جامع المقاصد في شرح القواعد - ج13

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
448 /
107

..........

____________

على الفور من الأحكام الخفية التي لا يطلع عليها إلّا الأفراد من الناس، فلو لم يكن الجهل عذرا لانتفت فائدة شرعية هذا الخيار، لأن المطلوب به الارتفاق العام، و مع الجهل فالتأخير لا بد منه، و التالي معلوم البطلان.

و ثالثها: الفرق بين الأمرين، أعني جهل أصل الخيار، و جهل فوريته، فيبطل بالتأخير في الثاني دون الأول. و وجهه: إنّ فائدة شرعية هذا الخيار إنما تحصل لعامة المكلفين أن لو بقي الخيار مع جهالة ثبوته، إذ لا يقصر ممن لا يعلم الحكم أصلا، لخفاء مثل هذا الحكم غالبا، و مع الجهل لا طريق إلى إيقاع الفسخ بحال فلا يكون مقدورا عليه حينئذ، بخلاف جهل الفورية فإن الضرر يندفع بعلم أصل الخيار، فلا دليل على بقائه مع التأخير.

و لأن التأخير مع العلم بالخيار يشعر بالرضى عادة، فإن الكاره للشيء شديد الحرص على التخلص منه إذا تمكن، و لأن تأخير الفسخ مع القدرة عليه و العلم بالخيار ينافي معنى الفور قطعا، فيمتنع بقاؤه مع جهل الفورية، و هذا الاحتمال أقواها.

و الظاهر أن التأخير للنسيان مسقط، لثبوت التقصير بالتأخير إلى أن طرأ النسيان. أما الإكراه فإن بلغ الإلجاء، كأنه وضع واضع يده على فم الزوجة فمنعها من الاختيار، فإنه عذر.

و لو خوفت بما يخاف منه عادة، ففي عد ذلك عذرا احتمالات، و لو كانت غائبة اختارت عند بلوغ الخبر، و لو كانت منفردة ففي عد تأخيرها إلى أن تصل إلى الزوج أو من تشهده على فسخها مع مبادرتها إلى ذلك احتمال.

و لو ادعت الجهل بالعتق صدقت بيمينها مع إمكان صدقها، إذ لا يعلم ذلك إلّا من قبلها. و قريب منه ما إذا ادعت الجهل بأصل ثبوت الخيار، و لو ادعت الإكراه فالمتجه مطالبتها بالبيّنة، لإمكان إقامتها على ذلك.

ثم عد إلى عبارة الكتاب و اعلم أن قول المصنف: (احتمل السقوط) يريد به

108

و لو اختارت المقام قبل الدخول فالمهر للسيد إن أوجبناه بالعقد، و إلّا فلها و بعده للمولى. (1)

و لو لم يسم شيئا بل زوّجها مفوضة البضع، فإن دخل قبل العتق

____________

في المسألتين معا.

و قوله: (و عدمه) يريد به عدم السقوط فيهما، و هو الاحتمال الثاني.

و قوله: (و الفرق) يريد به الفرق بين التأخير بجهالة أصل الخيار، و جهالة فوريته مع العلم بأصله، فيثبت في أحدهما و ينتفي في الآخر، و هو الاحتمال الثالث.

قوله: (و لو اختارت المقام قبل الدخول فالمهر للسيد إن أوجبناه بالعقد، و إلّا فلها، و بعده للمولى).

(1) إذا أعتقت الأمة المزوجة، فإما أن يكون عتقها قبل الدخول أو بعده، و على التقديرين فإما أن تختار الفسخ أو المقام، و على كل تقدير فإما أن يكون قد سمّي المهر أو تكون مفوضة، و سيأتي حكم المفوضة إن شاء اللّه تعالى.

و أما حكم التسمية فإنها إذا فسخت قبل الدخول يسقط المهر كما قدمناه، و ليس للسيد منعها من الفسخ و إن تضرر به، لأن الضرر لا يزال بالضرر، بخلاف ما لو فسخت بعده، و قد سبق حكم ذلك.

و أما إذا اختارت المقام فإما أن يكون قبل الدخول أو بعده، فإن كان بعده فالمهر للسيد لا محالة، و إطلاق العبارة يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين وقوع العتق قبل الدخول أو بعده.

و ينبغي الفرق، فإذا كان بعده فالمهر للسيد لا محالة، و إن كان قبله فإن أوجبنا المهر بالعقد- و هو الأصح- فهو للسيد أيضا، لكونها حينئذ مملوكة له، و إن أوجبناه بالدخول فهو لها، لكونها حينئذ حرة مالكة بضعها.

قوله: (و لو لم يسمّ شيئا بل زوّجها مفوضة البضع، فإن دخل قبل

109

فالمهر للسيد، لوجوبه في ملكه. و إن دخل بعده أو فرضه بعده، فإن قلنا صداق المفوضة يجب بالعقد و إن لم يفرض لها مهر فهو للسيد، و إن قلنا بالدخول أو بالفرض فهو لها، لوجوبه حال الحرية. (1)

____________

العتق فالمهر للسيد، لوجوبه في ملكه، و إن دخل بعده أو فرضه بعده، فإن قلنا صداق المفوضة يجب بالعقد و إن لم يفرض لها فهو للسيد، و إن قلنا بالدخول أو بالفرض فهو لها، لوجوبه حال الحرية).

(1) ما سبق حكم ما إذا سمّى لها في العقد مهرا، و هذا حكم ما إذا لم يسمّ لها شيء.

و تحقيقه: إن المعتقة إن كانت قد زوجت مفوضة البضع، أي لم يسمّ لها مهر في عقد النكاح أصلا، فإن دخل بها الزوج قبل العتق، أو فرض لها المهر قبله فالمهر للسيد قولا واحدا، لوجوبه في ملكه. و إن كان دخوله بها بعد العتق، أو كان فرض المهر بعده قبل الدخول، ففي مستحقه وجهان مبنيان على أن صداق المفوضة متى يجب.

فإن قلنا: يجب بالعقد، سواء فرض لها أو لم يفرض لها حتى دخل، على معنى أنه يتبيّن بالفرض أو بالدخول مع عدم وجوبه بالعقد، فهو حق للسيد، لأنها حينئذ مملوكة.

و إن قلنا: إنه يجب بالفرض إن فرض، و بالدخول إن لم يفرض، فهو لها، لوجوبه حال حريتها.

و الثاني لا يخلو من وجه، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى كمال تحقيق المسألة.

و اعلم أن قول المصنف: (فإن قلنا: صداق المفوضة يجب بالعقد و إن لم يفرض لها). يريد به التفريع على القول بأن الصداق في التفويض يجب بالعقد، على معنى أنه بالفرض يتبين وجوبه بالعقد، و كذا الدخول إذا لم يفرض، و المعنى: انا إذا قلنا بأن العقد يستقل بإيجاب الصداق، و لا يكون للفرض دخل في إيجابه، بل يكون كاشفا عنه فقط، فيكون وجوبه بحسب الواقع قبل حصول الفرض فيكون كاشفا عنه،

110

و لو أعتقت في العدة الرجعية فلها الفسخ في الحال، فتسقط الرجعة و لا تفتقر إلى عدة اخرى بل تتم عدة الحرة.

و لو اختارته لم يصح، لأنه جار إلى بينونة، فلا يصح اختيارها للنكاح، فإن لم يراجعها في العدة بانت، و إن راجعها كان لها خيار الفسخ فتعتد اخرى عدة حرة، و إن سكتت لم يسقط خيارها. (1)

____________

فإن الكشف عن الشيء فرع حصوله في نفسه، فإذا قلنا بذلك كان للسيد لا محالة.

قوله: (و لو أعتقت في العدة الرجعية فلها الفسخ في الحال فتسقط الرجعة، و لا يفتقر إلى عدة اخرى بل تتم عدة الحرة و لو اختارته لم يصح:

لأنه جار إلى بينونة، فلا يصح اختيارها للنكاح، فإن لم يراجعها في العدة بانت، و إن راجعها كان لها خيار الفسخ فتعتد اخرى عدة الحرة، و إن سكتت لم يسقط خيارها).

(1) أي: لو طلق الأمة طلاقا رجعيا، ثم أعتقت و هي في العدة، فإما أن تختار الفسخ في الحال، أو النكاح، أو تسكت على كل من الأمرين.

فإن اختارت الفسخ في الحال كان لها ذلك، لاستفادتها به قطع سلطنة الرجعة، و دفع تطويل الانتظار إلى أن يراجع فتفسخ، لأن ذلك يقتضي أن تكون العدة من حينه.

و إذا فسخت أكملت عدة الطلاق، و لم يجب استئناف عدة اخرى، لانتفاء المقتضي لها، فإن العدة وجبت بالطلاق، و الفسخ لا يقطعها، و الواجب إكمال عدة حرة عندنا اعتبارا بما صارت إليه.

و إن اختارت النكاح في الحال لم يصح، لأنه جار إلى بينونة، و الإجارة تقتضي بقاؤه فلا يتلاقيان، كما لو طلقها رجعية فارتد، ثم راجعها و هي مرتدة فإنه لا تصح الرجعة، و حينئذ فإن لم يراجعها في العدة بانت، و إن راجعها كان لها خيار الفسخ،

111

و إذا فسخت فتزوجها بقيت على ثلاث. (1)

و لو أعتقت الصغيرة اختارت عند البلوغ، و المجنون عند الرشد، و للزوج الوطء قبله.

____________

لبطلان الإجارة السابقة، فإن فسخت وجب عليها الاعتداد بعدة مستأنفة، لحدوث البينونة حينئذ.

و لا يخفى أن الواجب عدة حرة، لكونها حين الفسخ حرة، و إن سكتت و لم تختر واحدا من الأمرين لم يبطل خيارها، لأن سكوتها لا يدل على الرضى و هي بصدد البينونة، و من الممكن أن لا يراجعها فيحصل الفراق من غير احتياج إلى ظهور رغبتها فيه.

و الحاصل أن سكوتها في هذه الحالة لا ينافي الفور، لوجود القاطع لعلاقة النكاح و هو الطلاق، مع أن في السكوت استفادة عدم إظهار طلب الفراق، و هو من المطالب.

و اعلم أن الضمير في قول المصنف: (و لو اختارته) يعود الى النكاح بقرينة الفسخ، و قوله: (فإن لم يراجعها) متفرّع على قوله: (لم يصح)، و قوله: (و ان سكتت) هي الصورة الثالثة من صورة المسألة.

قوله: (و إذا فسخت فتزوجها بقيت على ثلاث).

(1) هذا راجع إلى أصل الباب، و لا تعلق له بالبحث الذي قبله. و المراد: إن المعتقة إذا فسخت حيث يثبت لها الخيار، فتزوجها الزوج بعقد مستأنف، بقيت عنده على ثلاث طلاقات، لأن الفسخ لا يعدّ في الطلاق، لا سيما إذا وقع من الزوجة، فإن من اكتفى في الطلاق بالكناية لا سبيل له إلى عدة طلاقها هنا، لأن ذلك إنما هو في الواقع من الزوج.

قوله: (و لو أعتقت الصغيرة اختارت عند البلوغ و المجنونة عند الرشد، و للزوج الوطء قبله.

112

و ليس للولي الاختيار عنها، لأنه على طريقة الشهوة. (1)

و لا خيار لها لو أعتق بعضها، فإن كملت اختارت حينئذ (2) و لو لم تختر حتى يعتق العبد، فإن قلنا بالمنع من الاختيار تحت الحر احتمل ثبوته هنا،

____________

و ليس للولي الاختيار عنها، لأنه على طريقة الشهوة).

(1) إذا أعتقت الأمة تحت عبد أو حر- بناء على ثبوت الخيار معه- و كانت صغيرة ثبت لها الخيار، لعموم الأخبار الدالة على ثبوت الخيار لكل معتقة، و كذا المجنونة.

و ليس لوليها أن يختار عنها، لأن الاختيار منوط بالشهوة و الميل القلبي، فلا يعتد بوقوعه من الولي، لعدم علمه بما تريده الزوجة، بل ينتظر في ذلك بلوغ الصغيرة مبلغا تملك أمرها، و إفاقة المجنونة بحيث تكمل رشدها، فتختار حينئذ على الفور.

و للزوج الوطء قبل الفسخ في المجنونة و الاستمتاع في الصغيرة، بل له الوطء قبله مطلقا، لبقاء الزوجية ما لم يفسخ، و ثبوت الخيار في أصل النكاح لا ينافي بقاء الملك كما لا يخفى، و وجوب الإنفاق في هذه المدة بحاله مع وجود شرائطه.

و اعلم أن إطلاق قوله: (اختارت عند البلوغ) يؤذن بعدم اعتبار الرشد معه، فعلى هذا لو بلغت اختارت و إن كان قبل الدخول و لم يتحقق رشدها، و إن لزم منه سقوط المهر في صورة يجب لها، و كذا الفسخ بالعيب، و للنظر فيه مجال، و على ظاهر عبارته فيراد برشد المجنونة إفاقتها.

قوله: (و لا خيار لها لو أعتق بعضها، فإن كملت اختارت حينئذ).

(2) و ذلك لأن المقتضي للخيار هو حريتها، و هي منتفية مع تحرر البعض خاصة، لصدق السلب في مثل ذلك. و لا فرق بين كون الأكثر بعض الحرية أو بعض الرقية، لانتفاء المقتضي. أما إذا كملت حريتها فلأن الخيار يثبت حينئذ، لوجود المقتضي في هذه الحالة.

