جامع المقاصد في شرح القواعد - ج13

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
448 /
257

..........

____________

و أما الولي فالمعروف بينهم أنه الذي أمر المرأة إليه، كالأب و الجد و الوصي و الحاكم، و مقتضى ذلك أن الرجوع عليه إن كان و إلّا فعليها. و يناسب الحال أن يراد بالولي هنا المتولي لأمرها و إن كان وكيلا بحيث يكون تزويجها مستندا إليه، سواء باشر العقد أم لا.

و الأخبار لا تدل على أمر غير ذلك، و الدليل لا ينهض إلّا عليه، لأن التدليس منوط بالباعثية، لكن الولي إنما يرجع عليه إذا كان عارفا بحالها، فإن علم ذلك فلا بحث، و إن لم يعلم: فإن كان ممن شأنه أن لا يخفى عليه حالها كالمحرم حيث لا يكون العيب خفيا جدا عمل بظاهر الحال و اغرم المهر، إلّا أن تصدقه المرأة فالرجوع عليها.

و لو كذبته فالذي يناسب المقام أن يقدّم قولها باليمين، لأن الظاهر الذي مدار الأمر عليه معها، و لو ادعى عليها الولي في هذه الحالة اختصاصها بالتدليس بأنها حملته على تزويجها و افهمته أن الزوج علم حالها فكذلك.

و إن كان ممن يخفى عليه أمرها: فإن صدقته المرأة فالرجوع عليها، و إن كذبته فالقول قوله بيمينه.

فيلخص من هذا أن الواقع لا يخلو عن التدليس إما منها أو من المزوج لها، و منه يتبين أن الرجوع بالمهر ثابت للزوج في كل صورة، و قد يتوقف في صورة واحدة، و هي إذا كان العيب خفيا جدا و ادعت المرأة الجهل به و أمكن ذلك فإن في تصديقها باليمين و سقوط الرجوع هنا إشكالا ينشأ: من إطلاق النصوص و كلام الفقهاء بالرجوع عليها و على متولي انكاحها، و من انتفاء معنى التدليس حينئذ الذي هو مناط الرجوع و كون الجاهل معذورا. و عبارة الكتاب تدل على أن الحال قد يخلو عن التدليس و هي قوله: (كان و إلّا فلا رجوع). و قريب منه عبارة ابن إدريس (1).

____________

(1) السرائر: 309.

258

..........

____________

فرع: لو كان المتولي لتزويجها جماعة فالرجوع عليهم بأن يوزع على جميعهم بالسوية، سواء كانوا ذكورا أم لا.

الثالث: أطلق الأصحاب الرجوع بالمهر عليها إذا كانت هي المدلسة، و هو واضح إذا كان قد دفع إليها، أما مع عدمه فلا محصل له، و يبعد أن يراد به دفعه إليها ثم استعادته منها إذ لا فائدة في ذلك.

و قد يتخيّل أن فائدة الدفع إليها المحافظة على عدم خلو الوطء المحترم عن مهر، فيكون دفعه من حيث كونه مهرا يقتضيه الوطء و استعادته من جهة التدليس.

و يندفع هذا بأنه لا بد لها مما يكون مهرا على ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

الرابع: إذا كان الرجوع بالمهر على غيرها فلا بحث في أنه يرجع بجميع ما غرم، و إن كان الرجوع عليها ففي الرجوع بجميع المهر وجهان:

أحدهما: يرجع بالجميع، لظاهر النصوص (1)، و لأن غرم المهر ينشأ من تغريرها.

و الثاني: إنه يجب أن يستثني مما يكون مهرا، لأن الوطء المحترم لا يخلو من مهر قطعا، و هذا أصح و به صرح كبراء الأصحاب، و في تقديره قولان:

أحدهما: ما ذهب اليه ابن الجنيد و هو أقل مهر مثلها (2)، و وجهه انه قد استوفى منفعة البضع فوجب عوض مثلها و هو مهر المثل.

و الثاني:- و اليه ذهب الأكثر- أقل ما يمكن أن يكون مهرا، و هو أقل ما يتمول في العادة، و وجهه ورود النص (3) بالرجوع بالجميع، فيجب الاقتصار في المخالفة على موضع اليقين، و هذا هو المقطوع به دون ما زاد و هو الأصح.

____________

(1) الكافي 5: 407 حديث 9، التهذيب 7: 424 حديث 1697، الاستبصار 3: 245 حديث 878.

(2) نقله عنه العلّامة في المختلف: 557.

(3) الكافي 5: 407 حديث 9، التهذيب 7: 424 حديث 1697، الاستبصار 3: 245 حديث 878.

259

و لو كان العيب فيه لزمه المهر في خاصه إذا فسخت بعد الوطء. (1)

و لو فسخ الزوج قبل الدخول سقط المهر، و كذا المرأة، إلّا في العنة فيثبت لها النصف.

و لو وطأ الخصي فلها المهر كملا و الفسخ، (2)

____________

و لقائل أن يقول: إن هذا الاستثناء إن كان حقا ثابتا للزوجة في مقابل الوطء المحترم فلا معنى للرجوع به على الولي كما لا يجوز به عليها، و إن لم يكن حقا لها ثابتا استحق الرجوع به على المدلس و إن كان هو الزوجة.

قوله: (و لو كان العيب فيه لزمه المهر في خاصه إذا فسخت بعد الوطء).

(1) أي: إذا كان العيب الموجب للفسخ في الزوج لزم الزوج المهر في خاصه، أي في خاص الزوج، أي في ماله الخاص به دون من دلسه، و هذا إذا كان الفسخ بعد الوطء الموجب لاستقرار المسمى.

و إنما وجب المهر هنا في خاصه دون من دلسه، لأن النكاح وقع صحيحا فأوجب المهر و استقر بالدخول، و رجوع الزوج في المسألة السابقة لكونه مغرورا، و هو هنا غير مغرور بل المغرور الزوجة و قد استوفت حقها فلا رجوع له على أحد.

و قال ابن حمزة: إن فسخ المرأة موجب لسقوط المهر، سواء كان قبل الدخول أو بعده (1). و هو ضعيف، لاستقرار المسمّى بالدخول فلا يسقط فسخها.

قوله: (و لو فسخ الرجل قبل الدخول سقط المهر، و كذا المرأة إلّا في العنة فيثبت لها النصف، و لو وطأ الخصي فلها المهر كملا و الفسخ).

(2) قد تبيّن أن العيب إما في الرجل أو المرأة، و على التقديرين إما أن يحصل

____________

(1) الوسيلة: 367.

260

..........

____________

الفسخ قبل الدخول أو بعده، فأما حكم الفسخ بعد الدخول من الزوج أو الزوجة فقد سبق حكمه.

و المقصود هنا بيان حكم الفسخ قبل الدخول، و حكمه سقوط المهر، سواء كان الفسخ من الزوج بعيبها أو من الزوجية بعيبه.

أما إذا كان الفسخ من الزوجة فظاهر، لأن الفسخ متى وقع من جانبها قبل الدخول اقتضى سقوط المهر كما قدمناه غير مرة. و أما إذا كان الفسخ من الزوج فلأنه مستند إليها، لأنه إنما فسخ بعيبها، و لا يستثني من ذلك شيء إلّا فسخها بعيبه قبل الدخول، فإنه يوجب نصف المهر باتفاق أكثر الأصحاب.

و هذا الحكم جار على خلاف الأصل، و مستنده رواية أبي حمزة عن أبي جعفر:

«إن زوجة العنين تعطى نصف الصداق و لا عدة عليها» (1)، و يؤيده من حيث المعنى أن الزوج أشرف على محارمها و خلا بها سنة فناسب أن لا يخلو من عوض، و لم يجب الجميع لانتفاء الدخول.

و قال ابن الجنيد: إذا اختارت الفرقة بعد تمكينها إياه من نفسها وجب المهر و إن لم يولج (2)، قال المصنف في المختلف: و هو بناء على أصله من أن المهر يجب كملا بالخلوة كما يجب بالدخول (3)، و لو علمت بعيب الخصي بعد الوطء كان لها الفسخ و وجب عليه جميع المهر، لاستقراره بالدخول.

و في رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): إن خصيا دلس نفسه لامرأة قال «يفرق بينهما و تأخذ المرأة منه صداقها و يوجع ظهره كما دلس نفسه» (4).

____________

(1) الكافي 5: 411 حديث 7، التهذيب 7: 429 حديث 1709، الاستبصار 3: 251 حديث 899.

(2) نقله عنه العلّامة في المختلف: 555.

(3) المختلف: 555.

(4) الكافي 5: 411 حديث 6، التهذيب 7: 434 حديث 1731.

261

و القول قول منكر العيب مع يمينه و عدم البينة.

و لا تثبت العنة إلّا بإقراره، أو البينة على إقراره، أو نكوله إما مع يمين المرأة أو مطلقا على خلاف، فلو ادعت العنة من دون الثلاثة حلف.

و قيل: إن تقلّص في الماء البارد فصحيح، و إن استرخى فعنين. (1)

____________

قوله: (و القول قول منكر العيب مع يمينه و عدم البينة، و لا تثبت العنة إلّا بإقراره أو بالبينة على إقراره أو نكوله، اما مع يمين المرأة أو مطلقا على خلاف، فلو ادعت العنة من دون البينة حلف، و قيل: إن تقلص في الماء البارد فصحيح و إن استرخى فعنين).

(1) مقصود هذا البحث بيان طريق ثبوت العيب و إن لم يستوف أحكام ذلك، لكن سيأتي فيما بعد تنقيحها في كلامه، و لا ريب أن العيب على قسمين خفي و جلي، فالجلي كالجذام و البرص اللذين يعلمهما كل أحد، و كذا الجب و الخصي و يسهل اطلاع الحاكم عليهما، لا حاجة الى ذكر المتنازع فيه، لأن قطع المنازعة فيه سهل.

و أما الخفي فلا شك في أن مثبتة عليه البينة، لأنه مدع فإن الأصل الصحة، و على نافيه اليمين، لأنه منكر، و لا شك أنه يشترط في الشاهد مع العدالة العلم بذلك العيب، و علاماته بكونهما طبيبين عارفين بحيث يقطعان بوجوده إن كان مما يمكن علم الغير به كالبرص و الجذام الخفيين.

و إن كان لا يعلمه غالبا إلّا صاحبه و لا يطلع عليه إلّا من قبله و هو العنة، فإن طريق ثبوته إقرار الزوج أو البينة على إقراره، أو اليمين المردودة من المنكر، أو الحاكم إذا نكل المنكر عن اليمين، بناء على أن النكول وحده لا يقضى به بل يرد اليمين على المدعي.

فإذا حلف قضى بثبوت الدعوى، و هذا أصح القولين، و وراءه قول آخر و هو

262

..........

____________

القضاء بمجرد النكول، ذهب إليه الشيخ (رحمه اللّٰه) (1)، فعلى هذا يكون الثبوت باليمين المردودة من المنكر، لأنها كإقراره أو كالبينة، و موضع القولين كتاب القضاء، و سيأتي تحقيقهما إن شاء اللّه تعالى.

و إلى هذا أشار المصنف بقوله: (أو نكوله، اما مع يمين المرأة أو مطلقا على خلاف) أي: لا تثبت العنة إلّا بكذا أو نكوله اما مقيدا باليمين على قول أو مطلقا، أي: غير مقيد باليمين على قول آخر.

و لا يخفى أن ما ذكره غير حاصر، مع أن مقتضى عبارته الحصر، فإن الاستثناء في سياق النفي يفيد الحصر، لأن اليمين المردودة طريق الى الثبوت مع انتفاء النكول ثمة، و لعله اكتفى في الدلالة على هذا بذكر اليمين المردودة مع النكول، و هنا مسامحة أيضا و هي أن قضية العبارة أن الثبوت بالنكول و اليمين معا.

و لا شك أنه لا دخل للنكول في الثبوت أصلا و إنما المثبت هو اليمين خاصة، و النكول هو السبب في تسلط الحاكم على الرد، و لولاه لكان الرد من المنكر ليس إلّا.

و إنما قلنا: إن العنة عيب لا يعلمه غالبا إلّا صاحبه، لأن استناد الامتناع من الوطء الى العجز بحيث يضعف العضو عن الانتشار أمر خفي لا يطلع عليه الغير اطلاعا يقطع به بحيث يصير متحملا للشهادة، و لهذا لو أقيمت الشهادة بنفس العنة لم تسمع، نعم قد تطلع عليه الزوجة بمرور الأيام و تكرار الأحوال و تعاضد القرائن.

فلذلك يثبت بيمينها المردودة، و أنكره بعض الشافعية محتجا بأن خفاء هذا الأمر مما تشترك فيه الزوجة و الشاهد (2)، و الفرق ظاهر، لأن الزوجة تطلع من بواطن أحوال الزوج على ما لا يطلع عليه غيرها.

____________

(1) المبسوط 4: 263.

(2) انظر المجموع 16: 277.

