح المهذب 2: 380، المغني لابن قدامة 1: 320، الشرح الكبير 1: 321.

(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 23، حلية العلماء 1: 281، المجموع شرح المهذب 2: 380، الاستذكار لابن عبد البر 2: 58، المغني لابن قدامة 1: 321، الشرح الكبير 1: 321.

(3) الاستذكار لابن عبد البر 2: 57، أحكام القرآن للجصاص 2: 23، المحلى بالآثار 1: 410.

(4) الاستذكار لابن عبد البر 2: 58، المدونة الكبرى 1: 49، بداية المجتهد 1: 51.

(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 23، نصب الراية 1: 191، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 197- 334، الدر المنثور 1: 258.

166

و روى أنس بن مالك، عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «أقل الحيض يكون ثلاثا و أربعا و خمسا و لا يجاوز عشرا» (1).

و أيضا فإن المقادير التي تتعلق بحقوق الله تعالى لا تعلم الا من جهة التوقيف و الإجماع، مثل المقادير، و الحدود، و ركعات الصلاة، و قد علمنا أن من الثلاثة إلى العشرة متيقن على أنه حيض، و ما نقص عن الثلاثة و زاد على العشرة مختلف فيه، فلا يثبت إلا من طريق التوقيف.

و أيضا فإن هذه الأمور العامة البلوى بها دائمة للنساء، فلو كان ما دون الثلاثة و فوق العشرة حيضا لنقل نقلا متواترا يوجب العلم، كما وردت أمثاله.

المسألة التاسعة و الخمسون [أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام]

«أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام [1]».

هذا صحيح و اليه نذهب.

و قال أبو حنيفة و أصحابه، و الثوري، و الشافعي، و ابن حي: إن أقل الطهر خمسة عشر يوما (2).

و أما مالك ففي إحدى الروايات عنه أنه لم يوقت (3)، و في رواية عبد الملك بن

____________

[1] حكاه في البحر عن العترة اي القاسمية و الناصرية ج 1 ص 133 (ح).

____________

(1) سنن الدار قطني 1: 209- 20- 21، نصب الراية 1: 192، السنن الكبرى للبيهقي 1: 322، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 197- 336.

(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 30، المبسوط للسرخسي 3: 154- 155، فتح العزيز 2: 412، المجموع شرح المهذب 2: 376 و 380، بداية المجتهد 1: 51، المغني لابن قدامة 1: 323، الاستذكار لابن عبد البر 2: 57.

(3) المدونة الكبرى 1: 51، أحكام القرآن للجصاص 2: 30، حلية العلماء 1: 282، فتح العزيز 2: 412، المجموع شرح المهذب 2: 380.

167

حبيب [1] عنه: أن الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام (2).

و عند الأوزاعي يكون الطهر أقل من خمسة عشر يوما، و يرجع فيه الى مقدار طهر المرأة قبل ذلك (3).

و حكي عن الشافعي أنه قال: إن علم أن طهر المرأة أقل من خمسة عشر يوما جعل القول قولها (4).

و حكى ابن أبي عمران [2]، عن يحيى بن أكثم [3]: أن أقل الطهر تسعة عشر يوما، و احتج بأن الله تعالى جعل عدد كل حيضة و طهر شهرا، و الحيض في العادة أقل من الطهر، فلم يجز أن يكون الحيض أقل من خمسة عشر يوما، فوجب أن يكون حيضا و باقي الشهر طهرا و هو تسعة عشر يوما، لأن الشهر يكون تسعة

____________

[1] أبو مروان عبد الملك بن حبيب السلمي، المالكي، صنف كتبا عديدة منها: «فضائل الصحابة» و «تفسير الموطأ» و «الواضحة» و «غريب الحديث» فعرض كتبه على عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، و مطرف، و عبد الله بن نافع الزبيري، و روى عنه محمد بن وضاح، و مطرف بن قيس و بقي بن مخلد و آخرون. مات سنة 238 ه. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 136، تهذيب التهذيب 6: 347- 739، سير اعلام النبلاء 12:

102، العبر 1: 427.

[2] أبو جعفر أحمد بن أبي عمران موسى البغدادي شيخ الحنفية في مصر و قاضيها، و أستاذ أبي جعفر الطحاوي حدث عن محمد بن سماعة، و عاصم بن على، و بشر بن الوليد، و تفقه على أصحاب أبي يوسف، و محمد.

صنف كتاب الحج، مات سنة 280 ه. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 118، سير أعلام النبلاء 13:

334- 152، شذرات الذهب 2: 175.

[3] أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قطان بن سمعان التميمي المروزي، سكن بغداد، و سمع عبد الله بن مبارك و سفيان بن عيينة و آخرون، و عنه البخاري، و أبو حاتم الرازي و الترمذي، و غيرهم. مات سنة 242 ه.

انظر: تاريخ بغداد 14: 191، سير اعلام النبلاء 12: 5، مروج الذهب 4: 21، العبر 1: 439.

____________

(2) بداية المجتهد 1: 51، الميزان الكبرى 1: 139، حلية العلماء 1: 282، فتح العزيز 2: 412.

(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 30.

(4) المصدر السابق.

168

و عشرين يوما (1).

و الذي يدل على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة، و أيضا فلا خلاف في أن عشرة أيام طهر، و انما الخلاف فيما زاد على ذلك، فمن ادعى زيادة على المتفق عليه وجب عليه دليل قاطع للعذر، موجب للعلم، و ليس يجد المخالف ما هذه صفته.

المسألة الستون [الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض]

«الصفرة إذا رؤيت قبل الدم الأسود فليست بحيضة، و إن رؤيت بعده فهي حيضة [1] [2]، و كذلك الكدرة».

عندنا: أن الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض، و ليستا في أيام الطهر حيضا من غير اعتبار لتقديم الدم الأسود و تأخره، و هو مذهب أبي حنيفة، و محمد، و مالك، و الشافعي، و الليث، و عبيد الله بن الحسن [3] (4).

و قال أبو يوسف: لا تكون الكدرة حيضا إلا بعد أن يتقدمها الدم (5).

____________

[1] ذكر في البحر ج 1 ص 131- 132 روايتين عن الناصر الأولى: انها في وقت إمكان الحيض حيض مطلقا، الثانية: مثل ما هنا (ح).

[2] في (د) و (ط) و (م): «حيض» بدل «حيضة».

[3] عبيد الله بن الحسن العنبري، البصري، القاضي، روى عن خالد الحذاء، و داود بن أبي هند، و هارون بن رئاب و غيرهم، و عنه ابن مهدي، و خالد بن حارث، و معاذ بن معاذ و غيرهم. مات سنة 168 هانظر، تهذيب التهذيب 7: 7- 12، الجرح و التعديل 5: 312- 1483.

____________

(1) الاستذكار لابن عبد البر 2: 58، أحكام القرآن للجصاص 2: 30، حلية العلماء 1: 282.

(4) الاستذكار لابن عبد البر 2: 29، أحكام القرآن للجصاص 2: 32- 33، المدونة الكبرى 1: 50، بداية المجتهد 1: 54- 55، المجموع شرح المهذب 2: 395، المبسوط للسرخسي 3: 150.

(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 33، الاستذكار لابن عبد البر 2: 29، المجموع شرح المهذب 2: 395- 396، المبسوط للسرخسي 3: 150، حلية العلماء 1: 283.

169

و ذهب بعض أصحاب داود: الى أن الصفرة و الكدرة ليستا بحيض على وجه (1).

دليلنا بعد الإجماع المتقدم: ما روي عن عائشة أنها قالت: «كنا نعد الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيضا» (2) و الظاهر أنها لا تقول ذلك من قبل نفسها، بل بتوقف منه (عليه السلام).

و روي عنها: أنها ما كانت تصلي حتى ترى البياض خالصا (3).

و معني ذلك: حتى ترى الخرقة بيضاء، ليس فيها صفرة و لا كدرة.

و روي عن أسماء [1]، مثل ذلك (5).

و روي عن أبي هريرة أنه قال: «أول الحيض أسود، ثم رقيق، ثم صديد، ثم أصفر [2]، فجعل الصفرة من جملة الحيض».

المسألة الإحدى و الستون [الحامل قد يكون معها الحيض]

«الحيض لا يكون مع الحمل [3] [4]».

عندنا: أن الحامل قد يكون معها الحيض كالحائل، و هو مذهب مالك، و الليث،

____________

[1] أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة زوجة الزبير بن العوام، روت عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عنها ابناها عبد الله و عروة، و عبد الله بن عباس، و عباد بن عبد الله بن الزبير. ماتت سنة 73 هبمكة. أنظر: أسد الغابة 5: 392، الإصابة في تمييز الصحابة 4: 229، الاستيعاب (بهامش الإصابة) 4: 232، سير اعلام النبلاء 2: 287.

[2] لم نعثر عليه.

[3] حكاه في البحر ج 1 ص 134 عن الناصر و زيد و الهادي و عبد الله بن الحسن و احمد بن عيسى (ح).

[4] في (د) و (ط) و (م) و (ن): «الحبل» بدل «الحمل».

____________

(1) المحلى بالآثار 1: 389، الاستذكار لابن عبد البر 2: 29، حلية العلماء 1: 283.

(2) المجموع شرح المهذب 2: 388، نيل الأوطار 1: 345.

(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 33، الاستذكار لابن عبد البر 2: 28، الموطأ 1: 59- 97، كنز العمال 9:

624- 27712.

(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 33.

170

و الشافعي (1).

