المسائل الناصريات

- السيد المرتضى المزيد...
446 /
355

المسألة الثامنة و الستون و المائة [و لا يكون الزوج مؤليا حتى يدخل بأهله]

«و لا يكون الزوج مؤليا حتى يدخل بأهله» (1).

هذا صحيح و هو الذي يذهب إليه أصحابنا، و باقي الفقهاء يخالفون فيه (2).

و الذي يدل على صحة ما ذكرناه: الإجماع المتردد ذكره، و أيضا أنه لا خلاف في أن حكم الإيلاء شرعي، و قد ثبت بلا خلاف في المدخول بها، و من أثبته في غير المدخول بها فقد أثبت حكما شرعيا زائدا على ما وقع عليه الإجماع، فعليه الدليل.

فإن تعلقوا بقوله تعالى لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فٰاؤُ فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) فإن اللفظ عام لجميع النساء المدخول بهن و غير المدخول بهن.

فالجواب: أن اللفظ لو كان عاما على ما ادعي لجاز تخصيصه بدليل، كيف و في اللفظ ما يدل على التخصيص بالمدخول بها، لأنه تعالى قال فَإِنْ فٰاؤُ و المراد بالفئة العود الى الجماع بلا خلاف، و انما يعاود الجماع من دخل بها و اعتاد جماعها و هذا واضح.

المسألة التاسعة و الستون و المائة [العود هو إرادة استباحة ما حرمه الظهار من الوطء]

«العود في الظهار هو إرادة المماسة» (4).

ليس لأصحابنا نص صريح في تعيين ما به العود [1] في الظهار، و الذي يقوى في

____________

[1] في (ن) و (ط) و (د): «ماهية العود».

____________

(1) حكاه في البحر عن الناصر ج 3 ص 243 (ح).

(2) الام 5: 283، مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 301، المجموع شرح المهذب 17: 296، المغني لابن قدامة 8: 525، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 107.

(3) سورة البقرة، الآية: 226.

(4) حكاه في البحر عن العترة ج 3 ص 233 (ح).

356

نفسي أن العود هو إرادة استباحة ما حرمه الظهار من الوطء، و إذا كان الظهار اقتضى تحريما فأراد المظاهر دفعه فقد عاد.

و إلى هذا الذي ذكرناه ذهب أبو حنيفة و أصحابه (1) و بين أبو حنيفة عن حقيقة مذهبه بأن قال: إن كفارة الظهار لا تستقر في الذمة بحال، و لكن قيل للمظاهر: إذا أردت أن ترفع التحريم و تستبيح الوطء فكفر، و إن لم ترد أن تطأ فلا تكفر، فإن وطأ ثم لم يكفر لم تلزمه الكفارة، و لكن يقال له عند الوطء الثاني مثل ذلك (2)، و جرى ذلك مجرى قولهم: إذا أردت أن تصلي تطوعا فتطهر، لأن الطهارة شرط في صحة [1] الصلاة من غير أن تكون واجبة عليهم، كذلك قيل: إذا أردت أن تستبيح الوطء الذي حرمته بالظهار فقدم العتق، ليس لأن العتق يجب في ذمته، استباح الوطء أو لم يستبحه.

و قال الشافعي: العود هو أن يمسكها زوجة [2] بعد الظهار، مع قدرته على الطلاق (5).

و ذهب مالك، و أحمد إلى أن العود هو العزم على الوطء (6).

و ذهب الحسن، و طاوس، و الزهري إلى أن العود هو الوطء (7).

و ذهب داود إلى: أن العود هو تكرار لفظ الظهار (8).

____________

[1] في (م): «استباحة» بدل: «الصحة».

[2] في (ن): «زوجها».

____________

(1) المبسوط للسرخسي 6: 224 و 225، المجموع شرح المهذب 17: 359، اللباب في شرح الكتاب 3: 68، حاشية رد المحتار 3: 469، البحر الزخار 4: 233.

(2) أحكام القرآن للجصاص 5: 303، المجموع شرح المهذب 17: 359، حلية العلماء 7: 174- 175.

(5) أحكام القرآن للجصاص 5: 303، المجموع شرح المهذب 17: 359، بداية المجتهد 2: 105، حلية العلماء 2: 173.

(6) بداية المجتهد 2: 105، الجامع لأحكام القرآن 17: 280، المغني لابن قدامة 8: 575، حلية العلماء 7: 174.

(7) أحكام القرآن للجصاص 5: 303، المغني لابن قدامة 8: 575، حلية العلماء 7: 174، البحر الزخار 3: 233.

(8) المحلى بالآثار 9: 193، بداية المجتهد 2: 105، المغني لابن قدامة 8: 576، البحر الزخار 4: 233.

357

و ذهب مجاهد إلى أن الكفارة تجب بمجرد الظهار، و لا يعتبر العود (1).

و الدليل على بطلان قول مجاهد: إن الله تعالى جعل العود شرطا في وجوب الكفارة، فقال تعالى وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (2) فشرط العود [1] فمن أسقطه أسقط نصف الآية.

و أما الذي يبطل مذهب مالك و أحمد في أن العود هو العزم على الوطء: فهو أن موجب الظهار هو تحريم الوطء لا تحريم العزيمة، فيجب أن يكون العود هو الاستباحة، و لا يكون العود هو العزيمة، على أن العزيمة لا تأثير لها في سائر الأصول و لا تتعلق بها الأحكام و لا وجوب الكفارات، و لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «إن الله تعالى عفا لأمتي عما حدثت به نفوسها ما لم يتكلموا به، أو يعملوا به» (4).

و أما الذي يدل على فساد قول من ذهب إلى أن العود هو الوطء: فهو ظاهر الكتاب، لأن الله تعالى قال فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا (5) فلو كان العود هو الوطء لما أمر بإخراج الكفارة قبله.

فأما الذي يبطل مذهب الشافعي في أن العود هو إمساكها على النكاح: فهو أن الظهار لا يوجب تحريم العقد و ترك الفرقة و إمساك المرأة، فيكون العود هو إمساكها على النكاح، لأن العود إنما يقتضي الرجوع إلى أمر يخالف موجب الظهار، فدل ذلك على أن العود هو استباحة الوطء و رفع ما حرمه الظهار منه.

و أيضا قوله تعالى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا (6) و لفظ «ثم» يقتضي التراخي، فمن جعل

____________

[1] في (ج): «و شرط»، و في (ط) و (د): «بشرط».

____________

(1) حلية العلماء 7: 173.

(2) سورة المجادلة، الآية: 3.

(4) أحكام القرآن للجصاص 5: 305، سنن ابن ماجة 1: 658- 2040، مشكل الآثار 2: 251.

(5) سورة المجادلة، الآية: 3.

(6) سورة المجادلة، الآية: 3.

358

العود هو البقاء على النكاح فقد جعله عائدا عقيب القول بلا تراخ، و ذلك بخلاف مقتضى الآية.

و أما الكلام على من ذهب إلى أن العود هو أن يعيد القول مرتين فإجماع السلف و الخلف قد تقدم على خلاف هذا القول، و من جدد خلافا قد سبقه الإجماع لم يلتفت إلى خلافه.

فإن قال: إنما قلت ذلك لأنه تعالى قال ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا، فظاهر ذلك يقتضي العود في القول، لا في معناه و مقتضاه.

قلنا: أما الظاهر فلا يدل على قول من ذهب إلى أن العود هو اعادة القول مرتين، لأنه تعالى قال ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا الظاهر يقتضي العود في نفس القول لا في مثله، و إنما يضمر من ذهب إلى هذا المذهب لفظة المثل، و ليست في الظاهر، فقد عدل عن الظاهر لا محالة، و من حمله على ما ذكرناه فقد فعل الأولى، لأن الظهار إذا اقتضى تحريم الوطء فمن آثر رفع هذا التحريم و استباحة الوطء فقد عاد فيما قاله، لأنه قال ما اقتضى تحريمه و عاد يرفع تحريمه، فمعنى يعودون لما قالوا أي: يعودون للقول فيه كقوله (عليه السلام): «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» (1) و إنما هو عائد في الموهوب لا الهبة.

و كقوله: «اللهم أنت رجاؤنا» أي مرجونا.

و قال تعالى وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (2) يعني الموقن به.

و قال الشاعر:

و إني لأرجوكم على بطء سعيكم * * * كما في بطون الحاملات رجاء (3)

يعني مرجوا.

____________

(1) صحيح البخاري 3: 329، صحيح مسلم 3: 1241- 8، سنن الترمذي 3: 592- 1298، سنن ابن ماجة 2: 798- 2386، سنن الدار قطني 3: 43- 178، نصب الراية 4: 126.

