جامع المقاصد في شرح القواعد - ج13

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
448 /
307

و لو أدخلت امرأة كل واحد من الزوجين على صاحبه فوطأها، فلها المسمّى على زوجها و مهر المثل على واطئها، و ترد كل منهما على زوجها، و لا يطأها إلّا بعد العدة.

و لو ماتتا في العدة أو مات الزوجان ورث كل زوجته، و بالعكس. (1)

____________

قوله: (و لو أدخلت امرأة كل من الزوجين على صاحبه فوطأها فلها المسمّى على زوجها و مهر المثل على واطئها، و ترد كل منهما على زوجها و لا يطأها إلّا بعد العدة، و لو ماتتا في العدة أو مات الزوجان ورث كل زوجته و بالعكس).

(1) قال الشيخ في النهاية: إذا عقد الرجلان على امرأتين، فأدخلت امرأة هذا على هذا و الأخرى على الآخر ثم علم بعد ذلك، فإن كانا قد دخلا بهما كان لكل واحدة منهما الصداق، و إن كان الولي قد تعمد ذلك اغرم الصداق.

و لا يقرب كل واحد منهما امرأته حتى تنقضي عدتها، فإن ماتتا قبل انقضاء العدة فليرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتهما و يرثاهما الرجلان، و إن مات الرجلان و هما في العدة فإنهما ترثانهما و لهما المسمّى (1)، هذا كلامه (رحمه اللّٰه).

قال ابن إدريس: الصحيح من الأقوال أن بموت أحد الزوجين أما المرأة أو الرجل يستقر جميع المهر كملا، سواء دخل بها الرجل أم لا (2).

احتج الشيخ بما رواه جميل بن صالح عن بعض أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام): في أختين أهديتا إلى أخوين في ليلة فأدخلت امرأة هذا على هذا و أدخلت امرأة هذا على هذا، قال: «لكل منهما الصداق بالغشيان، و إن كان وليهما يعلم ذلك اغرم الصداق و لا يقرب واحد منهما امرأته حتى تنقضي العدة، فإذا انقضت العدة

____________

(1) النهاية: 488.

(2) السرائر: 310.

308

..........

____________

صارت كل واحدة منهما الى زوجها بالنكاح الأول»، قيل له: فإن ماتتا قبل انقضاء العدة، قال: فقال: «يرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتهما و يرثاهما الرجلان» (1).

و الأصح وجوب المهر كملا، و الرواية ضعيفة و حملها المصنف في المختلف على أن المرأتين ليس لهما ولد، فيرجع الزوجان بنصف المهر إذا كانا قد دفعاه على سبيل الميراث (2).

ثم تنبه لأمور:

الأول: استحقاق كل من المرأتين على من أدخلت عليه مهر المثل إنما هو مع الوطء للشبهة، لا بدونه، و هو ظاهر.

و كذا وجوب العدة إنما هو مع الوطء لا بدونه، فيرد كل منهما على زوجها بغير عدة، و لو وطئت إحداهما خاصة. اختص الحكم بها.

الثاني: إنما يجب لها المهر المذكور بالوطء إذا لم تعلم بالتحريم، اما بأن تجهل كون الزوجة غيرها، أو تعلمه و تجهل تحريم الوطء، فلو علمتهما فلا شيء لها، لأنها بغي و لا اعتبار بعلم الزوج و عدمه.

أما العدة فإن وجوبها يتحقق بجهل أحدهما، ليكون الوطء من طرفه محترما.

الثالث: يرجع كل من الزوجين بما غرمه من مهر المثل على الولي، و في رواية التقييد بتعمده، و كذا في عبارة الشيخ على ما سبق ذكره.

و ينبغي أن يقال: إن تعمد الولي و الزوجة أو كانا جاهلين فالغرم عليها دون الولي، لأن سببيتها أقوى.

نعم يستثني لها أقل ما يصلح مهرا، و إن تعمد أحدهما خاصة فالغرم مختص به، فإن تعمدت هي فلا بد من استثناء الأقل، و لو علم الزوج بالحال و جهلت المرأة

____________

(1) الكافي 5: 407 حديث 11، الفقيه 3: 267 حديث 1269، التهذيب 7: 434 حديث 1730.

(2) المختلف: 557.

309

و لو اشتبه على كل منهما زوجته بالأخرى قبل الدخول، منع منه و الزم بالطلاق و لا تحسب في الثلث و يلزم نصف المهر، فيقسم بينهما بالسوية إن تداعياه، أو يقرع فيه، أو يوقف حتى يصطلحا.

و يحرم على كل منهما أم كل واحدة منهما، و تحرم كل منهما على أب الزوج و ابنه. و الميراث كالمهر، و يحتمل القرعة ابتداء، (1)

____________

غرم مهر المثل و لا يرجع به على أحد، و ينبغي تأمل هذا التفصيل لأني لم أجد به قائلا.

الرابع: لو مات أحد الزوجين ورثه الآخر، سواء كان في عدة الشبهة أم لا.

و قول المصنف: (و لو ماتتا في العدة.) يوهم أن لها دخلا في الإرث، و ليس كذلك، و المصنف تبع في ذلك عبارة الشيخ و لفظ الرواية لا يلزم منه تخصيص، لأن السؤال وقع عن حكم موتهما في العدة فكان الجواب على طبقه.

قوله: (و لو اشتبهت على كل منهما زوجته بالأخرى قبل الدخول منع منه و الزم الطلاق، و لا يحسب الثلاث، و يلزم تنصيف المهر فيقسم بينهما بالسوية إن تداعياه، أو يقرع فيه، أو يوقف حتى يصطلحا، و يحرم على كل واحد منهما أم كل واحدة منهما، و تحرم كل منهما على أب الزوج و ابنه، و الميراث كالمهر و يحتمل القرعة ابتداء).

(1) إذا عقد رجلان على امرأتين بمهرين ثم اشتبهت زوجة كل واحد منهما بالأخرى فبيان أحكامها في مسائل:

الأولى: تحريمهما على الزوجين. فإن الزوجة إذا اشتبهت بالأجنبية حرمتا، لوجوب اجتناب الأجنبية و لا يتم إلّا باجتنابهما، و لا يرتفع بذلك النكاح قطعا و إنما تحرم الاستمتاعات التي شأنها أن تحل به.

و كذا النظر و اللمس و ما جرى مجراهما، فعلى هذا لو لم يكونا قد دخلا بهما منعا

310

..........

____________

من الدخول لا محالة.

الثانية: تحرم على كل واحد منهما أم كل واحدة منهما، و كذا غير الام ممن اقتضى النكاح تحريمهما بالمصاهرة عينا أو جمعا بهما، لأن المقتضي للتحريم و هو النكاح حاصل، و الاشتباه لا يمنع تأثيره، و اجتناب أم الزوجة لكل منهما لا يتم إلّا باجتنابهما، و كذا البواقي، و كذا تحرم كل منهما على أب كل من الزوجين و ابنه لمثل ما ذكرناه.

الثالثة: إلزام كل من الزوجين بالطلاق بمعنى وجوب ذلك، لظاهر قوله تعالى:

فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ و قد تعذر الأول فتعيّن الثاني.

و المراد به الطلاق فيكون واجبا، فإن امتنع منه اجبر عليه، و لا يقدح في صحته، لأن الإجبار شرعا لا ينافي الصحة، كما في إجبار المديون إذا امتنع من البيع و توقف الأداء عليه.

و يتحقق الطلاق بأن يطلّق كل منهما زوجته من المرأتين، أو يطلق كل واحدة منهما بعينها فيقع الطلاق على الزوجة و يبطل في الأجنبية.

و يحتمل عدم وجوب الطلاق، للأصل، و لا نسلم أن الإمساك بمعروف متعذر للاشتباه.

و لو سلّمنا فلا نسلم تحتم الثاني، لجواز أن يراد من الآية وجوب أحد الأمرين مع القدرة، لامتناع التكليف بدونها، و لا تعلق له بحال التعذر، فتجب حينئذ القرعة، لأنه أمر مشكل، و في كل أمر مشكل القرعة كما ورد به النص (1)، فمن عينت القرعة زوجيته تعينت و ثبت له أحكام الزوجية.

و هذا هو المراد من قول المصنف: (و يحتمل القرعة ابتداء) أي: في أول الأمر من حين حصول الاشتباه.

____________

(1) الفقيه 3: 51 باب الحكم بالقرعة، التهذيب 7: 233 حديث 571، الاستبصار 3: 39 حديث 131.

311

..........

____________

و يحتمل أن يقال: يتلطف بهما، فإن طلقا وقع و إلّا سلطنا المرأتين على الفسخ، أو فسخ الحاكم كما سبق في تزويج الوليين المرأة لرجلين مع نسيان السابق من العقدين، و قد سبق تحقيق ذلك كله.

إذا تقرر ذلك فلو طلق كل منهما لم يكن الطلاق محسوبا في الثلاث، بمعنى أنه لو تزوج بعد ذلك لا يكون معه على طلقتين بل الثلاث بحالها.

كذا ذكره المصنف، و مراده إنه إذا تزوّج واحدة منهما، لأنه إنما طلق الزوجة و لم تكن زوجيتها معلومة بالنسبة إليه و الأصل عدمها، و كذا الأصل بقاء الحل إلى التطليقة الثالثة.

أما إذا تزوجهما معا- حيث يجوز له جمعهما- ثم طلقهما اثنتين فقد استكملت إحداهما الثلاث قطعا، لأن إحداهما كانت زوجة حين طلاق الاولى و قد حصل الاشتباه فتحرمان كما لو اشتبهت الزوجة بالمطلقة إلّا بالمحلل، فلو تزوجهما ثم طلقهما بعد ذلك افتقر الى المحلل أيضا، لأن الأخرى قد استكملت الثلاث و هي مشتبهة إلّا على القول بأن التحليل يهدم ما دون الثلاث.

الرابعة: إذا وقع الطلاق من كل منهما لكل من الزوجين قبل الدخول الزم كل منهما بنصف المهر، لأن ذلك مقتضى الطلاق قبل الدخول، فإن تساوى المهران جنسا و قدرا و صفة و تسليما فالحكم ظاهر فإن كل واحدة منهما تأخذ نصفا.

و إن اختلف الجنس كالذهب و الفضة، أو القدر كمائة و خمسين، أو الوصف كالجيد و الرديء، أو تعذر الاستيفاء من إحداهما لإعساره دون الأخرى، فإما أن يعلم كل من الزوجين ما عليه و ان جهل مستحقه، أو لا، فإن علما و اختلف الجنس أو الوصف خاصة أدى كل واحد منهما نصف ما عليه.

ثم الزوجان إما أن يدّعي كل منهما زوجية إحديهما و استحقاق نصف العين، أو أحدهما أو لا تداعيا شيئا للاشتباه عليهما.

312

..........

____________

فإن تصادمت دعواهما في نصف بخصوصه ففيه ثلاثة أوجه: اقتسامه، لانتفاء المرجح و يحلف كل واحد منهما للأخرى. و القرعة، لأنه أمر مشكل. أو الإيقاف حتى يصطلحا، لتعذر الوقوف على مستحقه و لا مخرج سوى الصلح.

لكن مع الاقتسام يجعل النصف الآخر عند الحاكم كسائر الأموال المجهولة الملّاك، و لو رجعت إحداهما إلى دعوى النصف الآخر لم يبعد سماعها، إذ ليس فيها إلّا إكذاب دعواها الاولى، و لأنه لا يزيد على إكذاب المقر له الإقرار ثم يرجع الى التصديق، فترد ما أخذته على الأخرى و يسلّم إليها النصف الثاني، لانحصاره فيها، فإن الأولى قد دفعته عن نفسها، و إن حكمنا بالقرعة، فمن خرج اسمها استحقت فيتعين للأخرى النصف الآخر.

