المسائل الناصريات

- السيد المرتضى المزيد...
446 /
405

الفريضة التي سمي فيها الثلثين للبنتين، كما أنه لو كان مكان الزوج ابن لتغيرت القسمة، و لم يكن للابنتين الثلثان.

و قالوا أيضا: إن الزوج و الزوجة جعل لهما في الكتاب فرضان أعلى و أسفل، و حطا من الأعلى إلى الأدون، و كذلك جعل للأبوين فرضان، أحدهما أعلى و هو الثلثان للأب و الثلث للام، ثم بين أنهما إذا حجبا عن ذلك حطا إلى السدس، و فرض للابنة النصف، و للابنتين الثلثين، و لم تحط البنات من فريضة إلى أخرى، فيجب إدخال النقص على سهام من لم يلحقه نقص و لا حط من رتبة إلى أخرى، و توفر نصيب من نقص و حط من رتبة عليا إلى سفلى، حتى لا يلحقه نقص بعد آخر فيكون ذلك إجحافا به.

و قالوا أيضا: أجمع المسلمون على أن المرأة لو خلفت زوجا و أبوين و ابنين كان للزوج الربع، و للأبوين السدسين، و ما بقي فللابنين، فيجب أن يكون ما بقي أيضا بعد نصيب الزوج و الأبوين للبنتين، كما لو كان مكانهما ابنان، لأنه [1] لا يجوز أن تكون البنتان أحسن حالا من الابنين، و هو تعالى يقول لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (2).

و في هذا الذي حكيناه عن أصحابنا نظر، و المعول على ما قدمناه و تفردنا به.

و قد روي الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة [2]، قال: جلست إلى ابن

____________

[1] في النسخ: «أنه» و الأصح ما أثبتناه.

[2] أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الهذلي المدني، من أعلام التابعين، و أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، لقي خلقا كثيرا من الصحابة، روى عن ابن عباس، و أبي هريرة، و عائشة، و سهل بن حنيف، و عنه أبو الزناد و الزهري و غيرهما، توفي بالمدينة سنة 98 ه. و قيل غير ذلك. انظر: وفيات الأعيان 3: 115، الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 250، سير أعلام النبلاء 4: 475.

____________

(2) سورة النساء، الآية: 11.

406

عباس، فجرى ذكر الفرائض و المواريث.

فقال ابن عباس: سبحان الله أ ترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا و ثلثا و ربعا.

فقال له زفر بن الأوس البصري [1]: يا بن عباس فمن أول من أعال الفرائض؟

قال: عمر بن الخطاب- لما التقت عنده الفرائض و دافع بعضها بعضا- قال: و الله ما أدري أيكم قدم الله و أيكم أخر، فما أجد شيئا هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، و ادخل على كل ذي حق حق ما دخل عليه من عول الفريضة، و ايم الله لو قدم من قدم الله و أخر من أخر الله ما عالت فريضة.

فقال له زفر بن أوس: فأيها قدم الله و أيها أخر الله؟

فقال ابن عباس: كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلى أخرى فهو ما أخر و لها ما بقي.

و أما ما قدم الله، فكل فريضة إذا زالت عن فرضها الأعلى فإلى فرض أدنى.

فأما ما قدم الله فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله رجع إلى الربع لم يزله عنه شيء.

و الزوجة لها الربع، فإذا زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، إلا أن يكن عددا فيكون ما نصيب واحدة بينهن.

و الام لها الثلث، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس لا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدم الله.

____________

[1] زفر بن أوس بن الحدثان البصري المدني، يقال: أدرك النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و لا يعرف له رواية و لا صحبة، روى عن أبي السنابل قصة سبيعة، و عنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنظر: أسد الغابة 2: 204، تهذيب التهذيب 3: 282- 611.

407

و أما ما أخر ففريضة البنات و الأخوات لهن النصف و الثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما يبقى، فإذا أجمع ما قدم الله و ما أخر بدئ بمن قدم الله فأعطي حقه كاملا، فإن بقي شيء كان لمن أخر، و إن لم يبق شيء فلا شيء له.

فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟

فقال: هبته و الله (1).

فأما ما يتعلق به المخالفون، من تشبيه مسائل العول بمن مات و عليه لجماعة مبالغ من المال مختلفة، و ما يخلفه من المال يضيق عن جميع حقوقهم، فإنه لا خلاف في أن كل واحد من الغرماء يضرب بسهمه في التركة على قدر مبلغ حقه، فإنه لا يدخل النقصان على بعضهم دون بعض.

فالجواب عنه: أن الغرماء بخلاف أهل السهام في الميراث، لأن الغرماء لهم مال معين على الميت، فإن اتسعت التركة للكل يستوفى، و إن ضاقت عنه فالمال الموجود بينهم على قدر سهامهم، بخلافه، و هذه سنة جاهلية، لأنهم كانوا يورثون الرجال دون النساء، و قال الله تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ (2) فبين أن الميراث يستحق بقربى الرحم، و لم يخص النساء دون الرجال.

فإن عولوا في مذهبهم هذا الذي نحن في الكلام عليه على الخبر المروي عن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «يقسم المال على أهل الفرائض، فما تركت فلأولى ذكر قرب» (3).

____________

(1) السنن الكبرى للبيهقي 6: 253، أحكام القرآن للجصاص 3: 22، الكافي 7: 79- 3، تهذيب الأحكام 9: 248- 953، من لا يحضره الفقيه 4: 187- 656.

(2) سورة الأنفال، الآية: 75.

(3) صحيح مسلم 3: 1234- 4، سنن أبي داود 3: 122- 2898، جامع الأصول 9: 624- 7421، كنز العمال 11: 4- 30373، بتغيير يسير في بعض ألفاظه.

408

و في خبر آخر: «ما أبقت الفرائض فلأولى ذكر» (1).

و في رواية أخرى: «فلأولى عصبة ذكر» (2).

و في رواية أخرى: «فلأولى رجل ذكر عصبة» (3).

فالجواب عنه: أن هذا خبر مقدوح في روايته و طريقه بما هو معروف، و مع هذا فإنه يخالف ظاهر الكتاب الذي تلوناه، و العمل بالكتاب أولى من العمل به.

و أيضا فإن ابن عباس الذي أسند هذا الخبر إليه خالف مضمون الخبر، و قوله في نفي العصبة مشهور معروف (4) و راوي الحديث إذا خالفه كان قدحا في الحديث.

على أن مخالفينا في مسألة العصبة يناقضون و يخالفون الأخبار التي رووها في التعصيب، و يذهبون في بنت و أخ و أخت إلى أن للبنت النصف و ما بقي فبين الأخ و الأخت للذكر مثل حظ الأنثيين، فقد خالفوا بهذه القسمة النص، لأنه لا نصيب للأخ و الأخت مع الولد.

و خالفوا أيضا الأحاديث التي رووها في التعصيب، لأنهم أعطوا الأخت مع العصبة الذكر، و أحاديث التعصيب تقتضي أن يعطوا البنت النصف، و الباقي للأخ، لأنه أولى عصبة رجل قرب، و ما كان ينبغي أن يعطوا الأخت شيئا.

و يخالفون أيضا أخبار التعصيب فيمن ورثته بنت و ابن ابن، و بنت ابن، فيشركون بين ابن الابن و بنت الابن في النصف.

____________

(1) صحيح مسلم 3: 1233- 2، صحيح البخاري 8: 555- 1583.

(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 25- 27- 143، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 167.

(3) سنن الدار قطني 4: 71- 11، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 71، أحكام القرآن للجصاص 3: 143.

بتغيير يسير.

(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 26، السنن الكبرى للبيهقي 6: 233، المبسوط للسرخسي 29: 157، فتح الباري 12: 19.

409

و يخالفون أيضا أخبارهم في بنت و أخت و عم، و يسقطون العم- و هو أولى عصبة ذكر- و يعطون الأخت.

و مما يقال لهم: إذا جاز أن يكون للأخوات و هن بنات الأب الثلثان، و إذا [1] كان الابن أحق بالتعصيب من الأب، و الأب أحق بالتعصيب من الأخ، و أخت الابن أحق بالتعصيب كثيرا من أخت الأخ.

فإذا قالوا: إنما جعلت الأخت عصبة عند عدم الأخ.

قيل لهم: يلزمكم أن تجعلوا البنت عصبة عند عدم الابن.

فإن قالوا: البنت لا تعقل عن أبيها.

قلنا: و الأخت قد جعلتموها عصبة مع البنات و إن كانت لا تعقل.

فإن قالوا: نحن نخص الحديث الوارد- بأن الذي ينفى الفرائض لأولي عصبة ذكر و يستعمله في بعض المواضع دون بعض- للأدلة الموجبة لذلك.

قلنا: نحن أيضا إذا سلمنا أحاديث العصبة يمكنا أن نحملها على الخصوص في بعض المواضع الموافقة لمذهبنا، كرجل مات و خلف أختين لأم، و ابن أخ و بنت أخ لأب و أم، و أخا لأب، فإن الأختين من الام فريضتهما الثلث، و ما بقي فلأولى ذكر قرب، و هو الأخ من الأب، دون ابن الأخ و بنت الأخ، لأنه أقرب منهما ببطن.

و كذلك لو خلف الميت امرأة و عما و عمة و خالا و خالة، و ابن الأخ أو أخا، فللمرأة الربع و ما بقي فلأولى ذكر، و هو لا يدخل النقصان على بعض دون بعض لتساوي أحوالهم، و ليس كذلك مسائل العول، لأنا قد بينا أن في أصحاب الفرائض من لا يجوز أن ينقص من سهم مفروض و فيهم من هو أولى أن ينقص، فخالفت حالهم حال الغرماء.

____________

[1] الظاهر زيادة: «و إذا».