263

و لو ادعى الوطء قبلا أو دبرا أو وطأ غيرها بعد ثبوت العنة صدّق مع اليمين، و قيل في دعوى القبل إن كانت بكرا صدّق مع شهادة النساء بذهابها و إلّا حشى قبلها خلوقا و أمر بوطأها فيصدق مع ظهوره على العضو. (1)

____________

إذا تقرر هذا فإن الزوجة إذا ادعت العنة و لم يقر و لم يكن بينة على إقراره حلف، فإذا حلف استقر النكاح و انقطعت الدعوى، هذا هو المشهور بين الأصحاب، و قال الصدوق في المقنع و أبوه في الرسالة: يقعد الرجل في ماء بارد فإن استرخى ذكره فهو عنين، و إن تشنّج فليس بعنين (1)، و اليه ذهب ابن حمزة (2)، و أنكره ابن إدريس (3)، و كافة المتأخرين، و هو الأصح، لأن ذلك لا ينضبط و لا يوثق به، و (تقلص) معناه انضم و انزوى، و الشنج تقبض في الجلد.

قوله: (و لو ادعى الوطء قبلا أو دبرا، أو وطأ غيرها مع ثبوت العنة صدّق مع اليمين، و قيل صدق في دعوى القبل، و إن كانت بكرا صدق مع شهادة النساء بذهابها، و إلّا حشي قبلها خلوقا و أمر بوطئها، فيصدق مع ظهوره على العضو).

(1) لو تنازعا في العيب فالحكم ما تقدم، و لو تنازعا في الوطء في موضع العنة، فادعاه الزوج قبلا أو دبرا لها أو لغيرها مع ثبوت عننه بواحد من الطرق السابقة، فالقول قول الزوج بيمينه و إن كان بصورة المدعى، لأنه في الحقيقة منكر، و أن الأصل الصحة، و حصول العيب على خلاف الأصل، و مثل هذا الأمر يتعذر فيه اقامة البينة.

و لقائل أن يقول: إن الفرض مصور بما إذا ثبتت العنة، و كيف يكون منكرا مع

____________

(1) المقنع: 17، و انظر المختلف: 556.

(2) الوسيلة: 366.

(3) السرائر: 309.

264

..........

____________

ثبوتها، بل هو المدعي في الحقيقة، و تعذر إقامة البينة لا يكفي في الثبوت باليمين كما في السرقة.

و يمكن الجواب بأن العنة لم تثبت إلى الآن و إلّا لثبت الفسخ، و إنما الثابت العجز الذي يمكن أن يكون عنة و يمكن أن يكون غيرها، و لهذا يؤجل سنة لينظر أ يقدر على الوطء أم لا، فإن قدر على وطء أحد فلا عنة و إلّا ثبت و أما تعذر إقامة البينة لكون الشيء مما لا يطلع عليه فإنه يكفي فيه اليمين لئلا يؤدي الى سقوط اعتباره كما في الحيض.

فإنها لو ادعت انقضاء العدة به و أمكن صدقت بيمينها، أما لو تنازعا في الوطء قبل ثبوت العنة فإن كونه منكرا لا شبهة فيه.

و بما ذكرناه قال الشيخ في النهاية (1) و أكثر الأصحاب (2)، و المصنف، و ذهب في الخلاف إلى أن دعواه الوطء إن كان في القبل، فإن كانت بكرا صدق مع شهادة أربع نساء بذهابها، و إن كانت ثيبا حشي قبلها خلوقا ثم يؤمر بالوطء، فإن خرج الخلوق على ذكره صدق و إلّا فلا (3)، و به قال الكيدري (4).

احتج الأولون بعموم قوله (عليه السلام): «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر» (5)، و بما رواه أبو حمزة في الصحيح قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:

«إذا تزوج الرجل المرأة الثيب التي قد تزوجت زوجا غيره فزعمت أنه لا يقربها منذ دخل بها، فإن القول في ذلك قول الزوج، و عليه أن يحلف باللّه لقد جامعها لأنها

____________

(1) النهاية: 487.

(2) منهم ابن أبي عقيل كما في المختلف: 556، و ابن البراج في المهذب 2: 236، و ابن إدريس في السرائر: 310.

(3) الخلاف 2: 728 مسألة 140 كتاب النكاح.

(4) نقله عنه العلامة في المختلف: 556.

(5) الكافي 7: 415 حديث 1، الفقيه 3: 20 حديث 1، التهذيب 6: 229 حديث 553.

265

..........

____________

المدعية» (1).

و احتج الآخرون بما رواه عبد اللّه بن الفضل الهاشمي عن بعض مشايخه قال:

قالت امرأة لأبي عبد اللّه (عليه السلام)، أو سأله رجل عن رجل تدعي عليه امرأته أنه عنين و ينكر الرجل، قال: «تحشوها القابلة بالخلوق و لا يعلم الرجل و يدخل عليها الرجل، فإن خرج على ذكره الخلوق صدق و كذبت و إلّا صدقت و كذب» (2).

و ضعّفها المصنف في المختلف بكونها مرسلة، ثم صوب الجمع بينهما و بين رواية أبي حمزة بحمل الاولى على ما إذا ادعى الرجل الإصابة قبل الدعوى فأنكرت، و الثانية على ادعاء العنة فينكر الرجل (3).

و في هذا الحمل اعتراف بأن حشو الخلوق طريق الى قطع المنازعة، و فيه نظر، لإمكان أن يلطخ ذكره به هو أو غيره، فلا يكون دليلا على الجماع، اللهم إلّا إذا قطع بانتفاء ذلك كما إذا أفردا في بيت خال و شدت يداه على وجه أفاد اليقين، فإنه لا يبعد المصير إليه.

لكن على هذا لا يحتاج الى ما قيد به في الرواية من كون الرجل لا يعلم حشو الخلوق.

و متى ثبت اعتبار حشو الخلوق شرعا كان ذلك طريقا رابعا يستعلم به ثبوت العنة و انتفاؤها.

و الخلوق بفتح الخاء المعجمة: أخلاط من الطيب منها الزعفران.

و لو كانت بكرا فادعى الإصابة فشهد أربع نسوة بالبكارة فكذبهن الزوج لم

____________

(1) الكافي 5: 411 حديث 7، التهذيب 7: 429 حديث 1709، الاستبصار 3: 251 حديث 899.

(2) الكافي 5: 411 حديث 8، الفقيه 3: 357 حديث 1704، التهذيب 7: 429 حديث 1710، الاستبصار 3: 251 حديث 900.

(3) المختلف: 556.

266

و إذا ثبت العنة و صبرت لزم العقد، و إلّا رفعت أمرها إلى الحاكم فيؤجله سنة من حين المرافعة، فإن واقعها أو غيرها فلا فسخ، و إلّا فسخت إن شاءت و لها نصف المهر. (1)

____________

يسمع منه، و إن ادعى عود البكارة بعد الوطء قدّم قولها مع اليمين، اما بعدم الوطء أو بان هذه بكارة الأصل فإن جانبها معتضد بأصالة بقاء البكارة الخلقية، و أن الظاهر عدم العود بعد الزوال.

و لو نكلت حلف و سقط خيارها، و لو نكل لم يبعد تقديم قولها، لأن الظاهر معها، و قد صرح المصنف بهذه الأحكام في التحرير (1)، و الشيخ في المبسوط (2).

قوله: (و إذا ثبت العنة و صبرت لزم العقد، و إلّا رفعت أمرها إلى الحاكم فيؤجله سنة من حين المرافعة، فإن واقعها أو غيرها فلا فسخ، و إلّا فسخت إن شاءت و لها نصف المهر).

(1) إذا ثبت العنة بأحد الطرق السابقة، فإن صبرت لزم العقد و لم يكن لها بعد ذلك مرافعة و لا فسخ، لتضمن ذلك الرضى بالعيب، و هو أمر واحد لا تجدد فيه و لا تعدد، بخلاف المطالبة في الإيلاء فإنها لا تسقط بالإسقاط لتجدد الحق في كل وقت.

و حكى الشيخ في المبسوط خلافا في سقوط الخيار هنا، ثم قوّى السقوط محتجا بعموم الاخبار (3).

و يلزم من هذا أن تكون المرافعة على الفور كالفسخ، و إن لم تصبر فليس لها الفسخ في الحال إجماعا، بل يجب أن ترفع الأمر إلى الحاكم، فإذا رفعته إليه أجّله سنة من حين المرافعة إذا طلبت ذلك أو اقتصرت على المطالبة بحقها شرعا، أما مع سكوتها فلا، إلّا إذا احتمل أن يكون سكوتها لدهشة أو جهل فلا بأس بتنبيهها. و أطبق العلماء

____________

(1) التحرير 2: 29.

(2) المبسوط 4: 265.

(3) المبسوط 4: 265.

267

..........

____________

على كون الأجل سنة، معللين بأن تعذر الجماع قد يكون لعارض حرارة فيزول في الشتاء، أو برودة فيزول في الصيف، أو يبوسة فيزول في الربيع، أو رطوبة فيزول في الخريف.

و لا شبهة في أنه من حين المرافعة، فإذا مضت السنة مع عدم الإصابة علم انه خلقي.

و روى أبو البختري عن جعفر عن أبيه: «أن عليا (عليه السلام) كان يقول:

يؤخر العنين سنة من يوم ترافعه امرأته، فإن خلص إليها و إلّا فرق بينهما، فإن رضيت أن تقيم ثم طلبت الخيار بعد ذلك فقد سقط الخيار» (1).

و هذه الرواية و إن دلت على أن المعتبر أصابتها و عدمها، إلّا أن رواية غياث الضبي (2) دالة على اعتبار أصابتها، أو اصابة غيرها في عدم الفسخ، و يؤيدها أن العنن إنما يكون مع العجز المحقق لضعف في القوى أو القلب أو الكبد أو تخلل في نفس الآلة، و هذا لا يختلف باختلاف النسوة.

و أما العجز عن امرأة دون أخرى فإنه قد يتفق، لاحتباس الشهوة عنها بسبب نفرة منها أو حياء أو لاختصاص المقدور عليها بالإنس بها أو وجود الميل إليها أو انتفاؤه عن غيرها. و كذا قد يتفق العجز عن المأتي و القدرة على غيره، لاعتياد خبيث، و في جميع ذلك لا يثبت الخيار عندنا.

و لو كان العجز عن الجماع لمرض لا يرجى زواله فهو في معنى العنة، و مثله من جبّ بعض ذكره فشل الباقي.

و رواية أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة

____________

(1) التهذيب 7: 431 حديث 1719، الاستبصار 3: 249 حديث 894.

(2) الكافي 5: 410 حديث 4، التهذيب 7: 430 حديث 1714، الاستبصار 3: 250 حديث 869.

268

و لو قيل بأن للمرأة الفسخ بالجذام في الرجل أمكن، لوجوب التحرز من الضرر فإنه (عليه السلام) قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». (1)

____________

ابتلى زوجها فلا يقدر على الجماع ابدا ا تفارقه؟ قال: «نعم إن شاءت» (1) تتناول ذلك كله، و لو كان العذر لمرض مرجو الزوال فلا مرافعة و لا خيار.

تنبيه: لا فرق في التأجيل سنة بين كون العنة سابقة على العقد أو متجددة بعده، و خص ابن الجنيد التأجيل بالثاني (2)، و الأصحاب على خلافه (3)، و النصوص عامة (4).

قوله: (و لو قيل: بأن للمرأة الفسخ بالجذام في الرجل أمكن، لوجوب التحرز من الضرر، فإنه قال (عليه السلام): «فر من المجذوم فرارك من السبع»).

(1) هنا مبحثان: الأول: المشهور بين الأصحاب أن الجذام و البرص من العيوب المختصة بالنساء، فلا تفسخ المرأة بوجودهما أو أحدهما في الزوج.

و ذهب ابن البراج في المهذب الى اشتراكهما بين الرجل و المرأة ففي أيهما وجد أحدهما فللآخر الفسخ (5).

و ظاهر كلام ابن الجنيد يقتضي ذلك (6)، و هو ظاهر اختيار المصنف في المختلف، فإنه قال: و كلام ابن البراج حسن لا بأس به (7).

____________

(1) التهذيب 7: 431 حديث 1718، الاستبصار 3: 249 حديث 892.

(2) نقله عنه العلّامة في المختلف: 555.

(3) منهم الصدوق في المقنع: 105، و المفيد في المقنعة: 80، و الطوسي في النهاية: 486.

(4) التهذيب 7: 431 حديث 1716 و 1718، الاستبصار 3: 249 حديث 891 و 893.

(5) المهذب 2: 231.

(6) نقله عنه العلّامة في المختلف: 553.

(7) المختلف: 553.

269

..........

____________

احتج الأكثرون بأن الأصل في عقد النكاح اللزوم و ثبوت الخيار مخالف للأصل، فيتوقف على الدليل، و هو منتف في محل النزاع، و بما سبق في رواية غياث الضبي من قوله (عليه السلام): «و الرجل لا يرد من عيب»، فإنه بعمومه يتناول محل النزاع.

و احتج الآخرون بقوله (عليه السلام): «إنما يرد النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العفل» (1)، فإنه عام في الرجل و المرأة إلّا ما أخرجه دليل، و بأنه يؤدي الى الضرر، إذ ذلك من الأمراض المعدية باتفاق الأطباء، و قد روي أنه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» (2)، فلا بد من طريق التخلص.