و إن ادعت كل واحدة غير ما ادعته الأخرى دفع الى كل منهما ما تدعيه، لانحصار الاستحقاق فيهما و انتفاء التنازع بينهما.

و إن ادعت إحداهما و سكتت الأخرى دفع الى المدعية ما ادعته، لانتفاء المنازع و إمكان صدقها.

و يحتمل في النصف الآخر دفعه إلى الأخرى، لانحصار الحق فيها و قد نفته المدعية عن نفسها فانحصر استحقاقه في الأخرى.

و إن سكتتا معا و لم تدع واحدة منهما شيئا معيّنا فقد قال الشارح الفاضل ولد المصنف: إنه إما أن يقسم كل نصف بينهما نصفين، أو يقرع بينهما، أو يوقف الحال في كل نصف حتى تصطلحا (1)، و ليس بجيد، لأن اقتسامهما كلا من النصفين يقتضي إعطاء الحق لغير مستحقه قطعا، للقطع بأن كل نصف لواحدة لا يشاركها فيه الأخرى.

____________

(1) إيضاح الاشتباه 3: 188.

313

..........

____________

و ليس هذا مثل قسمة أحد النصفين بينهما عند التداعي لاستوائهما في المقتضي للاستحقاق و هو التداعي هناك، بخلاف ما هنا، فيكون فيه احتمال القرعة و الإيقاف إلى الصلح خاصة.

و مثله في الفساد قوله: بعد تداعيهما أحد النصفين بعينه و قسمته بينهما في النصف الآخر، و لو ادعتاه اقتسمتا.،

و ذلك لأن كل نصف لواحدة فكيف يمكن قسمته لكل منهما و تسلط من لا يستحق على مال غيره، و فيه فساد آخر و هو أن دعوى واحدة نصفا معينا إنما يكون إذا ادعت زوجة من وجب عليه ذلك النصف، فكيف تتصور زوجية كل منهما لكل من الزوجين.

و مثله في الفساد دعوى كل واحدة منهما كل واحد من النصفين اقتراحا، و لو حمل على رجوعهما عن الدعوى الاولى إلى هذه بعد حكم الحاكم ففي السماع احتمال، هذا حكم ما إذا اختلفا جنسا أو وصفا.

فإن اختلفا قدرا و اتحد الجنس دفع كل من الزوجين بقدر نصف المهر الأقل، فيقسم بينهما و يبقى نصف الزيادة يؤخذ ممن وجب عليه.

فإن ادعتاه جرت فيه الاحتمالات الثلاثة، و إن ادعته إحداهما أو لم تدعه واحدة منهما فحكمه معلوم مما سبق، و إن كان الاختلاف بين المهرين باعتبار لزوم التسليم و عدمه أخذ النصف المعجل.

و يجري فيه ما سبق باعتبار التداعي و عدمه، و يبقى النصف المتخلف إلى حين حصوله تستفاد أحكامه مما سبق.

و إن جهل كل من الزوجين ما عليه بخصوصه، فإن اتحد الجنس و اختلف القدر أخذ من كل منهما بقدر نصف الأقل و بقي النصف الزائد، إن تبرع به أحدهما فلا بحث، و إلّا كان حقا مجهول المحل و المستحق منحصر في اثنين.

314

..........

____________

و لو اختلف الجنس أو الوصف فالحكم في مجموع النصفين مثل ما قلناه آنفا في الزيادة.

و كذا الحكم لو كان جهة الاختلاف بين المهرين وجوب التسليم و عدمه فقط، فإن المطالبة بأحد الوصفين متعذرة إلى حين حضور وقت استحقاق الآخر.

و لو ادعت احدى الزوجتين على أحد الزوجين بأحد الجنسين المختلفين أنها تستحقه عليه، فالذي تقتضيه الأصول عدم الاكتفاء بقوله: لا اعلم، بل يكلف الجواب على البت، فإن لم يحلف حلفت و استحقت، فإن ادعت الأخرى بعد يمينه للأولى سمعت الدعوى و كلف الجواب الى آخر ما سبق، و إن كان بعد يمينها فقد سبق في الشفعة في نظير هذه المسألة في الفصل الخامس في التنازع قبل قوله: (و لو اختلف المتبايعان في الثمن) عدم سماع الدعوى الأخرى، لئلا يلزم الحكم ببطلان القضاء الأول فيجيء مثله ها هنا.

و ينبغي تأمل هذا المبحث خصوصا هذه الأحكام الأخيرة، فإني لم أقف عليها في كلام أحد. و اعلم أن حكم الميراث إذا مات أحد الزوجين أو الزوجتين أو هما حكم المهر، فمع التداعي اما القسمة أو القرعة أو الإيقاف.

ثم اعلم أن قول المصنف: (و يلزم بنصف المهر) معناه: و يلزم كل واحدة منهما بنصف المهر، فيكون الواجب النصفين.

و قوله: (فيقسم بينهما) إن عاد الضمير إلى كل منهما فهو مشكل، لامتناع ادعاء كل من الزوجين لكل من النصفين، و عوده إلى نصف واحد خلاف الظاهر، و مع ذلك فلا بد من التقييد بما إذا اختلف المهران بأحد الأمور السابقة، و تحقيق كل من الزوجين ما عليه، فإطلاق العبارة لا يخلو من شيء.

315

و يثبت المسمّى في كل وطء عن عقد صحيح و إن انفسخ بعيب سابق على الوطء أو العقد، و مهر المثل في كل وطء عن عقد باطل في أصله لا المسمّى. (1)

[فروع]

فروع:

[أ: لو شرط الاستيلاد فخرجت عقيما فلا فسخ]

أ: لو شرط الاستيلاد فخرجت عقيما فلا فسخ، لإمكان تجدد شرطه

____________

قوله: (و يثبت المسمّى في كل وطء عن عقد صحيح و إن انفسخ بعيب سابق على الوطء أو العقد، و مهر المثل في كل وطء عن عقد باطل في أصله لا المسمّى).

(1) وجهه: ان الموجب للمهر المسمّى هو العقد الصحيح على ما سيأتي بيانه ان شاء اللّه تعالى، و الفسخ لا يرفعه من أصله و إنما يبطله من حين وقوع الفسخ و إن كان بعيب سابق على العقد، و قول الشيخ (1) و الشافعي (2) بوجوب مهر المثل ضعيف. أما إذا كان العقد فاسدا فإنما يجب بالوطء فيه مهر المثل دون المسمّى، لأن الفاسد لما لم يترتب عليه أثره كان وجوده كعدمه.

و مع الوطء يجب عوض المثل لمنفعة البضع و ذلك مهر المثل، و قد سبق في نكاح المماليك قول لجمع من الأصحاب بوجوب المسمّى فيما إذا تزوّج الحر أمة بغير اذن مالكها و وطأ قبل الرضى، و قد ذكرنا ما فيه هناك.

و إن انتفى الوطء، فإن كان العقد فاسدا فلا شيء، لانتفاء المقتضي، و إن كان صحيحا و وقعت الفرقة بفسخ فلا شيء أيضا، إلّا في العنة فيجب نصف المهر كما سبق، و كذا إذا طلق قبل الدخول.

قوله: (فروع: أ: لو شرط الاستيلاد فخرجت عقيما فلا فسخ،

____________

(1) المبسوط 4: 253.

(2) المجموع 16: 273.

316

في الشيخوخة، و عدم العلم بالعقم من دونه، و جواز استناده إليه. (1)

____________

لإمكان تجدد شرطه في الشيخوخة، و عدم العلم بالعقم من دونه، و جواز استناده إليه).

(1) الشيخوخة مصدر شاخ يشيخ، و ينبغي أن يراد بها الطعن في السن إلى نهاية العمر، و تحرير البحث أنه إذا شرط الرجل في عقد النكاح استيلاد المرأة يعني، كونها بحيث تستولد بمعنى أن لا تكون عقيما، فمضى عليها مدة طويلة و لم تلد مع انتفاء مانع آخر ظاهر سوى العقم لم يثبت بذلك فسخ، و إلّا لزم ثبوت الخيار مع تحقق انتفاء الشرط، و الثاني باطل بالنص و الإجماع فالمقدم مثله.

بيان الملازمة عدم تحقق العقم بما ذكر، لإمكان تجدد الاستيلاد في الشيخوخة كما في قصة إبراهيم و زكريا (عليهما السلام) و على نبينا الصلاة و السلام و آله، و لانتفاء العلم بالعقم من دون حصول الشيخوخة، لأن كل زمان يتجدد حصوله يرجى فيه حصول الاستيلاد و تجدده قبل تحقق الشرط، و لأن انتفاء استيلاد المرأة قد يكون مستندا إلى الزوج، فلا يكون عدم استيلادها دليلا على عقمها، فهذه دلائل ثلاثة ذكرها المصنف (رحمه اللّٰه) على عدم ثبوت الفسخ في المسألة المذكورة.

و تنقيح المقام بجعلها دلائل التلازم في القياس الاستثنائي أولى، و على ما قلناه فيكون الضمير في قوله: (لإمكان تجدده) عائدا إلى الاستيلاد، و يكون الضمير في

قوله: (من دونه) عائدا إلى الشيخوخة بضرب من التأويل، أي و لعدم العلم بالعقم من دون مضي زمان الشيخوخة.

و يمكن عوده الى العقم، أي و لعدم العلم بالعقم من دون العقم، لأن العلم بحصول شيء فرع حصول ذلك الشيء في نفسه، لأن العلم يستدعي المطابقة.

و ربما قيل بإمكان عوده الى ما دل عليه إمكان التجدد، أي و عدم العلم بالعقم من دون عدم إمكان التجدد، فيكون هذا و ما قبله دليلا واحدا، تقريره لإمكان تجدد الاستيلاد فيه، و من التكليف و البعد ما لا يخفى.

317

[ب: كل شرط يشرطه في العقد يثبت له الخيار مع فقده]

ب: كل شرط يشرطه في العقد يثبت له الخيار مع فقده، سواء كان دون ما وصف أو أعلى على اشكال.

نعم لو تزوجها متعة أو دواما على رأي بشرط أنها كتابية فظهرت مسلمة فلا خيار. (1)

____________

و اعلم أن قول المصنف: (لو شرط الاستيلاد فخرجت عقيما) لا يخلو من مسامحة، لأن خروجها عقيما يقتضي انتفاء الشرط فيثبت الخيار، و المراد حصول ما يتوهم منه العقم، و الضمير في (شرطه) يعود الى الاستيلاد أو الى الزوج.

قوله: (ب: كل شرط يشترط في العقد يثبت له الخيار مع فقده، سواء كان دون ما وصف أو أعلى على اشكال، نعم لو تزوجها متعة أو دواما على رأي بشرط أنها كتابية فظهرت مسلمة فلا خيار).

(1) لا ريب أن كل ما يشترطه الزوج في عقد النكاح من صفات الكمال، مما لا ينافي مقصود النكاح و لا يخالف الكتاب و لا السنة صحيح، فإذا تبيّن انتفاؤه و خلوها من الكمال لم يكن النكاح باطلا، لأن فقد الشرط لا يقتضي بطلانه، لكن يثبت للمشروط الخيار، لأن فوات الشرط يقلب العقد اللازم جائزا.

