جامع المقاصد في شرح القواعد - ج13

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
448 /
57

و في ذات العيب اشكال. (1)

____________

و قد سبق أن المختار الوجوب ما لم يعد إجحافا، فيسقط لما فيه من الضرر، و ينبغي أن يكون الحكم هنا كذلك.

و اعلم أن قول المصنف: (أو من غلت) يجوز قراءته بالمهملة و المعجمة، من العلو أو من الزيادة، و هما يتقاربان في المعنى.

قوله: (و في ذات العيب إشكال).

(1) أي: لو قدر على حرة ذات عيب كالبرصاء و المجذومة، ففي جواز نكاح الأمة في هذه الحالة إشكال، ينشأ: من انتفاء شرط نكاح الأمة، لأنه مستطيع لنكاح الحرة المؤمنة، فيمنع من نكاحها. و من أن مقصود النكاح دفع الشهوة، و إنما يكون ذلك مع الميل القلبي، و هو منتف هنا، لوجود النفرة طبعا، فلا يندفع خوف العنت. و لأنه إن جاز الفسخ بالعيب هنا لو تزوّجها و لم يعلم بالعيب إلّا بعد العقد جاز نكاح الأمة، و المقدم حق، لإطلاق النصوص بثبوت الخيار بالعيوب، و هو يتناول صورة النزاع، فاخراجها يحتاج إلى دليل شرعي، و هو منتف.

فإن قيل: عموم قوله تعالى وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا (1) يقتضي إخراجها.

قلنا: دلائل الفسخ بالعيب أخص من هذا الوجه فتقدّم، و أما بيان الملازمة، فلأنه إذا جاز فسخ نكاح ذات العيب امتنع القول بتحتم تزويجها لو لم تكن منكوحة، فإنه لو وجب ابتداء النكاح لوجبت استدامته بطريق اولى، و هذا أقوى.

و اعلم أن عبارة المصنف كالمتدافعة، فإنه جزم بأنه إذا قدر على رتقاء جاز له نكاح الأمة، و تردد في ذات العيب مع أنها شاملة للرتقاء، فإن الرتق من العيوب المجوزة للفسخ كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) النساء: 25.

58

و لو كان مفلسا و رضيت بالمؤجل أقل من مهر المثل لم تنكح الأمة. (1)

____________

و قد يعتذر له بأنه أراد بذات العيب ما عدا الرتقاء فلا تدافع، لكن قد يسأل عن الفرق بينهما و بين غيرها من ذوات العيوب، فيجاب بأن الرتق مانع من الوطء قبلا، فمطلوب النكاح و هو الوطء قبلا معه منتف، بخلاف نحو الجنون و الجذام و البرص، و هو ضعيف، و منقوض بالرتق و العمى و العرج و الإفضاء.

قوله: (و لو كان مفلسا و رضيت بالمؤجل أقل من مهر المثل لم ينكح الأمة).

(1) ينبغي أن يقرأ مفلسا بالتخليف ليشتمل من كان غير قادر على المهر و لم يحكم بتفليسه.

و فقه المسألة: إنه متى كان غير قادر على طول الحرة لفقره أو للحجر عليه بالإفلاس، فوجد حرة ترضى بمهر مؤجل إلى أجل يتوقع القدرة عليه عند حلوله، و المهر الذي رضيت به لا يزيد على مهر أمثالها، لم ينكح الأمة عند المصنف و وجب عليه نكاحها، لأنه مستطيع للحرة حينئذ. و في الحكم نظر ينشأ من هذا، و من أنه شغل الذمة بالدين الموجب للمطالبة عند الحلول.

و قد لا يصدق رجاؤه في حصول الملاءة ضرر بيّن، و قد ورد في الدين أنه «همّ بالليل و مذلة في النهار».

و قريب من ذلك ما إذا وجد من يبيع منه نسيئة ما يفي بصداقها، أو وجد من يستأجره بأجرة معجّلة تفي به أو يقرضه ذلك، و عدم الوجوب في هذه المسائل كلها قوي، فيجوز نكاح الأمة.

فرعان:

أ: المال الغائب لا يمنع نكاح الأمة، لأن صاحبه ملحق بالفقير، و لهذا يجوز له أخذ الزكاة.

فلو وجد من يبيعه نسيئة إلى أجل، يغلب على الظن وصول المال الغائب عند

59

و خوف العنت إنما يحصل بغلبة الشهوة و ضعف التقوى، فلو انتفى أحدهما لم ينكح الأمة. (1)

____________

الحلول، ففي الوجوب نظر. و كذا الفرض إذا أجّل لازما كذلك.

ب: لا يجب بيع المسكن و الخادم و ما جرى مجراهما، و صرف ذلك إلى طول الأمة على أقرب الوجهين، لأن ملك ذلك لا ينافي الفقر، و الفقير غير مستطيع.

و اعلم أنه لا حاجة إلى كون ما ترضى به الحرة مؤجلا أقل من مهر المثل، كما في عبارة الكتاب، بل مهر المثل أيضا كذلك. أما لو لم ترض إلّا بما زاد، فإنه يبني على أنه لو وجد حرة لا ترضى إلّا بما زاد على مهر أمثالها و هو قادر عليه هل يجوز نكاح الأمة أم لا؟ و لا بد أن يكون بحيث يتوقع عند آخر الأجل التمكن من أداء المهر، و إلّا جاز نكاح الأمة وجها واحدا، و عبارة الكتاب خالية من ذلك.

قوله: (و خوف العنت إنما يحصل بغلبة الشهوة و ضعف التقوى، فلو انتفى أحدهما لم ينكح الأمة).

(1) قال اللّه تعالى ذٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ (1) و العنت لغة: المشقة الشديدة، و يقال: إنه الهلاك، و المراد هنا الزنا. و أطلق عليه العنت من حيث انه سبب المشقة و الهلاك بالحد في الدنيا و العقوبة في الآخرة، فخوف العنت هو توقع مقارفة الزنا على سبيل الندرة، و إنما يتحقق ذلك بغلبة الشهوة و ضعف التقوى، فمن غلبت شهوته و قل تقواه فهو خائف، و من قويت شهوته و له زاجر عن الوقوع في الزنا من دين أو مروءة أو حياء فهو غير خائف.

و كذا من غلبت شهوته و قوى تقواه، لأنه لا يخشى العنت، لكن لو كان ترك الوقاع في حق هذا بحيث يجر ضررا و مرضا شديدا لم يبعد القول بجواز نكاح الأمة، و عبارة الكتاب مطلقة.

____________

(1) النساء: 25.

60

و القادر على ملك اليمين لا يخاف العنت فلا يترخص (1)، و لو أيسر بعد نكاح الأمة لم تحرم الأمة. (2)

و لا يجوز للعبد و لا للأمة أن يعقدا نكاحا بدون اذن المالك، فإن فعل أحدهما بدونه وقف على الإجازة على رأي. (3)

____________

قوله: (و القادر على ملك اليمين لا يخاف العنت فلا يترخص).

(1) وجهه: إنّ خوف الوقوع في الزنا يندفع بوطء المملوكة، فيتحتم شراؤها لو لم تكن في ملكه، و لا يجوز له نكاح الأمة.

و يحتمل الجواز، لأنه لا يستطيع طول حرة، و هذا هو الشرط في الآية، و الأول أقوى، لأن خوف العنت شرط أيضا، و هو منتف هنا.

فرع: لو كانت الأمة التي يملكها غير محللة له، فإن كانت قيمتها تفي بثمن أمة يتسرى بها أو مهر حرة، و لم يكن هناك ما يسقط معه وجوب بيعها لكونها مألوفة يشق فراقها لم ينكح الأمة.

قوله: (و لو أيسر بعد نكاح الأمة لم تحرم الأمة).

(2) لأن قضية الآية اشتراط الإعسار في الابتداء، و لا دليل على كونه شرطا في الدوام، مع أن الدوام أقوى من الابتداء، و ذلك كما أن العنت شرط في الابتداء خاصة، و كما أن كلا من العدة و الردة و الإحرام يمنع ابتداء النكاح دون دوامه، و الإسلام يمنع ابتداء السبي دون دوامه، و كذا لا تحرم الأمة لو نكح حرة بعد ما نكحها عندنا.

و لا يخفى أن المصنف لو اقتصر على قوله: (لم تحرم)، و لم يذكر الأمة مرة أخرى، لم يكن محتاجا إلى ذكرها، و لكانت مع الاختصار خالية من التكرار.

قوله: (و لا يجوز للعبد و لا للأمة أن يعقدا نكاحا من دون اذن المالك، فإن فعل أحدهما بدونه وقف على الإجازة على رأي).

(3) اختلف الأصحاب في أن الفضولي من النكاح يقع باطلا، أو موقوفا على الإجازة من الزوج أو الزوجة.

61

و على المولى مع اذنه مهر العبد و نفقة زوجته، و له مهر أمته. (1)

____________

فالقائلون بالبطلان ثم قالوا به في نكاح العبد و الأمة إذا بادر أحدهما إلى العقد بنفسه بدون اذن سيده.

و القائلون بوقوعه موقوفا اختلفوا هنا، فقال بعضهم بوقوع هذا النكاح موقوفا، فإن اجازه السيد صح، و إلّا بطل. و اختاره المصنف هنا و في المختلف (1)، و هو الأصح، لحسنة زرارة عن الباقر (عليه السلام)، قال: سألته عن مملوك تزوّج بغير اذن سيده قال: «ذلك الى السيد إن شاء أجاز، و إن شاء فرّق بينهما» (2).

و اضطرب كلام ابن إدريس فقال في أوله ما حاصله: إن كلام الشيخ مبني على مذهبه من أن العقد لا يقف على الإجازة، قال: و قد بيّنا فساد ذلك فيما مضى، ثم حكم ببطلان العقد هنا من أصله محتجا بأنه منهي عنه فيكون فاسدا (3)، و كلية الكبرى ممنوعة.

و قد يحتج بما ورد عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): «أيما مملوك تزوّج بغير اذن مولاه فنكاحه باطل» (4)، و يجاب بمنع السند أولا، و بالجملة على انه بمنزلة الباطل، إذ لا يترتب عليه أثره بمجرده ثانيا مجازا طلبا للجمع بينه و بين ما سبق.

قوله: (و على المولى مع اذنه مهر العبد و نفقة زوجته و له مهر أمته).

(1) إذا أذن المولى لعبده في النكاح صح و كان المهر في ذمة السيد، و كذا نفقة الزوجة على أشهر الأقوال للأصحاب، لأن العبد لما لم يتصور ملكه امتنع تعلق الوجوب به، و لما وقع النكاح صحيحا لزمه الحكم بثبوت المهر و النفقة، و لا متعلق لهما إلّا السيد و قد أذن في النكاح فيتعيّن وجوبهما عليه، لأن الاذن في النكاح لمن هذا حاله

____________

(1) المختلف: 569.

(2) الكافي 5: 478 حديث 3، الفقيه 3: 350 حديث 1675، التهذيب 7: 351 حديث 1432.

(3) السرائر: 305.

(4) سنن البيهقي 7: 127 و فيه: «عاهر» بدل «باطل».

62

و اجازة عقد العبد كالإذن المبتدأ في النفقة، و في المهر اشكال. (1)

____________

التزام لمؤنته، و لما كان نسبتهما الى جهات أموال السيد على حد سواء وجب الحكم بثبوتهما في ذمة السيد، لامتناع الترجيح.

و لو زوّج السيد أمته صح النكاح قطعا و كان المهر للسيد، لأن الأمة و بضعها و منافعها مملوكة له، فيكون المهر الذي هو في مقابل البعض حقا له.

قوله: (و اجازة عقد العبد كالإذن المبتدأ له في النفقة، و في المهر اشكال).

(1) لما حكم بأن عقد المملوك يقع موقوفا على اجازة السيد و لا يقع باطلا من أصله، فرّع عليه ما إذا كان المملوك العاقد عبدا و أجاز المولى نكاحه فقال: إنه كالإذن المبتدأ في النفقة، و تردد في المهر. و تحقيقه: إن المولى إذا أجاز العقد كانت الإجازة كالإذن المبتدأ، أي: الواقع قبل العقد، فيصح به العقد كما سبق و تثبت به النفقة مع حصول التمكين من الزوجة في ذمة السيد، لأن وجوبها أثر النكاح الثابت بالاذن.

و أما المهر ففي كون الإجازة بالنسبة إليه كالإذن المبتدأ، فيثبت في ذمة العبد على أنه يتبع به إذا أعتق، أو في ذمة السيد إشكال ينشأ: من أن الإجازة لما طرأت على العقد بعد تمامه لم توجب في ذمة المولى شيئا، و ذلك لأن العقد تضمّن المهر قبل صدور الإجازة، فلم يكن له تعلق بذمته. و لأن الإجازة إنما تؤثر في العقد على ما هو عليه، و معلوم أنه لم يقع على أن المهر في ذمة المولى.

و من أن الرضى بالنكاح من المولى التزام لمؤنة، و لا يفترق الحال في ذلك بين وقوعه متقدما و متأخرا.

فإن العبد لكونه لا يملك يمتنع إلزامه بالمهر، فلا يقع العقد إلّا على الوجه الممكن، و هو كون المهر على السيد، فيقع موقوفا على هذا الوجه. فإذا أجازه ثبت المهر في ذمته كما في الاذن قبل العقد سواء، و هذا أصح.