410

على أن الغرماء إذا ضاقت التركة عن استيفاء ما لهم فأخذ ذلك الموجود بقدر حصصهم لا يقول أحد من الأمة أن كل واحد منهم قد أخذ جميع دينه الذي على الميت، بل يقول أخذ بعضا.

و مخالفونا في مسألة العول يقولون: إن الزوج قد أخذ الربع، و الأبوين السدسين، و البنتين الثلثين، فيسمون الشيء بما لا يطابق معناه، و أحد لا يقول في غريم كان له ألف على الميت فأخذ مائة لضيق التركة، إنه قد أخذ ألفا.

فأما ما يدعونه على أمير المؤمنين (عليه السلام) من انه كان يقول بالعول، و ان سائلا سأله و هو يخطب على المنبر عن ابنتين و أبوين و زوجة؟ فقال: «صار ثمنها تسعا» (1).

فالجواب: إن هذا الخبر مطعون عليه عند أصحاب الحديث، مقدوح في رواية، و لو سلم من كل قدح لكان خبرا واحدا لا يوجب قطعا و لا علما.

على انه يتضمن بما لا يليق به (عليه السلام)، لأن سائلا سأله عن ميراث المذكورين في المسألة، و أجاب عن حال الزوجة، و لم يجب عن ميراث البنتين و الأبوين، و إغفال ذلك غير جائز على مثله (عليه السلام).

و قد قيل في هذا الخبر- إن صح-: يجوز أن يكون المراد به: صار ثمنها تسعا عند من يرى العول و يذهب إليه على سبيل التهجين له و الذم (2)، كما قال تعالى ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (3) أي عند قومك و أهلك.

و قيل أيضا: يجوز أن يكون أراد الاستفهام فأسقط حرفه، كما روي عن ابن

____________

(1) تهذيب الأحكام: 9: 257، المجموع شرح المهذب 16: 94، المبسوط للسرخسي 29: 164، البحر الزخار 6: 356.

(2) انظر: تهذيب الأحكام 9: 258.

(3) سورة الدخان، الآية: 49.

411

عباس في قوله تعالى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (1) في أنه أراد أفلا اقتحم العقبة؟ (2).

و كما قال عمر بن أبي ربيعة [1]:

ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرا عدد القطر و الحصى و التراب (4) و أراد الاستفهام فحذف حرفه استغناء بظهوره.

المسألة الحادية و التسعون و المائة [لا يرث الجد مع الولد و لا ولد الولد و إن سفل]

«لا يرث الجد مع الولد، و لا ولد الولد و إن سفل» [2].

هذا صحيح و إليه يذهب أصحابنا، و الفقهاء يخالفون فيه (5) و في أصحابنا من ذهب إلى خلافه، و أعطى الجد سهما مع ولد الولد (6)، و هو خطأ ممن ذهب إليه.

و الذي يدل على صحة ما ذكرناه: إجماع الطائفة عليه.

و أيضا فإن ولد الولد ولد للميت، و يستحق هذه التسمية على سبيل الحقيقة،

____________

[1] عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي القرشي، أبو الخطاب، الشاعر المشهور، لم يكن في قريش أشعر منه، ولد سنة 23 ه، في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب فسمي باسمه، و غزا في البحر فأحرقوا السفينة فاحترق في حدود سنة 93 ه. أنظر: وفيات الأعيان 3: 436- 490 الأغاني 1: 28، الشعر و الشعراء 348، الأعلام للزركلي 5: 52.

[2] لم أجده و انما حكى في البحر عن الناصر سقوط الجدات مع الابن ج 5 ص 341 و حكى هناك أن البنت تسقط العصبات و لم يذكر إسقاطها للجدات (ح).

____________

(1) سورة البلد، الآية: 11.

(2) أنظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 20: 66 ما لفظه، و قال. و جماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام.

(4) الصحاح 2: 598، تاج العروس 10: 261، لسان العرب 4: 82.

(5) المجموع شرح المهذب 16: 70، حلية العلماء 6: 304، بداية المجتهد 2: 43، المبسوط للسرخسي 29: 180.

(6) من لا يحضره الفقيه 4: 208- 705.

412

على ما استدل [1] عليه- بمشيئة الله و عونه- في المسألة التي تلي مسائلنا هذه.

و إذا ثبت أن ولد الولد يعمهم أسهم [2] الولد، و كان الجد بلا خلاف لا يرث مع الولد، فلا يجوز أن يرث مع أولاد الأولاد و هم أولاد على الحقيقة.

فإن قيل: إذا كان أولاد ولد الميت و إن سفلوا أولادا على الحقيقة، فيجب أن يكون الجد أبا على الحقيقة، لأنه لا يجوز أن يكون لزيد ولد إلا و هو له والد، و إذا كان الأجداد آباء على الحقيقة كان أولاد الأولاد أولادا على الحقيقة، فيجيء من ذلك أن يكون قوله تعالى وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (3) متناولا للآباء و الأجداد، و هذا خلاف الإجماع.

قلنا: لو تركنا و الظاهر لحكمنا بأن قوله تعالى وَ لِأَبَوَيْهِ يقع على الآباء و الأجداد، لكن أجمعت الأمة على أنه يتناول الآباء دون الأجداد، فقلنا بذلك بالإجماع، و خصصنا ظاهر الكتاب، و لا يجوز إذا خصصنا هذا الموضع بالإجماع أن نخص الظواهر التي تتناول الأولاد مع عمومها لولد الولد بغير دليل، فبان الفرق بين الأمرين.

المسألة الثانية و التسعون و المائة [و لو مات رجل و خلف بنت بنت و زوجة فللزوجة الثمن كما لو ترك بنتا]

«و لو مات رجل و خلف بنت بنت و زوجة فللزوجة الثمن كما لو ترك بنتا» [3].

هذا صحيح و إليه يذهب أصحابنا، و خالف باقي الفقهاء فيه، و ذهبوا إلى أن ولد

____________

[1] في (ط) و (د): «سندل».

[2] كذا، و الظاهر: «اسم الولد».

[3] لم أجده (ح).

____________

(3) سورة النساء، الآية: 11.

413

البنت لا يحجبون (1).

و في بعض المتقدمين من لم يحجب بولد الابن كما لم يحجب بولد البنت، و فقهاء الأعصار إلى الآن يجبون بولد الابن و إن سفل.

و الدليل على هذه المسألة بعد الإجماع المتقدم: أن ولد البنت يقع عليهم اسم الولد، كما أن ولد الابن يقع عليهم هذا الاسم، و جميع ما علق الله تعالى من الأحكام بالولد فإنه قد عم به ولد الولد، كقوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ إلى قوله وَ بَنٰاتُ الْأَخِ وَ بَنٰاتُ الْأُخْتِ. وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ (2). و قوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ. أَوْ أَبْنٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ (3) فعم الحكم بذلك أولاد الأولاد بظاهر الاسم و عموم اللفظ.

و إذا كان أولاد البنت يقع عليهم اسم الولد كوقوعه على ولد الابن، حجبوا الزوجة من الربع إلى الثمن، كما يحجب أولاد الابن.

فإن قيل: ولد الولد يقع عليهم اسم الولد على سبيل المجاز لا الحقيقة.

قلنا: هذا إقرار بلا برهان، و إذا وقع اسم الولد على ولد الولد فالظاهر أنه حقيقة، لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة، و المجاز طار عليها، و من ادعى المجاز في لفظ مستعمل فعليه الدليل، لأنه عادل عن الظاهر.

فإن قيل: لو حلف رجل بالطلاق أن لا ولد له لم يحنث إلا أن ينويهم، فدل ذلك على أنه مجاز، فلو كانت حقيقة لحنث من غير نية.

قلنا: يحنث عندنا و إن لم يكن له نية، لأن اسم الولد واقع على ولد الولد حقيقة.

____________

(1) المغني لابن قدامة 7: 93، الشرح الكبير 7: 127، اللباب في شرح الكتاب 4: 189.

(2) سورة النساء، الآية: 23.

(3) سورة النور، الآية: 31.

414

المسألة الثالثة و التسعون و المائة [بنت و أخ لأب و أم فالمال كله للبنت]

«بنت و أخ لأب و أم فالمال كله للبنت» [1].

هذا صحيح، و إليه يذهب أصحابنا لا خلاف بينهم فيه، و خالف في ذلك باقي الفقهاء، فورثوا الأخ مع البنت للتعصيب (1).

و كان ابن عباس (رحمه الله) ينكر القول في العصبة، و يذهب إلى مذهبنا فيه، و قوله في ذلك مشهور (2)، و وافقه جابر بن عبد الله الأنصاري [2].

و قيل: إن ابن الزبير كان يقضي بخلاف العصبة (4).

قال إبراهيم النخعي أيضا- في رواية الأعمش [3] عنه- كان يذهب إلى ذلك (6).

و الذي يدل على ان للبنت المال كله دون الأخ الإجماع المتقدم.

و أيضا فإن البنت و إن كان لها اسم النصف، فإنها تستحق النصف الآخر دون الأخ بالقربى، لأنها أقرب إلى الميت من أخيه بلا شبهة، لأنها تتقرب بنفسها و الأخ

____________

[1] حكى في البحر عن الناصر ان البنت تسقط العصبات ج 5 ص 341 (ح).

[2] لم نعثر عليه.

[3] سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي، أبو محمد المعروف بالأعمش، ولد سنة 61 ه. و سكن الكوفة، و أصله من الري، و كان معروفا بالفضل و الثقة، روى عن إبراهيم التيمي، و أبي وائل، و سعيد بن جبير، و مجاهد، و إبراهيم النخعي، و عنه أبو إسحاق السبيعي، و الحكم بن عتبة، و سفيان الثوري و غير هم مات سنة 148 ه. انظر: تاريخ بغداد 9: 3- 4611، وفيات الأعيان 2: 400- 271، تذكرة الحفاظ 1: 145، الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 342، تهذيب التهذيب 4: 195- 386، رجال الطوسي: 206.