و لو اشترط شيئا من الصفات التي لا تعد كمالا، كما لو شرط كونها قبيحة الصورة أو جاهلة بتدبير المنزل، فالمتجه صحة الشرط، لأن الغرض قد يتعلق بذلك.

و ليس فيه منافاة للكتاب و لا للسنة، فلو انتفى الشرط و ظهر الاتصاف بالضد- ففي المثال المذكور ظهر كونها جميلة أو عالمة بتدبير المنزل- ففي ثبوت الخيار في ذلك و أمثاله عند المصنف إشكال ينشأ: من أن ثبوت الخيار وسيلة إلى التخلص من النقص و لا نقص هنا فلا خيار، و من أن فوات الشرط المحكوم بصحته لو لم يثبت به الخيار كان الاشتراط و عدمه سواء، و هو معلوم البطلان.

و تنقيح المقام أن صفة النقص قد يقارنها ما يلحقها بصفة الكمال، و يتعلق بها

318

..........

____________

الغرض كما يتعلق بصفة الكمال، كما لو كان الرجل مثلا كثير الاسفار، و ليس له من يخلفه في أهله، فرغب في قبيحة المنظر لتكون أبعد عن تطلع الأجانب إليها.

و كذا لو خشي من حذق الزوجة في أمور المنزل لحوق بعض المتاعب له بطمع بعض المتغلبين، و نحو ذلك.

و ذهب الشارح الفاضل ولد المصنف الى بطلان هذه الشروط، محتجا ببعد النكاح عن قبول الخيار قال: و إنما يصح شرط الحرية و النسب و البكارة، و ما يرى هذه في الكفارة للنص (1).

و لقائل أن يقول: إن النص لم يرد بثبوت الخيار باشتراط البكارة، فيكون اشتراطه خروجا عن النص، و مع ذلك فالكتاب و السنة واردان بصحة الشرط السائغ، الذي لا ينافي مقتضى النكاح، و يلزم منه ثبوت الخيار بفواته، فيكون الخيار حينئذ ثابتا بالنص، فلا يتم ما ذكره.

و لو سلّم فالبعيد عن النكاح اشتراط الخيار، لا اشتراط ما يقتضي فواته الخيار، فحينئذ القول بثبوت الخيار في نحو ذلك ليس بذلك البعيد.

و قول المصنف: (نعم لو تزوجها.) المراد به أنه إذا تزوج امرأة و شرط كونها كتابية، و كان النكاح متعة عندنا و دواما على رأي من يجوز نكاح الكتابية دواما، فظهرت مسلمة، فإن هذا الشرط لا يوجب فواته الخيار، بخلاف غيره من الشروط المتعلقة بصفات النقص، فإن فيها اشكالا عند المصنف، فيكون هذا الشرط مستثنى من عموم الكلية السابقة، فإن لفظ نعم في مثل هذا التركيب للاستدراك.

و وجهه أن اشتراط صفة الكفر و عدم الرضى بالإسلام ظاهره ترجيح الكفر على الإسلام، و ذلك من الأمور الشنيعة المستهجنة شرعا، فيناسب كون هذا الشرط

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 189.

319

[ج: لو تزوج العبد على أنها حرة فظهرت أمة فكالحر]

ج: لو تزوج العبد على أنها حرة فظهرت أمة فكالحر، فإن فسخ قبل

____________

باطلا، و آنفا ذكره و هو كلام وجيه.

و ينبغي أن يكون ما جرى مجراه كذلك، كما لو شرط كونها غير عفيفة نعوذ باللّه من ذلك فظهرت عفيفة، لأن هذا الشرط ينافي المروءة.

و عند التحقيق فليس هذا النوع من الشروط بسائغ شرعا، فإن ما خالف الدين و المروءة فهو مخالف للكتاب و السنة.

ثم تنبه لشيء و هو أن تقييد المصنف النكاح إذا شرط كون المنكوحة كتابية بكونه متعة على رأيه، أو دواما على رأي قوم اخرين، يشعر بأنه لو تزوجها دواما و شرط كونها كتابية لا يصح النكاح عنده، و به صرح الشيخ في المبسوط (1).

وجهه أن العقود تابعة للقصود، فإذا عقد على امرأة دواما و قد شرط كونها كتابية، فقد عقد على من يعتقد بطلان عقدها، فيكون قاصدا إلى عقد يعتقد بطلانه، فيجب أن يكون باطلا.

و يطرد هذا الحكم فيما لو طلق طلاقا يعتقد بطلانه، أو يتردد فيه للتردد في حصول شرطه، كما لو لم يعلم انتقالها من طهر الى آخر، حيث يشترط ذلك لانتفاء قصده الى عقد صحيح، و القصد معتبر اتفاقا.

و قد حكى المصنف في التحرير (2) قول الشيخ في المبسوط و لم يفت بشيء.

و لقائل أن يقول: إن المقدمة القائلة أن القصد الى العقد الفاسد يمنع صحته مسلّمة، لكن لا نسلم أن من تزوج امرأة دواما على أنها كتابية قاصدا إلى عقد فاسد، لأنه لا يلزم من اشتراط كونها كتابية اعتقاد كونها كذلك بحسب الواقع، و الأصل في المكلف في بلاد الإسلام أن يكون مسلما، و الأصل من الأمور المقطوع بها شرعا.

قوله: (ج: لو تزوّج العبد على أنها حرة فظهرت أمة فكالحر، فإن

____________

(1) المبسوط 4: 254.

(2) التحرير 2: 31.

320

الدخول فلا شيء، و بعده المسمّى على سيده أو في كسبه، و يرجع به على المدلّس و يكون للمولى.

و لو أعتق قبل الفسخ فالأقرب أن المرجوع به للعبد، (1)

____________

فسخ قبل الدخول فلا شيء، و بعده المسمّى على سيده أو في كسبه و يرجع به على المدلس و يكون للمولى، و لو أعتق قبل الفسخ فالأقرب أن الرجوع به للعبد).

(1) أي: لو تزوج عبد امرأة على أنها حرة، إما بأن شرط ذلك في عقد النكاح، أو سبق الاخبار بحريتها قبله، ثم جرى العقد على ذلك فظهرت أمة، فالحكم هنا كما سبق فيما إذا تزوج الحر على أنها حرة في ثبوت الخيار في كل من الصورتين عند المصنف كما اختاره سابقا، و قد حققنا البحث و استوفينا الكلام فيه فلا حاجة الى إعادته.

و ليس لقائل أن يقول: إن المتجه هنا عدم الخيار، لتكافؤ الزوجين في كون كل منهما رقا، بخلاف الحر، لأن المقتضي للفسخ هو الغرور بالعقد على من شرطت حريتها فظهر خلاف الشرط، أو وصفت بالحرية بحيث جرى العقد على ذلك ثم تبيّن العدم لا عدم التكافؤ، فيجب ثبوته و هو حق للعبد، و لو ظهر بعضها رقا فكالرقية جميعا.

إذا تقرر ذلك فإن فسخ قبل الدخول فلا مهر، و إن فسخ بعده فالمسمّى على السيد إن كان النكاح بإذنه أو في كسبه على ما سبق بيانه في نكاح الإماء، فإذا حصل الفسخ و غرم السيد المهر يرجع به على المدلس و يكون للمولى لا محالة، لأن العبد لا يملك.

و لو أعتق العبد قبل الفسخ ثم حصل الفسخ بالنسب المذكور فالأقرب عند المصنف أن الرجوع بالمهر في هذه الحالة على المدلس للمعتق.

321

..........

____________

و وجه القرب: إن الأصل في العوض وجوبه على من ملك المعوض، فإن ذلك مقتضى المعاوضة، و إنما يجب على غير المعاوض كما في المملوك إذا زوجه مولاه فإنه لا يملك شيئا، فإذا وقع النكاح باذن المولى وجب عليه المهر لئلا يلزم الإضرار بالزوجة.

و كذا إذا زوّج الأب ابنه الصغير المعسر، فإذا دفع الأب و المولى المهر كان دفعه عن الابن و العبد، لأنه و إن وجب عليهما إلّا أن الوجوب بالتحمل للعارض، فإذا طلق الابن بعد بلوغه رجع نصف المهر إليه، لأن دفعه عنه في قوة الهبة له و سيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى.

و كذا القول في العبد إذا طلّق بعد عتقه فإنه يستحق نصف المهر، و لأن المهر قد خرج عن ملك المولى بدفعه إلى الزوجة و ملكته، فإذا اقتضى الفسخ ملكه كان ملكا مبتدأ ناشئا عن إخراج المعوض عن الملك فيكون للمعتق، لأنه في مقابله، و لأن وجوبه بسبب فسخ النكاح و هو متعلق بالمعتق، و لا تعلق للمولى به فيكون له كسائر ما يكتسبه بعد الحرية، لأن المانع من ملكيته- و هو رقه- منتف.

و يحتمل عوده الى المولى، لأن المقتضي لوجوبه- و هو العقد- وقع متزلزلا فيكون وجوبه متزلزلا، فإذا حصل الفسخ عاد الى المولى، لعدم انقطاع علاقته به.

و فيه ضعف، لأن وجوبه ثبت و استقر بالدخول و انقطعت علاقة المولى عنه، و تزلزل العقد لا يقتضي تزلزله، لأن الواجب بالفسخ غيره.

و قد يوجه الاحتمال بأن المهر لم يدخل في ملك العبد بحال حين دفعه المولى، لأنه لا يملك فلا يعود إليه.

و فيه نظر، لأن وجوبه على المولى بالتحمل عن العبد فله به علاقة، و عدم ملكه إياه لوجود المانع و هو الرقية لا يمنع ملكه إياه بسبب الفسخ الذي هو حقه بعد زوال المانع، و من هذا يظهر أن ما قربه المصنف قريب.

322

ثم إن كان الغار الوكيل رجع بالجميع، و إن كانت هي فكذلك تتبع به، لأنه ليس برجوع في المهر، لأن المهر استحقه السيد و رجوعه يكون في ذمتها.

و لو حصل منهما رجع بنصفه على الوكيل حالا، و نصفه عليها تتبع به. (1)

____________

قوله: (ثم إن كان الغار الوكيل رجع بالجميع، و إن كانت هي فكذلك يتبع به، لأنه ليس برجوع في المهر، لأن المهر استحقه السيد و رجوعه يكون في ذمتها، و لو حصل منهما رجع بنصفه على الوكيل حالا و نصفه عليها يتبع به).

(1) بعد تحقق ما سبق ينظر في الغار في كل موضع يحصل الفسخ، فإما أن تكون الأمة، أو وكيلها، أو سيدها.

فإن كان الوكيل رجع عليه بالجميع، عملا بمقتضى التغرير. و كذا إن كانت هي، لأن الرجوع عليها ليس رجوعا بالمهر الذي حقه أن يدفع الى الزوجة، لأن المهر استحقه السيد حتى لو كانت عينه باقية لم تسترد، و إنما هو رجوع بعوض المهر الذي أوجبه التدليس فلا يسقط عنها منه شيء و لا يطلب منها في الحال، لأن ما بيدها للمولى، بل يتبع به إذا أعتقت و أيسرت.

و لو كان التغرير بفعلها أو فعل الوكيل فالغرم عليها، إلّا أنه يرجع على الوكيل بالنصف في الحال إن شاء، و أما هي فإنما يرجع عليها بالنصف الآخر إذا أعتقت و أيسرت.