و لا طريق إلّا الخيار، و بأنه قد ثبت بالنص (3) و الإجماع كونهما عيبا في المرأة ففي الرجل أولى، فإن العلة في ثبوت الفسخ هو لبشاعته و شدة النفرة بسببه النافية لشهوة الجماع، و توقع الضرر العظيم به موجودة، ثم بوجه أقوى فإن الرجل يستطيع التخلص بالطلاق و لا طريق للمرأة إلّا الفسخ فتعيّن القول بثبوته.

و لا يخفى أن هذه الدلائل أقوى، لأنّ صحيحة الحلبي دليل ناقل عن حكم الأصل، و هي مرجحة على رواية غياث، لصحتها و شهرتها مع ما ضم إليها من المؤيدات، و القول الثاني لا يخلو من قوة.

الثاني: إذا قلنا بثبوت الخيار للمرأة بجذام الزوج و برصه، و كان العيب سابقا على العقد فلا بحث في الخيار به، و إن تجدد بعد الدخول فقضيته ما سبق في نظائره عدم الخيار.

و إن تجدد بعد العقد و قبل الدخول ففيه إشكال، ينشأ: من أن ثبوت الخيار هنا

____________

(1) التهذيب 7: 424 حديث 1693، الاستبصار 3: 246 حديث 880.

(2) الفقيه 3: 363 حديث 1727.

(3) الكافي 5: 409 حديث 16، الفقيه 3: 273 حديث 1296، التهذيب 7: 427 حديث 1703، الاستبصار 3: 247 حديث 889.

270

و يثبت العيب بإقرار صاحبه، أو شهادة عدلين عارفين.

و في العيوب الباطنة للنساء شهادة أربع منهن مؤمنات. (1)

____________

على خلاف الأصل و المشهور، فينبغي أن يقتصر فيه على ما لا تكثر معه المخالفة. و من أن رواية الحلبي تتناول بعمومها هذا الفرد.

و لقائل أن يقول: إن رواية الحلبي دالة على حكم هذين العيبين بالنسبة الى كل من الرجل و المرأة، فيتعين كون الثبوت في حقهما على نهج واحد، و قد سبق أنه لا خيار للرجل بتجددهما بعد العقد فتكون المرأة كذلك.

و اعلم أن المصنف لم يتعرض في هذا الكتاب الى البرص، و إنما اقتصر على ذكر الجذام و لم يرجح فيه شيئا، و إنما أورد الخيار فيه على طريق الاحتمال.

و في المختلف رجّح الثبوت فيهما على ما حكيناه (1)، فإن كان اقتصاره على الجذام مصيرا الى أن البرص لا خيار فيه جزما، و التردد إنما هو في الجذام، فهو في قوة القول الثالث للقولين، و كلامه محتمل.

قوله: (و يثبت العيب بإقرار صاحبه، أو بشهادة عدلين عارفين، و في العيوب الباطنة للنساء بشهادة أربع منهن مؤمنات).

(1) قد عرفت فيما مضى أن العيب على قسمين: أحدهما ما يمكن اطلاع الغير عليه، و الآخر ما لا يمكن كالعنة، و كلاهما يشتركان في الثبوت بإقرار صاحب العيب، و مع إنكاره فإنما يثبت الثاني بشهادة عدلين على إقرار صاحبه، أو اليمين المردودة، أو النكول على القول بالقضاء به.

أما الأول فإنه يثبت بشهادة عدلين طبيبين عارفين إن كان مثله يخفى على غير الطبيب، و إلّا كفت العدالة، و في جانب المرأة تثبت في العيوب الباطنة للنساء

____________

(1) المختلف: 553.

271

و لو كان بكل منهما عيب ثبت لكل منهما الخيار، و في الرتق الممتنع

____________

و هي التي لا يطلع عليها الرجال، مضافا الى ما ذكر بشهادة الأربع من النساء موصوفة بالعدالة و المعرفة بالطب، إلّا أن يكون العيب جليا لا تتوقف معرفته على الطبيب فتكفي العدالة.

فإن قيل: لم اعتبر في الشاهدين مع العدالة المعرفة و اقتصر في النساء على الاتصاف بالايمان؟.

قلنا: لعله لحظ في ذلك أن عيب الرجل إذا كان جليا واضحا يمكن اطلاع الحاكم عليه، فلا حاجة به الى الشاهدين لثبوته، و إنما يحتاج إليهما في موضع الخفاء فيعتبر معرفتهما بالطب لا محالة.

و أما المرأة فلكون الحاكم لا يطلع على بواطن أحوالها، يحتاج إلى شهادة أربع من النساء، و لا يشترط معرفتهن بالطب إلّا في موضع الخفاء، فلا يكون شرطا في أصل الشهادة، فلذلك لم يعتد بها في أصل الشهادة، لانتفائه في بعض الأقسام، و كأنه أحال في القسم الآخر على ما ذكره في الرجال لأنهما بمرتبة واحدة.

و أما العدول عن اشتراط العدالة في النساء الى الاكتفاء بالايمان فلا يظهر وجهه.

فرع: لو خفي العيب على النساء لجهلهن، و توقف الأمر على أشراف عدول الرجال الأطباء على المرأة، ففي وجوب الإلزام و الاكتفاء بيمين المرأة على النفي تردد ينشأ: من توقف حق الرجل عليه، و من أن فيه تعجيل هتك مع أن الأصل السلامة، و قد قال (عليه السلام): «اليمين على من أنكر» (1).

قوله: (و لو كان بكل منهما عيب ثبت لكل منهما الخيار، و في الرتق

____________

(1) الكافي 7: 415 حديث 1، الفقيه 3: 20 حديث 1، التهذيب 6: 229 حديث 553.

272

الإزالة مع الجب اشكال. (1)

____________

الممتنع من الإزالة مع الجب اشكال).

(1) لو وجد كل من الزوجين بالآخر عيبا من العيوب الموجبة للفسخ ثبت لكل منهما الخيار، فإن اختار أحدهما الإمضاء كان للآخر الفسخ، لوجود المقتضي للفسخ بالنسبة الى كل منهما، و اجتماع النقيضين لا يمنع من ترتب الأثر.

و لا فرق بين كون العيبين من جنسين أو من جنس واحد.

و حكى في المبسوط وجهين في الثاني، يوجه أحدهما بكونهما مع الاتحاد متكافئين فلا خيار، و الآخر بعموم النص، و أن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه و قوّى الثاني (1)، و هو الأصح.

و أطلق المصنف ثبوت الخيار إلّا في صورة واحدة، و هي الرتق الممتنع الإزالة الذي يتعذر معه الوطء.

و في معناه العفل مع الجب المستوعب و ما في حكمه، فذكر فيه إشكالا ينشأ:

من أن كلا منهما سبب للخيار إذا انفرد فعند الاجتماع كذلك، لأصالة عدم كون الاجتماع مانعا من ترتب الخيار على السبب. و من أن الفسخ إنما يثبت بكل من العيبين المذكورين، لفوات مقصود النكاح و هو الاستمتاع، فجعل الفسخ وسيلة إلى التخلص منه.

و هذا المعنى منتف في المحل المفروض، فإن الفوات المذكور ثابت على كل من تقديري الفسخ و عدمه فيتمسك بأصالة لزوم النكاح، و ليس بشيء، لأن المعنى المستنبط لا يخصص عموم النص (2)، فالأصح الثبوت من الجانبين.

____________

(1) المبسوط 4: 251.

(2) الكافي 5: 406 حديث 6، التهذيب 7: 424 حديث 1693، الاستبصار 3: 246 حديث 880.

273

و لو طلّق قبل الدخول ثم علم بالعيب لم يسقط عنه ما وجب بالطلاق، و كذا بعده، و ليس له الفسخ، و لا بعد الرجعة مع العلم قبلها. (1)

____________

قوله: (و لو طلق قبل الدخول ثم علم بالعيب لم يسقط عنه ما وجب بالطلاق، و كذا بعده، و ليس له الفسخ و لا بعد الرجعة مع العلم قبلها).

(1) أي: لو طلق الزوجة ذات العيب قبل الدخول و هو لا يعلم بالعيب فقد بانت منه، فلو علم بالعيب بعد الطلاق لم يسقط ما وجب بالطلاق و هو نصف المهر، لأنه أوجد الفرقة بالطلاق مستندا في ذلك الى اختياره، و هو مقتض لوجوب النصف و المسقط للجميع هو الفسخ قبل الدخول و لم يوجد.

و كذا الحكم لو طلق بعد الدخول، فإن وجوب جميع المهر بحاله إذا ظهر العيب، و ليس له الفسخ في هذه الحالة، سواء كان الطلاق بائنا أو رجعيا.

أما إذا كان بائنا فظاهر، لانقطاع علاقة النكاح فلا يعقل الفسخ.

و أما إذا كان رجعيا، فلأن الطلاق مزيل لقيد النكاح و قد حصل به مقصود الفسخ، لأنه آئل إلى بينونة.

و لا وجه لثبوت الفسخ بعده، و لو رجع في هذه الحالة و قد علم بالعيب قبلها فلا فسخ له، لأن رجوعه مع العلم بالعيب يقتضي الرضى به و ذلك مانع من الفسخ، بخلاف ما لو لم يعلم بالعيب حتى رجع فإن له الفسخ به هنا لا محالة، لانتفاء المانع و إلى ما ذكرناه أشار بقوله: (و ليس له الفسخ و لا بعد الرجعة) أي: ليس له الفسخ قبل الرجعة و لا بعد الرجعة إلى أخره.

و لقائل أن يقول: ينبغي أن يكون له الفسخ في الطلاق الرجعي إذا لم يعلم بالعيب حتى يطلق مع بقاء العدة، لأن المطلقة الرجعية زوجة، فيندرج في النصوص الدالة على الفسخ بعيب الزوجة، و من فوائده تعجيل البينونة، فتحل الخامسة و أختها

274

و إذا فسخ أحدهما بعد الدخول وجبت العدة، و لا نفقة فيها إلّا مع الحمل (1)، و على الزوج البينة لو أنكر الولي علمه بالعيب، فإن فقدها فله اليمين.

فإذا حلف رجع الزوج على المرأة، لأنها غرّت حيث لم تعلم الولي، فإن ادعت اعلامه حلف. (2)

____________

و ينقطع الإرث و تسقط نفقة العدة و غير ذلك.

قوله: (و إذا فسخ أحدهما بعد الدخول وجبت العدة، و لا نفقة فيها إلّا مع الحمل).

(1) لا شك أنه إذا فسخ أحد الزوجين بعيب الآخر بعد الدخول تجب العدة للوطء المحترم، و هي عدة الطلاق على ما سيأتي بيانه إن شاء تعالى، و لا نفقة في هذه العدة قطعا، لانتفاء المقتضي، فإنها بائنة، فإن الفسخ يزيل أثر النكاح.

هذا إذا كانت حائلا، و أما إذا كانت حاملا بني على أن نفقة الحامل في الطلاق البائن للحمل أو للمطلقة، فعلى القول بأنها للمطلقة لا نفقة هنا، لانتفاء المتعلق، و على القول بأنها للحمل يجب بحق القرابة و السكنى كالنفقة في ذلك.

و به صرح المصنف في التحرير (1)، و جزم بالوجوب هنا، و هو يقتضي ترجيح وجوب النفقة للحمل، لأنه حق مبني عليه و لم يرجح في التحرير شيئا، و سيأتي تحقيقه إن شاء تعالى.

قوله: (و على الزوج البينة لو أنكر الولي علمه بالعيب، فإن فقدها فله اليمين، فإذا حلف رجع الزوج على المرأة، لأنها غرت حيث لم يعلم الولي، فإن ادعت اعلامه حلف).

(2) قد ثبت أن للزوج

____________

(1) التحرير 2: 29.

275

..........

____________

الرجوع على الولي بالمهر إذا فسخ بالعيب و كان الولي عالما بالحال، فبناء على هذا إذا ادعى الزوج عليه العلم بالعيب ليرجع عليه، فإن أنكر كان على الزوج البينة لإثبات دعواه، فإنه مدع، لأن الأصل عدم العلم.

و الأصل براءة ذمته، و مع فقدها فللزوج اليمين عليه، فإذا حلف انتفى علمه ظاهرا، و انتفى سبب الرجوع عليه و هو التدليس و الحصر في جانبها، فتعين الرجوع عليها لتغريرها حيث لم تعلم الولي بحالها.

فإن ادعت اعلامه كان عليها البينة، و مع عدمها فعليه اليمين، و لا يكفي اليمين الأولى، لأن أثر اليمين لا يتعدى المتخاصمين، فلا تسقط بها دعوى اخرى، و ينبغي التنبيه لشيئين:

أحدهما: انا قد أسلفنا أن الولي إن كان ممن شأنه أن لا يخفى عليه حالها لكونه محرما و العيب مما لا يخفى فعليه الغرم، و لا يقبل منه اليمين، فإنه المدعي، لأن دعواه خلاف الظاهر.

و حينئذ فلا يتمسك بأصالة براءة الذمة، لوجود المقتضي لشغلها. و ربما علل بأنه على تقدير عدم علمه مقصر بترك الاستعلام، و إن كان من شأنه أن يخفى عليه الحال، فإن الرجوع عليه إنما يكون مع علمه، فإن أنكره فعليه اليمين مع عدم البينة.