____________

(1) مغني المحتاج 3: 18، السراج الوهاج: 326، المبسوط للسرخسي 29: 157، الفتاوى الهندية 6: 452، بداية المجتهد 2: 342، المغني لابن قدامة 7: 6.

(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 26، السنن الكبرى للبيهقي 6: 233، المبسوط للسرخسي 29: 157، فتح الباري 12: 19.

(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 26، المحلى بالآثار 8: 268، المجموع شرح المهذب 16: 82.

(6) السنن الكبرى للبيهقي 6: 233، المجموع شرح المهذب 16: 82.

415

يتقرب بالجد فقرابتها أقرب، و لا شبهة في أن من يرث بالقربى و النسب يعتبر فيه قرب القرابة.

فإن قالوا: يورث الأخ بالتعصيب.

قلنا: لا حجة لكم فيما ذهبتم إليه من التعصيب، و قولكم بالتعصيب خارج عن الكتاب و السنة، لأن الله تعالى يقول لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمّٰا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (1) فلم يجعل للرجال من الميراث شيئا دون النساء، و من ذهب إلى توريث العصبة خالف هذا الظاهر و عم [1] الأخ و ابن الأخ.

و في أصحابنا من حمل خبر التعصيب- إن صح- على أن المراد ب«ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر» أي أولى من ذكره الله تعالى من قرابة الميت، و يستحق بالقربى ميراثه، و يكون لفظة «ذكر» ها هنا فعلا ماضيا لا اسما كما ذهبوا اليه [2].

و قد روى أبو سلمة [3] خبر أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «من ترك مالا فلأهله» (5) و هذا يدل على أن خبر العصبة إنما أراد به الأهل، من غير تخصيص لذكر من أنثى.

____________

[1] في النسخ: «و عمل» و الظاهر ما أثبتناه. و قوله: «و ابن الأخ» ساقط من (ط) و (د).

[2] لم نقف عليه في المصادر المتوفرة.

[3] أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني اسمه كنيته، و قيل: عبد الله، و قيل إسماعيل، كان من التابعين، روى عن أبيه، و أم سلمه، و أبي هريرة، و ابن عباس، و روى عنه ابنه عمر، و عروة، و الشعبي، و أبو الزناد و غيرهم، مات بالمدينة سنة 94 ه. و قيل 104 ه. انظر: تهذيب التهذيب 12: 127- 536، تذكرة الحفاظ 1: 63، طبقات الفقهاء للشيرازي: 31، سير اعلام النبلاء 4: 287.

____________

(1) سورة النساء، الآية: 7.

(5) سنن الترمذي 4: 360- 2090، مسند أحمد 2: 450، سنن أبي داود 3: 137- 2954، مجمع الزوائد 4: 227، نصب الراية 4: 59.

416

و روى أبو عمر غلام ثعلب [1] عن ثعلب [2] قال: قال ابن الأعرابي [3]: العصبة جميع الأهل من الرجال و النساء، و قال: هذا معروف عند العرب مشهور [4].

و قال الخليل [5] في كتاب (العين): العصبة مشتقة من الأعصاب، و هي التي تصل بين أطراف العظام، و هذا الاشتقاق يقتضي أن البنات كالبنين و أولادهن في اللحمة بالميت و الاتصال به [6].

____________

[1] محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر البغوي، المعروف بغلام ثعلب، ولد سنة 261 ه. أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين، و لازم ثعلبا زمانا فعرف به و نسب إليه و أكثر من الأخذ عنه، سمع من موسى بن سهل، و أحمد بن عبيد الله، و محمد بن يونس، و روى عنه ابن مندة، و القاضي بن المنذر، و أبو الحسن الحمامي، مات سنة 345 ه. أنظر: وفيات الأعيان 4: 329- 638، البداية و النهاية 11: 245، تاريخ بغداد 2: 356، سير اعلام النبلاء 15: 508.

[2] أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي الشيباني بالولاء، المعروف بثعلب، ولد سنة مأتين للهجرة، كان إمام الكوفيين في النحو و اللغة، و كان ثقة صالحا مشهورا بالحفظ، سمع ابن الأعرابي، و الزبير بن بكار، و روى عنه الأخفش الأصغر، و أبو بكر، و ابن الأنباري، و أبو عمر الزاهد و غيرهم، و صنف كتاب منها:

«المصون» في النحو، مات سنة 291 ه. أنظر: وفيات الأعيان 1: 102- 43، مروج الذهب 4: 284، تذكرة الحفاظ 2: 666، روضات الجنات 1: 210.

[3] أبو عبد الله محمد بن زياد الكوفي المعروف بابن الأعرابي مولى بني هاشم، ولد سنة 150 ه. كان أحد العالمين باللغة و المشهورين بمعرفتها، و كان يحضر مجلسه خلق كثير يملي عليهم، و أخذ عن أبي معاوية الضرير و القاسم بن معن، و أخذ عنه أبو العباس ثعلب، و ابن السكيت، و إبراهيم الحربي و غيرهم، و من تصانيفه «النوادر»، و «الألفاظ»، مات سنة 231 ه. أنظر: وفيات الأعيان 4: 306- 633، تاريخ بغداد 5: 282- 2781.

[4] لم أقف على هذا القول في المصادر المتوفرة.

[5] أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري، منشئ علم العروض، و شيخ النحاة، ولد سنة 100 ه، حدث عن أيوب السختياني و عاصم الأحول، و أخذ عنه سيبويه، و الأصمعي و آخرون، له كتب منها:

«العين» في اللغة، مات سنة 170 ه. على المشهور بالبصرة أنظر: وفيات الأعيان 2: 244- 220، سير اعلام النبلاء 7: 429، البداية و النهاية 10: 166.

[6] أورد الخليل لغة العصبة في كتاب العين، و لكنه لا يتفق مع ما نقله السيد (ره) في المتن لا حظ العين 1:

308- 309.

417

المسألة الرابعة و التسعون و المائة [بنت و ابن ابن المال كله للبنت كما لو ترك ابنا و ابن ابن]

«بنت و ابن ابن المال كله للبنت كما لو ترك ابنا و ابن ابن» [1].

هذا صحيح، و إليه يذهب أصحابنا، و خالف الفقهاء كلهم فيه (1).

و الدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتقدم.

و أيضا قد دللنا على أن البنت كالابن في تناول اسم الولد لهما على الحقيقة، و إذا كانت ولدا للمتوفى فلم يرث معها ولد الولد لنزوله عنها بدرجة، كما لا يرث ابن الابن مع الابن.

المسألة الخامسة و التسعون و المائة [خال و خالة المال بينهما نصفان]

«خال و خالة: المال بينهما نصفان» [2].

هذا صحيح، و إليه يذهب أصحابنا، و أبو حنيفة و أصحابه يوافقونا على توريث ذوي الأرحام، إلا انهم لا يسوون بين الخال و الخالة في القسمة كما سوينا (2).

و خالف الشافعي، و مالك في توريث ذوي الأرحام (3).

____________

[1] حكى في البحر عن الناصر ان البنت تسقط العصبات ج 5 ص 341 (ح).

[2] هذا هو المذهب للهادية اتباع الهادي (عليه السلام) انه لا يفرق بين الذكر و الأنثى في ذوي الأرحام و ذكره في البحر و لم يذكر فيه للناصر قولا ج 5 ص 355 (ح).

____________

(1) البحر الزخار 6: 342، مغني المحتاج 3: 14، أحكام القرآن للجصاص 3: 15.

(2) المبسوط للسرخسي 30: 3، 19، 20، اللباب في شرح الكتاب 4: 200، حلية العلماء 6: 262، المجموع شرح المهذب 16: 56، بداية المجتهد 2: 337.

(3) المجموع شرح المهذب 16: 55، حلية العلماء 6: 261، بداية المجتهد 2: 337، الموطأ 2: 518، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8: 59، المغني لابن قدامة 8: 83.

418

و كان يذهب إلى توريث ذوي الأرحام من الصحابة عمر بن الخطاب، و عائشة، و أبو هريرة (1).

الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتردد، قوله تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ (2) و أيضا قوله تعالى لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ (3).

فظاهر هذه الآية يقتضي توريث الإناث، و ذوي الأرحام قرابات فوجب توريثهم.

و أيضا ما رواه سهل بن حنيف [1] عن عمر، عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «الله تعالى و رسوله مولى من لا مولى له، و الخال و إرث من لا وارث له» (5).

و أيضا ما رواه المقدام بن معديكرب [2]، ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «من ترك

____________

[1] سهل بن حنيف الأوسي الأنصاري أبو ثابت، شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و ثبت يوم أحد لما انهزم الناس، و صحب علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين بويع له، و استخلفه على المدينة لما سار إلى البصرة، و شهد معه صفين، و ولاه بلاد فارس، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و زيد بن ثابت، و عنه ابناه، و أبو وائل، و ابن أبي ليلى مات سنة 38 هبالكوفة. أنظر: أسد الغابة 2: 354، تهذيب التهذيب 4: 220- 439، سير اعلام النبلاء 2: 325.

[2] أبو يحيى المقدام بن معديكرب الكندي، و فد على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من كندة، نزل حمص، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و معاذ بن جبل، و خالد بن الوليد، و أبي أيوب الأنصاري، و عنه ابنه يحيى، و خالد بن معدان، و الشعبي، و شريح، و مات بالشام سنة 87 ه. أنظر: أسد الغابة 4: 411، الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 415، سير اعلام النبلاء 3: 327، تهذيب التهذيب 19: 255، الإصابة في تمييز الصحابة 3: 455- 8184.

____________

(1) المجموع شرح المهذب 16: 56، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8: 59، المغني لابن قدامة 7: 83.

