المسائل الناصريات

- السيد المرتضى المزيد...
446 /
305

فإذا تقرر ما ذكرناه، و كان الصحيح الجسم يشق عليه المشي الطويل إلى الحج لم يكن مستطيعا له في العرف الذي ذكرناه، و كذلك من وجد الراحلة و لم يجد نفقة لطريقة و لا لعياله يشق عليه السفر و يصعب [1] و تنفر نفسه لا يسمى مستطيعا، فوجب أن تكون الاستطاعة ما ذكرناه، لارتفاع المشاق و التكلف معه.

و مما يدل على بطلان مذهب مالك أيضا، ما روي من أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) سئل عن قوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2) فقيل له:

يا رسول الله ما الاستطاعة؟ فقال: «الزاد و الراحلة» (3).

المسألة السابعة و الثلاثون و المائة [الأمر بالحج على الفور]

«الأمر بالحج على التراخي» [2].

الذي يذهب إليه أصحابنا: أن الأمر بالحج على الفور، و وافقنا على ذلك أبو يوسف، و رواه عن أبي حنيفة (4)، و وافق المزني (5) عليه.

و قال الشافعي: الحج على التراخي (6).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتقدم ذكره: أن الأمر المطلق- و إن

____________

[1] في (د) و (ط) «يضعف» بدل «يصعب».

[2] لم أجده (ح).

____________

(2) سورة آل عمران، الآية: 97.

(3) سنن الترمذي 3: 177- 813 و 5: 209- 2998، سنن الدار قطني 2: 215- 218. سنن ابن ماجة 2: 967- 2897، السنن الكبرى للبيهقي 4: 330.

(4) الهداية للمرغيناني 1: 134، شرح فتح القدير 2: 323، بداية المجتهد 1: 333.

(5) المجموع شرح المهذب 7: 103.

(6) الام 2: 129، المجموع شرح المهذب 7: 103، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 159، حلية العلماء 3: 243.

306

لم يكن من مذهبنا أنه يوجب فورا و لا تراخيا في أصل وضع اللغة، و ذهبنا إلى أنه على الوقف- فقد قطع الشرع العذر بوجوب حمل الأمر المطلق على الفور، كما قطع العذر بحمله على الوجوب، و إن كان في وضع اللغة لا يقتضي ظاهره وجوبا و لا ندبا.

و قد دللنا على هذه الجملة في مواضع من كلامنا في أصول الفقه، و بينا أن الصحابة و التابعين، ثم تابعي التابعين و إلى وقتنا هذا- يحملون أوامر الشرع في الأحكام الشرعية من كتاب و سنة على الوجوب و الفور، و أن أحدا منهم لا يتوقف في ذلك طلبا لدليل، فصار هذا العرف الشرعي موجبا لحمل الأوامر الشرعية على الفور (1)، و قد أمر الله تعالى بالحج أمرا مطلقا فيجب أن يكون محمولا على الفور.

و أيضا ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من قوله: من وجد من الزاد و الراحلة ما يبلغه الحج فلم يحج، فليمت إن شاء يهوديا و إن شاء نصرانيا (2).

المسألة الثامنة و الثلاثون و المائة [و العمرة إنما تجب في العمر مرة واحدة]

«و العمرة واجبة من جهة الاستطاعة كالحج» (3).

الصحيح عندنا: أن العمرة إنما تجب في العمر مرة واحدة، و ما زاد على ذلك فهو فضل، و هو قول الشافعي في أصح قوليه، و ذهب إلى ذلك الثوري، و أحمد، و إسحاق (4).

____________

(1) الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 53.

(2) سنن الترمذي 3: 176- 812، جامع الأصول 3: 6- 1269، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 4: 153، نصب الراية 4: 410.

(3) حكاه في البحر عن الناصر ج 2 ص 235 (ح).

(4) المجموع شرح المهذب 7: 7، حلية العلماء 3: 230، المغني لابن قدامة 3: 173، بداية المجتهد 1: 334.

307

و قال مالك، و أبو حنيفة: إنها غير واجبة (1).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المذكور، قوله تعالى وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (2)، و الأمر بالإتمام يقتضي الأمر بالابتداء.

و روي عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال:

«نعم»، فقلت: فما ذلك الجهاد؟ قال: «الحج و العمرة» (3).

المسألة التاسعة و الثلاثون و المائة [لا تصح العمرة في الشهر إلا مرة واحدة على قول]

«لا تصح العمرة في الشهر إلا مرة واحدة» [1].

الذي يذهب إليه أصحابنا أن العمرة جائزة في سائر أيام السنة، و قد روي: أنه لا يكون بين العمرتين أقل من عشرة أيام (4)، و روي: أنها لا تجوز إلا في كل شهر مرة واحدة (5).

و قال الشافعي: تجوز العمرة في السنة مرتين و أكثر (6).

و حكي عن مالك أنه قال: لا تجوز إلا دفعة (7)، و هو قول سعيد بن جبير، و النخعي، و ابن سيرين (8).

____________

[1] لم أجده (ح).

____________

(1) بداية المجتهد 1: 334- 335، المبسوط للسرخسي 4: 58.

(2) سورة البقرة، الآية: 196.

(3) سنن الدار قطني 2: 284- 214- 215، سنن ابن ماجة 2: 968- 2901، نصب الراية 3: 148.

(4) الكافي 4: 534- 1- 3، التهذيب 5: 434- 1507- 1508.

(5) المصدر السابق.

(6) المجموع شرح المهذب 7: 147، حلية العلماء 3: 252، المغني لابن قدامة 3: 175، بداية المجتهد 1: 338.

(7) المدونة الكبرى 1: 374، بداية المجتهد 1: 338، حلية العلماء 3: 253.

(8) المغني لابن قدامة 3: 175، المجموع شرح المهذب 7: 149، حلية العلماء 3: 253.

308

دليلنا على جواز فعلها على ما ذكرناه قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» (1). و لم يفصل (عليه السلام) بين أن يكون ذلك سنة أو سنتين، أو شهرا أو شهرين.

المسألة الأربعون و المائة [ميقات أهل المدينة الشجرة و ميقات أهل العراق العقيق]

«ميقات أهل المدينة الشجرة، و ميقات أهل العراق العقيق» [1].

هذا صحيح و إليه يذهب أصحابنا و يقولون: إن ميقات أهل العراق و كل من حج من المشرق معهم على طريقهم بطن العقيق، و أوله المسلخ، و أوسطه غمرة، و آخره ذات عرق، و الأفضل أن يكون إحرام من حج من هذه الجهة من المسلخ.

و رأيت الشافعي يوافق على هذا و يقول: إن إحرام أهل المشرق من المسلخ أحب إلي (2).

و باقي الفقهاء يقولون: ميقات أهل العراق ذات عرق (3) فأما ميقات أهل المدينة فلا خلاف في أنه مسجد الشجرة، و هو ذو الحليفة.

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الإجماع المتقدم ذكره.

و أيضا ما رواه ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) وقت لأهل المشرق العقيق (4)، و العقيق أبعد من ذات عرق.

____________

[1] ذكره في البحر عن الشافعي احتياطا ج 2 ص 288 و حكى عن العترة ان ذات عرق للعراقي (ح).

____________

(1) صحيح مسلم 2: 983- 437، سنن الترمذي 3: 272- 933، سنن النسائي 5: 112- 115، السنن الكبرى للبيهقي 4: 343، مجمع الزوائد 3: 278، الموطأ 1: 346- 65.

(2) الام 2: 150، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 161، بداية المجتهد 1: 336.

(3) المغني لابن قدامة 3: 207، بداية المجتهد 1: 336، الهداية للمرغيناني 1: 136، حلية العلماء 3: 27.

(4) نصب الراية 3: 13، سنن الترمذي 3: 194- 832، سنن أبي داود 2: 143- 1740.

309

فإن تعلقوا بما روي من أنه (عليه السلام) وقت لأهل المشرق ذات عرق (1).

فالجواب عنه إنا نقول: إنه ميقات، لكنه آخر ميقات أهل العراق، و الميقات الأول أفضل لأنه أسبق [1].

المسألة الحادية و الأربعون و المائة [التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من القران و الإفراد]

«التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من القران و الإفراد» [2].

هذا صحيح و إليه يذهب أصحابنا.

و قال الشافعي في قوله الجديد: التمتع أفضل من الإفراد، و له قول قديم: إن الإفراد أفضل (3).

و قال أحمد، و أصحاب الحديث: التمتع أفضل (4).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: القران أفضل من الجميع (5).

دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتقدم ذكره: أن التمتع بالعمرة إلى الحج مشقته أكثر، و كلفته أوفر، و الثواب على قدر المشقة فثبت أن التمتع أفضل.

فإن احتجوا بأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في حجته حج مفردا أو قارنا- على ما اختلف به

____________

[1] في (د) و (ط): «أشق»، بدل: «أسبق».

[2] حكى هذا في البحر عن الباقر و الصادق و احمد بن عيسى و إسماعيل و موسى ابني جعفر و لم يذكر الناصر (ح).

____________

(1) سنن الدار قطني 2: 235- 237. السنن الكبرى للبيهقي 5: 27، 28، نصب الراية 3: 12- 14.

(3) المجموع شرح المهذب 7: 151 و 152، حلية العلماء 3: 259، أحكام القرآن للجصاص 1: 356.

(4) المغني لابن قدامة 3: 232، الشرح الكبير 3: 232، حلية العلماء 3: 259.

(5) المبسوط للسرخسي 4: 25، الحجة للشيباني 2: 1، الهداية للمرغيناني 1: 153. اللباب في شرح الكتاب 1: 196، أحكام القرآن للجصاص 1: 356.

310

الرواية- (1)، و هو (عليه السلام) لا يفعل إلا الأفضل، فلو كان التمتع أفضل لما عدل عنه.

فالجواب عنه: إنا لو سلمنا أنه (عليه السلام) لم يحج متمتعا كان لنا أن نقول: إنه لم يتمتع لعذر أو لخوف فوت الحج، على أنه (عليه السلام) قد يفعل الأفضل من الأفعال و غير الأفضل.

المسألة الثانية و الأربعون و المائة [وقت الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها]

«وقت الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها» [1].

هذا صحيح، و يجوز عندنا أن ترمي النساء و الخائف بالليل.

و قال الشافعي: يجوز رمي جمرة العقبة ليلة النحر بعد نصف الليل (2).

و قال أبو حنيفة: لا يجوز قبل طلوع الشمس (3).

و قال الشافعي: لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال (4).

و قال أبو حنيفة: إذا رمى في اليوم الثالث قبل الزوال أجزأه (5).

دليلنا بعد الإجماع المتقدم ذكره على جواز الرمي بالليل: ما روته عائشة من «أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أرسل ليلة النحر أم سلمة فرمت قبل الفجر ثم أفاضت» (6).

____________

[1] كونه من الضحى حكاه عن العترة و احتج بحديث «حتى تطلع الشمس» و لم يقل في البحر «الى الغروب» بل ذكر ان آخر وقت أدائه فجر ثاني النحر و لم يذكر خلافا للناصر و لا وفاقا (ح).

____________

(1) صحيح البخاري 2: 655- 1464، صحيح مسلم 2: 875- 122، سنن ابن ماجة 2: 988- 2964، نصب الراية 3: 101.

(2) المجموع شرح المهذب 8: 180.

(3) بداية المجتهد 1: 365، المجموع شرح المهذب 8: 180

(4) المجموع شرح المهذب 8: 282، مغني المحتاج 7: 507.