هذا هو المستفاد من كلام المحققين منهم الشيخ في المبسوط (1)، و المصنف في التحرير (2)، و غيرهما (3) و توجيهه ظاهر فإذا وضح هذا و نظر الى إطلاق كلام المصنف هنا بأن على الولي اليمين إذا أنكر العلم بالعيب تبيّن كون هذا الإطلاق مستحقا للتقييد.

الثاني: إذا حلف الولي للزوج على عدم العلم بالعيب لم يمتنع توجه دعوى

____________

(1) المبسوط 4: 252.

(2) التحرير 2: 29.

(3) ابن البراج في المهذب 2: 234.

276

و لو سوّغنا الفسخ بالمتخلل بين العقد و الوطء فرضي ببرص سابق، ثم اتسع في ذلك العضو، فالأقرب ثبوت الخيار، و لو حصل في غيره ثبت الخيار قطعا، (1)

____________

المرأة عليه الاعلام فيتوجه بها اليمين، لأنه ربما أقر بأنها أعلمته فيكون قد أكذب نفسه و يمينه التي حلفها للزوج فيغرم المهر حينئذ.

لكن لو أراد رد اليمين عليها، أو نكل بحيث يردها الحاكم فهل يستحلف؟

يحتمل العدم لئلا يلزم إبطال الحكم بالحكم، و يحتمل أن يبنى ذلك على أن اليمين المردودة هل هي كالبينة أو كالإقرار، فإن قلنا كالبينة لم يستحلف، لأن البينة على الدعوى لا تسمع بعد يمين المنكر. و إن قلنا انها كالإقرار استحلف، لأن المنكر إذا حلف ثم أقر مكذبا نفسه أخذ بإقراره.

قوله: (و لو سوغنا الفسخ بالمتخلل بين العقد و الوطء فرضي ببرص سابق، ثم اتسع في ذلك العضو، فالأقرب ثبوت الخيار، و لو حصل في غيره ثبت الخيار قطعا).

(1) إنما بني الفرض على القول بثبوت الفسخ بالعيب الحادث خلال المدة التي بين العقد و الوطء، لامتناع القول بالخيار في الفرض إلّا على ذلك التقدير.

و ربما أوهم كلامه عدم وجود فرض يزداد فيه العيب، و يتصور ثبوت الخيار به من حيث انه احتاج إلى البناء على قول ضعيف، إذ لو وجد ما لا يحتاج الى ذلك لكان أولى بالذكر، و ليس كذلك، لأن من علم ببرص قبل العقد ثم اتسع و لم يعلم بالزائد، ثم عقد من صور الحكم المذكور و لا حاجة فيه الى البناء.

إذا تقرر ذلك ففي ثبوت الخيار بسبب الزيادة و عدمه وجهان، أقربهما عند المصنف الثبوت، لأن الزائد عيب لم يحصل الرضى به فيوجب الخيار، بدليل انه لو انفرد لكان كافيا في ثبوته و ليس ثم ما يتوهم مانعيته إلّا ضميمة الى ما وقع الرضى به.

277

و يسقط حكم العنة بتغيّب الحشفة، و مقطوعها بقدرها، و بالوطء في الحيض و النفاس و الإحرام. (1)

____________

و ذلك غير صالح للمانعية، لأن المانعية حكم أو لازم الحكم فيتوقف على نص الشارع، و فيه قوة.

و الثاني: العدم و اختاره في التحرير (1)، لأن رضاه بالسابق رضى بما يحدث منه و يتولد عنه، و لأنه مع الزائد عيب واحد لاتحاد محله، بخلاف الحادث في محل آخر. و يضعف بمنع الرضى بما يحدث منه و منع تأثير الاتحاد المذكور. و لو حدث ذلك العيب في محل آخر غير الأول الذي وقع الرضى به فقد قطع المصنف بثبوت الخيار، لانتفاء الرضى به، و عموم النصوص يقتضي الثبوت، و أسنده الشيخ في المبسوط الى قوم و لم يصرح هو بالفتوى (2).

و لا ريب أن الثبوت هنا أرجح، و لو اختلف نوع العيب المتجدد و السابق فلا بحث في الثبوت.

قوله: (و يسقط حكم العنة بتغيب الحشفة و مقطوعها بقدرها، و بالوطء في الحيض و النفاس و الإحرام).

(1) يتعلق بتغيب الحشفة في الفرج أحكام كثيرة كالتحصين، و التحليل، و وجوب الحد، و الكفارة في الصوم و الإحرام، و فساد العبادة مثل الصلاة و الصوم، و وجوب الغسل، و منه حكم العنة.

و الأصل في ذلك النص و الإجماع، و المعنى فيه أن الحشفة هي الآلة الحساسة لتلك اللذة.

إذا تقرر ذلك فالذي يخرج به من ثبت عنته عن حكم العنة بحيث يسقط

____________

(1) التحرير 2: 29.

(2) المبسوط 4: 253.

278

و لا فرق في لزوم العقد باختيار المقام معه في أثناء السنة أو بعدها (1)، و إذا علمت بعنته قبل العقد فلا خيار. (2)

____________

الخيار هنا هو تغييب الحشفة في الفرج بحيث يشمل الشفران و ملتقاهما عليها، اما إذا انقلبت الشفران الى الباطن و كانت الحشفة تلاقي ما انعكس من البشرة الباطنة ففي اعتباره في ذلك و نظائره توقف، هذا حكم سليم الحشفة، أما مقطوعها ففي حكمه وجهان:

أحدهما: الاكتفاء بتغييب قدرها، لأنها المرجع عند وجودها، فيصار الى قدرها عند فقدها.

و الثاني: اعتبار تغييب الكل، فإنه ليس بعد الحشفة حد يرجع اليه، و اختار الشيخ في المبسوط الأول (1)، و تردد المصنف في التحرير (2).

و لو وطأها في الحيض أو النفاس أو الإحرام خرج عن حكم العنة، لحصول الوطء الحقيقي، و لا يقدح كونه محرما، و كذا لو وطأ في الدبر عندنا.

قوله: (و لا فرق في لزوم العقد باختيار المقام معه في أثناء السنة و بعدها).

(1) أما بعد السنة فلأنه محل الخيار، فإذا اختارت المقام سقط. و أما اختيارها ذلك في الأثناء فقد حكى الشيخ في المبسوط فيه خلافا، ثم قوى السقوط (3)، و هو المختار، و يدل عليه رواية أبي البختري التي ذكرناها فيما تقدم.

قوله: (و إذا علمت بعيبه قبل العقد فلا خيار).

(2) لأن إقدامها على النكاح في هذه الحالة يتضمن الرضى بالعيب، سواء العنة

____________

(1) المبسوط 4: 264.

(2) التحرير 2: 30.

(3) المبسوط 4: 264.

279

و لو وطأها و سقط عنه دعوى العنة، ثم بانت، ثم تزوجها فادعتها سمعت. (1)

و لو تزوج بأربع و طلقهن فشهدن عليه بالعنة لم تسمع. (2)

و هل يثبت للأولياء الخيار؟ الوجه ذلك مع مصلحة المولى عليه، زوجا

____________

و غيرها عندنا، خلافا للشافعي في أحد القولين (1)، و مثله ما لو علم بعيبها قبل العقد.

قوله: (و لو وطأها و سقط عنه دعوى العنة ثم بانت ثم تزوجها فادعتها سمعت).

(1) أي: لو وطأها بعد دعوى العنة و ثبوتها، سواء كان قبل السنة أو فيها، سقط عنه دعوى العنة و انتفى الخيار كما سبق غير مرة.

و كذا بعد السنة، صرح به في التحرير (2)، فإذا بانت منه بفسخ منها أو منه، أو طلاق بائن، أو انتهى الى البينونة، ثم تزوجها بعقد جديد فادعت العنة، سمعت دعواها قطعا، لأنه نكاح جديد و دعوى مستأنفة.

و من الممكن أن تحدث له العنة، و الوطء في نكاح سابق على النكاح الجديد لا يسقط حكم العنة فيه، فتجري عليها الأحكام المتقدمة.

قوله: (و لو تزوج بأربع و طلقهن فشهدن عليه بالعنة لم تسمع).

(2) إنما لم تسمع شهادتهن و إن كن بصفات الشاهد، لأنا قد بيّنا أن المرأة قد تقطع بعنة الزوج، لأن شهادة النساء لا تسمع في عيوب الرجال.

قوله: (و هل للأولياء الخيار؟ الوجه ذلك مع مصلحة المولى عليه زوجا

____________

(1) المغني لابن قدامة 3: 203.

(2) التحرير 2: 29.

280

كان أو زوجة.

و لو اختار الإمضاء لم يسقط خيار المولى عليه بعد كماله في الفسخ. (1)

____________

كان أو زوجة، و لو اختار الإمضاء لم يسقط خيار المولى عليه بعد كماله في الفسخ).

(1) هنا مسألتان:

الأولى: إذا كان بزوجة المولى عليه عيب من العيوب المجوزة لفسخ النكاح، أو بزوج المولى عليها كذلك، فهل للأولياء الخيار عنهما بالولاية؟ فيه وجهان، الوجه منهما عند المصنف نعم، لأن الولي منصوب لاعتماد المصلحة في كل ما يتعلق بالمولى عليه، فإن الغرض من نصبه ذلك، حيث ان المولى عليه قاصر عن القيام بمصالح نفسه، فأقيم مقامه في ذلك حذرا من الإخلال.

و استثنى من ذلك الطلاق بالنص، فيكون محل النزاع داخلا، حيث انه لا دليل على استثنائه.

و الثاني: العدم، لأن مدار بقاء النكاح و فسخه على الشهوة، و الولي لا يطلع على ما يشتهيه المولى عليه، لأن ذلك من الأمور النفسانية، فالحاصل أن مناط المصلحة هنا أمر خفي على الولي، فلذلك لا يثبت له الخيار كما سبق في عتق الأمة.

و لا فرق في ذلك بين كون العيب موجودا حين العقد، و بين تجدده بعده حيث يوجب الخيار.

و يمكن الفرق بين الحادث و غيره، فيحكم بأن الحادث لا خيار للمولى بسببه، لتجدده بعد انعقاد العقد، و لزومه فلا يتسلط على الفسخ، لأن مناطه شهوة المولى عليه، بخلاف السابق على العقد، فإن إنشاء العقد في هذه الحالة مشروط بالمصلحة، و الفرض أنه لم يكن عالما بالعيب، و كما أن إنشاء العقد من الولي منوط بالمصلحة فكذا بقاؤه منه منوط بها.

281

[الفصل الثالث: في التدليس]

الفصل الثالث: في التدليس: و يتحقق بإخبار الزوجة، أو وليها أو

____________

و هذا هو المراد من ثبوت الخيار، و ليس هذا الوجه بعيدا من الصواب.

و هذا على القول الأصح لأصحابنا من أن الولاية في النكاح إنما تثبت على طريق الإجبار، أما على القول بثبوتها على طريق التشريك بين المرأة و الولي إذا كانت بكرا بالغة رشيدة فقد فرق بوجه آخر، و هو أن الولي إنما يكون له اعتراض في مثل ذلك في ابتداء العقد دون الدوام، نظرا إلى أنها لو رغبت في نكاح عبد كان لوليها المنع و لو عتقت أمة تحت عبد و رضيت بالمقام معه لم يكن لوليها الاعتراض.

و على هذا فيكون نظر الولي في العقد مع أحد العيوب بعد وقوعه إذا تجدد علمه به كنظره في حال إيقاعه فيعتمد المصلحة، و الحجة على ذلك ثبوت هذا النظر قبل العقد فيستصحب، و على هذا فكل من اختار الفسخ منه و منها قدّم اختياره.

و اعلم أن في كلام الشارح الفاضل هنا مناقشة يجب التنبه لها، فإنه في الفرق أطلق أن المرأة البكر لو رغبت في نكاح عبد كان للأولياء المنع على القول بأن عليها ولاية، و قيّد الحكم بنفي تسلط وليها على الفسخ إذا أعتقت تحت عبد و رضيت بالمقام.

معه بما إذا تجدد جنونها بعد الرضى.

و هذا القيد غير محتاج إليه و إنما ارتكبه ظنا منه الاحتياج اليه، و إنما قلنا انه غير محتاج إليه، لأنها إذا تجدد عتقها بعد العقد و قبل زوال البكارة فالولاية باقية، و إن لم يعرض جنون الثاني على القول بثبوت الخيار إذا اختار الولي الفسخ نفذ، و إن اختار الإمضاء لم يسقط خيار المولى عليه بعد كماله، كما لو زوّج أحد الصغيرين بمن به عيب مع المصلحة فإن له الخيار بعد البلوغ، و قد حققناه في أول كتاب النكاح.