(2) سورة الأنفال، الآية: 75.

(3) سورة النساء، الآية: 7.

(5) سنن الدار قطني 4: 85- 53، سنن الترمذي 4: 367- 2103، سنن ابن ماجة 2: 914- 2737، مسند أحمد 1: 28، السنن الكبرى للبيهقي 6: 214.

419

كلا فإلي، و من ترك مالا فلورثته، و أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه و إرثه، و الخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه و يرثه» (1).

و أيضا ما روي من أن ثابت بن الدحداح [1] مات، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لعاصم بن عدي [2]: «هل تعلم له نسبا في العرب؟».

فقال: يا رسول الله كان رجلا أبيا، فتزوج عبد المنذر أخته، فولدت له أبا لبابة [3].

فجعل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ميراثه لأبي لبابة، و هو ابن أخته (5).

و هذا يقتضي توريث ذوي الأرحام.

فإن احتج المخالف بما رواه أبو أمامة الباهلي: من أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «إن الله

____________

[1] ثابت بن الدحداح و يقال: الدحداحة بن نعيم بن غنم، يكنى أبا الدحداح، كان في بني أنيف أو في بني عجلان، من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) شهد أحدا، و كان يدعو المسلمين إلى نصرة دينهم بعد أن أوقع المشركون فيهم الهزيمة، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم). أنظر: أسد الغابة 1: 221، الإصابة 1: 191، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 1: 195.

[2] أبو عبد الله عاصم بن عدي بن العجلان البلوي، حليف بنى عمرو، سيد بني العجلان، شهد بدرا و أحدا و المشاهد كلها مع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و قيل: لم يشهد بدرا، و هو الذي سأل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لعويمر العجلاني فنزلت قصة اللعان، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و روى عنه عامر الشعبي، و ابنه، مات سنة 45 ه، أنظر: أسد الغابة 3: 75، سير اعلام النبلاء 1: 321، تهذيب التهذيب 5: 43- 80.

[3] أبو لبابة بشير بن عبد المنذر، و قيل: اسمه رفاعة، شهد العقبة، و سار مع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الى بدر فرده إلى المدينة فاستخلفه عليها، روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عمر بن الخطاب، و روى عنه ولداه، و عبد الله بن عمر، و سالم، و نافع و غيرهم، مات في خلافة علي (عليه السلام) أنظر: أسد الغابة 5: 284، تهذيب التهذيب 12: 235- 989، الإصابة في تمييز الصحابة 4: 168، رجال الطوسي: 9.

____________

(1) سنن أبي داود 3: 123- 2899، سنن الترمذي 4: 367- 2103، نصب الراية 4: 59، جامع الأصول 9: 618- 7408، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8: 60.

(5) السنن الكبرى للبيهقي 6: 215، سنن الدارمي 2: 381، أسد الغابة 5: 185.

420

قد أعطى كل ذي حق حقه» (1) فموضع الدليل: ان الله تعالى بين فرض من له حق في الكتاب، و العمة و الخالة و غيرهما من ذوي الأرحام ما ذكر فرضهم في الكتاب، فلا حق لهم.

و الجواب: أن الله تعالى قد بين حقهم في الكتاب- و إن كان على سبيل الجملة دون التفصيل- بقوله تعالى لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ (2) الآية، و بقوله تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ (3).

فإن تعلقوا بما رواه عطاء بن سيان [1] أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) دعي إلى جنازة رجل من الأنصار، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) «ما ترك؟» فقالوا: ترك عمته و خالته.

فقال: «اللهم رجل ترك عمته و خالته» فلم ينزل عليه شيء.

فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): «لا أجد لهما شيئا» (5).

و الجواب: أن هذا الحديث منقطع الاسناد، يضعف الاحتجاج به، و بعد:

فيحتمل أن يريد به (عليه السلام) لا أجد [2] لهما شيئا معينا محدودا كما حدد نصيب غيرهم.

و مما يجوز أن يستدل به على توريث ذوي الأرحام: أن ذوي الأرحام لهم

____________

[1] الظاهر أنه تصحيف، و الصحيح- كما في سنن البيهقي- عطاء بن يسار و هو: عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني القاص، مولى ميمونة زوج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) روى عن معاذ بن جبل، و أبي ذر، و أبي الدرداء، و أبي هريرة و غيرهم، و روى عنه أبو سلمة، و عمرو بن دينار، و زيد بن أسلم مات سنة 103 ه. و قيل غير ذلك. أنظر:

تهذيب التهذيب 7: 194- 400، الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 173، تذكرة الحفاظ 1: 90، سير اعلام النبلاء 4: 448.

[2] في (ط) و (م): «لا أحد».

____________

(1) سنن أبي داود 3: 296- 3565، سنن الترمذي 4: 376- 2120، مسند أحمد 5: 267، سنن ابن ماجة 2: 905- 2713، السنن الكبرى للبيهقي 6: 215.

(2) سورة النساء، الآية: 7.

(3) سورة الأنفال، الآية: 75.

(5) السنن الكبرى للبيهقي 6: 212.

421

نسب و إسلام، و لجماعة المسلمين الإسلام فقط، فذوي الأرحام أحق من بيت المال لاجتماع السنن لهم [1].

المسألة السادسة و التسعون و المائة [عم و خال المال بينهما للعم الثلثان و للخال الثلث]

«عم و خال: المال بينهما، للعم الثلثان و للخال الثلث» [2].

هذا صحيح، و إليه يذهب أصحابنا، و خالف باقي الفقهاء في ذلك و ورثوا العم دون الخال بالتعصيب الذي قد بينا فساده.

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتردد.

و أيضا فإن من ورث العم في هذه المسألة دون الخال إنما اعتبر العصبة، و قد بينا فساد التعلق بالعصبة.

و إذا كانت قرابة العم من الميت كقرابة الخال من الميت- لأن العم أخو أبيه، و الخال أخو امه- وجب أن يورث كل واحد منهما سهم من تقرب به، فيرث العم سهم الأب و هو الثلثان، و يرث الخال سهم الام و هو الثلث.

المسألة السابعة و التسعون و المائة [نحن نرث المشركين و نحجبهم]

«نحن نرث المشركين و نحجبهم» [3].

هذا صحيح، و إليه يذهب أصحابنا، و روي القول بمثل مذهبنا عن معاوية بن أبي سفيان [4] و معاذ، و محمد بن الحنفية [5] و مسروق [6] و عبد الله بن معقل المزني [7]

____________

[1] في (ط) و (د): «لإجماع المسلمين لهم».

[2] لم أجده (ح).

[3] لم أجده على إطلاقه و حكى في البحر عن الناصر ان المسلم يرث من الذمي ج 5 ص 395 (ح).

[4] معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، أبو عبد الرحمن، أسلم يوم الفتح، و كان هو و أبوه من المؤلفة قلوبهم، و لم يزل واليا على ما كان أخوه يتولاه بالشام خلافة عمر، فلما استخلف عثمان جمع له الشام جميعه، و لم يزل كذلك إلى أن قتل عثمان، فانفرد بالشام، و لم يبايع عليا (عليه السلام)، فكانت واقعة صفين بينه و بين علي (عليه السلام) مشهورة مات سنة 60 ه. أنظر: أسد الغابة 4: 285، الإصابة في تمييز الصحابة 3: 433، تاريخ بغداد 1: 207، سير اعلام النبلاء 3: 119.

[5] أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الهاشمي القرشي المعروف بابن الحنفية، ولد لثلاث بقين من خلافة عمر، و نشأ في كنف أبيه و شهد حروبه، و كان كثير العلم و الورع، روى عن أبيه، و ابن عباس، و عنه أولاده، و ابن أخيه محمد، و عطاء، و المنهال، توفي سنة 73. أنظر: وفيات الأعيان 4: 169- 559، الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 91، تهذيب التهذيب 9: 315، حلية الأولياء 3: 174.

[6] مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي الكوفي أبو عائشة، من فقهاء التابعين و من الخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) روى عن علي (عليه السلام) و أبي بكر، و عمر، و معاذ بن جبل، و ابي بن كعب و غيرهم، و روى عنه الشعبي، و إبراهيم النخعي، و مكحول، مات سنة 62 ه. أنظر: تهذيب التهذيب 10:

100- 206، أسد الغابة 4: 354، سير اعلام النبلاء 4: 63، رجال الكشي: 97، تاريخ بغداد 13: 232، طبقات الفقهاء للشيرازي 59.

[7] عبد الله بن معقل بن مقرن، أبو الوليد المزني الكوفي، تابعي ثقة من خيار التابعين، روى عن أبيه و علي (عليه السلام) و ابن مسعود، و عنه أبو إسحاق السبيعي، و زياد بن أبي مريم، و أبو إسحاق الشيباني و غيرهم، مات سنة 88 ه. أنظر: تهذيب التهذيب 6: 36- 70، سير اعلام النبلاء 4: 206.

422

و سعيد بن المسيب (6).

و خالف باقي الفقهاء في ذلك و قالوا: إن المسلم لا يرث الكافر، و الكافر لا يرث المسلم (7).

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتردد، و ظاهر آيات المواريث في الكتاب، لأنه تعالى قال يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (8) و لم يخص مؤمنا من كافر.

____________

(6) المجموع شرح المهذب 16: 58، المبسوط للسرخسي 30: 30، المغني لابن قدامة 7: 166، بداية المجتهد 2: 350.

(7) حلية العلماء 6: 262، المجموع شرح المهذب 16: 58، مغني المحتاج 3: 24، المبسوط للسرخسي 30: 30، اللباب في شرح الكتاب 4: 197، المغني لابن قدامة 7: 165- 166، بداية المجتهد 2: 350.

(8) سورة النساء، الآية: 11.

