القواعد الفقهية - ج7

- السيد حسن الموسوي البجنوردي المزيد...
369 /
9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأوّلين و الآخرين محمد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين.

قاعدة لا ضمان على المستعير (1)

و من جملة القواعد الفقهيّة أنّه «ليس على المستعير ضمان إلّا أن تكون العارية ذهبا أو فضّة، أو شرط عليه».

و فيها جهات من البحث:

الأولى: في بيان المراد منها و شرح ألفاظها، الثانية: في الدليل عليها، الثالثة: في فروعها.

الجهة الأولى في معنى العارية و فروعها

فالمراد من «الضمان» كون الشيء بما له من الماليّة في عهدة الضامن، فيجب أداؤه للمضمون له و تفريغ ذمّته عن حقّ الغير.

____________

(1). «القواعد» ص 251، «المبادي العامّة للفقه الجعفري» ص 286.

10

و المراد من «المستعير» هو الشخص الذي أخذ عينا ذات منفعة لكي ينتفع بها مجّانا و بلا عوض، فلا بدّ من بيان معنى العارية و المعير و المستعير و العين المعارة و أحكامها و فروعها التي تترتّب عليها.

فنقول: قال في المسالك ناقلا عن الخطّابي في غريبه: أنّ اللغة الغالبة في العارية أن تكون مشدّدة و قد تخفّف (1)، و حكى عن الجوهري و ابن الأثير في نهايته أنّها منسوبة إلى العار، لأنّ طلبها عيب و عار على المستعير، و قيل: منسوبة إلى العارة التي هي مصدر ثان للإعارة، كالطاقة و الجابة للإطاقة و الإجابة (2).

و بناء على هذا القول يكون معنى العارية و الإعارة واحدا مثل الطاقة و الإطاقة، و قيل: بمعنى التعاور، أي الذي يأتي و يذهب إلى الإنسان أو يتداول الشيء بينهم، بمعنى أنّه يتحوّل من يد إلى يد.

و لكل واحد من هذه الأقوال و الاحتمالات وجه، و لكن الأظهر هو الاحتمالان الأوّلان، أي كونها منسوبة إلى العار أو إلى العارة، فتكون ياؤها مشدّدة، لأنّها ياء النسبة.

أقول: «العارية» عبارة عن تسليط شخص على عين ذات منفعة لكي ينتفع بها مجانا و بلا عوض. و هذا معنى العارية إذا أضيفت إلى المعير بالمعنى المصدري، فتكون العارية بناء على هذا بمعنى الإعارة الذي هو فعل المعير.

و الفرق بينها و بين الإجارة- بناء على ما هو المشهور من تعريف الإجارة بأنّها تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم- من جهتين:

إحداهما: أنّ الإجارة تمليك المنفعة، و العارية صرف تسليط للانتفاع، لا أن

____________

(1) «مسالك الأفهام» ج 1، ص 248، نقل عن الخطّابي، الخطّابي في «غريب الحديث» ج 3، ص 232.

(2) «مسالك الأفهام» ج 1، ص 248، حكى عن الجوهري و ابن الأثير، الجوهري في «الصحاح» ج 2، ص 761، ابن الأثير في «النهاية» ج 3، ص 320 مادة (عور).

11

تكون المنفعة ملكا للمستعير. و يترتّب عليه آثار مذكورة في محلّه.

الثانيّة: أنّ جواز الانتفاع و استيفاء المنافع في العارية مجّاني و بلا عوض، و في الإجارة يكون بعوض معلوم.

و لا فرق في هذه الجهة الثانية بين أن تكون حقيقة الإجارة هي تمليك المنفعة كما هو المشهور، أو صرف التسليط على الانتفاع كما أنّه ربما يقال. و في إجارة الأعيان هما متّفقان في أنّ ما تعلّقا به لا بدّ و أن يكون عينا ذات منفعة محلّلة يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. و لعلّه إلى هذا يرجع قولهم: كلّما صحّت إعارته صحّت إجارته.

ثمَّ إنّ العارية حيث أنّ قوامها بإذن المالك أو من بيده الأمر- و في هذه الجهة بمنزلة المالك- فتكون جائزة من الطرفين، لأنّ المالك أو من هو بمنزلته متى رجع عن إذنه فتنتفي العارية لانتفاء ما به قوامها، فهي من العقود الإذنيّة إن صحّ القول بأنّها من العقود. و الغالب المتعارف عند الناس وقوعها بالمعاطاة، و إن صحّ وقوعها بالعقد أيضا. و لا فرق في كونها جائزة بين وقوعها بالعقد أو بالمعاطاة، لما ذكرنا من أنّ قوامها بالإذن، فإذا انتفى تنتفي. هذا هو معنى العارية و المراد منها.

و أمّا «المعير» فمفهومه بيّن لا يحتاج إلى بيان.

و يشترط فيه أن يكون جائز التصرّف، و لا يكون محجورا عليه بصغر، أو بفلس، أو بسفه، أو بجنون، أو بمرض يقع موته فيه، و ذلك لأنّه لو كان ممنوعا عن التصرّف يكون إذنه كالعدم، و تقدّم أنّ قوام العارية بالإذن، و بانتفائه تنتفي.

نعم قال في الشرائع: و لو أذن الولي جاز للصبيّ مع مراعاة المصلحة (1). و حكى في الجواهر ذلك عن الإرشاد و التحرير و اللمعة أيضا (2).

____________

(1) «شرائع الإسلام» ج 2، ص 171.

(2) «جواهر الكلام» ج 27، ص 160، العلّامة في «إرشاد الأذهان» ج 1، ص 439، «تحرير الأحكام» ج 1، ص 269، الشهيد الأوّل في «اللمعة الدمشقية» ص 156.

12

و خلاصة استدلالهم على الجواز: أنّه بالإذن يخرج عن كونه ممنوع التصرّف فيرتفع المانع، و أيضا تقدّم أنّ قوام صحّة العارية بالإذن من قبل المالك أو من يكون بمنزلته و له الإذن، فإذا أذن الولي يحصل ذلك.

نعم اشترط بعضهم- مضافا إلى إذن الولي- أن يكون مميّزا كي يعرف مراعاة المصلحة.

و فيه: أنّ إذن الولي لا يجعل غير المشروع مشروعا، فبعد دلالة الآيات و الروايات على اشتراط نفوذ تصرّفات الصبي بصيرورته بالغا بأحد أسباب البلوغ من الإنبات أو الاحتلام أو إكمال خمسة عشر سنة هلاليّة، فبالإذن لا يصير غير النافذ نافذا. اللهمّ إلّا أن يدّعى انصراف الأدلّة عن صورة إذن الولي، و لكن لا شاهد لهذه الدعوى.

نعم دعوى الانصراف فيما إذا كان الصبي بمنزلة الآلة لا بعد فيها، و لكن ذلك خروج عن الفرض، إذ الفعل في هذه الصورة مستند إلى نفس الولي، كما أنّ الكتابة و القطع مستند إلى نفس الفاعل بالحمل الشائع، لا إلى القلم و السيف. هذا أوّلا.

و ثانيا: لو كان بمنزلة الآلة فلا فرق بين الصبي و المجنون و سائر موجبات الحجر و المنع عن التصرّف. نعم فيما إذا كان علّة عدم نفوذ معاملاته تعلّق حقّ الغير به مثل المملوك، أو بما يتصرّف فيه كالعين المرهونة، أو مال الغير، فبالإذن ممّن له الإذن يرتفع المانع.

و إن شئت قلت: إنّ إذن الولي له في التصرّف لا يخرج تصرّفاته عن كونها تصرّفا من قبله و إعطاء منه، و المفروض أنّ الشارع الأقدس منعه عن التصرّف حتّى في مال نفسه، و اشترط جواز تصرّفاته و نفوذها بالبلوغ و الرشد، فالدليل

13

الشرعي جعل إعطاءه كلا إعطاء، و إذنه كلا إذن.

فالإنصاف أنّ مقتضى الاحتياط الذي لا ينبغي تركه، هو اجتناب المستعير عن عارية الصبيّ و إن كان مأذونا من قبل وليّه.

و خلاصة الكلام: أنّه لا فرق بين العارية و سائر المعاملات خصوصا الجائزة منها، فإن قيل بجوازها و نفوذها مع إذن الولي فيمكن القول بجواز عاريته و نفوذها أيضا، و إلّا فالتخصيص بها لا وجه له.

و أمّا «المستعير» فهو أيضا مبيّن من حيث المفهوم، و هو الذي يتسلّم العين لأجل الانتفاع بها.

و يشترط فيه أن يكون أهلا للانتفاع بالعين المعارة، فلا يصحّ إعارة المصحف للكافر بناء على عدم جواز انتفاعه به.

و الوجه واضح، لأنّ الغرض من العارية هو الانتفاع بالعين المعارة، فلو لم يجز الانتفاع بها شرعا فتكون كما لا منفعة لها أصلا، لأنّ الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، فإعارتها باطلة.

و كذلك إعارة الصيد للمحرم يكون باطلا، لعدم جواز الانتفاع به للمحرم لوجوب إرساله عليه، للروايات الواردة في هذا الباب، و قوله (عليه السّلام) فيها: «فخلّ سبيله» (1)، و قوله (عليه السّلام) فيها: «حرم إمساكه» (2).

و كذلك يشترط فيه أن يكون معيّنا، فلو أعار شيئا غير معيّن، كأحد هذين، أو بعض هؤلاء و أمثال ذلك لا يصحّ، و ذلك لعدم معلوميّة طرف الإيجاب و أنّه أنشأ

____________

(1) «الكافي» ج 4، ص 236، باب صيد الحرم و ما تجب فيه الكفارة، ح 19، «وسائل الشيعة» ج 9، ص 199، أبواب كفارات الصيد، باب 12، ح 6.

(2) «الفقيه» ج 2، ص 262، ح 2370، باب تحريم صيد الحرم و حكمه، ح 21، «وسائل الشيعة» ج 9، ص 199، أبواب كفارات الصيد، باب 12، ح 4.

14

الإعارة لمن، فكما أنّه في الإجارة التمليك- بناء على أنّها تمليك أو التسليط بناء على القول الآخر- لغير المعيّن المردّد غير معقول، كذلك الحال في العارية تسليط المجهول المردّد غير مفهوم.

و أمّا لو كان المستعير معيّنا فلا مانع و إن كانوا متعدّدين، كما إذا قال: أعرت هذا الإبريق لأهل هذا المنزل ليستعملوا في تطهيرهم، أو يقول المعير: أعرت هذا القوري أو هذا القدر لهؤلاء العشرة ليطبخوا فيه الغذاء أو الشاي، و هكذا في سائر الأدوات في سائر الاستعمالات.

و مثل هذه العارية جارية و دائرة في الجيران، فيعير أحد الجيران مثلا للآخر ما يحتاج إليه تمام أهل المنزل الآخر من أدوات البيت.

نعم هل ذلك مختصّ بما إذا كان عددهم محصورا؟ أو يجوز و إن كانوا غير محصورين، فيجوز أن يقول: أعرت هذا الشيء لجميع الناس؟

الظاهر هو الثاني، فيصحّ أن يعير مثلا إبريقا للتطهير في محلّ عامّ من مسجد، أو خان وقف لجميع الناس ممّن يريد أن يصلّي هناك، أو ينزل فيه عابرا، كما هو الجاري في الرباطات أو خانات الوقف، و لا مانع من ذلك لا شرعا، لشمول العمومات لمثل هذا، فلا يبقى محلّ لجريان أصالة الفساد بناء على جريانها في أبواب المعاملات، و لا عقلا، لبناء العقلاء على صحّتها، و عدم محذور عقلي في البين، كما هو ظاهر.

نعم لا بدّ أن يكون أفراد عنوان العامّ غير المحصور ممّن يمكن أن ينتفعوا بتلك العين العمارة، و إلّا يكون جعلها عارية لهم لغوا، فلو قال: أعرت هذا الشيء لجميع أهل العالم، ربما يكون لغوا، لعدم إمكان انتفاع جميع أهل العالم به عادة، إلّا إذا قيّدها بقيد مثل أن يقول: أعرت هذا الإبريق لجميع أهل العالم ممّن يعبر بهذا الخان مثلا، أو يقول: أعرت هذا الكتاب لمطالعة جميع أهل العالم ممّن يأتي و يدخل هذه

15

المكتبة العامّة من أي صنف، و أهل أي مذهب أو دين أو ملّة كان.

و يشترط فيه أيضا أن يكون عاقلا بالغا، لعدم تحقّق المعاملة مع من هو مسلوب العبارة، فلو كان المستعير مجنونا أو صبيّا لا اعتبار بقبولهما و يكون كالعدم، فلا يمكن أن يكونا طرفا للعقد. و حيث أنّ العارية من العقود و المعاملات فلا بدّ أن يكون الموجب و القابل كلاهما قابلين لأن يكونا طرفا العقد، و لا يكونان مسلوبي العبارة.