قوله: (و لو لم تختر حتى يعتق العبد، فإن قلنا بالمنع من الاختيار تحت الحر احتمل ثبوته هنا، لأنه ثبت سابقا فلا يسقط بالحرية كغيره من

113

لأنه ثبت سابقا فلا يسقط بالحرية كغيره من الحقوق، و السقوط كالعيب إذا علمه المشتري بعد زواله. (1)

و لو أعتقت تحت من نصفه حر فلها الخيار و إن منعنا الخيار في الحر. (2)

____________

الحقوق، و السقوط كالعيب إذا علمه المشتري بعد زواله).

(1) إذا أعتقت الأمة فلم تختر، إما بناء على القول بأن الخيار على التراضي، أو لأنها لم تعلم بالعتق الى أن عتق العبد، بنى على الخلاف في ثبوت الخيار لو عتقت تحت حر و عدمه.

فإن قلنا بالثبوت ثم فلا بحث في الثبوت هنا، و إن قلنا بالعدم احتمل هنا الثبوت، لأنه قد ثبت بعتقها حين وقوعه، و الأصل بقاء ما كان على ما كان إلى أن يحصل المسقط كما في سائر الحقوق.

و لم يثبت أن تجدد حريته مسقط لخيارها، فلا يسقط. و يحتمل السقوط، لزوال الضرر بزوال رقيته، و لأن سبب الخيار مركب من تجدد حريتها و كونه رقا، إذ الفرض أنها مع الحر لا خيار لها. و فيه نظر، لأن السبب قد حصل، و لا يلزم من زوال أحد جزئية بعد ثبوت الخيار زوال الخيار عملا بالاستصحاب.

و قول الشارح الفاضل: إن بقاء الخيار مشروط ببقاء رقية الزوج، لأن الأصل بقاء الشرطية (1)، ليس بشيء، فإن الدليل لم يدل إلّا على أنها شرط الثبوت، و لا يلزم منه الاشتراط في البقاء، و الأصل الذي ادعاه لا أصل له.

قوله: (و لو أعتقت تحت من نصفه حر، فلها الخيار و إن منعنا الخيار في الحر).

(2) لو أعتقت الأمة تحت من نصفه حر فإن قلنا بثبوت الخيار لو كانت تحت الحر فلا بحث في الثبوت، و إن منعناه ثم فالثبوت هنا أظهر، لأن ضرر رقية الزوج

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 152.

114

و لو طلّق قبل اختيار الفسخ احتمل إيقافه، فإن اختارت الفسخ بطل، و إلّا وقع موقعه، (1)

____________

قائم هنا، و المعتمد في الاستدلال عموم الأخبار السالفة، و لا اثر لهذا التفريع.

قوله: (و لو طلّق قبل اختيار الفسخ احتمل إيقافه، فإن اختارت الفسخ بطل، و إلّا وقع موقعه).

(1) إذا ثبت لها خيار العتق فطلقها قبل الفسخ، فإن كان الطلاق رجعيا فالخيار بحاله، و الحكم كما إذا أعتقت في العدة الرجعية، و قد سبق بيانه، و إن كان بائنا ففيه وجهان:

أحدهما: إنه يقع موقوفا، بمعنى أنه يراعى في الحكم بصحته و فساده اختيارها للفسخ و عدمه، فإن اختارت الفسخ في العدة ظهر بطلانه، و إن لم تختر ظهر وقوعه، و ذلك لأن الخيار قد ثبت جزما، و تنفيذ الطلاق في الحال يقتضي إبطاله فلا يكون نافذا.

و مثله القول في الطلاق، لأنه قد وقع في النكاح مستجمعا ما يعتبر فيه، فلم يكن بد من الحكم بوقوع الطلاق مراعى فيه عدم طرء الفسخ عليه، فإن فسخت تبين بطلان الطلاق، إذ لو صح لحصلت البينونة فامتنع الفسخ، و إلّا تبيّن نفوذ الطلاق، كما لو طلّق في الردة و لم يكن عن فطرة من قبل الزوج، فإنه بالعود إلى الإسلام تبيّن وقوع الطلاق، و بدونه يتبيّن عدمه.

و الثاني: وقوعه جزما، لوجود المقتضي، و هو صدور الصيغة من زوج كامل في محل الطلاق، و انتفاء المانع، إذ ليس إلّا ثبوت الخيار، و هو غير صالح للمانعية، فإن المقصود بالفسخ حاصل به فلم يكن بينهما منافاة.

و الفرق بين العتق و الردة: إن الانفساخ في الردة يستند إليها، فيتبين بعدم العود في العدة أن الطلاق لم يصادف النكاح، بخلاف الفسخ بالعتق فإنه لا يستند إلى أمر سابق على الطلاق، و هذا أقرب.

و اعلم أن المراد بالطلاق في الكتاب هو البائن دون الرجعي، إذ لا

115

و لا يفتقر فسخ الأمة إلى الحاكم. (1)

و لو أعتق الزوج و تحته أمة فلا خيار له، و لا لمولاه، و لا لزوجته حرة كانت أو أمة، و لا لمولاها.

و لو زوّج عبده أمته ثم أعتقت أو أعتقا معا اختارت، (2)

____________

يطرد الوجهان في الرجعي، لأن تنفيذ الطلاق فيه لا يقتضي إبطال الخيار. و قد تقدّم أن المعتقة لو طلقت تخيّرت و اجتزأت بإكمال العدة، و لعل المصنف إنما أطلق ها هنا اعتمادا على ما سبق في كلامه، و أشار الى الاحتمال الثاني بقوله: (و وقوعه)، و أراد بقوله:

(احتمل إيقافه) كونه مراعى، أي: موقوفا عندنا لا موقوفا في نفسه.

قوله: (و لا يفتقر فسخ الأمة إلى الحاكم).

(1) ثبوت هذا الفسخ بالنص (1) و الإجماع، و ليس فيه مدة يتوقف ضربها على الحاكم، فلا يتوقف إيقاعه على مراجعة الحاكم و المرافعة إليه بحال.

قوله: (و لو أعتق الزوج و تحته أمة فلا خيار له، و لا لمولاه، و لا لزوجته حرة كانت أو أمة، و لا لمولاها).

(2) ما تقدّم من ثبوت الخيار بالعتق إنما هو فيما إذا أعتقت الأمة المزوجة، أما العبد إذا أعتق فإنه لا خيار له عندنا، لأن الأصل في ثبوت هذا الخيار هو الخبر.

و ليست هذه الصورة من الصور المنصوصة في شيء، على أن التخلص بالطلاق ثابت له دونها فلا معنى لثبوته، و في وجه للشافعية أن له الخيار كما في الطرف الآخر على حد خيار العيب (2) و لا فرق في ذلك بين أن يكون تحته أمة أو حرة. و كما لا يثبت الخيار له كذا لا يثبت لمولاه، لانتفاء المقتضي. و كذا لا خيار لزوجته حرة كانت أو أمة بطريق أولى، لزوال نقصه. و كذا لا خيار لمولى زوجته الأمة.

قوله: (و لو زوج عبده أمته ثم أعتقت أو أعتقا معا اختارت).

(3) كما يثبت الخيار

____________

(1) التهذيب 7: 241 حديث 1394.

(2) المجموع 16: 294.

116

و لو كانا لاثنين فأعتقا دفعة أو سبق عتقها أو مطلقا على رأي اختارت، (1)

____________

للأمة إذا أعتقت و هي تحت غير من هو عبد لمولاها، كذا يثبت إذا أعتقت تحت عبده، للاشتراك في المعنى، لعموم الأخبار الدالة على ثبوت الخيار، و كذا لو أعتقا معا.

قوله: (و لو كانا لاثنين فأعتقا معا دفعة، أو سبق عتقها، أو مطلقا على رأي اختارت).

(1) إذا كان العبد و الأمة المزوجان لاثنين فأعتقا معا دفعة تخيّرت الأمة لعموم الأخبار الدالة على ثبوت الخيار هنا.

و على القول بأنها إذا أعتقت تحت حر فلا خيار لها فالخيار هنا منتف، لأن الفرض أن عتقها و عتقه حصلا في زمان واحد، فلم يصادف حريتها عبوديته. أما لو سبق عتقها على عتقه فإن لها الخيار قطعا، بخلاف ما لو سبق عتقه على عتقها، فإنها لا تتخير إذا أعتقت، إلّا على القول بأنها تتخير إذا أعتقت تحت حر.

و هذه الأحكام كلها ظاهرة بعد ما سبق بيانه، لكن في عبارة المصنف مناقشات:

إحداها: إن حكم ما إذا تقدم عتقها قد سبق بيانه، و كذا حكم ما إذا تقدم عتقه، بل قد سبق ما يدل على حكمه بطريق أولى، و هو ما إذا أعتقت فلم تختر حتى عتق العبد، فإعادة ذلك عري عن الفائدة.

الثانية: إن الإشارة بقوله: (على رأي) إلى الخلاف في تخيرها تحت الحر، فإن أراد به التعلق بقوله: (مطلقا) أو هم أن ما قبله لا خلاف فيه، لأن تخصيص هذا بذكر الخلاف مع إدراج المسألتين اللتين قبله معه في جملة واحدة، و جعل الجواب عن الجميع واحدا يشعر بانتفاء الخلاف فيهما، و لا يستقيم عوده إلى الجميع، لأن الثانية لا خلاف فيها، و لا عوده إلى الاولى، و الثالثة خاصة، لأن ذلك إلغاز، و كما يتخرج حكم هاتين على هذا الخلاف، فكذا حكم ما إذا زوج عبده أمته و أعتقهما دفعة، مع أنه لم يتعرض لذلك فيما سبق، و لا ريب أن نظم العبارة في ذكر الخلاف غير حسن.

117

و يجوز أن يجعل عتق أمته مهرا لها.

و يلزم العقد إن قدّم النكاح فيقول: تزوّجتك و أعتقتك و جعلت مهرك عتقك.

و في اشتراط قبولها، أو الاكتفاء بقوله: تزوجتك و جعلت مهرك عتقك عن قوله: أعتقتك إشكال.

و لو قدّم العتق كان لها الخيار، و قيل: لا خيار، لأنه تتمة الكلام، و قيل:

يقدم العتق، لأن تزويج الأمة باطل. (1)

____________

الثالثة: قوله: (دفعة) وقع موقع الحال من الضمير في (أعتقا)، و قوله: (سبق عتقها) معطوف على (أعتقا) و هو ظاهر. و أما قوله: (مطلقا) فينبغي أن يكون حالا من الضمير في (أعتقا) المحذوف، أو مفعولا مطلقا لتكون الجملة معطوفة على ما قبلها.

هذا هو الظاهر، لكن حاصله على أنهما لو أعتقا عتقا مطلقا اختارت، و لا يخفى ما فيه، و المراد ظاهر، فإنه يريد أنه سواء سبق عتقها أو لم يسبق يتخيّر إلّا أن العبارة ليست بتلك الفصيحة.

قوله: (و يجوز أن يجعل عتق أمته مهرا لها، و يلزم العقد إن قدّم النكاح، فيقول: تزوّجتك و أعتقتك و جعلت مهرك عتقك، و في الاكتفاء بقوله:

تزوجتك و جعلت مهرك عتقك عن قوله: أعتقتك إشكال. و لو قدّم العتق كان لها الخيار، و قيل: لا خيار، لأنه تتمة الكلام، و قيل: يقدّم العتق، لأن تزويج الأمة باطل).

(1) من الأصول المقررة إن تزويج الرجل بأمته باطل، إلّا إذا جعل عتقها مهرها، فإنه يجوز عند علماء أهل البيت (عليهم السلام) قاطبة.

قال في المختلف: لا نعرف فيه مخالفا من علمائنا (1)، و الأصل فيه أن النبي صلّى

____________

(1) المختلف: 572.

118

..........

____________

اللّه عليه و آله اصطفى صفية بنت حي بن اخطب من ولد هارون (عليه السلام) في فتح خيبر، ثم تزوجها و أعتقها و جعل عتقها صداقها بعد أن حاضت حيضة (1). و قال أكثر العامة: إن ذلك من خصائصه (صلى اللّٰه عليه و آله) (2).

و النقل عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك مستفيض أو متواتر، روى محمد ابن مسلم عن الصادق (عليه السلام) قال: «أيما رجل شاء أن يعتق جاريته و يتزوجها و يجعل عتقها صداقها فعل» (3).

و عن عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت: رجل قال لجاريته:

أعتقتك و جعلت عتقك مهرك، قال: فقال: «جائز» (4).

و عن الباقر (عليه السلام): «إنّ عليا (عليه السلام) كان يقول: إن شاء الرجل أعتق أم ولده و جعل مهرها عتقها» (5)، و غير ذلك من الاخبار الكثيرة (6).

و قد أورد المحقق ابن سعيد في النكت سؤالات و أجاب عنها، حاصلها أنه كيف يجوز أن يتزوج جاريته، و كيف يتحقق الإيجاب و القبول و هي مملوكة، ثم المهر يجب أن يكون متحققا قبل العقد و مع تقدم التزويج لا يكون متحققا، ثم يلوح منه الدور، فإن العقد لا يتحقق إلّا بالمهر الذي هو العتق، و العتق لا يتحقق إلّا بعد العقد.