423

و باقي الآيات و علقت المواريث فيها بالأنساب أو الزوجية، و عمت المؤمن و الكافر.

و أيضا ما رواه أبو الأسود الدؤلي [1]: أن رجلا حدثه أن معاذا قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: «الإسلام يزيد و لا ينقص» (2) فورث معاذ المسلم، و ورثه معاوية بن أبي سفيان و قال: كما يحل لنا النكاح منهم و لا يحل لهم منا، فكذلك نرثهم و لا يرثونا.

فإن تعلق المخالف بما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «لا يرث المسلم الكافر و لا الكافر المسلم» (3).

و بخبر آخر: «لا يتوارث أهل ملتين» (4).

فالجواب عن ذلك: أن الخبر الأول إذا صح فظاهر القرآن يدفعه، و أخبار الآحاد لا يخص بها القرآن، و لو ساغ العمل بها في الشريعة.

ثم يجوز أن يكون المراد به: أن مظهر الإسلام الذي لا يبطنه لا يرث الكافر،

____________

[1] أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي البصري، ولد في أيام النبوة، و كان فقيها شاعرا قاضيا بالبصرة، و هو أول من وضع النحو بأمر علي (عليه السلام) و كان من أصحاب علي و الحسن و الحسين و علي بن الحسين (عليهم السلام) روى عن علي (عليه السلام) و عمر، و معاذ، و أبي ذر، و ابن مسعود و غيرهم، و عنه ابنه و عبد الله بن بريدة، مات سنة 69 ه. أنظر:

رجال الطوسي: 46، 69، 75، 95، تهذيب التهذيب 12: 12، العبر 1: 77، سير اعلام النبلاء 4: 81.

____________

(2) سنن أبي داود 3: 126- 2912، السنن الكبرى للبيهقي 6: 205، جامع الأصول 9: 604- 7381، كنز العمال 1: 66- 245، أحكام القرآن للجصاص 3: 36.

(3) صحيح البخاري 8: 563- 1612، صحيح مسلم 3: 1233- 1614، سنن أبي داود 3: 125- 2909، سنن الترمذي 4: 369- 2107، سنن ابن ماجة 2: 911- 2729، السنن الكبرى للبيهقي 6: 217، أحكام القرآن للجصاص 3: 38.

(4) سنن أبي داود 3: 126- 2911، سنن الدار قطني 4: 72- 16، سنن الترمذي 4: 370- 2108، سنن ابن ماجة 2: 912- 2731، مسند أحمد 2: 178، 195، السنن الكبرى للبيهقي 6: 218، نصب الراية 3: 395- 4: 330، أحكام القرآن للجصاص 3: 38.

424

و قد سمى الله تعالى مظهر الشيء باسم مبطنة، قال الله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (1) لا خلاف بين المسلمين في أن المراد بذلك مظهر الأيمان.

فإن قيل: هذا يقتضي أن لا يورث مظهر الإسلام الكافر.

قلنا: الخبر إنما يدل على حظر أن يرث مظهر الإسلام- من غير إبطانه له- الكافر، فأما الحكم بتوريثه فقد يجوز أن يحكم بأن أظهر الإسلام- ممن يجوز أن يكون مبطنا له، و إن كنا نجوز أن يكون باطنه خلاف ظاهره- بتوريثه للكافر على الظاهر، و إن كان لا يحل لمن يعلم من نفسه إبطال خلاف الإسلام أن يرث الكافر.

فأما الخبر الثاني: فالأمر فيه واضح، لأن التوارث تفاعل، و إذا لم يكن من الجهتين لم يطلق عليه اسم التفاعل، و نحن نقول إن المسلم يرث الكافر و لا يرثه الكافر، فلا توارث بين الملتين [1].

____________

[1] قوله: «فلا توارث بين الملتين» ساقط من (ط) و (د).

____________

(1) سورة النساء، الآية: 92.

425

كتاب القضاء

426

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

427

المسألة الثامنة و التسعون و المائة [يقضي بشاهد و يمين المدعي إذا كان المدعي عدلا و إلا لم يقض]

«يقضى بشاهد و يمين المدعي إذا كان المدعي عدلا، و إلا لم يقض» [1].

هذا صحيح، و إليه ذهب أصحابنا.

و قال الشافعي: يقضى بالشاهد و اليمين في الأموال (1).

و قال أبو حنيفة: لا يقضى به على كل حال (2).

دليلنا بعد الإجماع المتردد: ما رواه عمرو بن دينار، عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قضى باليمين مع الشاهد (3) قال عمرو: كان ذلك في الحقوق (4)، و روى هذا الخبر أبو هريرة، و جابر و غيرهما (5).

فإن قيل: المراد بالخبر أنه قضى بيمين المدعى عليه و شاهد المدعي.

قلنا: هذا تعسف شديد من التأويل، و ظاهر الخبر يقتضي أن القضاء كل مجموع الشاهد و اليمين، و تأثير كل واحد منهما، و على تأويلكم- هذا- القضاء إنما يكون

____________

[1] حكى الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى أحد أئمة الزيدية في البحر الزخار ج، 4 ص 404 عن الناصر:

لا يعتد بيمين الفاسق مع شاهده و حجة من اجازه حكاية فعل و هي تحتمل ان الحالف مؤمن و لا يقاس عليه الفاسق للآية (ح).

____________

(1) المجموع شرح المهذب 20: 257، حلية العلماء 8: 280، المغني لابن قدامة 12: 10، أحكام القرآن للجصاص 2: 247.

(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 247، حلية العلماء 8: 280، المغني لابن قدامة 12: 10.

(3) سنن أبي داود 3: 308- 3608، السنن الكبرى للبيهقي 10: 167- 168، أحكام القرآن للجصاص 2: 249.

(4) سنن أبي داود 3: 308- 3609، نصب الراية 4: 96.

(5) سنن الترمذي 3: 627- 1343 و 628- 1344 و 1345، سنن أبي داود 3: 309- 3610، مجمع الزوائد 4: 202، نصب الراية 4: 99، جامع الأصول 1: 185- 7682، السنن الكبرى للبيهقي 10: 169.

428

باليمين و الشاهد لا تأثير له.

على أنه قد روى في بعض الأخبار: أنه (عليه السلام) قضى بيمين و شاهد (1)، و هذا يسقط تأويلهم.

فإن قيل: تأويل الخبر ان رجلا باع عبدا و ادعى المبتاع أن به أثر عيب فوجب الرد، و ذلك لا يثبت بمجرد قوله، بل يحتاج أن يشهد أهل الخبرة بذلك، ثم إن البائع ادعى أنه باع بشرط البراءة من العيب و أنكر المشتري ذلك، فالقول قول المشتري مع يمينه، فإن حلف حكم له الحاكم بالرد، و هذا الحكم إنما كان بالشاهد و اليمين.

قلنا: العيب لا يثبت بشاهد واحد، و إنما يثبت بشاهدين، و بعد: فإن الخبر يقتضي أنه حكم بشاهد و يمين في قصة واحدة و حكم واحد، و تأويلهم هذا يقتضي أنه حكم بالشاهد في شيء و باليمين في آخر فبطل بذلك.

و يدل على ما ذهبنا إليه ما رواه جعفر بن محمد [1]، عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: «كان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يقضي بشهادة الشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق، و قضى بها علي (عليه السلام) بالعراق» (3).

____________

[1] جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، الامام الصادق أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي المدني سادس أئمة الهدى، ولد سنة 80 ه. و قام بالأمر بعد أبيه، و انتشر منه العلم، و أخذ الناس عنه معالم دينهم حتى بلغ تلاميذه و الراوون عنه أربعة آلاف رجل، و اعترف له بالفضل و العلم الخاص و العام، روى عن أبيه، وجده، و عنه مالك، و أبو حنيفة، و السفيانان و خلق كثير، توفي سنة 148 ه. بالمدينة و دفن في البقيع. أنظر: تذكرة الحفاظ 1: 166، تهذيب التهذيب 2: 88، سير اعلام النبلاء 6: 255، العبر 1: 208.

____________

(1) صحيح مسلم 3: 1337- 3، سنن أبي داود 3: 308- 3608، السنن الكبرى للبيهقي 10: 172، نصب الراية 4: 96، جامع الأصول 10: 184- 7681.

(3) سنن الترمذي 3: 628- 1345، سنن الدار قطني 4: 212- 31، السنن الكبرى للبيهقي 10: 169، نصب الراية 4: 100.

429

و بالإسناد المقدم: «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أبا بكر، و عمر، و عثمان [1] قضوا بالشاهد الواحد مع يمين المدعى» (2).

فإن قالوا: في الخبر الأول يحتلم أن يكون الشاهد خزيمة بن ثابت [2] الذي جعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) شهادته بمنزلة شهادة اثنين (4).

قلنا: لو كان كذلك لما استحلفه معه.

فإن تعلقوا بقوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونٰا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ (5) و أن هذا يمنع من الشاهد مع اليمين.

و ربما قالوا: إثبات الشاهد و اليمين زيادة في النص، و الزيادة في النص نسخ.

فالجواب عن ذلك: أن الآية إنما أوجبت ضم الشاهد الثاني إلى الأول، و إقامة المرأتين مقام أحد الشاهدين، و ليس في الآية نفي العمل بالشاهد و اليمين، لأن ضم الشاهد الثاني إلى الأول أو جعل المرأتين بدلا من أحدهما أكثر ما يقتضيه أن يكون شرطا في الشهادة، و تعلق الحكم بشرط لا يدل على أن ما عداه بخلافه، لأن الشروط قد تخالف بعضها بعضا و تقوم بعضها مقام بعض.

