جامع المقاصد في شرح القواعد - ج13

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
448 /
157

و لو أمره بالطلاق فالأقرب أنه فسخ إن جعلناه اباحة، و إلّا فإشكال،

____________

بالساق» (1)، و يضعف بدلالة ما سبق على اختصاص ذلك بما عدا صورة النص، و حقق الشارح الفاضل بناء الوقوع على كونه نكاحا، و عدمه على كونه اباحة (2).

و يبطل بأنه على الإباحة يمتنع القول بوقوع الطلاق من كل من العبد و السيد، فلا يجيء الوجهان إلّا على القول بالنكاح، و الأصح عدم الوقوع.

المسألة الرابعة أشار إليها المصنف بقوله: (و لو أمره بالطلاق فالأقرب انه فسخ إن جعلناه اباحة، و إلّا فإشكال).

و تحقيقها: إنه إذا أمر السيد عبده المزوج بأمة السيد بالطلاق فهل يكون مجرد أمر السيد فسخا للتزويج أم لا؟ فيه وجهان، فإن جعلنا هذا التزويج اباحة فأقرب الوجهين أنه فسخ، و إن جعلناه نكاحا فإشكال ينشأ: من تكافؤ الوجهين، وجه القرب على القول بالإباحة أن عصمة هذا التزويج على تقدير أنه اباحة ضعيفة يكفي في رفعها ادنى سبب يدل على المنع.

و لا ريب أن الأمر بالطلاق دال عليه، و لأن الأمر بالاعتزال فسخ بالنص (3) و الإجماع، مع عدم صراحته في إرادة قطع تلك العصمة، فالأمر بالطلاق أولى، لأنه أدل على ارادة قطعها من الأمر بالاعتزال، و في هذا الوجه قوة و يحتمل ضعيفا العدم عنده، لأن المفهوم من الأمر بالطلاق ارادة إيجاده من العبد، فلا يحصل قبله.

و يضعف بأن هذا مدلوله المطابقي، و المدعى هو المدلول الالتزامي، و لأن الأمر بالطلاق يستدعي بقاء الزوجة إلى حين إيقاعه، فلو دل على الفسخ قبله لتنافى

____________

(1) سنن ابن ماجة 1: 672 حديث 2081، سنن البيهقي 7: 360.

(2) إيضاح الفوائد 3: 162.

(3) الكافي 5: 481 حديث 2، التهذيب 7: 346 حديث 1417.

158

و كذا الاشكال لو طلّق العبد.

____________

مدلولا اللفظ. و لمانع أن يمنع هذا الاستدلال، فإن المستدعى هو صحة الطلاق، أما الأمر به فلا، و لأنه لو دلّ على الفسخ لامتنع فعل مقتضاه فيمتنع الخطاب به.

و التالي معلوم البطلان، و الملازمة ظاهرة، لأن الفسخ إذا وقع امتنع الطلاق، و بطلان التالي ممنوع. و لأن أمره بالطلاق يدل على طلب الامتثال، و ذلك يقتضي إرادة عدم الفسخ ضرورة، و فيه منع.

و أما تكافؤ الوجهين على القول بالنكاح، فلأن الرافع للنكاح ابتداء من غير توسط أمر آخر كعيب و نحوه هو الطلاق، و الأمر به لا يعد طلاقا قطعا، فيبقى النكاح معه، و يحتمل افادته مفاده، لأنه أقوى في الدلالة على مقصوده من الأمر بالاعتزال، و عدم الوقوع على القول بأنه نكاح قريب.

المسألة الخامسة أشار إليها المصنف بقوله: (و كذا الاشكال لو طلق العبد).

و تحقيقها: أنه في الصورة المذكورة إذا أمر السيد العبد بالطلاق فطلق هل يقع أم لا؟ ذكر المصنف فيه اشكالا، و على تقدير وقوعه هل يعد طلاقا أو فسخا؟ لم يتعرض إليه المصنف. و منشأ الاشكال: من وقوع الصيغة من أهلها في محلها، و ذلك لأنه إنما منع منه لكونه بيد المولى، فإذا أمره به صار نائبا عنه، فوجب الحكم به، لزوال المانع. و قد دلت رواية زرارة (1) على وقوع طلاق العبد باذن السيد كالنكاح، و بينا بأنها منزلة على ما إذا نكح أمة المولى.

و لعموم: «الطلاق بيد من أخذ بالساق» (2)، خرج منه ما إذا لم يأذن المولى فيبقى الباقي على أصله متناولا لصورة النزاع.

و من أن ظاهر رواية محمد بن مسلم (3) انحصار الفرقة هنا في أمر السيد

____________

(1) التهذيب 7: 347 حديث 1419، الاستبصار 3: 214 حديث 780.

(2) سنن ابن ماجة 1: 672 حديث 672، سنن البيهقي 7: 360.

(3) الكافي 5: 481 حديث 2، التهذيب 7: 346 حديث 1417.

159

و لو طلّق الأمة زوجها ثم بيعت، أكملت العدة و كفت عن الاستبراء على رأي. (1)

____________

بالاعتزال، لا سيما على القول بأنه إباحة لا نكاح، فإن الطلاق لا يجامع الإباحة فيقع لاغيا.

و الأصح الوقوع، و دليل الثاني ضعيف، و على ما اخترناه من كون هذا التزويج نكاحا فهو محسوب طلاقا، لوجود المقتضي و انتفاء المانع، و على أنه اباحة، فإن قلنا بوقوعه كان فسخا و إلّا كان لغوا.

قوله: (و لو طلّق الأمة زوجها ثم بيعت أكملت العدة و كفت عن الاستبراء على رأي).

(1) لو طلق الأمة زوجها بعد الدخول بها، سواء كان الزوج حرا أو عبدا، و سواء كانا مملوكين لواحد أو لمتعدد، ثم باع السيد الأمة فهل يكفي إكمال العدة عن استبراء المشتري؟ فيه قولان:

أحدهما:- و اختاره الشيخ في النهاية (1)، و ابن البراج (2)، و ابن إدريس (3)- إنه لا يكفي فيجب بعد العدة الاستبراء و لا تحل للمشتري بدونه، لأنهما حكمان مختلفان لمكلفين و لكل منهما سبب يقتضيه، فإسقاط أحدهما بالآخر يحتاج الى دليل.

و الثاني:- و اختاره المصنف في المختلف (4)- إنه يكفي، لأن الغرض من الاستبراء العلم ببراءة الرحم، و لهذا يكفي استبراء البائع لها بالنسبة إلى المشتري، و يسقط لو كانت أمة امرأة أو حائضا، و العدة أدل على ذلك، و لأنها بقضاء العدة

____________

(1) المبسوط 5: 269.

(2) المهذب 2: 333.

(3) السرائر: 315.

(4) المختلف: 572.

160

[الفصل الثالث: في الملك]

الفصل الثالث: في الملك، و فيه مطلبان:

[الأول: ملك الرقبة]

الأول: ملك الرقبة، و يجوز أن يطأ بملك اليمين ما شاء من غير حصر، (1)

____________

مستبرأة فلا يجب عليها استبراء آخر، و لأن وجوب الاستبراء بالبيع إنما هو من احتمال وطء البائع لغرض وطء المشتري، و كلاهما ممتنع في صورة النزاع، و هذا أصح.

و الظاهر عدم الفرق بين ما إذا طلقت ثم بيعت و عكسه و وقوعهما معا، و لو أن المصنف أتى بالواو عوض ثم في قوله: (ثم بيعت) لصحت العبارة للصور.

قوله: (الفصل الثالث: في الملك و فيه مطلبان:

الأول ملك الرقبة: و يجوز أن يطأ بملك اليمين ما شاء من غير حصر).

(1) تقدّم أن نكاح الإماء يستباح بأمرين: العقد و الملك، و قد سبق الكلام على العقد على الإماء مستوفى، و هذا الفصل لبيان أحكام النكاح بالملك، و لما كان دائرا بين ملك الرقبة و ملك المنفعة بيّن أحكامه في مطلبين و ابتدأ بملك الرقبة، لأنه الأصل في الباب.

و قد تطابق الأصل و الإجماع من كافة أهل الإسلام على جواز النكاح بملك اليمين، و نصوص الكتاب (1) و السنة (2) بذلك متواترة، و يؤيدها أن جميع منافع الأمة حق لسيدها، و من جملة المنافع البضع.

و كما أنه لا خلاف في حل الوطء بملك اليمين كذا لا خلاف في أن الموطوءات

____________

(1) النساء: 25.

(2) الكافي 5: 474 باب السراري و الإماء، الفقيه 3: 285 باب 141، التهذيب 8: 198 باب 9.

161

فإن زوّجها حرمت عليه حتى النظر إليها بشهوة، أو إلى ما يحرم على غير المالك إلى أن يطلّقها و تعتد إن كانت ذات عدة. (1)

____________

لا ينحصرن في عدد، بخلاف النكاح بالعقد. و يدل عليه قبل الإجماع قوله تعالى:

إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ (1) و كلمة (ما) من أدوات العموم فيتناول ما لا نهاية له، و لعل السر فيه قوة السلطنة بالملك، و خفة حقوق المملوكة، و كون استحقاق منافع البضع بالمالية معدودا من جملة الأموال، فلا يتطرق إليه ما يتطرق إلى النكاح بالعقد من محذور الميل و الحيف.

و لا يخفى أن هذا إنما هو في طرف الرجال، أما النساء فإن ملك اليمين فيهن ليس طريقا الى حل الوطء و لا النظر، و في رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة أمكنت نفسها من عبد لها فنكحها أن تضرب مائة سوط، و يضرب العبد خمسين جلدة و يباع بصغر منها» (2) الحديث.

و قد تقدّم الكلام في جواز نظر الخصي إلى مولاته أو مطلقا و عدمه.

قوله: (فإن زوجها حرمت عليه حتى النظر إليها بشهوة، أو إلى ما يحرم على غير المالك إلى أن يطلقها و تعتد إن كانت ذات عدة).

(1) إذا زوّج الرجل أمته حرم عليه جميع أنواع الاستمتاعات بها حتى النظر إليها بشهوة، و إن كان إلى وجهها و كفيها، و إن كان بغير شهوة، و حرم نظره الى ما يحرم على غير المالك منها دون غيره، لأنها بمنزلة الأجنبية.

فإن وجوه الاستمتاعات مملوكة للزوج فتحرم على غيره، لامتناع حل الاستمتاع لغير واحد، و لما رواه مسعدة بن زياد قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

____________

(1) النساء: 24.

(2) الكافي 5: 493 حديث 1، الفقيه 3: 289 حديث 1373، التهذيب 8: 206 حديث 727.

162

..........

____________

«يحرم من الإماء عشر: لا يجمع بين الام و البنت، و لا بين الأختين- إلى أن قال- و لا أمتك و لها زوج» (1) الحديث. و المراد أن المملوكة و لها زوج حرام، و إطلاق التحريم يتناول جميع وجوه الاستمتاع، لانتفاء المخصص، و لأن ذلك هو المتبادر من هذا اللفظ.

و سأل عبد الرحمن بن الحجاج أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزوّج مملوكته عبده، أ تقوم عليه كما كانت تقوم عليه فتراه منكشفا أو يراها على تلك الحال؟

فكره ذلك و قال: «قد منعني أبي أن أزوّج بعض خدمي غلامي لذلك» (2).

و الظاهر أن المراد كره التحريم، و ينبه عليه رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزوّج جاريته، هل يجوز له أن ترى عورته؟ قال:

«لا» (3)، و عمومها من حيث ترك الاستفصال تدل على ارادة التحريم هنا، و يبقى هذا التحريم إلى أن يخرج من النكاح بطلاق أو موت أو فسخ، و تقضي عدتها إن كان لها عدة، سواء كانت بائنة أو رجعية.

و روى عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

الرجل يبتاع الجارية و لها زوج، قال: «لا يحل لأحد أن يمسها حتى يطلقها زوجها الحر» (4).

و لا شبهة أن الموت و الفسخ كالطلاق، و انقضاء العدة معتبر، للإجماع، و لأنها من توابع النكاح، فإنها لاستعلام براءة الرحم من الحمل، و موردها و ان كان زوجة الحر إلّا أن زوجة العبد كذلك اتفاقا.

____________

(1) الفقيه 3: 286 حديث 1360، التهذيب 8: 198 حديث 695.

(2) الكافي 5: 480 حديث 3، الفقيه 3: 302 حديث 1447، التهذيب 8: 199 حديث 698.

(3) الكافي 5: 555 حديث 7، التهذيب 8: 208 حديث 736.

(4) التهذيب 8: 199 حديث 701، الاستبصار 3: 208 حديث 754.

163

..........