63

و لو تعدد المالك افتقر إلى اذن الجميع قبل العقد، أو إجازتهم بعده. (1)

و يحتمل ثبوت المهر و النفقة في كسب العبد و ربح تجارته، و لا يضمن السيد، بل يجب أن يمكنّه من الاكتساب، (2)

____________

و الجواب عما سبق أن العقد و إن لم يتضمن ثبوت المهر في ذمة السيد، إلّا أنه يمتنع وقوعه إلّا كذلك، لما قلناه.

قوله: (و لو تعدد المالك افتقر إلى اذن الجميع قبل العقد، أو إجازتهم بعده).

(1) لأن كل واحد منهم مالك، فيعتبر في كل واحد منهم ما يعتبر في المالك الواحد، و حينئذ فيوزّع عليهم المهر و النفقة بالحصة.

قوله: (و يحتمل ثبوت المهر و النفقة في كسب العبد و ربح تجارته، و لا يضمن السيد بل يجب أن يمكّنه من الاكتساب).

(2) ذكر الشارح الفاضل ما حاصله: إن ما ذكره المصنف في المطلب الخامس في الأحكام من الفصل الثالث: في الأولياء، من أن المولى إذا أذن لعبده في النكاح و أطلق ثبت قدر مهر المثل على المولى لو نكح بأزيد منه، لم يكن ترجيحا مانعا من النقيض، أو أنه رجع عنه إلى كون المهر و النفقة في كسب العبد (1).

و ما ذكره غير واضح إذ ليس في كلامه ما يدل على اختيار كون المهر و النفقة في كسب العبد بحال، فإنه لم يذكر ذلك إلّا احتمالا. و قد ذكر قبله بيسير إن على المولى مع اذنه مهر العبد و نفقة زوجته، فكيف يكون هذا رجوعا عما سبق. و لا ريب أن الاحتمال لا ينافي صورة الجزم، لأنه مع ترجيح أحد الطرفين يجوز ذكره بصورة الجزم لتعيّن العمل به لا محالة.

____________

(1) الإيضاح 3: 138.

64

..........

____________

إذا عرفت ذلك فاعلم أنه يحتمل ثبوت المهر و النفقة فيما إذا اذن السيد لعبده في النكاح قبل العقد، أو اجازه بعد وقوعه في كسب العبد إن كان كاسبا، كما في الاحتطاب و الاحتشاش، و ما يحصّله بصنعة أو حرفة و لو بالاكتساب النادر في ربح تجارته إن كان تاجرا.

و هو اختيار الشيخ في المبسوط (1)، و وجهه: إن المهر و النفقة من لوازم النكاح، و كسب العبد أقرب شيء إليهما، فإن غاية كسب كل انسان هو الصرف في مؤنة و ضروراته، و العادة جارية بذلك فينزل الحال في لوازم النكاح عليها.

و يضعّف بأن الدين لا بد له من ذمة يتعلق بها، و ذمة العبد ليست أهلا لذلك، فلا بد من تعلقه بذمة المولى. و على القول بذلك فلا يخفى أنهما لا يتعلقان بكل كسب للعبد بل بما كان بعد النكاح، فإن السابق خاص بالمولى كسائر أمواله.

و لا بد في المهر من حلوله، فلو كان مؤجلا تعلّق بالكسب الواقع بعد الحلول دون ما قبله، لما قلناه.

و لا بد في النفقة من التمكين، فلا تعلق لها بالكسب المتقدم عليه. و من هذا يعلم أنه لو كان تاجرا لم يتعلق برأس المال، بل بالربح الحاصل بعد الاستحقاق حالا.

و طريق الصرف إلى المهر و النفقة أن ينظر في الحاصل كل يوم، فيؤدي منه النفقة إن و في بها، فإن فضل شيء صرف إلى المهر، و هكذا حتى يتم المهر ثم يصرف الفاضل من النفقة إلى السيد، و لا يدخر لما يتجدد من النفقة.

و لو فلس السيد اختصت الزوجة بقدر النفقة و المهر من كسب العبد، و على القول بكونهما في ذمة السيد هي أحد غرمائه فتضرب بالحصة.

و قول المصنف: (و لا يضمن السيد بل يجب أن يمكنه من الاكتساب) تنقيح

____________

(1) المبسوط 4: 167.

65

فإن استخدمه يوما فأجرة المثل كالأجنبي. و يحتمل أقل الأمرين من كسبه و نفقة يومه. (1)

____________

للقول بثبوتهما في كسب العبد، فإن تعلق الحق بمال معيّن لا ينافي الثبوت في الذمة، كما لو ضمن ما على الغير و شرط الأداء من مال بعينه، و كما في الرهن و تركة الميت.

و لما لم يكن للمهر و النفقة على هذا القول تعلق بذمة السيد، بل متعلقهما الكسب، كما أن متعلق أرش الجناية هو رقبة العبد دون ذمة السيد، نصّ المصنف على ذلك، و بيّن أنه يجب على السيد تمكينه من الكسب بمعنى تخليته ليكتسب، و لا يشترط إذنه، لأن الاذن في النكاح يستدعي ذلك.

و مقتضى هذا أنه لا يشترط الاذن في التجارة بخصوصها، بل إن اتجر حينئذ صح و تعلقا بالربح.

و قد يتوهّم من قول الشارح الفاضل: لو كان مأذونا له في التجارة تعلق أيضا المهر و نفقة زوجته بربحه، اعتبار الاذن في الصحة، فإن ذلك مراد له (1)، فليس بظاهر.

و ليس من لوازمها التصرف في مال المولى، إلّا أن يقال: التجارة لا بد فيها من الشراء، و لا بد من ثبوت الثمن في ذمة المولى، و هذا مما يجب التوقف فيه على اذنه.

فرع: يجب عليه تخليته للاستمتاع بمجرى العادة.

قوله: (فإن استخدمه يوما فاجرة المثل كالأجنبي، و يحتمل أقل الأمرين من كسبه و نفقة يومه).

(1) هذا فرع على القول بثبوت المهر و النفقة في كسب العبد و وجوب تخليته للاكتساب، و تحقيقه: إنه على هذا القول لو استخدمه السيد يوما و لم يلتزم بلوازم النكاح وجب عليه الغرم لما استخدم، لأنه لما أذن في النكاح فكأنه أحال على كسبه، فإن فوّته طولب بعوض ما استوفاه و هو اجرة المثل كما في الأجنبي.

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 139.

66

و يحتمل ثبوت النفقة في رقبته، بأن يباع كل يوم منه جزء للنفقة. (1)

____________

و يحتمل أن يجب أقل الأمرين من اجرة المثل و المهر و نفقة يومه، أما إذا كان المهر و النفقة أقل فظاهر، إذ لا يجب شيء غير ذلك.

و أما إذا كانت الأجرة أقل، فلأن الذي استوفاه السيد هو قدر الأجرة، فلا يغرم أكثر منه.

و يجيء احتمال ثالث، و هو أن يغرم نفقة مدة الاستخدام كائنة ما كانت، لأنه ربما كان يكتسب ما يفي بذلك.

و الأقرب تفريعا هو وجوب أقل الأمرين. و اعلم أن المصنف لم يذكر في هذا الاحتمال سوى نفقة يومه.

و لا ريب أن المهر دين حاضر، لأنه الفرض، فإذا وفت به الأجرة تعيّن صرفها إليه مع النفقة، و كأنه إنما سكت عنه اكتفاء بما تقدّم و اعتمادا على ظهور الحال، و كذا فعل في احتمال كونها في رقبته.

قوله: (و يحتمل ثبوت النفقة في رقبته، بأن يباع كل يوم منه جزء للنفقة).

(1) هذا احتمال ثالث لتعلق النفقة، و تحقيقه: إنّ نفقة كل يوم تثبت في رقبته، فيباع منه جزء ما يفي بالنفقة، تنزيلا لها منزلة أرش الجنايات.

و وجهه: إن النفقة واجبة لا محالة و ليست على السيد، لأصالة البراءة، و لا على العبد، لأنه ليس أهلا لذلك. و تعليقها بكسبه تعليق للواجب بما ليس بمعلوم الحصول، فتعيّن تعلقها بالرقبة بمقتضى السبر و التقسيم.

فعلى هذا إن وجد راغب يشتري كل يوم منه جزء بقدر النفقة الواجبة لذلك اليوم وجب بيعه.

و اعلم أن قوله: (و يحتمل ثبوت النفقة في رقبته) ليس عديلا لقوله: (و يحتمل أقل الأمرين) بل هو عديل لقوله: (و يحتمل ثبوت المهر و النفقة في كسب العبد) كما

67

و لو قصر الكسب، أو لم يكن ذا كسب احتمل ثبوت النفقة في رقبته و في ذمة المولى، و أن يتخير بين الصبر و الفسخ إن جوّزناه مع العسر. (1)

و لو اشترته زوجته أو اتهبته قبل الدخول سقط نصف المهر الذي

____________

هو ظاهر عند التأمل.

قوله: (و لو قصر الكسب أو لم يكن ذا كسب احتمل ثبوت النفقة في رقبته، و في ذمة المولى، و أن يتخير بين الفسخ و الصبر إن جوّزناه مع العسر).

(1) ما سبق هو حكم ما إذا كان العبد كاسبا و كسبه واف بنفقة زوجته، و هذا بيان حكم ما إذا كان كسبه قاصرا عنها أو لم يكن له كسب أصلا، و قد ذكر المصنف فيه احتمالات ثلاثة:

أحدها: ثبوت النفقة أو ما قصر الكسب عنه منها في رقبته، تنزيلا للوطء في النكاح منزلة الجناية.

الثاني: ثبوتها في ذمة المولى، لأنه لما اذن في النكاح لزمته لوازمه، لامتناع إغراء النكاح عن النفقة، و إنما قدّمنا الكسب، لأنه أقرب شيء إليها، فإذا انتفى تعيّنت ذمة المولى.

الثالث: تخيير الزوجة بين الصبر بغير نفقة حاضرة، و بين الفسخ إن جوّزنا الفسخ للمرأة إذا أعسر زوجها الحر عن النفقة، و سيأتي تحقيقه إن شاء تعالى. و لم يذكر المصنف حال المهر مع القصور، و كذا لم يذكره في احتمال ثبوت النفقة في رقبته، فيمكن أن لا يرى مجيء ذلك فيه، و أن يكون على ذلك التقدير دينا على العبد يتبع به.

لكن في إثبات الفرق بين المهر و النفقة عسر، و هذا كله بناء على أن المهر و النفقة لا يثبتان في ذمة المولى بإذنه في النكاح، أما على القول بالثبوت فإن ذلك ساقط.

قوله: (و لو اشترته زوجته، أو اتهبته قبل الدخول سقط نصف المهر

68

ضمنه السيد أو جميعه (1)، فإن اشترته بالمهر المضمون بطل الشراء إن أسقطنا الجميع حذرا من الدور، إذ سقوط العوض بحكم الفسخ يقتضي عراء البيع عن

____________

الذي ضمنه السيد أو جميعه).

(1) قد سبق أنه إذا ملك أحد الزوجين الآخر أو شيئا منه انفسخ النكاح، فإذا ملكت الزوجة الحرة زوجها المملوك شراء أو اتهابا أو غيرهما، فإما أن يكون ذلك قبل الدخول أو بعده.

فإن كان قبله و قد ضمن السيد المهر، إما بناء على أن الاذن في النكاح يقتضي ثبوته في ذمته، أو لكونه قد ضمنه للمرأة بعد النكاح حتى صار في ذمته، فإن ما في الذمة مضمون لا محالة، ففي سقوط نصف المهر أو جميعه وجهان:

وجه الأول: إن الانفساخ حصل بالعقد الجاري من المولى، و الزوجة و المولى قائم مقام الزوج من حيث انه سيده، و الفراق إذا حصل بصنع الزوجين غلب جانب الزوج و تشطر المهر، كما لو خالعها قبل المسيس.

و وجه الثاني: إن الفرقة حصلت بالزوجة، و السيد لا اختيار للزوج فيها، فكان كما لو أسلمت مع كفره، أو ارتدت مع إسلامه قبل الدخول. و في هذا الوجه قوة، فعلى هذا ترد المهر إن قبضته و عليها الثمن، و على الأول ترد النصف و عليها الثمن، و قد يقع التقاص إذا اتحد الجنس.

و لو انعكس الفرض فملك الحر زوجته الأمة قبل الدخول، ففي وجوب نصف المهر أو جميعه الوجهان أيضا، لكن المتجه هنا وجوب الجميع، و قد سبق نظائره في الرضاع و تجدد الإسلام.

و تمليك السيد إياه لا يقدح في استحقاقه المهر، إذ ليس أبلغ من بذل الزوجة في الخلع، و إنما تشطر في الخلع للدليل، فلا يلحق به غيره.

قوله: (فإن اشترته بالمهر المضمون بطل الشراء إن أسقطنا الجميع حذرا من الدور، إذ سقوط العوض بحكم الفسخ يقتضي عراء المبيع عن

69

العوض، (1)

____________

العوض).

(1) قد بينّا أن المهر يمكن ثبوته في ذمة السيد، اما بأن يكون صدور العقد بإذنه يقتضي شغل ذمته، أو بأن يضمنه للزوجة، بناء على أنه لا يثبت في ذمته بعد صدور العقد، لأنه دين لازم فيصح ضمانه.