(2) سورة الحجر، الآية: 99.

(3) أحكام القرآن للجصاص 5: 304.

359

المسألة السبعون و المائة [المتوفى عنها زوجها تعتد من يوم يبلغها نعي الزوج بخلاف المطلقة]

«المتوفى عنها زوجها تعتد من يوم يبلغها نعي الزوج و كذلك المطلقة» [1].

الذي يذهب إليه أصحابنا: أن الرجل إذا طلق امرأته و هو غائب عنها ثم ورد الخبر عليها بذلك و قد حاضت من يوم طلقها إلى ذلك الوقت ثلاث حيض- فقد خرجت من عدتها و لا عدة عليها بعد ذلك، و إن كانت حاضت أقل من ثلاث احتسب من العدة و ثبت عليها تمامها.

و إذا مات عنها في غيبته و وصل خبر وفاته إليها و قد مضت مدة اعتدت لو فاته من يوم بلوغ الخبر بالوفاة، و لم تحتسب بما مضى من الأيام.

و في أصحابنا من لم يفرق بين المطلقة و بين المتوفى عنها زوجها في الغيبة، و إنما يراعي في ابتداء العدة وقت وقوع الطلاق، أو الموت (1).

إلا أنه يراعي هذا القائل: أن يكون ما بين البلدين مسافة يمكن العلم معها بوقت الوفاة أو الطلاق.

فإذا كانت كذلك ثبت على ما تقدم، و راعت في العدة ابتداء الوفاة، فإن كانت المسافة لا يحتمل معها أن تعلم المرأة بالحال إلا في الوقت الذي علمت به، اعتدت من يوم يبلغها عدة كاملة.

و قال أبو حنيفة، و أصحابه، و مالك، و ابن سيرين، و الثوري، و ابن حي، و الليث، و الشافعي: عدة المطلقة و المتوفى عنها زوجها محسوبة من يوم الطلاق،

____________

[1] حكاه عن الناصر في العاقلة غير من أجلها وضع حملها ج 3 ص 211 (ح).

____________

(1) مختلف الشيعة: كتاب الطلاق: 614.

360

و يوم الوفاة (1).

و قال ربيعة: في الوفاة من يوم يأتيها الخبر، و هو قول الحسن البصري (2).

و روي عن ابن مسعود، و ابن عباس، و ابن عمر أنه من يوم مات و يوم طلق (3).

و الذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع من القول الأول الذي حكيناه باتفاق الفرقة عليه، و لا اعتبار بالشاذ.

و وجه الفرق بين المطلقة و المتوفى عنها زوجها أن المعتدة من الطلاق لا يجب عليها حداد، و إنما يجب أن تمتنع من الأزواج و هي و إن لم تعلم بطلاق زوجها ممتنعة من العقد عليها، فلم يضرها في مرور زمان العدة عليها فقد علمها.

و ليس كذلك المعتدة عن الوفاق، لأن الواجب عليها الحداد و هي عبادة، و لا يكفي فيها مرور الزمان.

و يمكن أن يستدل على ذلك أيضا بقوله تعالى وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً (4).

و التربص يقتضي قولا يقع من جهتين [1] و لا يجوز أن يكون المراد به مرور الزمان، لأن مرور الزمان من غير علم و لا تعمد لا يسمى تربصا.

____________

[1] في (ط) و (د): «جهتهن».

____________

(1) المبسوط للسرخسي 6: 31- 39، المجموع شرح المهذب 18: 154، الهداية للمرغيناني 2: 30، المغني لابن قدامة 9: 189، المدونة الكبرى 2: 429، حلية العلماء 7: 357، مغني المحتاج 3: 391- 397، السراج الوهاج: 451- 454.

(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 121 المغني لابن قدامة 9: 190.

(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 120- 121، المجموع شرح المهذب 18: 154، المغني لابن قدامة 9: 189.

(4) سورة البقرة، الآية: 234.

361

فإن قيل: فقد قال الله تعالى وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ (1).

فأضاف التربص إليهن، و أنتم تقولون إن مرور الزمان في المطلقة يكفي، قلنا: لو خلينا و الظاهر لقلنا في الأمرين قولا واحدا، لكن قام الدليل [1] على أنه المطلقة يكفي فيها مرور الوقت، و حملنا قوله وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ (3) على من علمت بوقت طلاقها منهن و لم يخف عليها.

المسألة الحادية و السبعون و المائة [إذا تزوجت المرأة في عدتها و دخل بها زوجها الثاني فرق بينهما و تعتد من الأول ثم من الثاني]

«إذا تزوجت المرأة في عدتها و دخل بها زوجها الثاني فرق بينهما، و تعتد من الأول، ثم من الثاني» [2] هذا صحيح، و ذهب إلى مثله الشافعي فقال: إذا طلق الرجل امرأته و نكحت في عدتها غيره و وطئها الثاني و هما جاهلان بتحريم الوطء فإن عليها العدة للثاني و بقية العدة للأول، و لا تتداخل العدتان (4).

و قال أبو حنيفة: تتداخل العدتان، فتأتي المرأة بثلاثة أقراء بعد مفارقتها للثاني، و يكون ذلك عن بقية عدة الأول و عن عدة الثاني (5).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: أن العدة حق لكل واحد من الزوجين، فلا

____________

[1] في (ط) و (د) و (ن) زيادة: «و حصل الإجماع».

[2] حكى في البحر عن العترة أنها تستبرأ من الثاني كالعدة ثم تتم الاولى ج 3 ص 225 (ح).

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 228.

(3) سورة البقرة: الآية: 228.

(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 134، المجموع شرح المهذب 18: 192- 193، المغني لابن قدامة 9: 121، مغني المحتاج 3: 392.

(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 134، المبسوط للسرخسي 6: 41، المجموع شرح المهذب 18: 152، الهداية للمرغيناني 2: 30، المغني لابن قدامة: 121.

362

مداخلة بينهما، و إنما [1] لم يملك الزوج إسقاط العدة لأن فيها حقا لله تعالى و ليست بحق خالص للآدمي.

و أيضا فعلى ما قلناه إجماع الصحابة، لأنه روي: أن امراة نكحت في العدة ففرق بينهما أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: «أيما امرأة نكحت في عدتها فإن لم يدخل بها زوجها الذي تزوجها فإنها تعتد من الأول و لا عدة عليها للثاني، و كان خاطبا من الخطاب، و إن كان دخل بها فرق بينهما، و تأتي ببقية العدة عن الأول، ثم تأتي عن الثاني بثلاثة أقراء مستقبلة» (2).

و روى مثل ذلك عن عمر بعينه (3).

و ان طليحة [2] كانت تحت رشيد الثقفي [3] فطلقها، فنكحت في العدة، فضربها عمر و ضرب زوجها بخفقة و فرق بينهما، ثم قال: أيما امرأة نكحت في عدتها فإن لم يدخل بها زوجها الذي تزوجها فإنها تعتد عن الأول، و لا عدة عليها للثاني و كان خاطبا من الخطاب، و إن كان دخل بها فرق بينهما، و أتت ببقية عدة الأول ثم تعتد عن الثاني، و لا تحل له أبدا (6) و لم يظهر خلاف لما فعل فصار إجماعا.

____________

[1] في (ط) و (د): «و إن».

[2] طليحة بنت عبد الله، كانت عند رشيد الثقفي فطلقها و نكحت في عدتها، و قيل إنها بنت عبيد الله. انظر:

أسد الغابة 5: 496، الإصابة في تمييز الصحابة 4: 355، الاستيعاب (بهامش الإصابة) 4: 355.

[3] رشيد الثقفي: ليس له في كتب التراجم ترجمة خاصة به، نعم ذكره بعضهم ضمن ذكره لزوجته طليحة و طلاقه لها. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 4: 355، أسد الغابة 5: 4496.

____________

(2) المجموع شرح المهذب 18: 152، المغني لابن قدامة 9: 122، مختلف الشيعة: 619.

(3) مختلف الشيعة: 619، المدونة الكبرى 2: 442، الموطأ 2: 536- 27.

(6) انظر: المصدر السابق.

363

كتاب البيوع

364

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

365

المسألة الثانية و السبعون و المائة [من باع بأكثر من سعر يومه مؤجلا]

«من باع بأكثر من سعر يومه مؤجلا فقد أربى» (1).

هذا غير صحيح، و ما أظن أن بين الفقهاء خلافا في جواز ذلك، و إنما المكروه أن يبيع الشيء بثمنين، بقليل إن كان الثمن نقدا، و بأكثر منه نسيئة.