____________

و هي منزلة على ما إذا أجاز المشتري النكاح، لرواية عبد اللّه بن اللحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد سأله عن الرجل يشتري امرأة الرجل من أهل الشرك يتخذها قال: «لا بأس» (1) فإن الظاهر أن المسؤل عنه قوله: (يتخذها) هو الوطء و لا يكون ذلك إلّا مع الفسخ، و المراد بالمس في الرواية الاولى هو الوطء، لكن لا فارق بينه و بين غيره من وجوه الاستمتاع.

و أراد المصنف بقوله: (أو إلى ما يحرم على غير المالك) أن ما لا يحرم على غيره النظر إليه منها كالوجه و الكفين بغير شهوة لا يحرم عليه نظره بغير شهوة، أما معها فيحرم. و الحاصل أنها بالتزويج تصير في الاستمتاعات كلها كالأجنبية، لأنها صارت حقا لغيره، و هذا حكم ما إذا زوجها.

أما إذا أحل المملوكة لغيره فلم يتعرض المصنف إلى حكمها، و ينبغي أن تكون في جميع الاستمتاعات كالمزوجة، لأن الاحتياط في الفروج أشد من تجويز شيء من الاستمتاعات لغير واحد. و في رواية عبد الرحمن بن الحجاج (2) ما ينبّه على ذلك، فإن تزويج السيد أمته من عبده دائر بين كونه نكاحا أو اباحة، و الموطوءة بالشبهة لا شبهة في تحريم وطئها، و ما جرى مجراه ما دامت في العدة و في غيره تردد.

و كذا وطء المستبرأة زمان الاستبراء، أما مقدمات الوطء فلا يحرم، و هو في صحيحة محمد بن إسماعيل عن أبي الحسن (عليه السلام): في الأمة المبتاعة تحل للمشتري ملامستها؟ قال: «نعم و لا يقرب فرجها» (3) و الفرج شامل للقبل و الدبر، و به صرّح في الدروس في كتاب البيع (4)، و هذا في المبتاعة.

____________

(1) التهذيب 8: 200 حديث 702، الاستبصار 3: 83 حديث 280.

(2) الكافي 5: 480 حديث 3، الفقيه 3: 302 حديث 1447، التهذيب 8: 199 حديث 698.

(3) التهذيب 8: 173 حديث 605، الاستبصار 3: 360 حديث 1291.

(4) الدروس: 347.

164

و ليس لمولاها فسخ العقد إلّا أن يبيعها فيتخيّر المشتري. (1)

و له الجمع بين الأمة و بنتها في الملك دون الوطء، و كذا بين الأختين، فإن وطأ إحداهما حرمت الأم أو البنت مؤبدا أو الأخت جمعا، فإن أخرج الموطوءة و لو بعقد متزلزل حلّت أختها، (2)

____________

أما غيرها ففي قصر التحريم على الوطء و تعميمه في وجوه الاستمتاعات نظر.

قوله: (و ليس لمولاها فسخ العقد إلّا أن يبيعها فيتخيّر المشتري).

(1) إنما يستقيم هذا إذا كان الزوج حرا أو مملوكا لغير سيدها، فإن كان مملوك السيد فإنّ الفسخ بيده كما تقدم بيانه، فإذا باعها و الحالة هذه فإن الخيار لكل من البائع و المشتري كما سبق.

فإن قيل: إذا باع السيد الأمة المزوجة و الزوج مملوك لغيره ثبت فسخ النكاح لكل من البائع و المشتري و لمولى الزوج، فيكون قوله: (فيتخير المشتري) قاصرا، فإن المفهوم منه أن الخيار للمشتري خاصة.

قلنا: هذا المفهوم هو المراد و لا قصور فيه، لأن الاستثناء من قوله: (و ليس لمولاها فسخ العقد) و لا تعرض فيه إلى مولى العبد بنفي و لا إثبات، و لما كان الاستثناء موهما ثبوت الخيار لمولاها البائع بيّن اختصاصه لمولاها المشتري.

قوله: (و له الجمع بين الأمة و بنتها في الملك دون الوطء، و كذا بين الأختين، فإن وطأ إحداهما حرمت الام و البنت مؤبدا و الأخت جمعا، فإن أخرج الموطوءة و لو بعقد متزلزل حلت أختها).

(2) لما كان جانب الملك مغلبا في المملوكة و الوطء تابع جاز الجمع بين الأمة و بنتها في الملك إذ ليس ثم إلّا المالية و هي متحققة فيهما، أما الوطء فلا، لوجود المنافي. و كذا القول في الأختين سواء، فإن وطأ واحدة من الام و البنت و من الأختين حرمت الأخرى قطعا، فإن الأم و البنت أيهما وطأ حرمت عليه الأخرى بعينها مؤبدا، و أما

165

و لكل من الأب و الابن تملّك موطوءة الآخر لا وطؤها. (1)

و لا تحل المشتركة على الشريك إلّا بإباحة صاحبه لا بالعقد، و تحل لغيرهما بهما مع اتحاد السبب. (2) و لو أجاز المشتري للأمة النكاح لم يكن له الفسخ، و كذا لو علم و سكت. (3)

____________

الأختان فإن وطء إحداهما يوجب تحريم الأخرى جمعا لا عينا.

و معناه إنه ما دامت الموطوءة في ملكه يحرم عليه وطء الأخرى فإذا أخرج الموطوءة عنه و لو بعقد متزلزل كالبيع بخيار حلت الأخرى، لأن تزلزل العقد لا يمنع نقل الملك، و متى خرجت عن ملكه انتفى المانع.

و قد سبق في كلام المصنف في التحريم غير المؤبد في الحل بذلك اشكال، و كذا في تزويجها و رهنها، و بيّنا حكمه مستوفى.

قوله: (و لكل من الأب و الابن تملّك موطوءة الآخر لا وطؤها).

(1) لأن المقصود الأصلي في التملك المالية، و الوطء تابع كسائر المنافع.

قوله: (و لا تحل المشتركة على الشريك إلّا بإباحة صاحبه لا بالعقد، و يحل لغيرهما بهما مع اتحاد السبب).

(2) قد تقدّم تحقيق ذلك مستوفى، و قد جزم المصنف هنا بحل المشتركة بإباحة الشريك، و لم يرجّح فيما سبق واحدا من القولين، و قد بيّنا أن الأصح عدم الحل.

قوله: (و لو أجاز المشتري للأمة النكاح لم يكن له الفسخ و كذا لو علم و سكت).

(3) لا ريب أن المشتري إذا أجاز النكاح صار العقد لازما فامتنع فسخه، و كذا لو علم بالخيار و سكت فإن خياره يسقط، لأنه فوري على ما سبق، و كذا حكم مالك الزوج سواء كان هو البائع أو غيره.

166

و لو فسخ فلا عدة و إن دخل، بل يستبرئها بحيضة، أو بخمسة و أربعين يوما إن كانت من ذوات الحيض و لم تحض.

و لا يحل له وطؤها قبل الاستبراء، (1)

____________

قوله: (و لو فسخ فلا عدة و إن دخل، بل يستبرئها بحيضة أو بخمسة و أربعين يوما إن كانت من ذوات الحيض و لم تحض، و لا يحل له وطؤها قبل الاستبراء).

(1) أي: لو فسخ مشتري الأمة النكاح لم يجب للأمة عدة على أحد القولين، سواء دخل الزوج أم لا، بل يجب الاستبراء مع الدخول بحيضة واحدة، لأنه لا بد من العلم ببراءة الرحم من الحمل و الحيضة كافية في ذلك و لرواية الحسن بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «نادى منادي رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) في الناس يوم أوطاس أن استبرؤا سباياكم بحيضة» (1).

و لا شك أن فيهن من كانت مزوجة، فإن كانت من ذوات الحيض، أي في سن الحيض غير يائسة و لا صغيرة و لم تحض فاستبراؤها بخمسة و أربعين يوما، روى ذلك عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل الذي يشتري الجارية التي لم تبلغ المحيض و إذا قعدت عن المحيض ما عدتها، و ما يحل للرجل من الأمة حتى يستبرئها قبل أن تحيض؟ قال: «إذا قعدت من المحيض أو لم تحض فلا عدة له، و التي تحيض فلا يقربها حتى تحيض و تطهر فإذا كانت الجارية في سن من تحيض تستبرئ بخمسة و أربعين يوما» (2).

و الحاصل أن متى حصل الحيض أو مر خمسة و أربعون يوما بيضا فقد تحقق

____________

(1) التهذيب 8: 176 حديث 615.

(2) التهذيب 8: 172 حديث 598، الاستبصار 3: 357 حديث 1281.

167

و كذا كل من ملك أمة بأي وجه كان حرم عليه وطؤها قبل استبرائها، إلّا أن تكون يائسة أو حائضا على رأي ظاهرا لا من خصص حيضها بالتخيير، (1)

____________

الاستبراء و حل الوطء، و بدونه يحرم و قيل: تجب العدة (1)، لأن مناط الاستبراء انتقال المملوكة التي لا زوج لها فإن الأخبار دالة على أن الاستبراء لاحتمال وطء البائع، و لهذا لو أخبر بعدم الوطء و كان أمينا قبل.

و لو كان امرأة لم يجب الاستبراء، و سيأتي في خبر ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2) ما يدل على ذلك.

و لا ريب في أن وطأه مع الزوجة منتف فلا استبراء منه، و وطء الزوج في النكاح الدائم حقه أن تجب به العدة، و لهذا يجب مع الطلاق فيجب مع الفسخ و هو قوي، و سيأتي في كلام المصنف في العدة ترجيح هذا.

و لو بلغت سن اليأس الذي تقدّم تحديده في أول الكتاب، أو لم تبلغ تسع سنين جاز وطؤها من غير استبراء لكن بعد بلوغ التسع.

قوله: (و كذا كل من ملك أمة مزوجة بأي وجه كان حرم عليه وطؤها قبل استبرائها، إلّا أن تكون يائسة أو حائضا- على رأي- ظاهرا، لا من خصص حيضها بالتخيير).

(1) أي: و كالذي فسخ نكاح الأمة المزوجة بالشراء كل من ملك أمة بأي وجه كان من هبة، أو إرث أو صلح أو قرض أو غير ذلك، و وجه التشبيه تحريم وطؤها عليه قبل استبرائها، إلّا أن تكون يائسة أو حائضا على رأي.

و يعتبر في استبرائها بحيضة أن يكون حيضها ظاهرا، أي: مقطوعا به، لا من

____________

(1) قاله ابن إدريس في السرائر: 315.

(2) الكافي 5: 473 حديث 7، التهذيب 8: 172 حديث 601، الاستبصار 3: 358 حديث 1285.

168

..........

____________

خصص بتخيرها كذاكرة العدد الناسية للوقت، و المتحيرة إذا رجعت الى الروايات، و مثلها الراجعة إلى عادة نسائها و أقرانها، و ذات التمييز إذا لم تتيقن الحيض، فهنا مباحث:

الأول: إن الاستبراء كما يجب على من ملك بالشراء، كذا يجب على من ملك بغيره من الأسباب الناقلة للملك، و لا مخالف لذلك من أجلاء الأصحاب، إلّا ابن إدريس مستندا في ذلك إلى الأصل، و إن النص إنما ورد على المشتري (1)، و هو ضعيف فإن المقتضي و هو استفراغ الرحم موجود و خوف ضياع النسب حاصل، و الاحتياط في الفروج أشد من ذلك.

الثاني: اليائسة لا يجب استبراؤها، لانتفاء المقتضي في حقها، و كذا الصغيرة.

و قد سبق في الرواية ما ينبه على ذلك، و لم يذكر المصنف الصغيرة هنا، و لعله نبه بذكر اليائسة على حكمها لاشتراكهما في المقتضي.

الثالث: إذا ملك الأمة حائضا، سواء كان بشراء أو غيره، لم يجب الاستبراء و اكتفى بتلك الحيضة، ذهب إلى ذلك الشيخ في النهاية (2)، و أكثر الأصحاب (3) و منهم المصنف، و هو الأصح، لأن الغرض علم براءة الرحم و هو حاصل بذلك. و لصحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اشترى جارية و هي حائض قال: «إذا طهرت فليمسها إن شاء» (4).

و في مقطوعة سماعة قال: سألته عن رجل اشترى جارية و هي طامث ا يستبرئ

____________

(1) السرائر: 315.

(2) النهاية: 496.

(3) منهم ابن البراج في المهذب 2: 246، و ابن حمزة في الوسيلة: 364، و المحقق في الشرائع 2: 315.

(4) الكافي 5: 473 حديث 6، التهذيب 8: 171 حديث 595، الاستبصار 3: 357 حديث 1278.

169

..........

____________

رحمها بحيضة أخرى أم تكفيه هذه الحيضة؟ قال: «لا بل تكفيه هذه الحيضة» (1) و هي نص في ذلك.