و أمّا «العين المستعارة» فهي كلّ شيء يصحّ الانتفاع به مع بقاء عينه، و لا بدّ أن تكون المنفعة محللة مقصودة للعقلاء، فإذا لم تكن له منفعة أصلا، أو كان و لم تكن محلّلة مثل آلات اللهو، و أواني الذهب و الفضة للأكل و الشرب، أو كان له منفعة محلّلة و لكن لم تكن مقصودة للعقلاء، كالانتفاعات الطفيفة التي لا يعتني العقلاء بها، أو كان جميع ذلك و لكن لا تحصل إلّا بإتلاف عينه، كالمأكولات و المشروبات، ففي جميع ذلك لا تصحّ العارية، و في بعض تلك المذكورات و إن كان الإعطاء صحيحا بعنوان الإباحة، و لكن لا يصدق العارية على كلّ ما يصدق عليه إباحة المنافع.

و بناء على ما ذكرنا يصح، إعارة الحليّ للتزيّن، و الثياب للبس و الدوابّ و الخيل للركوب و الحمل، و كذلك السيّارات و الطيّارات للحمل و الركوب، و الدكاكين و الخانات للتكسّب، و المنازل للسكنى، و الأراضي و العقار للزرع و الغرس، و أدوات أهل الصناعة لمن يشتغل بتلك الصنعة، كأدوات النجّارين و الحدّادين و الحذّائين و سائر أرباب الحرف و الصنائع لهم، و الكتب للمطالعة و المصاحف و كتب الأدعية للقراءة، و الفراش لمن له حاجة إلى الفراش، و هكذا في جميع ما ينتفع به منفعة محلّلة للذي يريد الانتفاع بها.

نعم في بعض الأمثلة و المصاديق التي ذكرها الفقهاء تشكيك صغروي، و إلّا فالضابط الكلّي الذي ذكرناه للعين المستعارة لا كلام فيه.

16

الجهة الثانية في بيان الدليل على هذه القاعدة

و هو عدم الضمان لو تلفت العين المستعارة بدون تعدّ و لا تفريط، إلّا إذا شرط المعير الضمان عليه، أو كان المعار ذهبا أو فضّة.

و هذه القاعدة مركّبة من عقدين: أحدهما إيجابيّ، و الآخر سلبيّ.

أمّا العقد السلبي فهو عدم الضمان على المستعير لو تلفت العين المستعارة بدون تعدّ و لا تفريط.

و العقد الإيجابي هو الضمان بأحد الأمرين: إمّا الشرط من طرف المعير، و إمّا كون المعار ذهبا أو فضّة.

فالأوّل- أي العقد السلبيّ- أي عدم الضمان فأوّلا من جهة أنّ العين المعارة أمانة مالكية، لأنّ المالك- أو من بيده الأمر الذي هو بمنزلة المالك- أعطاها للمستعير لكي ينتفع بها مجّانا، و معلوم أنّ الأمين مأمون و ليس عليه شيء، إلّا إذا تعدّى و فرّط، فيخرج عن كونه أمينا و تصير يده عارية، فتشملها قاعدة «و على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه». كما أنّ الأمر كذلك في باب الإجارات أيضا، فالمالك هناك يسلم العين إلى المستأجر ليستوفى المنفعة التي ملكها بعقد الإجارة.

و خلاصة الكلام: أنّه في كلّ مورد كانت اليد مأذونة من قبل من له الإذن فاليد ليست موجبة للضمان. و قد تقدّم أنّها مع التعدّي و التفريط تخرج عن كونها أمانة، ففي مورد العارية حيث أنّ يد المستعير يد أمانة و مأذونة- كما هو المفروض- فلا توجب ضمانا لذي اليد.

و ثانيا: من جهة الأخبار الواردة في المقام:

17

منها: قوله (عليه السّلام) في صحيح الحلبي: «صاحب العارية و الوديعة مؤتمن» (1).

و قرن (عليه السّلام) في هذه الرواية العارية مع الوديعة التي ليس فيها الضمان قطعا ما لم يفرط.

و منها: أيضا عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: «إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلّا أن يكون اشترط عليه» (2).

و منها: ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن العارية؟ فقال:

«لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت إذا كان مأمونا» (3).

و الظاهر أنّ المراد من الشرطيّة الأخيرة أي: لم يخرج عن كونه أمينا بالتعدّي و التفريط.

و منها: ما رواه أبو بصير المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: «بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى صفوان بن أميّة فاستعار منه سبعين درعا بأطرافها (4) فقال: أ غصبا يا محمد؟ فقال النبي: «بل عارية مضمونة» (5).

و منها: ما رواه محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: سألته عن العارية

____________

(1) «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 183، ح 805، باب العارية، ح 9، «الاستبصار» ج 3، ص 124، ح 441، باب العارية غير مضمونة، ح 1، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 237، في أحكام العارية، باب 1، ح 6.

(2) «الكافي» ج 5، ص 238، باب ضمان العارية و الوديعة، ح 1، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 236، في أحكام العارية، باب 1، ح 1.

(3) «الكافي» ج 5، ص 239، باب ضمان العارية و الوديعة، ح 5، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 182، ح 801، باب العارية، ح 4، «الاستبصار» ج 3، ص 124، ح 443، باب ان العارية غير مضمونة، ح 3، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 236، في أحكام العارية، باب 1، ح 3.

(4) «الكافي» ج 5، ص 240، باب ضمان العارية و الوديعة، ح 10، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 183، ح 803، باب العارية، ح 6، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 236، في أحكام العارية، باب 1، ح 4.

(5) «الكافي» ج 5، ص 240، باب ضمان العارية و الوديعة، ح 10، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 183، ح 803، باب العارية، ح 6، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 236، في أحكام العارية، باب 1، ح 4.

18

يستعيرها الإنسان فتهلك أو تسرق؟ فقال: «إن كان أمينا فلا غرم عليه» (1).

و منها: ما رواه محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السّلام): قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في رجل أعار جارية فهلكت من عنده و لم يبغها غائلة، فقضى أن لا يغرمها المعار و لا يغرم الرجل إذا استأجر الدابّة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة» (2).

و منها: ما رواه مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمّد (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: «لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت، أو سرقت، أو ضاعت إذا كان المستعير مأمونا» (3).

و دلالة هذه الروايات على عدم الضمان في العارية على المستعير إن كان أمينا و لم يظهر منه تعدّ و لم يصدر عنه تفريط واضح لا يحتاج إلى البيان و الشرح و الإيضاح، و هذا هو العقد السلبي لهذه القاعدة.

و أمّا بالنسبة إلى العقد الإيجابي- أي ثبوت الضمان فيما إذا فرط و خرج عن كونه أمينا- أيضا يظهر من هذه الروايات بمفهوم قوله (عليه السّلام): «إذا كان أمينا» حيث أنّه (عليه السّلام) اشترط عدم الضمان بكونه أمينا و لم يتعدّ و لم يفرط، مضافا الى أنّه مقتضى قاعدة «و على اليد» بعد ما خرجت عن كونها يد أمانة بعد التعدّي و التفريط.

و أمّا ثبوت الضمان فيما إذا اشترط:

فأوّلا لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «المؤمنون عند شروطهم» (4)، فيجب الوفاء بكلّ شرط سائغ،

____________

(1) «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 182، ح 779، باب العارية، ح 2، «الاستبصار» ج 3، ص 124، ح 442، باب أنّ العارية غير مضمونة، ح 2، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 237، في أحكام العارية، باب 1، ح 7.

(2) «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 182، ح 800، باب العارية، ح 3، «الاستبصار» ج 3، ص 125، ح 447، باب ان العارية غير مضمونة، ح 7، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 237، في أحكام العارية، باب 1، ح 9.

(3) «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 184، ح 813، باب العارية، ح 16، «الاستبصار» ج 3، ص 125، ح 444، باب أن العارية غير مضمونة، ح 4، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 237، في أحكام العارية، باب 1، ح 10.

(4) «عوالي اللئالي» ج 1، ص 218، ح 84، و فيه: المسلمون بدل المؤمنون، «وسائل الشيعة» ج 12، ص 303، أبواب الخيار، باب 6، ح 1 و 2 و 5.

19

و قد بيّنّا في بعض القواعد المتقدّمة شروط صحّة الشرط و نفوذه، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «كلّ شرط جائز إلّا ما خالف كتاب اللّه» (1)، و قوله (عليه السّلام): «كلّ شرط جائز إلّا ما أحلّ حراما، أو حرّم حلالا» (2).

و معلوم أنّ شرط الضمان في العارية لي ممّا استثنى من الكليّة المذكورة.

و ثانيا: للروايات الواردة في خصوص المقام:

منها: قوله (عليه السّلام) في رواية الحلبي المتقدّمة: «إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه، إلّا أن يكون اشترط عليه» (3).

و منها: رواية أبان في قضيّة استعارة رسول اللّه الدروع من صفوان بن أميّة و قوله «بل عارية مضمونة» بعد قول صفوان له (صلّى اللّه عليه و آله) أ غصبا (4).

و أمّا ثبوت الضمان فيما إذا كان المعار ذهبا أو فضّة و إن لم يشترط الضمان إذا لم يشترط عدمه، فللروايات الدالّة على ذلك:

منها: ما رواه عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «لا تضمن العارية إلّا أن يكون قد اشترط فيها ضمان إلّا الدنانير، فإنّها مضمونة و إن لم يشترط فيها ضمانا» (5).

و منها: ما رواه زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السّلام): العارية مضمونة؟ فقال:

____________

(1) «الكافي» ج 5، ص 169، بالشرط و الخيار في البيع، ح 1، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 22، ح 93 و 94، باب عقود البيع، ح 10 و 11، «وسائل الشيعة» ج 12، ص 303، أبواب الخيار، باب 6، ح 5.

(2) «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 467، ح 1872، في الزيادات في فقه النكاح، ح 80، «وسائل الشيعة» ج 12، ص 303، أبواب الخيار، باب 6، ح 5.

(3) تقدم راجع ص 17، هامش رقم (2).

(4) تقدم راجع ص 17، هامش رقم (5).

(5) «الكافي» ج 5، ص 238، باب ضمان العارية و الوديعة، ح 2، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 183، ح 804، باب العارية، ح 7، «الاستبصار» ج 3، ص 126، ح 448، باب أنّ العارية غير مضمونة، ح 8، «وسائل الشيعة» ح 13، ص 239، في أحكام العارية، باب 3، ح 1.

20

«جميع ما استعرته فتوى فلا يلزمك تواه، إلّا الذهب و الفضّة فإنّهما يلزمان، إلّا أن تشترط عليه أنّه متى توى لم يلزمك تواه، و كذلك جميع ما استعرت فاشترط عليك لزمك، و الذهب و الفضّة لازم لك و إن لم يشترط عليك (1).

و منها: ما رواه عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «ليس على صاحب العارية ضمان إلّا أن يشترط صاحبها، إلّا الدراهم فإنّها مضمونة، اشترط صاحبها أو لم يشترط» (2).

و منها: ما رواه إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه أو أبي إبراهيم (عليهما السّلام) قال: «العارية ليس على مستعيرها ضمان إلّا ما كان من ذهب أو فضّة، فإنّهما مضمونان، اشترطا أو لم يشترطا» (3).

و هذه الأخبار مختلفة من حيث العموم و الخصوص، و الإطلاق و التقييد. ففي بعضها أخرج عن تحت عموم ما يدلّ على عدم الضمان مورد اشتراط الضمان فقط مثل رواية الحلبي المتقدّمة، و في بعضها الآخر أخرج أمرين: أحدهما مورد شرط الضمان، و الثاني خصوص الدنانير كرواية عبد اللّه بن سنان، و في بعضها الآخر أخرج مورد شرط الضمان و كون المعار من الدراهم، و في البعض الآخر أخرج مطلق الذهب و الفضّة، سواء كانا مسكوكين أو لم يكونا، كرواية إسحاق ابن عمّار، و في بعضها لا تخصيص و لا تقييد أصلا، بل ينفي الضمان في العارية مطلقا، كرواية الحلبي المتقدّمة عن الصادق (عليه السّلام) «ليس على مستعير عارية ضمان، و صاحب

____________

(1) «الكافي» ج 5، ص 238، باب ضمان العارية و الوديعة، ح 3، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 183، ح 806، باب العارية، ح 9، «الاستبصار» ج 3، ص 126، ح 450، باب أنّ العارية غير مضمونة، ح 10، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 239، في أحكام العارية، باب 3، ح 2.

(2) «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 184، ح 808، باب العارية، ح 11، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 240، في أحكام العارية، باب 3، ح 3.