____________

[1] عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية الأموي أبو عبد الله، ولد بعد عام الفيل بست سنين، و صحب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و شهد المشاهد، و تولى الخلافة بعد عمر، و بقي عليها حتى قتل سنة 35 ه. روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أبي بكر، و عمر، و عنه أولاده، و مروان بن الحكم، و ابن عمر، و ابن الزبير. أنظر: أسد الغابة 3: 376، الإصابة في تمييز الصحابة 2: 462، المعارف: 82، رجال الطوسي: 22، تذكرة الحفاظ 1: 8.

[2] أبو عمارة خزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري الأوسي، من السابقين الأولين، شهد بدرا و ما بعدها، و هو ذو الشهادتين، جعل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) شهادته بشهادة رجلين، و شهد مع علي (عليه السلام) الجمل و صفين، و استشهد في صفين سنة 37 ه. روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و روى عنه ابنه، و عمر بن ميمون، و إبراهيم بن سعد. أنظر:

أسد الغابة 2: 114، الإصابة في تمييز الصحابة 1: 425، رجال الطوسي 19، 40، سير اعلام النبلاء 2: 485.

____________

(2) سنن الدار قطني 4: 215- 39، السنن الكبرى للبيهقي 10: 173.

(4) سنن أبي داود 3: 308- 3607، مسند أحمد 5: 216، السنن الكبرى للبيهقي 7: 66، نصب الراية 4: 100.

(5) سورة البقرة، الآية: 282.

430

ألا ترى أن القائل إذا قال: (إذا زنى الزاني فأقم عليه الحد) فقد اشترط في إقامة الحد الزنا، و لا يمتنع أن يجب عليه الحد بسبب آخر من قذف أو غيره، فتناوب الشرط في الأحكام معروف لا يدفعه محصل.

و أما قولهم: إن ذلك نسخ، فليس كل زيادة في النص نسخا، و إنما يكون نسخا إذا غيرت حال المزيد عليه و أخرجه [1] من كل أحكامه الشرعية، و قد علمنا أن إقامة الشاهد و اليمين مقام الشاهدين لم تغير شيئا من أحكام قبول الشاهدين، بل ذلك على ما كان عليه بأن أضيف إليه مرتبة أخرى.

على أنه لو كان الأمر على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة- في أن الزيادة في النص نسخ على كل حال (2) من غير اعتبار بما ذكرناه- لما جاز أن يحكم في الزيادة أنها نسخ إلا إذا تأخرت عن دليل الحكم المزيد عليه، فأما إذا صاحبته أو تقدمت عليه لم يكن نسخا، لأن اعتبار تأخر الدليل في الناسخ واجب عند كل محصل، فمن أين لهم أن دليل العمل باليمين و الشاهد من السنة كان متأخرا عن نزول الآية؟ و ما ينكرون أن يكون ذلك مصاحبا أو متقدما؟

فإن تعلقوا بما روي من أن رجلا حضرميا ادعى على كندي، فقال له النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «أ لك بينة؟» فقال: لا، فقال: «تريد يمينه؟» فقال: لا، فقال: «ليس لك إلا شاهدان أو يمينه» (3).

فالجواب: أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يقصد إلى ذكر جميع الحجج و شرحها، ألا تراه إنه لم يذكر الشاهد و المرأتين- و إن كان ذلك حجة فيما تداعيا فيه بلا خلاف- و إنما ذكر

____________

[1] في نسخة (ن) و (م): «و أخرجته».

____________

(2) فواتح الرحموت (في هامش المستصفى) 2: 92.

(3) صحيح مسلم 1: 123- 223، سنن أبي داود 3: 221- 3245، سنن الترمذي 3: 625- 1340، سنن الدار قطني 4: 211- 26، السنن الكبرى للبيهقي 10: 144، 179.

431

الحجة المعتادة و هي الشاهدان.

على أنا نحمل الخبر على أن المراد به: ليس لك إلا شاهدان أو يمينه أو شاهد و يمينك بدليل ما ذكرناه.

فإن تعلقوا بما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر» (1) فأثبت اليمين في جنبة المنكر فمن أثبتها في جنبة المدعي فقد خالف الظاهر، فالجواب: أن اليمين التي أثبتها النبي (عليه السلام) في جنبة المنكر هي يمين على النفي، و تلك اليمين لا تثبت في جنبة المدعي، و انما تثبت في جنبة المدعي يمين الإثبات، و هذه اليمين غير تلك، و لأنه أيضا أثبت في جنبة المدعى عليه يمينا عليه، و هذه اليمين لا تكون قط في جنبة المدعي و إنما تكون في جنبة المدعي، و إنما تكون [1] في جنبه يمين له.

____________

[1] في نسخة (م): «يكون» بدل: «تكون».

____________

(1) سنن الدار قطني 4: 218- 51، 52، السنن الكبرى للبيهقي 10: 252، نصب الراية 4: 95، كنز العمال 6: 187- 15282.

432

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

433

مسائل متفرقة

المسألة التاسعة و التسعون و المائة [هل يجوز استيجار الأرض بطعام معلوم الكيل]

«لا يجوز استيجار الأرض بطعام معلوم الكيل» [1].

يجوز ذلك عندنا، و انما لا يجوز استيجارها بما تخرج من ذلك و يجوز أن لا تخرجه، و ليس كذلك الطعام المضمون في الذمة.

و وافق على جوازه أبو حنيفة، و أصحابه، و الشافعي (1).

و روي عن مالك كراهية استيجار الأرض بتمر أو حنطة (2).

و روى ابن القاسم، عن مالك: أنه لا تكترى الأرض بشيء مما تنبت الأرض و إن كان لا يؤكل (3).

الدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتكرر.

و الذي ذهب اليه مالك في كراهية ذلك لا وجه له، لأنه لا فرق في استيجار الأرض بالدراهم و الدنانير و بين استيجارها بالحنطة و الشعير، و لأن عقد الإجارة يتناول منافع الأرض دون ما يخرج منها، و انما اشتبه على مالك فظن أن العقد يتناول الخارج من الأرض فقال: لا يجوز ذلك لأنه يجري مجرى أن يستأجر القمح بالقمح إلى أجل.

[و هو] ليس بصحيح، لما ذكرناه من أن العقد لا يتناول الخارج من الأرض و إنما يتناول المنافع.

____________

[1] حكى في البحر عن الناصر انه لا يصح بحب و لم يذكر معلوم الكيل و لكن احتج له بحديث و لا بطعام مسمى و لهذا الشرط فائدة جواز الكراء بنصف الثمر أو ثلثه أو نحو ذلك مع التراضي به و حكى في البحر ثانيا عن الناصر انه لا تصح إجارة الأرض بحب معلوم و ان هذه هي المخابرة المنهي عنها ج 4 ص 38 (ح).

____________

(1) كفاية الأخيار 1: 194، المغني لابن قدامة 5: 597، نيل الأوطار 6: 10، بداية المجتهد 2: 220.

(2) الموطأ 2: 712- 5، المدونة الكبرى 4: 541.

(3) بداية المجتهد 2: 220، المدونة الكبرى 4: 543.

434

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

435

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

436

المسألة المائتان [هل العمرى و الرقبى يجريان مجرى العارية]

«العمرى و الرقبى يجريان مجرى العارية إلا إذا قيدتا بذكر العقب» [1].

الذي نذهب إليه: أن الرجل إذا جعل لغيره داره سكنى أو عمري أو رقبى فإن الرقبى تجري مجرى العمرى، كانت له كذلك مدة حياة المالك، ثم هي بعد موت المعطي راجعة إلى ورثة المعطي، و تجري مجرى العارية، و الإجارة التي تملك فيها المنافع دون الرقبة.

فإن قال: «هي لك و لعقبك من بعدك» كانت كذلك حياة المعطى و لم يكن لعقب المعطى البيع و لا الهبة، فإذا انقرضوا رجعت إلى المالك.

قال الشافعي: إذا قال أعمرتك هذه الدار و لعقبك من بعدك، ثم انقرض هو و عقبه، و انتقل ذلك إلى بيت المال كسائر الأموال التي لا وارث لها (1).

و قال مالك: تعود إلى المعطي (2).

و ذهب الشافعي: إلى أن حكم الرقبى، كحكم العمرى، و صفتها أن يقول:

جعلت لك داري في حياتي فإن متّ قبلي رجعت إلي، و إن متّ قبلك كانت لك، يرثها منك ورثتك (3).

____________

[1] ذكر في البحر في العمرى ثلاث مسائل. الاولى في المؤبدة فحكى عن العترة انها هبة. الثانية في المطلقة فحكى عن القاسمية و الناصر انها كالمؤبدة. الثالثة في المقيدة و لو بالعمر فحكى عن القاسمية أنها عارية و لم يذكر عن الناصر فيها خلافا و لا وفاقا و اما الرقبى فحكى عن الناصر أنها عارية كالمقيدة مطلقا ج 4 ص 144- 145 (ح).

____________

(1) الام 4: 66، مغني المحتاج 2: 398، السراج الوهاج: 308، المجموع شرح المهذب 15: 393.

(2) بداية المجتهد 2: 329، المجموع شرح المهذب 15: 395، المغني لابن قدامة 6: 304.

(3) المجموع شرح المهذب 15: 392.

437

و قال أبو حنيفة، و محمد: الرقبى لا تلزم، و للمرقب الرجوع فيها (1).

و قال الشافعي في الجديد: إذا قال أعمرتك هذه الدار، و لم يقل: و لعقبك من بعدك، يكون لعقبه من بعده، ثم لبيت المال كالقسم الذي ذكرناه، و هو قول أبي حنيفة (2).

و قال مالك: يكون للمعمر مدة حياته، فإذا مات عادت إلى المعطي (3).

و حكى أبو إسحاق المروزي [1] عن الشافعي في القول القديم مثل قول مالك (4)، و حكي أيضا عنه في القديم أن العمرى تبطل و لا يستحقها المعمر و لا عقبة (5) الدليل على صحة ما ذهبنا إليه و وافقنا عليه مالك: الإجماع المتردد ذكره.