الجواب: إذا كان العتق يحصل مع العقد لم يستبعد صحته، و إنما يمتنع لو كانت الرقية باقية، و لا بعد في العقد و هي مملوكة إذا كانت الرقية غير مستقرة معه، فإنه كما جاز أن يعقد لغيره عليها، لعدم ملك ذلك الغير، جاز أن يعقد عليها لنفسه،

____________

(1) سنن أبي داود 2: 221 حديث 2054، سنن البيهقي 7: 58.

(2) الخصائص الكبرى 2: 247، سنن البيهقي 7: 128.

(3) التهذيب 8: 201 حديث 706، الاستبصار 3: 209 حديث 756.

(4) التهذيب 8: 201 حديث 707، الاستبصار 3: 209 حديث 757.

(5) التهذيب 8: 201 حديث 708، الاستبصار 3: 209 حديث 758.

(6) الكافي 5: 745 حديث 1- 5، التهذيب 8: 201 حديث 710، الاستبصار 3: 210 حديث 760.

119

..........

____________

لعدم استقرار ملكه فإنها تصير حرة معه.

و أما وجوب تحقق المهر قبل العقد فممنوع، و لم لا يجوز أن يكتفى بمقارنة العقد، و هو هنا كذلك، فإن المهر العتق و هو يقارن العقد، سواء تقدّم التزويج أو تأخر.

و الدور غير لازم، لأنا نمنع توقف العقد على المهر، نعم يستلزمه و لا ينفك منه.

و العقد على الأمة جائز في نفسه، و هي صالحة لأن تكون مهرا لغيرها، فلم لا يجوز جعلها أو جعل فك ملكها مهرا لها، و لو سلّمنا منافاة هذه المسألة للأصول، فقد ورد النقل المستفيض عن أهل البيت (عليهم السلام) على وجه لا يمكن رده فوجب المصير إليها، و تصير أصلا بنفسها كما صارت ضرب الدية على العاقلة أصلا، ثم هنا مباحث.

لأنه إما أن يشترط قبولها أو لا، و إما أن يكتفى بقوله: تزوجتك و جعلت مهرك عتقك عن قوله: أعتقتك أو لا. و إما أن يعتبر تقديم النكاح أولا.

الأول: ذكر المصنف في اشتراط القبول اشكالا، و منشؤه: من أنه عقد نكاح فاشترط فيه القبول كسائر العقود اللازمة، لأن العقد في عرف أهل الشرع هو انه مركب من الإيجاب و القبول.

لا يقال: هي في حال إيقاع العقد رقيقة فكيف يعتبر قبولها.

لأنا نقول: هي في حكم الحرة، حيث انها مع تمامه تصير حرة فرقيتها غير مستقرة، و لو لا ذلك امتنع تزويجها من رأس.

بل قد يقال: إن الواقع من المولى هو القبول، لأن إيجاب النكاح إنما يكون من طرف الزوجة، فيعتبر وقوع لفظ من طرفها يكون به تمام العقد.

و من أن المستند في شرعية هذا العقد هو النقل المستفيض، و ليس في شيء منه ما يدل على اعتبار القبول. و الأصل في الباب ما فعله النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)

120

..........

____________

بصفية (1)، و لم ينقل قبولها، و لو وقع لنقل إذ هو من الأحكام التي يضطر إليها، و ليس من خصائصه، لتوقف الحكم بذلك على البيان، لثبوت التأسي في كل ما لم يثبت أنه من خصائصه كما بيّن في الأصول.

و لأن حل الوطء مملوك له فهو بمنزلة التزويج، فإذا أعتقها و تزوجها و جعل العتق مهرها، كان في معنى استثناء بقاء الحل من مقتضيات العتق، لأن مقتضاه بدون ذلك التحريم. و المتجه الاكتفاء بالصيغة المنقولة من غير توقف على أمر آخر.

و قد أسلفنا وجوب المصير إلى ما دل عليه النقل من غير ملاحظة لمنافاة الأصول المقررة و بيّنا أن ذلك أصل برأسه ثبت بدلائل يقتضيه، و هو خيرة المصنف في المختلف (2)، على أن القبول لو اعتبر لم يتم به العقد، لخلوه حينئذ عن الإيجاب.

نعم الأحوط اعتباره خروجا عن حيطة الاحتمال، فيعتبر وقوعه على الفور بالعربية على نهج سائر العقود اللازمة.

الثاني: هل يكفي قوله: تزوجتك و جعلت مهرك عتقك عن قوله: أعتقتك:

ذكر المصنف فيه إشكال أيضا، و منشؤه: من أن المفهوم من الأخبار (3)، و كلام الأصحاب (4) ذلك، بل قد صرّح به جماعة (5) منهم المصنف (6)، و يؤيده أنه لو أمهر امرأة ثوبا فقال لها: تزوجتك و جعلت مهرك هذا الثوب فإنها تملكه بتمام العقد من غير احتياج إلى صيغة تمليك.

و كذا إذا جعل العتق مهرا فإنها تملك نفسها، فلا حاجة الى صيغة أخرى

____________

(1) صحيح مسلم 2: 1045، سنن الترمذي 3: 423 حديث 1115، سنن ابن ماجة 1: 629 حديث 1958.

(2) المختلف: 573.

(3) الفقيه 3: 361 حديث 1244، التهذيب 8: 201 حديث 710، الاستبصار 3: 210 حديث 760.

(4) المفيد في المقنعة: 85، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 317.

(5) منهم الشيخ في النهاية: 497، و ابن البراج في المهذب 2: 247.

(6) المختلف: 572.

121

..........

____________

للعتق، على أن أسباب العتق غير منحصرة في صيغة كما في التنكيل.

و قد نوقش قولهم: تملك نفسها، بأن الملك اضافة لا بد فيها من تغاير المتضايفين بالذات، و هي مناقشة فارغة، فإن المراد من ذلك المجاز، من حيث حصول غاية الملك، و هو مجاز شائع واقع في كلامهم (عليهم السلام)، و مثله كثير في كلام الفقهاء.

و من أن العتق لا يقع إلّا بالصيغة الصريحة، و هي التحرير أو الإعتاق على قول، و لم يوجد أحدهما، و لأن الأصل بقاء الملك إلى أن يعلم المزيل.

و إلى هذا ذهب المفيد (1)، و أبو الصلاح (2).

و قد يجاب عن هذا بما سبق غير مرة، و هو أن بناء هذا على مخالفة الأصول المقررة، فلا يناقش في شيء من جهات مخالفته، بعد ثبوته بالنص (3) الذي لا سبيل إلى رده، و قوة هذا ظاهرة.

و إلى هذين المبحثين أشار المصنف بقوله: (و في اشتراط قبولها- إلى قوله- إشكال)، إلّا أن العبارة لا تخلو من مناقشة، فإن المتبادر منها أن طرفي الإشكال اشتراط القبول و الاكتفاء بقوله تزوجتك إلى أخره، و ليس كذلك، بل كل منهما مسألة مستقلة فيها اشكال، و الطرف المقابل محذوف تقديره: و في اشتراط قبولها و عدمه و كذا الأخرى.

الثالث: اختلف الأصحاب في اشتراط تقديم التزويج على العتق و عكسه، و جواز كل منهما، و المشهور بين الأصحاب اشتراط تقديم التزويج، اختاره الشيخ في النهاية (4) و جماعة من الأصحاب (5)، لرواية محمد بن آدم عن الرضا (عليه السلام): في الرجل يقول لجاريته: قد أعتقتك و جعلت صداقك عتقك، قال: «جاز العتق، و الأمر

____________

(1) المقنعة: 85.

(2) الكافي في الفقه: 317.

(3) صحيح مسلم 2: 1045.

(4) النهاية: 497.

(5) منهم ابن البراج في المهذب 2: 247، و ابن حمزة في الوسيلة: 359.

122

..........

____________

إليها إن شاءت زوجته نفسها و إن شاءت لم تفعل، فإن زوجته نفسها فأجب له أن يعطيها شيئا» (1).

و عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل قال لأمته: أعتقتك و جعلت مهرك عتقك فقال: «عتقت و هي بالخيار إن شاءت تزوجته و إن شاءت فلا، فان تزوجته فليعطها شيئا، و إن قال: قد تزوجتك و جعلت مهرك عتقك فإن النكاح واقع و لا يعطيها شيئا» (2).

و في دلالتهما على مطلوب الشيخ نظر، لأن القول بالصحة على تقدير تقديم العتق إنما هو مع التصريح بلفظ التزويج، هو منتف في الروايتين، فإن قوله: أعتقتك و جعلت مهرك عتقك ليس فيه صيغة تزويج، و المتنازع فيه ما إذا أتى بلفظ العتق و التزويج معا لكنه قدّم العتق، و أحدهما غير الآخر.

و قال جماعة: إنه لو قدّم العتق على التزويج يقع لازما، لأن هذا الكلام واحد، و الكلام انما يتم بآخره، فلا يقع العتق بدون التزويج، كما لو قال: أعتقك و عليك خدمة سنة فإنه يقع العتق و يلزم الخدمة. و لما رواه عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: رجل قال لجاريته: أعتقتك و جعلت عتقك مهرك، قال: فقال: «جائز» (3).

لا يقال: لا دلالة في الرواية على المطلوب، لأن الجواب فيها الجواز و المتنازع فيه اللزوم، و لأنها خالية عن ذكر التزويج، فما دلت عليه لا قائل به.

لأنا نقول: المتعارف في مثل هذا الجواز إرادة الصحة، لأن السؤال إنما هو عن حكم هذا العقد من حيث صحته و فساده، فإذا أجيب بالجواز كان معناه الصحة لا محالة، و هذا شائع شهير.

____________

(1) التهذيب 8: 201 حديث 709، الاستبصار 3: 201 حديث 759.

(2) الفقيه 3: 261 حديث 1244، التهذيب 8: 201 حديث 710.

(3) الكافي 5: 476 حديث 3، التهذيب 8: 201 حديث 707، الاستبصار 3: 209 حديث 757.

123

..........

____________

و لا ريب أنه يلزم من صحته أن يكون جائزا غير ممنوع منه، و يمتنع أن يراد بالجواز التزلزل، لأن النكاح على هذا التقدير غير متزلزل، و إنما هو غير واقع أصلا.

و أما خلوها عن لفظ التزويج فغير قادح، لأن اعتبار لفظة (أمر) لا خفاء فيه، و لعل السائل اعتمد على ظهوره و اقتصر في السؤال على موضع الحاجة.

و رواية محمد بن مسلم السالفة (1) تضمنت لفظ العتق و التزويج معا، فتكون شاهدا على ذلك، و إلى هذا القول أشار المصنف بقوله: (و قيل: لا خيار لها.).

و ذهب المفيد (2)، و الشيخ في الخلاف (3) الى اشتراط تقديم العتق. و يحكى عن ظاهر أبي الصلاح (4)، و اختاره المصنف في المختلف (5)، لأن نكاح الأمة باطل. و يضعف بأن الكلام إنما يتم بآخره، و لو لا ذلك لم يصح جعل العتق مهرا. و لأنه لو حكم بوقوعه بأول الصيغة امتنع اعتباره في التزويج المأتي به بعده، فلا بد من الاعتراف بعدم الفرق بين التزويج و العتق، و إلى هذا ذهب بعض المتأخرين من الأصحاب (6).

فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال، أصحها الأخير. ثم عد إلى عبارة الكتاب و اعلم أن قوله: (و لو قدّم العتق كان لها الخيار) من تتمة قوله: (و يلزم العقد إن قدم النكاح) و ما بينهما اعتراض.

فإن قيل: الذي يراد بأن لها الاعتراض في هذه الحالة، مع أنه على القول بأن القبول شرط متى لم يقبل يثبت لها الخيار.

قلنا: المراد إن العتق به إذا قدّم نفذ برأسه، فيبقى النكاح موكولا إلى رضاها و إن لم نقل باشتراط القبول.

____________

(1) التهذيب 8: 201 حديث 706، الاستبصار 3: 209 حديث 756.

(2) المقنعة: 85.

(3) الخلاف 2: 208 مسألة 22 كتاب العتق.

(4) الكافي في الفقه: 317.

(5) المختلف: 573.

(6) منهم الشهيد في اللمعة: 194.

124

و لو جعل ذلك في أمة الغير، فإن نفذنا عتق المرتهن مع الإجازة فالأقرب هنا الصحة، و إلّا فلا. (1)

____________

فعلى هذا لو قدّم التزويج وقع لازما بنفسه، بناء على أن القبول غير شرط.

و الحاصل أنه على المختار مجموع العتق و التزويج صيغة واحدة، لا يترتب شيء من مقتضياتها إلّا على مجموعها.

و على اعتبار تقديم التزويج فالعتق و النكاح كل منهما صيغة برأسها منضمة إلى الأخرى، فإذا قدّم التزويج امتنع نفوذه بدون العتق، لأن عقده على مملوكته ممتنع، و إن تقدّم العتق نفذ، لانتفاء المانع فتصير حرة فتتخير في النكاح.

و قوله: (و قيل: لا خيار) الظاهر أنه القول الذي حكاه المصنف و المحقق ابن سعيد (1) عن بعض الأصحاب، و هو التخيير في تقديم أي الأمرين كان من العتق و التزويج، و هو القول الثالث فيما حكيناه.