و لا يخفى أن لفظة: (حالا) في عبارة الكتاب ينبغي أن تكون مخففة، لأنها في مقابل الرجوع على الأمة في مستقبل الزمان إذا أعتقت.

و بقي قسم ثالث، و هو ما إذا كان الغار هو السيد و لم يلزم من تغريره عتق الأمة، فإن الرجوع عليه بالمهر إلّا بأقل ما يمكن أن يكون مهرا على أقرب القولين.

323

و لو أولد كان الولد رقا لمولاه إن كان المدلّس سيدها، أو أذن لها مطلقا، أو في التزويج به أو بأي عبد. (1)

____________

و لو لم يكن قد دفع إليه وقع التقاص فيما عدا الأقل المذكور فإنه متحتم اللزوم و لو لزم تغريره عتقها فلا فسخ.

قوله: (و لو أولد كان الولد رقا لمولاه إن كان المدلّس سيدها، أو اذن لها مطلقا، أو في التزويج به، أو بأي عبد).

(1) أي: لو أولد العبد المذكور الأمة التي اشترطت حريتها، فإما أن يكون النكاح باذن مولاها، اما لكونه هو الذي دلّسها، أو لأنه اذن لها في التزويج مطلقا، بحيث يتناول تزويجها بعبد أو حر، فيكون تزويجها بهذا العبد داخلا في إطلاق اللفظ.

أو لأنه اذن لها في التزويج بهذا العبد بخصوصه أو بأيّ عبد كان. أو لا يكون بإذنه أصلا، فإن كان باذن مولاها فالولد لمولى العبد، لأن الولد الحاصل بنكاح المماليك لمن لم يأذن من الموليين إذا اذن الآخر، و إن إذنا أو لم يأذن واحد منهما فالولد لهما معا.

و ها هنا كلامان:

أحدهما: إن قضية كلام المصنف أن نكاح العبد كان باذن المولى، و لو لا ذلك لم يجب المسمّى على السيد أو في كسب العبد و لم يكن لفسخ النكاح موقع، لأنه حينئذ يكون فاسدا، و على هذا فكيف يستقيم قوله: (ان الولد رق لمولى الزوج).

الثاني: ذهب الشيخ في المبسوط إلى أن الولد في الصورة المذكورة حر محتجا بأن العبد إنما دخل في العقد على ذلك، لأن المفروض أنه تزوجها على انها حرة، و ولد الحرة حر و إن كان الزوج رقيقا، و أوجب عليه قيمة الولد يوم سقوطه حيا لمولى الأمة.

و حكى أن في محل وجوبها ثلاثة أقوال: أحدها في كسبه، و الثاني في رقبته، و الثالث في ذمته (1).

____________

(1) المبسوط 4: 256.

324

[د: لو غرّته المكاتبة، فإن اختار الإمساك فلها المهر]

د: لو غرّته المكاتبة، فإن اختار الإمساك فلها المهر، و إن اختار الفسخ فلا مهر قبل الدخول، و بعده إن كان قد دفعه رجع بجميعه أو به، إلّا بأقل ما يمكن أن يكون مهرا، و إن لم يدفع فلا شيء أو يجب الأقل. (1)

____________

قال المصنف في التحرير: و هذه الأقوال للجمهور، و قد حكى المصنف في التحرير قول الشيخ (1) و لم يصرح باختيار شيء، و كلامه و كلام المصنف هنا محل النظر و التأمل، و اعلم أن حكم المدبرة و أم الولد حكم القنّة.

قوله: (لو غرته المكاتبة: فإن اختار الإمساك فلها المهر، و إن اختار الفسخ فلا مهر قبل الدخول، و بعده إن كان قد دفعه رجع به أو بجميعه، إلّا أقل ما يمكن أن يكون مهرا، و إن لم يدفعه فلا شيء أو يجب الأقل).

(1) أما وجوب المهر مع اختيار الإمساك، فلأنه قد رضي بالنكاح حينئذ فيجب المسمّى، و إن اختار الفسخ و قد دخل و دفع المهر رجع عليها به لتدليسها. و على القول الآخر يستثني لها أقل ما يمكن أن يكون مهرا، لأن الوطء المحترم يجب أن لا يخلو عن عوض، و قد تقدّم الكلام عليهما مستوفى.

و مع عدم الدفع فهل يجب دفع الأقل أم لا يجب شيء أصلا؟ فيه القولان، و إنما أفرد المكاتبة، لأنها كالحرة في ذلك، فإن المهر حق لها كالحرة، لانقطاع سلطنة المولى عنها مع كونها رقيقة، بخلاف القنة و من جرا مجراها، لأن المهر في نكاحهن للمولى لا لهن، فإذا اقتضى التغرير الرجوع عليهن رجع بجميع المهر، إلّا أن مقتضى التغرير الرجوع على السيد، فإنه يرجع عليه بما عدا الأقل على الخلاف، و الأمر في المكاتبة كالحرة و إليه الإشارة بقوله: (و لو غره الوكيل رجع عليه بالجميع).

فإن الوكيل صادق على السيد. لأنه لا يجوز له تزويجها إلّا بإذنها. و اعلم أن الضمير في قوله في أول البحث: (لو غرته المكاتبة) يرجع الى ما دل عليه سوق

____________

(1) التحرير 2: 30.

325

و لو غرّه الوكيل رجع عليه بالجميع. و لو أتت بولد فهو حر، لأنه دخل على ذلك و يغرم قيمته، و يتبع في الاستحقاق أرش الجناية على ولد المكاتبة. (1)

____________

الكلام، و هو المتزوج بها، و يظهر منه أن الزوج حر، فإن المفهوم من قوله: (إن كان قد دفعه رجع بجميعه) ذلك، و كذا ما بعده.

قوله: (و لو أتت بولد فهو حر، لأنه دخل على ذلك و يغرم قيمته، و يتبع في الاستحقاق أرش الجناية على ولد المكاتب).

(1) أي: لو أتت المكاتبة المتزوجة بحر على أنها حرة بولد فالولد حر، لأن الزوج دخل في العقد على ذلك، لأنه وقع على أنها حرة، و لأنه لو وطأ أمة الغير ظنا على أنها أمته أو زوجته الحرة كان الولد حرا فهنا أولى، لانتفاء الشرط ثم و ثبوته هنا، لكنه يغرم قيمته، لأنها رقيقة في الواقع، فيكون باستيلاده إياها قد فوته على المولى.

و لا فرق في ذلك بين أن يتخيّر العقد أو الفسخ، و يرجع بها على الغار، لأنه لم يدخل على ضمانها، بخلاف المهر فإنه إذا لم يفسخ النكاح لم يرجع به، لأنه دخل على ضمانه عوضا لمنافع البضع، و في مستحق هذه القيمة خلاف مبني على أن المستحق لأرش الجنايات على ولد المكاتبة هل هو السيد أو الأم.

فإن قلنا السيد فالقيمة هنا له، فإن كان الغار الوكيل رجع عليه الزوج بكمالها، و إن كانت هي رجع عليها بما في يدها، لأنه كالدين عليها.

و إن قلنا الام فكذا هنا، فإن كان الغار الوكيل رجع عليه بجميعها، و إن كانت هي وقع التقاص.

و اعلم أن الضمير في قول المصنف: (و يتبع في الاستحقاق.) يرجع الى القيمة، و معناه أن القيمة تتبع أرش الجناية في استحقاق المستحق، فمن ثبت كونه المستحق للأرش في الجناية فهو المستحق هنا بغير تفاوت.

326

و لو ضربها أجنبي فألقته لزمه دية جنين حر لأبيه، فإن كان هو الضارب فللأقرب إليه دونه، و إلّا فللإمام، و على المغرور للسيد عشر قيمة أمة إن قلنا إن الأرش له. (1)

____________

قوله: (و لو ضربها أجنبي فألقته لزمه دية جنين حر لأبيه، فإن كان هو الضارب فللأقرب إليه دونه، و إلّا فللإمام، و على المغرور للسيد عشر قيمة أمة إن قلنا إن الأرش له).

(1) ما سبق حكم ما إذا خرج الولد حيا، أما إذا ألقته ميتا، فإن كان بغير جناية جان فلا شيء على الزوج، لأنه لا قيمة للميت، نعم لو نقصت لزمه أرش نقصها.

و إن كان بجناية جان، فإن كان الجاني أجنبيا لزمه مع الكفارة دية جنين حر، لانعقاده حرا، و سيأتي بيانها في الديات إن شاء تعالى.

و يستحقها أبو الجنين و هو المغرور دون الأم، لأنها مكاتبة فلا ترث، و حينئذ فيضمن دية جنين أمة و هي عشر قيمة الأم للسيد أو المكاتبة على اختلاف القولين، و ذلك لأن الجنين في هذه الحالة انفصل مضمونا للمغرور فيضمنه، لأنه يقوّم له فيقوّم عليه، كما أن العبد الجاني إذا قتل تعلق حق المجني عليه بقيمته، و لو مات لم يكن على السيد شيء (1) في قول، لأن المغرور لا يضمن، لأنه لا قيمة للميت، و اختاره الشيخ في المبسوط (2)، و المصنف في التحرير (3).

إذا تقرر ذلك فعشر قيمة الأم لا يخلو: إما أن يكون بقدر دية جنين الحر، أو أنقص. فإن كان بقدرها أو أنقص فلا بحث في كونه هو الواجب، و إن كان أكثر فوجهان:

____________

(1) في نسخة «ض»: لم يكن عليه شيء.

(2) المبسوط 4: 257.

(3) التحرير 2: 30.

327

[ه: لا يرجع بالغرامة على الغار إلّا بعد أن يغرم القيمة]

ه: لا يرجع بالغرامة على الغار إلّا بعد أن يغرم القيمة أو المهر

____________

أحدهما: و هو الظاهر من عبارة المصنف حيث أطلق وجوب العشر، لأنه لو انفصل رقيقا بالجناية لوجب على الجاني عشر قيمة الأم، فإذا فوت ذلك غرمه لمستحقه من السيد و الام، كما أنه يستحق قيمته عند انفصاله حيا و إن زادت على الدية.

و الثاني: إنه ليس له إلّا قدر دية الجنين الحر، لأن سبب غرامة الميت هو الجناية الموجبة لدية جنين الحر، فلا يزيد الفرع على أصله فيكون الواجب أقل الأمرين.

و هذا بناء على إمكان زيادة دية جنين الأمة على جنين الحرة أو وجوب العشر، و تحقيقه في بابه هذا إذا كان الجاني أجنبيا، فإن كان هو المغرور لزمه دية جنين حر و لا يرثها، لأنه قاتل بل يكون لمن يليه في الاستحقاق و هو الأقرب إليه، فإن لم يكن غيره فهي للإمام (عليه السلام) و عليه عشر القيمة كما أطلقه المصنف، أو أقل الأمرين منه و من دية جنين الحر على ما سبق.

و على ما اختاره الشيخ في المبسوط (1) و المصنف في التحرير (2) من عدم وجوب شيء سوى دية الجنين الحر لا يجب العشر، فإن أوجبناه فهو للسيد إن قلنا أرش الجناية على ولد المكاتبة للسيد، و الى ذلك أشار المصنف بقوله: (و على المغرور للسيد عشر قيمة أمة ان قلنا إن الأرش له).

و مراده بذلك وجوب العشر في الصورتين المذكورتين، و هما إلقاء الجنين بضرب الأجنبي لها، و إلقاؤه بضرب الزوج، و سكت عما إذا لم نقل بأن الأرش للسيد استغناء بقوله فيما تقدم: (و يتبع في الاستحقاق أرش الجناية على ولد المكاتبة).