(5) أحكام القرآن للجصاص 1: 395.

(6) سنن أبي داود 2: 194- 1942، السنن الكبرى للبيهقي 5: 133.

311

فإن قيل: إنه قد روي عنه (عليه السلام) أنه رمى من ضحى يوم النحر (1) و قال:

«خذوا عني مناسككم» (2).

قلنا: قد بينا أن المستحب الرمي في هذا الوقت، و إنما نجيزه في غيره للخائف و النساء.

المسألة الثالثة و الأربعون و المائة [القارن يطوف طوافين]

«القارن يطوف طوافين و يسعى سعيين» (3).

أما لفظة القارن عندنا فلا تقع إلا على من قرن بإحرامه سوق الهدي، و عندنا أن من ساق هديا مقترنا بإحرامه فعليه طوافان بالبيت و سعي واحد بين الصفا و المروة، فإن كان القارن في المسألة المذكورة التي حكيناها (من ساق الهدي مقترنا بإحرامه) فقد زيد فيها سعي ليس بواجب عندنا، و على من ادعى شرعا زائدا الدليل.

فإن كان يراد بالقارن ما يريده جميع الفقهاء- من أنه الجامع بين الحج و العمرة في إحرام واحد، فعندنا أنه لا يجوز الجمع بينهما في إحرام واحد، بل لا بد من إفراد العمرة من الحج، و التمتع [1] بالعمرة إلى الحج هو الذي يحرم أولا بالعمرة، و يطوف للعمرة و يسعى ثم يحرم للحج و يطوف لحجته و يسعى.

فإن كان المراد في المسائل بالقارن هو المتمتع فقد عبر عن الشيء بخلاف عبارته، و لعمري أن المتمتع بالعمرة إلى الحج مع إفراد العمرة من الحج يجب عليه طوافان و سعيان: طواف و سعي لعمرته، و طواف و سعي لحجته.

____________

[1] الأصح: المتمتع.

____________

(1) صحيح مسلم 2: 945- 314، سنن الترمذي 3: 241- 894، سنن أبي داود 2: 201- 1971، سنن النسائي 5: 270، جامع الأصول 3: 278- 1573.

(2) السنن الكبرى للبيهقي 5: 125، نصب الراية 3: 55.

(3) حكاه عن الناصر في البحر ج 2 ص 278 (ح).

312

فأما الدليل على أن القارن هو السائق للهدي- لا يجب عليه طواف زائد على طواف المفرد: فهو إجماع الطائفة و فيه الحجة، و قد بينا أن من ادعى في هذا الموضع سعيا زائدا فعليه الدليل.

المسألة الرابعة و الأربعون و المائة [من أخطأ في قتل الصيد فعليه جزاء واحد]

«من أخطأ في قتل الصيد فلا شيء عليه» [1].

عندنا: أن من قتل صيدا متعمدا قاصدا فنقض إحرامه كان عليه جزاءان، و إن قتله خطأ أو جهلا فعليه جزاء واحد.

و قال الشافعي: لا فرق في وجوب جزاء الصيد إذا فعله بين العمد و النسيان، و هو قول باقي الفقهاء غير أنهم لا يوجبون في العامد جزاءين (1) كما أوجبناه.

و الذي يدل على أنه يلزم المخطئ في قتل الصيد الجزاء: الإجماع المتقدم ذكره، و أظن أن لا خلاف فيه بين باقي الفقهاء.

المسألة الخامسة و الأربعون و المائة [من أوصى بالحج حج من جميع ماله بمنزلة الدين إن كان صرورة فإن كان قد حج فمن الثلث]

«من أوصى بالحج حج من جميع ماله بمنزلة (2) الدين إن كان صرورة، فإن كان قد حج فمن الثلث».

هذا صحيح، و الدليل على صحته إجماع الطائفة، لأنه إذا مات و عليه الحج فقد

____________

[1] ذكر المسألة في البحر و لم ينسبها الى الناصر و لا خلافا ج 2 ص 316 (ح).

____________

(1) المجموع شرح المهذب 7: 300، المغني لابن قدامة 3: 531، بداية المجتهد 1: 373، الهداية للمرغيناني 1: 169.

(2) حكاه عن الناصر في البحر ج 2 ص 295 (ح).

313

مات و في ذمته دين الله يجب قضاؤه، فعلى وصيه أن يخرج من ماله ما ينصرف إلى من يحج عنه، فإن تبرع متبرع بالحج عنه لم يخرج الوصي من ماله شيئا.

فأما من حج فلا شيء عليه و لا في ذمته من الحج لله تعالى، و ما وصى به إنما تبرع و تصرف [1]، و يجب أن يكون ذلك من ثلثه.

المسألة السادسة و الأربعون و المائة [الاستئجار على فعل الحج و العمرة جائز]

«الاستئجار على فعل الحج و العمرة جائز» [2].

الذي نذهب إليه أنه يجوز الاستئجار على الحج عن المعضوب [3]، و الميت، و إذا حج الأجير استحق الأجرة المسماة، و سقط الفرض عن المحجوج عنه، و وافقنا على ذلك الشافعي (3).

و قال أبو حنيفة: لا يجوز الاستئجار على الحج، فإذا استأجر من يحج عنه فالحج عن الفاعل له و ثوابه له، و إنما يحصل للمستأجر ثواب نفقته (4).

و الذي يدل على جواز النيابة في الحج و سقوط الفرض عن المحجوج عنه بعد الإجماع المتردد- ما روي من أن امرأة من خثعم أتت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخنا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أ فأحج عنه؟ فقال (عليه السلام): «نعم».

____________

[1] في (ط) و (د): «يتبرع و يصرف».

[2] لم أجده عن الناصر (عليه السلام) (ح).

[3] المعضوب: الضعيف. (الصحاح 1: 184)

____________

(3) الام 2: 135، حلية العلماء 3: 245، المجموع شرح المهذب 7: 120- 139، مغني المحتاج 1: 468- 469، المغني لابن قدامة 3: 180.

(4) المبسوط للسرخسي 4: 158، المغني لابن قدامة 3: 180، المجموع شرح المهذب 7: 139.

314

قالت: فهل ينفعه ذلك؟ فقال: «نعم، كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه» (1).

المسألة السابعة و الأربعون و المائة [من نذر حجة و عليه حجة الإسلام فلا بد من أن يحج حجتين]

«من نذر حجة و عليه حجة الإسلام أجزأته حجة واحدة» [1].

عندنا: أن من نذر حجة و عليه حجة الإسلام فلا بد من أن يحج حجتين، و لا يسقط عنه الفرضان بحجة واحدة.

الدليل على ذلك: أن النذر سبب للوجوب، و وجوب الحج بالنذر يخالف سببه سبب الحج الأول الأصلي، و لا يسقط الواجبان بفعل أحدهما.

و ليس يجري هذا مجرى ما يتداخل من الكفارات و الحدود، فيسقط بعضه بفعل بعض، لأن تلك عقوبات، فجاز أن يسقط بعضه بفعل بعض، و ليس كذلك الواجبات التي هي مصالح و عبادات.

____________

[1] لم أجده (ح).

____________

(1) صحيح مسلم 2: 973- 407، صحيح البخاري 3: 47- 113، سنن الترمذي 3: 267- 928، سنن أبي داود 2: 161- 1809، السنن الكبرى للبيهقي 4: 328، ليست في المصادر الجملة الأخيرة.

315

كتاب النكاح

316

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

317

المسألة الثامنة و الأربعون و المائة [أمهات النساء يحرمن بالعقد على بناتهن بمجرد العقد]

«أم المرأة لا تحرم بمجرد العقد» [1].

عندنا: أن أمهات النساء يحرمن بالعقد على بناتهن بمجرد العقد من غير اعتبار بالدخول، و وافقنا على ذلك جميع فقهاء الأمصار (1).

و روي خلاف في هذه المسألة عن مجاهد، و ابن الزبير [2]، و أنهما قالا: لا يحرمن إلا بعد الدخول (3).

دليلنا: الإجماع المتقدم ذكره.

و أيضا ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص [3] أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «من تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها، و لم تحرم عليه بنتها» (5).

فإن تعلقوا بقوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ إلى قوله:

____________

[1] لم أجده عن الناصر (ح).

[2] عبد الله عروة بن الزبير بن العوام القرشي، الأسدي، ولد سنة 26 هأحد الفقهاء السبعة بالمدينة. روى عن أبيه، و أخيه عبد الله، و امه أسماء، و خالته عائشة، و تفقه عليها، و حكيم بن حزام، و عنه أولاده، و سليمان بن يسار، و أبو سلمة بن عبد الرحمن، و الزهري. مات سنة 94 ه. انظر: وفيات الأعيان 3: 255- 416، تذكرة الحفاظ 1: 62، تهذيب التهذيب 7: 163- 352، طبقات الفقهاء للشيرازي: 26.

[3] أبو محمد عبد الله بن عمرو العاص السهمي القرشي، أسلم قبل أبيه، و كان مع معاوية في صفين، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عن أبيه، و أبي بكر، و عمر، و معاذ، و عنه أنس بن مالك، و أبو امامة و سعيد بن المسيب، و عروة مات سنة 63 ه. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 41، الطبقات الكبرى لابن سعد 4: 261، رجال الطوسي: 23.

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 3: 69، المبسوط للسرخسي 4: 199، المجموع شرح المهذب 16: 217، المغني لابن قدامة 7: 372، بداية المجتهد 2: 34.

(3) أحكام القرآن للجصاص 3: 69، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 106، المجموع شرح المهذب 16: 217.

(5) السنن الكبرى للبيهقي 7: 160، كنز العمال 16: 326- 44747.

318

وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (1) فشرط في تحريم أمهات النساء و الربائب الدخول.

فالجواب عنه: أن رجوع الشرط إلى الأمرين يحتاج إلى دليل، و لا دليل عليه، و لا خلاف في رجوعه إلى الربائب.

و قد روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: أبهموا ما أبهم الله (2).

و روي أيضا أنه قال: تحريم أمهات النساء مبهم (3).

فإما أن يكون قاله تفسيرا أو توقيفا، فان قاله توقيفا فالمصير إليه واجب، و إن قاله تفسيرا من قبل نفسه فلم يخالفه مخالف.

المسألة التاسعة و الأربعون و المائة [الزنا لا يوجب تحريم المصاهرة]

«الزنا لا يوجب تحريم المصاهرة» (4).

الذي يذهب إليه أصحابنا: أنه من زنا بامرأة جاز له أن يتزوج بأمها و ابنتها، سواء كان الزنا قبل العقد أو بعده.

و هو مذهب الشافعي، و الزهري، و الليث، و مالك، و ربيعة (5).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: إذا زنا بامرأة حرمت عليه أمها و بنتها، و هو قول الثوري، و الأوزاعي (6).

____________

(1) سورة النساء، الآية: 23.

(2) المغني لابن قدامة 7: 472، المبسوط للسرخسي 4: 199، الشرح الكبير 7: 475، البحر الزخار 4: 32.

(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 106.

(4) حكاه في البحر عن العترة ج 3 ص 37 (ح).

(5) المجموع شرح المهذب 16: 219، حلية العلماء 6: 376، بداية المجتهد 2: 34.

(6) أحكام القرآن للجصاص 3: 52- 53 المبسوط للسرخسي 4: 204، بداية المجتهد 2: 34.