و قد جعل الشارح الفاضل ولد المصنف (2) هذا قول أبي الصلاح، و ليس بجيد، لأن قول أبي الصلاح اشتراط تقديم العتق، و جعل القولين واحدا خلاف ظاهر العبارة، لأن عطف أحدهما على الآخر يقتضي تعادلهما و تباينهما، و تعليله أيضا ينافي القول باشتراط تقديم العتق.

فإن اعتبار كونه تتمة الكلام ينافي اشتراط تقديم واحد، لأن الصيغة حينئذ تكون واحدة، نعم في حكاية المصنف لهذا القول قصور، حيث جعل القول عدم الخيار على تقدير تقديم العتق، و كان الأنسب أن يقول: و قيل لا يشترط تقديم شيء منهما بعينه ليرتفع اللبس.

قوله: (و لو جعل ذلك في أمة الغير، فإن أنفذنا عتق المرتهن مع الإجازة فالأقرب هنا الصحة، و إلّا فلا).

(1) الذي ورد به

____________

(1) الشرائع 2: 312.

(2) إيضاح الفوائد 3: 155.

125

..........

____________

النص (1) من إعتاق الأمة و تزويجها و جعل عتقها مهرها إنما هو في مملوكة المعتق، أما مملوكة الغير فإن إعتاقها و تزويجها كذلك لا نص فيه بالصحة و لا بالفساد، و البحث عن ذلك ينحصر في أمرين:

أحدهما: العتق، و لا ريب أنه لا يقع نافذا بنفسه، لأنها مملوكة الغير و لا متزلزلا، فإن العتق لابتنائه على التغليب لا يتصور فيه ذلك، فلم يبق إلّا الحكم ببطلانه جزما، أو التوقف في الحكم بصحته و بطلانه على وقوع الإجازة من المالك و عدمه، فإن أجاز تبيّن نفوذه من حين وقوعه، و إلّا تبين عدمه.

و قد بنى المصنف الوجهين هنا على القولين في عتق المرتهن المملوك المرهون مع اجازة المولى، لأن العتق في كل من الموضعين واقع على مملوك الغير، فعلى القول بالبطلان في عتق المرتهن فلا شك في البطلان هنا، و على القول بالصحة فيه ففي صحة العتق هنا وجهان، الأقرب منهما عند المصنف الصحة.

و وجه القرب أن العتق من القرب التي اشتدت عناية الشارع بها، و هو مبني على التغليب، و لا مانع منه إلّا حق الغير، و هذا المانع زائل بالإجازة.

و الثاني: العدم و إن قلنا بالصحة هناك، و الفرق من وجهين:

أحدهما: إن علاقة الرهن في معنى علاقة الملك، لأنها تثبت للمرتهن سلطانا على المرهون، فيمكن أن يكون ذلك مصححا للعتق مع الإجازة و هي منتفية هنا.

و الآخر: إنه قد جعل عتق مملوكة الغير مهرا لنكاحها، و في صحة جعل بعض مال الغير أو كله مهرا للنكاح بالإجازة من المالك منع ظاهر، و هذا منتف في عتق المرتهن، فعلى هذا الأصح البطلان هنا و إن قلنا بالصحة هناك.

الثاني: حكم النكاح و لم يتعرض المصنف إليه، لظهور حكمه، و جملة الأمر فيه

____________

(1) التهذيب 8: 201 حديث 707، الاستبصار 3: 209 حديث 757، سنن أبي داود 2: 221 حديث 2054، سنن البيهقي 7: 128.

126

..........

____________

إنه إذا وقع مستكملا للإيجاب و القبول المعتبرين كان نكاحا فضوليا يتوقف على اجازة المالك، فيصح معها و يبطل بالرد.

و لا يؤثر فيه بطلان العتق، لأن فساد المهر لا يقتضي فساد النكاح. نعم متى حكمنا ببطلان العتق فلا بد لصحة النكاح من كون العاقد بحيث يسوغ له نكاح الأمة.

و اعلم أن قول المصنف: (فالأقرب هنا الصحة) يريد به ترجيح الصحة، تفريعا على القول بنفوذ عتق المرتهن مع الإجازة، لا الترجيح للحكم في نفسه بحسب الواقع، و هو ظاهر.

و قوله: (و إلّا فلا) معطوف على الجملة الشرطية قبله و هي قوله: (فإن أنفذنا.)

و معناه: انا إذا لم ننفذ عتق المرتهن مع الإجازة لا نصحح العتق هنا، ثم تنبه لشيء و هو: إن الشارح الفاضل بنى الحكم في المهر هنا- و هو العتق- على مقدمتين:

إحداهما عتق المرتهن، و الأخرى أن المجعول عتقها مهرا هل المهر هو العتق ابتداء، أو هو تمليكها لرقبتها و يتبعه العتق، كما لو تزوج جارية غيره و جعل أبا سيدها المملوك مهرا لها، فإنه إذا أجاز السيد النكاح دخل أبوه في ملكه فانعتق عليه.

و الذي يقتضيه صحيح النظر صادق التأمل أن هذا ليس من مسألتنا في شيء، لأن العتق في هذا الفرض واقع بلفظ صريح و عبارة تخصه، و ليس من الأمور الحاصلة بالتبعية في شيء، و مع ذلك فصريح اللفظ أن المهر حقيقة هو العتق، و التعبير بتمليك الجارية رقبتها من الأمور المجازية كما حققناه.

و قد أبطله الشارح في كلامه قبل هذا، فكيف يجعله هنا مقدمة للحكم في هذه المسألة.

لا يقال: إنه إنما بنى عليه على زعمهم و إن كان غير صحيح في نفسه.

لأنا نقول: قد بينا أنهم لا يريدون بذلك إلّا المجاز، فلا يعتد بهذا البناء.

127

و الأقرب جواز جعل عتق بعض مملوكته مهرا، و يسرى العتق خاصة. (1)

____________

قوله: (و الأقرب جواز جعل عتق بعض مملوكته مهرا و يسري العتق خاصة).

(1) المنصوص هو ما إذا تزوج مملوكته و أعتقها و جعل عتق جميعها صداقها، و المفروض هنا هو ما إذا تزوجها و أعتق نصفها و جعل عتق النصف صداقها، و في صحة النكاح و العتق كذلك وجهان، أقربهما عند المصنف الصحة. أما العتق في نفسه فإنه يصح إيقاعه على البعض و على الكل من غير تفاوت.

و لا يتخيل مانع إلّا ضمه إلى النكاح، و مانعية ذلك منتفية بالأصل. و أما جعل عتق البعض مهرا فإنه لا فرق بينه و بين جعل عتق الجميع مهرا، إذ لا فرق بين جعل جميع الجارية مهرا، و بين جعل بعضها، إما على الانفراد أو مع ضميمة شيء آخر، فكما أنه لا فرق بين الكل و البعض في الثاني فكذا لا فرق في الأول و أما التزويج فإن صحته دائرة مع صحة العتق، فمتى حكم بصحة عتق البعض سرى إلى الجميع فصح النكاح.

و الثاني: العدم، لأن الحكم في هذا الباب بالنسبة إلى العتق و النكاح ثبت على خلاف الأصل مع قيام المانع لو لا النص المستفيض، فيجب الاقتصار فيه على الصورة المنصوصة اقتصارا في المخالفة على مورد النص، و هذا أقوى.

و قول المصنف: (و يسري العتق خاصة) يريد به ثبوت السراية لا محالة، لأنه قد باشر عتق بعضها، و السراية ثابتة في كل موضع تحققت مباشرة عتق شيء من المملوك، لعموم قوله (عليه السلام): «من أعتق شقصا من عبد سرى عليه العتق» (1).

و لو لا الحكم بالسراية لم يصح النكاح، لأن ملكه للبعض يمنع صحة النكاح.

____________

(1) سنن البيهقي 10: 275.

128

و لو كان بعضها حرا فجعل عتق نصيبه مهرا صح، و يشترط هنا القبول قطعا. (1)

____________

و أشار بقوله: (خاصة) إلى أن السراية إنما هي للعتق دون المهر فتصير جميعها حرا، و المهر هو النصف خاصة، و فائدة ذلك تظهر فيما إذا طلقها قبل الدخول فإن ربعها يرجع رقا في قول، و في قول آخر تسعى في قيمة الربع.

و اعلم أن الشارح الفاضل ذكر هنا أنه على قول من يقول إن المهر هو تمليك الجارية رقبتها تتملك نصف رقبتها و ينعتق عليه و لا سراية هنا بل تسعى في قيمة نصفها (1)، و ما ذكره غير موجه.

أما أولا، فلأن جعل المهر هنا تمليك الجارية رقبتها أمر لا حقيقة له و قد بيّنا ما فيه.

و أما ثانيا، فلأنه على هذا التقدير يجب أن لا يصح النكاح، لأن تزويج السيد بأمته غير جائز قطعا، و على هذا التقدير يبقى نصفها رقا حقيقة، و عتقه موقوف على السعي. و إنما يكون ذلك مع نفوذ العتق في النصف، و إنما ينفذ مع صحة التزويج، و على هذا فيلزم صحة نكاح السيد لأمته، و هو معلوم البطلان. و إنما صححناه في صورة كون عتق الجميع مهرا، لأن التزويج و العتق يقعان معا كما تقدم.

قوله: (و لو كان بعضها حرا فجعل عتق نصيبه مهرا صح، فيشترط هنا القبول قطعا).

(1) أي: لو كان بعض المملوكة حرا فأعتق السيد نصيبه منها، و تزوجها و جعل عتق النصيب مهرا صح، و ذلك لأنه إذا صح العتق و التزويج في الأمة المحضة ففي التي بعضها حر أولى، لأن الملك مانع من التزويج، و إنما صح في الأمة المحضة على

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 157.

129

و لو كانت مشتركة مع الغير، فتزوجها و جعل عتق نصيبه مهرا، فالأقرب الصحة، و يسري العتق. و لا اعتبار برضى الشريك، (1)

____________

خلاف الأصل.

و لا ريب أن المانع في المبعضة أضعف منه في المحضة، فحيث دلت النصوص (1) على الثبوت مع المانع الأقوى فمع الأضعف أولى، لكن هنا يشترط القبول قطعا، نظرا إلى أن بعض الحر لا سلطنة للمولى عليه.

فثبوت النكاح بالنسبة إليه يتوقف على رضاها، لكن ينبغي أن يكون المعتبر وقوعه منها هو الإيجاب ليتحقق العقد بكماله.

و لعل المصنف عبّر عنه بالقبول مجازا، و حاول بتقديم قوله: (هنا) على (القبول) التنبيه على أن اشتراط القبول في هذه المسألة مقطوع به، بخلاف ما تقدم.

و اعلم أن دعوى الأولوية في الفرض المذكور محل نظر، فإن لقائل أن يقول:

لم لا يجوز أن يكون المقتضي لصحة ذلك في الأمة المحضة معنى موجود هناك خاصة، مثل أن يكون التزويج بالأمة على هذا الوجه ملحوظا فيه أنه في معنى استثناء حل الوطء من مقتضيات عتقها و ما جرى هذا المجرى، و ذلك منتف في الفرض المذكور، و قد كان قبل هذا العقد حراما، فيستصحب الى أن يثبت السبب المقتضي للحل شرعا.

قوله: (و لو كانت مشتركة مع الغير، فتزوجها و جعل عتق نصيبه مهرا، فالأقرب الصحة و يسري العتق و لا اعتبار برضى الشريك).

(1) لو كانت الأمة مشتركة بين اثنين فصاعدا، فتزوجها أحدهما و أعتق نصيبه و جعل عتق نصيبه مهرا ففي صحة ذلك وجهان:

أقربهما عند المصنف الصحة، وجه القرب وجود المقتضي و انتفاء المانع، أما

____________

(1) التهذيب 8: 201 حديث 707، الاستبصار 3: 209 حديث 757، سنن أبي داود 2: 221، سنن البيهقي 7:

128.

130

..........

____________

المقتضي بالنسبة إلى العتق فظاهر، فإن مباشرة عتق نصيبه يقتضي وقوع العتق عليه قطعا، و يسري العتق إلى باقيها بمقتضى النصوص المنقولة في هذا الباب (1)، فيحصل عتق جميعها في زمان واحد.

لكن إنما يتم هذا إذا قلنا بعدم توقف السراية على الأداء، سواء قلنا بأن العتق يحكم به بدون الأداء أو قلنا بأنه كاشف.

أما إذا قلنا بأنه يتوقف عليه تأثيرا فلا يستقيم الحكم بصحة النكاح لتحقق وقوع العقد على مملوكة الغير فيكون فضوليا فلا يقع العتق، لأنه إنما يقع مع وقوع النكاح صحيحا، لأنه مهر فتبطل السراية، فليتأمل ذلك و لينظر قول الشارح الفاضل (2) بالصحة على القول باعتبار الأداء إذا أدى.

و أما المقتضي بالنسبة إلى التزويج فهو العقد الصادر من أهله في محله.

أما الأول، فلأن المفروض أن المولى أهل لإنشاء عقد النكاح.

و أما الثاني، فلأن إيقاع العقد على التي قد وجد سبب حريتها و صارت بحكم الحرة، بحيث ان تزويجها و حريتها يثبتان دفعة واحدة، صحيح على ما سبق بيانه في أول المباحث فيكون محلا للعقد لا محالة.