قوله: (الفصل الثالث: في التدليس، و يتحقق بإخبار الزوجة أو وليها،

282

ولي الزوج، أو السفير بينهما على اشكال بالصحة، أو الكمالية عقيب الاستعلام، أو بدونه. و هل يتحقق لو زوجت نفسها، أو زوجها الولي مطلقا؟

اشكال. و لا يتحقق بالاخبار لا للتزويج، أو له لغير الزوج، (1)

____________

أو ولي الزوج أو السفير بينهما، على اشكال بالصحة أو الكمالية عقيب الاستعلام أو بدونه، و هل يتحقق لو زوجت نفسها أو زوجها الولي مطلقا؟

اشكال، و لا يتحقق بالاخبار لا للتزويج، و لا لغيره).

(1) قد عنون الفصل الجامع لهذه المسائل في كلام المصنف و كلام غيره بالتدليس و ما قبله بالعيوب، مع أن أحكام التدليس غير مقصورة على مسائل هذا الفصل، بل هي ثابتة مع العيوب.

و كان المناسبة لذلك هي أن الرد في هذه المسائل لا يثبت إلّا بسبب اشتراط صفة كمال هي غير موجودة، فلم يكن للخيار منشأ إلّا التدليس، بخلاف الخيار في العيب فإن منشأه وجود العيب فقط.

و قد ضبط المصنف التدليس بضابط هو أعم من تدليس هذا الفصل، فكأنه حاول بذلك شموله للتدليس هنا و في العيوب، و فيه إشكالات سنذكرها فيما بعد إن شاء اللّه تعالى، فهنا مباحث:

الأول: يتحقق التدليس على ما ذكره (رحمه اللّٰه) في طرف الزوجة بأخبارها بصحتها فيظهر الخلاف، أو بكماليتها بصفة من صفات الكمال كالحرية و البكارة فيظهر العدم، سواء كان هذا الاخبار عقيب الاستعلام أو بدونه.

و كذا يتحقق بإخبار ولي الزوجة بذلك، و في طرف الزوج باخباره كذلك و باخبار وليه، و أشار بقوله: (بالصحة) إلى التدليس في العيوب، و بقوله: (أو الكمالية) الى التدليس هنا.

و هل يتحقق التدليس بالاخبار من السفير- و هو الواسطة بين الزوج

283

..........

____________

و الزوجة، و هو فعيل من السفارة و هي الرسالة-؟ فيه اشكال عند المصنف ينشأ: من أن الأجنبي لا تعلق له بالنكاح فإنه ليس أحد الزوجين و لا قائما مقامه، و إنما هو أجنبي كذّب في اخباره، و التفريط ممن قبل قوله، و من حصول التغرير بقوله، و هو المراد من التدليس.

الثاني: هل يتحقق التدليس لو زوّجت نفسها مطلقا، يعني من غير أخبار بالصحة في ذات العيب و بالكمالية في ذات النقص، أو زوجها وليها مطلقا؟ فيه إشكال ينشأ: من أنه لما لم يحصل الاخبار من أحد الزوجين و لا من وليه، و لا من السفير بالصحة و لا الكمالية لم يحصل التغرير فانتفى التدليس، لأنه بمعناه. و من أن تركه للاخبار بالعيب أو بالنقص مع بناء الزوج، على أن الأصل السلامة و عدم النقص، يجري مجرى الأخبار بالصحة و الكمالية في التغرير، و هذا هو المراد من التدليس.

الثالث: لا يتحقق التدليس بالاخبار بالصحة أو الكمالية إلّا للزوج حيث لم يكن مطابقا، لأن العادة جارية بالتسامح في ذلك، و لأن الأغراض متعلقة بستر العيب تعلقا قويا فلا يتحقق التغرير بذلك، و إنما التقصير من الزوج بتعويله على ذلك.

و مثله، لو كان الاخبار للتزويج لكن لغير الزوج، إذ لا يتحقق التدليس على الزوج بالاخبار لغيره.

هذا حاصل ما ذكره المصنف في الضابط، و الكلام عليه من وجوه:

أحدها: أن هذا الضابط غير صحيح، لأن مجرد الاخبار لا يعد تدليسا، لا في العيب و لا في نقص صفة من صفات الكمال.

أما العيب، فلأن المفهوم من كلام الفقهاء و النصوص عن أئمة الهدى (عليهم السلام) أن التدليس فيه يتحقق بالعقد على ذات العيب مع العلم به و عدم الاعلام، مثل قول الشيخ في المبسوط: إن الولي إذا زوجها فلا يخلو من أن يكون ممن لا يخفى عليه حالها فالرجوع عليه، أو يكون ممن يخفى عليه ذلك، فإن صدقته المرأة إنه لا يعلم

284

..........

____________

فالرجوع عليها، و إن كذبته فالقول قوله بيمينه و الرجوع عليها دونه (1). فإن مقتضاه كون الرجوع و عدمه دائرا مع علمه و عدمه و كلام ابن الجنيد نحو هذا (2).

و محصل كلام المصنف في التحرير أن الغار إن كان ممن يجوز له النظر إلى وليته كالأب رجع عليه مع علمه بالعيب لتغريره، و مع عدمه لتفريطه بترك الاستعلام. و إن لم يجز له النظر كابن العم و الأجنبي، فإن علم بالعيب رجع عليه، و إن لم يعلم كان الرجوع على المرأة (3).

و النصوص مثل قوله (عليه السلام) في رواية أبي عبيدة: «و يأخذ الزوج المهر من وليها الذي كان دلسها، فإن لم يكن له علم بشيء من ذلك فلا شيء عليه و ترد إلى أهلها» (4) فإن مقتضاه كون مناط التدليس عدم علمه.

و كذا قوله (عليه السلام) في رواية رفاعة بن موسى: «و ان المهر على الذي زوجها، و إنما صار المهر عليه، لأنه دلسها. و لو أن رجلا تزوج امرأة أو زوجها رجلا لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شيء و كان المهر يأخذه منها» (5) فإن ظاهرها أن التدليس ينتفي بانتفاء العلم، و يثبت بثبوته للذي زوجها، فاعتبار أمر زائد و هو وصفه إياها بالصحة خلاف ما دل عليه النص.

و هذه الأخيرة شاملة للأجنبي إذا كان له وصف التزويج و العلم بالعيب و الاولى و إن تضمنت ذكر الولي إلّا أنه لا يراد به من له الولاية، لأن فيها: «إذا دلست العفلاء الى آخره» و المدلسة شرعا لا تكون إلّا بالغة رشيدة، لأن فعل غير البالغ لا

____________

(1) المبسوط 4: 252.

(2) نقله عنه العلّامة في المختلف: 557.

(3) التحرير 2: 29.

(4) الكافي 5: 408 حديث 14، التهذيب 7: 425 حديث 1699، الاستبصار 3: 247 حديث 885.

(5) الكافي 5: 407 حديث 9، التهذيب 7: 424 حديث 1697، الاستبصار 3: 245 حديث 878.

285

..........

____________

يعتد به، فينبغي أن يراد به من يلي أمرها فيعم الأجنبي.

و أما نقص الصفة فلا يكفي في التدليس الموجب للفسخ و الرجوع بالمهر الوصف بالكمالية، بل لا بد من اشتراطه في العقد على ما سيأتي من كلام المصنف في كونها بنت مهيرة فتظهر بنت أمة، و كونها بكرا فتظهر ثيبا، و كونها من قبيلة فتظهر من غيرها، و لا يستثني من ذلك إلّا وصف الحرية، فإذا زوجها على أنها حرة فبانت أمة لم يتوقف استحقاق الرجوع بالمهر على اشتراط الحرية.

بل يكفي الوصف بذلك فيظهر خلافه فيرجع بالمهر على الواصف، سواء كان هو الولي أو الشاهدين لها بالحرية أو هي. و كأن مدار الرجوع مع التدليس على فساد النكاح بالرقية حيث لم يرض المولى أو فسخ الزوج لأجلها إن رضي، أو لفوات الشرط من بكارة و نحوها.

و لهذا لو حصل الرضى بالنكاح لم يكن له الرجوع قطعا، لسلامة العوض في مقابل المهر فلم يكن ثم تخيير يقتضي الرجوع.

و ثانيها: أن السفير في كلام المصنف إما أن يريد به الأجنبي المتولي للعقد بين الزوجين، أو الأجنبي الذي كان سفيرا بينهما و المتولي للعقد غيره، فإن أراد به الأول لم يكن للإشكال وجه، لأن النص و كلام الأصحاب صريحان في أن العاقد على ذات العيب يغرم مهرها إلّا إذا لم يكن عالما بحالها فالغرم عليها، و إن أراد به الثاني فالغرم على العاقد لا عليه.

نعم يجيء الإشكال في مثل ما إذا كان العاقد بعيدا عن العلم بأحوال الزوجة و الواسطة عالما بأحوالها، فإنه حينئذ غار فيغرم، و ظاهر النص ينفي عنه الغرم، لتعلقه بالمنكح.

و مثله ما لو أخبر السفير الولي بأنه اعلم الزوج بالعيب مثلا و كان كاذبا، فإن الإشكال في تغريمه من حيث انه غار، و من حيث ان الولي مفرط في الركون إلى

286

..........

____________

خبره، هذا حكم العيب.

و أما حكم النقص فإن الغرم على من وصف المرأة بالحرية فظهرت أمة و على من شرط البكارة فظهر ضدها، و لا تفاوت بين كونه وليا أو أجنبيا.

و ثالثها: الإشكال الذي ذكره فيما لو زوجت نفسها أو زوجها غيرها مطلقا، و ظهرت ذات عيب غير موجّه، لأن النص و كلام الأصحاب صريحان في أن العقد على ذات العيب موجب للغرم، فأي وجه للإشكال حينئذ من كونه تدليسا.

أما إذا ظهرت ناقصة صفة من صفات الكمال غير الحرية فلا يتحقق عند المصنف (1) و جمع من الأصحاب (2) بذلك تدليس، فلا وجه للإشكال حينئذ.

و كذا الحرية عنده إذا تزوجها بشرط الحرية فبانت أمة، أو لم يشترطها في العقد لكنه تزوجها على ذلك فظهر الخلاف، و سيأتي تحقيق ذلك إن شاء اللّه تعالى.

فإن قيل: الاشكال المذكور إشارة إلى الخلاف بين الأصحاب.

قلنا: القول الضعيف كيف يستقيم جعله وجها للإشكال.

و اعلم أن قول المصنف: (و لا يتحقق بالاخبار له لغير الزوج) ينبغي أن يريد بالغير من عدا وكيل الزوج، لأن وكيل الزوج بمنزلة الزوج لا سيما إذا عقد النكاح معه.

و ينبغي أن يريد به غير السفير بينهما أيضا، لأن الغرور ينشأ عن اخبار السفير، لأن إخباره يستند إليه في العادات المستمرة.

و قد سبق في أول الضابط فيه إشكال، إلّا أن يقال: المراد بالسفير العاقد الذي ليس بولي، و كيف قدرنا فكلامه في هذا الضابط غير مستقيم.

____________

(1) المختلف: 553.

(2) منهم الشيخ الطوسي في النهاية: 486، و ابن إدريس في السرائر: 309، و ابن حمزة في الوسيلة: 358.

287

فلو شرط الحرية فظهرت أمة فله الفسخ و إن دخل، فإن فسخ قبل الدخول فلا شيء، و بعده المسمى للمولى، و قيل: العشر أو نصفه.

و يرجع بما غرمه على المدلس، فإن كان هي تبعت بعد العتق.

و لو كان قد دفعه إليها استعاد ما وجده و تبعها بما بقي.

و لو كان مولاها، فإن تلفظ بما يقتضي العتق حكم عليه بحريتها و صح العقد و كان المهر للأمة، و إلّا فهي على الرق، و لا شيء له و لا لها على الزوج إذا فسخ.

و إن كان بعد الدخول، فالأقرب وجوب أقل ما يصح أن يكون مهرا للمولى.

و لو كان قد دفعه إليها و تلف، احتمل تضمين السيد، لغروره و ضعف المباشرة و الرجوع في كسبها، و التبعية بعد العتق. (1)

____________

قوله: (فلو شرط الحرية فظهرت أمة فله الفسخ و إن دخل، فإن فسخ قبل الدخول فلا شيء، و بعده المسمّى للمولى، و قيل: العشر أو نصفه و يرجع بما غرمه على المدلس، فإن كانت هي تبعت بعد العتق و لو كان قد دفعه إليها استعاد ما وجده و تبعها بما بقي، و لو كان مولاها فإن تلفظ بما يقتضي العتق حكم عليه بحريتها و صح العقد و كان المهر للأمة، و إلّا فهي على الرق و لا شيء له و لا لها على الزوج إذا فسخ، و إن كان بعد الدخول فالأقرب وجوب أقل ما يصلح أن يكون مهرا للمولى. و لو كان قد دفعه إليها و تلف احتمل تضمين السيد لغروره، و ضعف المباشر و الرجوع في كسبها و التبعية بعد العتق).

(1) هنا مسائل:

288

..........

____________

الاولى: متى شرط العاقد حرية الزوجة فظهرت أمة فله فسخ النكاح قطعا، لأن ذلك فائدة الشرط فإنه يقلب العقد اللازم جائزا، سواء دخل أم لا، فإن الدخول لا يسقط الخيار كما سبق في العيوب.