319

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتردد ما روي عنه (عليه السلام) من قوله:

«لا يحرم الحرام الحلال» (1).

و في خبر آخر: «لا يفسد الحرام الحلال، و إذا فجر رجل بامرأة فلا عليه أن ينكح أمها و بنتها» (2)، و هذا نص في موضع الخلاف.

فإن قيل في الخبر الأول (لا يحرم الحرام الحلال) أنتم تذهبون إلى خلاف ذلك و تقولون: إن من تلوط بغلام فأوقبه لم تحل له امه و لا أخته و لا بنته أبدا.

قلنا: ظاهر الخبر يدخل فيه ما عارضتم به، و إنما أخرجنا منه المتلوط بدليل، و لا دليل على ما اختلفنا فيه يوجب تخصيص الظاهر.

المسألة الخمسون و المائة [الشهادة ليست بشرط في صحة النكاح]

«الشهادة معتبرة في صحة النكاح في أحد القولين (3)، و كذلك الولي (4)، و في الرواية الأخرى هما مستحبان».

الذي يذهب إليه أصحابنا أن الشهادة ليست بشرط في صحة النكاح، و ينعقد النكاح من دونها، و إن كانت الشهادة أفضل و أولى.

و قد حكي عن بعض الصحابة الموافقة لنا في أن الشهادة ليست بشرط في النكاح، و إلى ذلك ذهب داود (5).

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 3: 54، السنن الكبرى للبيهقي 7: 168، كنز العمال 16: 326- 44742، سنن الدار قطني 3: 268- 88- 89- 90، مجمع الزوائد 4: 268، سنن ابن ماجة 1: 649- 2015.

(2) السنن الكبرى للبيهقي 7: 169، كنز العمال 16: 327- 44750.

(3) حكاه في البحر عن العترة ج 3 ص 27 (ح).

(4) حكاه في البحر عن العترة ج 3 ص 23 (ح).

(5) المجموع شرح المهذب 16: 175، حلية العلماء 6: 365، المغني لابن قدامة 7: 339، البحر الزخار 4: 27.

320

فأما الولاية: فعندنا أن المرأة العاقلة البالغة تزول عنها الولاية في بعضها، و لها أن تزوج نفسها، و أن توكل من يزوجها.

و قال أبو حنيفة، و الشافعي و سائر الفقهاء سوى مالك-: إن الشهادة شرط في النكاح (1).

و قال مالك: من شرط النكاح ألا يتواصوا بالكتمان، فإن تواصوا بذلك لم يصح و إن حضرت الشهود، و إن لم يتواصوا به صح و إن لم تحضر الشهود (2).

و قال أبو حنيفة: إذا زوجت المرأة العاقلة نفسها بغير إذن وليها جاز النكاح، فإن كان الزوج كفؤا لها لم يكن للولي أن يعترض عليها، و إن لم يكن كذلك فله أن يفرق بينهما (3).

و قال أبو يوسف، و محمد: يقف النكاح على إجازة وليها، فإن أجازه جاز، و إن لم يجزه و كان كفؤا لها أجازه الحاكم (4).

و قال الشافعي: لا ينعقد النكاح إلا بولي ذكر على أي صفة كانت المنكوحة (5).

دليلنا على أن الشهادة ليست بشرط في النكاح بعد الإجماع المتردد: أن الأصل إلا شرط، لأن الشرط شرع و حكم زائد، فمن ادعاه كان عليه الدليل.

و أيضا قوله تعالى فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ (6).

____________

(1) المبسوط للسرخسي 5: 30، الهداية للمرغيناني 1: 190، المجموع شرح المهذب 16: 175، حلية العلماء 6: 365- 266، بداية المجتهد 2: 17، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 79.

(2) بداية المجتهد 2: 17- 18، الجامع الأحكام القرآن للقرطبي 3: 79، المدونة الكبرى 2: 193.

(3) المصدر السابق.

(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 101، المبسوط للسرخسي 5: 10.

(5) المجموع شرح المهذب 16: 150، حلية العلماء 6: 323، مغني المحتاج 3: 147.

(6) سورة النساء، الآية: 3.

321

و قوله تعالى وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ (1) و لم يشرط الشهادة، فمن ادعى أنها مشروطة فقد خالف الظاهر و عليه الدليل.

فإن تعلقوا بما روي عنه من قوله (عليه السلام): «لا نكاح إلا بولي و شاهدي عدل» (2).

فالجواب عنه: إن النفي محذوف في الكلام، و ليس لهم أن يضمروا في أن النفي وقع على الإجزاء بأولى منا إذا أضمرنا أنه وقع على الفضل، و يجري مجرى قوله (عليه السلام): «لا صدقة و ذو رحم محتاج» (3)، و قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (4).

فأما الدليل على أن المرأة العاقلة لها أن تزوج نفسها بعد الإجماع المتقدم قوله تعالى فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (5) فأضاف عقد النكاح إليها، فدل على أن لها أن تتولاه.

و أيضا قوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يَتَرٰاجَعٰا (6) فأضاف التراجع و هو عقد مستقبل إليهما.

و أيضا قوله تعالى فَإِذٰا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (7) فأباح فعلها في نفسها من غير شرط الولي.

____________

(1) سورة النور، الآية: 32.

(2) سنن الدار قطني 3: 225- 21، السنن الكبرى للبيهقي 7: 111، مجمع الزوائد 4: 286، نصب الراية 3: 167، كنز العمال 16: 308- 44637.

(3) من لا يحضره الفقيه 2: 38- 166، عوالي اللآلئ 2: 73- 194.

(4) سنن الدار قطني 1: 420- 1 و 2، السنن الكبرى للبيهقي 3: 57، 111، 174، نصب الراية 4: 413، كنز العمال 7: 650- 20737.

(5) سورة البقرة، الآية: 230.

(6) سورة البقرة، الآية: 230.

(7) سورة البقرة، الآية: 234.

322

فإن قيل: في الآية اشتراط المعروف، فدلوا على أن المرأة إذا زوجت نفسها قد فعلت معروفا و لم تأت منكرا، فإن مخالفكم يقول: إن تزويج الولي لها هو المعروف المراد.

قلنا: لا يجوز أن يكون المراد باشتراط المعروف عقد الولي عليها لا عقد نفسها لا يكون فعلا منها في نفسها، و الله تعالى أباح ذلك لها أن تفعله بنفسها، و لا يجوز أن يراد به عقد الولي عليها.

و أيضا قوله تعالى فَلٰا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوٰاجَهُنَّ إِذٰا تَرٰاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ (1) فأضاف العقد إليهن، و نهى الأولياء عن منعهن من ذلك.

و أيضا ما رواه ابن عباس عنه (عليه السلام) انه قال: «الأيم أحق بنفسها من وليها» (2) و مخالفنا يزعم أن وليها أحق بها من نفسها.

و أيضا ما روي: من أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) خطب أم سلمة رحمة الله عليها فقالت: ليس أحد من أوليائي حاضرا.

فقال (عليه السلام): «ليس أحد من أوليائك حاضرا و لا غائبا إلا و يرضى بي».

ثم قال لعمر بن أبي سلمة (3)- و كان صغيرا-: «قم فزوجها» (4) فقد تزوج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بغير ولي

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 232.

(2) صحيح مسلم 2: 1037- 66، سنن أبي داود 2: 232- 2098، سنن الدار قطني 3: 241- 72- 73، سنن الترمذي 3: 416- 1108، سنن ابن ماجة 1: 601- 1870، سنن الدارمي 2: 138، السنن الكبرى للبيهقي 7: 115.

(3) أبو حفص عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي القرشي المدني، ربيب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة، شهد مع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الجمل، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أمه أم سلمة، و عنه ابنه، و سعيد بن المسيب، و عروة، و قدامة، و ثابت البناني و آخرون، مات سنة 83 ه. انظر: أسد الغابة 4: 79، تهذيب التهذيب 7: 401- 759، تاريخ بغداد 1: 194- 32.

(4) سنن النسائي 6: 81، جامع الأصول 11: 410- 8947.

323

فإن احتج المخالف بما روي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) من قوله: «أيما امرأة أنكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (1).

فالجواب عنه: أن هذا خبر مطعون عليه، مقدوح فيه بما هو معروف في الكتب، و تأويله إذا كان صحيحا- أن يحمل على الأمة إذا تزوجت بغير إذن مولاها، فإن الولي و المولى بمعنى واحد، و قد روي في بعض الروايات: «أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها» (2).

فان قيل في الخبر ما يمنع من حمله على الأمة، و هو قوله: «فإن دخل بها فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها» (3) فالمهر لا يكون للأمة بل للمولى.

قلنا: يجوز أن يضاف إليها للعلقة التي بينه و بينها و إن كان ملكا للمولى، كما قال (عليه السلام): «من باع عبدا و له مال» (4) فأضاف المال إلى العبد و إن كان للمولى.

فإن تعلقوا بما روي من أنه قال: «لا نكاح إلا بولي» (5).

فعندنا أن المرأة إذا زوجت نفسها فذلك نكاح بولي، لأن الولي هو الذي يملك الولاية للعقد، و من يدعي أن لفظ الولي لا يقع إلا على الذكر مبطل، لأنه يقع على الذكر و الأنثى، لأنه يقال: رجل ولي، و امرأة ولي، كما يقال: (وصي) فيهما.

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 103، سنن الدار قطني 3: 221- 10، سنن الترمذي 3: 407- 1102، السنن الكبرى للبيهقي 7: 105، كنز العمال 16: 309- 44643، مسند أحمد 6: 66، مجمع الزوائد 4: 285.

(2) سنن أبي داود 2: 229- 2083، أحكام القرآن للجصاص 2: 103، السنن الكبرى للبيهقي 7: 105، مسند أحمد 6: 166.

(3) سنن أبي داود 2: 229- 2083، أحكام القرآن للجصاص 2: 103، السنن الكبرى للبيهقي 7: 105، مسند أحمد 6: 66 و 166، مجمع الزوائد 4: 285.

(4) سنن أبي داود 3: 268- 3435، سنن الترمذي 3: 546- 1244، جامع الأصول 1: 602- 447.

(5) سنن أبي داود 2: 229- 2085، سنن الدار قطني 3: 219- 4، سنن الدارمي 2: 137، السنن الكبرى للبيهقي 7: 107، مجمع الزوائد 4: 286، سنن الترمذي 3: 407- 1101.

324

المسألة الحادية و الخمسون و المائة [النكاح لا يفتقر في صحته إلى الشهادة]

«و ينعقد النكاح بشهادة رجل و امرأتين في إحدى الروايتين [1]».

و أما الذي يذهب إليه أصحابنا: فهو أن النكاح لا يفتقر في صحته إلى الشهادة، و إذا شهد النساء منفردات أو مع رجل لم يخل ذلك بصحته، لأنه لا يفتقر إلى الشهادة، فوجود من ليست له صفة الشاهد كعدمه. غير أنا نقول: إنه لا يقبل في النكاح شهادة النساء، كما لا يقبل في الطلاق و الحدود.

و قال أبو حنيفة: النكاح ينعقد بشهادة رجل و امرأتين (1).

و قال الشافعي: لا ينعقد (2).

و إذا كان مذهبنا هو ما تقدم من أن النكاح لا يفتقر إلى الشهادة و ينعقد من دونها فلا معنى الكلام في الخلاف الذي حكيناه بين أبي حنيفة [و الشافعي] فإنا بمعزل عنه.