و قال أبو حنيفة و أصحابه، و الثوري، و الأوزاعي، و ابن حي، و عبد الله بن الحسن: إن الحامل لا تحيض (2).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: إجماع الفرقة المحقة المتقدم ذكره.

و أيضا قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ (3) و لفظ النساء عام في الحوامل و غير الحوامل، فلو لم يكن الحيض مما يجوز أن يكون من جميع النساء، ما علق هذا الوصف على اسم النساء، و في تعليقه عليه دلالة على أنه مما يجوز أن يكون من جميع النساء.

و أيضا قوله (عليه السلام) لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيض أسود فأمسكي عن الصلاة، و إذا كان الآخر فاغتسلي و صلي» (4) و لم يفرق بين أن تكون حائلا أو حاملا.

____________

(1) الاستذكار لابن عبد البر 2: 32، الموطا 1: 60- 100- 101، بداية المجتهد 1: 54، المجموع شرح المهذب 2:

386، المغني لابن قدامة 1: 371.

(2) المبسوط للسرخسي 2: 212، الاستذكار لابن عبد البر 2: 32- 33، بداية المجتهد 1: 54، المجموع شرح المهذب 2: 386، المغني لابن قدامة 1: 371.

(3) سورة البقرة، الآية: 222.

(4) سنن أبي داود 1: 75- 286 و 82- 304، سنن الدار قطني 1: 206- 3 و 4 و 5 و 6، سنن النسائي 1:

123 و 185، السنن الكبرى للبيهقي 1: 325، في المصادر: «فتوضئي» بدل «فاغتسلي».

171

المسألة الثانية و الستون [المستحاضة في بعض الموارد تجمع بين الظهر و العصر بوضوء واحد]

«المستحاضة تجمع بين الظهر و العصر بوضوء واحد، و بين العشاءين بوضوء واحد، و يرتفع حيضها بدخول وقت الصلاة [1]».

و الكلام في هذه المسألة قد بيناه و فرغناه في مسألة تقدمت هذا الموضع (1)، و بينا الموضع الذي يجب فيه على المستحاضة الوضوء لكل صلاة، و الموضع الذي يجب عليها فيه الغسل في كل يوم، و أوضحناه و لا معنى لا عادته.

المسألة الثالثة و الستون [أقل النفاس و أكثره]

«أقل النفاس ليس بمقدر، و أكثره أربعون يوما، و لو انقطع دمها عقيب الولادة، و استمر الانقطاع الى قبل الأربعين بيوم أو يومين، ثم رأت الدم، كان الدم الثاني نفاسا كالأول [1]».

عندنا أن الحد في نفاس المرأة أيام حيضها التي تعهدها، و روي: أنها تستظهر

____________

[1] حكي هذا في البحر ج 1 ص 143 عن العترة فقال: مسألة (العترة و الأوزاعي) و توضأ لوقت كل صلاة و لها الجمع و النفل و القضا بوضوء واحد (ح).

[2] حكاه في البحر عن العترة ج 1 ص 146 و حكى هناك عن الناصر أن أكثره أربعون و لم يحك عن الناصر مسألة عوده في خلال الأربعين انه دم نفاس. بل حكي عنه هناك انه يكره وطؤها قبل تمام النقاء طهرا يعني عشرا (ا ه) (ح).

____________

(1) راجع المسألة: (45).

172

بيوم أو يومين، و روي في أكثره ثمانية عشر يوما (1).

و قال أبو حنيفة و أصحابه، و الثوري، و الليث: أكثر النفاس أربعون يوما (2).

و قال الأوزاعي: تعتبرها بنساء أمهاتها و أخواتها، و ان لم يكن لها نساء فأكثره أربعون يوما (3).

و قال مالك، و عبد الله بن الحسن، و الشافعي: أكثره ستون يوما (4).

ثم رجع مالك عن هذا، و قال: يسأل الناس عنه و أهل المعرفة (5).

و حكى الليث: أن من الناس من يقول: سبعون يوما (6).

و حكي عن الحسن أيضا أنه قال: أكثر النفاس خمسون يوما (7).

فأما أقل النفاس عندنا فانقطاع الدم.

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الإجماع المتقدم ذكره.

و أيضا فإن الاتفاق حاصل على أن الأيام التي تقر بأنها النفاس يلحقها حكم النفاس، و لم يحصل فيما زاد على ذلك اتفاق و لا دليل، و القياس لا يصح إثبات المقادير به، فيجب صحة ما اعتمدناه.

____________

(1) المقنعة للمفيد: 57، من لا يحضره الفقيه 1: 55- 18- 19.

(2) المبسوط للسرخسي 3: 210، الهداية للمرغيناني 1: 34، المجموع شرح المهذب 2: 524، حلية العلماء 1:

299، المغني لابن قدامة 1: 358.

(3) الاستذكار لابن عبد البر 2: 64.

(4) المدونة الكبرى 1: 53، الاستذكار لابن عبد البر 2: 64، المجموع شرح المهذب 2: 524، حلية العلماء 1:

299، بداية المجتهد: 1: 53.

(5) المدونة الكبرى 1: 53، الاستذكار لابن عبد البر 2: 64، المجموع شرح المهذب 2: 524، بداية المجتهد: 1:

53.

(6) الاستذكار لابن عبد البر 2: 64، المجموع شرح المهذب 2: 524، حلية العلماء 1: 299.

(7) الاستذكار لابن عبد البر 2: 64، المجموع شرح المهذب 2: 524، حلية العلماء 1: 299.

173

و أيضا و لك أن تقول: إن المرأة داخلة في عموم الأمر بالصلاة و الصوم، و انما يخرجها في الأيام التي حددناها الإجماع، و لا إجماع و لا دليل فيما زاد على ذلك، فيجب دخولها تحت عموم الأوامر، و لو لم يكن مذهبنا إلا أن فيه استظهار للفرض و الاحتياط له و أخبارهم بخلاف ذلك لكفى.

المسألة الرابعة و الستون [و لو ولدت توأمين كان النفاس من مولد الأول أو الآخر]

«و لو ولدت توأمين كان النفاس من مولد [1] الآخر منهما [2]».

لست أعرف لأصحابنا نصا صريحا في هذه المسألة، و الذي يقوى في نفسي أن النفاس يكون من مولد الأول.

و قال أبو حنيفة، و أبو يوسف، بمثل ذلك (2).

و قال محمد، و زفر: من مولد الآخر (3).

الدليل على صحة ما قويناه: أن النفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة، بدلالة أنها لو رأت الدم قبل الولادة لم يكن نفاسا، و لو رأته بعد الولادة و لم يبق في بطنها ولد كان نفاسا، فعلم أن دم النفاس هو دم خارج عقيب الولادة، و قد وجد دم على هذه الصفة، فوجب أن يكون نفاسا، و لا يمنع كون أحد الولدين باقيا في بطنها من

____________

[1] في (ط) و (د) و (م): «و لو ولدت يومين. من مولدها الآخر منهما».

[2] ذكر المسألة في البحر عن بعض أئمة الزيدية عن ابي طالب يحيى بن الحسين الهاروني و شيخه ابي العباس احمد ابن إبراهيم الحسني أحد كبار علماء الزيدية و لم يحكها عن الناصر (ح).

____________

(2) المبسوط للسرخسي 3: 212، الهداية للمرغيناني 1: 34، المجموع شرح المهذب 2: 526، و قد ورد في النسخ: «و محمد» بعد «أبو يوسف».

(3) المصادر السابقة.

174

أن يكون نفاسا.

و أيضا لا يختلف أهل اللغة في أن المرأة إذا ولدت، و خرج الدم عقيب الولادة، فإنه يقال: قد نفست، و لا يعتبرون بقاء ولد في بطنها، و يسمون الولد منفوسا.

قال الشاعر:

إذا نفس المنفوس من آل خالد * * * بدا كرم للناظرين مبين

فسمى الولد منفوسا، و محال أن يكون الولد منفوسا إلا و الام نفساء، و الدم نفسه يسمى [1] نفسا، ألا ترى أنهم يقولون: كلما له نفس سائلة فحكمه كذا و كذا، يعنون به كلما له دم سائل، و إذا كان الدم وقع عليه اسم النفس وجب أن يكون خروجه عقيب الولادة نفاسا على كل حال.

____________

[1] في (د) و (ط): «فسمي».

175

كتاب الصلاة

176

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

177

المسألة الخامسة و الستون [قيل الأذان فرض على الكفاية]

«الأذان فرض على الكفاية [1]».

و قد اختلف قول أصحابنا في الأذان و الإقامة، فقال قوم: إن الأذان و الإقامة من السنن المؤكدة في جميع الصلوات و ليسا بواجبين، و إن كانا في صلاة الجماعة و في الفجر و المغرب، و صلاة الجمعة أشد تأكيدا (1)، و هذا الذي اختاره و أذهب اليه.

و ذهب بعض أصحابنا إلى أن الأذان و الإقامة واجبان على الرجال خاصة دون النساء، في كل صلاة جماعة في سفر أو حضر، و يجبان عليهم جماعة و فرادى في الفجر، و المغرب، و صلاة الجمعة، و الإقامة دون الأذان يجب عليهم في باقي الصلوات المكتوبات (2).

و ذهب الشافعي، و أحمد، و إسحاق الى أن الأذان و الإقامة مسنونان غير واجبين (3).

و ذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنهما من فرائض الكفايات (4).

و ذهب مالك الى قريب من هذا، إلا أنه قال: إذا ترك الأذان أعاد في الوقت (5).

و اختلفت الحكاية عن أبي حنيفة، فحكى عنه بعض المحصلين في كتابه: أن

____________

[1] حكاها في البحر عن العترة القاسمية و الناصرية ج 1 ص 183 (ح).