(3) «الفقيه» ج 3، ص 302، ح 4083، باب العارية، ح 1، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 184، ح 807، باب العارية، ح 10، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 240، في أحكام العارية، باب 3، ح 4.

21

الوديعة و العارية مؤتمن» (1)، و في بعضها يقيّد نفي الضمان بكون المستعير مأمونا.

و المجموع و ان كانت ستّة طوائف، لكن اثنان منها يرجع إلى واحد، من حيث أنّ مفادها نفي الضمان عن المال المستعار مطلقا من أي جنس كان. و الاختلاف الذي بينهما- من حيث تقييد المستعير في أحدهما يكون المستعير مأمونا دون الآخر- لا تأثير له في ما هو المهمّ في المقام، لأنّ الكلام في الإطلاق و التقييد من حيث المال المستعار.

فكأنّه في المقام وردت خمس طوائف، اثنان منها مفادهما نفي الظمان مطلقا، شرط أو لم يشترط، كان من الذهب و الفضّة أو لم يكن، كان من الدراهم و الدنانير أو لم يكن. و هذا هو العامّ الفوقاني الذي يرد القيود عليه. الثالثة و الرابعة لكلّ واحد منها عقد سلبيّ و عقد إيجابي.

و العقد السلبي في الطائفة الثالثة- أي رواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد اللّه- عدم الضمان في كلّ عارية لم يشترط فيها الضمان، و العقد الإيجابي هو عقد المستثنى، و هو ثبوت الضمان فيما إذا كان المعار هو الدراهم. فهذا العقد الإيجابي يخصّص العمومات أو يقيّد المطلقات التي كان مفادها عدم الضمان في كلّ عارية من أي جنس كان، و هو العام الفوقاني.

و كذلك الطائفة الرابعة لها عقد سلبي و عقد إيجابي، كرواية عبد اللّه بن سنان.

و العقد السلبي فيها عبارة عن عدم الضمان في كلّ عارية لم يشترط فيها الضمان من أيّ جنس كان، إلّا أن تكون من جنس الدنانير، و العقد الإيجابي فيها عبارة عن ثبوت الضمان في عارية الدنانير مطلقا، اشترط صاحبها أو لم يشترط.

و هذا العقد الإيجابي في هذه الطائفة أيضا يخصّص عامّ الفوقاني الذي كان مفاده عدم الضمان من أي جنس كان، لأنّه أيضا أخصّ منه. و قد بيّنّا في محلّه أنّه

____________

(1) تقدم ص 17، هامش رقم (1).

22

إذا ورد عامّ و خصوصات متعدّدة، يخصّص العامّ بجميعه ما لم يصل إلى حدّ الاستهجان.

ثمَّ إنّ هذين العقدين الإيجابيّين في الطائفة الثالثة و الرابعة كما يخصّصان عمومات الفوقاني الذي مفادها عدم الضمان مطلقا، كذلك يقيّد كلّ واحد منها العقد السلبي الذي في الآخر، و ذلك لأخصيّته منه.

مثلا العقد الإيجابي في الطائفة الثالثة- أي رواية عبد الملك بن عمرو- هو ثبوت الضمان فيما إذا كان المعار هو الدرهم يخصّص العقد السلبي الذي هو في رواية عبد اللّه بن سنان التي هي عبارة عن عدم الضمان في كلّ عارية لم يشترط فيها الضمان لأخصيّته منه كما هو واضح.

و العقد الإيجابي في الطائفة الرابعة- التي هي عبارة عن ثبوت الضمان في عارية الدنانير مطلقا اشترط صاحبها أو لم يشترط- يخصّص العقد السلبي في الطائفة الثالثة، و هي عدم الضمان في كلّ عارية لم يشترط فيها الضمان لأخصيّته منه. و كذلك العقد الإيجابي في الروايات التي اشترط فيها عدم الضمان فيها بعدم الاشتراط الذي هو عبارة عن ثبوت الضمان بالاشتراط أيضا يخصّص العامّ الفوقاني.

فالمتحصّل من الطوائف الأربع- ما عدا الطائفة الأخيرة الباقية الخامسة- أنّ كلّ عارية لا ضمان فيها إلّا أن يشترط صاحبها أو يكون المال المستعار من الدراهم أو الدنانير، إلّا أن يشترط فيها عدم الضمان، كما تدلّ عليه رواية زرارة المتقدّمة (1).

و العقد الإيجابي في الطائفة الخامسة- أي رواية إسحاق بن عمّار- و هو عبارة عن ثبوت الضمان في كلّ عارية كانت من ذهب أو فضّة مطلقا، سواء أ كان مسكوكا كالدراهم و الدنانير، أم لم يكن مسكوكا كالحليّ للنساء و السبائك من الذهب أو

____________

(1) تقدم ص 20، هامش رقم (1).

23

الفضّة، فيكون معارضا مع العقد السلبي في روايتي الدرهم و الدينار، لأنّ مفاد العقد السلبي فيهما عدم الضمان في غير المسكوك من الذهب و الفضّة، و مفاد رواية إسحاق بن عمّار ثبوت الضمان فيهما و إن كانا غير مسكوكين.

و النسبة بين هذين المتعارضين عموم و خصوص من وجه، و هو واضح. و في مادّة الاجتماع- أي الذهب و الفضّة غير المسكوكين- مفاد العقد السلبي لروايتي الدينار و الدرهم- و هو عدم الضمان لغير المسكوكين منهما- نفي الضمان، و مفاد العقد الإيجابي لرواية عمّار هو إثبات الضمان، فيتعارض العقد السلبي من روايتي الدرهم و الدينار مع العقد الإيجابي من رواية عمّار.

فإن قلنا بالتساقط في المتعارضين اللذين بينهما عموم و خصوص من وجه، في مادّة الاجتماع كما في المقام فيتساقطان، و المرجع بعد التساقط عموم الفوق، و هو رواية الحلبي التي نفت الضمان مطلقا.

و لكن بناء على ما اخترناه في باب التعارض في الأصول من انقلاب النسبة بواسطة المخصّص و إن كان منفصلا (1) فعامّ الفوق أيضا يكون طرف المعارضة، لأنّه بعد ورود الدليل على ثبوت الضمان في عارية الدراهم و الدنانير تتضيّق دائرة حجّية العام الفوق، و لا يكون حجيّة عمومه باقية، فلا يمكن التمسّك بعمومه و يختصّ بما ليس بدرهم و لا دينار، و يكون مضمونه عدم الضمان في كلّ عارية ما عدا الدراهم و الدنانير، فيكون متّحد المضمون مع العقد السلبي في روايتي الدرهم و الدينار.

فبناء على التساقط في المتعارضين بالعموم من وجه يتساقط الجميع، أي العامّ الفوقاني الذي هو مضمون رواية الحلبي و العقد السلبي في روايتي الدرهم و الدينار و العقد الإيجابي في رواية إسحاق بن عمّار، فتصل النوبة إلى الأصل العملي، و هو البراءة عن ضمان الذهب و الفضّة غير المسكوكين.

____________

(1) «منتهى الأصول» ج 2، ص 579.

24

هذا كلّه مع فقد المرجّح و القول بالتساقط في المتعارضين بالعموم من وجه، و إلّا فمع وجود المرجّح يجب الأخذ بما هو ذو المزيّة، و مع عدم المرجّح و القول بعدم التساقط فالتخيير.

فتحصل من جميع ما ذكرنا أنّه ليس على المستعير ضمان، إلّا إذا اشترط عليه الضمان، أو كانت المعارة درهما أو دينارا، إلّا إذا اشترط فيهما عدم الضمان. و أمّا الذهب و الفضّة غير المسكوكين فالأظهر أنّه أيضا لا ضمان فيهما، للعموم الفوقاني، أو لأصالة البراءة.

هذا ما هو مقتضى القواعد، و لكن الإنصاف أنّ تقييد إطلاق رواية الذهب و الفضّة بخصوص المسكوك منهما تقييد بالفرد النادر، لأنّ الأغلب في عاريتهما هو عارية الحليّ لا الدراهم و الدنانير، فمحل قوله (عليه السّلام) «عارية الذهب و الفضة فيها ضمان مطلقا سواء اشترط أو لم يشترط» (1) على خصوص الدراهم و الدنانير مستهجن و بعيد جدّا.

فالأقوى ثبوت الضمان في عارية مطلق الذهب و الفضّة كما هو المشهور، و تخصيص العامّ الفوقاني بما عدا مطلق الذهب و الفضّة سواء كانا مسكوكين أم لا.

و تقديم التقييد و كونه أولى من التخصيص لا يأتي هاهنا، لاستهجان التقييد و حمل المطلق على الفرد النادر.

الجهة الثالثة في بيان فروع العارية و أحكامها

فرع: هل يجوز إعارة الشاة أو البقر أو غيرهما من الحيوانات اللبونة الحلوبة

____________

(1) تقدم ص 20، هامش رقم (2).

25

للانتفاع بلبنها، أو الأغنام بصوفها، أو الأمعز للانتفاع بوبرها؟

الظاهر جوازها، و كذلك الآبار للانتفاع بمياهها.

و الإشكال بعدم انطباق ضابط العارية عليها، بأنّ العارية هي التسليط على العين التي لها منفعة للانتفاع بها مجّانا مع بقاء العين، فلا ينطبق على المذكورات، لعدم بقاء العين فيها، بل الانتفاع بإتلاف مقدار من العين أي الحليب في بعضها، و الصوف و الوبر في بعضها، و الماء في الآبار.

لا أساس له، لأنّ العين و المنفعة تختلفان في الأشياء عند العرف، فالعرف يرى العين في المذكورات نفس الشاة و البقر و سائر الحيوانات اللبونة، و يرى اللبن منفعة، كما أنّه يرى نفس أشجار الفواكه عينا، و يرى الفواكه منفعة لها، و لذلك يقال: آجر بستانه بكذا، مع أنّه ملّك فواكه أشجاره للمستأجر بعوض معلوم، و الإجارة عنده عبارة عن تمليك منفعة العين مع بقاء نفس العين على ملك الموجر، و ليس هذا إلّا من جهة أنّه يرى الفواكه منفعة للأشجار.

نعم لو انفصلت الفواكه عن الأشجار و ملكها بعوض معلوم لشخص يقال أنّه باعها، و لا يقال: آجرها، و كذلك في المقام لو ملّك الماء أو اللبن أو الصوف أو الوبر منفصلة يقال: أنّه باعها، و لا يقال: آجرها.

أمّا لو تعلّق عقد الإجارة بالعين باعتبار منافعها التي هي الأثمار بالنسبة إلى الأشجار، و اللبن و الوبر بالنسبة إلى الحيوان، و الماء بالنسبة إلى الآبار فيقال: آجرها.

و خلاصة الكلام: أنّ ما ينعدم هو منافع هذه الأعيان لا أصلها، فينطبق الضابط المذكور عليها، و لا إشكال في البين أصلا. و الإجارة و العارية من واد واحد، و الفرق بينهما أنّ الانتفاع في العارية بلا عوض و مجّاني، و في الإجارة بعوض معلوم، و لا شكّ في صحّة إجارة هذا الأمور، فكذلك العارية. و السيرة المستمرّة جارية في كليهما، أي الإجارة و العارية، و ادّعى الإجماع و الاتّفاق القولي أيضا.

26

مضافا إلى ورود النصّ في الشاة المنحة في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «العارية مؤدّاة، و المنحة مردودة، و الدين مقضيّ، و الزعيم غارم» (1). و ضعف سندها منجبر باتّفاق الأصحاب على الأخذ بمضمونها.

و أمّا الإشكال على دلالة الحديث الشريف بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعل المنحة في قبال العارية و قسما آخر غيرها، و بيّن أحكاما لموضوعات مختلفة، فالحديث في عدم كون المنحة من العارية أظهر.

فيه: أنّه بعد ما ذكرنا من فهم العرف أنّ التسليط على الشاة المنحة للانتفاع بلبنها مجّانا و بلا عوض عارية عندهم، لأنّهم يرونه من التسليط على العين التي لها منفعة لأجل الانتفاع بها، و هذه هي العارية عندهم.

و قد حقّقنا في محلّه أنّ عناوين المعاملات من البيع و الإجارة و غيرهما ليست من الماهيّات المخترعة شرعا، بل هي عناوين عرفيّة، فذكر الشارع لها أنّ الشاة المنحة بعد ذكر العارية من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ لأجل خصوصيّة فيه.

و الظاهر أنّها في المقام كثرة ابتلاء الناس بهذا القسم من العارية، و الاحتياج إلى بيان حكمها، لكثرة تداولها في ذلك الوقت بينهم، و ذلك لأنّ الاحتياج إلى العارية غالبا في الأشياء التي تكون محلّ الابتلاء في أمر، أو المعيشة مع فقدها عند المستعير، و المنحة كانت في ذلك العصر كذلك، و لا شكّ في أنّ الاحتياج إلى الأشياء بالنسبة إلى الأعصار و الأمصار يختلف.