المسألة الثانية و الخمسون و المائة [لا ينعقد النكاح بلفظ الهبة]

«و ينعقد النكاح بلفظ الهبة [2]».

عندنا: أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة، و إنما ينعقد النكاح المؤبد بأحد لفظين: إما النكاح أو التزويج.

____________

[1] جعلهما في البحر قولين للناصر ج 3 ص 27 (ح).

[2] في البحر انه ينعقد بكل لفظ تمليك يعنى بنية التزويج و لم يحك عن الناصر (ح).

____________

(1) المبسوط للسرخسي 5: 32، الهداية للمرغيناني 1: 190، حلية العلماء 6: 366، الميزان الكبرى 2: 111.

(2) المجموع شرح المهذب 16: 198، حلية العلماء 6: 366، المغني لابن قدامة 7: 341، الميزان الكبرى 2: 111، مغني المحتاج 3: 144.

325

فأما نكاح المتعة فينعقد بما ينعقد به المؤبد من الألفاظ، و قوله: أمتعيني نفسك، و أوجزيني أيضا.

و وافقنا الشافعي على أن النكاح لا ينعقد إلا باللفظين اللذين ذكرناهما (1).

و قال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بكل لفظ يقتضي التمليك كالبيع، و الهبة، و التمليك، فأما ما لا يقتضي التمليك كالرهن و الإباحة فلا ينعقد به، و في الإجارة عنده روايتان أصحهما أنه لا ينعقد بها (2).

و قال مالك: إن ذكر المهر مع هذه الألفاظ انعقد، و إن لم يذكره لم ينعقد (3).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتردد، و أيضا قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ أَزْوٰاجَكَ إلى قوله وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرٰادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهٰا خٰالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (4) فجعل النكاح بلفظ الهبة من جملة ما خص الله تعالى به نبيه (عليه السلام)، فثبت أنه مخصوص بذلك.

و ليس لأحد أن يحمل قوله تعالى خٰالِصَةً لَكَ على أن المراد به سقوط المهر.

و ذلك أن الكناية بقوله خٰالِصَةً لَكَ يجب رجوعه إلى مذكور متقدم، و الذي تقدم ذكره هو الموهوبة و قبول نكاحها دون سقوط المهر، فيجب عود الكناية إلى ما ذكرناه.

____________

(1) المجموع شرح المهذب 16: 210، حلية العلماء 6: 368، المغني لابن قدامة 7: 429، بداية المجتهد 2: 5.

(2) المبسوط للسرخسي 6: 59، الهداية للمرغيناني 1: 189- 190، شرح فتح القدير 3: 105، اللباب في شرح الكتاب 3: 10.

(3) المجموع شرح المهذب 16: 210، المغني لابن قدامة 7: 429، الشرح الكبير (ضمن كتاب المغني) 7: 371.

(4) سورة الأحزاب، الآية: 50.

326

و ليس لأحد أن يقول: لفظ الهبة يقتضي سقوط البدل (1)، فقوله وَهَبَتْ نَفْسَهٰا يقتضي سقوط المهر، و تعود الكناية إليه، و ذلك أن الكناية يجب عودها الى اللفظ دون المعنى، على أنا نحمل الكناية على أنها عائدة إلى الأمرين فلا تنافي بينهما، و يقف مجمل الكناية على ما ذكرتم لا يفيد تخصيص النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بما ليس لغيره، لأن غيره قد ينكح بلا مهر، و هو العبد إذا زوجه سيده بأمته، فإن المهر لا يجب هاهنا في الابتداء و الانتهاء.

و ليس له أن يقول: إن المراد ب خٰالِصَةً لَكَ أنك إذا قبلت نكاحها صار خالصا لك.

و ذلك أن هذا التأويل يبطل أيضا الاختصاص، لأن غير النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا تزوج امرأة خلصت له دون كل أحد.

و أيضا فإنه لا خلاف في أن النكاح ينعقد بما ذهبنا اليه من اللفظ، فمن ادعى أنه ينعقد بزائد على ذلك فقد ادعى شرعا يزيد على ما أجمعنا عليه فتلزمه الدلالة دوننا.

فإن تعلق المخالف بما روي: من أن المرأة جاءت إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت:

يا رسول الله إني قد وهبت لك نفسي.

فقال (عليه السلام): «مالي في النساء من حاجة».

فقام إليه رجل فقال: زوجنيها يا رسول الله.

فقال: «ملكتكها بما معك من القرآن» (2).

____________

(1) في (ج): «سقوط المهر».

(2) سنن أبي داود 2: 236- 2111، سنن الترمذي 3: 421- 1114، السنن الكبرى للبيهقي 7: 144، سنن الدارمي 2: 142.

327

و إذا ثبت جوازه بلفظ التمليك ثبت بلفظ الهبة، لأن أحدا لا يفصل بين الأمرين.

و الجواب عن هذا الخبر بعينه ما روي: أنه (عليه السلام) قال له: «زوجتكها»، و قيل: إن الراوي غلط في نقله «ملكتكها» فأقل ما في الباب أن نتوقف مع الاشتباه، فلا يكون في الخبر دليل لهم.

فإن تعلقوا: بأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان له أن يعقد النكاح بلفظ الهبة لا محالة، فيجب أن يجوز [1] ذلك لغيره، لقوله تعالى فَاتَّبِعُوهُ (2) و قوله تعالى لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (3).

فالجواب عن ذلك: أنا إنما أمرنا باتباعه في الأفعال الواجبات و المندوبات دون المباحات، و النكاح مباح جار مجرى الأكل و الشرب اللذين لم نؤمر باتباعه فيهما، على أن ذلك لو كان عموما لأخرجنا غيره منه بالأدلة التي ذكرناها.

المسألة الثالثة و الخمسون و المائة [الكفاءة في الدين معتبرة في النكاح]

«الكفاءة معتبرة في النكاح، و الكفؤ في الدين و في النسب روايتان» [2].

الذي يذهب إليه أصحابنا أن الكفاءة في الدين معتبرة، لأنه لا خلاف بين الأمة في أنه لا يجوز أن يزوج المرأة المسلمة المؤمنة بالكفار.

و أما الكفاءة في النسب فليست شرطا في النكاح، و لم يختلف الفقهاء في أن عدم

____________

[1] في (ج): «أن يكون».

[3] أفاد في البحر انهما قولان للناصر في اعتبار كفاءة النسب و عدمه ج 3 ص 49 (ح).

____________

(2) سورة الانعام، الآية: 153.

(3) سورة الأحزاب، الآية: 21.

328

الكفاءة لا يبطل النكاح، إلا ما حكي عن ابن الماجشون [1]، فإنه ذهب إلى أنها شرط في صحته (2).

و قال أبو حنيفة: و الشافعي: إذا زوجت المرأة نفسها بغير كفؤ [2] كان لأوليائها أن يفسخوا ذلك العقد، لأنها أدخلت عليهم عارا و نقصا، فإن رضي أحد الأولياء بذلك العقد الذي هو مع غير كفؤ و لم يرض الباقون لم يكن لباقي الأولياء أن يعترضوا على ذلك و لا يفسخوه (4).

و قال أبو يوسف، و الشافعي: للأولياء [3] أن يفسخوه و يعترضوا فيه (6).

و شرائط الكفاءة عند الشافعي ست: التساوي في النسب، و الحرية، و الصناعة، و السلامة من العيوب، و الدين، و اليسار على أحد الوجهين (7).

و ذهب أبو حنيفة إلى أن الشرائط أربع، و أخرج الصناعة و اليسار (8).

و قال أبو يوسف: هي خمس، فزاد الصناعة (9).

____________

[1] أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون التيمي، الفقيه صاحب مالك، مفتي أهل المدينة في زمانه، روى عن أبيه، و مالك، و إبراهيم بن سعد و غيرهم، و عنه أبو الربيع، و عبد الملك بن حبيب الفقيه المالكي، و علي بن حرب الطائي و غيرهم. مات سنة 212 ه. انظر: تهذيب التهذيب 6: 361، الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 442، ميزان الاعتدال 2: 658، وفيات الأعيان 3: 166- 377.

[2] في (د) و (ط): «كفولها».

[3] في (م): «لباقي الأولياء».

____________

(2) المجموع شرح المهذب 16: 185، البحر الزخار 4: 50.

(4) الهداية للمرغيناني 1: 201، شرح فتح القدير 3: 187، المبسوط للسرخسي 5: 25- 26 المجموع شرح المهذب 6: 185، حلية العلماء 6: 350، أحكام القرآن للجصاص 2: 101.

(6) المبسوط للسرخسي 5: 26، المجموع شرح المهذب 16: 186، حلية العلماء 6: 350.

(7) المجموع شرح المهذب 16: 182- 187، حلية العلماء 6: 351- 352، مغني المحتاج 3: 165- 167، المغني لابن قدامة 7: 374.

(8) انظر الهداية للمرغيناني 1: 202- 202، شرح فتح القدير 3: 188- 190.

(9) المصدر السابق.

329

و الذي يحتاج إليه أن يدل على أنه لا اعتبار بالنسب في الكفاءة و صحة العقد، و الذي يدل على ذلك الإجماع المتكرر ذكره.

و أيضا ما روي من أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر فاطمة بنت قيس [1] أن تنكح أسامة بن زيد [2] (3) و لم يكن كفؤا لها، لأنه مولى و هي حرة عربية.

و أيضا ما روي من أن سلمان [3] خطب إلى عمر بنته فأنعم له بذلك (5) و كان سلمان عجميا، فدل على أن الكفاءة في النسب غير معتبرة.

و أيضا قوله تعالى وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ (6) و كل ظاهر في القرآن يقتضي الأمر بالنكاح هو خال من الاشتراط في النسب.

____________

[1] فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية، الفهرية، كانت من المهاجرات الأول، طلقها زوجها ثلاثا فتزوجت بأسامة بن زيد بأمر من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، روت عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عنها الشعبي، و أبو سلمة، و النخعي و القاسم بن محمد بن أبي بكر و آخرون. ماتت في زمن معاوية. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 8: 273، أسد الغابة 5: 526، تهذيب التهذيب 12: 471- 2865.

[2] أبو محمد أسامة بن زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي استعمله رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) على جيش فيه أبو بكر و عمر، و عمره ثماني عشرة سنة، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عن أبيه، و أم سلمة و عنه ابناه الحسن و محمد و ابن عباس و أبو هريرة و أبو عثمان النهدي و أبو وائل و غيرهم. مات سنة 58 هانظر: الإصابة في تمييز الصحابة 1:

31- 89، الطبقات الكبرى لابن سعد 4: 61، تهذيب التهذيب 1: 182- 391.

[3] أبو عبد الله سلمان الفارسي مولى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) منزلته عظيمة أول الأركان الأربعة، و كفى في فضله قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «سلمان منا أهل البيت» و من حواريى أمير المؤمنين (عليه السلام) روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و عنه أنس، و ابن عباس، و أبو سعيد الخدري، و أبو عثمان النهدي، و أم الدرداء و غيرهم، مات سنة 36 ه. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 318، أسد الغابة 2: 328، تهذيب التهذيب 4: 1214- 233، رجال الطوسي: 20، 43، الخلاصة: 84، معجم رجال الحديث 8: 186.

____________

(3) صحيح مسلم 2: 1114- 36، سنن أبي داود 2: 285- 2284، سنن الترمذي 3: 441- 1135، مسند أحمد 6: 412، سنن الدارمي 2: 135، أحكام القرآن للجصاص 2: 128.