فإذا تراضى المتبايعان بالثمن فإن كان بأكثر من سعر اليوم صح العقد بينهما عليه نقدا و نسيئة، لأن التأجيل قد يدخل الثمن مع التراضي كما يدخله التعجيل، و إنما يحمل مع الإطلاق على التعجيل.

المسألة الثالثة و السبعون و المائة [البيع لا يلزم بحصول الإيجاب و القبول ما لم يتفرق المتبايعان]

«البيع لا يلزم بحصول الإيجاب و القبول ما لم يتفرق المتبايعان بأبدانهما عن مكانهما» (2).

هذا صحيح و إليه يذهب أصحابنا، و هو مذهب الشافعي (3).

و قال مالك، و أبو حنيفة: يلزم البيع بالإيجاب و القبول، و لم يعتبر التفريق بالأبدان (4).

دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتكرر: ما رواه ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)

____________

(1) حكاه في البحر عن زين العابدين و الناصر و المنصور بالله و الامام يحيى بن حمزة ج 3 ص 341 (ح).

(2) حكاه في البحر عن الصادق و الباقر و زين العابدين و الناصر (ح).

(3) الام 3: 4، المجموع شرح المهذب 9: 184، بداية المجتهد 2: 169، المغني لابن قدامة 4: 6، حلية العلماء 4: 15.

(4) المجموع شرح المهذب 9: 184، بداية المجتهد 2: 168- 169، الهداية للمرغيناني 2: 21، المغني لابن قدامة 4: 6، حلية العلماء 4: 16.

366

أنه قال: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، إلا بيع الخيار» (1).

و في بعض الأخبار: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (2).

و إنما يسمى المتبايعان بهذا الاسم بعد وجود التبايع بينهما إليه اسم مشتق من فعل كالقتل و الضرب.

و ليس لأحد أن يحمل لفظ المتبايعين على المتساومين، ألا ترى أن قائلا لو قال:

إن بعت هذا العبد فهو حر، ثم ساومه رجل فيه لم يعتق عليه.

و ليس لأحد أن يحمل التفرق المذكور في الخبر على الافتراق بالأقوال، لأن العبارة بالافتراق و الاجتماع عن الكلام مجازا، و إنما ذلك حقيقة في الأجسام و مستعار في الأعراض، و لأن الحالة التي يشيرون إليها من حصول الإيجاب و القبول هي حالة اجتماع لا افتراق، لأنهما يختلفان في الثمن و الثمن قبل تلك الحال، ثم يجتمعان عليه و يعتقدان البيع، فهي حالة اجتماع لا افتراق.

و ليس لأحد أن يعارض ما حكي عن أبي يوسف من حمله ذلك على افتراق الأبدان، و هو أن يقول أحد العاقدين: بعتك هذا العبد، و لصاحبه أن يقبل، فإن افترقا قبل القبول و تمام البيع لم يكن له أن يقبل بعد ذلك و انفسخ الإيجاب، و ذلك أنا قد بينا أن اسم المتبايعين لا يقع عليهما إلا بعد الإيجاب و القبول و حصولهما معا، فما تأوله أبو يوسف بخلاف الظاهر.

و قد تعلقوا بما روي عنه (عليه السلام) أنه قال: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا و لا يحل له

____________

(1) صحيح البخاري 3: 137- 362، الموطأ 2: 671- 79، أحكام القرآن للجصاص 3: 139، السنن الكبرى للبيهقي 5: 268.

(2) صحيح البخاري 3: 136- 359، صحيح مسلم 3: 1164- 47، سنن الترمذي 3: 548- 1246، السنن الكبرى للبيهقي 5: 269، جامع الأصول 1: 435- 244.

367

أن يفارقه خشية أن يستقيله» (1).

فأثبت الاستقالة في المجلس، و الاستقالة إنما تثبت في عقد لازم.

و الجواب: أن المراد أنه لا يحل له أن يفارقه خشية أن يفاسخه ما ثبت له من خيار المجلس، فعبر عن الفسخ بالاستقالة.

يدل على ما ذكرناه وجهان:

أحدهما: أنه ذكر أمرا يجب أن يفوت بالتفرق و الإقالة لا يفوت بالتفرق، و إنما الفسخ بحكم خيار المجلس يفوت بالتفرق.

و الثاني أنه نهاه عن المفارقة خوفا من الاستقالة، و الاستقالة غير منهي عنها، لأن الإقالة غير واجبة، و إنما المنهي عنه هو مفارقة المجلس خوف الفسخ لحق الخيار، لأنه منهي عن أن يفارق صاحبه بغير إذنه و رضاه ليلزم العقد بذلك.

المسألة الرابعة و السبعون و المائة [يجوز بيع المدبر و لا يجوز بيع أم الولد إلا بعد موت ولدها]

«يجوز بيع المدبر و أم الولد» (2).

الذي يذهب إليه أصحابنا: أن بيع المدبر جائز، و أما أم الولد فإنما يجوز بيعها بعد موت ولدها.

و وافقنا في جواز بيع المدبر من حاجة و غير حاجة الشافعي، و عثمان البتي (3).

و قال أبو حنيفة و أصحابه، و ابن أبي ليلى، و الثوري، و الحسن: لا يجوز بيع

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص 3: 139.

(2) حكى جواز بيع المدبر في البحر ج 3 ص 309 عن الناصر و كذا جواز بيع أم الولد ج 3 ص 309- 310 (ح).

(3) الام 8: 16، المجموع شرح المهذب 9: 244، بداية المجتهد 2: 387، المغني لابن قدامة 12: 316، حلية العلماء 6: 185.

368

المدبر (1).

و قال مالك: لا يجوز بيع المدبر، فإن باع مدبرة فأعتقها المشتري فالعتق جائز و ينتقض التدبير و الولاء للمعتق (2).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتكرر ذكره.

و أيضا ما رواه جابر: أن رجلا من الأنصار أعتق عبدا له عن دبر منه، فاحتاج فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «من يشتريه مني» فاشتراه نعيم بن عبد الله [1] بثمانمائة درهم، فدفعها النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إليه (3).

فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك التدبير مقيدا، مثل أن يقول: إن متّ من مرضي هذا فأنت حر لأنه قد روي عن أصحاب أبي حنيفة أنهم أجازوا بيع المدبر إذا كان التدبير مقيدا (4).

قلنا: التدبير في الخبر مطلق، و لا نحمله على المقيد إلا بدليل، على أن حمله على المطلق يفيد الحكم في موضع الخلاف، و حمله على المقيد لا يفيده.

فإن قيل: نحمله على أنه (عليه السلام) اجره فنقل ابتياعه على أنه باع منافعه.

قلنا: حقيقة البيع يقتضي بيع الرقبة، فحمله على بيع المنافع عدول باللفظ عن

____________

[1] نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف القرشي العدوي النحام، له صحبة، أسلم قبل عمر، و لكنه لم يهاجر إلا قبيل فتح مكة، روى عنه نافع، و محمد بن إبراهيم، قتل يوم اليرموك. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 3: 567- 8776، أسد الغابة 5: 32، الطبقات الكبرى لابن سعد 4: 138.

____________

(1) المبسوط للسرخسي 7: 179، بداية المجتهد 2: 387، الهداية للمرغيناني 2: 67، اللباب في شرح الكتاب 3: 120.

(2) بداية المجتهد 2: 387، حلية العلماء 6: 185.

(3) صحيح البخاري 8: 547- 1565، صحيح مسلم 3: 1289- 58، مسند أحمد 3: 369، سنن الترمذي 3: 523- 1219، السنن الكبرى للبيهقي 4: 178، نصب الراية 3: 285.

(4) المجموع شرح المهذب 9: 244، اللباب في شرح الكتاب 3: 121، حلية العلماء 6: 185.

369

حقيقته بلا دلالة.

فإن قيل: كيف يبيعه بغير إذن مالكه؟

قلنا: يحتمل أن يكون استأذنه لكن ذلك لم ينقل، لأنه لم يكن مقصودا، و إنما المقصود جواز بيع المدبر، على أنه باعه في الدين، و للإمام أن يبيع في الدين من غير استئذان صاحب الملك.

فأما أم الولد، فجميع فقهاء الأمصار في هذا الوقت يخالفون فيه و يمنعون من بيعها (1).

و قد وافقنا على جواز بيع أمهات الأولاد جماعة من السلف و أجازوا بيعهن، و لم يفرقوا بين حياة الولد و موته كما فرقنا (2).

و الذي يدل على جواز بيع أم الولد الإجماع المقدم ذكره.

و أيضا فإن أم الولد رق للمولى و لم تخرج بالولد عن ملكه.