و لا ريب أن ما يقرن بالباقي عقد البيع من العوضين هو الثمن، فإذا باع السيد العبد للزوجة بالدين الذي في ذمته فقد باعه بنفس المهر. و مثله ما لو دفع إلى عبده عينا من أمواله لينكحها بها، ثم باعها إياه بتلك العين، بخلاف ما لو باعها بعوض و أطلق بحيث لم يقيّده بكونه الذي في ذمته لها، فإنه ليس بيعا بنفس المهر.

إذا تقرر ذلك، فإن الزوجة إذا اشترت زوجها العبد بنفس المهر الذي في ذمة السيد، أو الذي تعيّن في عقد النكاح على ما بيّناه، و كان ذلك قبل الدخول بنى على صحة البيع، و عدمه على المسألة السابقة، و هي أن الزوجة إذا اشترته قبل الدخول سقط نصف المهر أو جميعه.

فإن قلنا بسقوط الجميع بطل البيع، لأنه يلزم منه الدور، و هو باطل. بيان اللزوم: إنه إذا صح البيع دخل في ملكها و انفسخ النكاح فيسقط المهر، لأنه المقدّر، فيبقى المبيع بغير عوض يقابله فينفسخ، لامتناع صحة البيع بدون ثمن.

فصحة البيع تستلزم بطلانه، و ذلك دور عند الفقهاء، و بطلانه ظاهر. لأن كلما كان بحيث يفضي صحته الى بطلانه يجب الحكم ببطلانه.

لا يقال: صحة البيع و ارتفاع النكاح لا يكونان معا، بل يكون الفسخ بعد البيع و حصول الملك، و حينئذ فلا يزول ملكها عن الصداق إلّا بعد ملكها للرقبة، فلا يبطل الثمن لانفساخ العقد، بل يكون أثره الرجوع إلى البيع بدل الصداق.

و كما لو اشترت بعين الصداق قبل المسيس ثم ارتدت، فإنه يلزمها غرم بدل الصداق، و لا يبطل البيع.

70

و لو اشترته به بعد الدخول صح. (1)

و لو جوّزنا اذن المولى بشرط ثبوت المهر في ذمة العبد فاشترته به بطل العقد، لأن تملكها له يستلزم براءة ذمته، فيخلو البيع عن العوض. (2)

____________

لأنا نقول: ليس بين صحة البيع و ارتفاع النكاح و زوال الملك عن الصداق تخلل زمان، و إن كان هناك تقدّم اعتباري، بخلاف الصورة المذكورة في السؤال. هذا إذا أسقطنا جميع الصداق بشرائها إياه، و لو أسقطنا النصف خاصة، فإن البيع إنما يبطل في النصف فقط، لسقوط نصف الثمن.

و (عراء) في قول المصنف يقتضي عراء المبيع كأنه مصدر عرى عن كذا يعري عنه، و المنقول في مصدره عرى اما عراء ممدودا أو مقصورا فلم أقف عليه.

قوله: (و لو اشترته بعد الدخول صح).

(1) أي: لو اشترت الزوجة العبد بنفس المهر المضمون بعد الدخول صح الشراء، و ذلك لأن المهر استقر بالدخول، فلا يلزم من انفساخ النكاح سقوطه ليلزم عراء المبيع عن العوض.

و لا فرق في ذلك بين أن نقول بثبوت المهر في ذمة السيد بالعقد إذا وقع باذنه، و بين أن نقول بثبوته في ذمة العبد ثم يضمنه السيد، لأن الضمان لما كان ناقلا عندنا لم يرد أن ذمة العبد تبرأ من الصداق بدخوله في الملك، حيث ان المولى لا يستحق براءة ذمة الضامن.

قوله: (و لو جوّزنا اذن المولى بشرط ثبوت المهر في ذمة العبد فاشترته بطل العقد، لأن تملكها له يستلزم براءة ذمته، فيخلو البيع عن العوض).

(2) يلوح من قوله: (و لو جوّزنا.) أنه لا يجوز ذلك، إلّا أن قوله سابقا: (و في المهر إشكال) يقتضي تجويز ذلك.

و يمكن أن يعتذر له بأن المراد بالتجويز: الحكم بالجواز، و ليس بلازم من الإشكال في المهر.

71

و الولد رق إن كان أبواه كذلك، فإن كانا لمالك فالولد له، و لو كان كل منهما لمالك فالولد بينهما نصفان، إلّا أن يشترطه أحدهما أو يشترط الأكثر فيلزم، (1)

____________

إذا عرفت ذلك فمقصود المسألة إنّا إذا جوّزنا للمولى أن يأذن لعبده في النكاح بشرط أن يصرح للمرأة بكون المهر في ذمته، فنكح كذلك، ثم اشترته الزوجة بالمهر بعد الدخول بطل العقد، أي: البيع، لأن تملكها إياه يستلزم براءة ذمته، لامتناع أن يستحق المولى في ذمة مملوكه مالا، لأنه و ذمته ملك له فكيف يعقل أن يستحق على ماله مالا؟! و حينئذ فيخلو البيع عن العوض فيبطل للزوم الدور.

و وجه جواز الاذن كذلك أن العبد يمكن ثبوت الدين في ذمته بدليل أنه يتبع بعوض المتلفات.

و وجه العدم أن ذمته مملوكة للسيد، فلا يمكن شغلها بشيء من الديون، و لزوم عوض المتلفات للضرورة حذرا من ضياع الأموال لا يقتضي أن يكون ذمته كذمة غيره يمكن شغلها بالديون اختيارا.

قوله: (و الولد رق إن كان أبواه كذلك، فإن كانا لمالك فالولد له، و لو كان كل منهما لمالك فالولد بينهما نصفان، إلّا أن يشترطه أحدهما، أو يشترط الأكثر فيلزم).

(1) لا خلاف في أن الولد إذا كان أبواه رقين يكون رقيقا، فإن كانا لمالك واحد فالولد له لا محالة، و إن كان كل منهما لمالك فالولد بينهما نصفان، لأنه نماء ملكهما لا مزية لأحدهما على الآخر.

و ليس كذلك الولد في باقي الحيوانات، بل هو لمالك الام. و الفرق بينها و بين الآدمي في ذلك وراء النص و الإجماع ثبوت النسب المقتضي للتبعية، و سيأتي فيما بعد في الأخبار مما ينبّه على ذلك إن شاء اللّه تعالى.

72

و يتبع في الحرية أحد أبويه، إلّا أن يشترط المولى رقيته فيلزم، و لا تسقط بالإسقاط بعده. (1)

____________

و لو شرط أحد الموليين في عقد لازم كون الولد له، أو استحقاقه أزيد من النصف فيه صح الشرط و لزم، لأنه شرط لا ينافي النكاح، و عموم قوله (عليه السلام):

«المؤمنون عند شروطهم» (1) يتناوله.

قوله: (و يتبع في الحرية أحد أبويه، إلّا أن يشترط المولى رقيته فيلزم، و لا يسقط بالإسقاط بعده).

(1) هنا مسألتان:

الأولى: إذا كان أحد أبوي الولد حرا و الآخر رقا كان الولد حرا تبعا للحر من الأبوين، سواء كان الحر الأب أو الأم عند أكثر الأصحاب (2)، لأن الأصل في الإنسان الحرية، خرج منه ما أخرجه الدليل و كان موضع وفاق، فيبقى ما سواه على الأصل.

و لرواية جميل بن درّاج عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا تزوّج العبد الحرة فولده أحرار، و إذا تزوّج الحر الأمة فولده أحرار» (3).

و لحسنة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) قال:

سألته عن الرجل يتزوّج بأمة قوم، الولد مماليك أو أحرار؟ قال: «إذا كان أحد أبويه حرا فالولد أحرار» (4).

و لرواية إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام): في مملوك تزوّج حرة قال:

____________

(1) التهذيب 7: 371 حديث 1503، الاستبصار 3: 232 حديث 835.

(2) انظر: التنقيح الرائع 3: 138، المهذب 2: 215، اللمعة الدمشقية: 194.

(3) الكافي 5: 492 حديث 3، التهذيب 7: 336 حديث 1375، الاستبصار 3: 203 حديث 732.

(4) الكافي 5: 493 حديث 7، الفقيه 3: 291 حديث 1381، التهذيب 7: 336 حديث 1376، الاستبصار 3: 203 حديث 733.

73

..........

____________

«الولد للحر»، و في حر تزوج مملوكة فقال: «الولد للأب» (1).

و قال ابن الجنيد: إن ولد المملوكة زوجة الحر، و المملوك زوج الحرة للسيد إلّا مع اشتراط حريتهم، لأنهم نماء مملوك فيتبعه، و لأن حق الآدمي يغلب إذا اجتمع مع حق اللّه تعالى (2).

و لرواية أبي بصير قال: «لو أن رجلا دبّر جارية، ثم زوّجها من رجل فوطأها، كانت جاريته و ولدها مدبرين كما لو أن رجلا أتى قوما فتزوّج إليهم مملوكتهم كان ما ولد له مماليك» (3).

و الجواب: إنه نماء الحر أيضا، و حق الحرية مقدّم فإنه أقوى، و لهذا كان العتق مبنيا على التغليب و السراية، و الرواية مقطوعة فلا تعارض ما تقدّم، و حملها الأصحاب على ما إذا شرط المولى الرقية، و فيه نظر.

الثانية: إذا اشترط المولى رقية الولد حيث يكون أحد الأبوين حرا، فقد صرّح المصنف بصحة الشرط و لزومه. و هو اختيار الشيخين (4) و جماعة (5)، و تردد فيه المحقق ابن سعيد (6).

وجه الصحة: عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (7)، و عموم قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (8)، و رواية أبي بصير السالفة، فإنها منزّلة على ذلك،

____________

(1) التهذيب 7: 336 حديث 1377، الاستبصار 3: 203 حديث 734.

(2) نقله عنه العلّامة في المختلف: 568.

(3) التهذيب 7: 336 حديث 1378، الاستبصار 3: 203 حديث 735.

(4) المقنعة: 77، النهاية: 477.

(5) انظر: الغنية (الجوامع الفقهية): 549، المهذب 2: 215، اللمعة: 194.

(6) المختصر النافع: 183.

(7) المائدة: 1.

(8) التهذيب 7: 371 حديث 1503، الاستبصار 3: 232 حديث 138.

74

..........

____________

و موردها و إن كان ما إذا كانت الام رقا إلّا أنه لا قائل بالفصل.

و وجه العدم: عموم الأخبار السالفة، فإن ترك الاستفصال في حكاية الحال مع الاحتمال للعموم، و لقول الصادق (عليه السلام) في رواية سماعة الآتية و قد سئل عن مملوكة تزوّجها حر بدعواها الحرية في الجواب: «و لا يملك ولد حر» (1)، و قد ضبطها المحققون بالتنوين دون الإضافة.

وجه الاستدلال بها: إن النكرة في سياق النفي للعموم، و المعنى: و لا يملك الولد المحكوم بحريته بحال.

فإن قيل: هذا محكوم برقيته.

قلنا: بل هو حر بدون الشرط، فلا يكون الشرط سببا لرقيته بنص الحديث، و لأن الحرية بجعل اللّه تعالى فلا مدخل للشرط في تغييرها، كما لو شرط رقية ولد الحرين، و لأن الولد ليس ملكا للحر من الأبوين ليصح اشتراطه للمولى.

و كما لا يصح أن يشترط رقية من ولد حرا فكذا من سيولد حرا، لانتفاء السلطنة في الموضعين. و يؤيد نفي السلطنة أن الوالد لو أقر برقية ولده لم ينفذ هذا الإقرار على الولد، و لأن الولد نماء الأبوين، فنماء حر الأصل يجب أن يكون حرا بالأصالة، و حر الأصل يمتنع أن يجري عليه الرق بغير الشيء.

فإن قلنا بالأول لزم الشرط و لم يسقط بالإسقاط بعد العقد، لأنه من مقتضياته الثابتة، و إنما يسقط بإسقاط ما في الذمة، و الحق الضعيف الذي لا يقتضي الملك كالتحجير.

و إن قلنا بالثاني فالشرط باطل لا محالة، و هل يبطل به العقد؟ يحتمل ذلك.

____________

(1) التهذيب 7: 350 حديث 1429، الاستبصار 3: 217 حديث 390.

75

و لو تزوّج الحر الأمة من غير اذن مالكها، و وطأ قبل الرضى عالما بالتحريم فهو زان و عليه الحد، و في المهر مع علمها إشكال ينشأ: من أنها زانية، و من ملكية البضع للمولى. (1)

____________

و لا يخفى أن دلائل الثاني أقوى، و الأول هو المشهور بين الأصحاب.

قوله: (و لو تزوّج الحر من غير اذن مالكها و وطأ قبل الرضى عالما بالتحريم فهو زان و عليه الحد، و في المهر مع علمها إشكال ينشأ: من أنها زانية، و من ملكية البضع للمولى).

(1) أي: لو تزوج الحر الأمة- بدليل السياق- بدون اذن مالكها، و هو عالم بكونها أمة، بدليل قوله: (عالما بالتحريم) ثم وطأ قبل صدور الرضى من المولى عالما بتحريم ذلك فهو زان قطعا، لصدق حد الزاني عليه، و يجب عليه الحد بحسب حاله.