و أيضا فإن العمري إنما هي تمليك المنافع مدة عمر المعطى، و إذا جعلها لعقبه فعلى هذا الوجه، و تمليك المنافع لا يتعدى إلى الرقبة، و لا بد أن يعود عند انقضاء المدة المضروبة إلى المالك، فكيف يجوز ما قاله الشافعي، و وافقه عليه أبو حنيفة.

فإن تعلقوا بما رواه جابر من ان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «فإن أحدا عمر عمري له و لعقبه فإنها للذي يعطاها، لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه

____________

[1] أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي، من أئمة فقهاء الشافعية في عصره، و قد انتهت إليه رئاسة المذهب، أقام في بغداد زمنا طويلا للإفتاء و التدريس، ثم ارتحل إلى مصر في أواخر عمره فتوفي بها في سنة 340 ه، و دفن بالقرب من تربة الشافعي. أنظر: وفيات الأعيان 1: 26، طبقات الفقهاء للشيرازي: 92، تاريخ بغداد 6: 11.

____________

(1) حلية العلماء 6: 64.

(2) حلية العلماء 6: 63، المجموع شرح المهذب 15: 391، نيل الأوطار 6: 119، مغني المحتاج 2: 398.

(3) بداية المجتهد 2: 329، حلية العلماء 6: 63، الموطأ 2: 756- 44، نيل الأوطار 6: 120.

(4) حلية العلماء 6: 62، نيل الأوطار 6: 119.

(5) حلية العلماء 6: 63، المجموع شرح المهذب 15: 391.

438

المواريث» (1).

و في خبر آخر: «لا تعمروا و لا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فسبيله سبيل المواريث» (2).

فالجواب عنه: أن العمرى لا ترجع إلى الذي أعطاها قبل انقضاء مدتها و ترجع بعد انقضاء المدة كالإجارة، و انما ورث الوارث هذه المنافع كما يرثون منافع الإجارة، و ليس دخول الميراث فيها دلالة على ملك الرقبة دون ملك المنفعة.

المسألة الحادية المائتان [هل يصير الدين المؤجل حالا بموت من عليه الدين]

«لا يصير الدين المؤجل [1] حالا بموت من عليه الدين» [2].

هذه المسألة لا أعرف لأصحابنا إلى الآن فيها نصا معينا فأحكيه.

و فقهاء الأمصار كلهم يذهبون إلى أن الدين المؤجل يصير حالا بموت من عليه الدين.

و يقوى في نفسي ما ذهب إليه الفقهاء.

و يمكن أن يستدل على صحته بقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ (4) فعلق تعالى قسمة الميراث بقضاء الدين و إنجازه، فلو تأخر قضاء الدين

____________

[1] في (ط) و (د): «للرجل» بدل: «المؤجل».

[2] حكى في البحر عن الأئمة القاسم و الناصر و المؤيد بالله ان الدين المؤجل لا يحل بموت من هو عليه ج 3 ص 396 (ح).

____________

(1) صحيح مسلم 3: 1245- 20، سنن أبي داود 3: 294- 3554، سنن النسائي 6: 275، جامع الأصول 8: 167- 6000.

(2) سنن أبي داود 3: 295- 3556، جامع الأصول 8: 169- 6000، كنز العمال 16: 642- 46184.

(4) سورة النساء، الآية: 11.

439

إلى حين حلول الأجل المضروب للدين تأخرت قسمة الميراث، و في ذلك إضرار بالورثة.

و أيضا فإن الدين لو لم يصر حالا بموت من عليه الدين لوجب أن ينتقل الحق من ذمة الميت إلى ذمة الورثة، و الحق إذا ثبت في ذمة شخص لم ينتقل إلى ذمة غيره إلا برضى من ثبت له.

فإن قيل: ما ذكرتموه يوجب أن خيار الشرط لا يورث، و عندكم أنه يورث.

قلنا: خيار الشرط إذا أثبتناه للوارث لم يقض الى انتقال الحق من ذمة إلى ذمة أخرى، لأن الوارث إذا اختار أن يفسخ البيع ارتجع الثمن و المثمن، فلذلك جاز إثباته.

و لا يجوز أن يستدل على أن الدين المؤجل يصير حالا بموت من عليه الدين بأن نقول: إن الأجل لا يثبت إلا لمن شرط له، و الورثة لم يشرط لهم هذا الأجل، و ذلك ان خيار الشرط يثبت للورثة و إن لم يشرط لهم، فالاستدلال بما تقدم أولى.

المسألة الثانية و المائتان [لا أرى أكل ما ذبح و هو يكيد بنفسه]

«لا أرى أكل ما ذبح و هو يكيد بنفسه» [1].

هذا صحيح، و الحجة فيه: إن الذي يكيد بنفسه من الحيوان يدخل في عموم ما حرمه الله تعالى من الموقوذة، لأن الموقوذة هي التي قد اشتد جهدها و تعاظم ألمها، و لا فرق بين أن يكون ذلك من ضرب لها أو من ألم يفعلها الله تعالى بها يفضي إلى موتها، و إذا دخلت في عموم هذه اللفظة كانت محرمة بحكم الظاهر.

____________

[1] مثل هذا حكاه أبو طالب أحد أئمة الزيدية في الأمالي عن الناصر و لفظه: ان البهيمة إذا كانت تكيد بنفسها لا يجوز ذبحها رواه في آخر باب الترغيب في اكتساب الخير و قال الإمام المهدي في البحر ج 4 ص 309 (الناصر و بعض أصحاب الشافعي): ما أدرك و فيه حياة مستقرة بحيث يجوز انه يعيش يوما أو يومين حل بالتذكية مطلقا لا غير مستقرة كالذي قطعت أوداجه أو نقر على قلبه أو نثر حشوه لتجويز موته بذلك لا بالتذكية فيتعارض الحظر و الإباحة انتهى.

440

المسألة الثالثة و المائتان [هل يحل السمك الذي يصطاده ذمي و كذلك الجراد]

«لا يحل السمك (1) الذي يصطاده ذمي و كذلك الجراد [1]، لأن ذكاتهما صيدهما».

لست أعرف لأصحابنا نصا في هذه المسألة إلى الآن فاعول عليه.

و من ذهب إلى تحريم أكل السمك و الجراد إذا صادهما الذمي يعول على أن صيدهما ذكاتهما، و أن العذر قد انقطع بأن الذمي لا ذكاة له و لا تؤكل ذبيحته.

غير أن الصيد ليس على الحقيقة، و إنما اجري مجرى الذكاة في الحكم لا في وقوع الاسم.

و إذا وقع التحريم بتذكية الذمي و أنه لا ذكاة له فإنما يدخل في ذلك ما يكون حقيقة من الذبح و فري الأوداج و مما لا يكون حقيقة و يسمى بهذه التسمية، فجاز ألا يدخل في الظاهر، إلا بدليل.

فعلى من ادعى دخول صيد الذمي للسمك و الجراد تحت تحريم ذكاة الذمي فعليه الدليل، و في هذا نظر و ليس هذا موضعه.

المسألة الرابعة و المائتان [يجوز أكل الحمار الوحشي]

«لا يجوز أكل الحمار الوحشي» (2).

عندنا أن أكل الحمار الوحشي و الأهلي أيضا مباح.

و لا أعرف من الفقهاء كلهم خلافا في الحمار الوحشي، و إنما خالفونا في الحمار

____________

[1] ذكر في البحر للناصر قولين أحدهما لا يحل و القول الآخر يحل ج 1 ص 331 (ح).

____________

(1) ذكره في البحر عن الناصر ج 4 ص 303.

(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 7: 118، أحكام القرآن للجصاص 4: 186- 187، المجموع شرح المهذب 9: 6.

441

الأهلي (1) دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتردد قوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ (2).

فعدد المحرمات كلها، و نفى أن يكون ما عداها محرما، و لم يذكر الحمار الوحشي و لا الأهلي.

و لا يلزم على هذا الاستدلال ما أثبتنا تحريمه و إن لم يدخل في هذه المذكورات في الآية، لأن ذلك إنما عد لنا عن الظاهر فيه بدليل قاهر، و لا دليل على إلحاق لحوم الحمير بالمحرمات في الآية.

و أيضا قوله تعالى إِنَّمٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ (3) و لم يذكر لحوم الحمير.

و قد بينا في غير موضع أن لفظة (إنما) تدل على نفي الحكم عما عدا ما تعلق بها، و فرقنا بين قول القائل: (له عندي درهم)، و بين قوله: (إنما له عندي درهم).

و استدللنا على صحة هذا الطريقة بأن ابن عباس كان يذهب إلى أن الربا يختص النسيئة (4)، و استدل على مذهبه بما روي عنه (عليه السلام) من قوله: «إنما الربا في النسيئة» (5).

____________

(1) الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 7: 118، أحكام القرآن للجصاص 4: 186- 187، المجموع شرح المهذب 9: 6.

(2) سورة الانعام، الآية: 145.

(3) سورة النحل، الآية: 115.

(4) تقدم في المسألة الرابعة و العشرون.

(5) صحيح مسلم 3: 1218- 102، 104، سنن ابن ماجة 2: 759- 2257، سنن النسائي 7: 281، كنز العمال 4: 115- 9814، السنن الكبرى للبيهقي 6: 141.

442

و قول ابن عباس حجة فيما يتعلق باللغة، لأنا رأينا من خالف ابن عباس و ناظرة على مذهبه هذا لم يرد عليه ما ذهب إليه في لفظة (إنما) و لا خالفه في موجب ما علقه عليها، و إنما طعن على مذهبه من غير هذه الجهة.

فصار القول بأن لفظة (إنما) تنفي الحكم عمن عدا من دخلت عليه إجماعا.