و قال ابن إدريس: لا بد من استبرائها (2)، لعموم الأمر بالاستبراء، و في رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إن الذين يشترون الإماء ثم يأتونهن قبل أن يستبرؤهن فأولئك الزناة بأموالهم» (3).

و الجواب المخصص موجود و قد ذكرناه، و الرواية معارضة بأقوى منها فتحمل على الكراهية.

الرابع: الاستبراء في موضع وجوبه إنما يكون بحيضة، و حكى المصنف في المختلف عن ابن إدريس بأن الأمة المبتاعة و هي حائض تستبرأ بقرءين (4). و في رواية عن الرضا (عليه السلام): «أن الاستبراء فيها بحيضتين» (5)، و هي على الاستحباب.

و المذهب الاكتفاء بحيضة واحدة في موضع الوجوب، و الأخبار في ذلك مستفيضة و عليه كافة الأصحاب.

الخامس: لا بد في هذه الحيضة من القطع بكون الدم حيضا، فلا يكفي الحكم بالحيض في ظاهر الحال استنادا الى مجرد تخصيص المرأة أيام حيضها بزمان مخصوص، كما لو استقرت عادتها عددا خاصة ثم استمر الدم، أو نسيت ذات العادة وقتها و ذكرت عددها و كان الدم مستمرا بحيث لا تعلم الحيض في زمان دون آخر، فأمرت شرعا بتخصيص ذلك العدد بزمان مستندة في ذلك الى اختيارها.

____________

(1) الكافي 5: 473 حديث 8، التهذيب 8: 174 حديث 606، الاستبصار 3: 359 حديث 1286.

(2) السرائر: 315.

(3) الفقيه 3: 282 حديث 1346، التهذيب 8: 212 حديث 759.

(4) المختلف: 571، السرائر 315.

(5) التهذيب 8: 171 حديث 594، الاستبصار 3: 359 حديث 1287.

170

..........

____________

و مثله المبتدئة إذا استمر بها الدم فحصل لها تمييز و ردّت إلى عادة نسائها أو أقرانها في محله أو رجعت إلى الروايات مع عدمه، سواء طابق ذلك تميز أو لا و كذا في التي قبلها.

و المتحيرة إذا رجعت إلى الروايات كذلك، و وجه عدم الاكتفاء بالحيض في هذه الصورة أن الغرض منه العلم ببراءة الرحم، و إنما يتحقق ذلك مع وجود الحيض بحسب نفس الأمر.

أما الدم الذي لم يدل دليل على كونه حيضا، و إنما حكم به للضرورة، حذرا من لزوم الحرج بالاحتياط في جميع الزمان فإنه لا يفيد ذلك، فيبقى معه احتمال الحمل كما كان.

و من ثم حكم للتي حيضها غير مستقيم في العدة بالأشهر، و إلى هذا أشار المصنف بقوله: (ظاهرا) فإنه يريد به كون الحيض ظاهرا بيّنا، فعلى هذا تستبرئ هذه بشهر واحد، لأن الشهر بدل الحيض فيمن ليست مستقيمة الحيض.

و يحتمل بخمسة و أربعين يوما إلحاقا لها بمن لا حيض لها، و يحتمل تربصها زمانا يقطع بحصول الحيض فيه، كما لو أضلت عادتها في شهر مثلا فإنها تتربص شهرا، و مع انتفائه بخمسة و أربعين يوما، و هذا لا بأس به.

و يمكن أن لا يريد المصنف بقوله: (ظاهرا) كون الحيض بيّنا مقطوعا به، بل يريد به كونه راجحا، لوجود علامة تدل عليه شرعا، فإن ذلك هو المتعارف من معنى الظاهر، و ذلك كما في ذات التمييز، لا سيما إذا طابق تميزها عدد العادة، أو ما رجعت إليه المتحيرة و نحوها من الروايات.

و كذا المبتدئة إذا رجعت إلى عادة النساء و الأقران، خصوصا إذا تأكد بمطابقة التمييز. و وجهه وجود العلامة الشرعية الدالة على تحقق الحيض في نفس الأمر، و مثل ذلك كاف في التحقق.

171

أو حاملا، أو لامرأة على رأي، أو لعدل أخبر باستبرائها، أو أعتقها مع جهل وطء محترم، و الاستبراء أفضل.

و لو أعتقها بعد وطئها حرمت على غيره، إلّا بعد عدة الطلاق.

____________

و لو اعتبر تطرق الاحتمال لقدح في حيض ذات العادة، و لكان الدم الذي يمكن أن يكون حيضا في غير زمان العادة غير كاف في الاستبراء، و ليس بشيء. و هذا أقوى، و سيأتي في العدد إن شاء اللّه الاكتفاء في العدة بالتمييز و بعادة النساء فهنا أولى.

و في كلام شيخنا الشهيد الاكتفاء بما حكم بكونه حيضا في جميع هذه المواضع، و ما قدمناه أظهر.

إذا عرفت هذا فاعلم أن قول المصنف: (إلّا أن تكون يائسة.) استثناء مما قبله من قوله: (بل يستبرئها بحيضة أو بخمسة و أربعين يوما.).

و لا يحل له وطؤها قبل الاستبراء و كذا كل من ملك إلى أخره.

و قوله: (أو حائضا أو حاملا، أو لامرأة، أو لعدل أو أعتقها) كله في حيّز إلّا.

و قوله: (ظاهرا لا من خصص حيضها بالتخيير) لا شك في أنه اعتراض إلّا أن حقه أن يكون عند قوله: (بل يستبرئها بحيضة) ليكون تنقيحا للمراد من الحيضة.

و ذكرها هنا غير مستحسن، لأنه إن كان بيانا للمراد من الحيض فهو اعتراض مستقبح في غير محله، و إن كان بيانا للمراد من قوله: (أو حائضا) فأبعد و أشد. و كيف كان فهو صفة لمصدر محذوف، و كذا عامله محذوف يدل عليه قوله: (بل يستبرئها بحيضة) و تقديره: و يستبرء بها بأن تحيض حيضة حيضا ظاهرا.

و قد أفاد حكم بقية المستثنيات، بقوله: (أو حاملا، أو لامرأة على رأي، أو لعدل أخبر باستبرائها، أو أعتقها مع جهل وطء محترم، و الاستبراء أفضل، و لو أعتقها بعد وطئها حرمت على غيره إلّا بعد عدة الطلاق).

172

..........

____________

فهنا مسائل:

الأولى: إذا اشترى الأمة و هي حامل لا استبراء لها، بل إن كان الحمل محترما لم يطأها حتى تضع، و إن كان من زنا فحتى تمضي أربعة أشهر و عشرة أيام، و قد اختلفت في ذلك الأخبار و كلام الأصحاب، و المحصل ما قلناه، و قد ذكرنا الكلام فيه في بيع الحيوان.

الثانية: إذا اشترى الأمة من امرأة ففي وجوب الاستبراء قولان:

أحدهما:- و اختاره الشيخ (1) و أكثر الأصحاب (2)- أنه لا يجب، و هو الأصح، لرواية ابن أبي عمير عن حفص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الأمة تكون للمرأة فتبعيها قال: «لا بأس بأن يطأها من غير أن يستبرئها» (3).

و لرواية زرارة قال: اشتريت جارية بالبصرة من امرأة فخبرتني أنه لم يطأها أحد، فوقعت عليها و لم استبرأها، فسألت عن ذلك أبا جعفر (عليه السلام) فقال: «هو ذا أنا قد فعلت ذلك و ما أريد أن أعود» (4)، و غير ذلك من الأخبار (5).

و الثاني:- و اختاره ابن اديس- الوجوب (6)، لعموم الأمر بالاستبراء المتناول لصورة النزاع، و رواية عبد اللّه بن سنان (7) السالفة تدل على ذلك. و يجاب بأن الخاص مقدّم و الشهرة بين الأصحاب مؤيدة، نعم يكره الوطء قبله احتياطا للفروج، و رواية زرارة تشهد له.

____________

(1) النهاية: 495.

(2) منهم ابن البراج في المهذب 2: 245، و ابن حمزة في الوسيلة: 364.

(3) التهذيب 8: 174 حديث 608، الاستبصار 3: 360 حديث 1293.

(4) التهذيب 8: 174 حديث 609، الاستبصار 3: 361 حديث 1294.

(5) التهذيب 8: 174 حديث 607، الاستبصار 3: 360 حديث 1292.

(6) السرائر: 315.

(7) الفقيه 3: 282 حديث 1346، التهذيب 8: 212 حديث 759.

173

..........

____________

الثالثة: لو اشترى الأمة من عدل و أخبره باستبرائها فقولان كالتي قبلها، و أوجبه ابن إدريس (1).

لنا أن شهادة العدل مثمرة للظن القوي، و قد اكتفى الشارع بها في كثير من الشرعيات، خصوصا إذا أخبر عما بيده و ما في ملكه فجاز التعويل عليها، و لصحيحة ابن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشتري الجارية لم تحض قال: «يعتزلها شهرا إن كانت قد مست» قلت: أ فرأيت ان ابتاعها و هي طاهر زعم صاحبها أنه لم يطأها منذ طهرت قال: «إن كان عندك أمينا فمسها» (2) الحديث.

و مثلها رواية محمد بن حكيم عن العبد الصالح (3)، و رواية حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4).

احتج ابن إدريس وراء عموم الأمر بالاستبراء برواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): اشتري الجارية من الرجل المأمون فيخبرني أنه لم يمسها و قد طمثت عنده و قد طهرت فقال: «ليس بجائز أن تأتيها حتى تستبرئها بحيضة، و لكن يجوز ذلك ما دون الفرج، ان الذين يشترون الإماء ثم يأتونهن قبل أن يستبرؤهن فأولئك الزناة بأموالهم» (5).

و جوابه الحمل على الكراهة جمعا بين الأخبار.

الرابعة: إذا اشترى الأمة فأعتقها جاز له العقد عليها قبل أن يستبرئها إذا لم يعلم كونها موطوءة وطء محترما، و احترز بالوطء المحترم عن الزنا فإنه لا حرمة له و لا اعتبار به، و لو كانت سرية فكذلك بطريق أولى.

____________

(1) السرائر: 315.

(2) الكافي 5: 473 حديث 4، التهذيب 8: 172 حديث 601، الاستبصار 3: 358 حديث 1285.

(3) التهذيب 8: 173 حديث 602، الاستبصار 3: 359 حديث 1288.

(4) التهذيب 8: 173 حديث 603، الاستبصار 3: 359 حديث 1289.

(5) الفقيه 3: 282 حديث 1346، التهذيب 8: 212 حديث 759.

174

..........

____________

و أوجب بعض العامة الاستبراء هنا (1)، و ليس بشيء، يدلّك على ذلك وراء الإجماع ان الاستبراء إنما يثبت وجوبه في المملوكة، و قد خرجت بالعتق عن كونها مملوكة.

لا يقال: قد وجب استبراؤها بالشراء و الأصل بقاؤه.

لأنا نقول: لما أعتقها خرجت عن ملكه و صارت أجنبية بالنسبة إليه، نسبتها اليه و الى غيره سواء فسقط الحكم الأول، و إذا أراد إنشاء النكاح كانت كغيرها من الأجنبيات اللاتي لم يعلم لهن وطء محترم.

و لما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): في الرجل يشتري الجارية فيعتقها ثم يتزوجها، هل يقع عليها قبل أن يستبرئ رحمها؟ قال: «يستبرئ بحيضة» قلت: فإن وقع عليها؟ قال: «لا بأس» (2).

و مثله روى عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3)، و كذا أبو العباس البقباق عنه (عليه السلام) (4). و الأفضل الاستبراء، لقوله (عليه السلام) في رواية أبي العباس هذه، و رواية ابن ابي يعفور قوله: «أن يفعل، و إن لم يفعل، فلا بأس» (5)، و معنى قوله: «أن يفعل» أي حقه أن يفعل.

و يدل على حكم السرية ما رواه زرارة قال: سألته يعني- أبا عبد اللّه (عليه السلام)- عن رجل أعتق سرية، إله أن يتزوجها بغير عدة؟ قال: «نعم»، قلت: فغيره؟

قال: «لا حتى تعتد بثلاثة أشهر» (6)، و مثله روى الحسن عنه (عليه السلام) (7).

____________

(1) قاله الشافعي و احمد. المغني لابن قدامة 9: 175، و الشرح الكبير معه 9: 176.

(2) التهذيب 8: 175 حديث 612، الاستبصار 3: 361 حديث 1295.

(3) التهذيب 8: 175 حديث 613، الاستبصار 3: 361 حديث 1296.

(4) التهذيب 8: 175 حديث 614، الاستبصار 3: 361 حديث 1297.

(5) التهذيب 8: 171 حديث 597، الاستبصار 3: 357 حديث 1280.

(6) التهذيب 8: 175 حديث 611.

(7) التهذيب 8: 175 حديث 610.

175

..........