____________

(1) المقنعة للمفيد: 97.

(2) مختلف الشيعة 2: 119.

(3) المجموع شرح المهذب 3: 82، المغني لابن قدامة 1: 427، بداية المجتهد 1: 109، مغني المحتاج 1: 133، السراج الوهاج: 37.

(4) المجموع شرح المهذب 3: 80، حلية العلماء 2: 35، مغني المحتاج 1: 134، السراج الوهاج: 37.

(5) الاستذكار لابن عبد البر 2: 84، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 6: 225.

178

مذهبه مثل مذهب الشافعي في أن الأذان و الإقامة مسنونان غير واجبين (1) و وجدت بعض أصحاب أبي حنيفة يصرح بوجوب ذلك (2).

و ذهب ابن خيران [1]، و الإصطخري [2]، الى أن الأذان مسنون في سائر الصلوات، إلا في الجمعة فإنه من فرائض الكفايات فيها (5).

و ذهب الأوزاعي الى أن الأذان ليس بواجب و الإقامة واجبة قال: فإن يصلى بغير اقامة نظر، فإن كان الوقت باقيا لزمه أن يقيم و يصلي، فان خرج الوقت فلا شيء عليه (6).

و قال أهل الظاهر: الأذان و الإقامة واجبتان لكل صلاة (7)، فمنهم من يقول:

أنهما واجبان و مشروطان في صحة الصلاة، و انفرد داود بأن قال: إنما يجب ذلك في صلاة الجماعة دون صلاة الانفراد (8).

و الدلالة على صحة ما اخترناه: أن الأصل نفي الوجوب، فمن ادعاه فعليه

____________

[1] أبو علي الحسين بن صالح بن خيران، البغدادي، تفقه عليه جماعة. مات سنة 320 ه. انظر: تاريخ بغداد 8:

53- 4118، وفيات الأعيان 2: 133- 182، سير أعلام النبلاء 15: 58، طبقات الشافعية لابن الهداية: 15.

[2] أبو سعيد الحسن بن أحمد الإصطخري، الفقيه الشافعي، ولد سنة 244 ه، و كان قاضي قم و ولي الحسبة ببغداد، سمع سعدان بن نضر و عدة، و عنه محمد بن المظفر، و الدار قطني، و ابن شاهين و اخرون. صنف كتابا في أدب القضاء، مات سنة 328 ه. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 90، وفيات الأعيان 2: 74- 158، سير اعلام النبلاء 15، 250.

____________

(1) الهداية للمرغيناني 1: 41، اللباب في شرح الكتاب 1: 59، شرح فتح القدير 1: 209.

(2) الأصل للشيباني 1: 133، شرح فتح القدير 1: 209.

(5) المجموع شرح المهذب 3: 80، حلية العلماء 2: 35.

(6) الاستذكار لابن عبد البر 2: 99، المجموع شرح المهذب 3: 82، حلية العلماء 2: 36.

(7) المحلى بالآثار 2: 166، الاستذكار لابن عبد البر 2: 99، حلية العلماء 2: 36، بداية المجتهد 1: 109.

(8) المحلى بالآثار 2: 163، 164، 166، المجموع شرح المهذب 3: 82.

179

الدليل الموجب للعلم.

و لأنه لا خلاف في أن الأذان و الإقامة مشروع و مسنون، و فيهما فضل كثير، و إنما الخلاف في الوجوب، و الوجوب زائد على الحكم المجمع عليه فيهما، فمن ادعاه فعليه الدليل لا محالة.

و بعد: فإن الأذان و الإقامة مما يعم البلوى به، و يتكرر فعله في اليوم و الليلة، فلو كان واجبا حتما لورد وجوبه، و ورد مثله فيما يوجب العلم و يرفع الشك.

و يدل أيضا على ذلك ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من قوله: «الأئمة ضمناء، و المؤذنون أمناء» (1) فالأمين متطوع بالأمانة، و ليس بواجب عليه.

المسألة السادسة و الستون [التكبير في أول الأذان أربع مرات]

«التكبير في أول الأذان أربع مرات» (2).

هذا هو الصحيح عندنا، و وافقنا عليه أبو حنيفة، و الشافعي، و الثوري، و ابن حي (3).

و حكى الحسن بن زياد [1] عن أبي يوسف: أنه يقول في أول الأذان و الإقامة:

____________

[1] أبو علي الحسن بن زياد اللؤلؤي، الكوفي، البغدادي، صاحب أبي حنيفة و تفقه عليه، و حدث عنه، و عن ابن جريج، و عنه محمد بن سماعة القاضي، و شجاع، و ابن جريج و غيرهم. مات سنة 204 ه. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 115، تاريخ بغداد 7: 314- 3827، ميزان الاعتدال 1: 491- 849، لسان الميزان 2:

208- 927.

____________

(1) كنز العمال 7: 592 ح 20407، تلخيص الحبير (المطبوع مع المجموع) 3: 193، مسند الشافعي (ضمن كتاب الام) 8: 455.

(2) حكاه في البحر ج 1 ص 190 عن الناصر (ح).

(3) المبسوط للسرخسي 1: 129، الحجة للشيباني 1: 76، اللباب في شرح الكتاب 1: 59، المجموع شرح المهذب 3: 93، حلية العلماء 2: 39، الاستذكار لابن عبد البر 2: 81.

180

الله أكبر مرتين (1).

و الدليل على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة عليه، و أيضا فإن الاحتياط و الاستظهار فيه.

و أيضا حديث أبي محذورة [1] أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لقنه الأذان، و قال في أذانه: (الله أكبر) أربع مرات (3).

و في حديث عبد الله بن زيد [2] الذي رأى الأذان في المنام: «الله أكبر أربع مرات» (5).

المسألة السابعة و الستون [و التهليل في آخره مرتان]

«و التهليل في آخره مرة واحدة [3]».

الصحيح عندنا أن التهليل في آخر الأذان مرتان، و في آخر الإقامة مرة

____________

[1] أبي محذورة أوس بن معير بن لوذان القرشي الجمحي المكي، مؤذن المسجد الحرام، و صاحب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أسلم بعد حنين روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عنه ابنه عبد الملك، و الأسود النخعي، و أبو سلمان المؤذن و غيرهم.

مات سنة 59 ه. انظر: تهذيب التهذيب 12: 243- 1018، أسد الغابة 5: 292، الإصابة في تمييز الصحابة 4: 176- 1018، سير اعلام النبلاء 3: 117.

[2] أبو محمد عبد الله بن زيد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، صحب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و شهد العقبة و بدرا و المشاهد روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عنه ابنه محمد، و سعيد بن المسيب، مات سنة 32 ه. انظر: تهذيب التهذيب 5:

197- 387، أسد الغابة 3: 165، الاستيعاب (بهامش الإصابة) 2: 311.

[3] حكى في البحر ج 1 ص 191 عن الناصر زيادة تهليل، اي ثان تمت (ح).

____________

(1) المبسوط للسرخسي 1: 129، حلية العلماء 2: 39.

(3) سنن الدارقطني 1: 237- 3، سنن أبي داود 1: 137- 502 و 503، سنن ابن ماجة 1: 234- 708 و 709، سنن النسائي 2: 4- 6، السنن الكبرى للبيهقي 1: 392- 293.

(5) سنن أبي داود 1: 135- 499، سنن ابن ماجة 1: 232- 706، سنن الدارمي 1: 268، السنن الكبرى للبيهقي 1: 390 و 391.

181

واحدة. و الدليل على أنه مرتان في الأذان: الإجماع المتقدم ذكره، و أن فيه الاحتياط و الاستظهار.

و يمكن أن يستدل على ذلك أيضا بما رواه حماد [1]، عن إبراهيم، عن الأسود [2]، عن بلال [3]: أنه كان يثني الأذان، و يثني الإقامة (4).

و روي عن سويد بن غفلة [4] قال: سمعت بلالا يؤذن مثنى مثنى، و يقيم مثنى مثنى (6).

____________

[1] أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان الأشعري مولاهم، صاحب إبراهيم النخعي، روى عن أنس بن مالك، و الحسن البصري، و سعيد بن جبير و غيرهم. و عنه ابنه إسماعيل، و سفيان، و شعبة، و أبو حنيفة و آخرون، مات سنة 120 ه. انظر: ميزان الاعتدال 1: 595- 2253، تهذيب التهذيب 3: 14- 15، طبقات ابن سعد 6: 322.

[2] أبو عمرو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، أدرك النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مسلما و لم يره، و روى عن علي (عليه السلام)، و أبى بكر، و عمر، و ابن مسعود، و حذيفة، و بلال، و عائشة، و عنه ابنه عبد الرحمن، و إبراهيم النخعي و آخرون مات سنة 75 ه. انظر: تهذيب التهذيب 1: 299- 625، أسد الغابة 1: 88، تذكرة الحفاظ 1:

50- 29، العبر 1: 86.

[3] بلال بن رباح مؤذن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و كان من السابقين الأولين، شهد بدرا و المشاهد كلها، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عنه أبو بكر، و أسامة بن زيد، و البراء بن عازب و آخرون مات سنة 18 هبدمشق. انظر:

رجال الطوسي: 8- 4، تهذيب التهذيب 1: 441- 931، أسد الغابة 1: 206، الاستيعاب (بهامش الإصابة) 1: 141، سير اعلام النبلاء 1: 347.