المسألة الخامسة و المائتان [إذا أخطأ الإمام في بعض أحكامه أو نسيه هل تفسد إمامته]

«إذا أخطأ الإمام في بعض أحكامه أو نسيه لم تفسد إمامته» [1].

هذه المسألة لا تتقدر على مذاهبنا، لأنا نذهب إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما من كل زلل و خطأ كعصمة الأنبياء (عليهم السلام).

و لأنه لا يجوز من الأنبياء و لا الأئمة الكبائر و لا الصغائر في أحوال النبوة و لا الإمامة، و لا فيما قبلها من الزمان.

و قد دللنا على ذلك في كتابنا المعروف ب«تنزيه الأنبياء و الأئمة» و بسطناه و فرعناه.

و إنما يصح تفريع هذه المسألة على أصول من لا يشترط العصمة في الإمامة، و من لا يشرطها في الإمامة و صحتها يجب أن يقول في هذه المسألة: أن خطأ الإمام

____________

[1] هذا لا خلاف فيه بين الزيدية لأن معنى الإمامة عندهم قريب من معنى ولاية الفقيه و العقل يحكم بأن إسقاط امامة الامام بذلك تفويت لمصالح أهم و فتح لباب مفاسد أكبر و أضر على المسلمين لانه يتسلط عليهم الجبارون و لا قائدا يدافعون به عن الإسلام و عن المسلمين و الله تعالى يقول وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ فِيمٰا أَخْطَأْتُمْ- لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا. رَبَّنٰا لٰا تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا- إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ (ح).

443

في بعض الأمور إن كان كبيرا فلا بد من فساد إمامته، لأن الكبائر عندهم تفسد الإمامة إذا ظهرت من الإمام، و ان كان ذلك صغيرا لم يفسد إمامته.

و هذا تفريع على أصل لا نذهب إليه، فلا معنى للتشاغل به.

المسألة السادسة و المائتان [أهل البغي لا يجوز غنيمة أموالهم و قسمتها]

«يغنم ما احتوت عليه عساكر أهل البغي يضرب للفارس بفرس عتيق ثلاثة أسهم، سهم له و سهمان لفرسه، و يسهم للبرذون سهم واحد» [1].

هذا غير صحيح، لأن أهل البغي لا يجوز غنيمة أموالهم و قسمتها كما تقسم أموال أهل الحرب، و لا أعلم خلافا بين الفقهاء في ذلك.

و مرجع الناس كلهم في هذا الموضع إلى ما قضى به أمير المؤمنين (عليه السلام) في محاربي البصرة، فإنه منع من غنيمة أموالهم، فلما روجع (عليه السلام) في ذلك قال: «أيكم يأخذ

____________

[1] قال المؤيد بالله احمد بن الحسين الهاروني أحد أئمة الزيدية في شرح التجريد في كتاب السير في باب القول في محاربة أهل البغي: و يغنم ما اجلبوا به على المحقين في عساكرهم و لم يحل سبيهم و هو قول أهل البيت (عليهم السلام) لا احفظ فيه خلافا إلا ما في السير لمحمد بن عبد الله (عليهما السلام) ثم قال و الأصل في ذلك الأخبار المروية عن أمير المؤمنين في محاربة البغي انتهى. ثم ذكر الروايات منها قوله: و روى الناصر بإسناده عن ابي جعفر محمد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) عن علي لما واقف أهل الجمل قال: «يا ايها الناس اني احتج عليكم بخصال ليبلغ الشاهد الغائب في حديث طويل يقول فيه لا تتبعوا موليا ليس بمحتاز الى فئة و لا تستحلوا ملكا إلا ما أستعين به عليكم و لا تدخلوا دارا و لا خباء و لا تستحلوا مالا إلا ما جباه القوم أو وجدوه في بيت مالهم إلخ»، فاما مسألة ما يعطى للفارس فذكرها المؤيد بالله في أواخر كتاب السير و ذكر الخلاف قيل يعطى سهمين و قيل ثلاثة و لم يحك عن الناصر (عليه السلام) قولا و كذلك مسألة الفرق بين الفرس العتيق و البرذون لم يذكر فيها خلاف الناصر (عليه السلام) (ح).

444

عائشة في سهمه»؟! (1).

و ليس يمتنع أن يخالف حكم قتال أهل البغي لقتال أهل دار الحرب في هذا الباب، كما يخالف في أننا لا نتبع مولاهم، و إن كان اتباع المولى من باقي المحاربين جائزا.

و إنما اختلف الفقهاء في الانتفاع بدواب أهل البغي و بسلاحهم في حال قيام الحرب.

فقال الشافعي: لا يجوز ذلك (2) و قال أبو حنيفة: يجوز ما دامت الحرب قائمة (3).

و ليس يمتنع عندي أن يجوز قتالهم بسلاحهم، على وجه لا يقع التملك له، لأن ما منع من غنيمة أموالهم و قسمتها لا يمنع من قتالهم بسلاحهم لا على وجه التملك له، كأنهم رموا حربة إلى جهة أهل الحق، فيجوز أن يرموا بها على سبيل المدافعة و المقاتلة.

فأما استدلال الشافعي بقوله (عليه السلام): «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (4)، فليس بصحيح، لأنه إنما نفى تملك مال المسلمين و حيازته بغير طيب نفوسهم، و ليس كذلك المدافعة و الممانعة.

____________

(1) تهذيب الأحكام 6: 155- 273، علل الشرائع: 154- 2.

(2) الام 4: 231، المجموع شرح المهذب 19: 205، حلية العلماء 7: 618، مغني المحتاج 4: 127، السراج الوهاج: 517، المغني لابن قدامة 10: 65.

(3) الهداية للمرغيناني 2: 171، اللباب في شرح الكتاب 4: 155، حلية العلماء 7: 618، المغني لابن قدامة 10: 65.

(4) سنن الدار قطني 3: 26- 92، مجمع الزوائد 4: 172، تلخيص الحبير 3: 45، السنن الكبرى للبيهقي 6:

100، كنز العمال 1: 92- 397.

445

و قد استدل أصحاب أبي حنيفة على صحة ما ذهبوا إليه في هذه المسألة بقوله تعالى فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ (1) قالوا: فأباح القتال عاما، و ذلك يشتمل على قتالهم بدوابهم و سلاحهم و على قتالهم بدوابنا و سلاحنا، و هذا قريب.

المسألة السابعة و المائتان [هل يخالف الإمام المتأخر الإمام المتقدم]

«لا يخالف الإمام المتأخر الإمام المتقدم.» [1]

هذه المسألة انما تتفرع على غير أصولنا لأن من أصولنا أن الإمام معصوم، و أنه لا يحكم بالاجتهاد الذي يجوز أن يقع الخلاف فيه، بل بالنص و العلم.

و على هذين الأصلين لا يجوز أن يخالف الإمام الثاني الإمام الأول لأنه إذا خالفه لا بد أن يكون أحدهما مخطئا، و الخطأ لا يجوز على الأئمة حسب ما قدمناه.

و قد انتهينا من الكلام على المسائل الواردة إلى الحد الذي لا تطويل فيه و لا تقليل، و أوردنا في كل مسألة على اختصار و اقتصار ما يكفي في العلم بها، و الاطلاع على مكنونها، و التفرقة بين صحتها و باطلها، لأنا لو قصدنا الشرح و البسط و الاستيفاء [2] لخرج جواب هذه المسائل في أضعاف كثيرة لما أجبنا به، و الزمان يضيق عنه، و الشغل يمنع منه، و إيثار سرعة عود جواب المسائل أوجب بلوغ الغاية

____________

[1] لم أجد و قد نصوا على انه لا ينقض من أحكام البغاة ما وافق الحق فأما إمام الحق فلا إشكال في ان أحكامه لا تنقض و كل تصرفاته صحيحة لا تنقض إلا بما هو الحكم عنده اي عند الامام و ذلك في التطبيق في مثل ما ترتب على شهادة زور أو فقدان بينة ثم تبين الحق فهذا لا اشكال فيه و كذلك التصرفات التي تختلف باختلاف الظروف و الأحوال كمصالحة من حاربه الأول لأن الحال اقتضت الصلح (ا ه) (ح).

[2] في (ط) و (د) و (م) زيادة: «و الاستقصاء».

____________

(1) سورة الحجرات، الآية: 9.

446

في الاختصار.

و لم نورد فيما اعتمدناه إلا ما هو طريق للعلم و موجب لليقين، إلا ما استعملناه في خلال ذلك من ذكر الأخبار التي ينقلها الفقهاء و يتداولونها في كتبهم محتجين بها دون الأخبار التي تنقلها الشيعة الإمامية.

و إنما أوردنا هذه الأخبار و هي واردة من طريق الآحاد- و لا علم يحصل عندها بالحكم المنقول- على طريق المعارضة للخصوم و الاستظهار في الاحتجاج عليهم بطرقهم و استدلالاتهم، كما فعلناه مثل ذلك في كتابنا «مسائل الخلاف»، و إن كنا قد ضمنا في ذلك الكتاب إلى الاحتجاج على المخالفين لنا بأخبار الآحاد الاحتجاج عليهم بالقياس على سبيل المعارضة لهم.

فإنا لا نذهب إلى صحة القياس في الشريعة، و لا إلى ثبوت الأحكام به، و إنما تثبت الأحكام عندنا بما يوجب العلم، و يثمر اليقين و قد دللنا على صحة هذه الجملة في مواضع كثيرة من كتبنا، و لو لا أن هذا الجواب عن المسائل الواردة لا تليق بذلك لذكرناه و ما توفيقنا إلا بالله عليه نتوكل و إليه ننيب، و هو حسبنا و نعم الوكيل، صلواته على خيرته من بريته محمد و آله الطاهرين من عترته و سلم تسليما كثيرا.