____________

و لا ريب أن الثلاثة الأشهر إنما تكفي مع تعذر الأقراء، أو أنها كناية عن الأقراء إلّا أنها غالبا لا تكون في أقل من ثلاثة أشهر، و هذا هو المراد من قول المصنف: (عدة الطلاق).

و اعلم أنه لو علم أن الأمة المبتاعة موطوءة وطءا محترما من نحو زوج فسخ نكاحه، أو من المولى فأعتقها لم يجز له تزويجها إلّا بعد الاستبراء، و تكفي الحيضة، لأن في رواية محمد بن مسلم استحباب الاستبراء بحيضة مع جهل الوطء، فلو لا أن تكفي مع العلم به لم يكن لاستحبابها معنى.، فإن الغرض منها يقين براءة الرحم، لاحتمال الوطء، و لأن ذلك كاف قبل العتق فكذا بعده عملا بالاستصحاب، و سيأتي في كلام المصنف في باب العدد ما يدل على ذلك.

فرعان:

الأول: لو اشترى الأمة و سيدها صغير أو عنين أو مجبوب، ففي كونها كأمه المرأة في سقوط الاستبراء قول للشيخ (1)، يومئ اليه أن النصوص دالة على أن مدار الاستبراء إمكان وطء البائع وجودا و عدما.

و يومئ إلى ذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان و قد قال له: أفرأيت إن ابتاعها و هي طاهر، ثم زعم صاحبها أنه لم يطأها منذ طهرت: «إن كان عندك أمينا فمسّها» (2) فإنه لم يدل على أن المنظور إليه عدم وطء البائع. و أما احتمال وطء غيره فانتفاؤه يكفي فيه أصالة العدم، و لا ريب في انتفاء الوطء عن العنين و المجبوب و كذا الصغير.

الثاني: لو أراد تزويج الأمة المبتاعة، فإن كان البائع قد وطأها فلا بد من

____________

(1) المبسوط 5: 286.

(2) الكافي 5: 473 حديث 4، التهذيب 8: 172 حديث 601، الاستبصار 3: 358 حديث 1285.

176

و يجوز ابتياع ذوات الأزواج من أهل الحرب و بناتهم، و ما يسبيه أهل الضلال منهم. (1)

____________

الاستبراء، و إن لم يكن وطؤها معلوما فالمتجه الجواز بدون الاستبراء تمسكا بأصالة البراءة، و لأن الاستبراء تابع لانتقال الملك و هو منتف هنا، و لأن المشتري إذا أعتقها جاز أن يزوجها غيره بغير استبراء فقبل العتق كذلك، لاستواء الحالين في انتفاء المقتضي للاستبراء.

فإن طلقها الزوج قبل الدخول في هذه الصورة احتمل جواز وطء البائع إياها بغير استبراء، لسقوطه بالتزويج، و انتفاء غيره بالطلاق قبل المسيس.

قوله: (و يجوز ابتياع ذوات الأزواج من أهل الحرب و بناتهم، و ما يسبيه أهل الضلال منهم).

(1) لا خلاف بين علمائنا في أنه يجوز للمسلم أن يشتري المرأة المزوجة من أهل الحرب و لو من زوجها، و كذا يجوز أن يشتري بناتهم و أبناءهم فيصيرون ملكا له و إن كان البائع الأب و نحوه، و يترتب على هذا الملك أحكامه التي من جملتها وطء الجارية بملك اليمين.

و وجهه: أنّ أهل الحرب في للمسلمين يملكون بمجرّد الاستيلاء عليهم، فإذا توسط البيع كان آكد في ثبوت الملك، نعم في صورة بيع القريب قريبه الذي حقه أن ينعتق عليه إشكال تقدّم ذكره في البيع، و نقّحه المصنّف بصرف البيع الى الاستنقاذ فلا يلحقه أحكامه من طرف المشتري.

و روى عبد اللّه اللّحام قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشتري أمة الرجل من أهل الشرك يتخذها، قال: «لا بأس» (1).

____________

(1) التهذيب 8: 200 حديث 702، الاستبصار 3: 83 حديث 280.

177

..........

____________

و كذا يجوز ابتياع ما يسبيه أهل الضلال من أهل الحرب و إن كان جميع ذلك أو بعضه للإمام (عليه السلام).

و يحل الوطء و غيره بهذا الشراء، و الأخبار بالإذن في ذلك من أئمّة الهدى (عليهم السلام) متواترة (1) و قد سبق بيان هذا في الخمس.

____________

(1) التهذيب 8: 200 حديث 702- 705، الاستبصار 3: 83 حديث 281.

178

[المطلب الثاني: ملك المنفعة]

المطلب الثاني: ملك المنفعة:

يجوز إباحة الأمة للغير بشروط: كون المحلل مالكا للرقبة، جائز التصرف، و كون الأمة مباحة بالنسبة إلى من حلّلت عليه.

فلو أباح المسلمة للكافر لم تحل، و كذا المؤمنة للمخالف.

و يجوز العكس، إلّا الوثنية على المسلم، و الناصبية على المؤمن.

و لو كانت ذات بعل أو عدة لم يحل تحليلها (1)

____________

قوله: (المطلب الثاني: ملك المنفعة: يجوز إباحة الأمة للغير بشروط:

كون المحلل مالكا للرقبة، جائز التصرف، و كون الأمة مباحة بالنسبة إلى من حلّلت عليه، فلو أباح المسلمة للكافر لم تحل، و كذا المؤمنة للمخالف، و يجوز العكس، إلّا الوثنية على المسلم، و الناصبة على المؤمن، و لو كانت ذات بعل أو عدة لم يحلّ تحليلها).

(1) هذا هو القسم الثاني من قسمي النكاح بالملك، و هو ملك المنفعة، و ذلك تحليل المولى وطء أمته لغيره، و في حكمه تحليل مقدمات الوطء، و المشهور بين علمائنا حل ذلك، و قد تواترت به الأخبار عن أهل البيت (عليهم السلام) (1) على وجه لا سبيل إلى إنكاره.

و نقل الشيخ في المبسوط (2)، و ابن إدريس (3) قولا نادرا لبعض الأصحاب بالمنع.

لنا عموم قوله تعالى أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ (4) و هو يتناول ملك المنفعة كما

____________

(1) الكافي 5: 468 باب الرجل يحل جاريته لأخيه، التهذيب 7: 241 حديث 1052- 1064، الاستبصار 3: 135 باب 89.

(2) 3: 74.

(3) السرائر: 313.

(4) النساء: 3.

179

..........

____________

يتناول ملك الرقبة.

لا يقال: لو كان هذا العموم حقا لجاز هذا الوطء بكل طريق مثمر لملك المنفعة.

لأنا نقول: لا شك أن منفعة البضع ليست على نهج سائر المنافع، فلا بد لتملكها- بحيث يترتب عليه حل الوطء- من قانون مستفاد من الشرع بالتلقي عن أهل البيت (عليهم السلام)، هم معادن العلم و حفظة الشرع، و قد نهجوا لذلك نهجا فيجب الاقتصار عليه، فيكون الحجة في الآية تناول عمومها لملك المنفعة في الجملة.

و السنة كافلة ببيان ذلك على وجهه، و رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل يحل لأخيه فرج جاريته، قال: «هي حلال ما أحل منها» (1).

و صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة أحلت لابنها فرج جاريتها، قال: «هو له حلال»، قلت: أ فيحل له ثمنها؟ قال: «لا إنما يحل له ما أحلت له» (2).

و صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة أحلت لي جاريتها فقال: «ذلك لك»، قلت: فإنها كانت تمزح، فقال: «كيف لك بما في قلبها فإن علمت انها تمزح فلا» (3).

احتج المانع بعموم قوله تعالى فَمَنِ ابْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ (4)، و هذا خارج عن مسمّى الأزواج و المملوكات فيدخل تحت العدوان.

و لصحيحة الحسين بن علي بن يقطين قال: سألته عن الرجل يحل فرج جاريته

____________

(1) التهذيب 7: 241 حديث 1052، الاستبصار 3: 135 حديث 485.

(2) الكافي 5: 468 حديث 6، التهذيب 7: 242 حديث 1056، الاستبصار 3: 136 حديث 1489.

(3) الكافي 5: 469 حديث 8، التهذيب 7: 242 حديث 1058، الاستبصار 3: 136 حديث 491.

(4) المؤمنون: 7.

180

..........

____________

قال: «لا أحب ذلك» (1).

و رواية عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام): في المرأة تقول لزوجها:

جاريتي لك، قال: «لا يحل له فرجها إلّا أن تبعية أو تهبه له» (2).

و جوابه: قد بيّنا شمول ملك اليمين المتنازع فلم يدخل تحت العدوان، و الرواية الأولى مقطوعة و لا تدل على المنع، و الثانية مع ضعف سندها لا دلالة لها على محل النزاع، لأن المسؤول عنه خال من صيغة التحليل.

فإن قيل: الحجة في قوله: (إلّا أن تبعية أو تهبه له).

قلنا: لا شك أنه لا يرد من ذلك الحصر مطلقا، فإن طريق الملك لا ينحصر في البيع و الهبة قطعا، بل المراد الحصر بالإضافة إلى المسؤول عنه، فكأنه (عليه السلام) قال: لا بد من طريق مملك، و هو مفقود في المسؤول عنه.

إذا تقرر ذلك فلهذه الإباحة شروط أربعة:

الأول و الثاني: كون المحلل مالكا للرقبة و لا اعتبار بتحليل غير المالك لتحريم مال الغير بغير اذنه. و هل يقع لاغيا، أم ينفذ مع اجازة المالك؟ فيه وجهان، و لا يبعد ابتناؤهما على كون التحليل عقدا أو إباحة.

فعلى الأول ينفذ معها كما في غيره من عقود الأنكحة، بخلاف الثاني، لانتفاء الدليل على اعتبار الإباحة من غير المالك. نعم لو كان غير المالك وكيلا له اعتبر تحليله، لأنه فعل يدخله النيابة.

و هل يعتبر تحليل الولي مع الغبطة، كما لو خاف على أمة الطفل الزنا و لم يوجد راغب في نكاحها، أو كان منافيا لخدمة الطفل؟ الظاهر نعم مع احتمال المنع، لأنه إتلاف محض، فلا بد من كون المالك جائز التصرف ليقع تحليله معتبرا، فلا اعتبار

____________

(1) التهذيب 7: 243 حديث 1059، الاستبصار 3: 137 حديث 492.

(2) التهذيب 7: 243 حديث 1061، الاستبصار 3: 137 حديث 494.

181

..........

____________

بتحليل الصبي و لا المجنون للحجر عليهما مطلقا، و لا السفيه و لا المفلّس للحجر عليهما في التصرفات المتعلقة بالأموال.

الثالث: كون الأمة مباحة بالنسبة إلى من حلت عليه، و قد سبق معرفة المحرمات بالنسب و الرضاع و المصاهرة و غير ذلك فلا حاجة الى إعادتها.

و خصّ المصنف بالذكر من قد يخفى حكمه، فمن ذلك المسلمة فإنها لا تحل على الكافر بجميع أنواعه اتفاقا، و دلائل المنع في الكتاب و السنة كثيرة، و قد سبق جملة منها، و من ذلك المؤمنة فإنها لا تحل على المخالف بجميع أنواعه على المختار بين محققي الأصحاب.

و قد تقدّم جملة من الأخبار الدالة على ذلك، مثل قوله (عليه السلام): «العارفة لا توضع إلّا عند عارف (1)، و للإجماع المركب، فإن كل من منع تزويج المخالف منع من تحليل المؤمنة له، و من لا فلا، و قد بيّنا المنع من تزويجه سابقا، فيثبت المنع هنا بحكم الإجماع.

أما العكس و هو تحليل الكافرة للمسلم و المخالفة للمؤمن فإنه جائز، لأن هذا في الحقيقة راجع الى ملك اليمين، و هو جائز بالنسبة إليهما.

و لا يستثني من الكافرة إلّا الوثنية، لما تقدّم من الدلائل الدالة على المنع من وطئها بالملك، و لا يستثني من المخالفة إلّا الناصبة المعلنة بعداوة أهل البيت (عليهم السلام) فإنها كالكافرة، و قد ورد: «ان الناصب شر من اليهودي و النصراني» (2)، و يثبت من وجوب مجانبتهم و التصلب في مباعدتهم ما يمتنع معه حل الوطء.

و من المحرمات ذات البعل و ذات العدة قطعا فلا تحل بالتحليل، و لا فرق في العدة بين أن تكون بائنة أو رجعية.

____________

(1) الكافي 5: 350 حديث 11.

(2) الكافي 5: 351 حديث 16، علل الشرائع: 292.

182

و الصيغة و هو لفظ التحليل، مثل أحللت لك وطأها، أو جعلتك في حل من وطئها، و الأقرب إلحاق الإباحة به.