الدليل على صحة ذلك: أنه إذا وطئها فإنما يطأها عند جميع الأمة بملك اليمين، و إذا كانت في ملكه فبيع ما يملك جائز، و كل خبر يروونه في تحريم بيع أمهات الأولاد، حملناه على النهي عن بيعهن مع بقاء الأولاد.

المسألة الخامسة و السبعون و المائة [مال السلم إذا كان معلوما بالمشاهدة مضبوطا بالمعاينة لم يفتقر الى ذكر صفاته]

«معرفة مقدار رأس المال شرط في صحة السلم» (3).

ما أعرف لأصحابنا إلى الآن نصا في هذه المسألة، إلا أنه يقوى في نفسي: أن رأس مال السلم إذا كان معلوما بالمشاهدة مضبوطا بالمعاينة لم يفتقر الى ذكر صفاته

____________

(1) المبسوط للسرخسي 7: 149، المجموع شرح المهذب 16: 39، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 443، بداية المجتهد 2: 389، المغني لابن قدامة 12: 492.

(2) المبسوط للسرخسي 7: 149، بداية المجتهد 2: 389، المغني لابن قدامة 12، 492.

(3) أشار إليه في البحر عن الناصر ج 3 ص 398 (ح).

370

و مبلغ وزنه و عدده، و هو المعمول عليه من قول الشافعي (1).

و قال أبو حنيفة: إذا كان رأس مال السلم مكيلا، أو موزونا أو مما يباع عددا فلا بد من ضبط صفاته و إن كان مما عدا ذلك جاز الا يضبط صفاته (2).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم و وزن معلوم إلى أجل معلوم» (3) فإذن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في السلم على هذه الصفة و لم يشترط سواها، فثبت ما قلنا.

و ليس للمخالف أن يقول: إن السلم ربما انفسخ بأن يتعذر تسليمه فيحتاج أن يرجع المسلم إلى بدل [1] الثمن، فإذا كان جزافا فلا يمكن الرجوع إلى بذله لجهالته، فافتقر صحة العقد إلى ضبط صفات الثمن، حتى ان ثبت له حق الرجوع أمكنه ذلك.

و ذلك بأن هذا باطل بالإجارة، لأنه عقد غير مبرم بل هو مراعى، و ربما انهدمت الدار قبل استيفاء المنافع فتنفسخ الإجارة، و يثبت للمستأجر الرجوع على المؤاجر بالأجرة، و لم يشرط في الإجارة أن تكون الأجرة مضبوطة الصفات، و العقود مبنية على السلامة و الظاهر دون ما يخاف طروه.

ألا ترى أن من باع شيئا بثمن معلوم بالمشاهدة صح البيع، و إن جاز أن يخرج المبيع مستحقا، فيثبت للمشتري على البائع حق الرجوع ببدل الثمن، و مع ذلك لم

____________

[1] في (ج): «بذل» و كذا فيما بعده.

____________

(1) المجموع شرح المهذب 13: 144- 145، بداية المجتهد 2: 203، حلية العلماء 4: 377، مغني المحتاج 2: 104، السراج الوهاج: 205.

(2) الهداية للمرغيناني 3: 71، شرح فتح القدير 6: 221، بداية المجتهد 2: 203، اللباب في شرح الكتاب 2:

43 و 44، الفتاوى الهندية 3: 178، حلية العلماء 4: 377.

(3) صحيح البخاري 3: 181- 481، صحيح مسلم 3: 1226- 127، سنن أبي داود 3: 275- 3463، سنن ابن ماجة 2: 765- 2280، سنن الدار قطني 3: 3- 4، سنن النسائي 7: 290، سنن الترمذي 3: 602- 1311.

371

يشترط ضبط صفات الثمن.

المسألة السادسة و السبعون و المائة [و يجوز أن يكون رأس المال في السلم عرضا غير ثمن من سائر المكيلات و الموزونات]

«و إذا كان رأس المال عرضا لم يصح سلم» (1).

هذا غير صحيح، و يجوز عندنا أن يكون رأس المال في السلم عرضا غير ثمن من سائر المكيلات و الموزونات، و يجوز أن يسلم المكيل في الموزون و الموزون في المكيل فيختلف جنساهما، و ما أظن في ذلك خلافا بين الفقهاء.

و الدليل على صحة ما ذهبنا إليه الإجماع المتردد.

و أيضا ما رواه عبد الله بن عباس: أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «من أسلف فليسلف بكيل معلوم و وزن معلوم إلى أجل معلوم» (2) و لم يفرق في ذلك بين صفة الثمن، فثبت جواز ما بيناه.

____________

(1) حكاه في البحر عن الناصر ج 3 ص 398 (ح).

(2) تقدم تخريجها في المسألة السابقة بتفاوت يسير.

372

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

373

كتاب الشفعة

374

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

375

المسألة السابعة و السبعون و المائة [لا تستحق الشفعة بالجوار]

«لا يستحق البائع الشفعة بالجوار» [1].

الذي يذهب إليه أصحابنا: أن أحدا لا يستحق الشفعة بالجوار من مؤمن و لا فاسق، و إنما يستحقها بالمخالطة، و هو مذهب الشافعي (1).

و قال أبو حنيفة: الشفعة بالجوار إذا لم يكن بين الملك طريق نافذ، و إنما مقتضى المسألة أن الفاسق لا يستحق الشفعة بالسبب الذي يستحق به غير الفاسق الشفعة (2).

و نحن ندل على أن الشفعة لا تستحق بالجوار على أن الفاسق كالمؤمن في استحقاق الشفعة.

و أما المسألة الأولى: فالدليل عليها الإجماع المتردد.

و أيضا ما رواه جابر أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «الشفعة فيما لم تقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» (3).

فإن تعلقوا بما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) «الجار أحق بسقبه» (4) [2].

و في خبر آخر: «الجار أحق بدار جاره» (6).

فالجواب عن ذلك: أن في الخبر إضمارا، و إذا أضمروا أنه أحق في الأخذ

____________

[1] حكى في البحر عن العترة أن الجوار سبب و لم يحل الخلاف عن الناصر ج 4 ص 8 و حكى عن الناصر انه لا ينقض الحكم بالشفعة بالجوار لأن المسألة ظنية ج 4 ص 9 (ح).

[2] السقب بفتح السين و القاف هو القرب. انظر: «الصحاح 1: 148».

____________

(1) المجموع شرح المهذب 14: 304، حلية العلماء 5: 266.

(2) المبسوط للسرخسي 14: 94، الهداية للمرغيناني 4: 24، اللباب في شرح الكتاب 2: 106، حلية العلماء 5: 266.

(3) صحيح البخاري 3: 287- 714- 715، سنن أبي داود 3: 285- 3514، السنن الكبرى للبيهقي

6:

102- 103، مسند الشافعي (ضمن كتاب الام) 8: 646، جامع الأصول 1: 581- 415.

(4) سنن أبي داود 3: 286- 3516، سنن ابن ماجة 2: 834- 2495، سنن الدار قطني 4: 223- 70- 71، سنن النسائي 7: 320، سنن الترمذي 3: 653، مجمع الزوائد 4: 158، نصب الراية 4: 174.

(6) سنن أبي داود 3: 286- 3516، سنن الترمذي 3: 650- 1368، جامع الأصول 1: 583- 416، بتفاوت يسير.

376

بالشفعة، أضمرنا نحن أنه أحق بالعرض عليه، لأن ما قلناه جميعا ليس في الظاهر، و ليس أحدهما أولى من الآخر.

و أيضا قد يجوز أن يريد بالجار الشريك، و قد يقع اسم الجار على الشريك لغة و شرعا.

أما الشرع فروى عمرو بن الشريد [1] عن أبيه قال: بعت حقا لي في أرض فيها شريك، فقال شريكي: أنا أحق بها، فرفع ذلك إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: «الجار أحق بسقبه» (2) فسمى الشريك جارا.

و أما اللغة: فإن الزوجة تسمى جارة لمشاركتها الزوج في العقد.

قال الأعشى [2]:

أيا جارتي بيني فإنك طالقة (4) و ليس لأحد أن يقول: إنما سمينا الزوجة جارة لقربها من الزوج و مجاورتها له، لأنها تسمى بذلك و إن كانت بالمشرق و هو بالمغرب.

فأما استحقاق الفاسق الشفعة بالسبب الذي يستحق به من ليس بفاسق فصحيح لا شبهة فيه، و أما الكافر عندنا لا يستحق الشفعة على المؤمن.

و لعل من ذهب الى أن الفاسق لا يستحق الشفعة على المؤمن، ذهب الى أنه كافر بفسقه.