(5) المبسوط 5: 23، و حكاه في البحر الزخار 4: 50 عن أصول الأحكام.

(6) سورة النور، الآية 32.

330

فإن قيل: هو أيضا خال من اشتراط الدين.

قلنا: إنما اشترطنا الدين بالدليل و الإجماع، و إلا فالظاهر لا يقتضي اشتراطه.

المسألة الرابعة و الخمسون و المائة [و يقف النكاح على الفسخ و الإجازة في أحد القولين]

«و يقف النكاح على الفسخ و الإجازة في أحد القولين، و لا يقف في القول الآخر».

هذا صحيح و يجوز أن يقف النكاح عندنا على الإجازة، و وافقنا على ذلك أبو حنيفة (1).

و قال الشافعي: لا يصح النكاح الموقوف على الإجازة، سواء كان موقوفا على إجازة الزوج أو الولي أو المنكوحة (2).

و قال مالك: يجوز أن يقف العقد مدة يسيرة، و إن تطاولت المدة بطل (3).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتردد، و ما رواه ابن عباس، أن جارية بكرا أتت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فذكرت: أن أباها زوجها و هي كارهة، فخيرها النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (4).

و هذا يدل على أن النكاح يقف على الإجازة و الفسخ.

و أيضا ما روي في خبر آخر: أن رجلا زوج ابنته و هي كارهة، فجاءت إلى

____________

(1) المبسوط للسرخسي 5: 2- 15، شرح فتح القدير 3: 198، الهداية للمرغيناني 1: 203، المجموع شرح المهذب 16: 154، اللباب في شرح الكتاب 3: 21.

(2) المجموع شرح المهذب 16: 154، المغني لابن قدامة 7: 410.

(3) المجموع شرح المهذب 16: 154.

(4) السنن الكبرى للبيهقي 7: 117، سنن أبي داود 2: 232- 2096، جامع الأصول 11: 463- 9012.

331

النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت: زوجني أبي- و نعم الأب- من ابن أخيه، يريد أن يرفع بي خسيسة. فجعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أمرها إليها.

فقالت: أجزت [1] ما صنع بي أبي، و إنما أردت أن اعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمر النساء شيء (2).

و روي في بعض الأخبار أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لها: «أجيزي ما صنع أبوك» [2] و أبوها ما صنع إلا العقد، فدل على أنه كان موقوفا على الإجازة.

فإن قيل: لما زوجها أبوها غير كفؤ لها كان لها حق الفسخ، و أراد بقوله:

«أجيزي» أي لا تفسخي.

قلنا: إبطال حق الفسخ لا يكون إجازة للعقد، لأن العقد جائز مع بقاء حق الفسخ.

فإن تعلقوا بما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (4) فقالوا: أنتم تقولون إن هذا العقد كان صحيحا لا يبطل بل يقف على الإجازة.

فالجواب: أن الولي إذا أجاز هذا العقد كان صحيحا و لم يعر من إجازة الولي، و لم يرد (عليه السلام) أن العقد إذا تعرى في حال وقوعه من إذن الولي كان باطلا، بل أراد تعريه من إذنه على كل حال، و المرأة إذا عقدت على نفسها ثم أجاز الولي فهو عقد

____________

[1] في (ن) «اخترت».

[2] لم نعثر عليه.

____________

(2) سنن النسائي 6: 87، جامع الأصول 11: 464- 9014، سنن ابن ماجة 1: 602- 1874، السنن الكبرى للبيهقي 7: 18، مسند أحمد 6: 136.

(4) سنن الدارمي 2: 137، سنن الدار قطني 3: 221- 10، سنن أبي داود 2: 229- 2083، سنن الترمذي 3: 407- 1102، أحكام القرآن للجصاص 2: 103، مسند أحمد 6: 66، مجمع الزوائد 4: 285.

332

بإذن الولي.

المسألة الخامسة و الخمسون و المائة [يجوز أن ينكح الصغار الآباء و الأجداد من قبل الآباء]

«لا يجوز نكاح الصغار إلا بالآباء» [1].

عندنا أنه يجوز أن ينكح الصغار الآباء و الأجداد من قبل الآباء، فإن عقد عليهن غير من ذكرناه كان العقد موقوفا على رضاهن بعد البلوغ.

و قال الشافعي: الأب و الجد يملكان الإجبار [2] على النكاح، و من عداهما من الأقارب لا يجوز (2).

و قال أبو حنيفة: يجوز للأخ، و ابن الأخ، و العم، و ابن العم أن يزوجوا الصغار (3).

و رووا عنه: أن كل من ورث بالتعصيب ملك الإجبار (4).

و في رواية أخرى عنه: أن كل من ورث ملك الإجبار عصبة كان أو غير عصبة [3].

و قال ابن أبي ليلى، و أحمد بن حنبل: الأب يجبر دون الجد (6) و قال مالك: الأب

____________

[1] حكى في البحر عن الناصر أن تزويج غير الأب و الجد موقوف فلا يصح ج 3 ص 56 (ح).

[2] في (ط) و (د) «الاجتياز»، و في (م) «الاخبار».

[3] لم أقف على هذا القول في المصادر المتوفرة.

____________

(2) المجموع شرح المهذب 16: 168، أحكام القرآن للجصاص 2: 342، المبسوط للسرخسي 4: 213- 219، بداية المجتهد 2: 7.

(3) المجموع شرح المهذب 16: 168، أحكام القرآن للجصاص 2: 342، حلية العلماء 6: 337، بداية المجتهد 2: 7.

(4) الهداية للمرغيناني 1: 198، شرح فتح القدير 3: 172، المبسوط للسرخسي 4: 220.

(6) المغني لابن قدامة 7: 382، حلية العلماء 6: 337.

333

يجبر البكر الكبيرة و الصغيرة و الجد يجبر الصغيرة دون الكبيرة (1).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتقدم: ما رواه عبد الله بن عمر قال:

زوجني خالي قدامة بن مظعون [1] بنت أخيه عثمان بن مظعون [2]، فأتى المغيرة بن شعبة أمها فأرغبها في المال، فمالت إليه و زهدت في.

فأتى قدامة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: يا رسول الله أنا عمها و وصي أبيها، زوجتها من عبد الله بن عمر، و قد عرفت فضله و قرابته، و ما نقموا منه إلا أنه لا مال له.

فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) «إنها يتيمة فإنها لا تنكح إلا بإذنها» (4).

فموضع الاستدلال منه: أن قدامة و هو عمها زوجها، فأبطل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نكاحها، و علل بأن اليتيمة لا تنكح إلا بإذنها، فدل على أنه لا ولاية للعم على بنت أخيه من طريق الإجبار.

فإن قيل: كانت بالغة، و قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) «إنها يتيمة» معناه أنها قريبة العهد باليتم.

قلنا: إن اليتيم اسم لغير البالغة شرعا و لغة، أما الشرع فقوله (عليه السلام): «لا يتم بعد الحلم» (5)، و أما اللغة: فإن أهلها لا يطلقون اسم اليتيم على البالغ الذي قد اكتهل أو

____________

[1] أبو عمرو قدامة بن مظعون بن وهب القرشي الجمحي من السابقين الأولين، له صحبة و شهد بدرا، ولاه عمر على البحرين ثم عزله عنها، مات سنة 30 ه. انظر: أسد الغابة 4: 198، الجرح و التعديل للرازي 7: 127، الإصابة في تمييز الصحابة 3: 228، رجال الطوسي: 26.

[2] أبو السائب عثمان بن مظعون بن حبيب الجمحي القرشي أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا و صحب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و شهد بدرا، و توفي بعدها في السنة الثانية من الهجرة، و دفن بالبقيع. انظر: أسد الغابة 3: 385، الإصابة في تمييز الصحابة 2: 464- 5453، العبر 1: 4.

____________

(1) حلية العلماء 6: 336- 337.

(4) سنن الدار قطني 3: 230- 37، السنن الكبرى للبيهقي 7: 120.

(5) كنز العمال 3: 178- 6045، تاريخ بغداد للخطيب 5: 299، نصب الراية 3: 219، مجمع الزوائد 4: 226.

334

قد شاب.

و معنى قوله: «إلا بإذنها» أنها لا تنكح إلا بعد أن تبلغ فيكون لها إذن، و لم يرد بذلك إثبات الإذن في الحال.

المسألة السادسة و الخمسون و المائة [من تزوج امرأة و سمى لها مهرا ثم مات قبل أن يدخل بها]

«من تزوج امرأة و سمى لها مهرا ثم مات قبل أن يدخل بها، فلها نصف ما سمى لها» (1).

الذي يذهب إليه أصحابنا: أن من سمى لامرأة مهرا و مات عنها قبل الدخول فلها جميع المهر، لأن الموت يجري مجرى الدخول في إيجابه كمال المهر، و على ذلك إجماع جميع الفقهاء بلا خلاف بينهم، و من خالف في ذلك فالحجة عليه تقدم الإجماع بخلافه.

المسألة السابعة و الخمسون و المائة [النكاح جائز و إن لم يذكر المهر]

«النكاح جائز و إن لم يذكر المهر، و لا مهر لها إذا لم يسم لها مهرا» [1].

عندنا: أن عدم ذكر المهر لا يخل بالنكاح، و من تزوج امرأة و لم يسم لها مهرا، فإن دخل بها كان عليه مهر مثلها، فإن طلقها قبل أن يدخل بها فليس لها عليه مهر،

____________

[1] لعله يعني إذا لم يدخل بها بل ماتت أو طلق فان دخل بها وجب مهر المثل بالدخول، و معنى هذا حكاه في البحر ج 3 ص 118 (ح).

____________

(1) حكاه في البحر عن الناصر ج 3 ص 117 (ح).

335

و لها [1] عليه متعة.

و اتفق الفقهاء على جواز النكاح بغير مهر يسمى، إلا أن مالكا يقول: إنه إذا شرط ألا مهر لها فالنكاح فاسد، فإن دخل بها صح النكاح و لها المهر لمثلها (2).

و لا خلاف في أن المرأة إذا لم يسم لها مهرا ثم وقع الدخول بها فإن لها مهر مثلها.

و اختلف الفقهاء في وجوب المتعة فيمن طلقت و لم يسم لها مهرا:

فقال أبو حنيفة و أصحابه: المتعة واجبة للتي طلقها قبل الدخول و لم يسم لها مهرا، فإن دخل بها فإنه يمتعها و لا يجبر عليها، و هو قول الثوري، و الحسن بن حي (3).

و زعم الأوزاعي أن أحد الزوجين إذا كان مملوكا لم تجب المتعة، و إن طلقها قبل الدخول و لم يسم لها مهرا (4).

و قال ابن أبي ليلى، و أبو الزناد [2]: المتعة ليست بواجبة [3]، إن شاء فعل و إن شاء لم يفعل لا يجبر عليها (7).

____________

[1] في (ج): «و لها في النكاح عليه».

[2] أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، من أئمة الاجتهاد، و فقيه أهل المدينة، و كان كاتبا لبني أمية، روى عن أنس، و أبي امامة، و سعيد بن المسيب، و علي بن الحسين (عليه السلام)، و عروة بن الزبير و آخرون. و عنه ابناه، و صالح بن كيسان، و الأعمش، و هشام بن عروة و آخرون. مات سنة 130 هانظر: تهذيب التهذيب 5:

178- 352، ميزان الاعتدال 2: 418- 4301، رجال الطوسي 96- 11.