و في وجوب المهر إذا كانت هي أيضا عالمة بالتحريم إشكال ينشأ: من أنها زانية، و لا مهر للزانية لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «لا مهر لبغي» (1)، و النفي للثبوت و الاستحقاق، و هو للعموم لوقوع النكرة في سياق النفي. و من أن البضع حق للمولى و ملكه، فلا يؤثر علمها و رضاها في سقوط حقه.

و لقائل أن يقول: إن البضع و ان كان حق المولى إلّا أنه ليس على نهج الأموال، ليكون مطلق الانتفاع به موجبا للعوض، و إنما يستحق العوض به على وجه مخصوص، فإنه لو تراضى الواطئ و المولى على عوض الوطء من دون عقد شرعي لم يستحق شيئا.

و لو قبّل أحد مملوكة الغير أو لمسها أو استمتع بها بما دون الوطء لم يكن له عوض مال، بخلاف ما لو استخدمها أي أنواع الخدمة كان، و السر في ذلك أن في الوطء شائبة التعبد، فلا يباح إلّا على الوجه المعيّن، و لا يكفي فيه مطلق التراضي،

____________

(1) صحيح البخاري 9: 89، سنن البيهقي 6: 6.

76

و لو كانت بكرا لزمه أرش البكارة. (1)

____________

و لا يستحق به العوض إلّا على النهج الذي عيّنه الشارع، و بدونه فليس إلّا العقوبة.

في الدنيا و العوض في الأخرى.

و ما سواه فالأصل براءة الذمة منه، فيتمسك به من غير احتياج الى دليل آخر، لانتفاء المعارض، و حينئذ فلا يقدح ما قيل من أن الحديث لا يعم المملوكة، لأن اللام في قوله (عليه السلام): «لبغي» يقتضي الملك، و المملوكة يمتنع في حقها الملك، على أن لقائل أن يقول: إنّ اللازم فيه لام الاختصاص الناشئ عن المقابلة، فإن ذلك هو المراد من نظائره، مثل قولك: لا اجرة لهذا العبد، و لهذه الدار، و لهذه الدابة، و أمثال ذلك مما لا يتناهى.

ثم ان الظاهر أن الحديث إنما ورد في البغايا من الإماء، لأن العادة كانت بينهم حمل الإماء على الزنا يبتغون بذلك العوض، و على هذا فالأصح عدم الوجوب.

و لو علمت التحريم هي و جهل هو فلا مهر، لما قلناه. و لو جهلت خاصة ثبت المهر، للشبهة. و كذا لو أكرهها، لقيام الشبهة و لهذا يلحق بها الولد، و الولد رق لمولاها في هذه الصورة، لأن للعاهر الحجر، و هذا كله إذا لم يجز المولى العقد.

أما إذا اجازه و قلنا: إن الإجازة كاشفة عن صحة العقد من حين وقوعه، فإن المهر المسمّى يلزم و يتحقق استقراره و يلحق به الولد، لأنه قد تبيّن كونها زوجة حين الوطء. و على هذا فلا حد، لانتفاء كونه زانيا إذ هي زوجة، غاية ما في الباب انه أقدم على محرّم فاستحق التعزير، و لعل الأصحاب إنما تركوا التعرض إلى هذا اعتمادا على ظهوره بتقدير مقدماته.

قوله: (و لو كانت بكرا لزمه أرش البكارة).

(1) المراد: إن الأمة في الصورة السابقة لو كانت بكرا فاقتضها لزمه أرش بكارتها، و ظاهر السياق أن لزومه لا ريب فيه، و هو الذي ينساق إليه النظر، لأن الاقتضاض أمر زائد على أصل الوطء، و لهذا نوجبه مع المهر إذا كانت جاهلة، و ليس جزءا من

77

و لو كان عبدا، فإن قلنا إنه أرش جناية تعلّق برقبته يباع فيه، و إن قلنا إنه مهر تبع به بعد العتق، (1)

____________

المهر و إنما هو عوض جناية.

إلّا أن تردد المصنف في حكم العبد يؤذن بتجويزه أن يكون مهرا، فيجيء فيه الاشكال من حيث انه لا مهر لبغي، و هو في غاية البعد.

قوله: (و لو كان عبدا: فإن قلنا إنه أرش جناية تعلّق برقبته و يباع فيه، و إن قلنا إنه مهر تبع به بعد العتق).

(1) أي: لو كان المتزوج في الصورة المذكورة بدل الحر عبدا، و كانت الأمة بكرا فاقتضها، ففي تعلّق عوض البكارة برقبته، أو ثبوته في ذمته يتبع به إذا أعتق وجهان، مبنيان على أن العوض أرش جناية أو مهر، كل منهما محتمل.

أما كونه أرش جناية، فلأن الاقتضاض تفريق اتصال في اللحم و جرح على الآدمي، و هذا معنى الجناية.

و أما كونه مهرا، فلأنه تابع للوطء، و قد جعل في جملة المهر لو وطأ حرة بكرا بشبهة، و إذا جاءت زوجة الكافر إلينا مهاجرة رددنا عليه المهر كملا من غير إسقاط عوض البكارة، و الأظهر أنه أرش جناية.

و لا يقدح الحكم في الحرائر، لأن المهر في مقابل الوطء خاصة، و هذه الجناية مباحة مأذون فيها، لتوقف الوطء المستحق عليها فلا عوض في مقابلها، و الموطوءة بالشبهة بتمكينها سقط الأرش كما في الزانية.

و من ثم لو أكره حرة بكرا على الوطء فاقتضها اتجه وجوب المهر و الأرش معا.

و اعلم أن عدّ أرش البكارة مهرا يقتضي التردد في ثبوته على العبد أيضا، إذ لا مهر لبغي، فكان حقه أن يقول: و إن قلنا إنه مهر احتمل سقوطه مع علمها، و يحتمل

78

و الولد للمولى رق (1). و مع جهلها فله المهر قطعا. (2)

و لو وطأ جهلا أو لشبهة فلا حد و عليه المهر، و الولد حر و عليه قيمته لمولى الام يوم سقط حيا. (3)

____________

أن يتبع به بعد العتق.

قوله: (و الولد للمولى رق).

(1) المتبادر أن الحكم برقية الولد جاز في الصور السابقة جميعا، فيشمل ما إذا تزوّجها العبد، و لكن سيأتي أنه إذا تزوّج المملوكان و لم يأذن واحد من الموليين يكون الولد لهما، و إن أذن أحدهما فالولد لمن لم يأذن، إلّا أن يقال: إن ذكر العبد عند ذكر أرش البكارة وقع استطرادا، و قوله: (و الولد للمولى رق) مخصوص بمسألة الحر.

قوله: (و مع جهلها فله المهر قطعا).

(2) أي: مع جهل المملوكة في الصورة المذكورة يستحق مولاها المهر قطعا، لأنه وطء شبهة من طرفها، و الوطء المحترم لا يخلو من عوض، و الواجب هو مهر المثل لا المسمّى قطعا، لفساد النكاح.

قوله: (و لو وطأ جهلا أو لشبهة فلا حد و عليه المهر و الولد حر، و عليه قيمته لمولى الام يوم سقط حيا).

(3) هذا عديل المسألة السابقة، فإنه قيّدها بكون العاقد الواطئ عالما بالتحريم، و هذا بيان حكم الجاهل.

أي: لو وطأ العاقد في الصورة السابقة جهلا، بأن كان لا يعلم أن وطء الأمة بغير اذن مولاها محرّم، أو بعلمه لكن وجد شبهة كأن وجدها على فراشه فظنها زوجته أو أمته، و لم يدر، أنها الأمة التي عقد عليها فلا حد عليه قطعا، للشبهة الدارئة للحد، و عليه المهر إن كانت هي أيضا جاهلة.

و إن كانت عالمة ففي لزومه الاشكال السابق، و الولد حر، لأنه نسب و الأصل الحرية.

79

و كذا لو ادعت الحرية فعقد، و يلزمه المهر، و قيل العشر مع البكارة، و نصفه لا معها، فإن كان قد دفع المهر إليها استعاده، فإن تلف تبعها و الولد رق و عليه فكه بقيمته يوم سقط حيا، و على المولى دفعه إليه.

فإن لم يكن له مال استسعى فيه، فإن امتنع قيل: يفديهم الامام من سهم الرقاب. (1)

____________

و لا فرق عندنا بين كون الزوج عربيا أو أعجميا، و لا شك أن على الأب قيمته للمولى، لأنه نماء ملكه، و عليه أيضا ضمان ما يحدث عليها بسبب الحمل و الولادة. و إنما تعتبر القيمة وقت سقوطه حيا، لأنه وقت الحيلولة، و وقت افراده بالتقويم، و وقت الحكم عليه بالمالية لو كان رقا، و قد دلت الرواية على ذلك، و سيأتي إن شاء تعالى.

و لا يخفى أن المهر الواجب هنا هو مهر المثل، لعلمه بعدم صحة العقد فلا يجب المسمّى.

قوله: (و كذا لو ادعت الحرية فعقد و يلزمه المهر، و قيل: العشر مع البكارة و نصفه لا معها (1)، فإن كان قد دفع المهر إليها استعاده، و إن تلف تبعها و الولد رق و عليه فكه بقيمته يوم سقط حيا، و على المولى دفعه إليه.

فإن لم يكن له مال استسعى فيه، فإن امتنع قيل يفديهم الإمام من سهم الرقاب).

(1) هذه صورة ثالثة لهما، و تحقيقها: إن الأمة لو ادعت الحرية فعقد عليها النكاح، و هو شامل لما إذا كان لا يعلم حالها و ادعت كونها حرة الأصل، فيبني على الظاهر، و لما إذا كان يعلم أنها كانت مملوكة لكن ادعت تجدد الحرية، و في جواز التعويل بمثل ذلك على مجرد قولها نظر، و قد تردد فيه شيخنا في شرح الإرشاد.

____________

(1) ذهب إليه ابن الجنيد، كما نقله عنه فخر المحققين في الإيضاح 3: 142.

80

..........

____________

و لو انضم إلى خبرها قرائن تثمر ظنا قويا لم يبعد الجواز حينئذ، و حكمها إنه إذا دخل بها لا حدّ، لانتفاء كونه زانيا، و عليه المهر عوض الوطء المحترم، و في كونه المسمّى في العقد أو مهر المثل قولان، و وراؤهما قول ثالث و هو وجوب عشر قيمتها إن كانت بكرا و نصف العشر إن كان ثيبا.

و الأول مختار المصنف و جماعة (1)، لأن العقد صحيح ظاهرا، فيثبت ما تضمنه.

و فيه نظر، لأن الفرض وقوعه بغير رضى السيد، و لا أثر لكونه صحيحا ظاهرا، لأنها حرة ظاهرا إذا ثبت رقها بالحجة الشرعية. نعم لو أجاز السيد العقد اتجه ذلك، لا سيما إذا قلنا: إن الإجازة تكشف عن صحة العقد من حين وقوعه.

و القول الثاني مختار الشيخ في المبسوط (2)، و نقله الشارح الفاضل عن ابن حمزة (3)، ورده شيخنا في شرح الإرشاد. و وجهه: إن العقد فاسد لظهور الرقية و عدم اذن المولى، و قد حصل الوطء المحترم فوجب مهر المثل، و هو واضح السبيل إذا لم يجز المولى. و قد سبق نظيره في آخر الرضاع، و على هذا فيجب أرش البكارة لو كانت بكرا، و أرش النقص بالولادة إن حصل لها نقص.

و القول الثالث مختار الشيخ في النهاية (4)، و ابن البراج (5)، و مستنده ما رواه الوليد بن صبيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجل تزوّج امرأة حرة فوجدها أمة دلست نفسها له، قال: «إن كان الذي زوّجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد» إلى أن قال (عليه السلام): «و لمواليها عليه عشر قيمتها إن كانت بكرا، و إن كانت غير

____________

(1) انظر: الإيضاح 3: 142، التنقيح الرائع 3: 141.

(2) المبسوط 4: 189.

(3) الوسيلة: 358، إيضاح الفوائد 3: 142.

(4) النهاية: 477.

(5) المهذب 2: 217.

81

..........

____________

بكر فنصف عشر قيمتها» (1). و يمكن تنزيلها على أن العشر و نصف العشر في المسؤول عنها مطابق لمهر المثل، فيكون حينئذ حجة للقول الثاني. و هنا أحكام يتم البحث بها:

الأول: لو دفع الزوج المهر المسمّى إليها فعلى ما اخترناه يستعيده، لأن المهر باق على ملكه، و إن تلف كان في ذمتها يتبعها به إذا أعتقت، و كذا على القول الثالث.

أما على القول بلزوم المسمّى فلأنه مضمون عليه إلى أن يصل الى السيد أو وكيله، فإن تلف قبل ذلك غرم للسيد بدله، و يتبعها بالتالف إذا أعتقت و أيسرت.

و قول المصنف: (فإن كان قد دفع المهر.) في حيز قوله: (و قيل)، و ليس مختاره، و قد صرّح بفتواه قبل القول حيث قال: (و يلزم المهر)، فإن المتبادر منه المسمّى و إن كان السياق يقتضي وجوب المهر المذكور في الصور السابقة، و ذلك مهر المثل.

إلّا أن الشارح الفاضل (2)، و شيخنا في شرح الإرشاد صرحا بأن مراد المصنف بالمهر في هذه المسألة المسمّى و في التي قبلها مهر المثل. و لا ريب أن قوله: (فإن كان قد دفع المهر إليها استعاده) يتخرج على قول المصنف أيضا، إلّا أن ما بعده لا يتخرج، فلذلك جعل كلامه في حيّز (قيل).