و أما انتفاء المانع فلأنه ليس إلّا شركة الغير، و هي غير صالحة للمانعية، لأنها زائلة بالسراية. و بهذا البيان يظهر أنه لا يعتبر رضى الشريك حيث ان شركته زائلة، أما رضاها فإن اعتباره دائر مع اعتبار رضى المملوكة غير المشتركة، فإن اعتبرناه ثم اعتبر هنا، و إلّا فلا، لأن هذه في معنى المملوكة، إذ السراية فرع انتقال حصة الشريك الى المعتق.

و ما قيل من أنه على تقدير عدم اعتبار رضاها يلزم الدور، لأن صحة النكاح

____________

(1) سنن البيهقي 10: 275.

(2) إيضاح الفوائد 3: 158.

131

و كذا لا اعتبار برضاه لو جعل الجميع مهرا، أو جعل نصيب الشريك خاصة. (1)

و لو أعتق جميع جاريته و جعل عتق بعضها مهرا أو بالعكس، صح الجميع. (2)

____________

يكون بسبب العتق و سببه ضعيف، لأن الصيغة سبب فيهما معا و يقعان دفعة.

و الثاني من الوجهين عدم الصحة، لأنه خروج عن صورة النص.

و في بعض المقدمات السابقة نظر، فإن كون الشركة محلا للعقد في محل المنع، فكيف يعتد بالعقد على أمة الغير مع طروء المزيل للملك بتمام العقد، و المتجه عدم الصحة. و يناسب أن يكون قول المصنف: (و يسري العتق) بعد قوله: (فالأقرب الصحة) إشارة إلى المصحح، لأن الحكم بالصحة إنما يكون بعد تحقق السريان، فلا معنى للتعرض لبيانه بالاستقلال بعد الحكم بالصحة.

قوله: (و كذا لا اعتبار برضاه لو جعل الجميع مهرا، أو جعل نصيب الشريك خاصة).

(1) أي: كما أنه لا اعتبار برضى الشريك في الصورة السابقة، و هي ما إذا أعتق حصته و جعل عتقها مهرا للنكاح، فكذا لا اعتبار برضاه لو أعتق حصته و تزوج الأمة و جعل عتق الجميع مهرا لها، أو جعل عتق حصة الشريك خاصة مهرا، و ذلك لأن المجعول مهرا إنما يصير كذلك إذا كمل العقد، و في ذلك الوقت يتحقق انتقال حصة الشريك إلى المعتق، و لا يكون لاعتبار رضاه وجه أصلا.

قوله: (و لو أعتق جميع جاريته و جعل عتق بعضها مهرا أو بالعكس صح الجميع).

(2) هاتان صورتان مغايرتان لمورد النص:

إحداهما: أن يعتق جميع مملوكته و يجعل عتق بعضها كنصفها مهرا لنكاحها، بحيث يأتي بالصيغة المعتبرة في ذلك بكمالها.

132

و ليس الاستيلاد عتقا و إن منع من بيعها، لكن لو مات مولاها عتقت من نصيب ولدها، فإن عجز النصيب سعت في الباقي.

و قيل: يلزم الولد السعي، (1)

____________

و الثانية: أن يعتقها و يتزوجها و يجعل عتق جميعها بعض المهر، بأن يضمه إلى شيء آخر كثوب و شبهه، و هذه هي التي أشار إليها بقوله: (أو بالعكس) و قد حكم بالصحة فيهما معا.

أما الأولى فلأنه كما يجوز أن يكون جميع الأمة و بعضها مهرا لغيرها، فكذا يجوز أن يكون عتق جميعها و بعضها مهرا لها من غير تفاوت.

و أما الثانية، فلأنه كما يجوز جعلها مهرا يجوز جعلها بعض المهر، لأن المهر يقبل الكثرة و القلة. و يحتمل عدم الصحة، لأن الحكم في هذا الباب يثبت على خلاف الأصل فيقتصر فيه على مورد النص (1).

فائدة: إذا قلنا بالبطلان في هذه الصورة، فما حال العتق؟ الذي يقتضي النظر بطلانه، لأنه لم يعتقها مجانا قطعا، بل على أنها زوجة، و أن العتق مهرها و قد فات ذلك فيمتنع نفوذه وحده، لأنه خلاف مقصوده، و لأن في ذلك ضررا ظاهرا له.

قوله: (و ليس الاستيلاد عتقا و إن منع من بيعها، لكن لو مات مولاها عتقت من نصيب ولدها، فإن عجز النصيب سعت في الباقي، و قيل يلزم الولد السعي).

(1) لا ريب أن استيلاد الأمة المملوكة ليس عتقا لها و إن منع من بيعها، فإنه لا يجوز بيع أم الولد ما دام الولد حيا اتفاقا إلّا في مواضع مستثناة في كلام الفقهاء، لكن لو مات المولى عتقت من نصيب ولدها، و ذلك لأنها بدخول بعضها في ملكه بالإرث حيث يكون معه وارث آخر يقوّم عليه من نصيبه و يعتق، و سيأتي بيان ذلك كله في

____________

(1) انظر: التهذيب 8: 201 حديث 707، سنن ابي داود 2: 221 حديث 2054، سنن البيهقي 7: 128.

133

فإن مات ولدها و أبوه حي عادت الى محض الرق و جاز بيعها، (1)

____________

موضعه إن شاء اللّه تعالى. هذا إذا وفّى النصيب بقيمتها.

فإن عجز النصيب فلأصحاب قولان:

أحدهما-: و إليه ذهب الأكثر كالمفيد (1)، و ابن إدريس (2)، و المصنف- أنها تستسعى في الباقي من قيمتها لمن عدا الولد، و لا يجب على الولد السعي، لانتفاء المقتضي.

و الثاني:- و اختاره ابن حمزة (3)- أنه يجب عليه السعي، و قريب منه قول الشيخ في المبسوط فإنه أوجب على الولد فكها من ماله (4)، و قال في النهاية بوجوب السعي على الولد إذا كان ثمنها دينا على مولاها و لم يخلف غيرها (5). و سيأتي إن شاء اللّه تعالى تحقيق المسألة و دلائلها، و بيان أن الأصح من القولين هو الأول.

فإن قيل: ليست هذه المسألة من هذا الباب في شيء، فأي وجه لذكرها، ثم أي وجه لذكرها في دليل عتق الأمة و تزويجها و جعل عتقها مهرها.

قلنا: إنه إنما ذكرها هنا ليبني عليها ما سيأتي من قوله: (و لو كان ثمنها دينا.)

فإن هذه من مسائل الباب و هي من مسائل الاستيلاد، فيناسب أن يذكر حكم الاستيلاد أولا ليكون مقدمة لذلك.

قوله: (فإن مات ولدها و أبوه حي عادت إلى محض الرق و جاز بيعها).

(1) تطابق النص (6) و الإجماع هنا على أن أم الولد إذا مات ولدها و أبوه حي عادت

____________

(1) المقنعة: 93.

(2) السرائر: 348.

(3) الوسيلة: 408.

(4) المبسوط 6: 185.

(5) النهاية: 547.

(6) التهذيب 8: 206 حديث 728.

134

و يجوز أيضا بيعها في ثمن رقبتها إذا لم يكن لمولاها سواها.

و قيل: لو قصرت التركة عن الديون بيعت فيها بعد موت مولاها، و إن لم يكن ثمنا لها، (1)

____________

الى محض الرق، و إنما قيد بكون أبيه حيا، لأن موت أبيه بعد موت ابنه لا يؤثر شيئا، لأنها تعتق على الولد إذا مات أبوه كما علم.

و أراد بقوله: (عادت إلى محض الرق) انقطاع العلاقة التي تشبثت بها، على أن يكون وسيلة إلى العتق اعني الاستيلاد، فإنها و إن كانت مع هذه العلاقة رقيقة محضة إلّا أنها لتشبثها بسبب الحرية كأنها حرة و أن رقيتها صارت ضعيفة، و حينئذ فيجوز بيعها.

قوله: (و يجوز أيضا بيعها في ثمن رقبتها إذا لم يكن لمولاها سواها، و قيل: لو قصرت التركة عن الديون بيعت فيها بعد موت مولاها و إن لم يكن ثمنا لها).

(1) أجمع الأصحاب على أن أم الولد تباع في ثمن رقبتها إذا كان دينا على مولاها و لم يكن له سواها، و الأخبار في ذلك كثيرة. روى عمر بن يزيد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن أم الولد تباع في الدين؟ قال: «نعم في ثمن رقبتها» (1).

و عن أبي إبراهيم (عليه السلام) و قد سئل لم باع أمير المؤمنين (عليه السلام) أمهات الأولاد؟ قال: «في فكاك رقابهن»، قيل: و كيف ذاك؟ قال: «أيما رجل اشترى جارية فأولدها، ثم لم يؤد ثمنها و لم يدع من المال ما يؤدى عنه، أخذ ولدها منها و بيعت فأدى عنها»، قلت: فيبعن فيما سوى ذلك من دين؟ قال: «لا» (2).

____________

(1) الكافي 6: 192 حديث 2، التهذيب 8: 238 حديث 859.

(2) الكافي 6: 193 حديث 5، الفقيه 3: 83 حديث 299، التهذيب 8: 238 حديث 862.

135

و لو كان ثمنها دينا فأعتقها و جعل عتقها مهرها و تزوجها و أولدها و أفلس به و مات صح العتق، و لا سبيل عليها و لا على ولدها على رأي.

و تحمل الرواية بعود الرق على وقوعه في المرض. (1)

____________

و القول المحكي في العبارة قول ابن حمزة (1)، و هو ضعيف، و في الرواية المتقدمة تصريح بذلك (2).

قوله: (و لو كان ثمنها دينا فأعتقها و جعل عتقها مهرها و تزوجها و أولدها و أفلس به و مات صح العتق، و لا سبيل عليها و لا على ولدها على رأي، و تحمل الرواية بعود الرق على وقوعه في المرض).

(1) ما اختاره المصنف هو اختيار ابن إدريس (3)، و المحقق ابن سعيد (4)، و جمع من المتأخرين (5)، و هو الأصح، لأن العتق و التزويج صدرا من أهلهما في محلهما، فوجب الحكم بصحتهما و عدم الالتفات الى ما يدل على خلاف ذلك، فإن ذلك من الأمور القطعية التي تشهد له الأصول الفقهية، و كذا القول بحرية ولدها و كونه نسبا.

و ذهب الشيخ في النهاية إلى بطلان العتق و عودها رقا لمولاها الأول و ان ولدها رق (6)، و هو اختيار ابن الجنيد (7)، و ابن البراج (8).

____________

(1) الوسيلة: 408.

(2) الكافي 6: 192 حديث 2، التهذيب 8: 238 حديث 859.

(3) السرائر: 346.

(4) الشرائع 2: 312.

(5) انظر: إيضاح الفوائد 3: 159، التنقيح الرائع 3: 158.

(6) النهاية: 544.

(7) نقله عنه فخر المحققين في الإيضاح 3: 159.

(8) المهذب 2: 361.

136

..........

____________

و المستند صحيحة هشام بن سالم عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر في رجل باع من رجل جارية بكرا إلى سنة، فلما قبضها المشتري من الغد أعتقها و تزوجها و جعل عتقها مهرها، ثم مات بعد ذلك بشهر فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إن كان الذي اشتراها إلى سنة له مال أو عقدة تحيط بقضاء ما عليه من الدين في رقبتها فإن عتقه و نكاحه جائز، و إن لم يملك مالا أو عقدة تحيط بقضاء ما عليه من الدين في رقبتها فإن عتقه و نكاحه باطل لأنه أعتق ما لا يملك، و أرى أنها رق لمولاها الأول»، قيل له: فإن كانت قد علقت من الذي أعتقها و تزوجها ما حال الذي في بطنها فقال: «الذي في بطنها مع أمه كهيئتها» (1).

و هذه الرواية و إن كانت صحيحة الإسناد، إلّا أنها مخالفة لأصول المذهب، مشتملة على ما ينافي جملة من الأمور المقطوع بها، فحقها أن يعدل بها عن ظاهرها و يجمع بينها و بين الأصول المنافية لها، و قد حملها المصنف هنا على وقوع العتق و النكاح في مرض الموت، فإن الأصح عدم صحته إذا لم يكن هناك تركة يفي ثلثها به فترجع رقا و تبيّن بطلان النكاح.

و إنما قلنا إنه حملها على ذلك فإن الضمير في (وقوعه) ليس له مرجع إلّا المذكور، و هو العتق و التزويج و لفظة (عود الرق) في كلامه يشعر باختصاصه بالأم، لأنه لم يسبق للولد حالة رق ليعود إليها.

و هذا الحكم و إن لم يكن بعيدا من لفظ الرواية، إلّا أن الشارح الفاضل السيد قد اعترضه بأن الرواية اقتضت عود ولدها رقا كهيئتها، و هو مناف لمذهب المصنف، لأن بطلان العتق و النكاح لا يقتضي عود الولد رقا، غاية ما في الباب أنها تباع في الدين.

____________

(1) الكافي 6: 193 حديث 1، التهذيب 8: 202 حديث 714، الاستبصار 4: 10 حديث 29.

137

..........

____________

قلت: و على هذا ففي الحمل قصور آخر، و هو أن الرواية دلت على عودها رقا للبائع، و مقتضى الحمل جواز بيعها في دينه لا عودها في ملكه.

و قد اعتذر الشارح الفاضل ولد المصنف في الولد بأن الرواية لا تدل على رقه، لأن قوله (عليه السلام): «مع أمه كهيئتها» لا يدل على الرق بشيء من الدلالات، لأنه صادق حال حرية امه ظاهرا في الظاهر، و الحر المسلم لا يصير رقا (1).