و لو قال: أذنت لك، أو سوّغت، أو ملّكت فكذلك.

و لا تستباح بالعارية، و لا بالإجارة، و لا ببيع منفعة البضع. (1)

____________

و هل يجوز إحلالها مدة الاستبراء؟ ينبغي أن يقال: إن كان الاستبراء عن وطء محتمل غير معلوم جاز و إن علم الوطء، فإن جوزنا ما سوى الوطء من الاستمتاعات فاقتصر على تحليل ما سواه حل، و إلّا فلا.

قوله: (و الصيغة: و هو لفظ التحليل، مثل: أحللت لك وطأها، أو جعلتك في حل من وطئها، و الأقرب إلحاق الإباحة به. و لو قال: أذنت، أو سوّغت، أو ملّكت فكذلك، و لا يستباح بالعارية، و لا بالإجارة، و لا ببيع منفعة البضع).

(1) الشرط الرابع: الصيغة، و لا خلاف في اعتبارها، لأن الفروج لا يكفي في حلها مجرد التراضي و لا أي لفظ اتفق، بل لا بد من صيغة متلقاة من الشرع، و قد أجمعوا على اعتبار لفظ التحليل، و به وردت النصوص (1)، فيقول: أحللت لك وطء فلانة، أو جعلتك في حل من وطئها.

و كذا مقدمات الوطء كالتقبيل، و لا يكفي: أنت في حل من وطئها، لعدم كونه صريحا في الإنشاء، و اختلفوا في لفظ الإباحة.

فالأكثر:- و منهم الشيخ في النهاية (2) و اتباعه، و المرتضى (3)، و ابن زهرة (4)،

____________

(1) انظر: الكافي 5: 468، التهذيب 7: 241 حديث 1052- 1063.

(2) النهاية: 496.

(3) الانتصار: 118.

(4) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 550.

183

..........

____________

و المصنف في الإرشاد- على أنه لا يفيد الحل وقوفا مع ظاهر النصوص و مراعاة الاحتياط، فإن الأمر في الفروج شديد، و تمسكا بالأصل فيما عداه.

و ذهب في المبسوط (1)، و ابن إدريس (2)، و نجم الدين (3) الى جواز لفظ الإباحة، و هو مقرّب المصنف لاشتراك الإباحة و التحليل في المعنى، و يجوز اقامة كل من المترادفين مقام الآخر كما بيّن في الأصول.

لا يقال: فعلى هذا يكفي لفظ العارية، للاشتراك في المعنى.

لأنا نقول: الأكثر على أنه لا يكفي.

و رواية أبي العباس البقباق عن الصادق (عليه السلام)، حيث سأله عن عارية الفروج فقال: «حرام» ثم مكث قليلا و قال: «لكن لا بأس بأن يحل الرجل جاريته لأخيه» (4) نص في المنع، و الأصح الأول.

و يمنع الاكتفاء بالمرادف مطلقا، فإن في النكاح شائبة العبادة، و كثير من أحكامه توقيفية و الاحتياط فيه من أهم المطالب.

و لو قال: أذنت لك في وطئها، أو سوغته لك، أو ملّكتك إياه فعند المصنف أنه كالإباحة في إفادة الحل، لأنها بمعناها. و يلزمه أن يكون لفظ الهبة كذلك، لأن وهبت و ملّكت بمعنى واحد، إلّا أن يقال: إن الهبة لا تتعلق بما سوى الأعيان، بخلاف التمليك فإنه قد يتعلق بالمنافع كما سبق في الإجارة.

و الأصح المنع في الجميع اقتصارا على موضع اليقين.

____________

(1) المبسوط 3: 57.

(2) السرائر: 314.

(3) الشرائع 2: 316.

(4) الكافي 5: 470 حديث 16، التهذيب 7: 244 حديث 1063، الاستبصار 3: 140 حديث 505

184

و يوكل الشريكان ثالثا، أو أحدهما الآخر في الصيغة، فلو باشرا فقال كل منهما: أحللت لك وطأها صح.

و لو قال: أحللت حصتي فإشكال، (1)

____________

و أما بيع منفعة البضع فإنه باطل قطعا، لأن البيع لا يتعلق بالمنافع. و كذا اجازة الأمة للوطء، لأن منافع البضع ليست كسائر المنافع تحل بأي سبب اتفق، بل حلها منوط بالسبب المستفاد من الشرع بخصوصه، و لا يجوز تعديه، و ليس هذا مما ورد به الشرع.

قوله: (و يوكل الشريكان ثالثا أو أحدهما الآخر في الصيغة، فلو باشرا فقال كل منهما: أحللت لك وطأها صح، و لو قال: أحللت لك وطء حصتي فإشكال).

(1) ما سبق هو بيان تحليل الأمة من المالك الواحد، و هذا بيان تحليلها إذا كانت مشتركة، فإن وكلا ثالثا صحت منه الصيغة قطعا كما يصح منه تزويجها.

و كذا لو وكل أحدهما الآخر، و لا يقدح كون تصرف أحدهما عن نفسه بالأصالة و عن الآخر بالوكالة، لأن الاعتبار بوقوع الصيغة باللفظ المعتبر و لا أثر للسبب.

و لو أوقعاها معا مباشرة، بأن قال كل منهما: أحللت لك وطءها غير مقيد بتحليل بعضها صح أيضا، لصدور الصيغة المعتبرة من كل منهما.

فإن قيل: لما لم يملك كل واحد منهما إلا بعضها وجب أن لا تعتبر الصيغة منه إلّا إذا أحل حصته خاصة، لامتناع تحليل ما عداها منه.

قلنا: المحلل إنما هو الوطء، و هو أمر واحد لا يقبل التجزئة و لا يتصور حل بعضه و حرمة بعضه، و إنما يحل مجموعه بتحليلهما، فتحليل أحدهما إياه جزء السبب، فإن أحلاه دفعة أو تقدّم أحدهما كان كل منهما معتبرا واقعا الموقع.

و إن قال أحدهما أو كلاهما: أحللت لك حصتي ففي صحة ذلك و افادته الحل

185

و هل هو عقد أو تمليك منفعة؟ خلاف. (1)

____________

إشكال ينشأ: من أن تصرف كل واحد منهما إنما هو في حصته، حتى إذا أحل وطءها فإنما ينصرف ذلك إلى حصته، لامتناع إحلاله وطء ما سواها، فإذا صرح بتحليلها خاصة كان أولى بالصحة.

و من أن الإحلال ليس لحصة كل واحد منهما، بل للوطء و هو أمر واحد لا يتبعض فيه كما قدمناه، و حله إنما يكون بتحليلهما إياه، فلا أثر لتحليل الحصة، كما أن لكل واحد منهما إذا أراد نكاحها لا يجوز أن يقتصر على إنكاح حصته، لأن علاقة الزوجية المثمرة لاستحقاق منافع البضع إنما تتعلق بمجموعها دون الأبعاض.

و لأن استفادة حل الفروج بالعقد أمر توقيفي، فلا يتجاوز فيه موضع اليقين، و هذا أصح.

إذا تقرر ذلك، فإن اعتبرنا القبول في التحليل فلا بد من القبول مرتين باعتبار تحليل كل من الشريكين، أو قبول الوكيل عنه مرتين.

قوله: (و هل هو عقد أو تمليك منفعة؟ خلاف).

(1) لما كان حل الفروج منحصرا في العقد و الملك بنص القرآن (1) كما قدّمناه، و كان القول بحل الأمة بالتحليل هو القول المعتبر عند الأصحاب، بل هو مذهب الأصحاب، وجب أن لا يكون خارجا عن الأمرين. و المراد بكونه عقدا كونه عقد نكاح، لأن كونه تمليك منفعة لا ينافي كونه من جملة العقود، فتعيّن أن يراد كونه عقد نكاح.

و الخلاف الذي ذكره المصنف هو ما نقله ابن إدريس (2)، فإنه نقل عن المرتضى في الانتصار: إن تحليل المالك جاريته بغير عقد، و التحليل و الإباحة عبارة

____________

(1) النساء: 3 و 25.

(2) السرائر: 313.

186

..........

____________

عنه (1).

و نقل عن الباقين الأكثرين كالشيخين (2) و غيرهما من المشيخة أنه تمليك منفعة مع بقاء الأصل، و اختار الثاني. و كلام الشيخ في المبسوط (3) قريب من هذا، فإنه لما ذكر اختلاف الأصحاب قال: إن منهم من قال: إنه عقد و التحليل عبارة عنه.

و منهم من قال: هو تمليك منفعة مع بقاء الأصل، و قوّاه و قال: إنه يجري مجرى إسكان الدار و أعمارها، قال: و لأجل هذا يحتاج الى أن تكون المدة معلومة، و مقتضى هذا انه يفتقر الى تعيين المدة.

و قال في النهاية: و يحل له منها مقدار ما يحلله مالكها، إن يوما فيوما و إن شهرا فشهرا على حسب ما يريد (4)، و لم يذكر حكم الإطلاق.

و اختار المصنف في المختلف الجواز بغير مدة (5)، وفاقا لما يشعر به كلام ابن إدريس (6). و الأصح انه تمليك منفعة، و أن تعيين المدة غير شرط.

أما الأول، فلأن الحل دائر بين العقد و الملك، و لما امتنع الأول هنا تعيّن الثاني، و إنما قلنا: إن كونه عقدا ممتنع، لأن العقد منحصر في الدوام و المتعة، و انتفاء الأول ظاهر، لأن ثبوته يستلزم توقف رفعه على الطلاق، و أنه يجب بالدخول المهر، و نحو ذلك

____________

(1) الانتصار: 118.

(2) الشيخ المفيد في المقنعة: 80، و الشيخ الطوسي في المبسوط 3: 75.

(3) المبسوط 4: 246.

(4) النهاية: 494.

(5) المختلف: 570.

(6) السرائر: 313.

187

و لو أباح أمته لعبده، فإن قلنا إنه عقد أو تمليك و أن العبد يملك حلّت، و إلّا فلا. و الأول أولى، لأنه نوع اباحة و العبد أهل لها. (1)

____________

مما هو معلوم الانتفاء.

و أما انتفاء المتعة فلأنها مشروطة بالمهر، و لا مهر مع التحليل، لأن المفهوم من الأخبار أنه تمليك مخصوص لمنفعة مخصوصة شرعا، فثمرته تقرب من ثمرة العارية.

و كذا يشترط في المتعة الأجل، و هو منتف هنا لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و يزيد ذلك بيانا أن النكاح عقد لازم و لا شيء من التحليل بلازم، إلّا أن يدعي المرتضى لزومه، و هو بعيد. و إذا انتفى الدوام و المتعة امتنع كونه نكاحا، فتعيّن كونه من قبيل الملك.

و أما الثاني، فلأن كون الشيء شرطا في آخر شرعا إنما يكون بتعين الشارع، و إنما يكون ذلك بالنقل، و الأخبار الواردة في هذا الباب خالية من ذلك، فالقول بالاشتراط باطل لا محالة، بل لو شرط مدة كان له الرجوع متى شاء، لانتفاء المقتضي للزوم، و لأنه ينزع بنزع العارية.

إذا تقرر ذلك فعلى كل من القولين لا بد من القبول، أما إذا كان عقد نكاح فظاهر، و أما إذا كان تمليكا، فلأنه في معنى هبة المنفعة، فيكون أيضا من قبيل العقود فاعتبر فيه القبول، و لأن النكاح مبني على كمال الاحتياط فيراعى فيه وجود ما يقطع بسببيته.

قوله: (و لو أباح أمته لعبده فإن قلنا إنه عقد، أو تمليك و أن العبد يملك حلت، و إلّا فلا. و الأول أولى، لأنه نوع اباحة و العبد أهل لها).

(1) اختلف الأصحاب القائلون بحل الأمة بتحليل المولى، في أنه إذا أحل أمته لعبده هل تحل له بالتحليل على قولين:

188

..........

____________

أحدهما:- و اختاره الشيخ في النهاية (1)، و المصنف في المختلف (2)، و جماعة (3)- العدم، لصحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، انه سئل عن المملوك أ يحل له أن يطأ الأمة من غير تزويج إذا أحل له مولاه؟ قال: «لا يحل له» (4)، و لأنه نوع تمليك و العبد ليس أهلا له.

و الثاني:- و اختاره ابن إدريس (5)- الحل، لأنه لا مانع منه من كتاب و لا سنة و لا إجماع، و الأصل الإباحة، و لعموم قوله تعالى فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ (6)، و قوله تعالى وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ (7).

و اعترضه المصنف في المختلف (8) بوجود المانع، و هو الخبر الصحيح و الدلالة العقلية، و في هذا الكتاب بنى الحكم بالحل و عدمه هنا على القولين في المسألة التي قبله أوّلا، ثم اختار الحل معرضا عن هذا البناء، لأنه أهل للنكاح قطعا.