[3] زاد في (ج): «المتعة- و إن طلقها قبل الدخول و لم يسم مهرا- ليست بواجبة».

____________

(2) انظر: المدونة الكبرى 2: 241 و 243.

(3) الهداية للمرغيناني 1: 205، شرح فتح القدير 3: 211، حاشية رد المحتار 3: 110، المبسوط للسرخسي 5: 82، بداية المجتهد 2: 96، أحكام القرآن للجصاص 2: 137.

(4) المجموع شرح المهذب 16: 390، حلية العلماء 6: 512، أحكام القرآن للجصاص 2: 137.

(7) أحكام القرآن للجصاص 2: 137.

336

و لم يفرقوا بين المدخول بها و غير المدخول بها، و بين من سمي لها و لم يسم.

و قال مالك، و الليث: لا يجبر أحد على المتعة سمى لها أم لم يسم، دخل بها أو لم يدخل، و إنما هو مما ينبغي أن يفعله و لا يجبر عليها (1).

و قال الشافعي: المتعة واجبة لكل مطلقة، و لكل زوجة إذا كان الفراق من قبله، إلا التي سمى لها و طلق قبل الدخول (2).

فأما الذي يدل على أن خلو عقد النكاح من ذكر مهر لا يفسده فهو بعد الإجماع المتردد قوله تعالى لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ مٰا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً (3) و الطلاق لا يقع إلا في النكاح الصحيح، فلو لم يكن النكاح صحيحا مع فقد ذكر المهر لكان الطلاق باطلا، و لا فرق في عدم ذكر [1] المهر بين السكوت عنه و بين أن يشرط ألا مهر.

و الذي يدل على وجوب المتعة قوله تعالى وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتٰاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (5). و في آية أخرى:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا فَمَتِّعُوهُنَّ وَ سَرِّحُوهُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا (6).

و ظاهر الأمر يقتضي الوجوب.

____________

[1] كلمة «ذكر» ساقطة من (ط) و (د).

____________

(1) بداية المجتهد 2: 96، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4: 200، المجموع شرح المهذب 16: 390، أحكام القرآن للجصاص 2: 137.

(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 137، حلية العلماء 6: 510، مغني المحتاج 3: 241.

(3) سورة البقرة، الآية: 236.

(5) سورة البقرة، الآية 236.

(6) سورة الأحزاب، الآية: 49.

337

المسألة الثامنة و الخمسون و المائة [و البرص مما يرد به النكاح]

«و البرص لا يرد به النكاح» [1].

عندنا: أن البرص مما يرد به النكاح، و كذلك العمى و الجذام و الرتق، و غير ذلك من العيوب المعدودة المسطورة، و متى رضي الزوج بشيء من ذلك لم يكن له الرد بعده، و وافقنا على ذلك الشافعي (1).

و قال أبو حنيفة: لا يثبت الخيار في النكاح لأجل العيب (2).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المقدم، ما رواه ابي بن كعب قال:

تزوج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بامرأة من غفارة، فلما خلا بها رأى بكشحها بياضا، فقال:

«ضمي إليك ثيابك، و الحقي بأهلك» (3).

و في بعض الأخبار فرد نكاحها، و قال: «دلستم علي» (4).

فإن قيل: يحتمل أن يكون طلقها و ردها.

قلنا: هذا تعليق الحكم بغير السبب المنقول، على أن الرد صريح في الفسخ، و هو كناية عن الطلاق، و حمل اللفظ على ما هو صريح فيه أولى.

____________

[1] أفاد في البحر انه قال للناصر ج 3 ص 60 و مفهومه أن له قولا خلافه (ح).

____________

(1) المجموع شرح المهذب 16: 268، حلية العلماء 6: 403، مغني المحتاج 3: 202، كفاية الأخيار 2: 37، بداية المجتهد 2: 50.

(2) المبسوط للسرخسي 5: 95، اللباب في شرح الكتاب 3: 24- 25، حلية العلماء 6: 404، الميزان الكبرى 2: 115.

(3) السنن الكبرى للبيهقي 7: 257، نيل الأوطار 6: 298، سبل السلام 3: 260.

(4) مجمع الزوائد 4: 300، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 153.

338

المسألة التاسعة و الخمسون و المائة [و العنة يرد بها النكاح]

«و العنة يرد بها النكاح» [1].

هذا صحيح، و الذي يقوله أصحابنا أن المرأة إذا تزوجت بزوج على أنه سليم فظهر أنه عنين انتظرت به سنة، فإن أمكنه الوطء و لو مرة فهو أملك بها، و إن لم يصل إليها في مدة السنة كان لها الخيار، و وافقنا على هذا الترتيب الشافعي (1).

و قال الحكم [2] و داود: لا تأثير للعنة في النكاح (3).

دليلنا بعد الإجماع المتردد ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «يؤجل العنين سنة فإن وطئ و إلا فرق بينهما» (4).

و روي عن عمر مثل ذلك بعينه، و عن ابن مسعود، و المغيرة مثله بعينه (5)، فقد صار إجماعا من الصحابة لأنه لم يكن مخالفا [3] لما ذكرناه.

____________

[1] حكاه في البحر عن الناصر و الباقر و الصادق و زيد و احمد بن عيسى و الداعي و المؤيد بالله و الامام يحيى بن حمزة ج 3 ص 64 (ح).

[2] أبو محمد الحكم بن عتيبة الكندي مولاهم الكوفي، شيخ الكوفة، صاحب سنة و أتباع، و من فقهاء أصحاب إبراهيم، و كان فيه تشيع، زيدي، بتري، روى عن إبراهيم، و النخعي، و القاضي شريح، و أبي وائل و سعيد بن جبير و خلق، و عنه مسعر، و الأوزاعي، و الأعمش، و أبو عوانة و آخرون، مات سنة 115 ه. انظر: أسد الغابة 1: 117، تهذيب التهذيب 2: 372- 756، رجال الطوسي 86، 114، 117، تنقيح المقال 1: 358، 360.

[3] كذا في النسخ و الظاهر «مخالف» بناء على ان «يكن» تامة.

____________

(1) المجموع شرح المهذب 16: 277 و 282، حلية العلماء 6: 407- 408، مغني المحتاج 3: 205.

(3) المجموع شرح المهذب 16: 279، حلية العلماء 6: 408، المحلى بالآثار 9: 205، المغني لابن قدامة 7: 603.

(4) التهذيب 7: 431- 1719، الاستبصار 3: 249- 894، السنن الكبرى للبيهقي 7: 227، كنز العمال 16:

570- 45911.

(5) سنن الدار قطني 3: 305- 221- 224 و 306- 225- 226، السنن الكبرى للبيهقي 7: 226- 227، كنز العمال 16: 570- 45910.

339

فإن قيل: روى أن امرأة أتت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت: يا رسول الله إن زوجي طلقني فبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير [1]، و انما أنا معه مثل هدبة الثوب، فقال (عليه السلام) «أ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ [2] لا، حتى تذوقي عسيلته و يذوق عسيلتك» (3) فأخبرته المرأة بعنة زوجها و لم يجعل لها الفسخ. قلنا: إنما لم يجعل (عليه السلام) لها الفسخ لأن الزوج لم يقر بالعنة و هي إنما تثبت بإقراره و على ان الزوج لم يكن عنينا و انما كان ضعيف الجماع بدلالة قوله (عليه السلام) حتى تذوقي عسيلته، و لا يكون ذلك، إلا مع التمكن من الجماع.

المسألة الستون و المائة [و لو ادعت امرأة أنها أرضعت الزوجين]

«و لو ادعت امرأة أنها أرضعت الزوجين فرق بينهما» [3].

الذي يقوله أصحابنا: إن شهادة النساء في الرضاع مقبولة على الانفراد، و في الولادة أيضا.

و بذلك قال الشافعي (4). و قال أبو حنيفة: تقبل في الولادة، و لا تقبل في الرضاع

____________

[1] عبد الرحمن بن الزبير بن باطا القرظي، له صحبة، هو الذي تزوج الامرأة التي طلقها رفاعة القرظي (الحديث). انظر: أسد الغابة 3: 292، تهذيب التهذيب 6: 155- 355.

[2] رفاعة بن سموأل القرظي من بني قريظة، و هو الذي طلق امرأته ثلاثا على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، و طلقها قبل أن يدخل بها فأرادت الرجوع الى رفاعة (الحديث). انظر: أسد الغابة 2:

181، الإصابة في تمييز الصحابة 1: 518- 2669.

[3] حكى في البحر عن العترة ان البينة رجلان و لم يحك عن الناصر كفاية النساء و حكى عن غيره كفاية أربع نسوة و قيل امرأتين و لم يذكر عن أحد كفاية امراة و قد ذكر الهادي في الأحكام مثل كلام الناصر و روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حديثا في ذلك (ح).

____________

(3) صحيح البخاري 7: 85- 187، صحيح مسلم 2: 1055- 1433، سنن النسائي 6: 146، مسند أحمد 6:

37، السنن الكبرى للبيهقي 7: 333، مجمع الزوائد 4: 340.

(4) المجموع شرح المهذب 20: 256، حلية العلماء 8: 278.

340

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

341

كتاب الطلاق

342

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

343

المسألة الحادية و الستون و المائة [لا يقع الطلاق بغير السنة في أحد القولين]

«لا يقع الطلاق بغير السنة في أحد القولين» (1).

هذا صحيح، عندنا: أن الطلاق لا يقع إلا على الوجه المسنون المشروع، و هو أن يطلق زوجته طلقة واحدة في طهر لإجماع فيه، و الشهادة معتبرة في الطلاق، و هذا معنى قولنا: طلاق السنة، فإن خالف في شيء لم يقع طلاقه.

و وافقنا باقي الفقهاء في أن الطلاق في الحيض أو في طهر فيه جماع بدعة، لكنهم ذهبوا إلى وقوعه، و وافقنا مالك و أبو حنيفة على أن الطلاق الثلاث في حال واحدة محرم، إلا أنهما يذهبان إلى أنه يقع (2).

و قال الشافعي: الطلاق الثلاث غير محرم (3).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتردد ذكره.

و أيضا فإن وقوع الطلاق إنما هو إثبات حكم شرعي، و قد ثبت أن هذه الأحكام تحصل و تثبت عند وقوع الطلاق على وجه السنة، فمن ادعى ثبوتها مع الطلاق البدعي فقد ادعي شرعا زائدا فعليه الدليل.

و أما الذي يدل على أن الطلاق الثلاث في الحال الواحدة بدعة و غير مسنون فهو قوله تعالى الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ (4) و ظاهر هذا الكلام الخبر و المراد به الأمر، لأنه لو لم يكن كذلك لكان كذبا، فكأنه تعالى قال: فطلقوهن مرتين، و لو قال ذلك

____________

(1) حكاه في البحر عن الناصر ج 3 ص 154 (ح).

(2) المبسوط للسرخسي 6: 4- 57، الهداية للمرغيناني 1: 227، بداية المجتهد 2: 63، المجموع شرح المهذب 17: 87، حلية العلماء 7: 22.

(3) المجموع شرح المهذب 17: 84- 86، مغني المحتاج 3: 311، السراج الوهاج: 421، بداية المجتهد 2: 63، أحكام القرآن للجصاص 2: 75.

(4) سورة البقرة، الآية: 229.

344

لم يجز إيقاع تطليقتين بكلمة واحدة، لأن جميعها في كلمة واحدة فلم يطلق مرتين، كما أن من أعطى درهمين دفعة واحدة فلم يعطهما مرتين.