و ليس كل فسق كفرا، و الفاسق عندنا في حال فسقه مؤمن يجتمع له الإيمان و الفسق و يسمى باسمهما، و كل خطاب دخل فيه المؤمنون دخل فيه من جمع بين الفسق و الإيمان، و كيف

____________

[1] أبو الوليد عمرو بن الشريد بن سويد الثقفي، أصله من الحجاز و كان من التابعين، روى عن أبيه، و أبي رافع، و سعد بن أبي وقاص، و ابن عباس، و عنه محمد بن ميمون، و بكير بن الأشج، و الزهري و إبراهيم بن ميسرة و غيرهم. انظر: تهذيب التهذيب 8: 43- 79، الجرح و التعديل للرازي 6: 238.

[2] أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل الأعشى الأسدي، من شعراء الجاهلية، كان يتردد على الاشراف و يمدحهم، و هو أول من سأل بشعره. انظر: الأغاني 8: 74، الشعر و الشعراء: 135، طبقات فحول الشعراء 1: 65.

____________

(2) تقدم تخريجه.

(4) الصحاح 2: 618، تاج العروس 10: 479.

377

لم يبطل فسقه حقوقه كلها من دين و وديعة و ثمن مبيع و غير ذلك و أبطل حقه من الشفعة؟!

المسألة الثامنة و السبعون و المائة [من احتال في بيع الدراهم بأن ضم إليها صفح الحديد و ما أشبهه صح عقد بيعه]

«كل حيلة في الشفعة و غيرها من المعاملات التي بين الناس فإني أبطلها و لا أجيزها» (1).

هذا غير صحيح، لأن من احتال في بيع الدراهم بأن ضم إليها صفح الحديد و ما أشبهه صح عقد بيعه، لإخراجه ما فعله من الصفة التي تناولها النهي، لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إنما نهى عن بيع الفضة بالفضة (2) و إذا ضم إليها غيرها فقد خرج عن هذه الصفة.

و كذلك إذا أقر الرجل بسهامه من دار فوهبها له و لم يأخذ منه عن ذلك ثمنا و أعطاه ذلك الموهوب له شيئا على سبيل الهدية و الهبة، سقط حق الشفعة عن هذا الموهوب، لأنه عقد بغير عوض، و لم يلزم فيه الشفعة لخروجه عن الصفة التي تستحق معها الشفعة.

و لسنا نمنع من قصد بهذه الحليل إلى إبطال الحقوق أن يكون آثما مستحقا للعقاب، و ان كان عقده صحيحا ماضيا، و ما نعرف خلافا بين محصلي الفقهاء في ذلك.

فإن قال: أ لستم تروون أن من فر من الزكاة بأن سبك الدراهم و الدنانير سبائك حتى لا تلزمه الزكاة، و ما جرى هذا المجرى من فنون الهرب من الزكاة- أن الزكاة تلزمه و لا ينفعه هربه؟

قلنا: ليس نمنع أن يكون لزوم الزكاة- من هرب من الزكاة [1] لسبك السبائك و ما أشبهها- لم تجب بالسبب الأول الذي يجب له فيه في الأصل الزكاة، لأن الزكاة

____________

[1] «من هرب من الزكاة» ساقط من (ن) و (ج).

____________

(1) هذا الكلام رواه في البحر عن الناصر ج 4 ص 23 (ح).

(2) صحيح البخاري 3: 160- 427، سنن النسائي 7: 280، سنن الترمذي 3: 542- 1241، سنن الدارمي 2: 259، السنن الكبرى للبيهقي 5: 282.

378

لا تجب عندنا فيما ليس بمضروب من العين و الورق، و أن تكون الزكاة إنما تلزمه هاهنا عقوبة على فراره من الزكاة، لأن هذه العين في نفسها يستحق فيها الزكاة.

و يمكن أن يكون ما ورد من الرواية في الأمر بالزكاة لمن هرب من الزكاة، هو على سبيل التغليظ و التشديد، لا على سبيل الحتم و الإيجاب.

المسألة التاسعة و السبعون و المائة [للشفيع أن يأخذ من هذه الإقطاع ما له فيه حق الشفعة]

«و لو اشترى رجل ثلاثة أقطاع أرضين من مواضع شتى بصفقة واحدة فللشفيع في أحدهما أن يأخذ جميعها، و ليس له تفريق الصفقة» [1].

هذا غير صحيح، لأن للشفيع أن يأخذ من هذه الإقطاع ما له فيه حق الشفعة، دون غيرها مما لا حق له فيه، و ما أظن في ذلك بين الفقهاء خلافا.

و انما الخلاف بينهم في الرجل يشتري دارين صفقة واحدة، و للدارين معا شفيع واحد، هل له أن يأخذ إحدى الدارين دون الأخرى؟

فقال أبو حنيفة: إما أن يأخذ الجميع أو يترك الجميع، و ليس له أن يفرق الصفقة (1).

و قال زفر: له أن يأخذ إحداهما دون الأخرى (2).

و الوجه في المسألة الأولى ظاهر، لأن حق الشفعة إنما يثبت له في إحدى الدارين، فكيف يأخذ أخرى بغير حق يجب له عليها؟! و ليس كذلك المسألة الثانية، لأن حق الشفعة قد ثبت في الدارين معا.

____________

[1] هذا من إبطال الحيلة و قد مر (ح).

____________

(1) المبسوط للسرخسي 14: 159، الفتاوى الهندية 5: 175، المحلى بالآثار 8: 25.

(2) المبسوط للسرخسي 14: 159.

379

كتاب الرهن

المسألة الثمانون و المائة [الرهن غير مضمون على المرتهن]

«الرهن غير مضمون على المرتهن» (1).

عندنا: أن الرهن غير مضمون على المرتهن، فمتى تلف فمن مال الراهن، و هو مذهب الشافعي (2).

و قال أبو حنيفة: هو مضمون على المرتهن بأقل الأمرين من قيمته أو الحق الذي هو مرهون به [1] فإن تلف سقط أقل الأمرين (3).

و قال إسحاق بن راهويه: المرهون مضمون عليه بكمال قيمته (4).

و قال الحسن، و شريح [2] و الشعبي، و النخعي: يسقط بتلف الرهن الحق الذي للمرتهن (6).

و قال مالك: إن تلف بأمر ظاهر كالعبد يموت و الدار تحترق- فهو من ضمان الراهن، و إن ادعى المرتهن تلفه بأمر باطن لم تقبل دعواه و عليه قيمته (7).

____________

[1] في (ن) و (ج): «عليه» بدل: «به».

[2] أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس الكندي، الكوفي القاضي، استقضاه عمر على الكوفة، ثم علي (عليه السلام) من بعده، روى عن الامام علي (عليه السلام) و عمرو، و ابن مسعود، و عبد الرحمن بن أبي بكر، و عنه الشعبي و النخعي، و محمد ابن سيرين. مات سنة 78 ه. انظر: وفيات الأعيان 2: 460- 290، أسد الغابة 2: 394، تذكرة الحفاظ 1: 59.

____________

(1) حكاه عن الناصر في البحر الزخار ج 4 ص 113 (ح).

(2) الام 3: 170، المجموع شرح المهذب 13: 249، أحكام القرآن للجصاص 2: 263، المغني لابن قدامة 4: 442، بداية المجتهد 2: 275.

(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 262، المبسوط للسرخسي 21: 64- 65، اللباب في شرح الكتاب 2: 55، الهداية للمرغيناني 4: 128.

(4) المجموع شرح المهذب 13: 250، بداية المجتهد 2: 275.

(6) المجموع شرح المهذب 13: 250، المغني لابن قدامة 4: 442.

(7) بداية المجتهد 2: 275، أحكام القرآن للجصاص 2: 263، المغني لابن قدامة 4: 442.

380

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

381

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

382

الدليل على صحة ما ذهبنا إليه الإجماع المتردد [1].

و ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من قوله: «لا يغلق الرهن من راهنه الذي رهنه له غنمه و عليه غرمه» (2) أراد بالغنم الزيادة، و بالغرم النقصان و التلف.

فإن قيل: أراد بالغرم نفقته و مؤنته.

قلنا: نحمله على الأمرين [2] فإن تعلقوا بما روي: من أن رجلا رهن فرسا عند غيره فنفق فسأل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن ذلك يعني المرتهن فقال: «ذهب حقك» (4)، و معلوم أنه لم يرد ذهاب حقه من الوثيقة، لأن ذلك معلوم مشاهدة، فثبت أنه أراد ذهاب حقه من الدين.

فالجواب عنه: أن المراد ذهاب حقك من الوثيقة، يدل على ذلك وجهان:

أحدهما: أنه وحد الحق، و لو أراد ذهاب الدين و الوثيقة معا لقال: ذهب حقاك.