ثم إن كان العقد باذن المولى، أو من يقوم مقامه كوليه إن كان محجورا عليه، أو وكيله إن لم يكن و كان العاقد ممن يجوز له نكاح الأمة فالعقد صحيح، غاية ما فيه أنه متزلزل للزوج فسخه.

و لا فرق في ذلك بين أن يتولى العقد المولى أو من اذن له و ان كانت الأمة، لأنه عقد صدر من أهله في محله، و ليس فيه إلّا انتفاء الشرط و هو الحرية.

و ذلك لا يقتضي الفساد، بل يتسلط على الفسخ و إن كان بغير اذنه، سواء باشرت العقد الأمة أو أجنبي، ففي وقوعه فاسدا أو موقوفا على أجازته قولان تقدما في نكاح المماليك أصحهما الثاني، و لو كان العاقد ممن لا يجوز له نكاح الأمة كان العقد باطلا لا محالة.

الثانية: إذا رضي الزوج بالعقد و السيد أيضا حيث لم يأذن فلا بحث و إن فسخ فإن كان قبل الدخول فلا شيء كما سبق في العيوب، و إن كان بعده وجب المسمّى مع كون العقد صحيحا.

و ذلك حيث يأذن السيد، فإن لم يأذن ففي وجوب المسمّى أو مهر المثل أو العشر إن كانت بكرا أو نصف العشر إن كانت ثيبا أقوال، بشرط أن لا تكون عالمة بالتحريم على أصح القولين، و يلزم أرش البكارة مطلقا لو كانت بكرا، و قد تقدّم الكلام على ذلك كله مستوفى فلا حاجة الى إعادته.

الثالثة: إذا فسخ بعد الدخول فلا كلام في وجوب المهر للمولى، ثم يرجع به على المدلس و إن كانت هي تبعها بعد العتق، لأن الرجوع عليها في الرق رجوع على السيد في الحقيقة، و هو باطل. و لو كان قد دفعه إليها استعاده، لأنه باق على ملكه،

289

..........

____________

لأن قبضها إياه قبض فاسد بغير حق، و إن تلف شيء منه أخذ ما وجد منه و تبعها بالباقي كما في تلف الجميع سواء.

و لو كان المدلس هو المولى، فإن تلفظ بما يقتضي العتق مثل قوله: هي حرة إنشاء أو إقرارا حكم عليه بحريتها، أعمالا للسبب بحسب مقتضاه، و حينئذ فيكون العقد لازما، و هو الذي أراده المصنف بقوله: (صح العقد) فإنه في مقابل جواز الفسخ، و يكون المهر للزوجة دون السيد، لانتفاء سلطنته عنها.

و يعتبر لصحة النكاح حينئذ اذنها سابقا أو إجازتها لاحقا، و إن لم يتلفظ بما يقتضي العتق فهي على الرق، و يتصور ذلك بمثل أن يقدّم الزوج القبول فيتزوجها بكذا بشرط كونها حرة فيأتي السيد بالإيجاب.

و كذا ينبغي أن يكون عكسه، فإن لفظ الاشتراط لا يقتضي العتق إنشاء و لا إقرارا، و جعله في المبسوط موجبا للعتق (1). و للنظر فيه مجال، و حينئذ فلا شيء للسيد و لا لها إذا فسخ الزوج و إن كان بعد الدخول، أما هي فظاهر، لأن المملوكة لا تستحق من مهرها شيئا.

و أما السيد، فلأنه و إن استحق المهر بالدخول إلّا أن للزوج الرجوع عليه به، لتغريره إياه و تدليسه، و لا وجه لدفعه إليه ثم ارتجاعه منه، و هل يستثني للسيد وجوب أقل ما يصلح أن يجعل مهرا، و هو أقل ما يتمول على ما سبق، و على قول ابن الجنيد (2) أقل ما يكون مهر أمثالها؟ فيه قولان، أقربهما عند المصنف وجوب ذلك، لأن الوطء المحترم في غير اباحة المملوكة يمتنع خلوه عن العوض.

و قيل: لا يجب شيء، للأصل، و هو ضعيف، و إنما كان هذا للسيد دونها، لأن منافع

____________

(1) المبسوط 4: 254.

(2) المختلف: 557.

290

..........

____________

البضع حق له خاصة، و لو كان قد دفع المهر إليها في حال تدليس المولى إياها حيث لم يتلفظ بما يقتضي العتق، بناء على حريتها التي توهمها بالشرط، فإن كانت عينه باقية فظاهر.

و إن تلف في يدها ففي حكمه احتمالات ثلاثة:

أحدها: الرجوع على المولى: إما بكله، أو بما عدا أقل ما يصلح أن يكون مهرا على اختلاف القولين، لأن يدها و إن كانت يد ضمان، لأن الأعواض المقبوضة من مهر و غيره مضمونة على القابض لها بهذا الوجه، و الزوج هو المباشر لدفع المهر إليها، فهو كالمتلف بدفعه إلى من لا يجوز الرجوع عليه في الحال، إلّا أن الدفع بتغرير المولى فيضعف المباشر و يكون السبب أقوى.

كما إذا قدم إلى غيره طعام ذلك الغير، فأكله فإن إتلافه طعام نفسه في هذه الحالة لا يمنع الرجوع عليه.

و ثانيها: أن يضمن المهر في كسبها إن كانت مكتسبة.

و مقتضاه أن يؤمر بالاكتساب و تلزم (1) به و وجهه أنها مباشرة للإتلاف و لا مال لها و السيد غار، و الأصل براءة ذمته، فبملاحظة المباشرة و الغرور يؤخذ من كسبها أعمالا للمقتضيين، فإن لم تكن كاسبة أمكن إيجابه على السيد، للغرور، و عليها بعد العتق، للمباشرة.

و الثالث: أن يتبع به إذا أعتقت، لأن يدها يد ضمان، و على اليد ما أخذت حتى تؤدي، و لا مال لها إلّا بعد عتقها، لأن كسبها للسيد، و لا يلزم من اشتراط السيد حريتها اذنه في إقباضها المهر و إنما ذلك بفعل الزوج، و لو اذن لها في القبض فلا بحث في تعلق الضمان به، و في الوجه الأول قوة، لأن اشتراط السيد حريتها يقتضي

____________

(1) في (ض): و يؤمر.

291

و لو لم يشترط الحرية بل تزوجها على أنها حرة فخرجت أمة،

____________

استحقاقها المهر و وجوب تسليمها إياه، فيكون ذلك ناشئا عنه.

و بقي قسم ثالث و هو ما إذا كان المدلس أجنبيا غيرها و غير المولى، لم يذكر المصنف حكمه و كأنه تركه لظهوره، إذ لا بحث في الرجوع عليه بجميع المهر المستحق للمولى، و لو دفعه إليها في هذه الحالة فتلف في يدها، فإن حكمنا بالتبعية لها فيما سبق إذا أعتقت غرم مهرا آخر للسيد و رجع به على المدلس، و إن حكمنا بالرجوع على السيد هناك رجع على المدلس هنا بكل من المهرين.

إذا عرفت ذلك فارجع إلى عبارة الكتاب و اعلم أن قوله: (و إن دخل) و صلي لما قبله، و قوله: (و إن فسخ) كلام مستأنف.

و قوله: (و بعده المسمّى للمولى) صحيح إذا كان العقد باذن المولى سابقا أو لاحقا، أما إذا كان بغير اذنه فإن وجوب المسمّى (1) غير ظاهر لفساد النكاح، و المصنف جرى على ما اختاره في أول باب نكاح المماليك، و قد بينا ما فيه.

و قوله: (و يرجع بما غرمه) ظاهره يتناول الرجوع بجميع المهر، و قد سبق قبل العيوب في كلامه إشكال في الرجوع بما زاد على مهر المثل و هو آت هنا، و كذا يشمل الرجوع بالنفقة فإنها من جملة ما غرمه، و ذلك مع فساد النكاح ظاهر، أما مع صحته فمحتمل.

و أما قيمة الولد فيرجع بها لا محالة، لأن لزومها محض تخسير، لأن الزوج لم يدخل في العقد على ضمانها، لأن العقد على الحرة يقتضي عدم العوض عن الولد.

قوله: (و لو لم يشترط الحرية بل تزوجها على أنها حرة فخرجت أمة

____________

(1) في (ض): المهر.

292

فكما تقدم.

و لو تزوج لا على أنها حرة و لا شرطها فلا خيار. (1)

____________

فكما تقدّم، و لو تزوج لا على أنها حرة و لا شرطها فلا خيار).

(1) هنا مسألتان:

الأولى: إذا تزوج امرأة على أنها حرة و لم يشترط ذلك في العقد، فحكمها حكم من شرط حريتها في العقد صرح بذلك المصنف في هذا الكتاب.

و ذهب الشيخ في المبسوط إلى أنه إن اشترط الحرية في العقد ثبت الخيار، لظهور الرقية، و إلّا كان النكاح ماضيا (1)، و كلام باقي الأصحاب محتمل، لأن عبارة الأكثر إذا تزوجها على أنها حرة.

و ظاهر هذه العبارة لا يمتنع أن يراد به الاشتراط في العقد لكنه مع ذلك محتمل بجريان العقد عليه قبله، و إرادته من غير أن يتعرض إليه في العقد، و كذا عبارة المصنف في التحرير (2)، و عندي في ذلك تردد.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنه يتحقق من تزوجها على ذلك بأن يقول المتولي للنكاح في معرض الترغيب فيه للزوج: فلانة حرة فتزوجها، و نحو ذلك، ثم يترتب عليه تزويجها، بخلاف ما لو أخبر بذلك لا للتزويج فاتفق تزويج السامع بها، أو أخبر به للتزويج لكن لغير الزوج على ما ذكره المصنف في الضابط سابقا.

و يلوح من إطلاق عبارة المصنف أنه لا دخل لاتصال العقد بهذا القول و انفصاله عنه في ثبوت التدليس و عدمه، و هو متجه بل ينبغي أن يكون المعتبر كون ذلك له دخل في حصول النكاح.

و ظاهر قول المصنف: (فكما تقدم) ثبوت خيار الفسخ مع صحة النكاح

____________

(1) المبسوط 4: 254.

(2) التحرير 2: 30.

293

..........

____________

بالشروط المتقدمة، و وجوب المهر بالدخول المسمّى مع الصحة، و مهر المثل مع الفساد و الرجوع بالمهر على المدلس على حد ما سبق.

الثانية: إذا تزوجها لا على أنها حرة، كما ذكره في البحث السابق، و لا يشترط الحرية في العقد على ما ذكره في البحث الذي قبله، و كان ممن يجوز له نكاح الأمة، فالنكاح صحيح و لا خيار له، لانتفاء المقتضي. و إنما يستقيم ذلك إذا كان التزويج باذن المولى ليكون العقد صحيحا، فإن كان بغير اذنه و لم يرض و حصل الدخول فالمناسب أن له الرجوع بالمهر على من زوجه بها مع علمه بحالها، لأنه إنما دخل على أن النكاح صحيح مستمر و أن المهر في مقابل ملك منافع البضع و قد فات ذلك، و حيث انه لم يعلمه بالحال و أوقعه في نكاح فاسد يوجب المهر فعليه المهر للغرور، و لم أجد بذلك تصريحا بكلام من الأصحاب. و لا يخفى أن وجوب المهر مشروط بعدم علمها بالتحريم كما سبق غير مرة.

و لو كانت هي المتولية لذلك، أو الباعثة عليه لمن يجهل حالها، فليس ببعيد أن يكون الرجوع عليها إذا أعتقت إلّا بأقل ما يكون مهرا.

و لو كان التزويج باذن السيد في الفرض المذكور لكن الزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة، ففي ثبوت الغرور تردد ينشأ: من أن تزويجه بأمة من غير أن يعلمه بحالها، و إن لم يعلم انه ممن يحل له نكاح الأمة، إيقاع له في الغرم. و من أن ذلك مستند الى تقصيره بترك السؤال عن حال الزوجة و أنه يجوز له نكاحها.

و ليس هذا من الأمور الظاهرة التي يعلمها عامة الناس ليكون التقصير من الزوج، كما لو زوجه امرأة فظهر كونها محرما له و هو لا يعلم.

و اعلم أن المصنف ذكر في الضابط فيما إذا زوجت نفسها أو زوجها غيرها مطلقا ثم ظهرت ناقصة إشكالا في كون ذلك تدليسا يوجب الخيار، و جزم بانتفاء الخيار في هذه الصورة هنا، و هو رجوع عن الإشكال إلى الجزم.

294

و يثبت الخيار مع رقية بعضها، و يرجع بنصيبه من المهر خاصة، فإن كانت هي المدلسة رجع بنصيبه معجلا و تبعت بالباقي مع عتقها أجمع. (1)

____________

قوله: (و يثبت الخيار مع رقية بعضها خاصة، فإن كانت هي المدلسة رجع بنصفه معجلا و تبعت بالباقي مع عتقها أجمع).