فرع: لا شكّ في أنّه إذا أعار شيئا و كانت الإعارة صحيحة يجوز للمستعير

____________

(1) «مستدرك الوسائل» ج 13، ص 435، أبواب كتاب الضمان، باب 1، ح 2، «سنن الترمذي» ج 3، ص 565، ح 1265، كتاب البيوع، باب 39، «سنن أبي داود» ج 3، ص 296، ح 3565، باب في تضمين العارية، كتاب البيوع.

27

الانتفاع بما جرت العادة بمثل ذلك الانتفاع به، فلو أعار مثلا قدرا له الطبخ فيه، أو كتابا فله المطالعة فيه، و لو كان من الكتب التي يستصحبها التلميذ للحضور في مجالس درس الأستاذ فله ذلك، و لو كان فراشا فله أن يبسطه للجلوس عليه أو النوم عليه، هو أو من يتعلّق به من عياله أو أضيافه و من يتردّد عنده أو في سائر احتياجاته المتعارفة من الفراش، كلّ ذلك لأجل أنّها أثر العارية الصحيحة، و لأجل ذلك شرّعت العارية.

و إن كانت للعين المعارة منافع متعدّدة، كالدابة مثلا للحمل و الركوب، و الأرض للزرع و الغرس و البناء، فإنّ عين المعير واحدة من تلك المنافع تعيّن الانتفاع بها فقط، كما أنّه لو صرّح بجواز الجميع يجوز له الانتفاع بالجميع.

أمّا لو أطلق و قال: أعرتك هذه الدابة مثلا فهل يجوز الانتفاع بجميع منافعه، أو خصوص ما جرت به العادة، أو واحدة منها تخييرا؟ احتمالات.

و الظاهر هو الثاني، لأنّه المتبادر من اللفظ عند عدم التصريح بجميع المنافع.

و ربما ينصرف عن بعض المنافع حتّى مع التصريح بجميع المنافع، فلا يجوز الانتفاع بمثل تلك المنفعة إلّا مع التصريح بها بخصوصها. كلّ ذلك لأجل عدم الجواز إلّا مع الإذن، فلا بدّ إمّا أن يعلم بالإذن، أو يكون اللفظ ظاهرا فيه، فيكون بمنزلة العلم لحجيّة الظهورات.

فرع: و حيث أنّ العارية من العقود الإذنيّة التي قوامها بالإذن فهي جائزة من الطرفين.

أمّا من طرف المعير، فمن جهة أنّه متى رجع عن إذنه فيكون تصرّف المستعير في مال الغير بدون إذن صاحبه، و معلوم عدم جوازه. و لا يقاس بباب الإجارة، لأنّ المنافع هناك ملك للمستأجر إلى مدّة معيّنة، و أصالة اللزوم في الأملاك تمنع عن إرجاع الموجر تلك المنافع إلى ملكه ثانيا، مضافا إلى سائر أدلّة

28

اللزوم في باب الإجارة. و أمّا من طرف المستعير: لأنّه لا ملزم عليه أن يتصرّف في مال الغير، فمتى ارتفعت حاجته، له أن يردّ العارية إلى صاحبها. و هذا هو معنى الجواز من طرفه.

فرع: تبطل العارية بموت المعير

، لما قلنا أنّ العارية صحّتها و بقاؤها متقوّم ببقاء إذن المالك و رضائه، و إلّا يكون تصرّفا في مال الغير بدون إذنه و رضاه. و هو معلوم عدم الجواز، و الموت يوجب خروجها عن ملكيّة الميت و انتقالها إلى غيره من الوارث أو الموصى له أو غيرهما، فيكون تصرّف المستعير بدون إذن المالك، فلا يجوز.

و كذلك تبطل بخروجها عن ملك المعير بأسباب أخرى من بيع، أو هبة أو صلح، أو غيرها، لعين الوجه المتقدّم.

و كذلك تبطل بخروج المعير عن أهليّة الإذن، و حجره عن التصرّف في أمواله بأحد أسباب الحجر، من السفه، أو الجنون، لعين الدليل. كلّ ذلك لأجل قوام العارية حدوثا و بقاء بإذن المالك حدوثا و بقاء، فإذا انتفى بأيّ سبب كان تنتفي و تبطل.

فرع: لو أعار الأرض للغرس أو الزرع

ففسخ المعير بعد ما غرس المستعير أو زرع، و حيث أنّ العارية تنفسخ لأنّها جائزة، فهل له الإلزام بالقلع، غرسا كان أم زرعا مطلقا- أي سواء أعطى المستعير أجرة البقاء أم لا- و له في خصوص ما إذا لم يعط أجرة البقاء، أو التفصيل بين الزرع و الغرس، ففي الثاني له مطلقا، و أمّا في الأوّل فله ان لم يعط الأجرة؟ وجوه.

و الأقوى من هذه الوجوه أنّ له إلزامه بالقلع مطلقا، سواء كان غرسا أو زرعا، و سواء أعطى أجرة البقاء أم لا. و لكن عليه إعطاء الأرش، أي تفاوت ما بين قيمته

29

منصوبا و مقلوعا.

فهاهنا أمران: أحدهما: أنّ لمالك الأرض إجبار المستعير على القلع. الثاني:

أنّ عليه الأرش.

أ

ما الأوّل: فلأنّ مالك الأرض له السلطنة على تفريغ ماله

، و تخليصه عن أشغال الغير، و إن كان التخليص ضررا على ذلك الغير، فمثل هذه السلطنة منفيّة بقاعدة لا ضرر، معارض بأنّ أشغال الغير لماله أيضا ضرر عليه، فلا مورد لقاعدة لا ضرر هاهنا.

لا يقال: كما أنّ جريان قاعدة لا ضرر في كلّ واحد من الطرفين معارض بمثله، كذلك قاعدة السلطنة أيضا في كلّ واحد من الطرفين معارضة بمثله، لأنّه كما أنّ لمالك الأرض سلطنة على تخليص أرضه عن إشغال الغير، كذلك لمالك الغرس أو الزرع سلطنة على منع تصرّف الغير في غرسه أو زرعه، فيتساقطان.

لأنّا نقول: قاعدة السلطنة لا تشمل الموارد التي تكون إعمال السلطنة فيها علّة للتصرّف في مال الغير. و بعبارة أخرى: يكون التصرّف في مال نفسه أيضا تصرّفا في مال الغير، فهو ليس له السلطنة على مثل هذا التصرّف. و تصرّف مالك الغرس و الزرع بإشغال مال الغير من هذا القبيل، لأنّ السلطنة على إبقاء ماله في ملك الغير معناه السلطنة على إشغال ملك الغير. و قاعدة السلطنة لا عموم لها يشمل هذا، فتكون السلطنة على التفريغ و التخليص بلا معارض. و أمّا التخليص فدائما في طول الأشغال و بمنزلة المعلول له، لأنّه ما لم يكن إشغال لم يكن موضوع للتخليص و إن كان زمانهما واحدا، كما هو شأن العلة و المعلول.

فحيث أنّ الغارس و الزارع ليس لهما السلطنة على التصرّف العلة لإشغال مال الغير و تصرّف المالك للأرض بالتصرّف التخليصي دائما في ظرف السقوط، و عدم السلطنة على التصرّف الإبقائي الذي هو علّة للإشغال، فلا تجتمع السلطنتان

30

في زمان واحد كي تتعارضان.

و إن شئت قلت: قاعدة السلطنة مخصّصة بالنسبة إلى التصرّفات التي هي علّة للتصرّف في مال الغير بدون إذنه، فالتصرّف الإبقائي للغرس و الزرع في ملك المعير بدون إذنه حيث أنّه علّة لإشغال مال الغير بدون إذنه يكون خارجا عن عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)، و لا يشمل العموم مثل هذا التصرّف، فلا تجري القاعدة في حقّ الغارس و الزارع، فتبقى القاعدة في حقّ مالك الأرض بلا معارض.

و لا يمكن العكس، بأن يقال: قلع مالك الأرض أيضا حيث أنّه علّة للتصرّف في الغرس أو الزرع اللذان لغيره خارج عن تحت هذه القاعدة، فليس لكلّ واحد منهما السلطنة، لا مالك الأرض على القلع، و لا مالك الغرس و الزرع على الأشغال و الإبقاء، لأنّ القلع الذي هو بمعنى تخلية أرضه عن مال الغير متفرّع على الأشغال، و يكون الأشغال بمنزلة الموضوع للتخلية، فلا يمكن أن تكون التخلية علّة لمثل هذا التصرّف، أي التصرّف الإشغالي، و إلّا يلزم أن يكون الشيء علّة لما هو من قبيل الموضوع له، و هذا محال، فلا مخصّص للقاعدة بالنسبة إلى هذا التصرّف، أي التصرّف التفريغي، فيشمله القاعدة بلا معارض في البين، و ليس هناك تصرف آخر في مال الغير غير الأشغال كي يقال بأنّ التفريغ و التخلية علّة له.

هذا كلّه في الأمر الأوّل، و هو أنّه هل لمالك الأرض القلع، أم لا.

و أمّا الأمر الثاني: و هو أنّه عليه الأرش أم لا؟

الظاهر أنّه عليه الأرش، لأنّ مقتضى قاعدة السلطنة هو سلطنة على تخليص ماله عن إشغال الغير، لا إتلاف خصوصيّات مال الغير من صفاته و حالاته، فإذا أتلف تلك الخصوصيّات بواسطة التخليص يكون ضامنا لها.

و هذا هو المراد من الأرش هاهنا، إذ الغارس و الزارع يملكان الغرس أو الزرع

____________

(1) «عوالي اللئالي» ج 1، ص 222، ح 99، و ص 457، ح 198.

31

قائما و منصوبا، فزالت تلك الصفة بواسطة القلع، و أتلفها المالك مباشرة أو تسبيبا، فعليه ضمانها لإتلافه لها.

و معنى ضمانها أنّ ما نقص منها في عهدته، فيجب عليه أداؤه و ما نقص، حيث أنّه من القيميّات فعليه أداء قيمته، و هو التفاوت بين قيمته منصوبا و مقلوعا.

و هذا الذي ذكرناه من استحقاق مالك الزرع و الغرس الأرش فيما إذا كان الغرس و الزرع جائزان للغارس و الزارع، إمّا لإذن مالك الأرض، أو لكون الأرض ملكا متزلزلا لهما، فرجع إلى مالكه الأوّل بفسخ، أو أخذه بالشفعة، أو غير ذلك بعد الغرس أو الزرع.

و أمّا لو غرس الغارس أو زرع الزارع بغير وجه شرعي بغير إذن من قبل المالك، و لا هو كان مالكا و لو بملك متزلزل، بل كان غاصبا ظالما، فلا يستحق الأرش يقينا، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «ليس لعرق ظالم حق» (1).

و في الحقيقة الظالم الغاصب هو أقدم على إتلاف خصوصيّات ماله بغرسه أو زرعه، لعلمه أنّ المالك للأرض له أن يقلعهما أيّ وقت أراد، لأنّه ليس لعرقه حقّ.

فرع: لو أعار الأرض لدفن الميّت المسلم و فسخ بعد الدفن، فليس له المطالبة

بنبش القبر و إخراجه منه و أن يدفن في مكان آخر، إلّا أن يطمئن باندراسه، و ذلك لحرمة النبش و هتك الميّت المحترم، فلا يجوز إجماعا.

نعم لو اتّفق أنّه نبشه نابش و كشف الميّت، أو أخرجه عن قبره لجهة أخرى، سواء كان ذلك النبش حراما أو جائزا لكونه من المستثنيات عن حرمة النبش فدفنه ثانيا يحتاج إلى إذن جديد، لارتفاع إذنه السابق بالفسخ.

____________

(1) «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 294، ح 819، باب من الزيادات في القضايا و الأحكام، ح 26، «وسائل الشيعة» ج 17، ص 311، أبواب الغصب، باب 3، ح 1.

32

فرع: لا يجوز للمستعير إعارة العين المستعارة

إلّا بإذن المالك، لما بيّنّا من شرائط المعير أن يكون مالكا للمنفعة، إمّا بتبعيّتها لملك العين التي لها المنفعة، و إمّا باستئجاره لتلك العين و عدم اشتراط الموجر عليه المباشرة في الانتفاع. و أمّا الإعارة فلا توجب إلّا إباحة الانتفاع للمستعير، أو من تشمله من أهله و تابعيه عرفا، و لا يصير المستعير مالكا للمنفعة بالعارية، فليس له إباحة غيره.