[4] أبو أمية سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي الكوفي، شهيد اليرموك، روى عن أبي بكر، و عمر، و عثمان، و علي (عليه السلام) و ابن مسعود، و بلال و آخرون و عنه إبراهيم النخعي، و الشعبي، و أبو إسحاق و آخرون مات سنة 81 ه. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 53- 36، تهذيب التهذيب 4: 244- 488، سير اعلام النبلاء 4: 69، العبر 1: 93.

____________

(4) سنن الدار قطني 1: 242- 34، نصب الراية 1: 269.

(6) التحقيق لابن الجوزي 1: 239- 406.

182

و روي عنه أنه قال: إن بلالا أذن بمنى صوتين صوتين، و أقام مثل ذلك (1).

و الإطلاق بأن الأذان مثنى مثنى يقتضي تثنية جميع ألفاظه، و من ألفاظه التهليل في آخره، و لا يلزمنا الإقامة على ذلك، لأنا خصصنا لفظ التهليل من الإقامة بدليل، و أخرجناه عن التثنية بالإجماع، و إلا فلفظ الأخبار يقتضيه.

المسألة الثامنة و الستون [لا يجوز أذان الفجر قبل طلوع الفجر]

«لا يجوز أذان الفجر قبل طلوع الفجر [1]».

قد اختلفت الرواية عندنا في هذه المسألة: فروي أنه يجوز الأذان لصلاة الفجر قبل الفجر خاصة (2)، و روي أنه لا يجوز، و هو الصحيح عندنا.

و قال أبو حنيفة، و محمد، و الثوري: لا يؤذن للفجر قبل طلوع الفجر (3).

الدليل على صحة مذهبنا: أن الأذان دعاء إلى الصلاة و علم على حضورها، لا يجوز قبل وقتها لأنه وضع الشيء في غير موضعه.

و أيضا ما روي: [2] «أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بأن يعيد الأذان» (5).

____________

[1] حكى في البحر ج 1 ص 184 عن الناصر انه لا يجزي و احتج له بما يقتضي انه لا يجوز (ح).

[2] في (د) و (ط): «من أن».

____________

(1) سنن الدارقطني 1: 242- 32، التحقيق لابن الجوزي 1: 239- 406.

(2) المقنعة للمفيد: 98.

(3) الحجة للشيباني 1: 71، المبسوط للسرخسي 1: 134، الفتاوى الهندية 1: 53، المغني لابن قدامة 1: 421.

(5) سنن الدار قطني 1: 245- 53 و 55، التحقيق لابن الجوزي 1: 245- 416، السنن الكبرى للبيهقي 1:

383.

183

و روى عياض بن عامر (1)، عن بلال: أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال له: «لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر كذا» و مد يده عرضا (2).

و ليس لأحد أن يحمل اسم الأذان هاهنا على الإقامة، و يستشهد بما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «بين كل أذانين صلاة» (3) يعني الأذان و الإقامة، و ذلك أن إطلاق اسم الأذان لا يتناول الإقامة، فلا يجوز حمله عليها إلا بدلالة.

المسألة التاسعة و الستون [التثويب بدعة]

«التثويب في صلاة الصبح بدعة» (4).

هذا صحيح و عليه إجماع أصحابنا، و قد اختلف الفقهاء في التثويب ما هو:

فقال الشافعي: التثويب هو أن يقول بعد الدعاء إلى الصلاة: «الصلاة خير من النوم» مرتين في مقبل الأذان (5).

و حكي عن أبي حنيفة أنه قال: التثويب هو أن يقول بعد الفراغ من الأذان:

«حي على الصلاة، حي على الفلاح» مرتين (6).

و حكي عن محمد أنه قال في كتبه: كان التثويب الأول «الصلاة خير من

____________

(1) عياض بن عامر: بن الاسلح العامري الجزري، تهذيب التهذيب 4: 280- 557.

(2) سنن أبي داود 1: 147- 534، نصب الراية 1: 283، كنز العمال 7: 696- 20975، تلخيص الجبير 1:

179.

(3) صحيح مسلم 1: 573- 304، صحيح البخاري 1: 312- 592، سنن أبي داود 2: 26- 1283، نصب الراية 2: 141- 142، تلخيص الحبير 2: 13.

(4) حكى في البحر ج 1 ص 192 عن القاسمية و الناصرية انه بدعة (ح).

(5) مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 105، المجموع شرح المهذب 3: 91، حلية العلماء 2: 40، المغني لابن قدامة 1: 420، و في (ط) و (د): «في تقبل الأذان».

(6) الهداية للمرغيناني 1: 41، شرح فتح القدير 1: 215، المغني لابن قدامة 1: 420.

184

النوم» بين الأذان و الإقامة، ثم أحدث الناس بالكوفة «حي على الصلاة، حي على الفلاح»، مرتين بين الأذان و الإقامة، و هو حسن (1).

و ذهب الشافعي الى أن التثويب مسنون في صلاة الصبح دون غيرها (2).

و حكي عنه أنه قال في الجديد: هو غير مسنون (3).

و قال النخعي: هو مسنون في أذان سائر الصلوات (4) الدليل على صحة ما ذهبنا اليه بعد الإجماع المتقدم: أن التثويب لو كان مشروعا، لوجب أن يقوم دليل شرعي يقطع العذر على ذلك، و لا دليل عليه، المحنة بيننا و بين من خالف فيه.

و أيضا فلا خلاف في أن من ترك التثويب لا يلحقه ذم، لأنه إما أن يكون مسنونا على قول بعض الفقهاء، و غير مسنون على قول البعض الآخر، و في كلا الأمرين لا ذم على تاركه، و ما لا ذم في تركه و يخشى في فعله أن يكون بدعة و معصية يستحق بها الذم فتركه أولى و أحوط في الشريعة.

المسألة السبعون [الإقامة مثنى مثنى كالأذان]

«الإقامة مثنى مثنى كالأذان [1]».

هذا صحيح، و هو مذهب أصحابنا كلهم، و وافق عليه أبو حنيفة و أصحابه،

____________

[1] ذكر في البحر أن الإقامة مثنى و ذكر عن الناصر ان التكبير في أولها أربع ج 1 ص 196 (ح).

____________

(1) الأصل للشيباني 1: 130، حلية العلماء 2: 40، المبسوط للسرخسي 1: 130.

(2) المجموع شرح المهذب 3: 94، حلية العلماء 2: 40، مغني المحتاج 1: 136، السراج الوهاج: 37.

(3) المجموع شرح المهذب 3: 92، 97، الام 1: 104، التحقيق لابن الجوزي 1: 248.

(4) حلية العلماء 2: 41، المجموع شرح المهذب 3: 98.

185

الثوري، و ابن حي (1).

و قال الشافعي، و مالك: الإقامة فرادى إلا في قوله قد قامت الصلاة (2).

دليلنا على صحة ما ذهبنا اليه بعد الإجماع المتكرر ذكره: ما رواه عبد الله بن زيد الأنصاري: أنه كان بين النائم و اليقظان إذ أتاه آت و عليه ثوبان أخضران، قام على جذم الحائط [1] فقال: الله أكبر، الله أكبر، الى آخره.

قال عبد الله: ثم مكث هنيئة فأقام مثل ذلك، إلا أنه زاد في آخره: قد قامت الصلاة.

فأتى عبد الله النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فأخبره بذلك، فقال له: «لقنها بلالا» (4).

و روى حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن بلال: أنه كان يثني الأذان و الإقامة (5).

و روي عن سويد بن غفلة أنه قال: سمعت بلالا يؤذن مثنى مثنى (6).

و روي عنه أنه قال: إن بلالا أذان بمنى صوتين صوتين، و أقام مثل ذلك (7).

و روى محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة [2]، عن أبيه، عن جده قال قلت:

____________

[1] أراد بقية الحائط أو قطعة من الحائط. (النهاية لابن الأثير 1: 252).

[2] محمد بن عبد الملك، بن أبي محذورة الجمحي المكي المؤذن، روى عن أبيه، عن جده في الأذان، و عنه الثوري، و أبو قدامة الحارث بن عبيد. انظر: تهذيب التهذيب 9: 282- 525، ميزان الاعتدال 4:

631- 7888.

____________

(1) المبسوط للسرخسي 1: 129، اللباب في شرح الكتاب 1: 59، الأصل للشيباني 1: 129، الاستذكار لابن عبد البر 2: 81، حلية العلماء 2: 40، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 6: 227.

(2) حلية العلماء 2: 40، المجموع شرح المهذب 3: 94، الاستذكار لابن عبد البر 2: 80، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 6: 227.

(4) سنن أبي داود 1: 140- 507، سنن الدار قطني 1: 242- 31، سنن الدارمي 1: 268- 269.

(5) سنن الدار قطني 1: 242- 34، نصب الراية 1: 269، و في (ط) و (د): أنه «كان يثني مثنى مثنى».

(6) التحقيق لابن الجوزي 1: 239- 406.

(7) التحقيق لابن الجوزي 1: 239- 406، سنن الدار قطني 1: 242- 32.

186

يا رسول الله! علمني سنة الأذان.

قال فمسح مقدم رأسه، فقال، «تقول: الله أكبر، الله أكبر» الى آخره.

قال و علمني الإقامة مرتين مرتين، الله أكبر، الله أكبر، أشهد ان لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي علي الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، مرتين، أسمعت؟

و كان أبو محذورة لا يجز ناصيته، لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مسح عليها [1].

فان عارضوا بما رواه أبو هريرة من أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) «أمر أبا محذورة أن يشفع الأذان و يوتر الإقامة» (2).

و بما رواه انس بن مالك «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر بلالا أن يشفع الأذان، و يوتر الإقامة» (3).