و الوجه الثاني: أن عند أبي حنيفة أن الدين إنما يسقط إذا كان مثل قيمة الرهن أو أقل، و إذا كان أكثر فإن ما زاد على قيمة الرهن لا يسقط (5).

فلو كان المراد سقوط حقه من الدين، لكان (عليه السلام) يفصل، و لم يفعل ذلك.

____________

[1] في (ج) و (م): «بعد الإجماع المتردد ما روى.».

[2] لا يوجد في (ج) و (م) من قوله: «فان قيل. الى هنا».

____________

(2) سنن الدار قطني 3: 33- 133، أحكام القرآن للجصاص 2: 265، المراسيل لأبي داود 143- 165، السنن الكبرى للبيهقي 6: 39، نصب الراية 4: 319، حلية الأولياء 7: 315.

(4) المراسيل لأبي داود 143- 165، أحكام القرآن للجصاص 2: 264، السنن الكبرى للبيهقي 6: 41، نصب الراية 4: 321.

(5) المبسوط للسرخسي 21: 64- 65، اللباب في شرح الكتاب 2: 55، الهداية للمرغيناني 4: 128، بداية المجتهد 2: 275.

383

فدل على أن المراد سقوط حقه من الوثيقة، لأن ذلك يسقط على كل حال، و ليس سقوط حق الوثيقة من المعلوم عند التلف مشاهدة كما ذكر، لأن حقه من ذلك لا يسقط بتلف الرهن، و هو إذا أتلفه الراهن أو أتلفه أجنبي فإن القيمة تؤخذ و يجعل رهنا مكانه، فقصد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أن الرهن إذا تلف من غير جناية يسقط حق الوثيقة بذلك.

المسألة الحادية و الثمانون و المائة [و لو أعتق الراهن العبد المرتهن لم ينفذ عتقه]

«و لو أعتق الراهن العبد المرتهن لم ينفذ عتقه» (1).

هذا صحيح، و إليه يذهب أصحابنا، و وافق في ذلك الشافعي على الصحيح من أقواله (2).

و قال أبو حنيفة: ينفذ العتق، فإن كان موسرا ضمن قيمته و يكون رهنا مكانه، و إن كان معسرا سعى العبد في قيمته إن كانت أقل من الدين و رجع به على الراهن (3) الدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتكرر، و أيضا فإن الرهن وثيقة في يد المرتهن، و محبوس على ماله، و في عتقه فسخ للرهن و إسقاط لحق الوثيقة، و الراهن لا يملك فسخ عقد الرهن.

____________

(1) حكاه عن الناصر في البحر ج 4 ص 119 (ح).

(2) حلية العلماء 4: 443، مغني المحتاج 2: 130، بداية المجتهد 2: 277، المغني لابن قدامة 4: 399.

(3) حلية العلماء 4: 443، المغني لابن قدامة 4: 399، اللباب في شرح الكتاب 2: 59، الهداية للمرغيناني 4: 146.

384

فإن تعلقوا بما روي عنه (عليه السلام): «لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم» (1) و الرهن مملوك الراهن فينبغي أن ينفذ عتقه.

فالجواب عنه: أن المشهور من هذا الخبر: «لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم» (2) و على هذه الرواية لا يتناول موضع الخلاف إلا بدليل الخطاب، و ليس بصحيح، على أنا نحمل اللفظ الذي رووه [1] على الملك الذي ليس هو بمرهون بالأدلة التي ذكرناها.

____________

[1] في نسخة (ط): «ردوه».

____________

(1) سنن أبي داود 2: 258- 2190، جامع الأصول 7: 611- 5771.

(2) نصب الراية 3: 278، سنن الترمذي 3: 486- 1181، مشكل الآثار 1: 281، جامع الأصول 7: 611- 5771، الدر المنثور 5: 208، مسند أحمد 2: 190، بتفاوت يسير.

385

كتاب الغصب

المسألة الثانية و الثمانون و المائة [من اغتصب بيضة فحضنها فأخرجت فرخا أو حنطة فزرعها فنبتت فالفرخ و الزرع لصاحبهما دون الغاصب]

«من اغتصب بيضة فحضنها فأخرجت فرخا، أو حنطة فزرعها فنبتت فالفرخ و الزرع لصاحبهما دون الغاصب» (1).

هذا صحيح و إليه يذهب أصحابنا.

و الدليل عليه الإجماع المتكرر.

و أيضا فإن منافع الشيء المغصوب لمالكه دون الغاصب، لأنه بالغصب لم يملكه، فما تولد من الشيء المغصوب فهو للمالك دون الغاصب، و هذا صحيح [1].

المسألة الثالثة و الثمانون و المائة [و من اغتصب أرضا فزرعها فعليه أجرتها و نقصانها]

«و من اغتصب أرضا فزرعها، فعليه أجرتها و نقصانها، و تسليم عينها إلى صاحبها» (2).

هذا صحيح و هو مذهبنا، و بمثله صرح الشافعي، لأنه قال: إذا غصب رجل أرضا فزرعها ببذر من عنده فالزرع للغاصب، لأنه عين ماله، و إنما تغيرت صفته و اختلفت، فيجب على الغاصب أرش ما نقصت الأرض بالزراعة إن حصل بها نقص، لأن ذلك حصل بفعله، و عليه اجرة مثلها مدة مقامها في يده، لأنه قد انتفع بها بغير حق، فصار غاصبا للمنفعة، فلزمه ضمانها.

____________

[1] في نسخة (د) و (ط) «واضح».

____________

(1) حكى معناه في البحر عن الناصر ج 4 ص 181 (ح).

(2) ضمان النقصان حكاه في البحر عن الناصر ج 4 ص 180 و وجوب الرد حكى معناه عن الناصر في ج 4 ص 178 و وجوب الأجرة و المنافع حكاه عن الناصر في ج 4 ص 177 (ح).

386

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

387

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

388

بها بغير حق، فصار غاصبا للمنفعة، فلزمه ضمانها.

و أما إذا غصب أرضا و لم يزرعها و أقامت في يده مدة فعليه ضمان نقص إن حدث بها، و عليه ضمان اجرة مثله أيضا، لأنه فوت صاحبها منفعتها بغير حق (1).

و هذه الوجوه التي ذكرها الشافعي في الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه واضحة.

و يدل على صحة مذهبنا زائدا على ذلك الإجماع المتقدم ذكره.

المسألة الرابعة و الثمانون و المائة [إذا تلف المغصوب في يد الغاصب و كان من ذوي الأمثال فعليه أن يعطيه ذلك]

«إذا تلف المغصوب في يد الغاصب و كان من ذوي الأمثال فعليه أكثر قيمته في أيام كونه في يده» [1].

الذي نذهب إليه: أن المغصوب إذا كان تلف في يد الغاصب و كانت له أمثال موجودة و رضي المغصوب أن يأخذ المثل، كان على الغاصب أن يعطيه ذلك، و إلا فالقيمة.

و قد روي أنه يلزمه أكثر قيمته مدة أيام الغصب (2) و إنما قيل ذلك احتياطا و استظهارا، لأنه إذا اختلف قيمته في أيام الغصب فالأولى أن يأخذ بالأزيد للاحتياط و الاستظهار.

____________

[1] ذكره في البحر عن الناصر في المثلي إذا عدم مثله فاما القيمي فلا خلاف بينه و بين أهل المذهب انه يضمن بأوفر القيم لانه لا اشكال فيه انما الإشكال في المثلي لوجوب رد مثله فحين عدم المثل و طلبه صاحبها تعينت القيمة فوقع الخلاف في القيمة حينئذ فقيل قيمته يوم الطلب و قيل قيمته يوم عدل المثل و قيل يوم الغصب و قال الناصر (عليه السلام): أوفر القيم من يوم الغصب الى يوم الطلب و ظاهر تفريع كلام الناصر على عدم المثل أن كلامه فيه لا في المثلي مع وجود المثل و لم يذكر في البحر خلافا لأحد في وجوب تسليم المثل مع وجوده (ح).

____________

(1) المجموع شرح المهذب: 14: 257- 258، حلية العلماء 5: 235- 235، المغني لابن قدامة 5: 378.

(2) لم نعثر على رواية بهذا المضمون، نعم قال به الشافعي (كما في المجموع شرح المهذب 14: 234 و 254 و 265) و ذهب اليه الشيخ (ره) في الخلاف 3: 415 المسألة 29.

389

كتاب الديات

390

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

391

المسألة الخامسة و الثمانون و المائة [في الحارصة بعير و في الدامية بعيران و في الباضعة ثلاثة من الإبل]

«في الحارصة بعير [1]، و في الدامية بعيران [2]، و في الباضعة ثلاثة من الإبل» [3].