فرع: لو أذن مالك الأرض في غرس شجرة فانقلعت، أو بناء دار فانهدمت

بسبب من الأسباب، فهل يجوز له غرس شجرة أخرى، أو بناء دار أخرى من دون إذن جديد باستصحاب الإذن الأوّل، أو يحتاج إلى تحصيل إذن جديد؟

الظاهر هو الثاني، إلّا أن تكون قرينة في البين على أنّ إذنه الأوّل ليس مخصوصا بالأوّل. و لكن هذا خارج عن الغرض.

و أمّا الاستصحاب فلا مورد له هاهنا، لأنّه صدر من المالك إذن شخصي في مورد خاصّ، و ارتفع ذلك الإذن قطعا، فلا شكّ كي يستصحب، و ذلك من جهة أنّه لو كان إذنه متعلّقا بشجرة معيّنة، فلا كلام في أنّ فردا آخر من تلك الطبيعة غير ذلك الفرد، و أمّا لو كان إذنه متعلّقا بصرف الوجود من تلك الطبيعة، فقد حصل و لا يبقى محلّ لإيجاده ثانيا، بل هو من تحصيل الحاصل المحال، لأنّه وجد المأذون و انعدم.

و هذا كما أنّه لو قال المالك: أذنت لك في أكل رمّانة من هذا البستان، و فيه آلاف من تلك الطبيعة، و لكن لو أكل واحدا منها ليس مأذونا في أكل ما عداه، و كذلك الأمر فيما نحن فيه.

نعم لو أذن له في غرس شجرة فغرس، و لكن بعد مدّة طويلة أو قصيرة انقلعت لهواء خارق، لا يبعد جواز إرجاعه إلى مكانه من دون الاحتياج إلى تحصيل إذن

33

جديد، و ذلك لبقاء إذنه عرفا، خصوصا إذا كان بعد مدّة قصيرة، فربما يحصل القطع بوجود الإذن و بقاء الرضا الباطني.

و لهذا الفرع مصاديق كثيرة، مثلا لو أعار محلا أو سرجا لفرسه المعيّن، أو إصطبلا ليكون فيه، فبدل هذا الفرس بفرس آخر، أو مات و اشترى فرسا آخر، تشمل الإعارة هذا الفرس الآخر. و لا بدّ من اتّباع الظهور العرفي لما أذن، و هو يختلف في الموارد.

فرع: هل يعتبر التعيين في العين المستعارة،

فلو قال المستعير: أعطني أحد هذين القدرين عارية لأطبخ فيه، أو: أحد هذين الثوبين لألبسه، فقال المعير: خذ أحدهما، أو قال: خذ أيّ واحد تريد منهما، فهذه العارية صحيحة أم لا؟

الظاهر عدم إشكال فيه، لتماميّة أركان العارية فيه، من شرائط المعير، و المستعير و العين المستعارة. و الترديد في العين المستعارة لا مانع فيه، لأنّ الترديد في طلب المستعير، و إلّا فما وقع عليه الإعارة عنوان كلّي قابل للانطباق على كلّ واحد من مصاديقه بدلا لا جمعا، فلا ترديد في العين المستعارة.

فرع: لو كانت منفعة لا يجوز الانتفاع بها إلّا بأسباب خاصّة

التي ليست منها العارية، كوطي الامرأة التي لا يجوز وطيها إلّا بالعقد الصحيح دواما أو انقطاعا، أو بملك اليمين، أو بالتحليل الذي يرجع إلى أحدهما، فبالعارية لا يجوز الانتفاع بتلك المنفعة. و إن شئت قلت: إنّ العارية لا تكون مشرّعا، فالمنافع المحرّمة لا تصير محلّلة بورود العارية على العين التي لها تلك المنافع.

فالحيوان الجلّال- كشاة جلّالة أو بقرة جلّالة- حيث أنّ لبنهما يحرم شربه و لا يحلّ إلّا بالاستبراء، فلو أعارهما المالك للانتفاع بمنافعهما المحلّلة، فلا يصير شرب

34

لبنهما حلالا بواسطة العارية، لأنّ لحلّيته سببا خاصّا و هو الاستبراء. و لذلك لو أعار جارية للانتفاع بجميع منافعها لا يجوز الانتفاع بها إلّا بمنافعها المحلّلة، أمّا منافعها التي تحلّ بأسباب خاصّة كالوطي كما تقدّم فلا. و كذلك لا يجوز النظر بالإعارة إلى ما لا يجوز النظر إليه إلّا بتلك الأسباب الخاصّة التي ذكرناها.

فرع: تقدّم أنّه لا ضمان على المستعير إلّا إذا شرط الضمان

، أو كان العين المعارة من الذهب أو الفضّة، أو فرّط و تعدّى، و التفريط و التعدّي يحصل بأمور: منها:

أن يتصرّف فيها تصرّفا على خلاف المتعارف، أو تصرّف تصرّفا غير مأذون فيه.

أمّا الأوّل: فلأنّ ظهور العارية إذا أعار يكون في إباحة الانتفاعات المتعارفة، فالتصرّفات غير المتعارفة ليست مباحة له، فيصير في حكم الغاصب، بل يكون موضوعا هو هو. و معلوم أنّ الغاصب يؤخذ بالتلف الذي وقع عنده و لو كان تلفا سماويّا لا بإتلاف منه، فيكون ضامنا.

و أمّا الثاني: أي التصرّفات غير المأذونة فالأمر فيها أوضح. مثلا لو أعار الدابّة أو السيّارة للركوب، فاستعملهما في الحمل، فتلفت و لو كان تلفا سماويّا يكون ضامنا، لأنّه تصرّف في مال الغير بلا إذن من مالكه، فيكون غاصبا، لأنّه تصرّف فيه بلا مجوّز شرعي، فيده ليست يد أمانة. و الذي هو خارج عن عموم «على اليد ما أخذت» هي اليد الأمانيّة، و في المفروض لا أمانة مالكيّة و لا شرعيّة، فهو ضامن لما تلف في يده، سواء وقع التلف على تمام ما في يده، أو بعض و جزء منه، أو نقص فيه وصفا، أو من ناحية نقص قيمته السوقيّة، و جميع ذلك من جهة خروج يده عن كونها يد أمانة.

فرع: في الموارد التي في تلف العارية ضمان لا يخرج عن عهدته إلّا بردّه

35

إلى صاحبه، أو من هو وكيله أو وليّه، فلو لم يوصل إلى مالكه أو وكيله أو وليّه لا يخرج عن عهدته، و إن ردّه إلى المحلّ الذي أخذ منه. مثلا ردّ الدابّة إلى محلّها الذي أخذها منه و ربطها فيه بلا إذن من المالك.

و ذلك لعدم صدق الأداء، و ضمان اليد مغيى بالأداء، فما لم تحصل الغاية الضمان باق.

نعم في بعض الموارد السيرة قائمة على أن يردّ الدابة المستعارة إلى اصطبلها، أو السيّارة المستعارة إلى موقفها، فإذا فعل ذلك بناؤهم على أنّه ردّ العين المعارة إلى مالكها، و خرج المستعير أو المستأجر عن ضمانها.

فرع: لو كانت العين المستعارة مغصوبة

و استعارها من الغاصب، فتارة هو- أي المستعير- جاهل بالغصب، و أخرى عالم بكونها مغصوبة، و على أيّ حال هو ضامن للعين و منافعها المستوفاة للمالك، بل و غير المستوفاة كما حقّقنا في قاعدة «و على اليد ما أخذت» (1). و إن شئت فراجع.

لكن حيث أنّه كان جاهلا بالغصب، فيكون قرار الضمان على الغاصب العالم بالغصب، فإذا راجع المالك إلى المستعير يراجع هو إلى المعير الغاصب، و إلّا لو كان الغاصب غيره كلاهما لهما أن يراجعا إلى الغاصب الأوّل العالم بالغصب، لأنّ قرار الضمان عليه.

هذا إذا كان المستعير جاهلا بالغصب، و أمّا إذا كان عالما به فهو ضامن للعين إذا تلفت، و لمنافع العين المستوفاة و غير المستوفاة. و لا رجوع له إلى الغاصب، لأنّه أيضا غاصب، و وقع تلف العين عنده و هو استوفى المنفعة، بل لو رجع المالك إلى الغاصب فله أن يرجع إلى المستعير، لأنّ قرار الضمان عليه و يجب على المستعير

____________

(1) راجع ج 4، ص 53.

36

ردّه إلى المالك لا إلى المعير الغاصب، لأنّ الغاصب مثله أجنبي عن هذا المال، فبردّه إليه لا يرتفع الضمان عن عهدة المستعير، لأنّ مفاد قاعدة «و على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه» أنّ الضمان لا يرتفع عن عهدة من وقع يده غير المأذونة على مال الغير إلّا بأدائه إلى صاحبه و مالكه الواقعي.

و ما قلنا من أنّ قرار الضمان في تعاقب الأيادي غير مأذونة على مال الغير على الذي وقع التلف في يده، وجهه إجمالا- و أمّا تفصيلا فقد بيّنّا في قاعدة «و على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه»- هو أنّ كلّ واحدة من الأيادي حيث يصدق عليها أنّه وقع مال الغير تحتها و أخذت، فيكون ما أخذت مستقرّ عليه و في عهدته، و إذا انتقل من يده إلى يد أخرى يكون ما أخذته يد الأخرى العين المضمونة بوصف أنّها مضمونة، أي العين التي لها وجود اعتباري في ذمّة اليد التي قبل هذه اليد، فليست المأخوذة في اليد الثانية العين المجردة، فكأنّه وقعت تحت اليد الثانية عينان: إحداهما بوجودها التكويني، و الأخرى بوجودها الاعتباري، فهو ضامن للاثنين: مالك الوجود التكويني و هو المالك الواقعي الأصلي لهذه العين، و من عليه الوجود الاعتباري و هو الغاصب الأوّل. و لذلك يجوز أن يرجع المالك الوجود التكويني، لأنّ ماله وقع تحت يده فصار ضامنا له. و يجوز أن يرجع إليه الغاصب الأوّل، لأنّ ما كان عليه من ذلك الوجود الاعتباري أيضا وقع تحت يده.

فإذا رجع المالك للعين إلى الغاصب الأوّل له أن يرجع إلى الغاصب الثاني، لأنّ ما عليه صار تحت يد الغاصب الثاني و هو أخذه. و هكذا كلّ غاصب إذا رجع المالك إليه أو الغاصب السابق عليه له أن يرجع إلى الذي بعده، فالمالك الحقيقي له أن يرجع إلى أيّة واحدة من الأيادي الغاصبة، و أمّا الأيادي الغاصبة فكلّ سابقة لها الرجوع إلى اليد اللاحقة عليها، و أمّا اللاحقة ليس لها الرجوع إلى السابقة لعدم ملاك الرجوع لعدم وقوع اليد السابقة على شيء من مال اللاحقة لا بوجوده التكويني و لا بوجوده الاعتباري، و أمّا اللاحقة فوقعت يده على الوجود الاعتباري

37

الذي كان في ذمّة اليد السابقة.

و إن شئت قلت: إنّ اليد السابقة لم تأخذ شيئا من اليد اللاحقة كي تكون لها ضمانها، بخلاف اليد اللاحقة فإنّها أخذت من السابقة فتكون ضامنة لها ما أخذت.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ قرار الضمان على الغاصب الأخير، أي من وقع التلف في يده و من استوفى المنافع، و ذلك لعدم يد لاحقة عليها كي يرجع إليها، فإذا كان المستعير عالما بأنّ ما أخذه من المعير كان غصبا، فيكون هو الغاصب الثاني، فيجري في حقّه ما قلناه من قرار الضمان عليه إذا وقع تلف العين المستعارة عنده، أو نقص عنده منها شيء أو استوفى منافعه، فإن رجع المالك إلى المعير بما ذكرنا فله أن يرجع إلى المستعير الذي هو الغاصب الثاني، لما ذكرنا، و إذا رجع المالك إلى المستعير الذي وقع التلف عنده ليس له الرجوع إلى المعير أيضا، لما ذكرنا.

هذا كلّه إذا كان المستعير عالما بأنّ ما أخذه مغضوب، و أمّا إذا كان جاهلا و غرّه المعير فله أن يرجع إليه، و ذلك من جهة أنّ المستعير إذا قال للمعير: أعرني الشيء الفلاني المعيّن، أو قال بنحو عدم التعيين: ثوبا من أثوابك، أو دابّة من دوابّك للركوب، فقال المعير: خذ هذا الثوب أو هذه الدابّة، أو أدخل الإصطبل و خذ واحدا من الدوابّ، فظاهر كلامه أنّ المعار له و هو مالكه، لا أنّه غاصب أو له أن يعيره بإذن المالك أو بولاية عليه، فيغترّ و يأخذ منه. فإذا ظهر أنّه مغصوب و المالك طالبه بعوضه إن تلف، أو بدل منافعه المستوفاة بل و غير المستوفاة بناء على ما هو التحقيق من ضمان الغاصب لها أيضا و خسر و أدّاها، فللمستعير المغرور الرجوع إلى المعير الغارّ، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) في المرسلة المنجبرة بعمل الأصحاب: «المغرور يرجع إلى من غرّه» (1)، فله المطالبة من المعير بجميع ما خسر للمالك.