فالجواب عن ذلك: أن المراد بالخبر أن يأتي بجميع الأذان مثنى، و بجميع الإقامة وترا، لأنها سبع عشرة كلمة، و ذلك وتر لأنه فرد، و لم يرد أفراد كل كلمة منها.

____________

[1] سنن أبي داود 1: 136- 500- 501، باختلاف يسير مع ما في المتن و في نسخة (ج) و (ن)، اضافة: «حي على خير العمل، حي على خير العمل» بعد «حي على الفلاح».

____________

(2) سنن الدار قطني 1: 239- 12.

(3) صحيح مسلم 1: 286- 2 و 3 و 5، صحيح البخاري 1: 307- 573، سنن أبي داود، 1: 138- 508، سنن النسائي 2: 3 (قريب منه) سنن الدار قطني 1: 239- 15، السنن الكبرى للبيهقي 1: 413.

187

المسألة الحادية و السبعون [يؤذن للفائتة و يقيم لها]

«يؤذن للفائتة و يقيم لها (1)».

على ما بيناه من قبل (2) أن الأذان و الإقامة مسنونان فيما يؤدي، و المستحب في القضاء أن يأتي به مثل الأداء، و الأذان و الإقامة في قضاء الفوائت أيضا مسنون.

و قال أبو حنيفة و أصحابه: من فاتته صلاة فإنه يصليها بأذان و إقامة (3).

و قال محمد في الإملاء: من فاتته صلوات كثيرة، فإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يوم الخندق فحسن، فان أذن و أقام لكل واحدة فحسن (4).

و قال مالك، و الأوزاعي، و الشافعي، تصلى كل واحدة بإقامة من غير أذان (5).

و روي عن الشافعي في القديم: أن الأذان و الإقامة مسنونان في الفوائت أيضا (6).

قال الثوري: ليس عليه في الفوائت أذان و لا اقامة (7).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتكرر ذكره.

ثم ما رواه أبو قتادة، و عمران بن حصين [1]، و أبو هريرة، و جبير بن مطعم [2]:

____________

[1] عمران بن حصين بن عبيد بن خلف أبو نجيد الخزاعي، صاحب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أسلم عام خيبر و غزا مع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) غزوات، و ولي قضاء البصرة، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عن معقل بن يسار، و عنه ابنه نجيد، الحسن، و محمد بن سيرين، و عامر الشعبي، و خلق مات سنة 52 ه. انظر: تذكرة الحفاظ 1:

29- 14، أسد الغابة 4: 137، تهذيب التهذيب 8: 111- 220، سير اعلام النبلاء 2: 508.

[2] جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي قدم على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في فداء أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر، و قيل يوم الفتح، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عنه سليمان بن صرد، و نافع بن جبير، و عبد الرحمن بن عوف، مات سنة 58، انظر: تهذيب التهذيب 2: 56- 102، سير اعلام النبلاء 3: 95، لعبر 1: 62.

____________

(1) حكاه في البحر ج 1 ص 187 عن الناصر في الأذان و عن العترة في الإقامة (ح).

(2) في المسألة الخامسة و الستين.

(3) الهداية للمرغيناني 1: 42، المبسوط للسرخسي 1: 136، الفتاوى الهندية 1: 55.

(4) الاستذكار لابن عبد البر 1: 111.

(5) الاستذكار لابن عبد البر 1: 111، المدونة الكبرى 1: 62، حلية العلماء 2: 36، المجموع شرح المهذب 3:

85، المغني لابن قدامة 1: 429.

(6) حلية العلماء 2: 37، المجموع شرح المهذب 3: 85.

(7) الاستذكار لابن عبد البر 1: 111، نصب الرواية 1: 29.

188

«أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نام هو و أصحابه بالوادي، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، فأمر بالرحيل، فلما خرج من الوادي قعد حتى استعلت الشمس، ثم أمر بلالا فأذن، و صلى ركعتي الفجر، ثم أمره فأقام فصلى صلاة الفجر» (9).

فان قيل: روى سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر بلالا فأقام بهم الصبح (10).

قلنا: ليس في الخبر أنه لم يؤذن.

و أيضا ما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (11) و من سنة تلك الصلاة المنسية كان الأذان و الإقامة، فكأنه قال: فليصلها على جميع أحوالها من فريضة و سنة.

____________

(9) سنن أبي داود 1: 119- 437 و 121- 443، السنن الكبرى للبيهقي 1: 404، جامع الأصول 5:

190- 3247 و 195- 3249 و 197- 3252.

(10) صحيح مسلم 1: 471- 309، سنن أبي داود 1: 118- 435، السنن الكبرى للبيهقي 1: 403.

(11) صحيح مسلم 1: 471- 309، سنن أبي داود 1: 118- 435، سنن النسائي 1: 294، سنن الترمذي 1:

334- 177 و 178، سنن الدارمي 1: 280.

189

المسألة الثانية و السبعون [آخر وقت فضيلة الظهر حين تصير القامة مثلها]

«آخر وقت الظهر حين تصير القامة مثلها في إحدى الروايتين، و حين تصير مثليها في الرواية الأخرى [1]».

و الذي يذهب إليه أنه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر بلا خلاف، ثم اختص أصحابنا بأنهم يقولون: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر معا، إلا أن الظهر قبل العصر (1).

و تحقيق هذا الموضع: أنه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر بمقدار ما يؤدى أربع ركعات، فإذا خرج هذا المقدار من الوقت اشترك الوقتان.

و معنى ذلك أنه يصح أن يؤدى في هذا الوقت المشترك الظهر و العصر بطوله، على أن الظهر متقدمة للعصر، ثم لا يزال في وقت منهما الى أن يبقى الى غروب الشمس مقدار أداء أربع ركعات، فيخرج وقت الظهر، و يخلص هذا المقدار للعصر، كما خلص الوقت الأول للظهر، و هو مذهب مالك (2).

و روي عنه أنه قال: إن وقت الظهر من زوال الشمس الى أن يصير ظل كل شيء مثله، فإذا صار ذلك دخل وقت العصر، ثم يشتركان في الوقت الى غروب الشمس (3).

و عن أبي حنيفة في آخر وقت الظهر ثلاث روايات: روي عنه في الأصل: أنه

____________

[1] هذا موافق لما عند الزيدية في وقت الظهر و لم أجد روايته عن الناصر (عليه السلام) و اما مصير ظل القامة مثليها فليس من مذهبهم بل هو عندهم آخر وقت العصر في حالة الاختيار، نعم و بعض الزيدية يقول: الأوقات ثلاثة فالظهر و العصر عنده كما ذكر المرتضى عن أصحابه (ح).

____________

(1) مختلف الشيعة 2: 6- 7.

(2) بداية المجتهد 1: 97، الاستذكار لابن عبد البر 1: 41، حلية العلماء 2: 16.

(3) الاستذكار لابن عبد البر 1: 41، أحكام القرآن للجصاص 3، 251- 252.

190

إذا صار ظل كل شيء مثله (1).

رواية أخرى: أنه إذا صار ظل كل شيء مثليه (2).

و قال أبو يوسف، و محمد، و الشافعي، و الثوري، و ابن حي: آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله (3).

و ذهب أبو حنيفة و أصحابه: الى أن وقت العصر يمتد الى غروب الشمس (4).

و روي عن الشافعي مثل قوله (5)، و في رواية أخرى: آخر الوقت إذا صار ظل كل شيء مثليه (6).

و الذي يدل على صحة مذهبنا بعد الإجماع المتقدم، قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ (7)، يعني الفجر و العصر، و طرف الشيء ما يقرب من نهايته، و لا يليق ذلك إلا بقول من قال: وقت العصر ممتد الى قرب غروب الشمس، لان مصير ظل كل شيء مثله أو مثلية يقرب من الوسط، و لا يقرب إلى الغاية و الانتهاء.

و لا معنى لقول من حمل الآية على الفجر و المغرب، لان المغرب ليس هو في طرف النهار، و انما هو طرف الليل، بدلالة أن الصائم يحل له الإفطار في ذلك الوقت، و الإفطار لا يحل في بقية النهار.

____________

(1) الأصل للشيباني 1: 144، المبسوط للسرخسي 1: 142، أحكام القرآن للجصاص 3، 251.

(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 251، الأصل للشيباني 1: 145، اللباب في شرح الكتاب 1: 55، شرح فتح القدير 1: 193، الاستذكار لابن عبد البر 1: 40، المبسوط للسرخسي 1: 142.

(3) المجموع شرح المهذب 3: 21، أحكام القرآن للجصاص 3، 251، اللباب في شرح الكتاب 1:

56، الاستذكار لابن عبد البر 1: 40.

(4) الأصل للشيباني 1: 145، شرح فتح القدير 1: 195.

(5) المجموع شرح المهذب 3: 26، حلية العلماء 2: 16.

(6) المجموع شرح المهذب 3: 28، حلية العلماء 2: 16.

(7) سورة هود، الآية: 114.

191

و أيضا فإن قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (1)، فظاهر هذا الكلام يقتضي أن وقت الظهر ابتداؤه من دلوك الشمس و هو زوالها، و أنه يمتد الى غسق الليل، و خرج منه بالدليل و الإجماع وقت غروب الشمس، فبقي ما قبله.

و أيضا ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «انما أجلكم في أجل ما خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر الى مغرب الشمس» (2) و ظاهر هذا القول يقتضي التناهي في قصر هذه المدة، و لا يليق ذلك إلا بمذهبنا دون مذهب الشافعي، و أبي حنيفة.