قوله: (لا يرجع بالغرامة على الغار إلّا بعد أن يغرم القيمة أو المهر

____________

(1) المبسوط 4: 257.

(2) التحرير 2: 30.

328

للسيد، لأنه إنما يرجع بما غرمه. (1)

____________

للسيد، لأنه إنما يرجع بما غرمه).

(1) و كذا لو رجع الشاهدان بإتلاف مال أو جناية بعد الحكم لم يرجع المحكوم عليه عليهما إلّا بعد الغرم.

و كذا الضامن يرجع بعد الدفع، و للمغرور مطالبة الغار بالتخليص من مطالبة المرأة أو السيد، كما أن الضامن يطالب المضمون عليه بالتخليص.

هنا أحكام ذكر بعضها استطرادا:

الأول: لا يرجع المغرور على الغار بالغرامة اللازمة له في هذا الباب جميعه إلّا بعد أن يغرمها، فلا يرجع بالمهر على المدلس و لا بقيمة الولد حيث يجبان، و كذا النفقة إن جوزنا الرجوع بها إلّا إذا دفع ذلك إلى مستحقه، لأن سبب الرجوع هو الغرم مع الغرور و لا يتقدم المسبب على السبب، و بجواز سقوطه عنه بإبراء و نحوه.

و يمكن أن يكون هذا الحكم متعلقا بمسألة المكاتبة لاتصالها بها، و لأن قيمة الولد مذكورة في هذه المسألة و حكم باقي مسائل الباب يستفاد بالملامحة.

الثاني: لو شهد الشاهدان على إنسان بإتلافه مالا لآخر، أو بصدور جناية منه عليه، فحكم الحاكم بذلك لعدالتهما عنده، ثم رجعا عن الشهادة بعد الحكم، فعليهما الغرم، لكن إنما يطالبهما المحكوم عليه بعد أن يغرم على ما سبق.

الثالث: قد سبق أن الضمان ناقل للدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، فإنه إذا كان الضمان باذن المضمون عنه استحق الضامن الرجوع عليه، لكن إنما يرجع عليه بعد دفع الدين.

و كذا الحكم إذا ظهر استحقاق المبيع بما غرم المشتري الجاهل عوض المنافع التي استوفاها، فإنه يرجع بها على البائع، و رجوعه إنما يكون بعد غرمه. و قول

329

و كذا لو رجع الشاهدان بإتلاف مال أو جناية بعد الحكم لم يرجع المحكوم عليه عليهما إلّا بعد الغرم، و كذا الضامن يرجع بعد الدفع.

و للمغرور مطالبة الغار بالتخليص من مطالبة المرأة أو السيد، كما أن الضامن يطالب المضمون عنه بالتخليص.

و: لو انتسب إلى قبيلة فبان من غيرها، أعلى أو أدون، فالأقرب أنه

____________

المصنف: (و للمغرور مطالبة الغار بالتخليص من مطالبة المرأة أو السيد.) معناه أن المغرور و إن كان لا يرجع بما يوجب التغرير من الغرم حتى يغرم، لكن له مطالبة الغار بالتخليص من مطالبة المرأة بالمهر، حيث تكون حرة أو مكاتبة، أو مطالبة السيد إذا كانت أمة.

و ذلك كما يطالب الضامن المضمون عنه بالتخليص حيث يكون الضمان بإذنه، فإنه و إن لم يكن له عليه رجوع بالمال المضمون إلّا بعد أدائه، لكن له هذا القدر من الارتفاق، و هو مطالبته بالتخليص منه، لأنّ إبراء ذمته من المطالبة و قطع السلطنة عنه غرض مطلوب.

و الظاهر أن مراده التنبيه على استحقاق المغرور مطالبة الغار بالتخليص في المسائل الثلاث التي ذكرها، إلّا أنه لم يذكر سوى مطالبة المرأة و السيد، و كأنه أخرج ذلك مخرج المثال.

و اعلم أن المصنف ذكر في الضمان أنه ليس للضامن مطالبة المضمون عنه بالتخليص قبل المطالبة، و ذكر في استحقاق مطالبته إذا طولب و لما يغرم اشكالا، و هنا أطلق استحقاقه المطالبة بالتخليص، و لا يستقيم الإطلاق بل ينزل على ما إذا طولب، فيكون رجوعا عن الإشكال الذي ذكره في الضمان الى الجزم.

قوله: (لو انتسب إلى قبيلة فبان من غيرها أعلى أو أدون فالأقرب

330

لا فسخ، و كذا المرأة.

نعم لو شرط أحدهما على الآخر نسبا فظهر من غيره، كان له الفسخ، لمخالفة الشرط، و كذا لو شرط بياضا أو سوادا أو جمالا. (1)

____________

انه لا فسخ، و كذا المرأة. نعم لو شرط أحدهما على الآخر نسبا فظهر من غيره كان له الفسخ لمخالفة الشرط، و كذا لو شرط بياضا أو سوادا أو جمالا).

(1) إذا انتسب الرجل إلى قبيلة فعقد له النكاح، ثم ظهر أنه ليس منها، سواء كان أعلى أو أدون، فإما أن يشترط مع ذلك كونه من القبيلة في عقد النكاح أو لا، فهنا مبحثان:

الأول: أن لا يشترط ذلك في العقد، و في حكمه أقوال للأصحاب:

أ: انه يبطل بذلك النكاح، اختاره الشيخ في النهاية (1)، و ابن الجنيد (2)، و ابن حمزة (3)، و جعله ابن البراج في كتابيه رواية (4).

و سيأتي أن الرواية لا تدل على البطلان و انما تدل على ثبوت الفسخ، و لعل ذلك مرادهم. و كلام المصنف في المختلف (5) يدل على ذلك حيث حكى عن المبسوط مثل ما حكاه عن ابن البراج، فإنه في المبسوط حكى القول بالخيار ثم قال: و قد روي ذلك في أخبارنا (6).

____________

(1) النهاية: 489.

(2) المختلف: 555.

(3) الوسيلة: 367.

(4) المهذب 2: 239.

(5) المختلف: 555.

(6) المبسوط 4: 189.

331

..........

____________

ب: عدم البطلان و الخيار، اختاره في المبسوط (1)، و كذا ابن إدريس (2)، و المصنف هنا، و هو الأصح، لأن الخيار على خلاف الأصل، فيجب التمسك بلزوم النكاح.

فإن قيل: قد روى الحلبي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام)، قال في رجل يتزوج المرأة فيقول: أنا من بني فلان فلا يكون كذلك، قال: «يفسخ النكاح أو قال ترد» (3) كان الشك من السائل.

وجه الاستدلال بها: أنه حكم بثبوت الفسخ لأجل مخالفة القول المذكور، و ذلك ينافي المدعى.

قلنا: لا دلالة فيه، لأنّ الظاهر من قوله: فيقول الى آخره انه تفصيل لقوله:

يتزوج، على حد قول القائل: توضأ فغسل وجهه و ذراعيه إلى أخره، و قوله: صلى فحرم و قرأ إلى أخره، فيكون الظاهر منه وقوع هذا اللفظ في العقد و ذلك غير محل النزاع.

ج: ثبوت الخيار إن بان أدنى من المرأة بحيث لا يلائم شرفها، اختاره المصنف في المختلف، و احتج عليه بلزوم الضرر الحاصل من الغضاضة و النقص و بالرواية المتقدمة (4).

فأما الرواية فقد بيّنا ما فيها، و أما الضرر فلا نسلم بلوغه مرتبة يقتضي ثبوت الخيار، على أنها بتفريطها في استعلام الحال و تعويلها على مجرد إخباره معرضة نفسها لهذا الضرر، فكيف تسلط على فسخ النكاح بذلك البحث.

الثاني: أن يشترط ذلك في العقد، و حينئذ يثبت الفسخ بظهور الخلاف، صرح

____________

(1) المبسوط 4: 189.

(2) السرائر: 308.

(3) التهذيب 7: 432 حديث 1724.

(4) المختلف: 555.

332

..........

____________

به المصنف و ابن إدريس (1)، و حكى الشارح الفاضل ولد المصنف فيه الإجماع (2)، و قد بيّنا دلالة الرواية عليه.

إذا عرفت ذلك فهل حكم المرأة حكم الرجل في هذا كله؟ صرح المصنف هنا باستوائهما في ذلك، و حكاه في المختلف عن ابن الجنيد (3) و ابن حمزة (4)، و هو واضح.

و أما الشرط فظاهر، لعموم قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (5) و أما مع العدم، فلانتفاء المقتضي.

و كذا الحكم فيما لو شرط أحدهما على الآخر بياضا أو سوادا فظهر ضدّه.

و كذا الحكم فيما لو شرط أحدهما على الآخر جمالا فظهر الخلاف، فإن المشترط يتسلط على الفسخ بذلك، صرح المصنف بذلك، و نص عليه ابن إدريس (6)، إلّا أن المصنف ذكر سابقا اشكالا لو ظهر خلاف الوصف و كانت أعلى، و كلامه هنا مطلق فيحتمل أنه اعتمد على التفصيل السابق فأطلق هنا.

و يحتمل أن يكون رجوعا عن الإشكال إلى الجزم بثبوت الخيار.

و الظاهر أن اشتراط الصنعة كاشتراط القبيلة وفاقا لابن الجنيد (7)، و تقريبه ما سبق.

____________

(1) السرائر: 309.

(2) إيضاح الفوائد 3: 192.

(3) المختلف: 555.

(4) الوسيلة: 367.

(5) التهذيب 7: 371 حديث 1503، الاستبصار 3: 232 حديث 835.

(6) السرائر: 309.

(7) المختلف: 555.

333

[المقصد الثاني: في المهر]

المقصد الثاني: في المهر، و فيه فصول:

[الأول: في الصحيح]

الأول: في الصحيح: و هو كل مملوك يصح نقله عينا كان أو منفعة، و إن كانت منفعة حر كتعليم صنعة، أو سورة، أو عمل محلل، أو إجارة الزوج نفسه مدة معينة على رأي، سواء كانت معيّنة أو مضمونة. (1)

____________

قوله: (المقصد الثاني: في المهر و فيه فصول:

الأول: في الصحيح: و هو كل مملوك يصح نقله عينا كان أو منفعة و إن كانت منفعة حر كتعليم صنعة أو سورة أو عمل محلل أو إجارة الزوج مدة معينة على رأي، سواء كانت معيّنة أو مضمونة).

(1) المقصد الثاني من توابع النكاح في المهر، و إنما كان المهر من التوابع، لأنه ليس ركنا في العقد، و لهذا يجوز إخلاؤه منه بل اشتراط عدمه.

و لها أسماء منها الصدقة، قال اللّه تعالى وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً (1).

و منها الأجر، قال تعالى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (2).

و منها العليقة، روي أنه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «أدوا العلائق» قيل: و ما العلائق؟ قال: «ما تراضى عليه الأهلون» (3).

و منها العقر، و منها النحلة، و الحياء، و الفريضة، و الصداق، يقال: أصدقتها و مهرتها، و يقال: أمهرتها أيضا.

و المهر و إن لم يكن ركنا في النكاح إلّا أن الواجب تسميته مهرا، لئلا يشبه نكاح الواهبة نفسها للنبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، و ليكون ادفع للخصومة و المنازعة.

و ليس للصداق مقدّر، بل كل ما يتموّل يجوز جعله صداقا، و بعض العامة قدره بنصاب

____________

(1) النساء: 4.