و إن جعلناه تمليكا، فإن قلنا: إن العبد يملك فكذلك، و إن لم نقل بواحد من الأمرين- أعني كونه نكاحا، أو تمليكا مع القول بأن العبد يملك- لم يحل له، لأن الحل حينئذ دائر مع الملك و هو منتف.

و المراد بالأول في قول المصنف: (و الأول أولى لأنه نوع اباحة.) هو الحل المستفاد من قوله: (حلت)، فيكون الثاني هو ما دل عليه قوله: (و إلّا فلا) اعني عدم

____________

(1) النهاية: 494.

(2) المختلف: 571.

(3) منهم فخر المحققين في الإيضاح 3: 167.

(4) التهذيب 7: 243 حديث 1062، الاستبصار 3: 137 حديث 495.

(5) السرائر: 314.

(6) النساء: 25.

(7) النور: 23.

(8) المختلف: 571.

189

..........

____________

الحل. و مراده أن القول بالحل أولى من غير بناء على أن العبد يملك.

بيانه: انا إذا جعلنا التحليل نكاحا فترتب الحل عليه للعبد من غير نظر الى كونه يملك أو لا يملك أمر واضح.

و إذا جعلناه تمليكا فلا نريد به إلّا كونه ضربا من ضروب الإباحة، و العبد أهل لها.

قلت: ما لمحه المصنف هنا ملمح حسن دقيق، و المنع بناء على التمليك و أن العبد لا يملك كلام ظاهري، و تحريره إن القدر المعقول من الملك في هذا الباب هو في معنى الإباحة، و الحر و العبد في ذلك سواء.

و بيانه: أن النكاح يفيد ملكية منافع البضع للزوج، و لهذا يحكم بوجوب مهر المثل على من تولت إرضاع الزوجة على زوجه ينفسخ به النكاح، و هذا و إن لم يكن ملكا محضا، لأن الموطوءة بالشبهة تستحق مهر المثل دون زوجها، إلّا أن هذا الإطلاق صحيح عندهم لا يمنع منه مانع، و هذا القدر يحصل بالتحليل، بل الحاصل به أضعف منه و إن خص الأول باسم النكاح و الثاني باسم الملك.

و لما كان العبد كالحر في استفادة ملكية المنافع في النكاح وجب أن يكون كذلك في التحليل بطريق أولى، و الظاهر أن المراد بالملك في هذا و نظائره الاستحقاق كما نقول فيما إذا نذر زيد لعمرو أن يسكنه داره سنة، أو يعطيه كذا من ماله أو يطعمه و يسقيه كذا من طعامه و شرابه، استحق عمرو ذلك و ملكه. و لو كان عمرو عبدا لم يتفاوت الحال في الاستحقاق و الإطلاق، و مثله ما لو استحق طلب إنسان إلى مجلس الحكم فإنه يقال ملكه.

و لا يختلف الحر و العبد في هذا الإطلاق، و حيث لم يعقل من ملك منافع البضع إلّا هذا القدر في النكاح و التحليل، و علمت أن ذلك ثابت للعبد لا محالة، فالقول بمنع التحليل في حقه لا وجه له.

190

و يجوز تحليل المدبرة و أم الولد، دون المكاتبة و إن كانت مشروطة، و المرهونة. (1)

____________

و أما الرواية فإنها غير صريحة بالمنع في صورة النزاع، إذ لا صراحة فيها بكون الأمة ملكا للمولى، فجاز أن يكون المسؤول عنه تحليل مولى العبد أمة الغير أو أنه أراد التحليل بدون الصيغة الشرعية.

و يمكن حملها على التقية، لأن العامة يمنعون التحليل مطلقا، و لا يخفى أنه لا فرق بين إباحة أمته لعبده أو عبد غيره إذا اذن سيده، و لعل المصنف إنما لم يعمّم العبارة بحيث يشمل عبد الغير، لاحتياجه حينئذ إلى التقييد باذن السيد.

قوله: (و يجوز تحليل المدبرة و أم الولد دون المكاتبة و إن كانت مشروطة و المرهونة).

(1) كما يجوز تحليل وطء المملوكة القنة كذا يجوز تحليل وطء المدبرة، لأن التدبير لا يخرج المدبر عن الملك، و لا يمنع من تصرف المولى فيه، لبقاء الملك كما كان قبل التدبير، فإن كونه بحيث يستحق العتق بالموت لا يقتضي خلاف ذلك.

و من ثم صحت اجارة المدبر و عاريته، و لا ينافي شيء من ذلك بقاء التدبير، بخلاف ما لو باعه أو وهبه، و كذا يجوز تحليل أم الولد، لما قلناه في المدبرة.

أما المكاتبة فلا يصح تحليلها و إن كانت مملوكة، لانقطاع سلطنة المولى عنها بالكتابة و تسلطها على منافع نفسها، و لهذا لا يجوز للمولى وطؤها بحال، و لا فرق بين كون الكتابة مطلقة أو مشروطة.

و إنما عطف المصنف المشروطة إن الوصلية، لأنها الفرد الأخفى، لأن انقطاع السلطنة في الكتابة المطلقة أقوى.

و كذا لا يجوز تحليل أمته المرهونة، لأنه لا يجوز للراهن التصرف في الرهن لأجل حق المرتهن بوطء و لا غيره إلا باذنه، و على هذا فإذا أحلها للمرتهن حلت، لانحصار الحق فيهما.

191

و لو ملك بعضها فإباحته لم تحل، و لو أحل الشريك حلّت على رأي. (1)

____________

قوله: (و لو ملك بعضها فإباحته لم يحل، و لو أحل الشريك حلت على رأي).

(1) لو ملك مالك بعض الأمة فبعضها الآخر إما حر أو مملوك لغيره، فإن كان حرا فإباحته نفسها لم تحل له، لأن الحرة إنما تحل بالنكاح دون الإباحة قطعا. و إن كان مملوكا للغير فأحلها الشريك ففي حلها للأصحاب قولان:، أحدهما:- و اختاره المصنف، و منعه ابن حمزة (1) محتجا بأنه يلزم تبعض سبب البضع، و قد تقدّم الكلام في ذلك قبل الفصل الثاني في مبطلاته و أن الأصح عدم الحل بذلك، فلا حاجة إلى إعادته، و ينبغي التنبيه بشيئين:

الأول: موضوع المسألة السابقة و موضوع هذه المسألة متغايران، فيخرج بذلك عن التكرار. بيانه: إن موضوع السابقة ما إذا كان مزوجا بأمة مشتركة فاشترى نصيب أحد الشريكين، و موضوع هذه إحلال أحد الشريكين الأمة المشتركة لشريكه و هو أعم من موضوع الأولى.

الثاني: حكى جماعة أن المصنف (رحمه اللّٰه) كتب على حاشية كتاب القواعد: إنه رأى والده سديد الدين (رحمه اللّٰه) بعد وفاته في النوم فبحث معه في هذه المسألة و منع الحل فيها، و احتج بأن سبب البضع لا يتبعض. فأجابه والده بمنع التبعض، لأن حلها ليس مستندا إلى حل بعضها بالملك و بعضها بالتحليل ليلزم ذلك، بل هي قبل التحليل حرام و به يحصل حلها فلا تبعض.

و اعترض بأنّ للملك دخلا و لولاه لما حلت، و التحليل و هو الجزء

____________

(1) الوسيلة: 359.

192

و لو أباح الوطء حلّت مقدمات الاستمتاع، و لو أحل المقدمات أو بعضها لم يحل الباقي، (1)

____________

الأخير من اجزاء السبب فتبعض السبب.

و احتمل شيخنا الشهيد الحل بوجه آخر، و هو أن التبعض الممنوع منه هو ما يتألف من الملك و التزويج، أما ما يرجع إلى الملك وحده فلا، و هو هنا كذلك، لأن التحليل راجع الى الملك كما حققناه، فلا يمنع ضمه الى ملك النصف، كما لو ملك مجموع الأمة بسببين مختلفين كالإرث و البيع و نحوهما، فإن هذا التبعيض غير قادح قطعا، و هذا مثله. و لا شك أن ما احتمل محتمل لا يخلو من وجه.

قوله: (و لو أباح الوطء حلّت مقدمات الاستمتاع، و لو أحل المقدمات أو بعضها لم يحل الباقي).

(1) لا ريب أن أعلى مراتب الاستمتاع الوطء، و ما عدا ذلك من نحو لمس و تقبيل و ملاعبة و ما جرى هذا المجرى فهو دونه و محسوب من مقدماته، لأنه لا ينفك من تقدمها عليه غالبا و لا موقع له بدونها.

فإذا أباح مولى الأمة وطأها حل المقدمات لمن أحل له الوطء، نظرا إلى اقتضائه إياها غالبا، و لأن تحليل الأقوى يدل على تحليل ما دونه بطريق أولى.

أما لو أحل المقدمات و لم يتعرض للوطء فإنه لا يحل قطعا لانتفاء المقتضي فيستصحب أصل التحريم، و كذا لو أحل بعض المقدمات لم يحل قطعا و لا البعض الآخر منها، لانتفاء المقتضي، و لرواية الحسن بن عطية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أحل الرجل من جاريته قبلة لم يحل له غيرها، و إن أحل له منها دون الفرج لم يحل له غيره، و إن أحل الفرج حل له جميعها» (1)، و في معناها غيرها (2).

____________

(1) الكافي 5: 470 حديث 15، التهذيب 7: 245 حديث 1066.

(2) الكافي 5: 468 حديث 4.

193

و لا تستباح الخدمة بإباحة الوطء و بالعكس. (1)

و لو وطأ من غير اذن كان زانيا إن كان عالما، و عليه العقر إن أكرهها أو جهلت، و الولد للمولى، (2)

____________

و لو كان بعض الذي أحله مستلزما لبعض آخر غالبا، كالتقبيل المستلزم للمس بشهوة لم يبعد استفادة حل الثاني من إحلال الأول.

قوله: (و لا تستباح الخدمة بإباحة الوطء، و بالعكس).

(1) أما الأول، فلأن الخدمة منفعة لا يتناولها عقد التحليل و لا يقتضيها، فيبقى على حكم المنع منها استصحابا لما كان.

و أما الثاني و هو العكس، فلأن حل الوطء له عقد برأسه لا يحل بدونه، و كذا مقدماته فكيف يحل بإباحة الخدمة.

قوله: (و لو وطأ من غير اذن كان زانيا إن كان عالما و عليه العقر إن أكرهها أو جهلت و الولد للمولى).

(2) ينبغي أن يكون هذا متصلا بقوله: (و بالعكس)، ليكون ذكره سببا لذكره، و يجوز أن يكون حكما مستقلا بنفسه، و الأول أحسن.

أي: لو اباحه الخدمة فقد قلنا إنه لا يستبيح الوطء، فلو وطأ في هذه الحالة من غير اذن، و المراد من غير اذن يقتضيه، و هو الاذن المستفاد من عقد التحليل.

فإما أن يكون عالما بالتحريم أو جاهلا به، اما لجهله بها كأن ظنها أمته، أو لتوهمه أن اباحة الخدمة يقتضي حل الوطء.

فإن كان عالما بالتحريم فهو زان لا محالة يجب حده، ثم هي إما أن تكون مطاوعة أو مكرهة، فإن طاوعت فإما أن تكون عالمة بالتحريم أو لا، فإن كانت مكرهة أو جاهلة بالتحريم فعليه العقر لمولاها، و هو العشر إن كانت بكرا و نصف العشر إن كانت ثيبا، لما ذكر في نظائره غير مرة.

194

و لو جهل فالولد حر و عليه القيمة. (1)

و ولد التحليل حر بشرط الحرية أو أطلق، و لا شيء على الأب على رأي. (2)

____________

و يجب مع العقر أيضا أرش البكارة، لأن إزالتها جناية خارجة عن عوض الوطء، و إن كانت عالمة بالتحريم ففي وجوب العقر اشكال، تقدّم في كلام المصنف ذكره غير مرة.

و قد نقحناه في أول هذا الباب، و قد بينا أنه لا مهر في مثل هذا، لأنها بغي، نعم يجب أرش البكارة، لأنها جناية مستقلة، و ليس من المهر في شيء.

و هذا الحكم و هو عدم وجوب المهر مع علمها بالتحريم و مطاوعتها مستمر مع علمه و جهله، فحقه أن يكون قوله: (و عليه العقر) مستقلا غير متصل بكونه عالما.

إلّا أن قوله: (و الولد للمولى) يقتضي اتصاله به، فإن الولد إنما يكون للمولى إذا لم يكن لاحقا بالواطئ، و إنما يكون ذلك إذا كان عالما.

قوله: (و لو جهل فالولد حر و عليه القيمة).