نظير هذا الخبر في إفادة قصر المدة، ما روي من قوله (عليه السلام): «بعثت و الساعة كهاتين» (3) و أشار (صلى الله عليه و آله و سلم) بالسبابة و الوسطى.

و أيضا ما روى من أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس (4). و هذا يقتضي أن الوقت لهما [1] جميعا.

و من ادعى أن هذا الخبر منسوخ و أنه كان قبل استقرار المواقيت، فقد ادعى ما لا برهان عليه.

و أيضا ما رواه ابن عباس عنه (عليه السلام) «من أنه جمع بين الصلاتين في الحضر لا

____________

[1] في (د) و (ن): أن الوقت وقت لهما.

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 78.

(2) كنز العمال 12: 156- 34463، سنن الترمذي 5: 141- 2871، مجمع الزوائد 10: 331، تاريخ الطبري 1: 7، أحكام القرآن للجصاص 3: 252.

(3) تاريخ الطبري 1: 9، صحيح مسلم 2: 592- 43، جامع الأصول 679- 3974، كنز العمال 14:

190- 38330، سنن النسائي 3: 189.

(4) الاستذكار لابن عبد البر 1: 39، السنن الكبرى للبيهقي 1: 367.

192

لعذر» (1)، و هذا يدل على اشتراك الوقت و ليس لأحد أن يحمل هذا الخبر على أنه صلى الظهر في آخر وقتها و صلاة العصر في أول وقتها، لأن هذا ليس يجمع (2) بين الصلاتين، و انما هو فعل كل صلاة في وقتها، و ذكر العذر في الخبر يبطل هذا التأويل، لأن فعل الصلاة في وقتها المخصوص بها لا يحوج الى عذر.

و يدل أيضا على ما ذهبنا اليه: ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من قوله: «من فاتته صلاة العصر حتى غربت الشمس فكأنما وتر أهله و ماله» (3)، فعلق الفوات بغروب الشمس، و تعلقه به يدل على أن الوقت ممتد الى الغروب.

و أيضا ما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «لا يخرج وقت صلاة ما لم يدخل وقت صلاة أخرى» (4)، و هذا يدل على أنه إذا لم يدخل وقت صلاة أخرى- و هي المغرب- فإنه لا يخرج وقت العصر.

فأما الأخبار التي رواها أصحابنا في الاقدام و الأذرع (5)، و تمييز وقت الظهر و العصر قدمان أو ذراعان، ليقع التنفل و التسبيح و الدعاء في هذا الزمان، و هذا هو الأفضل و الاولى، فجعلت الاقدام و الأذرع حدا للفضل لا للجواز.

____________

(1) سنن الترمذي 1: 354- 187، صحيح مسلم 1: 489- 49 و 490- 50، سنن النسائي 1: 29.

(2) الظاهر: «بجمع».

(3) صحيح مسلم 1: 436- 201، جامع الأصول 5: 205- 3267، صحيح البخاري 1: 288- 519، سنن النسائي 1: 238، السنن الكبرى للبيهقي 1: 445، مسند أحمد 2: 134.

(4) انظر: أحكام القرآن للجصاص 3: 253 (قريب منه).

(5) من لا يحضره الفقيه 1: 140- 649 و 653، التهذيب 2: 24- 67، الاستبصار 1: 250- 899.

193

المسألة الثالثة و السبعون [للمغرب وقتان كسائر الصلوات]

«للمغرب وقتان كسائر الصلوات [1]».

عندنا أن أول وقت المغرب مغيب الشمس، و آخر وقتها مغيب الشفق الذي هو الحمرة، و روي ربع الليل (1)، و حكى بعض أصحابنا: أن وقتها يمتد الى نصف الليل (2).

و قال أبو حنيفة، و أبو يوسف، و محمد، و مالك، و الثوري، و ابن حي: لصلاة المغرب أول و آخر كسائر الصلوات (3).

و قال الشافعي: ليس للمغرب إلا وقت واحد (4).

دليلنا بعد الإجماع المتقدم، قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (5) و قيل في الدلوك: انه الزوال (6)، و قيل: انه الغروب [2]، و هو عام لهما [3] جميعا، فحصل: وقت المغرب ممتد الى غسق الليل، و الغسق اجتماع الظلمة، و إذا ثبت

____________

[1] عند كثير من الزيدية للمغرب وقتان الأول الاختياري إلى ذهاب الشفق و الثاني الاضطراري بقية الليل لا ما يسع العشاء آخر الليل و حكى في البحر ج 1 ص 155 قولا للناصر أن وقت المغرب ممتد الى الفجر (ح).

[2] نفس المصدر السابق. و في (ط) و (د): «المغرب» بدل «الغروب»

[3] الموجود في النسخ: «علمهما».

____________

(1) مختلف الشيعة 2: 20.

(2) مختلف الشيعة 2: 20، الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 494.

(3) المبسوط للسرخسي 1: 144، الهداية للمرغيناني 1: 38، شرح فتح القدير 1: 195، المجموع شرح المهذب 3: 34، بداية المجتهد 1: 97، الاستذكار لابن عبد البر 1: 44.

(4) الام 1: 92، مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 104، المجموع شرح المهذب 3: 29 و 34، أحكام القرآن للجصاص 3: 258، بداية المجتهد 1: 97، الاستذكار لابن عبد البر 1: 44، المغني لابن قدامة 1: 390.

(5) سورة الإسراء، الآية: 78.

(6) أحكام القرآن للجصاص 3: 251، الاستذكار لابن عبد البر 1: 85، الجامع الأحكام القرآن للقرطبي 10:

303.

194

أن وقت المغرب ممتد الى وقت اجتماع الظلمة، فقد وضح أن لها وقتين.

و أيضا ما رواه أبو هريرة: أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «إن للصلاة أولا و آخرا، و إن أول وقت المغرب إذا غابت الشمس، و آخره حين يغيب الشفق» (1).

و إيضا ما روي عنه (عليه السلام) أنه صلى المغرب في اليوم الأول حين غابت الشمس، و صلى في اليوم الثاني حين كاد الشفق أن يغيب (2).

و أيضا ما روي من أنه (عليه السلام) قال: «إنما التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى» (3)، و هذا الخبر يقتضي أن صلاة المغرب لا تفوت إلا بعد دخول العشاء الآخرة، و المخالف يقول بفوته قبل ذلك.

و ليس لهم أن يحتجوا بما روي عنه (عليه السلام) «من أنه أحل المغرب في اليوم الأول حين غابت الشمس، و في اليوم الثاني حين غابت الشمس وقتا واحدا لم يزل عنه» (4).

و ذلك أن فعلهما في اليومين في وقت واحد لا يدل على أنه لا وقت لها غيره، لانه روي أنه (عليه السلام) «صلى العصر في اليومين جميعا قبل اصفرار الشمس» (5)، و لم يدل ذلك على أن ما بعد اصفرارها ليس بوقت العصر.

و لا لهم أيضا أن يتعلقوا بما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «بادروا بصلاة المغرب

____________

(1) سنن الترمذي 1: 283- 151، مسند أحمد 2: 232، كنز العمال 7: 358- 19257، السنن الكبرى للبيهقي 1: 376.

(2) صحيح مسلم 1: 428- 176، جامع الأصول 5: 207- 3270، سنن الدار قطني 1: 264- 30.

(3) صحيح مسلم 1: 473- 311، السنن الكبرى للبيهقي 1: 376، سنن أبى داود 1: 121- 441، سنن النسائي 1: 294، سنن الدار قطني 1: 386- 12، جامع الأصول 5: 199- 3356.

(4) سنن الدارقطني 1: 261- 18، نيل الأوطار 1: 380، جامع الأصول 5: 212 و 213- 3273، أحكام القرآن للجصاص 3: 259.

(5) أحكام القرآن للجصاص 3: 257.

195

و طلوع النجوم» (1).

و ذلك أن هذا حيث على تقديم صلاة المغرب في أول الوقت، و تقديم الصلاة في أول الوقت عندنا الأفضل و الأولى.

المسألة الرابعة و السبعون [الشفق الذي يدخل بغيبوبته وقت العشاء هو الحمرة]

«الشفق الذي يدخل بغيبوبته وقت العشاء، البياض في إحدى الروايتين، و الحمرة في الرواية الأخرى [1]».

و الصحيح عندنا: أن الشفق هو الحمرة دون البياض، و هو قول الشافعي، و أبي يوسف، و محمد (2).

و قال أبو حنيفة: الشفق هو البياض (3).

الدليل على صحة ما ذهبنا اليه بعد الإجماع المتقدم، ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من قوله: «الشفق الحمرة» (4).

و روي عن ابن عمر [2] أنه قال: انما الشفق الحمرة (6).

____________

[1] و هذه الرواية هي التي ذكرها في البحر عن الناصر ج 1 ص 156 (ح).

[1] أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، العدوي المكي، ولد سنة ثلاث من المبعث.

روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أبيه، و أبى بكر، و علي (عليه السلام)، و أبي ذر، و بلال، و معاذ، و عائشة و غيرهم، و عنه الحسن البصري و طاوس، و سعيد بن المسيب، و الزهري و آخرون. مات سنة 74 ه. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 2: 347، تذكرة الحفاظ 1: 37- 17، وفيات الأعيان 3: 28- 321، سير اعلام النبلاء 3:

203، العبر 1: 83.

____________

(1) سنن الدار قطني 1: 260- 13، كنز العمال 7: 385- 19414، مسند أحمد 5: 415.