و ردّه شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد بأنه كلام على النص، فإن المفهوم من قوله: «كهيئتها» ليس إلّا أن حكمه حكمها حال السؤال، و قد حكم قبل ذلك بأنها رق فيكون الولد رقا، فهو يدل على رقية الولد بالمطابقة لأنه موضوعه، و تجويز مثل هذا التأويل يمنع التمسك بجميع النصوص.

و الحق أن ما ذكره الشارح بعيد عن ظاهر الرواية (2)، و زاد شيخنا أن ولد المصنف أطلق الشراء و لم يقيّده بكونه نسيئة، و ينبغي تقييده ليطابق الرواية.

و في المختلف حمل الرواية على وقوع الشراء و العتق و التزويج في المرض (3)، و اعترضه شيخنا بأن وقوع الشراء في المرض لا مدخل له في الحكم، بل المدخل للعتق، فيكون ذكره مستدركا.

و لقائل أن يقول: إنّ عودها إلى البائع في الصورة المذكورة لا بد له من مقتض، فإذا نزّلت على كون الشراء في المرض، و أنه بأزيد من ثمن المثل بطل في البعض، فإذا فسخ البائع لتبعض الصفقة عادت إلى ملكه، و حمله بعضهم على فساد البيع و علم المشتري به فإنه يكون زانيا (4).

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 160.

(2) الكافي 6: 193 حديث 1، التهذيب 8: 202 حديث 714.

(3) المختلف: 626.

(4) انظر: التنقيح الرائع 3: 157.

138

..........

____________

و ردّ بأن في الرواية انه إذا خلّف ما يقوم بقضاء ما عليه يكون العتق و النكاح صحيحين.

و اعلم أن قول المصنف في العبارة (و أفلس به) المراد به أنه لا يوجد في ماله وفاء من غير أن يفلس.

و (العقدة) في الرواية المراد به العقار و نحوه.

قال في القاموس: العقدة بالضم: الضيعة و العقار الذي اعقده صاحبه ملكا (1).

____________

(1) القاموس المحيط 1: 316 «عقد».

139

[المطلب الثاني: في البيع]

المطلب الثاني: في البيع:

إذا بيع أحد الزوجين تخيّر المشتري على الفور في إمضاء العقد و فسخه، سواء دخل بها أو لا، و سواء كان الآخر حرا أو لا، و سواء كانا لمالك واحد أو كل واحد لمالك.

و يتخيّر مالك الآخر إن كان مملوكا لو اختار المشتري الإمضاء فيه و في الفسخ على الفور أيضا، سواء كان هو البائع أو غيره.

و قيل: ليس لمشتري العبد فسخ نكاح الحرة. (1)

____________

قوله: (المطلب الثاني: في البيع: إذا بيع أحد الزوجين تخيّر المشتري على الفور في إمضاء العقد و فسخه، سواء دخل أو لا، و سواء كان الآخر حرا أو لا، و سواء كانا لمالك واحد أو كل واحد لمالك. و يتخير مالك الآخر إذا كان مملوكا لو اختار المشتري الإمضاء فيه، و في الفسخ على الفور أيضا، سواء كان هو البائع أو غيره، و قيل: ليس لمشتري العبد فسخ نكاح الحرة).

(1) أي: إذا بيع أحد الزوجين المملوك، سواء كانا مملوكين أو أحدهما خاصة، و سواء بيع الآخر أم لا، تخيّر المشتري تخيرا على الفور في إمضاء العقد و فسخه، سواء حصل البيع قبل الدخول أو بعده، و سواء كانا لمالك واحد أو كان كل واحد لمالك، أو كانا مشتركين أو أحدهما.

و كما يتخيّر المشتري على الفور كذا يتخيّر مالك الآخر إذا كان مملوكا تخيرا على الفور، و لو اختار المشتري إمضاء النكاح أو لم يتخير شيئا بقي خياره أو سقط، سواء كان المالك الآخر هو البائع بأن كانا مملوكين له أو مالكا آخر، سواء تجدد شراؤه أو كان مالكا وقت النكاح، فها هنا أحكام:

140

..........

____________

الأول: أطبق الأصحاب على أن بيع الأمة المزوجة كالطلاق، على معنى أنه سبب في التسلط على فسخ النكاح و إمضاؤه للمشتري، سواء كان الزوج حرا أم لا.

و كذا مالك العبد، سواء كان هو البائع أو غيره.

و كذا أطبقوا على أن بيع العبد المزوج كالطلاق، على معنى ثبوت الخيار للمشتري و لمالك الأمة كما قررناه، إلّا إذا كانت الزوجة حرة، فإن في ثبوت الخيار هنا قولين (1)، و الأصل في ذلك ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليه السلام) قال: «طلاق الأمة بيعها أو بيع زوجها» (2) و المراد أنه كالطلاق في أنه تترتب عليه البينونة بالفسخ، من حيث انه مثبت للخيار على حد قوله: بنونا بنو أبنائنا و بناتنا.

فلا يرد ما قيل: إنه يلزم على الحديث انحصار الطلاق في بيع أحدهما، من حيث ان المبتدأ يجب انحصاره في الخبر، و غير ذلك من الأخبار.

و لأن بقاء النكاح مظنة تضرر المالكين، و ليس لهما طريق إلى التخلص من الضرر، إلّا أن التسليط على فسخ النكاح و إطلاق النص شامل لما إذا كان البيع قبل الدخول و بعده، و لما إذا كان الزوجان مملوكين أو أحدهما، و لما إذا كانا لمالك واحد أو أكثر، و لما إذا بيعا معا أو على التعاقب أو أحدهما خاصة، و لمقتضى الإطلاق يلزم ثبوت الخيار لكل من المالكين بالبيع، من حيث انه (عليه السلام) حكم بكونه طلاقا و أطلق.

الثاني: هذا الخيار على الفور اقتصارا في المخالف للأصل على ما به تندفع الضرورة، فلو أخر لا لعذر سقط الخيار، و لو جهل أصل الخيار لم يقدح، لأنه معذور بالتأخير، و لأن الحكم بالخيار مما يخفى على أكثر الناس، فلو كان التأخير للجهل

____________

(1) القول الأول: ثبوت الخيار ذهب اليه الشيخ في النهاية 477، و ابن البراج في المهذب 2: 217، و ابن حمزة في الوسيلة: 362.

القول الثاني: عدم ثبوت الخيار ذهب اليه ابن إدريس في السرائر: 305.

(2) الكافي 5: 483 حديث 4، الفقيه 3: 351 حديث 1681.

141

..........

____________

مسقطا انتفت فائدته غالبا.

أما الجهل بالفورية فالظاهر أنه ليس عذرا فيسقط بالتأخير حينئذ، لأنه وجد الى الفسخ سبيلا و لم يفعل و ذلك ينافي الفور، و ما ذكرناه في خيار الأمة إذا أعتقت آت هنا.

الثالث: المخالف في ثبوت الخيار إذا بيع العبد و كانت تحته حرة هو ابن إدريس (1)، محتجا بأن الخيار على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على موضع اليقين.

و المختار و أكثر الأصحاب على الثبوت، لأن تجدد المشتري إما أن يقتضي ثبوت الخيار له أم لا، و أيا ما كان لم يفرّق بين مشتري العبد و الأمة، لاشتراكهما في المقتضي على تقدير الاقتصار، و عدمه على تقدير العدم، و لأن الضرر المتوقع في تجدد الملك مع كون الزوجة أمة ثابت إذا كانت حرة، و لما رواه محمد بن علي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إذا تزوّج المملوك حرة فللمولى أن يفرّق بينهما، و إن زوّجه المولى حرة فله أن يفرّق بينهما» (2)، و ليس بغير البيع إجماعا، فيحمل على أن له أن يفعل ما يؤول إلى التفريق، بأن يبيع فيثبت الخيار المنجر الى التفريق مجازا.

قال ابن إدريس: هذه الرواية شاذة أوردها شيخنا في نهايته (3) إيرادا لا اعتقادا، و القياس على بيع الأمة باطل، و قد رجع شيخنا في مبسوطه فقال:

و إن كان للعبد زوجة فباعه مولاه فالنكاح باق بالإجماع (4).

و شنع عليه المصنف في المختلف بحمل ذلك على القياس، لأنه لو فقدت النصوص في هذا الباب لأمكن استفادة مساواة العبد للأمة في ذلك، من أن الشارع

____________

(1) السرائر: 305.

(2) التهذيب 7: 339 حديث 1387، الاستبصار 3: 206 حديث 744.

(3) النهاية: 477.

(4) المبسوط 4: 257، السرائر: 305.

142

..........

____________

لم يفرّق بينهما في مثل هذه الأحكام كما لم يفرّق في التقويم و غيره (1).

قال: و قول الشيخ في المبسوط ليس رجوعا عما قاله في النهاية، لأن بقاء النكاح لا ينافي الخيار للمشتري.

أقول: المفتى به هو ما عليه الأصحاب.

الرابع: خيار المالك الآخر ثابت بالبيع كما يثبت الخيار للمشتري، و لا يتقيد باختيار المشتري الإمضاء و إن كان ظاهر عبارة الكتاب قد توهم ذلك، فأيهما اختار الفسخ انفسخ النكاح، سواء اختار الآخر الإمضاء أو لم يختر شيئا.

و منع ابن إدريس ثبوت الخيار له محتجا بأن الأصل العدم فيحتاج مثبتة إلى الدليل، و يمكن الاحتجاج بظاهر الحديث السابق المتضمن كون بيع الأمة طلاقها، فإنه كما يصلح للدلالة في جانب المشتري يصلح لها في جانب المالك إذ لا أولوية.

و يؤيده أن المالك الآخر إنما رضي بالعقد مع المالك الأول، و الأحوال تختلف باختلاف الملّاك، و ربما ترتب عليه ضرر لو بقي النكاح، فيكون ثبوت الخيار وسيلة إلى التخلص منه.

و إلى هذا القول ذهب الشيخ و جماعة (2) منهم المصنف، و لم يصرح المفيد (3) و ابن حمزة (4) بذلك في شيء، و لا يحتاج هذا الفسخ إلى حضور الحاكم، إذ لا مقتضى له من ضرب مدة و نحو ذلك.

____________

(1) المختلف: 568.

(2) منهم ابن البراج في المهذب 2: 217، و فخر المحققين في الإيضاح 3: 160.

(3) المقنعة: 78.

(4) الوسيلة: 362.

143

و لو تعدد الملّاك فاختار بعضهم الفسخ، قدّم اختياره على اختيار الراضي. (1)

و لو باعهما المالك الواحد على اثنين تخيّر كل منهما، و لو اشتراهما واحد تخيّر. (2)

و مهر الأمة لسيدها، فإن باعها قبل الدخول و فسخ المشتري سقط، و إن أجاز فالمهر للمشتري.

و لو باع بعد الدخول فالمهر للبائع، سواء أجاز المشتري أو لا. (3)

____________

قوله: (و لو تعدد الملّاك فاختار بعضهم الفسخ قدّم اختياره على اختيار الراضي).

(1) أي على اختيار الراضي بالنكاح، و ذلك لأن اختيار الراضي بالنكاح يقتضي تقريره و لزومه من جانبه، فيبقى تزلزله من جانب غيره، فإذا اختار الفسخ انفسخ.

و مثله ما إذا اشترك الخيار بين البائع و المشتري، فاختار أحدهما الإمضاء و الآخر الفسخ.

قوله: (و لو باعهما المالك الواحد على اثنين تخيّر كل منهما، و لو اشتراهما واحد تخيّر).

(2) وجهه: قيام المقتضي في كل منهما، فإن الحديث السابق دلّ على أن بيع كل من الأمة و العبد بمنزلة الطلاق، و لا أثر في ذلك، لتعدد البائع و اتحاده و كذا المشتري.

قوله: (و مهر الأمة لسيدها، فإن باعها قبل الدخول و فسخ المشتري سقط، و إن أجاز فالمهر للمشتري، و لو باع بعد الدخول فالمهر للبائع، سواء أجاز المشتري أو لا).

(3) لا يخفى أن المهر عوض البضع، فإن في النكاح شائبة المعاوضة، فالمهر و حق العوض أن يكون لمالك العوض، و حيث كان بضع الأمة مملوكا للسيد فالمهر له

144

..........

____________

لا محالة، فإن باعها قبل الدخول فقد قررنا أن للمشتري الخيار، فإن فسخ سقط المهر.

فإن الفرقة قبل الدخول توجب سقوط المهر إذا كانت من الزوجة، و كذا إذا كانت من السيد فإنه مالك البضع فالفرقة منه كالفرقة منها. و إن أجاز النكاح لزم و كان المهر له، لأن الإجازة كالعقد المستأنف فيطالب بجميع المهر، و لو كان الزوج قد أقبضه الأول استرده منه و دفعه إلى الثاني.

ذهب الى ذلك ابن إدريس (1)، و جماعة منهم المصنف، و المحقق ابن سعيد (2)، و غيرهما (3).

و قال الشيخ في النهاية: إذا زوّج الرجل جاريته من غيره و سمّى لها مهرا معينا، و قدّم الرجل من جملة المهر شيئا معينا ثم باع الرجل الجارية، لم يكن له المطالبة في المهر و لا لمن يشتريها، إلّا أن يرضى بالعقد (4).