(1) أي: لو جهل الواطئ التحريم فالولد حر، و ذلك لأنه نسبه لكن عليه قيمته يوم سقوطه حيا لمولى الأمة، لأنه نماء ملكه و قد فات منه بغير اذنه فوجب عوضه، و هو قيمته لو كان رقيقا في أول أوقات إمكان تقويمه، و هو حين سقوطه حيا، و لو حصل للأمة نقص بسبب ذلك وجب أرشه.

قوله: (و ولد التحليل حر شرط الحرية أو أطلق، و لا شيء على الأب على رأي).

(2) للولد الحاصل بالتحليل ثلاثة أحوال: أن يشترط الأب على المولى حريته في عقد التحليل، و أن يشترط المولى رقيته، و أن يطلق العقد بحيث يخلو من الأمرين.

فإن شرطا الحرية فالولد حر إجماعا، و لا قيمة على الأب هنا إجماعا.

195

..........

____________

و إن أطلقا العقد فلأصحاب قولان:

أحدهما: إنه رق، اختاره الشيخ في النهاية و المبسوط، قال في النهاية: متى جعله في حل من وطئها و أتت بولد كان لمولاها، و على أبيه أن يشتريه بماله إن كان له مال، و إن لم يكن له مال استسعى في ثمنه (1).

و قال في المبسوط في خلال استدلاله على أن التحليل نوع تمليك لا عقد:

و يكون الولد لاحقا بأمه و يكون رقا، إلّا أن يشترط الحرية، و لو كان عقدا بمعنى التحليل للحق بالحرية على كل حال (2).

و الثاني: إنه حر، ذهب اليه المرتضى (3)، و ابن إدريس (4)، و جمع من المتأخرين (5) منهم المصنف، و اختاره الشيخ في الخلاف (6)، و هو الأصح.

لنا أن الحرية مبنية على التغليب و السراية، و لهذا يسري العتق بأقل جزء يتصور، و لا شبهة في أن الولد متكون من نطفة الرجل و المرأة كما نطق به القرآن العزيز، فيغلب جانب الحرية و لموثقة إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

الرجل يحلل جاريته لأخيه- إلى أن قال-: قلت: فجاءت بولد قال: «يلحق بالحر من أبويه» (7).

و لحسنة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يحل جاريته لأخيه قال: «لا بأس»، قال: قلت: فإن جاءت بولد قال: «يضم إليه ولده و ترد الجارية على

____________

(1) النهاية: 494.

(2) المبسوط 4: 246.

(3) نقله عنه فخر المحققين في الإيضاح 3: 168.

(4) السرائر: 313.

(5) منهم المحقق في الشرائع 2: 317، و المقداد السيوري في التنقيح 3: 177.

(6) الخلاف 2: 170.

(7) التهذيب 7: 247 حديث 1071، الاستبصار 3: 139 حديث 500.

196

..........

____________

صاحبها»، قلت له: انه لم يأذن في ذلك، قال: «انه قد اذن له و هو لا يأمن أن يكون ذلك» (1).

و غير ذلك من الأخبار (2).

احتج الشيخ بما رواه ضريس بن عبد الملك قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يحلل لأخيه فرج جاريته، قال: «هو له حلال»، قلت: فإن جاءت بولد منه قال: «هو لمولى الجارية، إلّا أن يكون قد اشترط على مولى الجارية حين أحلها إن جاءت بولد فهو حر» (3).

و في معناها رواية الحسين العطار عنه (عليه السلام) (4).

و جوابه: إن الروايات من ذلك الجانب أكثر و أشهر بين الأصحاب و أوضح طريقا، فلا تصلح هذه لمعارضتها.

و إن شرطا الرقية، و هي الحالة الثانية و لم يتعرض إليها المصنف.

فعلى قول الشيخ في النهاية و المبسوط (5) الشرط تأكيد لمقتضى التحليل، و يترتب عليه عدم وجوب الفك على الأب و لا السعاية، و على القول بانعقاده حرا المشهور بين الأصحاب صحة الشرط.

قال شيخنا في شرح الإرشاد: و لا قاطع يدل عليه بل و لا حديث و لهذا توقف فيه المحقق، ثم قال: و يمكن الاستدلال باشتهاره بين الأصحاب و عدم علم المخالف

____________

(1) التهذيب 7: 247 حديث 1073، الاستبصار 3: 139 حديث 502.

(2) التهذيب 7: 246 حديث 1070، الاستبصار 3: 139 حديث 499.

(3) التهذيب 7: 246 حديث 1068، الاستبصار 3: 138 حديث 497.

(4) التهذيب 7: 246 حديث 1069، الاستبصار 3: 138 حديث 495.

(5) النهاية: 494، المبسوط 4: 246.

197

[الفصل الرابع: في بقايا مسائل متبددة]

الفصل الرابع: في بقايا مسائل متبددة: (1) يكره وطء الفاجرة، و المولودة من الزنا، و أن ينام بين حرتين، و أن يطأ حرة و في البيت غيره، و لا بأس بهما في الإماء. (2)

____________

و عموم: «المسلمون عند شروطهم» (1).

أقول: قد بيّنا فيما سبق الدليل الدال على عدم صحة هذا الشرط في النكاح، و هذا بعينه آت هنا، إلّا أن يبلغ فتوى الأصحاب هنا مبلغ الإجماع، فيكون هو الحجة.

إذا عرفت ذلك فقول المصنف: (شرط الحرية أو أطلق و لا شيء على الأب) يريد به كون الرأي في الحرية و عدم وجوب شيء على الأب مع الإطلاق، فإن مع اشتراط الحرية لا خلاف في الحكمين.

قوله: (الفصل الرابع: في بقايا مسائل متبددة).

(1) إنما كانت هذه المسائل متبددة، لأنها من أبواب شتى حاول بها تكميل المباحث السابقة.

قوله: (يكره وطء الفاجرة و المولدة من الزنا، و أن ينام بين حرتين، و أن يطأ حرة و في البيت غيره، و لا بأس بهما في الإماء).

(2) لا شبهة في كراهية وطء الزانية بالعقد و الملك، لما فيه من العار و خوف اختلاط الماءين، و كذا يكره وطء المولودة من الزنا لكل من الأمرين. روى محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) عن الخبيثة يتزوجها الرجل قال: «لا، و إن كانت أمة فإن شاء وطأها و لا يتخذها أم ولد» (2).

____________

(1) التهذيب 7: 22 حديث 93، سنن الدار قطني 3: 27 حديث 98 و 99.

(2) الكافي 5: 353 حديث 4، التهذيب 8: 307 حديث 733.

198

و للسيد استخدام الأمة نهارا، و عليه تسليمها إلى زوجها ليلا.

و هل له إسكانهما في بيت في داره، أو للزوج إخراجها ليلا؟ نظر أقربه الأخير. (1)

____________

و المراد بذلك أن يعزل عنها حذرا من حملها.

و كذا يكره النوم بين حرتين، لما فيه من الامتهان لهما، بخلاف الأمتين. و كذا يكره أن يطأ الحرة و في البيت غيره، و لا بأس بذلك في الأمة.

و ينبغي تقييد الغير بكونه مميزا، روى الكليني بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله): و الذي نفسي بيده لو أن رجلا غشي امرأته و في البيت مستيقظ يراهما و يسمع كلامهما و نفسهما ما أفلح أبدا إن كان غلاما كان زانيا، أو كانت جارية كانت زانية» (1).

و روى الشيخ بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: «لا يجامع الرجل امرأته و لا جاريته و في البيت صبي، فإن ذلك مما يورث الزنا» (2).

و قول المصنف: (و لا بأس به في الإماء) يريد به النوم بين أمتين و وطء المرأة و في البيت غيره.

قوله: (و للسيد استخدام الأمة نهارا، و عليه تسليمها الى زوجها ليلا و هل له إسكانها في بيت في داره، أم للزوج إخراجها ليلا؟ نظر أقربه الأخير).

(1) إذا زوّج السيد أمته لم يلزمه تسليمها الى الزوج ليلا و نهارا قطعا، بل يستخدمها نهارا و يسلمها إلى الزوج ليلا، لأن السيد يملك من أمته منفعة

____________

(1) الكافي 5: 500 حديث 2.

(2) الكافي 5: 499 حديث 1، التهذيب 7: 414 حديث 1655.

199

..........

____________

الاستخدام و منفعة الاستمتاع، فإذا زوجها فقد عقد على احدى منفعتيها، و بقيت المنفعة الأخرى يستحق استيفاءها في وقتها و هو النهار، كما لو آخر الأمة فإنه يسلمها للمستأجر وقت الاستخدام و هو النهار، و يمسكها ليلا لاستيفاء المنفعة الأخرى.

و لو أراد أحدهما تسليمها نهارا للاستمتاع بدلا من الليل لم يلزم الآخر إجابته، لأن الليل وقت الاستراحة و الاستمتاع، و عليه التعديل في القسم بين النساء. إذا تقرر ذلك.

فلو قال السيد: لا أخرجها من داري لكن أفرد لكما بيتا لتخلوا فيه، فأبى الزوج إلّا إخراجها ليلا، ففي تقديم اختيار السيد أو الزوج نظر، ينشأ من احتمال كل منهما:

أما السيد، فلأنه يستحق دوام يده على ملكه، فإذا لم يناف حق الزوج حيث يتمكن من الوصول الى حقه كان فيه الجمع بين الحقين.

و أما الزوج، فلأن له على الزوجة حق التبعية، لقوله تعالى الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ (1) فتعين المكان اليه، و لأن الحياء و المروة يمنعانه من دخول دار السيد، و لأن التسليم ليلا إلى الزوج يجب أن يكون تاما، لانقطاع حق السيد عنها في الليل، و لا يكون تاما إلّا بما قلناه.

و لقوة دلائل هذا الوجه على الذي قبله كان هو الأقرب عند المصنف، و الأصح في الفتوى.

و وجه ضعف ما قبله أن لمانع أن يمنع أن للسيد ادامة يده على الأمة ليلا، لأنه لما عقد على منفعة الليل انقطعت سلطنته عنها ليلا. و كذا له أن يمنع أن في ذلك جمعا

____________

(1) النساء: 34.

200

و لو كانت محترفة و أمكنها ذلك في يد الزوج، ففي وجوب تسليمها إليه نهارا اشكال. (1)

و للسيد أن يسافر بها، و ليس له منع الزوج من السفر ليصحبها ليلا، (2)

____________

بين الحقين، فإن حق الزوج هو التسليم التام و لا يحصل بذلك.

قوله: (و لو كانت محترفة و أمكنها ذلك في يد الزوج، ففي وجوب تسليمها الى الزوج نهارا إشكال).

(1) أي: لو كانت الجارية المزوجة ذات حرفة، و أمكنها عمل تلك الحرفة في يد الزوج، فقال: دعوها تحترف للسيد في يدي، ففي وجوب تسليمها إليه نهارا إشكال ينشأ: من أن المانع من تسليمها اليه نهارا هو فوات حق السيد، و في الصورة المذكورة المانع المذكور منتف فوجب التسليم.

و لأن لكل من السيد و الزوج حقا متعلقا بها، و مع التسليم على الوجه المذكور يحصل الجمع بين الحقين فكان واجبا. و من أن حق كل منهما اختص بزمان، نظرا إلى ارتباطه به غالبا، فحق الزوج مناطه الليل، لأنه محل الاستمتاع غالبا، و حق السيد مناطه النهار كذلك، فلا يتغير ذلك بحدوث حالة نادرة، على أن حق السيد ليس منحصرا في الحرفة. و قد يبدو له فيريد استخدامها و هذا أصح، و من هذا البيان يظهر انتفاء الجمع بين الحقين بذلك.

قوله: (و للسيد أن يسافر بها، و ليس له منع الزوج من السفر ليصحبها ليلا).

(2) إذا أراد السيد أن يسافر بالأمة المزوجة كان له ذلك، و لم يكن للزوج المنع، و ذلك لأن السيد مالك للرقبة و إحدى المنفعتين، و ليس للزوج إلّا المنفعة الأخرى فكان جانبه أقوى من جانب الزوج، فلو أراد الزوج و الحالة هذه أن يسافر معه ليستمتع بها ليلا لم يكن للسيد منعه، لأن ذلك حق ثابت له.

201

و إنما تجب النفقة بالتسليم ليلا و نهارا، فلو سلّمها ليلا فالأقرب عدم وجوب نصف النفقة و يسقط مع سفر السيد بها. (1)

____________

قوله: (و انما تجب النفقة بالتسليم ليلا و نهارا، فلو سلّمها ليلا فالأقرب عدم وجوب نصف النفقة، و تسقط مع سفر السيد بها).

(1) يجب بالنكاح الدائم من الحقوق المالية شيئان: المهر، و النفقة. أما المهر فإنه يجب كله بالعقد عند المحققين في غير المفوضة و يستقر بالدخول، و لا يجب تسليم الزوجة إلّا مع تسليمه.