____________

(1) ابن الأثير في «النهاية» ج 3، ص 356، مادة (غرر)، و قد تقدم الحديث في ج 1، في قاعدة «الغرر» فليراجع هناك.

38

فرع: للمستعير أن يدخل الأرض التي استعارها لغرس الأشجار و لو للتنزّه،

لا لإصلاح الأشجار و لا لجني الأثمار، لأنّهما معلوم الجواز و لا ينبغي الشكّ فيهما، و إلّا تكون الاستعارة لغوا و بلا فائدة. فالذي هو محلّ الكلام هو الدخول لا لجني الأثمار، و لا لإصلاح الأشجار، بل للتفرّج و التنزّه أو الاستظلال بظل أشجارها.

و خالف في هذا الحكم جماعة كالشيخ في المبسوط (1) و العلّامة في التذكرة و القواعد (2) و المحقّق الثاني في جامع المقاصد (3) و الشهيد الثاني في المسالك و الروضة (4)، و عمدة دليلهم أنّ المستعير استعار لأجل الغرس، فلا يجوز له الانتفاعات الآخر كالاستظلال بأشجارها و غيره من المذكورات و غيرها.

و فيه نظر واضح، و هو أنّه لا شكّ في أنّ المالك إذا نهى عن تصرّف خاصّ أو عدّة تصرّفات و عيّن المنهي يجب الاجتناب عنه، لأنّه مالك له حقّ الإذن و المنع. و أيضا لا شكّ في أنّه لا يجوز التصرّف في مال الغير بدون إذنه و رضاه، فلا بدّ من إحرازه أو رضاه بعلم أو علمي، فلا شكّ أيضا في حجّية ظهور الألفاظ و أنّه كاشف عن مراد المتكلّم، فلا بدّ من المراجعة إلى ظهور كلام المعير المالك أو من هو بمنزلة المالك و أنّه ظاهر في أيّ مقدار من التصرّف، فالزائد عليه لا يجوز قطعا، للزوم إحراز الإذن، و ليس بناء على هذا محرز في البين إلّا ظهور كلام المعير.

و الظاهر أنّه إذا قال: أعرتك هذا، و لم يعيّن و لم ينه عن تصرّف خاصّ، فهو ظاهر في التصرّفات المتعارفة و الانتفاعات التي ينتفع العرف من ذلك الشيء. و أمّا كون طلب المستعير لأجل الغرس لا يخرج الكلام عمّا هو ظاهر فيه، لأنّ المستعير

____________

(1) «المبسوط» ج 3، ص 55.

(2) «تذكرة الفقهاء» ج 2، ص 213، «قواعد الأحكام» ج 1، ص 192.

(3) «جامع المقاصد» ج 6، ص 74.

(4) «مسالك الأفهام» ج 1، ص 316، «الروضة البهية» ج 4، ص 266.

39

يطلب الإعارة لأجل ما هو مهمّ عنده، و أمّا الانتفاعات الآخر حيث أنّها ليست بمهمّ عنده، لأجل ذلك لا يذكرها، لا أنّه لا يريدها.

فإذا قال المعير: أعرتك، يكون ظاهر كلامه ما هو ظاهر لفظ الإعارة حسب المتفاهم العرفي، و قد عرفت أنّ المتفاهم العرفي منه هو الإذن في الانتفاع به الانتفاعات المتعارفة منه، إلّا أن يصرّح بنفي البعض منها، أو تجويز بعضها الغير المتعارف، ففي غير المتعارف يحتاج ثبوت الإذن أو نفيه إلى التصريح.

و لا شكّ في أنّ دخول البستان و لو للتفرّج و التنزّه ليس من الانتفاعات غير المتعارفة، فالأظهر- كما لعلّه هو المشهور- جوازه، أي الدخول للتنزّه و التفرّج أو لسائر الانتفاعات المتعارفة من الأرض و البستان.

فرع: لو ادّعى من بيده المال و ينتفع به أنّه عارية، و ادّعى المالك الإجارة، فالقول قول مدّعي الإعارة

، لأنّ قوله مطابق لأصالة عدم ذكر العوض للمنفعة التي استفادها، و قيل لأصالة البراءة عن الأجرة التي يدّعيها المالك.

و إن شئت قلت: هما متّفقان في صدور التسليط من قبل المالك و إنشاءه على الانتفاع بهذه العين و التنازع بينهما، في أنّ هذا التسليط مجّاني كما يدّعيه من بيده المال و تصرّف فيه و استفاد منافعه و يستفيد أو مع العوض كما يدّعيه المالك، فلبّ الدعوى يرجع إلى أنّ المالك يدّعي استحقاق أجرة المسمى أو المثل في ذمّة مدّعي العارية و هو ينكر، و قوله مطابق لأصالة البراءة و أصالة عدم اشتغال ذمّته بشيء للمالك.

و لكن هذا لو كان قبل استيفاء شيء من المنافع، و أمّا لو كان بعده و حيث أنّ العين ملك للمالك فمنافعها أيضا بالتبع ملك له، و الأصل عدم خروجها عن ملك المالك مجّانا، فالحلف على المالك، لأنّه يدّعي المجّانية، و المالك منكر، فإذا حلف

40

و ارتفعت المجّانية فمال المسلم محترم له عوض، إمّا المسمّى الذي يدّعيه المالك أو أجرة المثل.

فبعد حلف المالك و انتفاء المجّانية يثبت أقلّ الأمرين، من أجرة المثل و المسمّى، لأنّه لو كان المسمّى أزيد من أجرة المثل، فتنتفي الزيادة بحلف مدّعي العارية، و لو كان أجرة المثل أزيد فتنتفي الزيادة بإقرار نفس المالك، لأنّه معترف بعدم استحقاق الزيادة، فيبقى مسألة احترام مال المسلم، و هو هاهنا يقتضي ثبوت أقلّ الأمرين.

فرع: لو ادّعى المالك أنّ ما بيده مغصوب

، و قال الطرف إنّه عارية، فالظاهر قبول قول المالك، لأنّ الأصل عدم إباحة المنافع، فلو حلف المالك على ذلك يضمن مدّعي العارية المنافع، و العين أيضا لو تلفت، و لو كانت باقية يردّها.

و حكي عن الشيخ (1) تقديم قول مدّعي العارية لبراءة ذمّته عمّا يدّعيه المالك من الضمان.

و لكن أنت خبير بأنّ أصالة عدم إباحة المنافع حاكمة على هذا الأصل، فلا يمكن معارضة هذا الأصل معها.

فرع: لا خلاف و لا إشكال في جواز بيع المستعير

ما غرسه من الأشجار، أو ما زرعه، أو بناه في الأرض المستعارة لنفس المعير المالك، و أمّا بيعها لغيره ربما أشكل فيه تارة لأنّها في معرض التلف، لما ذكرنا في بعض الفروع السابقة من أنّ المعير له الرجوع في أيّ وقت أراد، و له المطالبة بقلع الغرس و الزرع و هدم ما بناه،

____________

(1) «الخلاف» ج 3، ص 389، كتاب العارية، مسألة 5.

41

فلا تبقى لها ملكيّة مستقرّة.

فإقدام العقلاء على التمليك و التملّك في مثل هذه الأمور التي هي معرضة للتلف غير معلوم، بل ربما يسفهون المشتري في مثل هذه الموارد.

و فيه: أنّهم جوّزوا بيع الحيوان المشرف على التلف، و العبد المستحقّ للقتل قصاصا، فالمورد أيضا يكون من هذا القبيل.

و ما يجاب عن هذا: بأنّ ذينك الموردين أمّا بالنسبة إلى الحيوان المشرف على التلف ربما ينتفع بلحمه إن كان من المأكول، أو بجلده و إن كان من غير مأكول اللحم، و أمّا بالنسبة إلى العبد المستحقّ للقصاص ربما يعفو الولي عنه، فلا يكون تلف في البين.

فيه: أنّ ما نحن فيه أيضا ربما لا يطالب المالك المعير بالقلع و الهدم.

و لكنّ الجواب الصحيح من هذا الإشكال: هو أنّ المبيع حال وقوع البيع لا بدّ و أن يكون مالا عرفا و لم يسقط الشارع ماليّته كما أسقط في الخمر و الخنزير، و أمّا بعد ذلك فقد يقع عليه التلف أو يسقط ماليّته بواسطة كثرة وجوده، كما أنّ الماء في البادية مال، فربما بعد ما اشتراه تمطر السماء بكثرة فيسقط عن الماليّة، و أمثال هذا و نظائره كثيرة.

و لا شكّ في أنّ الغرس و الزرع في المفروض حال وقوع البيع لها ماليّة، و احتمال وقوع التلف عليها لا يمنع العقلاء من الإقدام على شرائها.

و ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) (1) في وجه عدم جواز البيع من غير المعير المالك من عدم القدرة على التسليم لإمكان منع المالك من الدخول، فمخدوش من جهات لا يخفى، و لذا تركنا ذكرها و الرد عليها.

____________

(1) «المبسوط» ج 3، ص 56.

42

فرع: إذا حملت الأهوية أو السيول أو غيرهما إلى ملك الإنسان و أرضه بعض الحبوب فنبت فيها

، فلا شكّ في أنّ الثابت ملك لصاحب الحبّ لو لم يعرض عنه، بناء على أنّ الإعراض يوجب الخروج، و إلّا لو نقل بذلك و إن أعرض لأنّ ذلك النبت نفس ذلك الحبّ، و لعلّه إلى هذا يشير قوله «الزرع للزارع و لو كان غاصبا» (1)، بناء على أنّ المراد بالزارع هو مالك الحبّ و البذر.

و أمّا القول بأنّه بالاستحالة خرج عن ملكه. فضعيف لا يصغى إليه، فإذا كان صاحب الحبّ معلوما يكون كالمستعير المأذون من قبل مالك الأرض، فيأتي فيه جميع ما تقدّم فيما إذا غرس المستعير في الأرض المستعارة من أنّ للمالك المطالبة بقلع الزرع و الأشجار، و ما ذكرنا من فروعها هناك.

و أمّا إذا لم يكن معلوما بالتفصيل و كان معلوما بالإجمال، فتارة في عدة محصورين، و أخرى في غير المحصور عرفا. أمّا الأوّل فصاحب الأرض يجب عليه أنّ يصالح مع جميعهم بإرضاء الجميع بأيّ شكل كان ممكنا، و يمكن ان يقال باستخراج المالك المجهول شخصا المعلوم وجوده بين أفراد محصورين بالقرعة، لأنّها لكلّ أمر مشكل.

و أمّا الثاني- أي فيما إذا كان المالك معلوما بين أفراد غير محصورين- فقيل إنّه من قبيل اللقطة، فيجب عليه التعريف سنة كاملة، أو حتّى اليأس من وجدانه فيعطيه صدقة من قبل صاحبه.

و فيه: أنّ اللقطة قسم خاصّ من مجهول المالك لها أحكام مخصوصة، و تلك الأحكام رتّبها الشارع على عنوان خاصّ ليس ذلك العنوان في المفروض، فإجراء أحكام اللقطة عليها لا وجه له، بل يجب إجراء حكم مجهول المالك المطلق من

____________

(1) «نيل الأوطار» ج 6، ص 68، كتاب الغصب، باب تملّك زرع الغاصب.، «سبل السّلام» ج 3، ص 906، ح 843، من غصب أرضا فزرعها.

43

دون اتّصافه بعنوان خاصّ.

هذا كلّه إذا كان متموّلا، و أمّا إذا لم يكن متموّلا، إمّا لقلّته أو لجهة أخرى، فربما يقال يجوز تملّكه لصاحب الأرض بعد أن نبت. و لكن لا وجه له، لأنّه و إن لم يكن مالا و لا يبذل بإزائه المال و لا ضمان له، إلّا أنّه لم يخرج عن كونه ملكا لصاحبه.

إلّا أن يقال: بأنّه خرج عن ملكه بواسطة التغيّر الذي وقع. و هذا أيضا لا وجه له، لأنّ النماء وقع في ملكه، فلو صارت تلك الحبّة شجرة تكون ملكا لمالكها، فصاحب الأرض له إجبار صاحب تلك الحبة بقلع تلك الشجرة، و أمّا إذا أعرض صاحب الحبّة و خرج عن ملكه فيصير من المباحات، و لصاحب الأرض تملّكه، فإذا تملّكه فيكون لصاحب الأرض.