(2) النساء: 24.

(3) سنن البيهقي 7: 239، عوالي اللئالي 1: 229 حديث 124.

334

..........

____________

السرقة (1).

و قد ضبطه المصنف بأنه: (كل مملوك يصح نقله، عينا كان أو منفعة).

و احترز ب(المملوك) عما لا يملك أصلا، و عما هو مملوك للغير. و بما يصح نقله عن الوقف و ما جرى مجراه، و لا بدّ من تقييده بكونه بحيث يعد مالا في العادة، فحبة الحنطة و نحوها مملوك يصح نقله و لا يجوز جعله مهرا، لكونه لا يعد مالا.

و لا فرق في ذلك بين العين و المنفعة، لأنها مال، حتى منافع الحر كتعليم صنعة محللة، أو سورة من القرآن، و ما دونها مما يقع عليه الإجارة، أو غيره من الحكم و الآداب و الشعر، أو عمل مقصود محلل، أو إجارة الزوج نفسه مدة معيّنة، سواء تشخص زمانها أم لا.

و لا خلاف في ذلك كله، سوى العقد على منفعة الزوج، فإن الشيخ (رحمه اللّٰه) في النهاية منع من العقد على المرأة على عمل من الزوج لها أو لوليها (2)، و تبعه ابن البراج في الكامل (3)، و هو الظاهر من كلام ابن حمزة (4).

و ذهب الشيخ في المبسوط (5) و الخلاف (6)، و المفيد (7)، و ابن الجنيد (8)، و سلار (9)،

____________

(1) قاله أبو حنيفة، انظر: المغني لابن قدامة 8: 5، الشرح الكبير 8: 5.

(2) النهاية: 469.

(3) ذكره في المهذب 2: 201.

(4) الوسيلة: 347.

(5) المبسوط 4: 273.

(6) الخلاف 3: 2 مسألة 3 كتاب الصداق.

(7) المقنعة: 78.

(8) المختلف: 542.

(9) المراسم: 152.

335

..........

____________

و ابن إدريس (1)، و المحقق نجم الدين (2)، و أكثر الأصحاب إلى الجواز، و اختاره المصنف و هو الأصح.

لنا: إن الأصل الجواز، و لأن المقتضي للصحة- و هو كونها منفعة مقصودة محللة- موجود، و المانع منتف إذ ليس إلّا كونها منفعة الزوج و هو غير صالح للمانعية.

و ما تضمنته رواية سهل بن سعد الساعدي في التي وهبت نفسها للنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من تزويجه إياها بما معه من القرآن (3).

وجه الاستدلال بها: انه جعل القرآن الذي معه صداقا لها، و هو غير ممكن، فالظاهر أنه جعل الصداق تعلميها إياه.

و ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) قال: جاءت امرأة إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقالت: زوجني، فقال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله): «من لهذه»، فقام رجل: أنا يا رسول اللّه زوجنيها، فقال: «ما تعطيها؟»، فقال: مالي شيء، فقال: لا، فأعادت فأعاد رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) فلم يقم أحد غير الرجل، هكذا ثلاثا، فقال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) في المرّة الثالثة: «أ تحسن شيئا من القرآن؟» فقال: نعم، فقال: «قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن تعلمها إياه» (4).

و هذا نص في الباب، و عمومات الكتاب و السنة يتناول ذلك.

احتج الشيخ بأن ذلك ربما أفضى إلى عراء البضع عن العوض بموته أو عجزه، و ذلك باطل. و بما رواه احمد بن محمد في القوي عن ابي الحسن (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يتزوّج المرأة و يشترط اجارة شهرين، فقال: «إن موسى عليه

____________

(1) السرائر: 301.

(2) الشرائع 2: 324.

(3) سنن البيهقي 7: 236، سنن الدار قطني 3: 247 حديث 21، سنن ابن داود 2: 236 حديث 2111.

(4) الكافي 5: 380 حديث 5، التهذيب 7: 354 حديث 1444.

336

و لو عقد الذميان على خمر أو خنزير صح، فإن أسلم أحدهما بعد

____________

السلام قد علم انه سيتم له شرطه، فكيف لهذا بأن يعلم انه سيبقى حتى يفي، و قد كان الرجل على عهد رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) يتزوج المرأة على السورة من القرآن و على القبضة من الحنطة» (1).

و الجواب بعد تسليم السند أن هذا لازم في كل مهر شخصي، و الجواب في الكل واحد.

و أجاب ابن إدريس بأن شعيبا استأجر موسى (عليه السلام) ليرعى له لا لابنته، و قد كان هذا جائزا في شرعهم و ليس بجائز في شرعنا، و المتنازع فيه هنا هو إجارة الزوج نفسه لها فليس من ذلك في شيء (2).

و لقائل أن يقول: إن الظاهر من الرواية أن المانع من الصحة هو عدم العلم ببقائه.

و كيف كان فالمشهور هو المذهب، ثم ارجع الى عبارة الكتاب و اعلم أنه أراد بالعين ما قابل المنفعة، سواء كانت متعيّنة أو مضمونة في الذمة.

و لا ريب أنه يشترط في جعل تعليم الصنعة مهرا كونها محللة و ليس جواز صداق تعليم القرآن مقصورا على السورة و إن لم يذكر غيرها. نعم يشترط أن لا يكون لقلته بحيث لا يقابل بأجرة. و أراد بإجارة الزوج نفسه ضربا من المجاز، و هو العمل الذي شأنه أن يستأجر عليه، و كما تضبط المنفعة بالمدة كذا تضبط بالتعيين كبناء جدار و نحوه.

قوله: (و لو عقد الذميان على خمر أو خنزير صح، فإن أسلم أحدهما

____________

(1) الكافي 5: 414 حديث 1، التهذيب 7: 366 حديث 1483.

(2) السرائر: 300.

337

الدفع بريء الزوج، و قبله تجب القيمة عند مستحيلة، سواء كان معيّنا أو مضمونا. (1)

و لا يتقدر المهر قلة و كثرة على رأي، ما لم يقصر عن التقوم كحبة

____________

بعد الدفع بريء الزوج، و قيل تجب القيمة عند مستحليه سواء كان معيّنا أو مضمونا).

(1) إذا عقد الذميان و من جرى مجراهما على ما لا يصح تملكه للمسلم كالخمر و الخنزير صح فيما بينهم، فإن أسلم أحد الزوجين بعد دفع المهر المعقود عليه فلا شيء عليه للزوجة، لأن الزوج قد بريء بما دفعه قبل الإسلام، و في قول لبعض العامة أن لها مهر المثل، لفساد ذلك القبض (1).

و لا فرق في ذلك بين كون المسلم هو الزوج أو الزوجة، لأن المسلم لا يجوز له دفع الخمر دينا و لا قبوله كذلك، و إن كان إسلامه قبل الدفع لم يجز دفع المعقود عليه، ثم ما الذي يجب؟ الأصح أنه تجب القيمة عند مستحيلة، و يحتمل وجوب مهر المثل، و يحتمل وجوب المتعة بالطلاق قبل الدخول، و قد سبق تحقيق ذلك في نكاح الكفر.

و لا فرق في ذلك بين كون المهر المحرم معينا أو دينا مضمونا في الذمّة.

و ذهب بعض العامة إلى أنه لا شيء لها، لأنها رضيت بالخمر فيدام عليه حكم رضاها، و قد تعذر القبض بالإسلام فسقطت المطالبة (2).

و ذهب بعض الى أن المسمّى إن كان معينا و هو محرم لم يستحق غيره و لا رجوع الى مهر المثل (3).

قوله: (و لا يتقدر المهر قلة و كثرة على رأي ما لم يقصر عن التقويم

____________

(1) انظر المنتقى 3: 288.

(2) انظر: المجموع 16: 332، المنتقى 3: 288.

(3) انظر: المنتقى 3: 288.

338

حنطة. (1)

____________

كحبة حنطة).

(1) لا خلاف عند أصحابنا في أن المهر لا يتقدر قلّة إلّا بأقل ما يتملك، و أما الكثرة فالمشهور بين الأصحاب عدم تقديرها، فيصح العقد على ما شاء من غير تقدير ذهب إليه الشيخان (1)، و ابن أبي عقيل (2)، و سلار (3)، و أبو الصلاح (4)، و ابن البراج (5)، و ابن إدريس (6)، و عامة المتأخرين (7)، و هو الأصح.

قال المرتضى: انه لا يجوز تجاوز مهر السنة خمسمائة درهم جياد قيمتها خمسون دينارا، فمن زاد على ذلك رد إلى السنة (8)، و هو ظاهر كلام ابن الجنيد (9) و ابن بابويه في الفقيه (10).

لنا قوله تعالى وَ آتَيْتُمْ إِحْدٰاهُنَّ قِنْطٰاراً فَلٰا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً (11) و القنطار:

المال العظيم من قنطرت الشيء إذا رفعته و منه القنطرة.

و في القاموس: القنطار بالكسر وزن أربعين أوقية من ذهب أو فضة و الف دينار، أو ألف و مائتا أوقية، أو سبعون ألف دينار، أو ثمانون ألف درهم، أو مائة رطل من ذهب أو فضة، أو ألف دينار أو ملء مسك ثور ذهبا أو فضة (12).

____________

(1) المقنعة: 78، المبسوط 4: 272.

(2) المختلف: 541.

(3) المراسم: 152.

(4) الكافي في الفقه: 293.

(5) المهذب 2: 198.

(6) السرائر: 300.

(7) منهم المحقق في الشرائع 2: 305، و الشهيد في اللمعة: 195.

(8) الانتصار: 124.

(9) المختلف: 541.

(10) الفقيه 3: 253.

(11) النساء: 20.

(12) القاموس المحيط 2: 122.

339

..........

____________

و عموم قوله تعالى فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ (1).

و كذا قوله تعالى وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً (2).

و قوله تعالى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (3).

و صحيحة الوشّاء عن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «لو أن رجلا تزوج امرأة و جعل مهرها عشرين ألفا و جعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزا و الذي جعله لأبيها فاسدا» (4).

و لأنه نوع معاوضة فيتبع اختيار المتعاضدين في القدر كغيره من المعاوضات.

احتج السيد بإجماع الطائفة المحقة، و بأن المهر يتبعه أحكام شرعية، فإذا وقع العقد على مهر السنة فما دون ترتبت عليه الأحكام بالإجماع. و أما الزائد فليس عليه إجماع و لا دليل شرعي فيجب نفيه (5).

و قد روى المفضل بن عمر قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له: أخبرني عن مهر المرأة الذي لا يجوز للمؤمن أن يجوزه؟ قال: فقال: «السنة المحمدية خمسمائة درهم، فمن زاد على ذلك رد إلى السنة و لا شيء عليه أكثر من الخمسمائة» (6).

و الجواب أن الدلائل الشرعية الدالة على جواز العقد على المهر و إن كان زائدا على السنة كثيرة موجودة في الكتاب و السنة فلا سبيل إلى إنكارها، و رواية المفضل

____________

(1) البقرة: 237.

(2) النساء: 4.

(3) النساء: 24.

(4) التهذيب 7- 361 حديث 1465، الاستبصار 2: 224 حديث 810.

(5) الانتصار: 124.

(6) التهذيب 7: 361 حديث 1464، الاستبصار 3: 224 حديث 810.