فإن قيل: فهذا يقتضي جواز إيقاع الطلقتين في طهر واحد و أنتم تأبون ذلك.

قلنا: إذا ثبت وجوب تفريق الطلقتين، فلا أحد يذهب الى وجوب تفريقهما في طهرين إلا و أوجب تفرقهما في طهر واحد.

و أيضا ما روي عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: كان الطلاق الثلاث على عهد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أبي بكر و صدرا من أيام عمر طلقة، فقال عمر: لقد تعجلتم أمرا كان فيه أناة، و ألزمهم الثلاث (1).

و أيضا ما روي عن ابن عمر أنه قال: طلقت امرأتي و هي حائض ثلاثا، فأمرني النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أن أراجعها (2).

و أيضا ما روي عن ابن عمر، من أنه طلق امرأته و هي حائض، فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعمر: «مره فليراجعها، ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء» (3) فأمر (صلى الله عليه و آله و سلم) بالفصل بين التطليقتين بحيضة و طهر، و مخالفنا لا يوجب ذلك.

و في خبر آخر: أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لابن عمر: «ما هكذا أمرك ربك، و قد

____________

(1) صحيح مسلم 2: 1099- 15، سنن الدار قطني 4: 46- 137، السنن الكبرى للبيهقي 7: 336، جامع الأصول 7: 597- 5757.

(2) صحيح البخاري 7: 82- 181، سنن الترمذي 3: 478- 1175، سنن الدار قطني 4: 5- 6، سنن أبي داود 2: 255.

(3) صحيح مسلم 2: 1093- 1، سنن أبي داود 2: 255- 2179، سنن الدار قطني 4: 6- 7، سنن النسائي 6: 138، الموطأ 2: 576- 53، أحكام القرآن للجصاص 2: 62.

345

أخطأت السنة، و السنة أن تستقبل الطهر، و طلقها لكل قرء» (1) و هذا أيضا يمنع من إيقاع الثلاث في طهر واحد.

و أما تعلق من خالفنا بأن الطلاق الثلاث واقع بدعة بما رواه سهل بن سعد الساعدي قال: لا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بين العجلاني [1] و زوجته، فلما تلاعنا قال الزوج: إن أمسكتها فقد كذبت عليها، هي طالق ثلاثا، فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «لا سبيل لك عليها» (3).

و موضع الاستدلال منه: أن العجلاني كان قد طلق في وقت لم يكن له أن يطلق فيه، فطلق ثلاثا، فبين له النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حكم الوقت، و أنه ليس له أن يطلق في هذه الحالة، و لم يبين له حكم العدد، و لو كان محرما لبينه.

و الجواب عنه: أنه لا دلالة للشافعي في هذا الخبر، لأنه يذهب إلى أن الفرقة كانت واقعة بلعان الزوج، و انما قال: هي طالق ثلاثا بعد ما بانت منه و صارت أجنبية، فلم يكن لقوله حكم.

فإن ألزمنا وجوب الإنكار على عويمر العجلاني لأنه اعتقد جواز إيقاع الثلاث في كلمة واحدة.

أجبناه: بأنه كان يعتقد بأن طلاقه يلحقها بعد اللعان، و عندك أنه لا يلحقها،

____________

[1] عويمر بن أبيض العجلاني الأنصاري، صاحب اللعان الذي رمى زوجته بشريك بن سمحاء، فلاعن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بينهما، و ذلك في شعبان سنة تسع لما قدم من تبوك. انظر: أسد الغابة 4: 158، تهذيب التهذيب 8: 155- 315.

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 77، السنن الكبرى للبيهقي 7: 330، نصب الراية 3: 220، مجمع الزوائد 4: 336.

(3) صحيح مسلم 2: 1129- 1، صحيح البخاري 7: 104- 230، أحكام القرآن للجصاص 2: 86 و 95، سنن النسائي 6: 171، السنن الكبرى للبيهقي 7: 399، الموطأ 2: 566- 34.

346

لأنها أجنبية بعد اللعان، و لم ينكر (صلى الله عليه و آله و سلم) ذلك عليه بعد ذلك. و في ترك إنكار هذا هو عذرنا في ترك إنكار الأول.

و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «لا سبيل لك عليها» (1) ليس بإنكار و إنما هو إخبار لأنها صارت أجنبية منه، و هو محتمل لأنها صارت أجنبية باللعان أو بالطلاق.

فإن احتج من يذهب الى أن الطلاق الثلاث يقع سنة كان أو بدعة بما روي في حديث ابن عمر أنه قال للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أ رأيت لو طلقتها ثلاثا؟ فقال: «إذا عصيت ربك و بانت منك امرأتك» (2). فالجواب عنه أن قوله: «أ رأيت لو طلقتها ثلاثا»، لا تصريح فيه بأنني أفعل ذلك في حالة واحدة أو كلمة واحدة، و يجوز أن يكون المراد:

أنني أطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار بعد تخلل المراجعة، فقد يسمى من طلق امرأته ثلاثا في أطهار ثلاثة أنه مطلق ثلاثا، كما يسمى بذلك من طلق ثلاثا بكلمة واحدة.

فإن قيل: أي فائدة على هذا الجواب في قوله: «عصيت ربك» و في أي شيء عصى إذا كان الترتيب ما رتبتموه؟ [1].

قلنا: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) علم من زوجة ابن عمر الخير و البر و الموافقة له، و أنه متعد للصواب في فراقها، فتكون المعصية من حيث فارق خيرا موافقا بغير استحقاق.

و الوجه الآخر: أن إخراج الزوج نفسه من التمكن من مراجعة المرأة مكروه له، و من طلق ثلاثا في ثلاثة أطهار لا تحل له هذه المرأة إلا بعد نكاحها لغيره، و هو

____________

[1] في (ج): «ما رأيتموه».

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 95.

(2) صحيح مسلم 2: 1094- 3، سنن الدار قطني 4: 28- 77.

347

لا يدري مما ينقلب به قلبه، و لهذا حمل العلماء قوله فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (1) بأنه أراد به الواحدة ليملك المراجعة، بدلالة قوله لٰا تَدْرِي لَعَلَّ اللّٰهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذٰلِكَ أَمْراً (2) و من أبان زوجته بالتطليقات الثلاث في الأطهار الثلاثة و المراجعة بينها فقد حرمها على نفسه إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، و يكره له ذلك.

و الجواب الثاني في معنى الخبر: هو أن يحمل قوله: «بانت زوجتك» إذا خرجت من العدة، فإن المطلق ثلاثا بلفظ واحد تبين بالثلاث و هي بدعة، و إنما تبين له ان يطلق واحدة.

فإن قيل: ليس في الخبر أن زوجتك تبين بعد انقضاء العدة، و الظاهر أنها تبين في الحال.

قلنا: إذا كان الظاهر ما ادعيته فلنا أن نعدل عنه إلى إضمار فيه و زيادة عليه للأدلة التي قدمناها، كما نفعل ذلك في كتاب الله تعالى، فيترك [1] ظواهره و يزيد فيه الزيادات للأدلة القاطعة.

فإن تعلقوا بما روي أن عبد الرحمن [2] طلق امرأته «تماضر» ثلاثا (5).

فالجواب عنه: أنه ليس في الخبر أنه طلقها بلفظ واحد و في حالة واحدة، و يجوز أن يكون طلقها في أطهار ثلاثة يخللها مراجعة على ما تقدم ذكره، و هذه

____________

[1] في (ط) و (د): «فيؤول».

[2] أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد بن الحارث الزهري القرشي، أسلم و صحب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و شهد بدرا و سائر المشاهد، استخلفه عمر على الحج سنة روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و عن عمر، و عنه ابن عمر، و أنس بن مالك، و أبو سلمة، و المسور بن مخرمة. مات سنة 32 ه. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 2: 416- 5179، أسد الغابة 3: 313، الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 124، رجال الطوسي: 22.

____________

(1) سورة الطلاق، الآية: 1.

(2) سورة الطلاق، الآية: 1.

(5) سنن الدار قطني 4: 12- 33.

348

الطريقة يمكن أن تسلك في كل خبر يتعلقون به يتضمن وقوع طلاق ثلاث، فقد نبهنا على طريق الكلام فيه.

المسألة الثانية و الستون و المائة [الطلاق لا يتبع الطلاق حتى يتخلل بينهما المراجعة]

«الطلاق لا يتبع الطلاق، حتى يتخلل بينهما المراجعة في أحد القولين». [1]

هذا صحيح، و هو الذي تذهب إليه، و قد دللنا على أن الطلاق إذا وقع عقيب الطلاق من غير رجعة كان بدعة، و بينا أن الطلاق البدعي لا يقع و لا حكم له في الشرع، و في ما مضى من ذلك كفاية.

المسألة الثالثة و الستون و المائة [إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثا لم تطلق إلا واحدة]

«إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثا لم تطلق إلا واحدة» [2].

هذا صحيح و هو الذي يذهب إليه أصحابنا، و قد قال الشاذ منهم: أن الطلاق الثلاث لا يقع شيء منه (1). و المعول على ما قدمناه. و خالف جميع الفقهاء في ذلك.

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتردد ذكره.

و أيضا فإن من قال لزوجته: أنت طالق ثم قال ثلاثا، و تكاملت شرائط

____________

[1] حكى في البحر عن الناصر القول بوقوعه من دون تخلل الرجعة ج 3 ص 175 لظاهر قوله تعالى الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ قلت: فعلى هذا يكون عنده غير بدعي (ح).

[2] قال المؤيد بالله في شرح التجريد في مسألة وقوع الطلاق و لو متعددا طلقة واحدة قال: و هو المشهور عن الناصر (ا ه) (ح).

____________

(1) مختلف الشيعة: 586 (الهجري).

349

الطلاق كلها من طهر لإجماع فيه و شهادة و اختيار، فقد تلفظ بالواحد التي سنت له، و إنما أتبعها بلفظة «ثلاثا»، فلغى ما أتبعها به و سقط، و جرى مجرى أن يقول: أنت طالق و يتبعه بلفظ لا حكم له في الشريعة، مثل أن يقول: دخلت الدار و أكلت الخبز و ما جرى مجرى ذلك.

و قد علمنا أنه إذا أتبع هذه اللفظة و هي قوله: «أنت طالق» بكل لفظ لا يؤثر حكما في المطلقة فإن حكم اللفظة الاولى باق و واقع، و لا تأثير لما أتبعها به.

فإن قيل: لم يسن له أن يقول لها: «أنت طالق» ثم يقول، «ثلاثا» فيجب أن لا يقع طلاقه.

قلنا: و لم يسن له أن يقول لها: «أنت طالق» ثم يشتمها، أو يقذف غيرها، و مع ذلك فلو فعل خلاف ما سن له و بما يكون به عاصيا لم يخرج اللفظة الاولى من وقوع الطلاق بها و نفوذ حكمها.

و مما يدل أيضا على ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: «الطلاق الثلاث على عهد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أبي بكر، و صدرا من أيام عمر طلقة واحدة، فقال عمر: لقد تعجلتم أمرا كان لكم فيه أناة، و ألزمهم الثلاث (1)».

المسألة الرابعة و الستون و المائة [و إن قال لأربع نسوة له إحداكن طالق لم يقع الطلاق]

«و إن قال لأربع نسوة له: إحداكن طالق، فالاحتياط أن يطلق كل واحدة منهن، ثم يراجعهن جميعا» [1].