فرع: إذا استعار شيئا لأجل انتفاع معيّن فانتفع به في غير ما استعار له

ممّا لا يشمله إذن المعير ضمن العين المستعارة، لخروج يده عن كونها مأذونة و عن كونها يد أمانة، فيشملها قاعدة «على اليد ما أخذت»، فيكون المستعير ضامنا. فلو تلف يكون عليه المثل إن كان مثليّا، و القيمة إن كان قيميّا، و يكون حاله حال الغاصب في ضمان جميع الانتفاعات المستوفاة، بل و غيرها.

فرع: لو جحد العارية بعد طلب المعير لها تخرج يده عن كونها يد أمانة،

فتشملها قاعدة «على اليد ما أخذت». فلو تلفت العين المعارة، أو نقصت يكون المستعير ضامنا لها، و كذلك يكون ضامنا للمنافع التي استوفاها بعد جحودها و ثبوتها بالبيّنة و الإقرار، أي من الوقت الذي خرجت يده عن كونه يد أمانة.

44

هذا لو كان جحوده بعد طلب المالك واضح، و أمّا لو يكن طلب من طرف المالك و هو ابتداء قال الشيء الفلاني مثلا كتابه الفلاني ليس عارية عندي، فهل هذا أيضا يوجب خروج يده عن كونها يد أمانة، و يكون عليه ضمان العين و المنافع؟ أم لا يوجب إلّا بعد طلب المالك؟

الظاهر عدم الفرق بين كون جحوده بعد الطلب، أو كان جحودا ابتدائيا، لأنّ المناط في الخروج عن الأمانة عدم الإذعان بأنّ هذا المال أمانة، سواء طلب المالك أو لم يطلب.

نعم بعد طلب المالك و إنكاره و جحوده كمال الظهور في إنكاره أنّه إنكاره واقعي، و لا يعتني العقلاء باحتمال أنّه لعلّ إنكاره لغرض من الأغراض، و ليس غرضه أكل هذا المال و عدم ردّه إلى مالكه. و أمّا بدونه فيمكن أن يكون إنكاره إنكارا ظاهريّا و لغرض من الأغراض، بل ربما يكون إنكاره في غياب المالك لمصلحة المالك، مثل أن يكون عنده حجرا كريما غاليا، أو حليّا غاليا، فيذكر في مجلس: أنّ الحجر الفلاني أو الحليّ الفلاني من زيد عارية عندك؟ فيقول: لا، و مقصوده أنّ السراق الموجودين في المجلس لا يفهمون بوجوده عنده فيطمعون في سرقته، فمثل هذا الإنكار لا يوجب خروج يده عن الأمانة قطعا، و إلّا فلا شكّ في أنّ طلب المالك في مقام الثبوت لا تأثير له في كون الجحود إنكارا واقعيّا أم لا.

فرع: إذا ادّعى المستعير التلف يقبل قوله مع يمينه

، أمّا أنّه يقبل قوله لأنّ يده أمانيّة، و قد بيّنّا في بعض القواعد السابقة الأدلّة الدالّة على سماع قول الأمين و أنّه ليس عليه إلّا اليمين (1).

____________

(1) راجع ج 2، ص 9، قاعدة «عدم ضمان الأمين».

45

و في بعض الروايات: «إذا ائتمنته فلا تتهمه» (1). و في خبر مسعدة بن زياد، عن الصادق، عن أبيه (عليهما السّلام) «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ليس لك أن تتّهم من قد ائتمنته و لا تأمن الخائن».

بل في بعض الروايات كما في المرسل الذي ينقله في الجواهر: «لا يمين عليه إذا كان ثقة غير مرتاب» (2).

لا يقال: إنّ المراد من الأمين في هذه الأخبار هو الودعي لا مطلق اليد المأذونة، لأنّ ذو اليد تصرّفاته في ما تحت يده إن لم يكن مال نفسه إمّا بإذن مالكه و برضاه، أو بإذن من هو بمنزلة المالك شرعا و برضاه، فهذا هو الأمين. و أمّا بدون إذنه و رضاه فهي يد العادية و الغاصبة، فلا شبهة في قبول قوله، بمعنى عدم طلب البيّنة منه، و أمّا إنّه مع يمينه، أي القبول بمعنى ترتيب الأثر على دعواه فيما إذا حلف على طبق دعواه فأوّلا من جهة الإجماع، و ثانيا من جهة أنّ الميزان في باب القضاء أوّلا و بالذات أمران: أحدهما البيّنة، و الثاني الحلف، و كلّف المدّعي بأشقّ الميزانين، لأنّه هو الذي يريد إلزام الطرف بثبوت حقّ عليه، و جعل الشارع للمدّعى عليه أخفّ الميزانين، و هو الحلف، لأنّه لا يريد إلزام الطرف بشيء، بل رفع الإلزام عن نفسه، و لذا قالوا في تعريف المدّعي بأنّه هو الذي لو ترك ترك، فمعنى قبول قول الأمين أنّه بمقتضى عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «البيّنة على المدّعي» (3) هو و لو كان المدّعي أمينا و لكن لمراعاة أمانته و دلالة الأدلّة المتقدّمة لم يكلّف بالأشقّ و هو البيّنة، فهذا الميزان لم يجعل في حقّه، و القضاء لا يمكن بدون الميزان، فجعل حقّه أخفّ الميزانين، مع أنّه مدّع، و إلّا يبقى القضاء بلا ميزان، إن حكم الحاكم و إن لم يحكم يلزم التعطيل في

____________

(1) «وسائل الشيعة» ج 13، ص 227- 229، كتاب الوديعة، في أحكام الوديعة، باب 4.

(2) «جواهر الكلام» ج 27، ص 148.

(3) «عوالي اللئالي» ص 345، باب القضاء، ح 11، «مستدرك الوسائل» ج 17، ص 368، أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، باب 3، ح 5.

46

الحكم و عدم حسم النزاع. فبهاتين المقدمتين- أي حصر ميزان القضاء في هذين الميزانين، أي البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر- و عدم جواز الحكم بدون ميزان.

فإذا دلّ الدليل على عدم كون البيّنة ميزانا في حقّ مدّع فلا بدّ من كون وظيفته ميزان الآخر، و إلّا يلزم تعطيل الحكم، أو كون المرجع هو الميزان الآخر و هو الحلف.

و قد حرّرنا المسألة كافية و وافية في قاعدة «كلّ مدّع يسمع قوله فعليه اليمين» في الجزء الثالث من هذا الكتاب. و إن أردت التفصيل فراجع هناك.

و أيضا اشتهر أنّه و ما على الأمين إلّا اليمين. و هذا- أي قبول قول المستعير- في التلف و التعدّي و التفريط، و أمّا في دعوى الردّ فعلى قاعدة «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» و أمّا الردّ فلا يأتي فيه قاعدة قبول قول الأمين، لأنّ الأمانة لا تقتضي قبول قوله في الردّ.

فرع: لو قال المعير: أعرتك كتابي هذا على أن تعيرني عباءك الفلاني، فهذه العارية صحيحة،

لأنّ هذه عارية مشروطة بإعارة المستعير شيئا آخر له في قبال إعارته.

و الإشكال عليها بأنّ الشرط فاسد فيسري فساده إلى عقد العارية ممنوع صغرى و كبرى.

أمّا الكبرى فلما بيّنّا مفصّلا في هذا الكتاب في الجزء الرابع في قاعدة «إنّ الشرط الفاسد هل هو مفسد للعقد أم لا؟» عدم إفساده مطلقا.

و أمّا الصغرى فلأنّ القول بفساد هذا الشرط من جهة ادّعاء أنّه خلاف مقتضى عقد العارية، لأنّ العارية عبارة عن التسليط على الانتفاع مجّانا، و مع هذا الشرط

47

ليس التسليط على الانتفاع مجّانا، بل يكون بإزاء انتفاع المعير الأوّل من مال المستعار الذي هو المعير الثاني.

و لكن فيه: أنّ المراد من أنّ العارية عندهم عبارة عن أن يكون انتفاع المستعير مجّانا، أي لا يكون بإزاء الانتفاع و مقابله شيئا من المال. و الأمر في المفروض أيضا كذلك، لأنّه ليس مع هذا الشرط شيء من المال في قبال الانتفاعات، بل تكون الإعارة مشروطة بالإعارة.

و هذا مثل الهبة المشروطة بهبة الموهوب له، فليس هناك أيضا مقابل العين الموهوبة كي نقول بأنّ الهبة المعوّضة باطلة و لا معنى لها، لأنّ الهبة معناها التمليك بلا عوض، فكون العوض لها لا يجتمع مع كونها هبة.

و الجواب هناك و هاهنا واحد، و هو أنّ العوض في العارية المشروطة، و في الهبة المعوضة ليس للانتفاعات في الأوّل، و للعين الموهوبة في الثاني، بل العارية المشروطة الشرط هو إعارة شيء معين آخر بإزاء إعارة الأوّل، فالإعارة بإزاء الإعارة شرطا أي يلتزم بإعارة في قبال إعارته. و هكذا في الهبة المعوّضة هو أن يلتزم الموهوب له بأن يهب شيئا في قبال هبته لا عوض موهوبة.

فالعارية المشروطة بعارية أخرى من طرف المستعير، و هكذا هبته المشروطة بهبة أخرى من طرف الموهوب له ليسا من العقود المعاوضيّة و ليس الشرط في كليهما منافيا لمقتضى عقديهما.

فرع: لو تلفت العارية بعد التعدّي و التفريط،

مثل أنّه استعار دابّة للركوب فاستعملها في الحمل فتلفت بعد مدّة، فلا شكّ في ضمانها، لأنّ يده بعد التعدّي و التفريط خرجت عن كونها يد أمانة، فتشملها قاعدة «على اليد ما أخذت».

و إنّما الكلام في أنّها لو كانت قيميّا فما يأتي بذمّته قيمة يوم التعدّي، أو قيمة

48

يوم التلف، أو أعلى القيم من يوم التعدّي إلى يوم التلف كما قيل في الغصب لأخذه بأشقّ الأحوال؟ وجوه بل أقوال.

و الظاهر هو قيمة يوم التلف، لأنّ العين المضمونة ما دامت موجودة هي بنفسها بوجودها الاعتباري تأتي في الذمّة و تشغل بها، فبعد التلف إن كان قيميّا ما يأتي في الذمّة و يستقرّ على عهدته هو قيمتها. و بناء على هذا فقيمتها يوم التلف، لأنّه يوم الانتقال إلى القيمة، و إلّا ما دام العين موجودة هي بنفسها في العهدة، غاية الأمر حيث أنّ العهدة عالم الاعتبار، و الأمر الخارجي التكويني لا يمكن أن يأتي بوجوده التكويني في عالم الاعتبار، لا بدّ و أن يقال يأتي بوجوده الاعتباري في عالم الاعتبار، كما أنّه لا يمكن أن يأتي بوجوده الخارجي في الذهن، بل يأتي في الذهن بوجوده الذهني، و لكن بعد إن انعدم وجوده في الخارج فذلك الوجود الاعتباري حيث أنّه كظلّ للوجود الخارجي فينعدم بانعدامه، فمعناه أنّه يسقط الضمان.

و هذا باطل يقينا، و قاعدة اليد أيضا مفادها بقاؤها إلى أن يؤدّي، و لكن حيث أنّ بقاءها لا يمكن لا بوجودها الخارجي لأنّه انعدم، و لا بوجوده الاعتباري لأنّه تابع للوجود الخارجي فبانعدامه ينعدم، فلا بدّ و أن يقال بانتقال ما في الذمّة إلى المثل إن كان مثليّا و إلى القيمة إن كان قيميّا، فإن كان قيميّا كما هو المفروض في المقام فلا بدّ و أن يكون قيمة ذلك الوقت، أي وقت التلف.

نعم إن قلنا: يمكن بقاء العين الخارجي بوجودها الاعتباري و لو بعد التلف في العهدة إلى أن يؤدّي، فوقت الانتقال إلى القيمة إن كان قيميّا هو وقت الأداء، فما يأتي هو قيمة يوم الأداء.

و لكن بقاء نفس العين في العهدة بعد انعدامها في الخارج و لو كان بوجوده الاعتباري غير معقول، لما قلنا إنّه من قبيل ظلّ الوجود الخارجي و تابع له، فلا يمكن بقاؤه بعد انعدام الوجود الخارجي، فلا بدّ من القول باشتغال الذمّة في

49

القيميّات بقيمة يوم التلف، و لا يسقط الضمان إلّا بأداء تلك القيمة.

و أمّا في المثليّات حيث أنّ ما يأتي في الذمّة مثل العين الخارجي و هو باق إلى زمان الأداء، فإن كان أداء المثل ممكنا في يوم الأداء عليه أن يؤدّي المثل، و إن تعذّر أو تعسّر فقيمة ذلك الوقت، أي وقت التعذّر. ففرق بين المثلي و القيمي، ففي الأوّل قيمة يوم الأداء، و في الثاني قيمة يوم التلف.