و لو سافر بها السيد قبل التمكين لم تكن له المطالبة، بخلاف ما لو مكن منها فلم يتسلم الزوج. و أما النفقة فالمذهب أنها إنما تجب بالتمكين التام شرعا.

إذا تقرر هذا فنقول: انا قد بينا أن الأمة المزوجة لا يجب على السيد تسليمها ليلا و نهارا، بل ليلا خاصة، فإن اتفق تسليمها إليه ليلا و نهارا فلا كلام في وجوب جميع النفقة، و إن سلمها ليلا خاصة ففي النفقة ثلاثة أوجه:

أحدها: وجوب جميعها، لحصول التمكين التام، إذ لا يراد منه إلّا التمكين الواجب شرعا، لأن غيره غير منظور إليه عند الشارع، و كما أن المنع من الاستمتاع زمان الحيض و المرض مثلا لا يمنع وجوب النفقة و لا شيء منها، و مثله منع الزوجة من التسليم قبل الدخول لقبض المهر، فكذا المنع من الاستمتاع هنا نهارا لا يسقط النفقة.

و فيه نظر، لأن المنع في المرض و الحيض إنما جاء من قبل الشارع لا من قبل الزوجة، و المنع من التسليم قبل الدخول جاء من قبل الزوج، لأن هذا المنع إنما يترتب على منعه المهر المستحق بالنكاح، بخلاف المنع لمصلحة السيد، لاستيفاء المنفعة المستحقة، كما لو آجرت الحرة نفسها تعمل نهارا مدة ثم تزوجت في خلالها، فإن حق المستأجر نهارا مقدّم، و لا يعد ذلك عذرا في النفقة و لا يجب و إن سلمت نفسها ليلا.

202

..........

____________

و ثانيها:- و هو الأقرب عند المصنف و الأظهر في الفتوى- عدم وجوب شيء منها، لأن مناط الوجوب التسليم التام، و هو منتف فينتفي الوجوب، و مما ذكرناه في ضعف الوجه الأول و الثالث يتبيّن وجه القرب هنا.

و ثالثها: التقسيط، فيجب نصف النفقة في مقابل التسليم ليلا، لأنه نصف الزمان عادة، و يسقط النصف في مقابل المنع نهارا، لأن التسليم المقتضي للإنفاق قد حصل في بعض الزمان، و المنع المقتضي للسقوط قد حصل في بعض، فوجب أن يوفر على كل مقتضاه، كما لو نشزت الحرة نهارا ثم أطاعت ليلا فإن نفقة النهار تسقط و تجب نفقة الليل.

و قيل في التقسيط: إن نفقة الليل على الزوج فيجب عليه العشاء و ما تحتاج إليه من الملبس في الليل، و على السيد الغداء و ما تحتاج إليه من الملبس في النهار.

و فيه نظر، لأن التسليم التام هو التسليم الذي ظاهره عموم الأزمنة و شمول جميع الاستمتاعات. فكما أن التمكين من بعض الاستمتاعات و المنع من بعضها لا يجب معه شيء من النفقة و لا تكون موزعة على الاستمتاعات، فكذا التمكين في بعض الزمان مع المنع في بعض.

و يزيده بيانا أن الأصل عدم استحقاق النفقة بدون التسليم بجميع الزمان، و لم يثبت كون التسليم ببعض الزمان سببا في وجوب النفقة أو شيء منها، فينتفي الوجوب بانتفاء مقتضيه.

هذا كله إذا لم يسافر بها السيد، فإن سافر بها لم يكلّف الزوج السفر معها ليترتب عليه الإنفاق مع التمكين، فإذا تخلف سقط وجوب الإنفاق قولا واحدا.

و لا يخفى أن قول المصنف: (و إنما تجب النفقة بالتسليم ليلا و نهارا) يقتضي أن لا تجب النفقة بدونه، و قوله: (فلو سلّمها.) إنما يدل على سقوط النصف، فهو تفريع غير مستحسن.

203

و لو قتلها السيد قبل الوطء ففي سقوط المهر نظر، أقربه العدم، كما لو قتلها أجنبي أو قتلت الحرة نفسها. (1)

____________

فرع:

لو سلّمها إليه قبل السفر فلم يدخل ثم سافر بها وجب على الزوج تسليم المهر، لأنه غير مشروط بدوام التسليم بخلاف النفقة.

قوله: (و لو قتلها السيد قبل الوطء ففي سقوط المهر نظر، أقربه العدم، كما لو قتلها أجنبي أو قتلت الحرة نفسها).

(1) لا ريب أن هلاك المنكوحة بعد الدخول لا يسقط المهر و لا شيئا منه، حرة كانت أو أمة، سواء هلكت بالموت أو القتل، لاستقراره بالدخول. أما قبل الدخول، فإذا قتل السيد الأمة فإن في وجوب المهر و سقوطه وجهين متقابلين ينشأ النظر من الالتفات إليهما:

أحدهما: السقوط، لأنها فرقة حصلت قبل الدخول من مستحق المهر، فكان كفسخ الزوجة وردتها قبل الدخول، و لأن تزويج السيد الأمة بحكم الملك، فهو كالمعاوضة المالية فقتله إياها قبل الدخول كإتلاف البائع المبيع قبل القبض.

و ثانيهما: العدم، لأنها فرقة حصلت بانتهاء العمر فهي كالموت قبل الدخول.

و هذا إنما يتم على القول بأن المقتول لو لم يقتل لمات، و هي مسألة كلامية.

و عندي في هذا البناء شيء، لإطلاق النص (1) بكون الموت موجبا لاستقرار المهر الشامل للموت بالقتل و غيره، و كونه بحيث يعيش لو لا القتل لا دخل له.

و الأقرب من الوجهين عند المصنف الثاني، و وجه القرب أن المهر قد وجب بالعقد و الأصل بقاؤه، و لم يثبت كون القتل موجبا للسقوط، و النكاح ليس معاوضة

____________

(1) التهذيب 8: 147 حديث 513، الاستبصار 3: 342 حديث 1223.

204

..........

____________

محضة، و كون تزويج السيد الأمة بحكم الملك لو أوجب هنا السقوط لأوجبه فيما إذا ماتت حتف أنفها قبل الوطء كما لو باعها فماتت قبل القبض، و قد نبّه المصنف على حكم هذه المسألة بذكر مسألتين:

إحداهما: ما إذا قتل الأمة أجنبي.

و الثانية: ما إذا كانت الزوجة حرة فقتلت نفسها، و مقتضى ذلك عدم السقوط فيهما وجها واحدا.

و التحقيق أن الاحتمال متطرق إليهما، أما إذا قتل الأجنبي الأمة، فلأنه على اعتبار التزويج بحكم المالية كإتلاف المبيع قبل قبضه، و هنا ليس للزوج تضمينه شيئا إذ لا يجب سوى عوض النفس، بخلاف إتلاف المبيع فيلزم السقوط.

و إن كان الحكم به هنا أضعف من الحكم به إذا قتلها السيد، فإن المهر إنما يسقط بالفسخ إذا حديث من المستحق له. و مثل قتل الأجنبي ما إذا قتلها الزوج، فإن قتله هنا لا يتضمن القبض، كما لو قتل العبد المستأجر.

و أما الحرة إذا قتلت نفسها فإن مطلق النكاح فيه شائبة المعاوضة، فقتلها نفسها قبل الدخول كإتلاف البائع المبيع قبل القبض، فيلزم السقوط هنا أيضا. و ربما فرّق بين الحرة و الأمة: بأن الحرة كالمسلمة إلى الزوج بالعقد، فإن له أن يمنعها من المسافرة، و ليست الأمة كذلك، لأن للسيد أن يسافر بها. و تأثير هذا الفرق غير واضح، و لو أثر لزم استقرار مهر الحرة بالعقد مع عدم نشوزها حينئذ.

و المهذب في المسائل كلها عدم السقوط، لأن النكاح ليس على نهج المعاوضات، و لا منافع البضع كسائر منافع الأموال، و قد وجب المهر بالعقد و ثبت أن الطلاق يشطره، و الفسخ من قبل الزوجة و من جرى مجراها يسقطه، فيقتصر على ذلك و يحكم في باقي الأحوال باللزوم بحكم الاستصحاب، و لعل المصنف أراد بالأجنبي و الحرة ذكر نظير المسألة، أو أراد أن الحكم بالسقوط فيهما أضعف.

205

و إذا عقد لشهادة اثنين لها بالحرية و أولدها، فعليهما ما أتلفاه عليه من مهر و قيمة الولد لتزويرهما، و في تضمينهما ما زاد عن مهر المثل اشكال. (1)

____________

قوله: (و إذا عقد بشهادة اثنين لها بالحرية فأولدها، فعليهما ما أتلفاه عليه من مهر و قيمة الولد لتزويرهما، و في تضمينهما ما زاد عن مهر المثل إشكال).

(1) أي: إذا عقد على الأمة بشهادة اثنين بكونها حرة، ثم تبيّن رقها و قد دخل بها و أولدها، فلا شك في تضمينهما ما أتلفاه عليه بشهادتهما، و ذلك هو المهر و قيمة الولد، لأنهما غرّاه بشهادتهما فدخل على أن الولد له بغير ضمان شيء و أن النكاح صحيح، فلما ظهر الخلاف و تبيّن تزويرهما كان له الرجوع عليهما، لأن المغرور يرجع على من غره.

و قد تقدّم في كلام المصنف في أول باب نكاح الإماء أن الواجب على العاقد هو المسمّى، و لا ريب أنه قد يزيد على مهر المثل و قد ينقص عنه، فإن لم يزد فلا شبهة في الرجوع بما اغترم، و إن زاد فلا شبهة أيضا في الرجوع بقدر مهر المثل.

و أما الزائد فإن في الرجوع به إشكالا ينشأ: من أنهما غراه في ذلك بشهادتهما لها بالحرية، إذ لولاها لما أصدقها ذلك القدر، و المغرور يرجع على من غره. و من أن إصداقها الزيادة إنما كان باختياره، فإن شهادتهما بالحرية لا توجب اصداق الزائد على مهر أمثالها، فكان الزوج مستقلا بإتلاف الزائد حيث انه متبرع ببذله، إذ ليس في مقابله شيء باعتقاده.

و مثله ما لو شهدا بمال لزيد فاشتراه آخر بزائد عن القيمة السوقية، ثم تبيّن تزويرهما و تعذر استرجاع الثمن، فإن في تغريم الشاهدين الزائد عن القيمة إشكالا.

و لقائل أن يقول: إن أريد بالتغرير الموجب لاستحقاق الرجوع ما يكون سببا في الغرم في الجملة، فمعلوم أن الشهادة بالحرية هي الباعث على العقد، و لها دخل في

206

و لا يشترط في التحليل تعيين المدة على رأي. (1)

____________

كل مهر يذكر في العقد، فوجب الحكم باستحقاق الرجوع به كائنا ما كان.

و إن أريد به ما يلزم عن الشهادة فمعلوم أن أصل النكاح ليس لازما عن الشهادة، و إنما هو مستند الى اختيار الزوج، و الشهادة بالحرية من جملة البواعث، فالحكم بتضمين الزائد له وجه.

إذا عرفت ذلك فهنا مباحث:

الأول: أطلق المصنف في العبارة الشاهدين و لم يصرح بكونهما عدلين، و مقتضى الإطلاق أن له الرجوع عليهما بما ذكر بشهادتهما و إن لم يكونا عدلين. و كذا أطلق في المختلف (1) و إن كان كلامه الذي ذكره آخرا تحقيقا يقتضي عدالتهما، إلّا أن اشتراط العدالة في استحقاق الرجوع بما لزمه غرمه من التغرير لا يظهر وجهه، فإن المدلّس لا يشترط عدالته في استحقاق الرجوع عليه في صورة التدليس، و متى صح عدم اشتراط العدالة فكذا عدم اشتراط التعدد.

الثاني: ظاهر العبارة أنهما إنما أتلفا بشهادتهما المهر و قيمة الولد، فلا يرجع عليهما بما سواهما. و يمكن أن يقال: إن النفقة من هذا القبيل أيضا، لأنه إنما بذلها بناء على وجوبها بالزوجية بناء على الحرية و قد ظهر العدم.

الثالث: ينبغي أن يراد بمهر المثل الذي يرجع به جزما: هو مهر مثلها على تقدير كونها حرة، لأن ذلك هو اللائق بها لو كانت حرة، فهو يقتضي الغرر لا محالة، فالزائد عليه هو مناط الاشكال، و ليس المراد به مهر مثلها أمة قطعا و هو ظاهر.

قوله: (و لا يشترط في التحليل تعيين المدة على رأي).

(1) قد ذكرنا فيما سبق أن الرأي هو ما عليه أكثر الأصحاب، و أن القول

____________

(1) المختلف: 566.