(1) كما يكون التدليس للأمة المحضة و تترتب عليه الأحكام السابقة، كذا يكون التدليس للتي بعضها حر و بعضها رقيق، و تترتب عليه أحكامه، فلو تزوج المبعضة بشرط كونها حرة، أو لم يشترط الحرية في العقد لكن تزوجها على ذلك، ثبت الخيار لا محالة، كما في الأمة المحضة على ما ذكره المصنف، لكنه هنا إنما يرجع بنصيب الرقية من المهر، فلو كان نصفها حرا رجع بنصف المهر خاصة، لأن النصف الحر لم يقع فيه تدليس لصدق الخبر بالنسبة إليه، فإن الأخبار بحريتها متضمن حرية ذلك النصف فلا ترجع بنصيبه من المهر.

و هكذا حكم ما غرمه من النفقة و قيمة الولد، فإن كان المدلس أجنبيا رجع عليه به، و إن كانت هي رجع عليها بنصف نصيب الرقية معجلا باعتبار نصفها الحر، و يبقى النصف الآخر تتبع به إذا أعتق باقيها.

و ذلك لأن الرجوع عليها به- و هو نصف المهر في هذه الصورة- يجب توزيعه على ما فيها من الحرية و الرقية، لأن الإتلاف بالتدليس مستند الى مجموعها، فيوفر على كل منهما مقتضاه، و لو كان ما فيها من الرقية زائدا على النصف أو ناقصا عنه فنصيبه من المهر بحسبه.

و مما ذكرناه يعلم أن الضمير في قوله: (بنصيبه) يعود الى الرق المدلول عليه بما قبل و أن الضمير في قوله: (بنصفه) يعود الى النصيب أعني نصيب الرق، و إعادته إلى المهر غلط ظاهر، لمنافاة ذلك قوله: (و يرجع بنصيبه من المهر خاصة).

و لا يخفى أنه إنما يرجع عليها بنصف الرقية معجلا و يتبعها بنصفه الآخر إذا

295

و لو تزوجته على أنه حر فبان عبدا، فلها الفسخ و إن كان بعد الدخول، و لها المهر بعده لا قبله، و كذا لو شرطت الحرية.

و لو ظهر بعضه مملوكا فكذلك، و لو ظهر بعضه معتقا فلا خيار. (1)

____________

كان نصفها حرّا و النصف الآخر رقا، حتى لو كان ثلثاها حرا رجع عليها معجلا بثلثي نصيب الرقية من المهر و يتبعها بالثلث الآخر.

و إنما أطلق المصنف الرجوع بنصف النصيب معجلا و لم يجر في كلامه ذكر كون بعضها الرق هو النصف اعتمادا على ظهوره، حيث أن البعض المذكور في كلامه يشمله، و إنما اقتصر على بيان حكم ما إذا كانت هي المدلسة، لما فيه من الخفاء باعتبار كون بعض المرجوع به معجلا و بعضه ينتظر به عتق باقيها.

فأما إذا كان المدلس غيرها فإن حكمه معلوم مما سبق، و المهر المذكور هو المسمّى إن كان النكاح يرضى به المولى و إلّا فمهر المثل.

و لقائل أن يقول: إن الذي ينساق إليه النظر هنا هو الرجوع بمجموع المهر و ذلك، لأن التدليس المذكور أفضى إلى فسخ النكاح المقتضي لفوات المعوض جميعه، و العوض إنما يدل في مقابله فتستحق الرجوع بجميعه كما لو كانت رقيقة.

و ظاهر قوله (عليه السلام): «المغرور يرجع على من غره» يقتضي ذلك، و أيضا فإن المقصود و المفهوم من حريتها حرية جميعها، لأن ذلك هو المطلوب في النكاح، فيكون رق بعضها موجبا لكذب الخبر فلا يتم ما أراده. و على هذا يجب أن يستثني لها أقل ما يصلح جعله مهرا لأجل الوطء المحترم كما سبق غيره مرة.

قوله: (و لو تزوجته على أنه حر فبان عبدا فلها الفسخ و إن كان بعد الدخول، و لها المهر بعده لا قبله، و كذا لو شرطت الحرية، و لو ظهر بعضه مملوكا فكذلك، و لو ظهر معتقا فلا خيار).

(1) لو تزوجت المرأة زوجا على أنه حر فبان عبدا فلها الفسخ، لظهور نقصه،

296

و لو تزوجها على أنها بنت مهيرة فخرجت بنت أمة، قيل: كان له الفسخ، و الوجه ذلك مع الشرط لا مع الإطلاق، و لا مهر قبل الدخول، و بعده يرجع على المدلس، أبا كان أو غيره، و لو كانت هي المدلسة رجع

____________

سواء شرطت حريته في نفس العقد، أو عولت على اخباره قبل العقد بكونه حرا أو اخبار وكيله اما مع الشرط فظاهر، و اما بدونه فلما أسلفه المصنف في الضابط و ذكره في نظير المسألة، و فيه ما سبق.

و لا فرق في ذلك بين الدخول و عدمه، و يثبت لها المهر بعد الدخول، لأن الوطء المحترم لا يخلو من مهر، فإن كان النكاح برضى السيد كان لها المسمّى عليه، و إلّا كان لها مهر المثل يتبع به العبد إذا أعتق، أما لو فسخت قبل الدخول فإنه لا مهر لها، لأن الفرقة من قبلها.

و لو ظهر بعضه مملوكا فالحكم في الفسخ و المهر كما لو ظهر رق جميعه، إلّا أنه مع الدخول و اذن السيد في النكاح يلزمه من المهر بنسبة ما فيه من الرقية، أما لو ظهر معتقا فإنه لا خيار لها، لانتفاء المقتضي و هو فوات الشرط.

و المسألة مفروضة فيما إذا كانت الزوجة حرة بدليل قوله: (فلها الفسخ)، لأنها لو كانت أمة لم يكن لها فسخ، و إنما هو لمولاها فإنه لو أراد تزويجها بعبد لم يكن لها الامتناع و يعلم من قوله: (و كذا لو شرطت الحرية) أن المراد من قوله: (و لو تزوجته على أنه حر) الاستناد في ذلك الى قوله أو قول وكيله قبل العقد من غير اشتراط لها فيه، و لا ريب أنه لو قدّم الاشتراط لكان أولى.

قوله: (و لو تزوجها على أنها بنت مهيرة فخرجت بنت أمة قيل: كان له الفسخ، و الوجه ذلك مع الشرط لا مع الإطلاق، و لا مهر قبل الدخول، و بعده يرجع على المدلس أبا كان أو غيره، فلو كانت هي المدلسة رجع

297

عليها بما دفعه منه إلّا بأقل ما يمكن أن يكون مهرا.

و لو خرجت بنت معتقة فإشكال، (1)

____________

عليها بما دفعه منه، إلّا بأقل ما يمكن أن يكون مهرا، و لو خرجت بنت معتقة فإشكال).

(1) فسر أهل اللغة المهيرة بوزن قريبة بأنها الحرة، قال في القاموس: المهيرة هي الحرة الغالية المهر (1).

و قال الجوهري: المهيرة هي الحرة (2)، و كأنهم لحظوا في الاشتقاق أنها لا توطأ إلّا بمهر، بخلاف الأمة فإنها لا توطأ إلّا بالملك، إذا عرفت هذا فهنا مسألتان:

الأولى: إذا تزوج الرجل امرأة على أنها بنت مهيرة فخرجت بنت أمة، فقد قال الشيخ في النهاية: إن له ردها ثم إن لم يكن دخل بها لم يكن لها عليه شيء و كان المهر على أبيها، و إن كان قد دخل بها كان لها المهر عليه بما استحل من فرجها (3).

و تابعه ابن البراج في ذلك إلّا في إيجاب المهر على أبيها إذا لم يكن دخل بها، فإنه نفى وجوبه أصلا (4).

و كذا قطب الدين الكيدري إلّا أنه جعل إيجاب المهر على أبيها مع عدم الدخول رواية (5).

و كذا ابن إدريس إلّا أنه صرح بأن المهر المستحق لها بالدخول ترجع به على أبيها (6).

____________

(1) القاموس المحيط 2: 137 «مهر».

(2) الصحاح 2: 821 «مهر».

(3) النهاية: 485.

(4) المهذب 2: 237.

(5) نقله عنه العلّامة في المختلف: 556.

(6) السرائر: 309.

298

..........

____________

و ذهب المصنف هنا و في المختلف (1) و غيرهما (2) إلى أنه إن شرط في العقد ذلك كان له الفسخ، و إلّا فلا و هو الأصح.

لنا عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3).

وجه الاستدلال به: أما مع الشرط فظاهر، لأنه جزء من العقد. و أما مع عدمه، فلأنه خارج عنه، و إنما يجب الوفاء بالعقد لا بما خرج عنه.

و قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (4).

وجه الاستدلال به: أنه يدل على استحقاق المشروط، فإذا انتفى فقد انتفى بعض المعقود عليه، و بفواته يثبت الخيار حيث لم يقتض البطلان، و لأن الشرط يقلب العقد اللازم جائزا، و إلّا انتفت فائدته و هو معلوم البطلان.

أما مع عدم الاشتراط في العقد فلا فسخ و إن ذكر قبل العقد و جرى العقد، لأن الأصل في النكاح اللزوم، و ثبوت الخيار يحتاج إلى دليل، و لم يثبت كون ذلك موجبا للفسخ فيجب التمسك بالأصل.

احتج الشيخ و من تابعه بما رواه محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال:

سألته عن رجل خطب الى رجل بنتا له عن مهيرة، فلما كان ليلة دخولها على زوجها أدخل عليه بنتا له اخرى من أمة، قال: «ترد على أبيها و ترد عليه امرأته و يكون مهرها على أبيها» (5): قال في المختلف في وجه الاستدلال بالرواية للشيخ: فإذا كان ضامنا في هذه الصورة كان ضامنا في المتنازع، لعدم التفاوت.

و لقائل أن يقول: إن الذي أراده الشيخ أمران:

____________

(1) المختلف: 556.

(2) التحرير 2: 30.

(3) المائدة: 1.

(4) التهذيب 7: 371 حديث 1503، الاستبصار 3: 232 حديث 835.

(5) الكافي 5: 406 حديث 4، التهذيب 7: 423 حديث 1692.

299

..........

____________

أحدهما أنه إذا تزوج امرأة على أنها بنت مهيرة ثبت الخيار إذا ظهرت بخلاف ذلك.

و الثاني: إنه إذا لم يدخل بها يجب مهرها على أبيها، و لم يتعرض في الاستدلال إلى الأمر الأول أصلا.

و أما الأمر الثاني فإن الرواية لا تدل عليه، لأنها مشعرة بأن الزوج دخل ببنت الأمة، حيث انها أدخلت على الزوج في الليلة المعدة لدخول زوجته عليه، فلا يبعد إيجاب المهر على الأب في هذه الحالة، لتدليسه و ثبوت الرجوع عليه، و أين هذا من ذاك.

الثانية: الصورة بحالها و ظهرت بنت معتقة، ففي ثبوت الخيار مع الشرط إشكال ينشأ: من أن المعتقة حرة، فيكون الوصف المشترط في ابنتها حاصلا. و من أن بنت المعتقة يصدق عليها أنها بنت أمة باعتبار ما كانت عليه أمها، لأن المشتق يصدق و إن انقضى المشتق منه.

و يرجح الأول بأن تفسير أهل اللغة المهيرة بالحرة يتناول هذه، فإنهم لم يقيدوا بكونها حرة في الأصل فيجب حمله على ظاهره.

و يؤيده أن ثبوت الخيار في النكاح على خلاف الأصل، فلا يثبت إلّا بدليل و هو منتف في محل النزاع و هو أقوى، ثم ارجع الى عبارة الكتاب و تنبه لأمور:

الأول: المراد من قول المصنف: (و الوجه ذلك مع الشرط) ثبوت الخيار في الصورة المذكورة مع اشتراط ذلك في العقد لا مع إطلاق العقد و اخلائه من هذا الشرط، سواء أخبرت به هي أو وليها قبل العقد أم لا.

و هذا مخالف لما ذكره سابقا في ضابط التدليس، لأنه جعل الاخبار بالكمالية من الولي أو المرأة تدليسا، و ذكر في تزويجها مطلقا اشكالا، و مخالفته ظاهرة.

الثاني: قوله: (و لا مهر قبل الدخول) يريد به أنه إذا فسخ في موضع الشرط،

300

و لو أدخل بنته من الأمة على من زوجه بنت مهيرة، فرّق بينهما و لها مهر المثل، و يرجع به على السابق و يدخل على زوجته. (1)

____________

أما بعد الدخول فإنه يجب المسمّى على الأصح بدفعه إلى الزوجة و يرجع بجميعه على المدلّس، سواء كان أباها أو غيره، و لو كانت هي المدلسة فإن لم يكن دفع إليها شيئا من المهر، وجب أن يدفع إليها أقل ما يصح جعله مهرا دون ما عداه، لوقوع التقاص في الزائد، و إن كان دفع إليها شيئا منه رجع به لا بأقل ما يجعل مهرا على ما تقدم غير مرة.

الثالث: الضمير في قوله: (و لو خرجت بنت معتقة) يعود إلى المزوجة على أنها بنت مهيرة، و لا يخفى أن الاشكال إنما هو مع الشرط لا بدونه، لأنه قد أفاد أنها لو خرجت بنت أمة لا فسخ مع عدم الاشتراط، فإذا خرجت بنت معتقة لم يثبت الفسخ بطريق أولى.