و السرّ في ذلك: أنّ ظاهر «على اليد ما أخذت» أنّ نفس ما أخذت تسلّط عليه من دون إذن مالكه على عهدته إلى أن يؤدّي، فإذا أدّى يسقط عن عهدته و نبرأ ذمّته. و معلوم أنّ نفس العين الخارجي بوجود الخارجي لا يعقل أن يستقرّ على العهدة، فلا بدّ و أن نقول يأتي في العهدة بوجودها الاعتباري.

و معنى هذا الكلام أيضا ليس أنّ العين الخارجي يأتي بوجودها الاعتباري في العهدة، لأنّه تناقض، بل معناه أنّ العقلاء أو الشارع يعتبر ذمّته مشغولة في عالم الاعتبار التشريع بذلك الشيء، أي يعتبر ما كان تحت اليد مستقرّا على اليد، أي على من تسلّط على ذلك الشيء بدون إذن المالك.

و هذا يمكن فيما إذا كان ذلك الشيء تحت اليد، فيعتبر ما في اليد فوق اليد.

و أمّا إذا لم يكن شيء في اليد و انعدم كيف يمكن أن يقال ما في اليد و تحت سلطنته معتبر فوق عاتقه و عهدته، فلا بدّ أن يقال: مثله أو قيمته فوق عهدته، ففي المثلي المثل و في القيمي القيمة، فإذا كان قيميّا يكون قيمة ذلك الوقت و هو يوم التلف، و إن كان مثليّا فيأتي المثل إلى يوم الأداء، فإن تعذّر ينتقل إلى القيمة أي قيمة ذلك اليوم، أي يوم الأداء.

و أمّا من يقول بأعلى القيم فيقول: نفس العين بوجودها الاعتباري يأتي من يوم الغصب في الذمّة إلى يوم الأداء بما له من القيمة السوقيّة، و اختلاف القيم كلّ ما زاد يأتي في الذمّة و لا يرتفع و لا تبرأ ذمّته إلّا بالأداء، و إذا نقص فذلك النقص

50

لا يوجب البراءة من الزائد. فالنتيجة تصير أعلى القيم من حين الغصب إلى زمان الأداء.

و إن قلنا بأنّ العين ما دامت موجودة يكلّف بأداء نفسها، و إذا وقع التلف عليها يعتبر قيمة العين في الذمّة، و لكن زيادات القيمة السوقيّة أيضا تعتبر في الذمّة، فيكون أعلى القيم من يوم التلف إلى يوم الأداء.

و لكن أنت خبير بأنّ ما هو الصحيح من هذه الأقوال هو قيمة يوم التلف في القيمي، و يوم الأداء في المثلي.

فرع: بعد الفراغ عن أنّ النقص الحاصل في العارية

من قبل الاستعمال المأذون فيه تصريحا أو إطلاقا لا يضمن، فلو شرط الضمان في عارية حصل فيها النقص من ناحية الاستعمال المأذون فيه، ثمَّ بعد حصول النقص تلفت، فلا شك في ضمانها من جهة اشتراط الضمان فيها، و لكن قيمتها يوم التلف، أي بعد حصول النقص إن كانت قيميّا، و مثلها كذلك إن كانت مثليا.

و ذلك لأنّ النقص الحاصل لا ضمان فيه، و اشتراط الضمان في نفس العين المستعارة بقيمتها يوم التلف أو مثلها كذلك.

نعم لو كان اشتراط الضمان فيها بحيث يشمل ضمان النقص الحاصل من الانتفاعات و الاستعمالات المأذونة، ففيه أيضا الضمان، كما أنّه كذلك بطريق أولى لو خص بثبوت الضمان فيه.

و لكن ربما يقال بأنّ ضمان النقص الحاصل بالاستعمالات المأذونة مندرج في اشتراط ضمان نفس العين، لأنّ العين عبارة عن مجموع أجزائها و أوصافها، فإذا نقص كلّ جزء أو وصف فضمان العين ينطبق على ذلك الجزء أو ذلك الوصف بمقداره.

51

نعم ربما يكون لاجتماعها أيضا زيادة قيمة، و هو يكون في هذا المقام بمنزلة نقصان جزء، فلا يحتاج إلى إطلاق أو تنصيص لضمان خصوص النقصان.

و أنت خبير بأنّ هذا شبه مغالطة في المقام، و ذلك لأنّ الاستعمالات المأذونة لو أدّت إلى نقص في حد نفسها لا توجب ضمانا، و إنّما الضمان جاء من قبل الاشتراط و الشرط حسب الفرض ضمان العين لو تلفت، فبأيّة حالة كانت عند التلف قيمتها أو مثلها تأتي على العهدة، فقبل تلف العين لا يأتي شيء ممّا وقع عليه التلف على العهدة، سواء كان من الأجزاء أو من الأوصاف، بل ما يتعلّق بالذمّة و يستقرّ على العهدة هي العين الموجودة في وقت وقوع التلف عليها بوجودها الاعتباري أو قيمتها أو مثلها، و أمّا الصفات الفاقدة أو الأجزاء الفاقدة قبلا فلا.

و ليس من قبيل الغصب كي يكون جميع أجزائها و أوصافها من حين وقوع اليد العارية أي غير المأذونة عليها مضمونة على الغاصب، فتلك الأوصاف و الأجزاء خارجة عن دائرة الضمان إلّا باشتراط خاص متعلّق بها أو شمول الإطلاق لها.

و هنا إشكال آخر على ضمان ما نقص بالاستعمالات المأذونة، و هو أنّ اشتراط الضمان فيه مخالف لمقتضى عقد العارية، و الشرط المخالف لمقتضى العقد باطل و فاسد.

و فيه: أنّ شرط الضمان في النقص الحاصل من الاستعمالات المأذونة ليس منافيا لمقتضى العقد.

بيان ذلك: أنّ العارية و إن كانت عبارة عن التسليط على عين متموّل للانتفاع و الاستعمال في ما يحتاج إليه مجّانا و بلا عوض، فما هو مجّان و بلا عوض هو جواز الاستعمال بلا عوض، و ليس مقتضاه عدم ضمان النقص الحاصل من تلك الاستعمالات الجائزة مجّانا كي يكون شرط ضمانه منافيا لمقتضى العقد.

نعم لو شرط في عقد العارية كون تصرّفاته و استعمالاته بمعوّض، يكون هذا

52

الشرط مخالفا لمقتضى العقد، و ليس الاستعمال ملازما للنقص، بل ربما يكون الاستعمال و لا يكون نقص أصلا، لا في الصفات في الأجزاء و لا في القيمة.

و الحاصل: أنّ كون جواز الاستعمالات مجّانا و بلا عوض غير مضادّ مع ضمان النقص و ممّا يجتمعان، فلا مانع من ضمان النقص بالاستعمال، و لا يكون مخالفا لمقتضى العقد.

فرع: و بهذا الفرع نختم العارية، و هو أنّ العارية لا شكّ في رجحانها شرعا و عقلا

، و ذلك لاحتياج أكثر الناس في بعض الأحيان إلى بعض الآلات و الأدوات و ظروف الأطعمة، و الأشربة، و القدور للطبخ، و الأغطية، و اللحف خصوصا إذا نزل عليهم ضيف، و الحليّ و أدوات الزينة للنساء، خصوصا إذا أردن الذهاب إلى الأعراس، و كثير من الحوائج الأخر.

و خلاصة الكلام: لو لم تكن العارية مشروعا لكان يختل أمور معيشة كثير من الناس، و لذلك حثّ الشارع عليها و وضع اللّه تعالى تركها في عداد المحرّمات الكبيرة في سورة الماعون كالغفلة عن الصلاة و الرياء و أمثال ذلك، و لذلك ذهب جمع إلى وجوبها عند الطلب.

و على كل حال لا شكّ في حسنها مستدلا بالنصّ و الإجماع، و النص كتابا و سنّة.

أمّا الكتاب:

منها: قوله وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ (1). و لا شكّ في أنّ العارية برّ، فإعطاء العارية معاونة على البرّ.

و منها: قوله تعالى وَ يَمْنَعُونَ الْمٰاعُونَ (2) حيث ذمّهم اللّه تعالى عن منع

____________

(1) المائدة (5): 2.

(2) الماعون (107): 7.

53

إعطاء الماعون.

و قال في التذكرة: و روي عن ابن عباس و ابن مسعود أنّهما قالا: الماعون العواري. و العواري جمع عارية، و فسرّ ذلك ابن مسعود فقال ذلك القدر و الدلو و الميزان (1).

و أمّا استحبابها: فبعد الإجماع على عدم وجوبها فهذه الآيات و الروايات الواردة في الحثّ عليها

لا بدّ و أن تحمل على تأكّد الاستحباب، مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في حقّ من عنده الإبل و أداء حقّها بعد ما قيل: يا رسول اللّه و ما حقّها؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله):

«إعارة دلوها، و إطراق فحلها، و منحة لبنها يوم وردها» (2).

و حكي عن عكرمة أنّه قال: التوعّد وقع على الثلاث، فإذا جمع ثلاثتها فالويل له إذا سها عن الصلاة ورائي و منع الماعون.

و الحمد لله أوّلا و آخرا، و ظاهرا و باطنا.

____________

(1) «تذكرة الفقهاء» ج 2، ص 209.

(2) «عوالي اللئالي» ج 3، ص 251، باب الوديعة، ح 7.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

61- قاعدة الإجارة أحد معايش العباد

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

57

قاعدة الإجارة أحد معايش العباد و من جملة القواعد الفقهيّة قاعدة «الإجارة أحد معايش العباد».

و فيها جهات من البحث:

الجهة الأولى في مشروعيّتها

و أنّها من المعاوضات الثابتة في الدين و الشريعة الإسلاميّة، و يترتّب شرعا عليها آثار باستحقاق المستأجر منافع العين المستأجرة، أو عمل الأجير الذي استأجره لذلك العمل إذا وقعت واجدة لشروط صحّتها الآتية.

و الدليل على ثبوتها و مشروعيّتها الآيات، و الروايات، و الإجماع.

أمّا الأوّل:

فمنها: قوله تعالى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ (1).

و منها: قوله تعالى قٰالَتْ إِحْدٰاهُمٰا يٰا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (2).

____________

(1) القصص (28): 27.

(2) القصص (28): 26.

58

و منها: قوله تعالى لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (1). و غيرها من الآيات التي منها ما نقله المرتضى، عن تفسير النعماني بإسناده عن علىّ (عليه السّلام) في بيان معايش الخلق، قال: و أمّا وجه الإجارة فقوله عزّ و جلّ نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّٰا يَجْمَعُونَ (2).

فأخبرنا سبحانه أنّ الإجارة أحد معايش الخلق، إذ خالف بحكمته بين هممهم و إرادتهم و سائر حالاتهم، و جعل ذلك قواما لمعايش الخلق، و هو الرجل يستأجر الرجل في ضيعته و أعماله و أحكامه و تصرّفاته و أملاكه، و لو كان الرجل منّا يضطرّ إلى أن يكون بنّاء لنفسه، أو نجّارا، أو صانعا في شيء من جميع أنواع الصنائع لنفسه، و يتولّى جميع ما يحتاج إليه من إصلاح الثياب و ما يحتاج إليه من الملك فمن دونه، ما استقامت أحوال العالم بتلك، و لا اتّسعوا له و لعجزوا عنه، و لكنّه أتقن تدبيره لمخالفته بين هممهم و كلّما يطلب ممّا تنصرف إليه همّته ممّا يقوم به بعضهم لبعض، و ليستغني بعضهم ببعض في أبواب المعايش التي بها صلاح أحوالهم (3).

و أيضا روى الحسن بن عليّ بن شعبة في تحف العقول عن الصادق (عليه السّلام) في وجوه معايش العباد إلى أن قال: «و أمّا تفسير الإجارات فإجارة الإنسان نفسه، أو ما يملكه، أو يلي أمره من قرابته أو دابّته أو ثوبه» (4) إلى آخر الحديث الشريف.

و المقصود من نقل الروايتين أنّ مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) استدلّ لكون الإجارة من وجوه معايش العباد، و أنّها مشروعة ثابتة في الدين بالآية الشريفة و أنّها لا بدّ منها، و أنّ أمور الخلق و معايشهم لا تستقيم بدونها.

____________

(1) الكهف (18): 77.

(2) الزخرف (43): 32.

(3) المرتضى في «المحكم و المتشابه» ص 59، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 244، كتاب الإجارة، باب 2، ح 3.

(4) «تحف العقول» ص 333، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 242، كتاب الإجارة، باب 1، ح 1.