(2) المجموع شرح المهذب 3: 38، 42، حلية العلماء 2: 18، الأصل للشيباني 1: 145، الحجة للشيباني 1:

7، للباب في شرح الكتاب 1: 56، الهداية للمرغيناني 1: 39، أحكام القرآن للجصاص 3:

258، الاستذكار لابن عبد البر 1: 93.

(3) الأصل للشيباني 1: 145، الحجة للشيباني 1: 8، اللباب في شرح الكتاب 1: 56، الهداية للمرغيناني 1:

39، أحكام القرآن للجصاص 3: 258، شرح فتح القدير 1: 196.

(4) سنن الدار قطني 1: 269- 2 و 3 و 4، السنن الكبرى للبيهقي 1: 373.

(6) سنن الدارقطني 1: 269- 4، أحكام القرآن للجصاص 3: 258، السنن الكبرى للبيهقي 1: 373، كنز العمال 7: 393- 19457، و الرواية غير موجودة في (ط) و (د).

196

و روى النعمان بن بشير [1]: «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة» (8).

يعني لثلاثة من الشهر، و القمر يسقط ليلة الثالثة قبل غيبوبة البياض.

و قد حكى أهل اللغة: أن الشفق الحمرة (9)، و حكي عن بعضهم: أنه البياض (10).

و الأقرب أنه في اللغة يقع عليهما جميعا.

و يبقى الكلام في معنى هذه اللفظة في الشرع، و بأي شيء يتعلق حكم خروج وقت المغرب، و دخول وقت العشاء الآخرة؟

و قد استدل الشافعي على أن الشفق الذي يخرج بغيبوبته وقت المغرب، و يدخل وقت العشاء الآخرة، هو الحمرة دون البياض: بما رواه جابر [2]، من أن

____________

[1] هو أبو عبد الله النعمان بن بشير بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي كان والي الكوفة و حمص من قبل معاوية، سمع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ورى عنه ابناه محمد، و بشير، و الشعبي، و سماك و آخرون. مات سنة 64 ه. انظر: أسد الغابة 5:

22، الإصابة في تمييز الصحابة 3: 559- 8728، الطبقات الكبرى 6: 53، سير اعلام النبلاء 2: 411.

[2] أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، الأنصاري المدني، الخزرجي، صاحب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) شهيد بدرا و ثماني عشرة غزوة مع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أحد السابقين، و كان من أصحاب الإمام أمير المؤمنين، و الامام الحسن، و الامام الحسين، و الامام علي بن الحسين، و الامام محمد الباقر (عليهم السلام). توفي سنة 78 ه.

انظر: أسد الغابة 1: 256، الإصابة في تمييز الصحابة 1: 213- 1026، رجال الشيخ الطوسي: 12، 37، 66، 85، 111، رجال العلامة الحلي: 34، تنقيح المقال 1: 199، معجم رجال الحديث 4: 11- 2018.

____________

(8) سنن الدارقطني 1: 269- 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 373.

(9) معجم مقايس اللغة 3: 198، الصحاح للجوهري 4: 1501، لسان العرب 10: 180.

(10) معاني القرآن للفراء 3: 251، لسان العرب 10: 180.

197

سائلا سأل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن مواقيت الصلاة؟ فقال: «لو صليت معنا» فذكر الخبر الى أن قال: «و صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق» (1).

و لا يجوز أن يكون المراد بذلك قبل غيبوبة الشفق الذي هو الحمرة، لأن فعل الصلاة في ذلك الوقت لا يجوز إجماعا، فثبت أن المراد به قبل الشفق الذي هو البياض.

و هذا الخبر لا يصلح أن يستدل به، لان فعل العشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق الذي هو الحمرة عندنا [1] جائز، بل يجوز عندنا أن يصلي العشاء الآخرة، عقيب المغرب بلا فصل، و هو مذهب مالك (3) و انما لا يجوز ذلك على مذهب الشافعي، و أبي حنيفة.

المسألة الخامسة و السبعون [أفضل الأوقات في الصلوات كلها أولها]

«أفضل الأوقات في الصلوات كلها أولها (4)».

هذا صحيح و هو مذهب أصحابنا، و الدليل على صحته بعد الإجماع المتقدم، ما رواه ابن مسعود [2]، قال: سألت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقلت: ما أفضل الأعمال؟ قال فقال:

____________

[1] في (ط) و (د): «و عندنا».

[2] أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل، حليف بني زهرة صاحب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و خادمه، شهد بدرا و المشاهد بعدها، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عن عمر، و سعد بن معاذ، و عنه ابناه، و امرأته، و أبو رافع، و جابر، و أنس و آخرون. مات سنة 32. انظر: أسد الغابة 3: 256، الإصابة في تمييز الصحابة 2: 368- 4954، سير اعلام النبلاء 1: 461، الكنى و الألقاب 1: 407.

____________

(1) الام 1: 93، فتح العزيز 3: 27، حلية العلماء 2: 18.

(3) المدونة الكبرى 1: 115.

(4) و هذا حكاه في البحر ج 1 ص 160 عن العترة (ح).

198

«الصلاة في أول وقتها» (1).

و روت أم فروة [1]: أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «أفضل الأعمال عند الله الصلاة في أول وقتها» (3).

و أيضا تقديم الصلاة في أول وقتها احتياط للفرض أولا.

و أما الجواب عن تعلقهم بما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (4) فهو أن المراد بذلك: أنه لا يصلي إلا بعد أن يوقن بإسفار الفجر، و هو طلوعه، و لم يذكر إسفار النهار.

المسألة السادسة و السبعون [وقت صلاة الليل بعد انتصافه الى مطلع الفجر]

«وقت صلاة الليل [2]، من حين يذهب ثلث الليل الى مطلع الفجر [3]».

عندنا أن وقت صلاة الليل بعد انتصافه، و كلما قرب من الفجر كان أفضل.

و الدليل على صحة مذهبنا بعد الإجماع المتقدم: أن صلاة الليل بعد انتصاف الليل، و في أواخره أشق منها في ثلثه، و المشقة يزيد بها الثواب، و يكثر لها الجزاء، فما

____________

[1] أم فروة: هي جدة القاسم بن غنام البياضي، الانصارية من المبايعات سمعت عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الحديث، نظر: أسد الغابة 5: 607، الطبقات الكبرى 8: 303.

[2] في (ط) و (د) و (م) و (ن): «الوتر» بدل «الليل».

[3] ذكر في البحر ج 2 ص 39 ان أفضل النفل بالليل بعد نصف الليل و من جعل الليل أثلاثا فالثلث الأوسط و لم ينسبه عن الناصر و لا غيره (ح).

____________

(1) السنن الكبرى للبيهقي 1: 434، الاستذكار لابن عبد البر 1: 91.

(3) سنن أبي داود 1: 115- 426، سنن الترمذي 1: 319- 170، السنن الكبرى للبيهقي 1: 434، كنز العمال 7: 286- 18900.

(4) سنن الترمذي 1: 289- 154، سنن الترمذي 1: 277، سنن النسائي 1: 272، مسند أحمد 4: 142، السنن الكبرى للبيهقي 1: 457.

199

ذكرناه من الوقت أولى.

المسألة السابعة و السبعون [و لا بأس بقضاء الفرائض عند طلوع الشمس و عند استوائها و عند غروبها]

«و لا بأس بقضاء الفرائض عند طلوع الشمس، و عند استوائها، و عند غروبها (1)».

هذا صحيح، و عندنا أنه يجوز أن يصلي في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها كل صلاة لها سبب متقدم، و انما لا يجوز أن يبتدئ فيها النوافل، و وافقنا على ذلك الشافعي (2).

و قال أبو حنيفة: يجوز فعل الصلاة التي لها سبب في وقتين من جملة المنهي عنه، و هو ما بعد الصبح الى حين تطلع الشمس، و ما بعد العصر الى أن تغرب، و لا يجوز في الأوقات الثلاثة التي نهي عنها لأجل الوقت، و هي حال طلوع الشمس، و استوائها للزوال، و حال غروبها، إلا عصر يومه إذا فاتت، فيجوز أن يصليها في وقت الغروب (3).

دليلنا بعد الإجماع المتكرر قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ (4)، و الظاهر يتناول جميع الأوقات، و لا يلزم على ذلك فعل النوافل في الأوقات المنهي عنها، لانه خرج بدليل.

و ما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (5)، و لم يفصل بين وقت و آخر.

____________

(1) و حكى هذا في البحر ج 1 ص 165 عن الناصر (ح).

(2) حلية العلماء 2: 180، الاستذكار لابن عبد البر 1: 138، المجموع شرح المهذب 4: 171، المغني لابن قدامة 1: 755، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 113.

(3) الهداية للمرغيناني 1: 40، حلية العلماء 2: 181، الاستذكار لابن عبد البر 1: 141، المجموع شرح المهذب 4: 171، شرح فتح القدير 1: 207 و 208، الأصل للشيباني 1: 149 و 150، و في (ط) و (د) المغرب.

(4) سورة الإسراء، الآية: 78.

(5) سنن النسائي 1: 294، سنن الترمذي 1: 334- 177، السنن الكبرى للبيهقي 2: 456، الاستذكار لابن عبد البر 1: 115.

200

و ما روي من أن قيس بن قهد [1] صلى بعد الصبح، فقال له النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «ما هاتان الركعتان»؟ فقال: ركعتا الصبح (2).

فلو لم يكن جائزا لأنكر عليه.

فان تعلقوا بقوله (عليه السلام) «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، و لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» (3) الجواب عنه: أن ذلك عام في الصلوات التي لها أسباب و التي لا أسباب لها، و أخبارنا خاصة في جواز ماله سبب (4).