هذا صحيح، و الشجاج عندنا ثمان:

الحارصة: و هي التي تخدش و تشق الجلد، و فيها بعير واحد.

و الدامية: و هي التي تصل إلى اللحم و يسيل منها الدم، و فيها بعيران.

و الباضعة: و هي التي تبضع اللحم و تنزل فيه، و فيها ثلاثة أباعر [4].

و المسحاق: و هي التي تقطع اللحم حتى تبلغ إلى الجلدة الرقيقة المغشية للعظم، و فيها أربعة أباعر.

و الموضحة: و هي التي تقشر الجلدة و توضح عن العظم، ففيها خمسة أباعر.

و الهاشمة: و هي التي تهشم العظم، و فيها عشرة أباعر.

و الناقلة: و هي التي تكسر العظم كسرا تفسده، فيحتاج معه الإنسان إلى نقله من مكانه، ففيها خمسة عشر بعيرا.

و المأمونة: و هي التي تبلغ إلى أم الدماغ، ففيها ثلث الدية، ثلاث و ثلاثون بعيرا، أو ثلث الدية من العين أو الورق على السواء، لأن ذلك يتجدد [5] فيه الثلث و لا يتحدد في الإبل و البقر و الغنم.

____________

[1] حكاه في البحر عن الناصر ج 5 ص 293 قال و عنه حكومة و حكى عن الناصر ان في السمحاق اربع من الإبل ج 5 ص 293 و حكى عن الناصر في المتلاحمة حكومة و هي أعمق من الباضعة (ح).

[2] لم أجده (ح).

[3] لم أجده (ح).

[4] في (م) و (ط) و (د): «ابعر»، و كذا فيما بعده.

[5] في نسخة (م) و (ن): «يتجدد».

392

و في بعض ما ذكرناه خلاف بين الفقهاء، و فيه وفاق يطول شرحه.

فإن الشافعي يذهب إلى أن الشجاج عشر، و يذكر أنه ليس قبل الموضحة من الشجاج قصاص، و لا أرش مقدر، و إنما يجب فيها حكومة، و يوافق على أن في الموضحة خمسا من الإبل، و في الهاشمة عشرة (1).

و الحجة فيما شرحناه من مذهبنا إجماع الفرقة المحقة الذي تقدم ذكره.

المسألة السادسة و الثمانون و المائة [في مني الرجل يفزع عن عرسه حين يهم به و لم يفرغ عشرة دنانير]

«في مني الرجل يفزع [1] عن عرسه حين يهم به، و لم يفرغ عشرة دنانير» [2] فإن أفرغ و ألقت النطفة، ففيها عشرون دينارا. و في العلقة أربعون، و في المضغة ستون، و في العظم ثمانون دينارا، و في الجنين مائة دينار، و جراح الجنين في بطن امه على حساب مائة دينار.

و هذا الترتيب في الجنايات المذكورة شيء تختص به الشيعة الإمامية، و هو صحيح إلا في الجناية على الجنين، فإنه ذكر ثمانون دينارا (3).

و الصحيح أنه مائة مثقال إذا لم تلج الجنين الروح.

و الحجة في صدر هذا الترتيب، الإجماع المقدم ذكره.

____________

[1] في نسخة (ط) و (د) و (ج): «يفرغ».

[2] لم أجده (ح).

____________

(1) المجموع شرح المهذب 19: 63- 64، حلية العلماء 7: 554- 556، مغني المحتاج 4: 26 و 58، السراج الوهاج: 496.

(3) المقنعة للمفيد: 762.

393

المسألة السابعة و الثمانون و المائة [إذا اشترك اثنان في قتل نفس على العمد]

«و لا يقتل اثنان بواحد، و لو أن عشرة قتلوا رجلا واحدا لقتل واحد بخيار أولياء الدم، و أخذ من الباقين تسعة أعشار الدية، فيدفع إلى أولياء المقتص منه» (1).

الذي يذهب إليه أصحابنا أنه: إذا اشترك اثنان في قتل نفس على العمد كان أولياء الميت مخيرين بين أن يقتلوا الاثنين و يؤدوا إلى ورثتهما دية كاملة، فيقسمونها بينهم نصفين، أو يقتلوا واحدا منهما و يؤدي الباقي من القاتلين إلى ورثة صاحبه نصف الدية، أو يقبلوا الدية فيكون بين القاتلين سهاما متساوية، و كذلك القول في الثلاثة أو أكثر إذا قتلوا الواحد.

و روي وفاقنا على هذا المذهب عن ابن الزبير، و معاذ بن جبل، و الزهري، و محمد بن سيرين (2).

و ذهب داود، و ربيعة إلى: أن القود لا يجب على أحد القتلة إذا اشتركوا، و إنما تجب الدية (3).

و ذهب إلى أن الجماعة تقتل بالواحد: سعيد بن المسيب، و الحسن البصري، و عطاء، و مالك و الأوزاعي، و الثوري، و أبو حنيفة و أصحابه، و أحمد، و إسحاق، و الشافعي (4).

____________

(1) حكاه في البحر عن الناصر ج 5 ص 218 (ح).

(2) المجموع شرح المهذب 18: 369، حلية العلماء 7: 457، المغني لابن قدامة 9: 366، بداية المجتهد 2: 395.

(3) المجموع شرح المهذب 18: 369، حلية العلماء 7: 457، المغني لابن قدامة 9: 366، بداية المجتهد 2: 395.

(4) أحكام القرآن للجصاص 1: 180، المجموع شرح المهذب 18: 369، حلية العلماء 7: 456، اللباب في شرح الكتاب 3: 150، المغني لابن قدامة 9: 366، بداية المجتهد 2: 395، مغني المحتاج 4: 20.

394

و ذكر الشافعي في هذا تفصيلا فقال: إن الجماعة إذا قتلت واحدا عمدا فإن القصاص يجب على جماعتهم بوجود شرطين:

أحدهما: أن يكون كل واحد من الجماعة مساويا للمقتول، حتى لو انفرد بقتله قتل به.

و الثاني: أن يكون كل واحد منهم فعل به فعلا يجوز أن يموت منه لو وجد منفردا، فإذا وجد هذان الشرطان وجب القصاص على الجماعة (1)، و ولي المقتول بالخيار بين ثلاثة أشياء: إن شاء قتل الجميع، و إن شاء عفا عن الجميع و أخذ الدية، و إن شاء عفا عن البعض و قتل البعض.

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الإجماع المتردد، و أيضا ما رواه جويبر، عن الضحاك من أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «لا يقتل اثنان بواحد» [1].

فإن قيل: يحمل ذلك على أنه لا يقتل اثنان بواحد إذا كان أحدهما خاطئا.

قلنا: هذا تخصيص، و إضمار لما ليس في الظاهر.

فإن قيل: فأنتم تقتلون الاثنين بواحد إذا اختار ذلك ولي الدم و بذل دية الآخر.

قلنا: الظاهر يمنع من قتل الاثنين بواحد على كل حال، و إذا أخرجنا ما نذهب إليه في بذل الدية من الظاهر بقي ما عداه حجة على من خالفنا، و هو المقصود.

فإن تعلقوا بقوله تعالى وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ (3) فلو كان القود لا يجب في حال الاشتراك لكان كل من أحب قتل غيره شارك آخر في قتله، و سقط القود عنهما، فبطل المعنى الذي نبه في الآية عليه.

____________

[1] لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة بهذا الإسناد، و لكن الرواية موجودة في الجعفريات: 125 بسند آخر.

____________

(1) المجموع شرح المهذب 18: 360، المغني لابن قدامة 9: 366.

(3) سورة البقرة، الآية: 179.

395

و الجواب: إن هذه الآية إنما يجب أن يستدل بها على داود، و ربيعة، لأنهما ينفيان قتل الجماعة بالواحد على كل حال.

فأما نحن و هم فنقتل الجماعة- إذا اختار ولي الدم ذلك- و بذل الدية على ما شرحناه.

و التحذير بالقتل و وجوب القصاص- المذكوران في الآية- باقيان على مذهبنا، و ليس يجوز أن يستدل على صحة مذهبنا بقوله تعالى النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (1) و الْحُرُّ بِالْحُرِّ (2) لأن لهم أن يقولوا: المراد ههنا بالنفس جنس النفس لا العدد، فما قدمناه أولى.

المسألة الثامنة و الثمانون و المائة [من وجد قتيلا في مدينة أو قرية أو محلة لا يعرف قاتله فالدية من بيت مال المسلمين]

«من وجد قتيلا في مدينة، أو قرية، أو محلة لا يعرف قاتله فالدية من بيت مال المسلمين» [1].