340

و ليس ذكره شرطا، فلو أخل به أو شرط عدمه صح العقد، فإن دخل فلها مهر المثل. (1)

و إنما يفيد ذكره التعيين و التقدير، فيشترط في صحته مع ذكره التعيين، إما بالمشاهدة و إن جهل كيله أو وزنه كقطعة من ذهب و قبة من طعام، أو

____________

ابن عمر ضعيفة، فإن في طريقها محمد بن سنان، قال الشيخ: إنه مطعون عليه ضعيف جدا، و ما يختص بروايته و لا يشركه فيه غيره لا يعمل عليه (1)، هذا كلام الشيخ، و حملها المصنف في المختلف على الاستحباب، قال: و مع الزيادة يستحب الرد بالإبراء إلى مهر السنة فإذا حصل الإبراء لم يلزم أكثر منه (2)، و هو حسن.

قوله: (و ليس ذكره شرطا، فلو أخل به أو شرط عدمه صح العقد، فإن دخل فلها مهر المثل).

(1) لما لم يكن للنكاح معاوضة حقيقة لم يكن ذكر الصداق في العقد شرطا لصحته، إذ ليس بركن فيه، فعلى هذا لو حصل الإخلال بذكره عمدا أو سهوا أو عقدا مشترطين أن لا مهر صح، لعدم المنافي.

لكن إذا دخل بها وجب مهر المثل، و الأخبار على ذلك مستفيضة، روى الشيخ عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل يتزوج امرأة و لم يفرض لها صداق قال: «لا شيء لها من الصداق، فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها» (3).

قوله: (و إنما يفيد ذكره التعيين و التقدير، فيشترط في صحته مع ذكره التعيين، إما بالمشاهدة و إن جهل كيله و وزنه كقطعة من ذهب و قبة من طعام،

____________

(1) المصدرين السابقين.

(2) المختلف: 425.

(3) التهذيب 7: 362 حديث 1466، الاستبصار 3: 225 حديث 213.

341

بالوصف الرافع للجهالة مع ذكر قدره إن كان ذا قدر، فلو أبهم فسد و صح العقد. (1)

____________

أو بالوصف الرافع للجهالة مع ذكر قدره إن كان ذا قدر، فلو أبهم فسد و صح العقد).

(1) أي: ليس ذكر المهر شرطا و إنما يفيد ذكره في العقد التعيين و التقدير، و إذا كان كذلك فيشترط في صحة المهر مع ذكره التعيين ليخرج عن الجهالة، و يتحقق التعيين بأمرين:

أحدهما: المشاهدة و إن جهل كيله إن كان مكيلا، و وزنه إن كان موزونا فالأول كقبة من طعام، و الثاني كقطعة من ذهب، و ذلك لأن معظم الغرر يندفع بالمشاهدة، و ليس النكاح من المعاوضات الحقيقية بحيث ينافيه هذا القدر اليسير من الغرر. لكن لو تلف قبل التسليم أو بعده و قد طلقها قبل الدخول أمكن وجوب مهر المثل في الأول، و في الثاني إشكال.

الطريق الثاني للتعيين: الوصف الرافع للجهالة، و إنما يرفع الجهالة استقصاء الصفات المعتبرة في بيع السلم و قد سبق ذكرها.

و يعتبر مع ذلك تقديره إن كان ذا قدر كقفيز من حنطة، بخلاف ما إذا لم يكن تعيينه محتاجا الى تقدير كعبد تركي مثلا، فإن ذكر صفاته كاف في تعيينه، فلو أبهم الزوجان الصداق بحيث ذكراه و لم يعيناه بواحد من الطريقين المذكورين فسد الصداق، لأن في النكاح شبه المعاوضة و المجهول يمتنع تسليمه و صح عقد النكاح، لما قررنا من أن الصداق ليس ركنا فيه، و انه يجوز إخلاؤه منه.

ثم ارجع إلى العبارة و اعلم أن جملة: (و إنما يفيد ذكره التعيين) معطوف على جملة: (و ليس ذكره شرطا)، و قوله: (أو بالوصف الرافع للجهالة) معطوف على قوله:

(اما بالمشاهدة).

و قوله: (و إن جهل كيله) و صلي لما قبله و فيه لف و نشر غير مرتب، لأن القبة

342

و لو تزوجهن بمهر واحد صح و قسط على مهور الأمثال على رأي. (1)

____________

من الطعام مما له كيل و القطعة من الذهب مما له وزن.

قوله: (و لو تزوجهن بمهر واحد صح و قسط على مهر الأمثال على رأي).

(1) أي: لو تزوج رجل عدة نساء بمهر واحد صح النكاح و المهر، لانتفاء الجهالة حيث ان المجموع معلوم و لا يضر جهالة استحقاق كل واحدة منهن، لأن العقد جرى على الكل، و استعلام حق كل واحدة منهن يحصل بأدنى تأمل، فعلى هذا كيف يقسم بينهن؟ للأصحاب في كيفية ذلك قولان:

أحدهما:- و اختاره الشيخ في المبسوط (1)، و تبعه ابن البراج (2)- انه يقسم بينهن بالسوية، فإن كن ثلاثا فلكل واحدة ثلث المسمّٰى، و يوجه ذلك بمقابلة المهر لهن و التفاضل على خلاف الأصل.

و ثانيهما:- و اختاره المصنف هنا و في المختلف و غيرهما (3)، و جمع من المتأخرين، (4) و هو الأصح- أنه يقسط على مهور أمثالهن و تعطي كل واحدة منهن ما يقتضيه التقسيط، كما إذا باع عبده و عبد غيره، أو جمع بين بيع و نكاح.

و ذلك لأن العوض المالي إذا قوبل بعوض متقوم كانت القيمة ملحوظة، و من ثم تكون زيادة العوض و نقصانه ناشئا عن زيادتها و نقصانها غالبا، و قيمة البضع إنما هي مهر المثل، فيكون قسط كل واحدة من المسمّٰى بحسبه لا محالة.

____________

(1) المبسوط 4: 292.

(2) المهذب 2: 209.

(3) المختلف: 551، التحرير 2: 32.

(4) منهم ولد العلّامة في الإيضاح 3: 195.

343

و لو تزوجها على خادم أو بيت أو دار و لم يعيّن و لا وصف، قيل: كان لها وسط ذلك. (1)

____________

قوله: (و لو تزوجها على خادم أو بيت أو دار و لم يعيّن و لا وصف قيل:

كان لها وسط ذلك).

(1) القول المحكي في كلامه هو قول الشيخ في النهاية و المبسوط (1)، و يلوح من ابن إدريس اختياره (2) حيث أورده بصيغة و روي و لم يرده.

و يلوح من عبارة المصنف هنا عدم الصحة، و كذا في المختلف (3)، و تردد في التحرير (4)، و على البطلان فيصح النكاح و يجب مهر المثل.

حجة الأول: أما على الخادم و البيت بما رواه الشيخ عن علي بن أبي حمزة قال:

قلت لأبي الحسن (عليه السلام): رجل تزوج امرأة على خادم قال: «لها وسط من الخدام» قال: قلت: على بيت قال: «وسط من البيوت» (5).

و اما على الدار فما رواه الشيخ أيضا عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن (عليه السلام): في رجل تزوج امرأة على دار قال: «لها دار وسط» (6).

و الجواب: أن علي بن أبي حمزة ضعيف لا يستند إلى ما ينفرد به، و رواية ابن أبي عمير مرسلة و مع ذلك لا يمكن العمل بها، لأن الوسط من الدور و البيوت و الخدام ليس شيئا معينا مضبوطا، و لا هو مختلف اختلافا يسيرا، بل هو في غاية البعد عن الضبط، فإن الأعلى و الأدنى من ذلك لا يكاد يوقف عليه.

____________

(1) النهاية: 473، المبسوط 4: 319.

(2) السرائر: 303.

(3) المختلف: 550.

(4) التحرير 2: 32.

(5) الكافي 5: 381 حديث 7، التهذيب 7: 366 حديث 1485.

(6) التهذيب 7: 375 حديث 1520.

344

و لو تزوجها على كتاب اللّه تعالى و سنة نبيه و لم يسم مهرا فمهرها خمسمائة درهم. (1)

و لو أصدقها تعليم سورة لم يجب تعيين الحرف، و لقنها الجائز على رأي، و لا يلزمه غيرها لو طلبت. (2)

____________

و الوسط إن أريد به ما بين الطرفين فمعلوم شدة اختلاف افراده و تباين قيمها، و ان ذلك مثير للتنازع و التخاصم و موقع للحاكم في التحير.

و إن أريد به أوسط ما بين الطرفين فهو أبعد، لأن هذا لا يكاد يوقف عليه، فالقول بعدم الصحة و الرجوع الى مهر المثل لا يخلو من قوة، لأن الشارع احكم من أن ينيط الأحكام بما لا ينضبط.

قوله: (و لو أصدقها على كتاب اللّه تعالى و سنة نبيه و لم يسمّ مهرا فمهرها خمسمائة درهم).

(1) قد تقدم في رواية المفضل بن عمر ما يصلح أن يكون دليلا على ذلك مضافا الى الإجماع، و كذا غيرها من الروايات المقتضية، روى أسامة بن حفص و كان قيما لأبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت له: رجل يتزوج امرأة و لم يسمّ مهرا و كان في الكلام: ا تزوجك على كتاب اللّه و سنة نبيه فمات عنها، أو أراد أن يدخل عليها فما لها من المهر؟ قال: «مهر السنة خمسمائة درهم» (1) الحديث.

و يشكل ذلك مع جهل الزوجين أو أحدهما بما جرت به السنة من المهر.

قوله: (و لو أصدقها تعليم سورة لم يجب تعيين الحروف و لقنها الجائز على رأي، و لا يلزمه غيرها لو طلبت).

(2) المراد بالحروف هنا

____________

(1) التهذيب 7: 363 حديث 1470، الاستبصار 3: 225 حديث 816.

345

و حدّه أن تستقل بالتلاوة، و لا يكفي تتبع نطقه، و لو نسيت الآية الاولى عقيب تلقين الثانية لم يجب اعادة التعليم على اشكال. (1)

____________

القراءة كقراءة حمزة و غيره من السبعة أو العشرة على أقرب القولين، و الرأي الذي ذكره المصنف للشيخ في المبسوط و النهاية (1)، و غيره من الأصحاب (2).

و وجهه ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يعيّن على من عقد له على تعليم شيء من القرآن، و لو كان شرطا امتنع الإخلال به، فعلى هذا إذا أطلق العقد على تعليم سورة صح و بريء بتعليمها الجائز من القراءات دون ما كان شاذا، و في قول نقله جمع من الأصحاب- و لا نعرف القائل به- انه يشترط تعيين قراءة من القراءات الجائزة، لأنها متفاوتة في السهولة و الصعوبة، فلو لم يعين لزم الغرر، و ضعفه ظاهر، و المذهب الأول.

و على هذا فلو طلبت غير الجائز على إطلاقه الصادق على مطلق القراءات، أو الملفق منها بأن طلبت قراءة خاصة أو نحو ذلك لم يجب عليه الإجابة، لأن الواجب أمر كلي، فهو مخيّر في تعيينه و إيجاده في ضمن أي فرد شاء.

و لا يخفى أن جواز الاصداق لا ينحصر في السورة، بل كل ما يعتد به و يكون مقصودا يصح إصداقه لا نحو قوله تعالى مُدْهٰامَّتٰانِ (3).

قوله: (و حده أن تستقل بالتلاوة و لا يكفي تتبع نطقه، و لو نسيت الآية الأولى عقيب تلاوة الثانية لم يجب اعادة التعليم على اشكال).