و تبعه ابن البراج (5)، و قال في المبسوط: إن المهر إن كان قد قبضه الأول فهو له، فإن كان بعد الدخول فقد استقر، و إن كان قبله ردّ نصفه، و إن كان لم يقبضه فلا مهر لها لا للأول و لا للثاني، فإن اختار المشتري إمضاء العقد و لم يكن قد قبض الأول المهر كان للثاني، لأنه تجدد في ملكه، فإن دخل بها بعد الشراء فقد استقر له الكل.

و إن طلقها قبل الدخول كان عليه نصف المهر للثاني، فإن كان الأول قد قبض المهر و رضي الثاني بالعقد لم يكن له شيء، لأنه لا يكون مهران في عقد واحد.

____________

(1) السرائر: 316.

(2) الشرائع 2: 313.

(3) انظر: التنقيح الرائع 3: 162.

(4) النهاية: 499.

(5) المهذب 2: 220.

145

..........

____________

و إن باعها قبل الدخول فرضي المشتري بالعقد و دخل بها الزوج بعد البيع كان نصف المهر للسيد الأول و نصفه للثاني، لأن النصف الآخر استقر بالدخول و كان ذلك في ملك الثاني.

فإن كان الأول قد قبض بعض المهر ثم باعها لم يكن له المطالبة بباقي المهر، سواء دخل بها أو لم يدخل، لأنه حال بينه و بين الاستمتاع بها، و إن كان الثاني قد رضي بالعقد كان له المطالبة بباقي المهر، و إن لم يرض لم يكن له ذلك (1).

هذا كلامه، و في بعض شقوق المسألة تدافع، و مع ذلك فقد تضمن أن لقبض الأول المهر أو بعضه تأثيرا في استحقاقه و عدمه، و هو موافق لمختاره. و حجته رواية سعدان بن مسلم عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام): في رجل تزوّج مملوكة من رجل على أربعمائة درهم، فعجل له مائتي درهم ثم أخّر منه مائتي درهم فدخل بها زوجها، ثم ان سيدها باعها بعد من رجل، لمن تكون المائتان المؤخرة عنه؟ فقال: «إن لم يكن أوفاها بقية المهر حتى باعها فلا شيء عليه له و لا لغيره» (2).

و قد نزلها المصنف في المختلف على أن المراد بالدخول الخلوة دون الإيلاج، و قوله: «ان لم يكن أوفاها بقية المهر» معناه إن لم يكن فعل الدخول الذي باعتباره يجب أن يوفيها المهر ثم باعها لم يكن له شيء للفسخ بالبيع من قبله قبل الدخول، و لا لغيره إذا لم يجز العقد (3).

و لا ريب في بعد هذا التنزيل، و لو اكتفى بحمل الدخول على الخلوة لكان ذلك كافيا في عدم دلالتها.

فإن قيل: قوله: (إن لم يكن أوفاها.) يقتضي أن يكون عدم الوفاء شرطا

____________

(1) المبسوط 4: 198.

(2) الفقيه 3: 288 حديث 1370، التهذيب 7: 484 حديث 1945.

(3) المختلف: 575.

146

..........

____________

لعدم استحقاقه و استحقاق غيره شيئا فيستحق مع عدم الشرط.

قلنا: إذا لم يستحق شيئا مع عدم الوفاء فمعه بطريق أولى، هذا قول الشيخ (1).

و أما قول الأصحاب فيمكن أن يحتج له بأن البضع و منافعه ينتقل الى السيد الثاني و هو المشتري، فإذا كان البيع قبل الدخول وجب أن يسقط حق الأول من المهر، لأن البيع كالطلاق، و لأنه قد تعذر تسليمه للبضع فانتفى المعوض من قبله، فوجب أن يسقط استحقاقه للعوض، و لما اعتبرنا إجازة الثاني وجب أن يكون كالعقد المستأنف في استحقاق المهر، و لا بعد في ذلك، لأن المعوض الآن حق له فليكن العوض كذلك.

فإن قيل: قد وجب المهر قبل البيع فليكن للأول، لأنه وجب في ملكه و الإجازة تقرره.

قلنا: لم يجب مجانا، بل في مقابل العوض و هو منافع البضع، و قد خرجت عنه بالبيع قبل التسليم و تعذر تسليمها، فكيف يتصور بقاؤها للأول.

فإن قيل: قد سبق في الأمة المزوجة إذا أعتقت قبل الدخول فاختارت، أن المهر للسيد إن أوجبناه بالعقد، و مقتضاه هنا أن يكون المهر للبائع.

قلنا: يمكن الفرق بان البيع معاوضة تقتضي تمليك المنافع تبعا للعين، فتصير منافع البضع مملوكة للمشتري، و لولاه لم يصح البيع لجهالته وقت الانتفاع، كما لو أسكنه عمر أحدهما ثم باع الدار فإنه لا يصح البيع على الأصح. بخلاف العتق فإنه لا يقتضي تمليكا، و إنما هو فك ملك ففي الأمة المزوجة تكون المنافع كالمستثناة للسيد و في البيع ينتقل إلى المشتري.

و لعل هذا هو منشأ الخيار فيه، و مما قررناه علم أن قول الأول أقوى، و هذا إذا

____________

(1) المبسوط 4: 198.

147

..........

____________

كان البيع قبل الدخول، أما إذا كان بعده فإن المهر للبائع، سواء أجاز المشتري أم لا، و سواء قبض شيئا من المهر أم لا، خلافا للشيخ (1) كما سبق. و وجهه ظاهر مما قررناه، فإن الدخول موجب لاستقرار المهر لحصول مقصود المعاوضة حتى لو طلق لم يؤثر فيه، و لم يسقط منه شيء بالبيع بطريق أولى.

فائدة: ذكر المصنف في التحرير بأن اجازة المشتري للنكاح كالعقد المستأنف، و كذا غيره (2). و الظاهر أن المراد بذلك كون نكاح الأمة المبيعة قد انقلب من اللزوم الى نحو العقد الفضولي.

و قد يتفرع على ذلك كون المهر كله للمشتري إذا أجاز قبل الدخول، و وجهه:

إن البيع معاوضة حقيقية تستتبع المنافع فيقتضي دخولها فتدخل منافع البضع في ملك المشتري، و لولاه لم يصح البيع لصيرورة المبيع مجهولا لجهالة وقت الانتفاع، فيصير العقد بالإضافة إليه كالفضولي.

بخلاف العتق فإنه يقتضي فك الملك عن الرقبة، و بعد انقطاع السلطنة عنها يلزم انقطاعها عن المنافع ما لم يسبق ثبوت السلطنة عليها قبل العتق، فلا يلزم زوال النكاح أصلا و رأسا و إن صار متزلزلا.

فإن قيل: قوله (عليه السلام): «ملكت بضعك فاختاري» (3) يقتضي ثبوت ملكيتها، فكيف تكون مملوكة للزوج.

قلنا: هذا كناية عن رفع سلطنة المولى عنها، إذ ليس هناك ملك أصلا، أو أنه (عليه السلام) أراد بملك البضع ثبوت الخيار المفضي إليه، كأنه قال: ثبت لك الخيار المفضي إلى قطع السلطنة عن البضع فاختاري.

____________

(1) المبسوط 4: 198.

(2) التحرير 2: 23.

(3) التهذيب 7: 322 حديث 1396، سنن البيهقي 7: 220.

148

و لو باع عبده فللمشتري الفسخ، و على المولى نصف المهر للحرة، و منهم من أنكرهما. (1)

____________

قوله: (و لو باع عبده فللمشتري الفسخ، و على المولى نصف المهر للحرة، و منهم من أنكرهما).

(1) قد بيّنا أنه إذا باع العبد يثبت للمشتري الخيار في فسخ النكاح و إن كانت الزوجة حرة، و بيّنا دليله و حكينا خلاف ابن إدريس (1) و بيّنا ضعفه.

و أما المهر فإن متعلقة ذمة المولى على أصح الأقوال و قد تقدّم، فإن كان البيع بعد الدخول فقد استقر المهر و وجب جميعه للزوجة الحرة على المولى، و إن كان قبله ففي وجوب جميعه أو نصفه قولان للأصحاب:

أحدهما:- و هو اختيار الشيخ (2)، و الأكثر (3)- وجوب النصف، إما بناء على أن العقد يوجب نصف المهر و يجب بالدخول النصف الآخر، أو لأن الفسخ في معنى الطلاق، لاشتراكهما في ابانه عصمة النكاح فيستويان في حكم المهر، و لرواية علي بن حمزة عن أبي الحسن (عليه السلام): في رجل زوّج مملوكا له امرأة حرة على مائة درهم، ثم باعه قبل أن يدخل عليها، فقال: «يعطيها سيده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنما هو بمنزلة دين استدانه بأمر سيده» (4).

و الثاني:- و هو اختيار ابن إدريس (5)- وجوب الجميع بناء على أن المهر كله يجب بالعقد، و تشطره بالطلاق ثبت بالنص (6) و الإجماع، و إلحاق الفسخ به قياس باطل.

____________

(1) السرائر: 305.

(2) النهاية: 499.

(3) منهم ابن البراج في المهذب 2: 250، و فخر المحققين في الإيضاح 3: 161.

(4) الفقيه 3: 289 حديث 1375، التهذيب 8: 210 حديث 745.

(5) السرائر: 317.

(6) البقرة: 237.

149

و لو باع أمة و ادعى أن حملها منه فأنكر المشتري، لم يقبل قوله في فساد البيع.

و في قبول الالتحاق به نظر ينشأ: من أنه إقرار لا ضرر فيه، و من إمكان الضرر بشرائه قهرا لو مات أبوه عن غير وارث. (1)

____________

و اعلم انا قد أوجبنا في نظير هذه المسألة من الرضاع و غيره وجوب جميع المهر.

و استشكل المصنف ثمّ و جزم بوجوب النصف هنا، و الفرق وجود النص هنا و انتفاؤه هناك، و لا يضر ضعفه مع عمل أكثر الأصحاب، و الفتوى على الأول.

و قوله: (و منهم من أنكرها) يشير بالمنكر إلى ابن إدريس، و أراد بضمير التثنية ثبوت خيار الفسخ إذا بيع العبد و تحته حرة و وجوب نصف المهر فقط، و قد حققنا ذلك.

قوله: (و لو باع أمة و ادعى أن حملها منه فأنكر المشتري، لم يقبل قوله في فساد البيع، و في قبول الالتحاق به نظر ينشأ: من أنه إقرار لا ضرر فيه، و من إمكان الضرر بشرائه قهرا لو مات أبوه عن غير وارث).

(1) ليست هذه المسألة من مسائل هذا الباب، لكنه لما ذكر بيع الأمة لبيان حكم النكاح الذي هو مقصود الباب استطرد إلى هذا الحكم المبتني على البيع، و تحقيق ما هناك أنه إذا باع الأمة سيدها ثم ظهر بها حمل فادعى أنه منه ينقسم الى صورتين:

أن يقطع بكون الحمل قبل البيع، بأن تلده لدون ستة أشهر من حين البيع، و أن يجوز الأمر بأن كان تلده لدون أقصى مدة الحمل و لم يدخل بها المشتري، فإنها مع دخوله تصير فراشا و الولد للفراش.

و لا ريب أن دعوى البائع هذه لو صحت لوجب الحكم بفساد البيع، فإن بيع أم الولد في غير المواضع المستثناة باطل فلا يقبل في فساد البيع، فإنه قد ثبت و حكم بصحته ظاهرا فلا يقدح فيه دعوى البائع و لا يلتفت اليه إلّا بالبينة.

نعم لو ادعى عليه العلم فأنكر حلف لنفيه، و هل تقبل هذه الدعوى من حيث

150

..........

____________

انها متضمنة إقراره بنسب الولد، فيحكم بلحاق الولد به؟ ينبغي القول في الصورة الأولى، لانتفاء المانع فإنه ليس إلّا لزوم فساد البيع، و قد بينا أنه لا يفسد بمجرد قول البائع.

و في القبول في الثانية نظر.

فإن قيل: الدعوى الواحدة إن كانت مقبولة وجب قبولها في الأمرين معا، و إن كانت مردودة فهي مردودة بالنسبة إلى الأمرين معا، لأن قبولهما في أحدهما دون الآخر يقتضي اجتماع القبول و الرد فيهما و هو باطل.

قلنا: قد أسلفنا أن العمل بالأصلين المتنافيين في حقوق الناس واجب، لأنها مبنية على التضيق، و كل حق يثبت للمشتري و اقتضت الدعوى المذكورة بطلانه يجب الحكم بعدم قبولها فيه، و فيما سوى ذلك يجب قبولها توفيرا على كل مقتضاه.

و منشأ النظر: من أن المذكور إقرار لا ضرر فيه على المشتري، لأنه لا ضرر عليه في كون عبده ابنا لزيد البائع، و كل إقرار كذلك يجب قبوله، لعموم «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1). و من أن نفوذ هذا الإقرار و ثبوت هذا النسب يتوقع فيه الضرر، لإمكان أن يموت المقر عن غير وارث و يخلف تركة.

فإنه على تقدير ثبوت النسب يشترى من التركة و لو قهرا على سيده ليعتق و يجوز الإرث، و لا شك في كون ذلك ضررا على السيد فلا يكون الإقرار نافذا.