المسألة الثامنة و السبعون [و لا بأس بالتطوع بعد الفجر و بعد العصر]

«و لا بأس بالتطوع بعد الفجر و بعد العصر (1)».

عندنا أنه لا يجوز التطوع بعد صلاة الفجر الى زوال الشمس، إلا في يوم الجمعة خاصة، و لا يجوز التطوع بعد صلاة العصر، و وافقنا على ذلك الشافعي (5).

و خالفه أبو حنيفة في جواز التنفل وقت الزوال من يوم الجمعة (6).

دليلنا على صحة ما ذهبنا اليه من منع التنفل في الأوقات التي ذكرناها: ما

____________

[1] قيس بن عمرو بن سهل، الأنصاري، المدني، و أن قهد لقب عمرو، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عنه قيس بن أبي حازم، و ابنه سعيد بن قيس، و محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي. انظر: تهذيب التهذيب 8: 358- 715، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 2: 357- 5888.

____________

(2) سنن الدار قطني 1: 383- 9، السنن الكبرى للبيهقي 2: 456، كنز العمال 8: 91- 22040.

(3) صحيح البخاري 1: 300- 552، سنن النسائي 1: 276، مسند أحمد 5: 165، جامع الأصول 5:

259- 3339، السنن الكبرى للبيهقي 2: 452.

(4) التهذيب 2: 266- 1959، الكافي 3: 292- 3، من لا يحضره الفقيه 1: 316- 1433 و 315- 1428.

(1) حكاه في البحر عن الناصر ج 1 ص 167- 168 (ح).

(5) حلية العلماء 2: 182، الاستذكار لابن عبد البر 1: 140، المجموع شرح المهذب 4: 175، 176.

(6) المجموع شرح المهذب 4: 177، الهداية للمرغيناني 1: 41، المبسوط للسرخسي 1: 151.

201

روي عنه (عليه السلام) من قوله: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، و لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» (1).

و في حديث الصباح: أنه نهى عن الصلاة في وقت الطلوع، و استواء الشمس، و غروبها (2).

و أما الدليل على جواز ذلك في يوم الجمعة خاصة: فهو بعد إجماع الفرقة المحقة، ما رواه أبو هريرة قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة [1].

المسألة التاسعة و السبعون [و للمصلي أن يجمع بين الظهرين و بين العشاءين]

«و للمسافر أن يجمع بين الظهر و العصر ما بين زوال الشمس الى غروبها، و بين العشاءين ما بين غروب الشمس الى طلوع الفجر [2]».

قد بينا مذهبنا في أوقات هذه الصلوات و دللنا عليه، و لا معنى لتكراره، و الإجازة للمسافر أن يجمع بين الظهر و العصر ما بين زوال الشمس الى غروبها كأنه ينقض القول بأن وقت الظهر متميز من وقت العصر، و تحديد كل واحد منهما بحد لا يدخل فيه الآخر، لانه ليس للمسافر أن يصلي الصلاة في غير وقتها، كما أن

____________

[1] مسند الشافعي: 63، كنز العمال 7: 418- 19597، و في (ط) و (د): «حين تزول الشمس».

[2] حكى هذا في البحر عن العترة ج 1 ص 169 ثم حكى عن الناصر انه لا يجوز الجمع إلا في عرفه و مزدلفة فلعله أراد أن للناصر قولين (ح).

____________

(1) تقدم في المسألة السابقة.

(2) صحيح البخاري 1: 299- 548، جامع الأصول 5: 255- 3335، السنن الكبرى للبيهقي 2: 454، سنن النسائي 1: 277.

202

ليس للحاضر ذلك.

المسألة الثمانون [من أخطأ القبلة و علم بها قبل مضي وقت الصلاة فعليه إعادتها فإن علم بعد مضي وقتها فلا اعادة عليه]

«من أخطأ القبلة و علم بها قبل مضي وقت الصلاة فعليه إعادتها، فإن علم بعد مضي وقتها فلا اعادة عليه (1)».

هذا صحيح، و عندنا أنه إذا تحرى في القبلة فأخطأ، ثم تبين له الخطأ، أنه يعيد ما دام في الوقت، و لا اعادة عليه بعد خروج الوقت.

و قد روي: أنه إن كان خطاؤه يمينا أو شمالا أعاد ما دام الوقت باقيا، فان خرج الوقت فلا اعادة عليه، فان استدبر القبلة أعاد على كل حال. (2).

و الأول هو المعول عليه، و وافقنا في ما ذهبنا اليه مالك (3).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: أن صلاته ماضية، و لا اعادة عليه على كل حال (4).

و قال الشافعي في الجديد: إن من أخطأ القبلة ثم تبين له خطاؤه لزمه إعادة الصلاة (5).

و قوله في القديم مثل قول أبي حنيفة (6).

____________

(1) حكاه عن الناصر في البحر إذا تحرى القبلة ج 1 ص 209 (ح).

(2) تهذيب الأحكام 2: 45- 12- 18.

(3) المدونة الكبرى 1: 92- 93.

(4) اللباب في شرح الكتاب 1: 64، الهداية للمرغيناني 1: 45، شرح فتح القدير 1: 237، المجموع شرح المهذب 3: 243، حلية العلماء 2: 74.

(5) المجموع شرح المهذب 3: 243، حلية العلماء 2: 74، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 106، كفاية الأخيار 1: 59، الام 1: 114.

(6) المجموع شرح المهذب 3: 225، حلية العلماء 2: 74، كفاية الأخيار 1: 59.

203

و دليلنا على صحة ما ذهبنا اليه بعد الإجماع المقدم ذكره قوله تعالى وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (1) فأوجب التوجه على كل مصلى الى شطر البيت، فإذا لم يفعل ذلك كان الأمر عليه باقيا، فيلزمه الإعادة.

فإن قيل: الآية تقتضي وجوب التوجه على كل مصل، و ليس فيها دلالة على أنه إذا لم يفعل لزمه الإعادة.

قلنا: لم نحتج بالآية على وجوب القضاء، و انما بينا بالآية وجوب التوجه على كل مصل، فإذا لم يأت بالمأمور به فهو باق في ذمته، فيلزمه فعله.

و ليس لأحد أن يقول: هذه الآية انما يصح أن يحتج بها الشافعي، لأنه يوجب الإعادة على كل حال، في الوقت و بعد خروج الوقت، و أنتم تفصلون بين الأمرين، و ظاهر الآية يقتضي إلا فصل بينهما، فلا دليل لكم على مذهبكم في الآية.

قلنا: إنما أمر الله تعالى كل مصل للظهر- مثلا- بالتوجه الى شطر البيت ما دام في الوقت، و لم يأمره بالتوجه بعد خروج الوقت، لأنه إنما أمره بأداء الصلاة لا بقضائها، و الأداء ما كان في الوقت، و القضاء ما خرج عن الوقت، فهو إذا تحرى القبلة و صلى إلى جهة، ثم تبين له الخطأ، و تيقن أنه صلى الى غير القبلة و هو في الوقت لم يخرج عنه، فحكم الأمر باق عليه، و وجوب الصلاة متوجها الى القبلة باق في ذمته، و ما فعله غير مأمور به، و لا يسقط عنه الفرض، فيجب أن يصلي ما دام في الوقت الصلاة المأمور بها، و هي التي تكون إلى جهة الكعبة، لأنه قادر عليها و متمكن منها، و بعد خروج الوقت لا يقدر على فعل المأمور به بعينه، لانه قد فات بخروج الوقت، و القضاء في الموضع الذي يجب فيه انما يعلمه بدليل غير دليل وجوب الأداء، و هذا

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 144 و 150.

204

الموضع قد بيناه في مسائل أصول الفقه (1).

و ليس لأحد أن يقول: إن المصلي في حال اشتباه القبلة عليه لا يقدر على التوجه إلى القبلة، فالآية مصروفة إلى من يقدر على ذلك.

لان هذا القول تخصيص لعموم الآية بغير دليل، و لأنه إذا تبين له الخطأ في الوقت فقد زال الاشتباه، فيجب أن تكون الآية متناولة له، و يجب أن تفعل الصلاة الى جهة القبلة.

فإن تعلقوا بما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «رفع عن أمتي الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه» (2).

و الجواب عن ذلك: أنا نقول إن خطأه مرفوع، و انه غير مؤاخذ به، و انما تجب عليه الصلاة بالأمر الأول، لأنه لم يأت بالمأمور به.

فان تعلقوا بما روي: من أن قوما أشكلت عليهم القبلة لظلمة عرضت فصلى بعضهم إلى جهة، و بعضهم الى غيرها، و علموا ذلك، فلما أصبحوا و رأوا تلك الخطوط الى غير القبلة و قدموا من سفرهم سألوا النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن ذلك فسكت، و نزل قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (3).

فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) «أجزتكم صلاتكم» (4).

و الجواب عن ذلك: أنا نحمل هذا الخبر على أنهم سألوه (عليه السلام) عن ذلك بعد

____________

(1) الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 116- 120.

(2) عوالي اللآلي 1: 232- 131، سنن الدارقطني 4: 171- 33، سنن ابن ماجة 1: 659- 2043، 2045، السنن الكبرى للبيهقي 7: 356، كنز العمال 12: 155- 34458.

(3) سورة البقرة، الآية: 115.

(4) سنن الدارقطني 1: 271- 3 و 4، سنن الترمذي 2: 176- 345، التحقيق في اختلاف الحديث 1:

256- 429، السنن الكبرى للبيهقي 2: 10، و فيه: «أجزأت».