الثاني: الولد حر، لأنه نسب لا حق للأب فيتبعه في الحرية، و قد صرح بحريته في الرواية السابقة أيضا.

و قال الشيخ في النهاية (3)، و ابن البراج (4): إن الولد رق و على الأب فكه بقيمته يوم سقط حيا، و على المولى دفعه إليه، و مع إعساره يستسعى في القيمة، فإن امتنع فداهم الامام من سهم الرقاب.

____________

(1) الكافي 5: 404 حديث 1، التهذيب 7: 349 حديث 1426، الاستبصار 3: 216 حديث 787.

(2) إيضاح الفوائد 3: 142.

(3) النهاية: 477.

(4) المهذب 2: 476.

82

..........

____________

و مستنده ما رواه سماعة عن الصادق (عليه السلام): في مملوكة أتت قوما و زعمت أنها حرة، فتزوجها رجل منهم فأولدها ولدا، ثم انه أتاهم مولاها فأقام عندهم البينة أنها مملوكته و أقرت الجارية بذلك، فقال: «تدفع إلى مولاها هي و ولدها، و على مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم يصير اليه».

قلت: فإن لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به قال: «يسعى أبوه في ثمنه حتى يؤديه و يأخذ ولده».

قلت: فإن أبى الأب أن يسعى في ثمن ابنه، فقال: «فعلى الإمام أن يفديه و لا يملك ولد حر» (1).

و قد نص جماعة منهم ابن إدريس على وجوب قراءة حر بالرفع و التنوين على أنه صفة لولد، و قالوا: إن قراءته بالجر وهم (2).

و أنكر ابن إدريس فك الإمام الولد من سهم الرقاب، لأنه ولد حر على ما صرّح به في الرواية، فكيف يشتري من سهم الرقاب، و هو كلام وجيه، و ليس في الرواية ما ينافيه.

و أنكر المصنف في المختلف الاستسعاء و وجوب الأخذ من بيت المال (3)، و هو صحيح في موضعه، لأنه دين يجب الانتظار به إلى اليسار، و لا يجب أداؤه من بيت المال، نعم يجوز، لأنه من المصالح، و حمل الأمر بالسعي الوارد في الرواية على الاستحباب بعد الطعن في سندها.

و ردّ إنكار ابن إدريس بأن المدفوع الى المولى عوض عن رقبة من شأنها أن تقوم و تزال يد المولى عنها، فدخلت تحت قوله تعالى وَ فِي الرِّقٰابِ.

____________

(1) التهذيب 7: 350 حديث 1429، الاستبصار 3: 217 حديث 790.

(2) السرائر: 305.

(3) المختلف: 566.

83

و لو تزوج العبد بحرة من دون اذن، فلا مهر و لا نفقة مع علمها بالتحريم و أولادها رق، و مع الجهل فالولد حر و لا قيمة عليها، و يتبع العبد

____________

و يمكن المناقشة بأن المدفوع ليس عوض الرقبة، إذ الحر لا عوض له، بل هو عوض ما فات على المولى من نماء الجارية، و الطريق إلى معرفته هو تقويم هذا الولد، فلا تتناوله هذه الآية.

و اعلم أن قول المصنف: (و الولد رق.) من تتمة القول المحكي و ليس فتوى المصنف، و من توهم كونه فتوى له فقد غلط، فإنه قد صرح فيما إذا وطأ شبهة يكون الولد حرا، و لا ينحط هذا عن الوطء بشبهة، نعم قوله بعد: (فإن امتنع قيل) يؤكد هذا الوهم، فإن استئناف حكاية القول لا وجه له إذا كان ما قبله محكيا، لأن جميع ذلك قول واحد.

الثالثة: لم يذكر المصنف هنا حكم الرجوع بالمهر على من دلسها و حكمه الرجوع به على المدلّس، فإن كانت هي المدلسة لنفسها تبعت به إذا أعتقت، لأن المغرور يرجع على من غره.

و ستأتي أحكام ذلك كلها في التدليس إن شاء اللّه تعالى.

الرابعة: لو شهد شاهدان بحريتها فتزوجها ثم رجعا لم يلتفت إلى رجوعهما، و ضمنا لمولاها قيمة الجارية و الولد و المهر، و إن ثبت تزويرهما نقض الحكم، و كان الولد حرا و على الأب قيمته يوم سقط حيا.

و الذي يقتضيه صحيح النظر أن الواجب في الصورة الثانية مهر المثل و في الأولى المسمّى، و يرجع الزوج على الشاهدين بما اغترمه في الثانية، و في الأولى يضمنان للمولى على ما سبق. و هل يطرد هنا القولان، لوجوب استسعاء الأب لو كان فقيرا إلى أخره؟ فيه احتمال، و الأوجه قصره على مورد الرواية، لأنه مخالف للأصل.

قوله: (و لو تزوج العبد بحرة من دون اذن فلا مهر و لا نفقة مع علمها بالتحريم، و أولادها رق. و مع الجهل فالولد حر و لا قيمة عليها، و يتبع العبد

84

بالمهر بعد عتقه. (1)

____________

بالمهر بعد عتقه).

(1) ما سبق هو حكم تزوج الحر بالأمة، و هذا حكم العكس، و تحقيقه انه إذا تزوج العبد بحرة من دون اذن مولاه، فإما أن تكون عالمة بأنه رق أو لا، و على تقدير علمها بالرقية فإما أن تكون عالمة بالتحريم أو لا.

فإن علمت بالتحريم و الرق فلا مهر و لا نفقة لها، لأنها قد ضيّعت حقها بعلمها بحاله. و قد روى السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله): أيما امرأة حرة زوجت نفسها عبدا بغير اذن مواليه فقد أباحت فرجها و لا صداق لها» (1)، و لا حدّ عليها في هذه الحالة عند الجماعة مع أنها زانية، فإن حد الزنا صادق عليه، و العقد بمجرده لا يعد شبهة.

و قد فرّق بين هذه، و بين ما إذا تزوّج الحر أمة عالما بالتحريم، بأن المرأة لضعف عقلها و عدم مخالطتها أهل الشرع يكفي العقد في الشبهة بالنسبة إليها، و قد ينقض بالعقد الفاسد على الحرة إذا علمت فساده ثم مكنته من نفسها.

و قد يمكن الفرق بأن هذا العقد فضولي موقوف على الإجازة، فلا يبعد عدّه شبهة بالنسبة إلى المرأة، لضعف عقلها دون الرجل. و الولد في هذه الحالة رق للمولى، لأنه لعدم لحاقه بها لا مقتضى لحريته، و هو نماء العبد، و رواية العلاء بن رزين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) دليل على ذلك (2).

و لو جهلت بالتحريم اما لجهلها بالرق أو لجهلها بالحكم فالولد حر، لأنه لا حق بها فيتبعها في الحرية، و رواية العلاء بكون الولد رقا منزلة على ما إذا علمت بالتحريم، جمعا بينها و بين دلائل حرية الولد إذا كان أحد أبويه حرا.

____________

(1) الكافي 5: 479 حديث 7، التهذيب 7: 352 حديث 1435.

(2) التهذيب 7: 353 حديث 1437.

85

و لو تزوج بأمة، فإن أذن الموليان أو لم يأذنا فالولد لهما.

و لو أذن أحدهما فالولد لمن لم يأذن خاصة.

و لو اشترك أحدهما بين اثنين، فأذن مولى المختص و أحدهما فإشكال. (1)

____________

و لا قيمة على الام قطعا، و الفرق بينها و بين الأب ورود النص ثم و انتفاؤه هنا فيتمسك بأصالة البراءة، و لأن الأب سبب فاعل بالنسبة إلى الولد فهو المباشر و الام قابل، و متى اجتمع المباشر و غيره في الإتلاف فالضمان إنما هو على المباشر.

و لما امتنع أن يثبت للسيد على مملوكه مال امتنع استحقاق القيمة هنا، و أما المهر فلا يثبت في ذمة العبد، لأن الوطء المحترم لا يخلو من مهر فيتبعه به إذا أعتق.

و هل لها نفقة؟ لم أقف في كلامهم على شيء أصلا، ثم هذا المهر هل المسمّى، أم مهر المثل؟ العبارة خالية من بيان ذلك.

و الذي ينبغي تحصيله هنا هو أن السيد إما أن يجيز نكاح العبد أو لا، فإن لم يجزه فالحكم ما ذكرناه و لا نفقة، لأنها تابعة للتمكين من النكاح، و هو منتف هنا. و المهر الذي يجب مع جهلها هو مهر المثل لا محالة، و إن أجاز النكاح فعلى القول بالصحة يجب المسمى على ما سبق ذكره.

و مثله النفقة بعد الإجازة إذا كانت ممكنة، أما قبلها ففي وجوبها في ذمته يتبع بها إذا أعتق وجه، لأنها حينئذ كانت زوجة في الواقع، و قد حصل التمكين المعتبر ظاهرا، و هذا واضح على القول بأن الإجازة كاشفة.

قوله: (و لو تزوج بأمة، فإن أذن الموليان أو لم يأذنا فالولد لهما، و لو اذن أحدهما فالولد لمن لم يأذن خاصة، و لو اشترك أحدهما بين اثنين فأذن مولى المختص و أحدهما فإشكال).

(1) قد سبق أنه إذا تزوّج المملوك بأمة غير مولاه فإن الولد للموليين معا

86

..........

____________

بالسوية، و تقرر بين الأصحاب أن ذلك إذا إذنا في النكاح معا أو لم يأذن واحد منهما.

فأما إذا أذن أحد الموليين و لم يأذن الآخر فإن الولد لمن لم يأذن خاصة، و قد يستدل له وراء النص- فإنه قد ذكره بعض الأصحاب و إن لم نقف عليه- بأن من أطلق الإذن لمملوكه في التزويج قد أقدم على فوات الولد منه، فإنه قد يتزوج بمن ليس برقيق فينعقد الولد حرا، بخلاف من لم يأذن فيكون الولد له خاصة.

أما إذا استويا في الاذن و عدمه فلا أولوية لأحدهما على الآخر، و لا يخفى أن هذا إذا لم يجز العقد الذي لم يأذن، أو اجازه و قلنا: إن الإجازة جزء السبب، و لو قلنا:

إنها كاشفة يلزم القول بكون الولد لهما.

فعلى هذا لو اشترك أحدهما بين اثنين، فأذن مولى المختص و أحد المشتركين دون الآخر، ففي اختصاص من لم يأذن به منهما إشكال ينشأ: من إطلاق قولهم: إن الولد لمن لم يأذن من الموليين خاصة، فإن مقتضاه اختصاص من لم يأذن من المشتركين بالولد، لوجود المقتضي للملك في حقه و انتفائه عمن سواه.

و من أن النماء يجب أن يكون تابعا للأصل، خرج منه ما أخرجه دليل، و هو هنا ورود النص و اطباقهم على اختصاص من لم يأذن، حيث يكون العبد لمالك واحد، و كذا الأمة، فيبقى ما عداه على الأصل. فعلى الثاني هل يكون للجميع أجرا بهذه الصورة على الأصل، أم للمشتركين خاصة، لأن النص و إطلاق الأصحاب لا يتناولهما؟

كل محتمل.

و قد أورد على هذا ما إذا تعدد كل من مولى العبد و مولى الأمة، و أذن أحد الفريقين دون الآخر، فإن الحكم باشتراك الجميع هنا، لعدم القطع بأن مرادهم بذلك ما إذا اتحد الموليان، و استبعاد الاختلاف في الحكم مع انتفاء الفرق لا يخلو من شيء، و الحكم بانفراد من لم يأذن مع التعدد يستلزم شمول المتحد و المتعدد، فيلزم اختصاص من لم يأذن في صورة النزاع، و للتوقف في ذلك كله مجال.

87

و لو زنا العبد بأمة غير مولاه فالولد لمولى الأمة، و لو زنا بحرة فالولد حر. (1)

و لو زوّج عبده أمته، ففي اشتراط قبول المولى أو العبد إشكال منشؤه: من أنه عقد أو إباحة، (2)

____________

قوله: (و لو زنا العبد بأمة غير مولاه فالولد لمولى الأمة، و لو زنا بحرة فالولد حر).

(1) المراد إنه إذا زنا العبد فحصل الولد من دون أن يكون ثم عقد نكاح، و وجه كون الولد لمولى الأمة أن الزاني لا ماء له فلا ولد له، و لما كان الولد كالجزء من الام وجب أن يكون لمولاها، و وجه كونه حرا فيما إذا زنا بحرة لما قلنا من أن الزاني لا ولد له.

و الأصل في الولد الحرية، لأن الأصل في كل انسان ذلك، و الرقية إنما تثبت بأمر طارئ، و هو منتف هنا.

فإن قيل: الولد نماء الأب فيكون لمولاه.

قلنا: هو ايضا نماء الأم الحرة فيجب أن لا يكون عليه سلطان.

و الحاصل أنه مع النكاح في الولد التفصيل السابق، و في السفاح ما ذكر ها هنا، و لا بعد في اختلاف الحكم باختلاف السبب، و الظاهر أن هذا لا خلاف فيه بين الأصحاب.

قوله: (و لو زوّج عبده أمته ففي اشتراط قبول المولى أو العبد إشكال، ينشأ من أنه عقد أو إباحة).