عندنا: أنه إذا لم يعين الطلاق في واحدة من نسائه حتى تتميز من غيرها لم يقع الطلاق.

____________

[1] لم أجده عن الناصر (ح).

____________

(1) صحيح مسلم 2: 1099- 15، سنن الدار قطني 4: 46- 137، السنن الكبرى للبيهقي 7: 337، جامع الأصول 7: 597- 5757.

350

و إذا قال لأربع نسوة أو أقل منهن: إحداكن طالق، فكلامه لغو لا حكم له.

و قال أبو حنيفة و أصحابه، و الثوري، و عثمان البتي [1] و الليث: إذا لم ينو واحدة بعينها- حين قال فإنه يختار أيتهن شاء، فيوقع الطلاق عليها و الباقيات نساؤه (2).

و قال مالك: إذا لم ينو واحدة بعينها طلق عليه جميع نسائه (3).

و قال الشافعي: إذا قال لامرأتيه: «إحداهما طالق ثلاثا» منع منهما حتى يتبين، فإن قال: لم أرد هذه، كان إقرارا منه بالأخرى (4).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتكرر ذكره.

و أيضا فإن المسنون في الطلاق المشروع فيه أن يسمي المطلقة، و يشير إليها بعينها، و يرفع الجهالة في أمرها، و إذا قال: إحداكن طالق فما ميز، و لا فرق، و لا بين، فهو بخلاف المشروع في الطلاق، و إنما يعرف وقوع حكم الطلاق بأن يشرع لنا، فإذا كان لا يشرع في ذلك و لا حكم له فلا تقع الفرقة به.

فأما ما يذهب إليه من يقول: إن الجميع يطلقن فبعيد من الصواب، و ما ذهب إليه من قال إنه يطلق واحدة لا بعينها هو أقرب إلى الحق على كل حال.

و إنما كان مذهب مالك بعيدا من الصواب لأن المطلقة واحدة و ان كانت بغير عينها، فكيف يجوز إيقاع الطلاق على الجميع؟

____________

[1] أبو عمرو عثمان بن مسلم البتي البصري، كوفي استوطن البصرة، من أصحاب الرأي، روى عن أنس بن مالك، و الشعبي، و عنه شعبة، و يزيد بن زريع، و الثوري، و ابن علية، و خلق. مات سنة 143 ه. انظر:

تهذيب التهذيب 7: 145- 321، ميزان الاعتدال 3: 59- 5580، تقريب التهذيب 2: 14.

____________

(2) شرح تنوير الإبصار (في هامش حاشية رد المحتار) 3: 291، الفتاوى الخانية 1: 452، المغني لابن قدامة 8: 429.

(3) المجموع شرح المهذب 17: 250، حلية العلماء 7: 117، المغني لابن قدامة 8: 429.

(4) المجموع شرح المهذب 17: 246- 250، حلية العلماء 7: 117، مغني المحتاج 3: 304 السراج الوهاج: 418.

351

و ليس هذا مثل أن يطلق امرأة بعينها ثم ينساها، لأن التحريم هناك تعلق بعين، و ها هنا تعلق لا بعين.

المسألة الخامسة و الستون و المائة [الخلع إذا تجرد عن لفظ الطلاق بانت به المرأة]

«الخلع فرقة بائنة، و ليست كل فرقة طلاقا كفرقة الردة و اللعان» [1].

عندنا: أن الخلع إذا تجرد عن لفظ الطلاق بانت به المرأة، و جرى مجرى الطلاق في أنه ينقص من عدد الطلاق. و هذه فائدة اختلاف الفقهاء في أنه طلاق أو فسخ، لأن من جعله فسخا لا ينقص به من عدد الطلاق شيئا، فتحل له و إن خلعها ثلاثا.

و قال أبو حنيفة و أصحابه، و مالك، و الثوري، و الأوزاعي، و البتي، و الشافعي في أحد قوليه: إن الخلع تطليقة بائنة (1).

و للشافعي قول آخر: أنه فسخ (2)، و روي ذلك عن ابن عباس، و هو قول أحمد، و إسحاق (3).

و الدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتقدم ذكره.

____________

[1] ذكر في البحر انه قول للناصر فكأن له قولين ج 3 ص 178 (ح).

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 95، المبسوط للسرخسي 6: 171، المجموع شرح المهذب 17: 15، بداية المجتهد 2: 69، الهداية للمرغيناني 2: 13، اللباب في شرح الكتاب 3: 64، المغني لابن قدامة 8: 180، المدونة الكبرى 2: 335، الام 5: 211، حلية العلماء 6: 541، مغني المحتاج 3: 268 و في (ن) و (م): «تطليقة ثانية» و في (ط) و (د): «تطليقة ثابتة».

(2) المجموع شرح المهذب 17: 15، بداية المجتهد 2: 669، المغني لابن قدامة 8: 180، حلية العلماء 6: 541، مغني المحتاج 3: 268.

(3) المجموع شرح المهذب 17: 15، بداية المجتهد 2: 69، المغني لابن قدامة 8: 180، حلية العلماء 6: 541.

352

و يدل على ذلك أيضا ما روي: من أن ثابت بن قيس [1] لما خلع زوجته بين يدي النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يأمره بلفظ الطلاق.

فلما خالعها قال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): «اعتدي»، ثم التفت إلى أصحابه و قال:

«هي واحدة» (2).

فهذا دلالة على أنه طلاق و ليس بفسخ، على أن الفسخ لا يصح في النكاح و لا الإقالة.

المسألة السادسة و الستون و المائة [و المختلعة لا يلحقها الطلاق]

«و المختلعة لا يلحقها الطلاق» [2].

و هذا صحيح، و إليه يذهب أصحابنا، و هو مذهب الشافعي (3).

و قال أبو حنيفة، و الثوري، و الأوزاعي: يلحقها الطلاق ما دامت في العدة (4).

و قال الحسن، و مالك: يلحقها الطلاق عن قرب.

فمالك يقول: إذا خالعها فوصل بالطلاق الخلع، فإن لم يصل به لم يلحقها.

و الحسن يقول: إن طلقها في المجلس لحق، و إن تفرقا عن المجلس ثم طلق لم يلحقها (5).

____________

[1] ثابت بن قيس: أبو محمد بن شماس بن مالك بن امرئ القيس الخزرجي، المدني خطيب الأنصار، شهد أحدا و ما بعدها، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عنه أولاده، و أنس بن مالك، و ابن أبي ليلى، قتل يوم اليمامة سنة 12 ه.

انظر: تهذيب التهذيب 7: 11- 17، أسد الغابة 1: 229، رجال الطوسي: 11.

[2] ذكره في البحر تفريعا على المسألة الماضية أي على كونه فسخا متصلا بالمسألة (ح).

____________

(2) سنن أبي داود 2: 269- 2229، سنن الترمذي 3: 491- 1185.

(3) المجموع شرح المهذب 17: 31، المغني لابن قدامة 8: 184، الام 5: 213، حلية العلماء 6: 553، البحر الزخار 4: 180.

(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 96، المبسوط للسرخسي 6- 175، المغني لابن قدامة 8: 184، حلية العلماء 6: 554، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 147.

(5) بداية المجتهد 2: 96، المجموع شرح المهذب 17: 31، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 147، حلية العلماء 6: 554.

353

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتردد: أن الطلاق لا يقع عندنا عقيب الطلاق إلا بعد رجعة، فأما أن يقع طلاق على مطلقة بغير رجعة تتخلل فغير صحيح، و قد دللنا قبل هذه المسألة على هذا الموضع.

و إذا كان الخلع طلاقا بائنا فلا يجوز أن يقع في المختلعة طلاق، إلا بأن يعقد عليها عقدا جديدا، لأن الطلاق على ما تقدم لا يتبع الطلاق.

فأما الشافعي فهو و إن وافقنا في هذه المسألة، فإنه يسلك في نصرة مذهبه طرقا من القياس معروفة، فيقول: إذا كانت المختلعة لا يستباح وطؤها إلا بنكاح جديد و لا يلحقها الطلاق كالأجنبية، و لا خصائص النكاح من اللعان، و الظهار، و الإيلاء، و الرجعة، و التوارث مرتفعة عن المختلعة فلا يلحقها الطلاق (1).

المسألة السابعة و الستون و المائة [يصح أن يخلع امرأة على أكثر مما قد أعطاها و أقل منه]

«لا يأخذ الزوج إلا ما أعطاها، أو دون ما أعطاها» (2).

عندنا: أنه يصح أن يخلع امرأة على أكثر مما قد أعطاها و أقل منه، و على كل قدر [1] تراضيا به، و إنما يقول أصحابنا في المبارأة: إنه لا يجوز على أكثر مما أعطاها.

و قال الشافعي: يجوز الخلع بالمهر الذي عقد عليه النكاح، و أكثر منه و أقل (3).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: إذا كان النشوز من قبل المرأة جاز له أن يأخذ منها ما أعطاها و لا يزداد، فإن كان النشوز من قبله لم يحل له أن يأخذ منها شيئا، فإن

____________

[1] في (د) و (ط) و (ن): «شيء» بدل: «قدر».

____________

(1) الام 5: 213.

(2) حكاه في البحر ج 3 ص 183 عن الناصر (ح).

(3) الام 5: 215، المجموع شرح المهذب 17: 8، بداية المجتهد 2: 67، مغني المحتاج 3: 265، السراج الوهاج: 402، الشرح الكبير 8: 192.

354

فعل جاز في الفتيا (1).

و قال الزهري، و أحمد، و إسحاق: لا يصح إلا بقدر المهر (2).

و الذي يدل على صحة مذهبنا بعد الإجماع المتقدم، قوله تعالى وَ لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّٰا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلّٰا أَنْ يَخٰافٰا أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (3) و لم يفرق بين القليل و الكثير.

و أما تعلقهم بحديث خولة [1] أنها لما شكت إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حال زوجها، فقال: «أ تردّين عليه حديقته»؟ فقالت: نعم، فأمره أن يأخذ منها ما ساق إليها و لا يزيد عليه.

فالجواب عنه: أن ذلك إنما جاز لأن الزوج لم يطلب أكثر من الحديقة و رضي به، لأنه روي في هذا الخبر أنه قال: يا رسول الله إني دفعت إليها حديقة هي خير مالي، فاردد بها علي، فقال لها النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «أ تردّين عليه حديقته»؟ فقالت: نعم، و إن شاء زدته، فأمره أن يأخذ منها ما ساق إليها، و لا يزيد عليه (5)، لأنه رضي بذلك. و إنما الخلاف إذا تراضى الزوجان على أكثر من المهر.

____________

[1] في المصادر ان اسمها «حبيبة» أو «جميلة» و الظاهر ان «خولة» اسم أمها، راجع شرح الزرقاني على الموطأ 3: 185.

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 91، الهداية للمرغيناني 2: 14، اللباب في شرح الكتاب 3: 64، الميزان الكبرى 2: 119.

(2) المجموع شرح المهذب 17: 8، المغني لابن قدامة 8: 175، الشرح الكبير 8: 193.

(3) سورة البقرة، الآية: 229.

(5) سنن ابن ماجة 1: 663- 2057، كنز العمال 6: 185- 15279، صحيح البخاري 7: 93- 198، أحكام القرآن للجصاص 2: 93، سنن الدار قطني 3: 255- 39، سنن النسائي 6: 169. لم يذكر «خولة» في المصادر.