الذي يذهب إليه أصحابنا: أن من وجد قتيلا في مدينة أو قرية لا يعرف قاتله بعينه كانت ديته على أهل تلك القرية، فإن وجد بين قريتين، ألزمت ديته لأهل أقرب القريتين إلى مكانه، فإن كانت المسافة متساوية، كانت ديته على القريتين بالسوية.

فأما الموضع الذي يلزم فيه الدية لبيت مال المسلمين فهو قتيل الزحام في

____________

[1] حكى في البحر عن الناصر انه ان ادعى على معينين و لا بينة فعليهم اليمين و لا دية إذا حلفوا فان لم يدع على معينين فالدية على بيت المال ج 5 ص 297 (ح).

____________

(1) سورة المائدة، الآية: 45.

(2) سورة البقرة، الآية: 178.

396

أبواب الجوامع و على القناطر، و الجسور، و في الأسواق، و في استلام الحجر الأسود، و زيارات قبور الأئمة (عليهم السلام)، فإن دية من ذكرناه على بيت مال المسلمين، و إن لم يكن للمقتول ولي يأخذ ديته سقطت الدية عن بيت المال المسلمين، و إنما كانت الدية ههنا على بيت مال المسلمين دون القتيل في القرية، لأن القتيل في المواضع التي ذكرناها لا جهة للعلم بقاتله، و لا للظن به، و الأمارات كلها مرتفعة، و ليس كذلك قتيل القرية و المدينة، لأن كونه قتيلا فيها، أمارة بالعادة على أن بعض أهلها قتلوه.

397

كتاب الايمان

المسألة التاسعة و الثمانون و المائة [من حلف على فعل معصية أو ترك واجب فلا كفارة عليه]

«من حلف على فعل معصية أو ترك واجب فلا كفارة عليه» [1].

هذا صحيح و إليه يذهب أصحابنا.

و خالف سائر الفقهاء على ذلك، و ألزموا الكفارة (1).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتردد: أن الله تعالى قد أوجب على الحالف إذا انعقدت يمينه الوفاء بها، و أن لا يحنث فيها، و قد علمنا أن من حلف على أن يفعل معصية، أو يترك واجبا، فليس يجب عليه الاستمرار على حكم يمينه، و لا الوفاء بها، بل يجب عليه تجنب المعصية، و فعل الواجب.

فعلمنا أن يمينه غير منعقدة، و إذا لم تكن منعقدة فلا حنث، و لا كفارة، لأن الكفارة تتبع انعقاد اليمين.

فإن قيل: لا نسلم أن معنى انعقاد اليمين هو أنه يجب عليه الاستمرار على ما حلف عليه و الوفاء به، بل نقول: إن اليمين منعقدة و إن كان الوفاء بها غير لازم، و نفس انعقاد اليمين بأنه [2] يلزم في الحنث فيها الكفارة.

قلنا: هذا كلام غير محصل لأنه متى لم يكن معنى انعقاد اليمين لزوم الوفاء بها و البقاء على حكمها لم يكن لانعقادها معنى معقول.

____________

[1] لم أجده و لكن حكى في البحر عن الناصر ج 4 ص 242 أنه لا كفارة على من حنث ناسيا أو مخطئا فهو أقرب الى ان يقول: لا كفارة على من حنث بأمر الله (ح).

[2] الظاهر زيادة «بأنه».

____________

(1) المغني لابن قدامة 11: 215، المجموع شرح المهذب 18: 91، مغني المحتاج 4: 325، السراج الوهاج: 573، اللباب في شرح الكتاب 4: 9.

398

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

399

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

400

فأما قولهم: إن معنى الانعقاد هو أن يلزم في الحنث فيها الكفارة فباطل، لأن الحنث إنما يتبع انعقاد اليمين، و يبنى على صحة انعقادها، و كذلك وجوب الكفارة، فكيف يفسر انعقاد اليمين بما هو مبني عليه و تابع له؟! و الذي يدل على أن ما انعقدت عليه اليمين يجب الوفاء به و الاستمرار على حكمه قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1).

فلو انعقدت اليمين على المعصية لوجوب الوفاء بها بظاهر هذه الآية، و قوله تعالى وَ لٰا تَنْقُضُوا الْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا (2) يدل على وجوب الوفاء باليمين المنعقدة، و قد علمنا أن من حلف على فعل معصية يجب عليه نقض بيمينه لا الوفاء بها، فدل على أنها غير منعقدة.

____________

(1) سورة المائدة، الآية: 1.

(2) سورة النحل، الآية: 91.

401

كتاب الفرائض

المسألة التسعون و المائة [الفرائض لا تعول]

«الفرائض لا تعول، و لو مات رجل و خلف أبوين و بنتين و زوجة فللزوجة الثمن، و للأبوين لكل واحد منهما السدس، و ما بقي فللبنتين» (1).

هذا صحيح، و ذهب أصحابنا- بلا خلاف- أن الفرائض لا تعول.

و وافقنا على ذلك ابن عباس، و داود بن علي الأصفهاني (2) و خالفنا باقي الفقهاء (3) و تحقيق هذه المسألة: أن تكون السهام المسماة في الفرائض يضيق عنها المال و لا يتسع لها، كامرأة، خلفت ابنتين و أبوين و زوجا، فللزوج الربع، و للبنتين الثلثان، و للأبوين السدسان.

و هذا مما يضيق عنه المال، لأنه لا يجوز أن يكون للمال ثلثان و سدسان و ربع.

و عندنا في هذه المسألة: أن للأبوين السدسين، و للزوج الربع، و ما بقي فللبنتين، و مخالفونا الذين يذهبون إلى العول يجعلون للزوج الخمس ثلاثة أسهم من خمسة عشر، و للأبوين السدسان، أربعة من خمسة عشر، و للبنتين الثلثان، ثمانية من خمسة عشر.

فقد نسب مخالفونا في العول إلى الله تعالى ما لا يليق بحكمته و عدله، و جميل

____________

(1) حكاه في البحر عن الناصر ج 5 ص 356 (ح).

(2) المجموع شرح المهذب 16: 92- 94، بداية المجتهد 2: 346، المغني لابن قدامة 7: 25، البحر الزخار 6: 356، حلية العلماء 6: 290، المحلى بالآثار 8: 279، المبسوط للسرخسي 29: 161، فتح الباري 12: 19.

(3) المبسوط للسرخسي 29: 161، المغني لابن قدامة 7: 25، المجموع شرح المهذب 16: 92- 94، البحر الزخار 6: 356، بداية المجتهد 2: 346، مغني المحتاج 3: 34، حلية العلماء 6: 289.

402

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

403

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

404

صفاته، لأنه لا يجوز أن يفرض في المال ما لا يتسع المال له، فذلك سفه و عبث.

و لأن الله تعالى فرض للأبوين السدسين في هذه المسألة، و أعطاهما أربعة من خمسة عشر، و هذا خمس و ثلثا عشر لا سدسان.

و فرض للزوج الربع، أعطوه ثلاثة من خمسة عشر، و هذا خمس لأربع.

و فرض للبنتين الثلثين، فاعطوهما ثمانية من خمسة عشر، و هذا ثلث و خمس لا ثلثان.

فإن قالوا: فلم أدخلتم النقصان في هذه المسألة على البنتين دون الجماعة، و الله تعالى قد سمى للبنتين الثلثين، كما جعل للواحدة النصف.

قلنا: المعتمد في إدخال النقص على نصيب البنتين في هذه المسألة و ما شاكلها من المسائل التي يدعي فيها العول: أنا نقصنا من أجمعت الأمة على نقصانه من سهامه و هما البنتان، لأنه لا خلاف- بين من أثبت العول و من نفاه- في أن البنتين منقوصتان ههنا عن سهامهما التي هي الثلثان، و ليس كذلك من عد البنتين من الأبوين و الزوج، لأن الأمة ما أجمعت على نقصانهم و لا قام على ذلك دليل، فلما اضطررنا إلى النقصان و ضاقت السهام عن الوفاء نقصنا من وقع الإجماع على نقصانه، و وفرنا نصيب من لا دليل على وجوب نقصانه، فصار هذا الإجماع دليلا على أنه ليس للبنتين الثلثان على كل حال و في كل موضع، فخصصنا الظاهر بالإجماع، و وفينا الباقين في هذه الفريضة بظواهر الكتاب التي لم يقم دليل على تخصيصها.

و في أصحابنا من يقول في هذا الموضع (1): إن الله تعالى إنما فرض للبنتين الثلثين مع الأبوين فقط إذا لم يكن غيرهم، فإذا دخل في هذه الفريضة الزوج تغيرت

____________

(1) أنظر: مختلف الشيعة: 730، نقله عن الفضل بن شاذان.