(2) لا ريب أن إنكاح السيد العبد من أمته يستدعي صيغة من طرف السيد هي صورة إيجاب، لكن هل يشترط القبول إما من المولى أو من العبد؟ فيه قولان للأصحاب و اشكال عند المصنف ينشأ: من احتمال كونه عقدا، و العقد إنما يتحقق

88

..........

____________

بالإيجاب و القبول. و من احتمال كونه إباحة، فيكفي فيه الإيجاب من السيد، كما في كل اباحة. و وجه الأول صحيحة العلاء عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال:

سألته عن الرجل كيف ينكح عبده أمته؟ قال: «يجزيه أن يقول: قد أنكحتك فلانة.

و يعطيها ما شاء من قبله أو قبل مولاه، و لا بد من طعام أو دراهم و نحو ذلك» (1).

وجه الاستدلال به أنه (عليه السلام) سمّاه نكاحا و النكاح هو العقد، و أمر بإعطاء شيء، و لا يجب المهر إلّا في العقد دون الإباحة.

فإن قيل: (قد) إنما تدخل على الأفعال، و صيغ العقود إنشاءات.

قلنا: لا يمتنع دخولها على لفظ الإنشاء من حيث انه صورة الفعل، و لا شك أنه إن امتنع دخولها على العقد امتنع دخولها على الإباحة لاشتراكهما في الإنشاء.

فإن قيل: على تقدير كونه عقدا لا يجزئ: أنكحتك، و قد حكم (عليه السلام) باجزائه فلا يكون عقدا.

قلنا: المسؤول عنه هو إنكاح السيد، و هو ما يكون معتبرا من جانبه. أما القبول فليس بمسؤول عنه، فإنه يجوز وقوعه من جانب العبد، و تسمية هذا نكاحا يستلزم اعتبار القبول، فيكون ذلك كافيا في الدلالة عنه.

و كذا رواية علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) الماضي إنه سئل عن المملوك أ يحل له أن يطأ الأمة من غير تزويج إذا أحل له مولاه قال: «لا يحل له» (2). وجه الاستدلال به أنه (عليه السلام) نفى حل الوطء بالتحليل من دون التزويج، فانحصر الحل في العقد، لأنه لا واسطة في حل الفرج بين العقد و الملك.

و وجه الثاني صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: سألته عن قول اللّه تعالى وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ قال: «هو أن يأمر

____________

(1) الفقيه 3: 285 حديث 1354.

(2) التهذيب 7: 244 حديث 1062، الاستبصار 3: 137 حديث 495.

89

..........

____________

الرجل عبده و تحته أمته فيقول له: اعتزل امرأتك و لا تقربها، ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها» (1).

وجه الاستدلال به أنه (عليه السلام) جعل رفع هذا الحل بيد المولى، فلو كان نكاحا لكان رفعه بيد الزوج، لأن رافع العقد اما الطلاق، أو الموت، أو تجدد ملة أو نحلة أو الفسخ بتجدد الملك أو العتق، أو بالعيب أو التدليس بالاستقراء، و ما عدا الأول معلوم الانتفاء هنا.

و كذا الأول، لأن الطلاق لا يكون إلّا بيد الزوج، لقوله (عليه السلام): «الطلاق بيد من أخذ بالساق» (2)، و لأن الأمر بالاعتزال لا يعد طلاقا قطعا.

و لقائل أن يقول: إنّ انحصار رافع النكاح فيما ذكر لا دليل عليه إلّا الاستقراء و ليس حجة، و لم لا يجوز أن يكون هذا الأمر بالاعتزال ضربا من الفسخ للنكاح، جعله الشارع بيد السيد ارتفاقا بحاله، و لا وجه للتوقف فيه بعد ورود النص الصحيح الصريح به. هذا مع أن المتبادر من (المحصنات) في قوله تعالى وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ المزوجات، فتكون الآية حجة على كونه عقدا من هذا الوجه.

و الأول أوجه، و هو قول المفيد (3)، و الشيخ (4)، و جماعة (5)، و الثاني قول ابن إدريس (6).

و اعلم أن اعتبار القبول على كل من التقديرين أولى، لأن الأمر في الفروج

____________

(1) النساء: 24، الكافي 5: 481 حديث 2، التهذيب 7: 346 حديث 1417.

(2) سنن ابن ماجة 1: 672 حديث 2081، سنن البيهقي 7: 360.

(3) المقنعة: 78.

(4) النهاية: 478.

(5) منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 297، و ابن البراج في المهذب 2: 218.

(6) السرائر: 306.

90

و في وجوب إعطائها من مال المولى شيئا خلاف. (1)

____________

مبني على الاحتياط التام، و سيأتي أن التحليل تمليك للمنفعة، و التمليك لا يكون إلّا بالقبول.

قوله: (و في وجوب إعطائها شيئا من مال المولى خلاف).

(1) ذهب الشيخان (1)، و أبو الصلاح (2)، و ابن البراج (3)، و ابن إدريس (4)، و ابن حمزة (5) إلى وجوب الإعطاء، عملا برواية محمد بن مسلم السابقة (6)، و هي و إن تضمنت اعطاءها شيئا من قبل العبد أو المولى، إلّا أن الذي يعطيه العبد ملك المولى، فإن الذي يكون من قبل العبد إنما يكون من كسبه، و حينئذ فعلى التقديرين يكون الإعطاء من مال المولى.

و ذهب المصنف (7)، و جمع من المتأخرين إلى عدم الوجوب، لأن مهر المملوكة إذا وجب استحقه المولى، إذ هو عوض البضع المملوك له و استحقاقه على نفسه غير معقول.

لا يقال: لا يمتنع كون المهر للمملوكة، و استحقاق المملوك على سيده في الجملة غير ممتنع، فإنه يستحق عليه النفقة و ما جرى مجراها كالكفن، و قد وردت الرواية بذلك فيجري على ظاهرها.

لأنا نقول: أما النفقة و ما جرى مجراها فإنها ليست عوضا عن شيء، و إنما هي من توابع المالية التي لا بد منه، بخلاف المهر الذي هو عوض البضع المملوك للمولى، فإنه

____________

(1) المقنعة: 78، النهاية: 478.

(2) الكافي في الفقه: 297.

(3) المهذب 2: 218.

(4) السرائر: 306.

(5) الوسيلة: 360.

(6) الفقيه 3: 285 حديث 1354.

(7) المختلف: 567.

91

و لو أعتقا فأجازت قبل الدخول أو بعده مع التسمية و عدمها فإشكال. (1)

____________

يستحيل كون العوض لغير مالك المعوض، و تحمل الرواية على الاستحباب المؤكد لما فيه من جبر قلبها و رفع منزلة العبد عندها، و هذا أقوى، و يليه على الاستحباب الأمر بإعطاء درهم أو طعام، إذ لو وجب لكان الواجب إما المسمى أو مهر المثل بالدخول، و هو خلاف المنصوص.

فإن قيل: فيلزم خلو النكاح عن المهر في العقد و الدخول معا.

قلنا: لما امتنع ثبوته هنا لم يكن عدم وجوبه محذورا، و ليس ذلك بأعجب من الجناية فإنها توجب الأرش، إلّا إذا جنى العبد على سيده فلا شيء و إن عتق، و كذا إتلاف المال موجب للضمان إلّا هنا.

إذا تقرر ذلك فاعلم أن الشارح الفاضل ولد المصنف بنى القول بالوجوب على مقدمات آثار التكلف ظاهرة عليها، و زعم أنه متى منعت إحداها لا يتم الوجوب (1)، و ليس كما قال، لأن منها أن المملوك لا يملك على المولى شيئا، و لو منعت هذه لم يمتنع القول بالوجوب، بل كان القول به حينئذ أظهر.

ثم ارجع إلى عبارة الكتاب و اعلم أن المصنف تردد في كون تزويج السيد عبده أمته عقدا أو إباحة، ثم ذكر الخلاف في وجوب إعطائها شيئا، و لا شك أن الوجوب لا يأتي على كل من القولين، بل إنما هو على القول بكونه عقدا، إذ لا خفاء في عدم الوجوب على تقدير كونه اباحة، فكان الأحسن أن يقول: فعلى القول بكونه عقدا فهل يجب إعطاؤها إلى آخره.

قوله: (و لو أعتقا فأجازت قبل الدخول أو بعده مع التسمية و عدمها فإشكال).

(1) هذه المسائل من

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 146.

92

..........

____________

أحكام تزويج السيد عبده من أمته، و تحريرها: إنه إذا تجدد عتقهما بعد التزويج تخيّرت في إبقاء النكاح و فسخه على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

فإن اختارت الفسخ فلا بحث، و إن اختارت الإجازة فإما أن يكون العتق قبل الدخول أو بعده، و على التقديرين فإما أن يكون قد سمّى لها مهرا في العقد أو لا، فهذه أحوال أربعة.

و في حكمها بالنسبة إلى بقاء النكاح و ثبوت المهر اشكال، هذا هو الظاهر من العبارة، فإنه ذكر الخلاف في كون هذا التزويج عقدا أو إباحة، ثم ذكر الخلاف في وجوب المهر و عدمه، و لم يذكر متعلق الاشكال فيناسب عوده إلى جميع ما ذكره، و يمكن تعلقه بالمهر خاصة لقربه، و تحقيقها في مباحث:

الأول: إذا أعتقا قبل الدخول مع التسمية و أجازت، و منشأ الاشكال في بقاء النكاح: من كونه عقدا، و قد أجازته بعد العتق فيبقى. و من أنه اباحة تابعة للملك فيزول بزواله، و منشؤه في المهر قريب من ذلك، فإنه على القول بكونه اباحة لا مقتضى للمهر و التسمية لاغية.

و على القول بكونه عقدا يحتمل العدم، لامتناع ثبوته، لاستلزام المحال، و هو ثبوته للسيد على نفسه فتلغو التسمية.

و يحتمل الثبوت، إما بناء على القول بوجوبه على السيد للأمة بالعقد، أو إجراء هذا العقد بالنسبة إلى المهر مجرى العقد الفضولي إذا منعنا من وجوبه على السيد، لكن الوجوب على الزوج لا محالة.

و يحتمل وجوب مهر المثل إلغاء للتسمية، فبالدخول يجب مهر المثل على الزوج.

الثاني: الصورة بحالها و لم يسمّ مهرا، و الحال في بقاء النكاح كما سبق. و أما الإشكال في المهر فمنشؤه من أنه لم يجب في الابتداء فلا يجب بعد ذلك، و قد استحق

93

..........

____________

الزوج البضع بغير عوض فلا يجب عليه المعوض بعد. و من أنها كمفوضة البضع لاشتراكهما في إخلاء العقد عن ذكر المهر، و قد ملكت بضعها قبل الدخول فيجب لها مهر المثل بالدخول على الزوج، لأن موجب المهر إنما يتحقق بعد العتق، و إن طلق وجب المتعة، و إن مات أحدهما قبل الدخول فلا شيء.

الثالث: أن يكون العتق بعد الدخول مع التسمية، فأما النكاح فعلى ما سبق، و أما المهر فمنشأ الإشكال فيه من تكافؤ الاحتمالات، فإنه على القول بكونه اباحة تلغو التسمية.

و على القول بكونه عقدا يحتمل عدم وجوب شيء، لأنها إذا لم يجب لها شيء بالعقد و الدخول لا يجب لها شيء بعد ذلك، و لأن المهر لو وجب لوجب للسيد، و هو ممتنع هنا.

و يحتمل الوجوب، لأن النكاح الصحيح و الوطء المحترم يمتنع خلوهما من المهر، و قد ورد في الأخبار الأمر بإعطائها شيئا، و أما الذي يجب أ هو المسمى أم مهر المثل؟ فيه إشكال ينشأ: من وقوع العقد صحيحا، و قد تضمن التسمية فيستصحب حكمها. و من أن التسمية على القول بإلغائها لا حكم لها، فيجب مع الدخول مهر المثل على السيد، لأن ذلك عوض الوطء المحترم، هذا إذا لم يكن قد أعطاها شيئا.

أما مع الإعطاء فالمناسب أن لا يجب غيره، و لا يخفى أن بعض هذه المقدمات في موضع المنع.

الرابع: الصورة بحالها لكن لا تسمية هنا، و الاشكال هنا في بقاء النكاح، و في ثبوت مهر المثل على السيد و عدمه. هذا تحرير المسألة، و أما تحقيقها فإن أكثر دلائل هذه المسألة مدخولة و المتجه عدم وجوب شيء إلّا إذا حصل العتق قبل الدخول، فإنه يحتمل وجوب مهر المثل على الزوج، و يحتمل على التسمية وجوب المسمّى اما على السيد أو على الزوج.

94

و لو مات كان للورثة الفسخ لا للأمة.

و لو تزوّج العبد بمملوكة، فأذن له مولاه في شرائها، فإن اشتراها لمولاه، أو لنفسه بإذنه، أو ملّكه إياها بعد الابتياع و قلنا إنه لا يملك فالعقد باق، و إلّا بطل إذا ملكها. (1)

____________

قوله: (و لو مات كان للورثة الفسخ لا للأمة).

(1) أي: لو مات مولى العبد و الأمة المبحوث عنهما و هما على الرقية كان للورثة فسخ النكاح كما كان للمورث، لأنهما ملك للورثة، و لا يثبت الفسخ للأمة، لانتفاء المقتضى له في حقها.