و لقائل أن يقول: يمكن الحكم بالالتحاق إلّا في حق المشتري، و تقريبه يعلم مما تقدّم، و تظهر الفائدة فيما لو اشتراه البائع فإنه يحكم عليه بعتقه، و كذا لو مات عن غير وارث فباعه المشتري مختارا للحاكم و أدى الثمن من التركة و أعتقه، فإنه يجب أن يحكم بإرثه، عملا بالإقرار السالم عن معارض، و هذا أقرب.

____________

(1) عوالي اللآلي 2: 252 حديث 5.

151

[المطلب الثالث: في الطلاق]

المطلب الثالث: في الطلاق:

طلاق العبد بيده إذا تزوّج باذن مولاه، و لا اعتراض لمولاه، سواء كانت زوجته حرة أو أمة لغير مولاه.

و ليس له إجباره عليه و لا منعه منه، (1)

____________

و لا يخفى أن نفوذ الإقرار يشترط فيه كون المقر به حين الإقرار صغيرا و يصدقه. و اعلم أن قول المصنف: (لم يقبل قوله في فساد البيع) يريد به أنه لا يقبل بمجرده، فأما إذا أقام بينة أو حلف اليمين المردودة فإنه يقبل قطعا.

و لو أنه باع الأمة و الحمل معا، ثم ادعى كونه ولده لم تسمع دعواه أصلا، لكونها مناقضة للبيع المقتضي لكونه مملوكا، فلا يسمع ما ينافيه، و في الالتحاق هنا نظر من وجه آخر و هو المناقضة.

فإن قيل: كيف جزم بعدم القبول في فساد البيع، و تردد في الالتحاق.

قلنا: لأن فساد البيع يقتضي إبطال حق موجود للمشتري، فلم يقبل الإقرار فيه، بخلاف الالتحاق فإن ضرره متوهم.

قوله: (المطلب الثالث: في الطلاق: طلاق العبد بيده إذا تزوّج باذن مولاه و لا اعتراض لمولاه، سواء كانت زوجته حرة أو أمة لغير مولاه، و ليس له إجباره عليه و لا منعه منه).

(1) المشهور بين الأصحاب أن طلاق العبد بيده ليس للسيد فيه دخل، فليس له إجباره عليه و لا منعه منه إذا كان هو قد تزوج باذن السيد، سواء كانت زوجته حرة أو أمة بشرط أن تكون الأمة لغير السيد. و الحجة ما روي من قوله (عليه السلام):

152

..........

____________

«الطلاق بيد من أخذ بالساق» (1).

و لرواية ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) و قد سأله عن جواز طلاق العبد فقال: «إن كانت أمتك فلا إن اللّه تعالى يقول عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ، فإن كانت أمة قوم اخرين أو حرة جاز طلاقه» (2).

و هذه و إن كانت غير دالة على منع السيد من الطلاق، لكن دلالتها على جواز الطلاق منه يقتضي ذلك، لأن التشريك بينهما في الطلاق لا قائل به.

و حسنة علي بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام)، عن آبائه، عن علي (عليه السلام): «إن رجلا أتاه بعبد زعم أنه تزوج بغير اذنه، فقال علي (عليه السلام): «فرق بينهما»، فقال السيد لعبده: يا عدو اللّه طلق، فقال علي (عليه السلام): «الآن فإن شئت فطلق و إن شئت فأمسك»، فقال السيد: يا أمير المؤمنين أمر كان بيدي فجعلته في يد غيري، قال: «ذلك لأنك حيث قلت له: طلق أقررت له بالنكاح» (3).

و فقه الحديث: إن الأمر بالطلاق يستدعي نكاحا صحيحا و هو يستلزم الإجازة من السيد، لامتناع صحة نكاح العبد بدون اذن المولى و أجازته، و خالف هنا فريقان:

الأول: ابن الجنيد (4)، و ابن أبي عقيل (5)، حيث نفيا ملكية العبد الطلاق من رأس، لرواية زرارة عن الباقر و الصادق (عليهما السلام): «المملوك لا يجوز طلاقه و لا نكاحه إلّا بإذن سيده» قال: فإن زوّجه السيد بيد من الطلاق؟ قال: «بيد السيد

____________

(1) سنن ابن ماجة 1: 672 حديث 2081، سنن البيهقي 7: 360.

(2) الكافي 6: 168 حديث 2، التهذيب 7: 348 حديث 1423، الاستبصار 3: 216 حديث 785.

(3) التهذيب 7: 352 حديث 1433.

(4) نقله عنه العلّامة في المختلف: 591.

(5) نقله عنه العلّامة في المختلف: 591.

153

إلّا أن تكون أمة لمولاه، فإنّ طلاقه بيد المولى، و له التفريق بغير طلاق مثل فسخت عقد كما، أو يأمر كلا منهما باعتزال صاحبه، و ليس بطلاق فلا تحرم في الثاني لو تخلله رجعة. (1)

____________

ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ الشيء الطلاق» (1).

و لرواية شعيب العقرقوفي عن الصادق (عليه السلام)، و قد سئل عن طلاق العبد فقال: «لا طلاق و لا نكاح إلّا بإذن مولاه» (2).

و النكرة المنفية للعموم، و الجواب الحمل على ما إذا تزوج بأمة مولاه، لأن ما تقدم أخص، و الخاص مقدّم. و قال المصنف في المختلف: و قول ابن أبي عقيل و ابن الجنيد ليس عندي بعيدا من الصواب، و الأصح ما عليه الأكثر.

الثاني: أبو الصلاح، حيث قال: لسيده أن يجبره على الطلاق (3)، لأن تنفيذ أمره و طاعته عليه واجب، و لأن له إجباره على النكاح، فكان له إجباره على رفعه و فسخه، و لرواية زرارة و شعيب السالفتين.

و الجواب: المنع من عموم وجوب تنفيذ أمره، و لا يلزم من جواز أجازته على النكاح ثبوت ملكه في الطلاق، و الروايتان لا حجة فيهما، لأنهما عامتان و الأخبار المتقدمة أخص و الخاص مقدّم، و المذهب ما عليه الأكثر.

قوله: (إلّا أن تكون أمة لمولاه فإن طلاقه بيد المولى، و له التفريق بغير طلاق، مثل فسخت عقد كما، أو يأمر كلا منهما باعتزال صاحبه و ليس بطلاق، فلا تحرم في الثاني لو تخلله رجعة).

(1) هذا استثناء من قوله: (طلاق العبد.) فإنه لم يدل على أن طلاق أمة المولى

____________

(1) التهذيب 7: 347 حديث 1419، الاستبصار 3: 214 حديث 780.

(2) التهذيب 7: 347 حديث 1421، الاستبصار 3: 215 حديث 782.

(3) الكافي في الفقه: 297.

154

..........

____________

إذا كانت زوجته ليس بيده إلّا بمفهوم المخالفة من قوله: (أمة لغير مولاه)، و تحقيقه:

إن زوجة العبد إذا كانت أمة لمولاه فإن طلاقها و ازالة قيد نكاحها هو بيد المولى و لا دخل للعبد فيه إجماعا.

و يدل عليه من النصوص صحيحة محمد بن مسلم: قال: سألت الباقر (عليه السلام) عن قول اللّه تعالى وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ قال:

«هو أن يأمر الرجل عبده و تحته أمة فيقول له: اعتزل امرأتك و لا تقربها، ثم يحبسها حتى تحيض ثم يمسها» (1).

و رواية ليث المرادي السابقة (2) فإنها نص في الباب، و كذا رواية زرارة (3) و رواية شعيب (4) السالفتان فإنهما منزلتان على أمة المولى إذا تقرر ذلك، فللمولى التفريق بلفظ الطلاق و بلفظ الفسخ و بالأمر بالاعتزال كما دلت عليه الاخبار.

فأما الطلاق فلفظة ظاهر، و أما الفسخ فهو فسخت نكاحهما، أو عقدكما و ما جرى مجراه. و أما الأمر بالاعتزال فحقيقته أن يأمر كلا منهما باعتزال صاحبه، و قد دلت رواية محمد بن مسلم على ذلك، لأن فيها: «فيقول له: اعتزل امرأتك ثم يحبسها حتى تحيض» لأن الظاهر أن المراد بحبسها منعها منه و اعتزالها إياه و إذا كان الأمر بالاعتزال كافيا في إزالة النكاح فالفسخ أولى منه و يتفرع على ذلك مسائل:

الأولى: إذا طلّق المولى بلفظ الطلاق فاللائح من عبارة المصنف انه يعد في الطلاق، فإن قوله في التفريق بغير طلاق: (و ليس بطلاق) يشعر بأن التفريق بالطلاق يعد طلاقا، و كذا عبارة الإرشاد و التحرير (5)، و على هذا فيشترط فيه شروط الطلاق

____________

(1) النساء: 24، الكافي 5: 81 حديث 2، التهذيب 7: 346 حديث 1417.

(2) الكافي 6: 168 حديث 2، التهذيب 7: 348 حديث 1423.

(3) التهذيب 7: 347 حديث 1419، الاستبصار 3: 214 حديث 780.

(4) التهذيب 7: 347 حديث 1421، الاستبصار 3: 215 حديث 782.

(5) التحرير 2: 52.

155

..........

____________

كلها.

و بذلك صرح بعض الأصحاب (1)، و هذا إنما يستقيم إذا قلنا بأن تزويج السيد عبده بأمته عقد نكاح، أما إذا قلنا انه اباحة فلا، و لم يرجّح المصنف فيما تقدّم واحدا من الأمرين.

الثانية: إذا فسخ المولى بلفظ الفسخ أو الأمر بالاعتزال في عدّه طلاقا قولان:

صرّح المصنف هنا و في غير هذا الكتاب بأنه لا يعد (2)، فإن قوله هنا: (و ليس بطلاق) يريد به و ليس واحد من الأمرين اللذين قبله، اعني: فسخت، و الأمر بالاعتزال، و كأنه يريد بعدم عدّه طلاقا العموم، سواء قلنا إن هذا نكاح أو إباحة.

أما إذا قلنا إنه اباحة فظاهر، لأن وقوع الطلاق فرع ثبوت النكاح. و أما على أنه نكاح، فلأنه لم يقع بلفظ الطلاق، و الطلاق لا يقع بالكناية عندنا، و لأن فسخ النكاح الحقيقي بلفظ الفسخ لا يعد طلاقا في شيء من الأبواب كالفسخ بالعتق و العيب و التدليس و غيرها فها هنا أولى.

و إلى هذا ذهب ابن إدريس (3)، و المصنف، و ابن سعيد (4)، و هو الأصح، و القول الثاني للأصحاب: أنه طلاق- و هو قول الأكثر (5)- و أنه أحد الطريقين لدفع قيد النكاح فكان كالخلع، و لأن المولى مخيّر بين الأمرين، أعني: الطلاق و الفسخ، فلو لا أن كل واحد منهما كالآخر في حصول المقصود منه امتنع الاكتفاء به عنه، و ليس هو

____________

(1) صرح به الصدوق في الفقيه 3: 350.

(2) المختلف: 568.

(3) السرائر: 306.

(4) الشرائع 2: 316.

(5) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 77، و الشيخ الطوسي في النهاية: 478، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه:

297، و ابن البراج في المهذب 2: 218.

156

و لو استقل العبد بالطلاق وقع على اشكال.

____________

كالفسخ بالعيب و نحوه، لأن البدلية عن الطلاق ثم منتفية بخلاف ما هنا، و لأنه أقرب إلى الاحتياط، و يضعف بأنه لا يلزم من زوال قيد النكاح به أن يكون كالطلاق في جميع أحكامه.

فإن قلنا بالأول لم يشترط فيه شروط الطلاق و لم يعد في الطلقات، فلو رجع باذن المولى بعده في محل الرجعة، أو استأنف النكاح بالاذن بعد الحيض لم تحرم بالفسخ الثاني إلى أن ينكح زوجا غيره.

و الى هذا أشار المصنف بقوله: (فلا تحرم في الثاني لو تخلله رجعة) أي: فلا تحرم في الفسخ الثاني لو تخلل بينه و بين الفسخ الأول رجعة. و لا يخفى أنه يعتبر في الرجعة اذن السيد كما في النكاح، و مثل الرجعة استئناف النكاح في محله و إن أهمله المصنف لظهوره. و المراد بالتحريم التحريم إلى أن تنكح زوجا غيره، لأن هذا شأن الأمة بعد تطليقتين و إن قلنا بالثاني ثبت جميع ذلك.

المسألة الثالثة أشار إليها المصنف بقوله: (و لو استقل العبد بالطلاق وقع على اشكال).

و تحقيقها: إن العبد المزوج بأمة سيده بإذنه إذا أوقع طلاقها استقلالا من دون اذن السيد، هل يقع الطلاق أم لا؟ فيه إشكال ينشأ: من دلالة رواية ليث المرادي على عدم الوقوع، فإن فيها قوله (عليه السلام): «إن كانت أمتك فلا إن اللّه تعالى يقول:

عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ (1)، و هي نص.

و قريب منها رواية زرارة (2)، و رواية شعيب (3) السابقتان.

و من أنه زوج فيقع طلاقه لقوله (عليه السلام): «الطلاق بيد من أخذ

____________

(1) الكافي 6: 168 حديث 2، التهذيب 7: 348 حديث 1423.

(2) التهذيب 7: 347 حديث 1419، الاستبصار 3: 214 حديث 780.

(3) التهذيب 7: 347 حديث 1421، الاستبصار 3: 215 حديث 782.