قوله: (و لو ادخل بنته من الأمة على من زوجه بنت مهيرة فرّق بينهما و لها مهر المثل، و يرجع به على السابق، و يدخل على زوجته).

(1) إذا جرى العقد على بنت المهيرة بعينها ثم أدخلت عليه بنت الأمة فإن دخل بها وجب لها بالدخول مهر المثل إن لم يكن عالما بأنها غير الزوجة، أو علمت ذلك و جهل التحريم، و إلّا فهي زانية لا مهر لها. فإن كان قد دفع إليها المهر نظر فإن طابق مهر المثل فلا بحث، و إن نقص أكمله، و إن زاد استرد الزائد، و مع علمها بالتحريم يسترد الجميع ثم يرجع به على من دلّسها.

و لو اتفق تدليسها نفسها و عدم علمها بالتحريم رجع عليها بما دفعه إليها إلّا أقل ما يصح أن يكون مهرا و إن لم يكن دفع إليها شيئا لم يجب لها إلّا ذلك.

و أما الزوجة فإنها على نكاحها يجب تسليمها إليه، و يستحق عليه ما سمّى لها، و لا يختص هذا الحكم ببنت المهيرة و بنت الأمة، بل كل من عقد على امرأة

301

و كذا كل من أدخل عليه غير زوجته فظنها زوجته، سواء كانت أعلى أو أدون، و لو دخل مع العلم لم يرجع على أحد.

و لو شرط البكارة، فإن ثبت سبق الثيوبة فالأقرب أن له الفسخ، و يدفع المهر و يرجع به على من دلسها، فإن كانت هي رجع، إلّا بأقل ما يمكن أن يكون مهرا، و إن لم يثبت فلا فسخ، لاحتمال تجدده بسبب خفي.

و قيل: له نقص شيء من مهرها، و هو ما بين مهر البكر و الثيب عادة. (1)

____________

فأدخلت عليه غيرها حكمها ما ذكرنا، سواء كانت أعلى من الزوجة أو أدون.

و الى هذا أشار بقوله: (و كذا كل من أدخل عليه غير زوجته فظنها زوجته سواء كانت أعلى أو أدون).

و إنما قيد بقوله: (فظنها زوجته)، لأنه لو علم أنها غيرها و هي جاهلة ثم دخل بها وجب عليه مهر المثل لها، و لم يرجع به على أحد، لانتفاء الغرور و الى هذا أشار بقوله:

(و لو دخل مع العلم لم يرجع على أحد).

قوله: (و لو شرط البكارة، فإن ثبت سبق الثيبوبة فالأقرب أن له الفسخ، و يدفع المهر و يرجع به على من دلسها، فإن كانت هي رجع إلّا بأقل ما يمكن أن يكون مهرا، و إن لم يثبت فلا فسخ لاحتمال تجدده بسبب خفي و قيل: له نقص شيء من مهرها و هو ما بين مهر البكر و الثيب عادة).

(1) إذا تزوج امرأة على أنها بكر فظهرت ثيبا، ففي ثبوت الفسخ بذلك و عدمه خلاف، و على القول بعدم ثبوت الفسخ فهل له أن ينقص شيئا من مهرها؟ فيه خلاف ايضا، و تحقيق ذلك يقع في مقامين:

الأول: الفسخ و قد نفاه أبو الصلاح، فإنه قال: إذا تزوج بكرا فوجدها ثيبا فأقرت الزوجة بذلك حسب أو قامت به البيّنة فليس بعيب يوجب الرد و لا نقصان

302

..........

____________

في المهر (1).

و هذا هو الظاهر من كلام جمع من الأصحاب، إلّا أن عباراتهم مطلقة ليس فيها تصريح باشتراط ذلك في العقد و لا بعدمه.

و الذي يلوح من عبارة أبي الصلاح أن نفي الفسخ ليس مع اشتراط البكارة فتظهر الثيبوبة، و إنما هو لكون الثيبوبة ليست عيبا، فإن الفسخ بالعيب لا يتوقف على اشتراط السلامة.

و الظاهر أن هذا إنما هو مراد الأصحاب لكنهم سكتوا عن حكم الاشتراط، قال المصنف في المختلف: و أبو الصلاح إن قصد التزويج بالبكر مع عدم شرط البكارة فهو مسلم، و إن قصد ذلك مع اشتراط البكارة فهو ممنوع (2).

و هذا الكلام يدل على أن عبارته محتملة، و لا شك عندنا في الاحتمال إلّا أنها أظهر في عدم الاشتراط كما قلناه.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن المصنف ذهب الى ثبوت الفسخ مع الاشتراط، كما صرح به في المختلف و الإرشاد و قربه هنا و قيّده بثبوت سبق الثيبوبة على العقد بطريق شرعي، و تبعه جملة المتأخرين فيه (3)، و هو الأصح، لعموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4)، و قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (5) و لأن ذلك فائدة الشرط فلولاه لكان ذكره لغوا و هو باطل.

و يحتمل العدم تمسكا بلزوم العقد، و هو ضعيف، لأن الشرط السائغ أخرجه عن

____________

(1) الكافي في الفقه: 296.

(2) المختلف: 546.

(3) منهم الشهيد في اللمعة: 199.

(4) المائدة: 1.

(5) التهذيب 7: 371 حديث 1503، الاستبصار 3: 232 حديث 835.

303

..........

____________

اللزوم.

و لا ريب أن الفسخ إنما يثبت إذا علم سبق الثيبوبة على العقد كما ذكره، و إنما يثبت بإقرارها أو البينة الشرعية و ما جرى مجراهما، فلو لم يثبت ذلك فلا فسخ، لإمكان تجددها بسبب خفي كالنزوة و العلة، و هو غير مناف للشرط.

و متى ثبت الخيار و فسخ قبل الدخول فلا مهر، و بعده يجب لها المسمّى، و يرجع به على المدلّس و هو العاقد العالم بحالها و إلّا فعليها، لكن هنا يستثني لها أقل ما يمكن أن يكون مهرا، و قد سبقت هذه الأحكام غير مرة.

الثاني: حيث لا فسخ فهل ينقص من مهرها شيء؟ فيه قولان:

أحدهما العدم، صرح به أبو الصلاح (1)، و هو اللائح من قول ابن البراج: جاز أن ينقص من مهرها شيئا و ليس ذلك بواجب (2).

و وجهه: إن العقد اقتضى وجوب جميعه و الأصل بقاؤه.

و الثاني: إنه ينقص، و اختلفوا في قدره على أقوال:

الأول: إنه ينقص شيء في الجملة، صرح به الشيخ في النهاية (3)، و ابن البراج (4)، لرواية محمد بن خرك قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): رجل تزوج جارية بكرا فوجدها ثيبا، هل يجب لها الصداق وافيا أم ينقص؟ قال: «ينقص» (5).

وجه الاستدلال به: أنه لا بد من إضمار مفعول ينقص، و المناسب تقدير لفظة شيء، لاقتضاء المقام إياه.

____________

(1) الكافي في الفقه: 296.

(2) المهذب 2: 213.

(3) النهاية: 475.

(4) المهذب 2: 213.

(5) الكافي 5: 413 حديث 2، التهذيب 7: 428 حديث 1706.

304

..........

____________

الثاني: إنه ينقص السدس، ذكره الراوندي في شرح مشكل النهاية، لأن الشيء في عرف الشرع السدس لما ورد في الوصية.

و غلّطه المحقق نجم الدين في النكت بأن الشيء لم يذكر في الرواية، و انما وجب تقديره، لاقتضاء المقام إياه (1).

و الذي يقدر هو الشيء المنكر، لأنه الذي يقتضيه المقام، لا الشيء الذي هو السدس، لأن ذلك معيّن و لا دليل عليه.

و لو سلّم فيكون الشيء السدس في الوصية لا يقتضي كونه كذلك في كل موضع، لانتفاء ذلك في الإقرار و غيره.

الثالث: أن ينقص منه مقدار ما بين مهر البكر إلى الثيب، اختاره ابن إدريس.

و اعترضه الشارح السيد الفاضل بأنه ربما أدى الى سقوط المهر رأسا، لأن التفاوت بين المهرين قد يكون بقدر المسمّى، فإن مهر مثلها بكرا ربما كان خمسين و ثيبا أربعين و المسمّى عشرة، فإذا نقص قدر التفاوت سقط المسمّى و أجيب بأن المراد النقص بنسبة التفاوت إلى مهر البكر و هو الخمس، فينقص في الفرض المذكور ديناران.

أو أن المراد نقص شيء من المسمّى لها باعتبار كونها بكرا يقتضي نظر العقلاء نقصه باعتبار ظهور ثيبوبتها.

و هذا هو الذي أراده المصنف بقوله في الكتاب: (و هو ما بين مهر البكر و الثيب عادة) و اختاره في التحرير (2).

الرابع: إحالة تقدير ذلك على نظر الحاكم لانتفاء تقدير النقص و تفسير اللفظ

____________

(1) نكت النهاية (ضمن الجوامع الفقهية): 637.

(2) التحرير 2: 30.

305

و لو تزوج متعة فبانت كتابية، أو دواما على رأي من سوغه، فلا فسخ، إلّا أن يطلق أو يهب المدة، و لا يسقط من المهر شيء (1)، و لو شرط الإسلام فله الفسخ.

____________

الوارد به لغة، و شرعا، فيرجع فيه إلى رأي الحاكم، و هو قريب مما ذكره المصنف.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن إطلاق كلامهم يقتضي ثبوت النقص سواء علم سبق الثيبوبة أم لا، و كلام المحقق في النكت صريح في ذلك (1).

و هذا الحكم مشهور بين الأصحاب، و الذي يقتضيه الدليل عدم نقص شيء كما يراه أبو الصلاح (2)، إلّا أن مخالفة الأصحاب لا يخلو من شيء، فإن قلنا به فكلام المحقق قريب.

قوله: (و لو تزوج متعة فبانت كتابية، أو دواما على رأي من سوغه فلا فسخ، إلّا أن يطلق أو يهب المدة و لا يسقط من المهر شيء).

(1) أي: لو تزوج امرأة يظن أنها مسلمة، أو على أنها مسلمة لكن لم يشترط إسلامها في العقد فظهرت كتابية و النكاح متعة على رأي المصنف و من جرى مجراه في القول بمنع نكاح المسلم الكتابية دواما و تجويز المتعة، أو دائم على قول من جوز نكاحها دواما.

و لما كان هذا غير مرضي عند المصنف بناه على رأي من سوغه ليستقيم الحكم، لأن إثبات الفسخ و نفيه فرع صحة النكاح في نفسه كما لا يخفى ما يثبت للزوج بذلك فسخ، لأن عدم الإسلام في الزوجة لا يعد عيبا بالنسبة إلى النكاح.

و لا ينقص بسببه الاستمتاع فلا ينقص من المهر بسببه شيء بخلاف ما إذا تزوج على انها بكر فظهرت ثيبا.

فان قيل، قوله: (إلّا أن يطلق أو يهب المدة) استثناء مما ذا؟

____________

(1) نكت النهاية (ضمن الجوامع الفقهية): 638.

(2) الكافي في الفقه: 296.

306

..........

____________

قلنا: هو استثناء من محذوف تقديره: فلا فسخ في حال من الأحوال إلّا في حال طلاقه إذا كان النكاح دواما أو هبة المدة إياها إذا كان النكاح متعة. فهو مع ما قبله لفّ و نشر غير مرتب.

و يمكن أن يكون استثناء منقطعا، و المعنى فلا فسخ على حال من الأحوال لكن له أن يطلق و أن يهبها المدة.

فإن قيل: فما الباعث عليه؟.

قلنا: لما كان نفي الفسخ يقتضي العموم بيّن أن المراد نفي الفسخ بغير طلاق و هبة المدة.

فإن قيل: فيتوهم من عموم نفي الفسخ عدم ثبوته لو كان، ثم أحد العيوب الموجبة له أو غير ذلك من أسبابه.

قلنا: هذا الوهم مدفوع بأن ظاهر المقام انتفاء سبب آخر من أسباب الفسخ، أو ما يتوهم بسببه ثبوت الفسخ سوى كفر الزوجة فلا حاجة إلى التحرز.

و أما إبانة النكاح بالطلاق و هبة المدة فإنه منوط باختيار الزوج متى شاء فحسن التعرض إليهما.

و لو شرط في العقد إسلام الزوجة و قد نكحها متعة، على ما اختاره المصنف، أو دواما على رأي من سوغه للكتابية، ثم ظهرت كتابية كان له الفسخ بها، لفوات الشرط المقتضي لتزلزل العقد، و قد ذكرنا التوجيه في نظائره غير مرة، و إنما قيّدنا في تصوير المسألة بكون النكاح متعة عند المصنف أو دواما على رأي من سوغه، لأن ثبوت الفسخ فرع صحة العقد في نفسه، و قد ذكره المصنف في تصوير أصل المسألة، و إلى هذا القسم أشار المصنف بقوله: (و لو شرط الإسلام فله الفسخ)، أي: و لو شرط الإسلام في هذه الصورة المفروضة في نفس العقد فظهرت كتابية فسخ إن شاء.