قوله: (و لو تزوّج العبد بمملوكة فأذن له مولاه في شرائها، فإن اشتراها لمولاه أو لنفسه بالإذن، أو ملّكه إياها بعد الابتياع، و قلنا إنه لا يملك فالعقد باق، و إلّا بطل إذا ملكها).

(2) أي: لو تزوج العبد بمملوكة لغير مولاه، فأذن له مولاه في شرائها، إما للمولى أو لنفسه، فإن اشتراها لمولاه فالنكاح باق، لأن انتقال المملوك من مالك إلى آخر لا يقتضي فسخ النكاح، لكن للمولى الفسخ متى أراد، كما لو زوّج أمته عبده ابتداء، و في رواية محمد بن مسلم السابقة ما يدل على ذلك.

و لو اشتراها لنفسه بالإذن، فإن قلنا: إن العبد لا يملك فالنكاح بحاله و الشراء باطل، و لو قلنا: إنه يملك صح الشراء و بطل النكاح، لدخولها في ملكه و قد سبق أنه إذا طرأ الملك على النكاح انفسخ النكاح. و كذا لو ملّكه إياها بعد ابتياعها له، و لو اشترى لنفسه بغير اذن وقف على اجازة المولى، فإن لم يجزه بقي النكاح.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن قول المصنف: (أو لنفسه بالاذن) يريد به أن المولى أذن له في شرائها لنفسه، و لا يغني عن ذلك قوله: (فأذن له مولاه في شرائها)، لأن الاذن في الشراء في الجملة لا يقتضي الاذن في الشراء لنفسه.

و قوله: (و إلّا بطل) معناه: و إن قلنا إن العبد يملك بطل العقد إذا اشتراها

95

و لو تحرر بعضه و اشترى زوجته بطل العقد و إن كان بمال مشترك.

و لو اشترى الحر حصة أحد الشريكين بطل العقد و حرم وطؤها، فإن أجاز الشريك النكاح بعد البيع ففي الجواز خلاف، و كذا لو حلّلها، (1)

____________

لنفسه بالاذن له في ذلك، أو ملّكه إياها بعد الابتياع له.

و فائدة قوله: (إذا ملكها) أن قوله: (فالعقد باق) وقع جوابا عن ثلاث مسائل، فلو اقتصر على قوله: (و إلّا بطل) لاقتضى ثبوت البطلان في المسائل الثلاث، إذا قلنا إن العبد يملك، و ليس كذلك، لأن شراءها إياه لمولاه لا ينافي النكاح على حال، إذ المنافي دخولها في ملكه على ما قررناه.

قوله: (و لو تحرر بعضه و اشترى زوجته بطل العقد و إن كان بمال مشترك).

(1) لا ريب أنه إذا تحرر بعض المملوك جرت على ذلك البعض أحكام الحرية، من حصول المملك و توابعه من البيع و الشراء و التملك و التمليك.

فإذا اشترى هذا زوجته المملوكة بمال اكتسبه ببعضه الحر و اختص بملكه ملكها لا محالة، و انفسخ النكاح بدخولها في ملكه.

و إن اشتراها بمال مشترك بينه و بين المولى كالحاصل بكسبه كله، فإن يملك منها بقدر نصيب الحرية، لأن الشراء إنما ينفذ في قدر نصيبه من الثمن، و ينفسخ النكاح أيضا، لأن ملك البعض يقتضي فسخه بالنسبة إليه، و حينئذ فينفسخ كله، لأن النكاح لا يجامع الملك أصلا و لا يتبعض، لظاهر قوله تعالى إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ (1).

قوله: (و لو اشترى الحر حصة أحد الشريكين بطل العقد و حرم وطؤها، فإن أجاز الشريك النكاح بعد البيع ففي الجواز خلاف، و كذا لو حللها).

(2) تحرير المسألة:

____________

(1) المؤمنون: 6.

96

..........

____________

إنه إذا عقد الحر نكاحا على أمة مشتركة بين اثنين، حيث يجوز له العقد على الأمة، ثم اشترى حصة أحد الشريكين انفسخ النكاح، لما أسلفناه غير مرة، و حينئذ فيحرم الوطء، لاستلزامه التصرف في مال الشريك، و ما الذي تحل به حينئذ؟ اختلف الأصحاب على أربعة أقوال:

الأول: إنه لا طريق إلى حلها إلّا ملك جميعها، لأن أمر الفروج مبني على الاحتياط التام فلا يتعدى سبب الحل، و قد حصر سبحانه و تعالى السبب في شيئين العقد و الملك في قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ. إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ (1) و التفصيل قاطع للشركة فلا يكون الملفق منهما سببا و للإجماع على ذلك.

فإن قيل: لا دلالة في الآية على المطلوب، لاحتمالها ارادة منع الخلو خاصة، و الدلالة موقوفة على ارادة منع الجمع أيضا و هو غير معلوم.

قلنا: لا نسلّم أن الدلالة موقوفة على ارادة منع الجمع، فإن الفروج ممنوع منها بالنص و الإجماع إلّا بالعقد أو الملك، و لم يثبت كون الملفق منهما سببا تاما، لأن أقل الأحوال في الآية كونها محتملة فيستصحب حكم المنع، و هذا القول مختار ابن الجنيد (2) و جمع من المتأخرين (3).

الثاني: حلها بالعقد على ما ذكره الشيخ في النهاية، فإنه قال: حرمت عليه إلّا أن يشتري النصف الآخر، أو يرضى مالك نصفها بالعقد فيكون ذلك عقدا مستأنفا (4).

____________

(1) المؤمنون: 5- 6.

(2) نقلة عنه العلّامة في المختلف: 568.

(3) منهم فخر المحققين في الإيضاح 3: 149.

(4) النهاية: 480.

97

..........

____________

و تبعه ابن البراج و أورد أن العقد الأول قد بطل، لشرائه النصف، فكيف يصير صحيحا بالإجازة، و أنه قد وقع أولا برضاه و لم يتجدد له ملك فلا يتوقف على أجازته (1).

و أجاب المحقق ابن سعيد في النكت بأن المراد إيقاع البيع على النصف الثاني، فكأنه قال: إلّا ان يشتري النصف الآخر من البائع و يرضي مالك ذلك النصف بالعقد، فتكون الإجازة له كالعقد المستأنف، و يكون الألف في قوله: (أو) سهوا من الناسخ، أو يكون بمعنى الواو، و لا يخفى ما في هذا التأويل من البعد، و القول بحلها بالعقد أبعد.

و قال المصنف في المختلف في تحقيق كلام الشيخ: و الوجه عندي أن الإشارة بذلك إلى العقد الأول و بطلانه في حق الشريك ممنوع (2)، و يضعف بأنه لا معنى للرضى بالعقد حينئذ من مالك النصف مع لزوم التبعيض.

الثالث: حلها بإباحة الشريك، و هو قول ابن إدريس (3)، لأن الإباحة شعبة من الملك، لأنها تمليك للمنفعة، فيكون حل جميعها بالملك. و يؤيده رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): في جارية بين رجلين دبراها جميعا، ثم أحل أحدهما فرجها لصاحبه قال: «هو له حلال» (4).

و هذا القول محتمل إلّا أن المنع أحوط، لتوهم تبعض السبب.

الرابع: حلها متعة إذا جرى بين الشريكين مهاياة على خدمتها، و عقد عليها متعة في نوبة الشريك الآخر بإذنه، لاختصاصه بمنفعة تلك المدة. و ليس بشيء، لأن منفعة البضع لا تدخل في المهاياة، و لا تخرج بذلك عن التبعيض.

____________

(1) المهذب 2: 219.

(2) المختلف: 568.

(3) السرائر: 306.

(4) الفقيه 3: 290 حديث 1380، التهذيب 7: 245 حديث 1067.

98

و لو ملك نصفها و كان الباقي حرا لم تحل بالملك و لا بالدائم.

و هل تحل متعة في أيامها؟ قيل: نعم. (1)

____________

ثم ارجع إلى عبارة الكتاب و اعلم أن قول المصنف: (فإن أجاز الشريك النكاح بعد البيع.) إشارة إلى قول الشيخ (1).

و قوله: (و كذا لو حللها) معناه و كذا في الجواز خلاف لو حللها الشريك لشريكه، فهو إشارة إلى قول ابن إدريس (2).

قوله: (و لو ملك نصفها و كان الباقي حرا لم تحل له بالملك و لا بالدائم، و هل تحل متعة في أيامها؟ قيل: نعم).

(1) قد بيّنا أن سبب حل الفروج لا يتبعض و لا يتلفق من سببين مختلفين، فعلم أنه لو ملك نصف أمة و كان نصفها الآخر حرا، لا يحل له وطؤها بالملك على حال من الأحوال، لأن ملكه إنما هو النصف خاصة، فإن نصف الآخر حر، و ليس ملك النصف كافيا في حل الجميع.

و كذا لا تحل بالإباحة، لأنها إنما تصح من مالك الرقبة، أما المرأة فلا يصح تحليلها نفسها إجماعا، و كذا لا تحل بالعقد الدائم اتفاقا، للزوم تبعض السبب.

و هل يحل له وطؤها متعة إذا هايأها، و عقد عليها المتعة في أيامها؟ فيه قولان:

أحدهما- و به قال أكثر الأصحاب (3)- المنع، للتبعيض الممنوع منه، فإنه لم يخرج بالمهاياة عن كونه مالكا للبعض و منافع البضع لا يتعلق به المهاياة قطعا، و لا يحل لها المتعة بغيره في أيامها.

و الثاني: و به قال الشيخ في النهاية الجواز (4)، عملا بما روي عن الباقر عليه

____________

(1) النهاية: 480.

(2) السرائر: 306.

(3) انظر: إيضاح الفوائد 3: 149، التنقيح الرائع 3: 145، المختصر النافع: 84.

(4) النهاية: 494.

99

و هل يقع عقد أحد الزوجين الحر العالم بعبودية الآخر فاسدا، أو موقوفا على اذن المالك؟ الأولى الثاني، فحينئذ لو أعتق قبل الفسخ لزم العقد من الطرفين. (1)

____________

السلام في جارية بين شريكين دبراها جميعا، ثم أحلّ أحدهما فرجها لشريكه فقال: «هو حلال»، ثم قال: «و أيهما مات قبل صاحبه فقد صار نصفها حرا من قبل الذي مات و نصفها مدبرا» قلت: أ رأيت إن أراد الباقي منهما أن يمسها إله ذلك؟ قال: «لا إلّا أن يثبت عتقها و يتزوجها برضى منها متى ما أراد» قلت له: أ ليس قد صار نصفها حرا و قد ملكت نصف رقبتها و الصنف الآخر للثاني منهما؟ قال: «بلى» قلت: فإن هي جعلت مولاها في حل من فرجها فأحلت له ذلك قال: «لا يجوز له ذلك» قلت: و لم لا يجوز لها ذلك كما أجزت للذي كان له نصفها حين أحل فرجها لشريكه فيها؟ قال: «إن الحرة لا تهب فرجها و لا تعيره و لا تحلله، و لكن لها من نفسها يوم و للذي دبرها يوم، فإن أحبت أن يتزوجها متعة في اليوم الذي تملك فيه نفسها فيتمتع منها بشيء قل أو كثر» (1).

و قد تقدّم صدر هذه الرواية، و لا شك أن الأمر في الفروج شديد فلا يجترئ عليها بمثل هذا الحديث، و ينبغي التمسك بالتحريم إلى أن يوجد ما يصلح دليلا للجواز.

قوله: (و هل يقع عقد أحد الزوجين الحر العالم بعبودية الآخر فاسدا، أو موقوفا على اذن المالك؟ الأولى الثاني، فحينئذ لو أعتق قبل الفسخ لزم العقد من الطرفين).

(1) تقدّم أنه إذا تزوج العبد أو الأمة بغير اذن المولى هل يكون العقد باطلا من أصله، أو موقوفا على اجازة المالك؟ و قد تقدّم ايضا أنه إذا تزوج الحر الأمة بدعواها

____________

(1) الكافي 5: 482 حديث 3، الفقيه 3: 290 حديث 1380، التهذيب 8: 203 حديث 717.

100

..........

____________

الحرية و دخل يلزمه المسمّى، لصحة العقد ظاهرا، و قيّد هنا بكون أحد الزوجين الحر عالما بعبودية الآخر، ليكون العقد ظاهرا و باطنا فاسدا أو موقوفا، و ذلك لأن كلا من الزوجين ممنوع من إيقاع العقد، بخلاف ما لو كان الحر جاهلا بالعبودية، فإنه من طرفه لا مانع من صحته.

و الأصح كونه موقوفا، لأن النهي في غير العبادات لا يدل على الفساد، و لو دل لم يفرّق بين ما إذا توجه إلى أحد الجانبين، و بين ما إذا توجه إلى كليهما.

و يتفرّع على ذلك ما إذا أعتق المملوك من الزوجين قبل فسخ المولى العقد، فعلى القول بوقوع العقد باطلا من أصله هو على حكم البطلان، فإن العتق لا يصححه. و على الأصح و هو وقوعه موقوفا يلزم بالعتق من الطرفين، لوقوعه صحيحا في نفسه.

و إنما منع لزومه عبودية أحد الزوجين و قد زالت، و إذا انتفى المانع عمل المقتضي عمله.

فإن قيل: قد سبق في البيع أنه لو باع مال غيره فضوليا ثم ملكه و أجاز في الصحة إشكال، و هنا جزم بصحة النكاح إذا أعتق الرقيق من الزوجين، فما الفرق؟.

قلنا: يمكن الفرق بأن نقل الملك إلى البائع الفضولي ينافي العقد الفضولي، لأن مقتضاه نقل الملك إلى المشتري، و هو ممتنع حين الانتقال إلى البائع، و مع وجود المنافي تمتنع الصحة، بخلاف الفضولي في الصورة المذكورة، لأن مقتضاه ثبوت النكاح لو لا المانع و هو الرقية، و بالعتق زال المانع فوجب الحكم بلزوم العقد.

و لقائل أن يقول: إن المانع ليس هو الرقية بل عدم اذن المولى، و ذلك باق غير زائل، و قد توقف صحة العقد عليه فلا يحكم بصحته لتعذر العتق. و مثله ما لو باع المملوك قبل اجازة العقد.

و اعلم أن المضاف إليه المحذوف في قول المصنف: (فحينئذ) تقديره فحين إذ

101

[الفصل الثاني: في مبطلاته]

الفصل الثاني: في مبطلاته، و هي ثلاثة: العتق، و البيع، و الطلاق. (1)

[المطلب الأول: في العتق]

المطلب الأول: في العتق:

إذا أعتقت الأمة و كان زوجها عبدا، كان لها الخيار على الفور في الفسخ و الإمضاء، سواء دخل أو لا، (2)

____________

كان الأولى القول بكون العقد موقوفا، حذف و عوض التنوين عنه.

قوله: (الفصل الثاني: في مبطلاته، و هي ثلاثة: العتق، و البيع، و الطلاق).

(1) الضمير في (مبطلاته) يعود إلى العقد على الإماء، و سمّى العتق و البيع و الطلاق مبطلات له مجازا، من حيث ان كلا من العتق و البيع يؤل إلى إبطاله في كثير من الصور، و ليس جميع أقسامهما مبطلة له، فإن من أعتق مملوكته المزوجة تخيّرت كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و لو باعها تخيّر المشتري، و لو كانت موطوءة له حرم وطؤها بالعتق و البيع، و هنا كلام و هو أن مبطلات نكاح الإماء لا ينحصر فيما ذكره، فإن اللعان من المبطلات على قول، و الفسخ بالعيب و الإسلام و الارتداد كذلك، و كذا أمر المولى عبده باعتزال زوجته مملوكة المولى و منع المحلل له.

قوله: (المطلب الأول: في العتق. إذا أعتقت الأمة و كان زوجها عبدا كان لها الخيار على الفور في الفسخ و الإمضاء، سواء دخل أو لا).

(2) لا خلاف بين العلماء في أن الأمة المزوجة بعبد إذا أعتقت ثبت لها الخيار، لما روى العامة و الخاصة أن بريرة عتقت فخيّرها رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله)، و رووا

102

إلّا إذا زوّج ذو المائة أمته في حال مرضه بمائة و قيمتها مائة ثم أعتقها-، لم

____________

أن زوجها كان عبدا، و في بعض الأخبار أن اسمه مغيث (1). و السر في ذلك حدوث الكمال لها و بقاء النقص بالعبودية للزوج، و هو يستلزم تضررها من حيث ان سيده يمنعه عنها، و لا نفقة لولدها عليه، و لا ولاية له على ولدها و لا ترث.

و هذا الخيار فوري عند الأصحاب اقتصارا في فسخ العقد اللازم على موضع اليقين، و الضرورة تندفع بذلك، و لظاهر قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لبريرة: «ملكت بضعك فاختاري» فإن الفاء للتعقيب.

قيل: قد روي أن زوج بريرة كان يطوف خلفها و يبكي خوفا من أن تفارقه، و طلب من النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أن يشفع إليها فشفع فلم تقبل، و لو كان على الفور بطل حقها بالتأخير و استغنى عن الشفاعة.

قلنا: لا دلالة فيه، لأن الظاهر من الحديث أن الشفاعة كانت بعد فسخها، و لذلك روي أنه كان يطوف و يبكي و لم يأمرها (صلى اللّٰه عليه و آله) بترك الفسخ بل قال لها: «لو راجعته فإنه أبو ولدك» فقالت: يا رسول اللّه تأمرني بأمرك؟ فقال: «لا إنما أنا شافع» فقالت: لا حاجة لي فيه (2).

و الظاهر أن المراد من المراجعة في الحديث تجديد النكاح، و لا فرق في ذلك بين أن يكون العتق قبل الدخول أو بعده، لقول الصادق (عليه السلام): «أيما امرأة أعتقت فأمرها بيدها» (3).

قوله: (إلّا إذا زوج ذو المائة أمته في حال مرضه بمائة و قيمتها مائة ثم

____________

(1) الكافي 5: 486 حديث 1- 5، التهذيب 7: 341 حديث 1395- 1396- 1397، سنن البيهقي 7: 220، سنن الدار قطني 3: 292 حديث 175- 176.

(2) سنن البيهقي 7: 222.

(3) التهذيب 7: 341 حديث 1394.

103

يكن لها الفسخ قبل الدخول، و إلّا لسقط المهر فلم تخرج من الثلث، فبطل عتق بعضها فيبطل خيارها فيدور. (1)

____________

أعتقها، لم يكن لها الفسخ قبل الدخول، و إلّا يسقط المهر فلم يخرج من الثلث، فيبطل عتق بعضها، فيبطل خيارها فيدور).

(1) هذا استثناء من قوله: (سواء دخل أو لا) و تحقيقه أنه لا فرق في ثبوت الخيار بالعتق إذا وقع بعد الدخول أو قبله إلّا في الفرض المذكور، و هو ما إذا كان لشخص جارية قيمتها مائة مثلا و هو يملك مائة أخرى، فزوجها بمائة، سواء كان في حال صحته أو مرضه من غير فرق بينهما، لأن تزويجها لا يتضمن إتلافا بل اكتسابا للمهر، فوقوعه في الصحة و المرض سواء.

و قد تضمّنت عبارة الكتاب وقوع التزويج في المرض و ليس بحسن، لأنه يوهم كون ذلك قيدا للمسألة، نعم لا بد لتكميل الفرض من كون الإعتاق قد وقع في المرض قبل الدخول، فإنه حينئذ لا يثبت لها خيار الفسخ، إذ لو ثبت لأدى ثبوته إلى عدم ثبوته، و ذلك لأنه لو ثبت ففسخت لسقط المهر، فإن الفسخ قبل الدخول من جانب الزوجة مسقط للمهر كما علم غير مرة.

و إذا سقط المهر انحصرت التركة في الجارية و المائة، فلم ينفذ العتق في جميعها، بل يبطل فيما زاد على ثلث التركة، و حينئذ فيبطل خيارها، لأن الخيار إنما يثبت إذا أعتق جميعها قطعا، فيكون ثبوته مؤديا إلى عدم ثبوته، و ذلك هو الدور، فتعيّن قطعا الحكم بانتفائه. و هذا بخلاف ما لو كان العتق في حال الصحة فإنه حينئذ لا يعتبر من الثلث، فالخيار بحاله.

و كذا لو كان العتق في الفرض السابق بعد الدخول، لأن المهر لا يسقط حينئذ بانفساخ النكاح. و قول المصنف (في مرضه) يريد به مرض موته، و اعتمد في ذلك على ظهور الحال.

104

و لو كانت تحت حر ففي خيار الفسخ خلاف. (1)

____________

قوله: (و لو كانت تحت حر ففي خيار الفسخ خلاف).

(1) اختلف الأصحاب في ثبوت الخيار للأمة إذا أعتقت و الزوج حر، فقال الشيخ في النهاية (1)، و ابن الجنيد (2)، و المفيد (3)، و ابن البراج (4)، و ابن إدريس (5)، و المصنف في المختلف (6) و غيره (7): إن لها الخيار.

و قال في المبسوط (8)، و الخلاف (9): ليس لها.

و الأصح الأول، لنا عموم صحيحة أبي الصباح الكناني عن الصادق (عليه السلام) قال: «أيما امرأة أعتقت فأمرها بيدها، إن شاءت أقامت و إن شاءت فارقت» (10).

و رواية زيد الشحام عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا أعتقت الأمة و لها زوج خيّرت و إن كانت تحت حر أو عبد» (11)، و قريب من هذه رواية محمد بن آدم عن الرضا (عليه السلام) (12)، و غير ذلك من الاخبار (13).

____________

(1) النهاية: 476.

(2) نقله عنه العلّامة في المختلف: 565.

(3) المقنعة: 77.

(4) المهذب 2: 216.

(5) السرائر: 305.

(6) المختلف: 565.

(7) التحرير 2: 24.

(8) المبسوط 4: 258.

(9) الخلاف 2: 228 مسألة 134 كتاب النكاح.

(10) التهذيب 7: 341 حديث 1394.

(11) التهذيب 7: 342 حديث 1401.

(12) التهذيب 7: 342 حديث 1400.

(13) التهذيب 7: 341 حديث 1399.

105

و إذا اختارت الفراق في موضع ثبوته قبل الدخول سقط المهر و ثبت بعده. (1)

____________

احتج الشيخ بأن الأصل لزوم العقد و حدوث الخيار يحتاج إلى دليل، و بما رواه ابن سنان في الصحيح عن الصادق (عليه السلام): «إنه كان لبريرة زوج عبدا، فلما أعتقت قال لها النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): اختاري» (1).

و جوابه: إن الأصل يعدل عنه للدليل و قد بيّناه، و الرواية لا تدل إلّا بمفهوم المخالفة، و هو ضعيف في نفسه فكيف مع معارضة المنطوق له، على أنه قد روي أيضا أن زوج بريرة كان حرا (2)، فسقط الاستدلال بالرواية أصلا.

و قد علم من ثبوت الخيار إذا كانت تحت حر ثبوته إذا كان مبعّضا بطريق أولى، و أولى منه المكاتب و المدبّر.

قوله: (و إن اختارت الفراق في موضع ثبوته قبل الدخول سقط المهر و ثبت بعده).

(1) متى اختارت المعتقة الفسخ في موضع ثبوت الخيار، و هو ما إذا كان الزوج عبدا، أو حرا على القول بثبوته مع الحر، فإما أن يكون اختيارها للفسخ قبل الدخول أو بعده.

فإن كان قبل الدخول سقط المهر كله، لأن الفسخ قبل الدخول من المرأة موجب لسقوط المهر، كما تقرر غير مرة.

أما لو كان بعده فإن ثبوت المهر بحاله، لأنه قد تقرر بالدخول، فلا يسقط بالفسخ الطارئ بعده، سواء كان العتق قبل الدخول أو بعده.

و فصّل المصنف في التحرير (3) تبعا للمبسوط (4) بأنها إذا فسخت بعد الدخول،

____________

(1) التهذيب 7: 341 حديث 1395.

(2) سنن البيهقي 7: 223.

(3) التحرير 2: 24.

(4) المبسوط 4: 259.

106

و لو أخّرت الفسخ لجهالة العتق لم يسقط خيارها.

و لو كان لجهالة فورية الخيار أو أصله احتمل السقوط، و عدمه، و الفرق. (1)

____________

فإما أن يكون العتق وقع قبله أو بعده فإن كان بعده فلها المسمّى، لأن الفسخ استند إلى العتق، و قد وقع بعد الدخول حين استقر المسمّى. و إن كان قبله بأن أعتقت و لم تعلم به حتى دخل فإن لها مهر المثل، لأن الفسخ مستند إلى العتق، و هو قبل الدخول، فصار الوطء كأنه في نكاح فاسد. و يضعّف بأن استناد الفسخ الى العتق لا يقتضي وقوعه قبل الدخول بل حين إيقاعه، و حينئذ قد استقر المسمّى بالدخول.

قوله: (لو أخرت الفسخ لجهالة العتق لم يسقط خيارها، و لو كان بجهالة فورية الخيار أو أصله احتمل السقوط، و عدمه، و الفرق).

(1) حيث تقرر أن الخيار للمعتقة حيث يثبت إنما هو على الفور، فلا شك أنها متى أخّرته بغير عذر سقط خيارها كما هو شأن كل فوري. و لو أخرته لعذر، فإن كان جهالتها بالعتق لم يبطل خيارها إجماعا، فإن الناس في سعة مما لم يعلموا.

و إن كان جهالتها بأصل الخيار، بأن لم تعلم أن عتقها موجب لثبوت الخيار، أو فوريته بأن علمت ثبوت الخيار و جهلت كونه على الفور، ففي كون كل من الأمرين عذرا فلا يسقط معه الخيار أم لا، ثلاثة أوجه:

أحدها: أن لا يكون واحد منهما عذرا فيسقط الخيار بالتأخير و لو مع أحدهما، و وجهه: إن ثبوت الخيار على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على محل اليقين، و لأن الحكم بفوريته إنما كان للجميع بين الحقين: حق الزوجة في الخيار بالعتق، و حق الزوج في النكاح، فلا يختلف بعلمها و جهلها. و لأنه لو عدّ الجهل عذرا لزم كون النسيان كذلك، لاشتراكهما في كون كل منهما غافلا، و الثاني باطل، لأن النسيان لا يخرج السبب عن كونه سببا.

و ثانيها: عدّ كل منهما عذرا فيبقى الخيار، لأن ترتب الخيار على العتق و كونه