(1) أي: حد التعليم الذي سبق ذكر جعله صداقا في النكاح.

و لا ريب أن ما يشترط لصحة الإجارة على المنافع، من تعليم و خياطة و بناء

____________

(1) المبسوط 4: 273، النهاية: 469.

(2) منهم ابن البراج في المهذب 2: 199.

(3) الرحمن: 64.

346

..........

____________

و غيرها كاشتراط تقديرها بالعمل أو بالزمان أو بغير ذلك، فيشترط في إصداق المنفعة سواء، و يتحقق التسليم بإيجاد تلك المنفعلة و إدخالها تحت يد الزوجة، و لا خفاء في ذلك بالنسبة إلى أغلب المنافع.

لكن في التعليم خفاء بالنسبة الى بعض الأفراد، و قد حده المصنف باستقلالها بالتلاوة.

و لا شبهة في أن التعليم لا يتحقق من دون الاستقلال بها، فلا يكفي تتبع نطقه و إنما الإشكال في شيئين:

أحدهما: مقدار ما يتحقق بالاستقلال بتلاوة التعليم.

و الثاني: مقدار مدة بقاء ذلك الاستقلال حتى لا يقدح فيه تعقب النسيان له.

أما الأول فلا ريب عندهم في أن الاستقلال بتلاوة ما دون الآية لا يعد تعليما و إنما هو مذاكرة و إن علمها مقدار ثلاث آيات، فمقتضى كلام الشيخ في المبسوط القطع بأنه يتحقق بذلك التعليم، لأن أقل ما يقع به الاعجاز ثلاث آيات مثل سورة قصيرة: فإن علمها آية فقط ففي تحقق الإقباض بذلك وجهان، هما طرفا الإشكال في كلام المصنف.

أحدهما: نعم، لأن إيجاب تعليم مجموع الآيات يقتضي إيجاب تعليم الآية الواحدة، فإذا أتى به برئت ذمته منه و قواه في المبسوط (1).

و الثاني: لا، لما قلناه من أن الإعجاز إنما يقع بثلاث آيات، فما يترتب على المجموع لا يترتب على البعض، هذا حاصل ما وجهوا به، و قضيته أن الاثنتين كالواحدة.

و في كل من الوجهين نظر، لأن إيجاب تعليم الآية الواحدة في ضمن مجموع

____________

(1) المبسوط 4: 274.

347

..........

____________

لا يستلزم براءة ذمة الزوج من تعليمها، لانتقاضه بالجملة الواحدة بل الكلمة، و كون الاعجاز لا يقع إلّا على ثلاث آيات لا يستلزم نفي الإقباض عن تعليم ما دون الثلاث، و الملازمة غير ظاهرة.

و اما الثاني: فلا ريب أن الاستقلال بالتلاوة إذا صار ملكه صدق الإقباض و تحقق البراءة، و إن كان بحيث إذا استقل بتعليم الآية الثانية مثلا نسيت الأولى ففي تحقق الإقباض به وجهان:

أحدهما: نعم، لأن النسيان الطارئ بتفريطها فلا يخل بالتعليم.

و الثاني: العدم، لأن ما لا ثبات له لا يعد تعليما. و أقول: إن الظاهر من كلام الجماعة كالشيخ في المبسوط (1)، و المصنف في التحرير (2) أن كلما لا يعد الاستقلال بتلاوته تعليما من آية واحدة أو ثلاث على الوجهين لا يضر عروض النسيان له بالانتقال الى غيره، فيكون الإشكال في كلامه ناظرا الى تعيين ما يعد الاستقلال بتلاوته تعليما خاصة.

و لقائل أن يقول: إن المتبادر إلى الأفهام من التعليم في العادة إما التلقين إلى أن يصير المحفوظ ثابتا، أو التدريب للقراءة في المصحف بحيث يستقل بنفسه بالقراءة فيه، و بدون الأمرين لا يكاد يصدق التعليم، و لا خفاء في أن المعقود عليه اعني التعليم أمر عرفي، فيجب اتباع العرف فيه لا محالة.

و الذي يقتضيه النظر اتباع العرف في ذلك، فإن كان هناك معنى معلوم واحد وجب العمل عليه و إن اضطرب العرف، أو لم يكن هناك معنى واحد اشترط التعيين.

و ينبغي أن يكون هذا البحث إذا كان المعقود عليه آيات، فلو كان آية واحدة أو آيتين فينبغي الجزم بالاكتفاء بتعليمها.

____________

(1) المبسوط 4: 274.

(2) التحرير 2: 31.

348

و لو لم يحسن السورة صح (1)، فإن تعذر تعلمها أو تعلمت من غيره فعليه الأجرة (2)، و كذا الصنعة. (3)

____________

قوله: (و لو لم يحسن السورة صح).

(1) لو أصدقها تعليم سورة و هو يعلمها فحكمه ما سبق، و لو كان لا يعلمها فإن التزم التعليم في الذمة بأن قال: علي أن أحصل لك تعليم ذلك جاز لا محالة، و إن قال:

علي أن أعلّمك أنا ففي الصحة وجهان:

أحدهما: و به جزم المصنف هنا و قربه في التحرير انه يصح، لأنه يمكنه أن يتعلمها و يعلم كما لو أصدقها ألفا و هو لا يملك شيئا (1).

و الثاني: العدم، كما لو أصدقها منفعة عبد و هو لا يملكه. و يمكن الفرق بأن منفعة العبد المعيّن غير مملوكة له و يستحيل ثبوتها في الذمة، بخلاف موضع النزاع، و المنافع أموال فكما يجوز العقد على مال يحصله بالكسب كذا ينبغي أن يجوز على منفعة يحصلها بالتعليم، و ليس القول بالصحة بذلك البعيد، فعلى هذا إن أمهلته إلى أن يتعلم فلا بحث، و إلّا ففي وجوب الصبر الى التعلم أو اجرة المثل أو مهر المثل أوجه.

قوله: (فإن تعذر تعلمها أو تعلمت من غيره فعليه الأجرة).

(2) المراد انه إذا أصدقها تعليم سورة و تعذر تعلمها إما لبلادتها، أو لموتها، أو لموت الزوج حيث يشترط كون التعليم منه، أو تعلمت من غيره فعليه اجرة المثل، لأنها عوض التعليم، و هذا أحد الوجهين.

و الآخر انه يجب مهر المثل، لتعذر المسمّى، و الأول أقوى، لإمكان العوض.

و لو احتاج في تعليمها إلى مشقة عظيمة و طول زمان زائد على العادة كثيرا فليس ببعيد الحاقه بالمتعذر.

قوله: (و كذا تعليم الصنعة).

(3) أي: و كذا تعليم الصنعة

____________

(1) التحرير 2: 31.

349

و لو عقد مرتين على مهرين فالثابت الأول، سرا كان أو جهرا. (1)

و المهر مضمون في يد الزوج إلى أن يسلّمه، فإن تلف قبله بفعل المرأة بريء و كان قبضا.

و إن تلف بفعل أجنبي تخيّرت بين الرجوع على الأجنبي أو الزوج، و يرجع الزوج عليه.

____________

إذا جعله صداقا في أن تعلمها إنما يتحقق باستقلالها بفعلها، و كذا باقي الأحكام التي سبقت جميعها، و لا يكاد يشك في أن تعليم الصنعة إنما يصدق عرفا إذا صارت ملكه.

و لا يخفى انه يشترط في الصنعة أن تكون محللة، و مثل تعليم القرآن و الصنعة تعليم الفقه و الحكم و الآداب، و ما جرى هذا المجرى، حتى الشعر إذا لم يكن محظورا.

قوله: (و لو عقد مرتين على مهرين فالثابت الأول، سرا كان أو جهرا).

(1) و ذلك لأنها بالعقد الأول تصير زوجة. يجب المسمّى فيه، فيكون العقد الثاني باطلا. و أشار بقوله: (سرا كان أو جهرا) الى خلاف الشافعي، ففي قول له أن المهر مهر السر، و في آخر أن المهر مهر العلانية (1)، و نزل الأول اصابه على ما إذا تقدّم العقد على مهر في السر، ثم جيء بلفظ العقد في العلانية، بأكثر من مهر السر تجملا، و الثاني على ما إذا تواعدوا المهر الأقل سرا و عقدوا على الأكثر علانية.

قوله: (و المهر مضمون في يد الزوج إلى أن يسلّمه، فإن تلف قبله بفعل المرأة بريء و كان قبضا، و إن تلف بفعل أجنبي تخيّرت بين الرجوع على الأجنبي أو الزوج، و يرجع الزوج عليه.

____________

(1) انظر: المجموع 16: 327.

350

و إن تلف بفعل الزوج أو بغير فعل أحد رجعت عليه بمثله، فإن لم يكن مثليا فالقيمة، فيحتمل أكثر ما كانت من حين العقد إلى حين التلف، لأنه مضمون في جميع الأحوال، و حين التلف، لأنه مضمون بغير تعد منه أما لو طالبته بالتسليم فيمنعها، فعلى الأول يضمنه بأكثر ما كانت قيمته من حين العقد إلى حين التلف، و على الثاني بأكثر ما كانت قيمته من حين المطالبة إلى حين التلف، لأنه غاصب. (1)

____________

و إن تلف بفعل الزوج أو بغير فعل أحد رجعت عليه بمثله، فإن لم يكن مثليا فالقيمة، فيحتمل أكثر ما كانت من حين العقد إلى حين التلف، لأنه مضمون في جميع الأحوال، و حين التلف لأنه مضمون بغير تعد منه. أما لو طالبته بالتسليم فمنعها: فعلى الأول يضمنه بأكثر ما كانت قيمته من حين العقد إلى حين التلف، و على الثاني أكثر ما كانت قيمته من حين المطالبة إلى حين التلف، لأنه غاصب).

(1) هنا مسائل:

الأولى: المهر قبل تسليمه الى الزوجة مضمون في يد الزوج لا محالة، لكن هل ضمانه كضمان المبيع في يد البائع، أم كضمان المقبوض بالسوم و ما جرى مجراه؟

المعروف عند أصحابنا الثاني، و أصحهما عند الشافعية الأول، و يعبر عن الأول بضمان العقد، و عن الثاني بضمان اليد.

وجه الأول: إن الصداق مملوك بعقد معاوضة، فكان كالعوض في البيع.

و وجه الثاني: إنه ليس عوضا حقيقيا، فإن النكاح لا ينفسخ بتلفه و لا يفسد بفساده و لا يتزلزل بتزلزله، و لا شيء من الأعواض الحقيقية كذلك. و من ثم سماه اللّه تعالى في كتابه صدقة و نحلة، فعلى المذهب لو كان معينا و تلف بنفسه قبل القبض يكون تلفه على ملك الزوجة، فتجب مؤن تجهيزه لو كان عبدا، و يجب على الزوج مثله لو

351

..........

____________

كان مثليا و قيمته إن كان قيميا.

و على الأول يجب مهر المثل كما لو تلف المبيع في يد المشتري قبل تسليم الثمن، فإن البيع ينفسخ و يجب مثل المبيع أو قيمته.

الثانية: إذا تلف الصداق قبل التسليم: فإما أن يكون بإتلاف الزوجة، أو بإتلاف الزوج، أو بإتلاف أجنبي، أو بغير فعل أحد.

فإن كان بإتلاف الزوجة كان قبضا منها له، فيبرأ الزوج قطعا.

و إن كان بإتلاف أجنبي تخيّرت بين الرجوع بعوضه على الزوج و على الأجنبي لا محالة، و لا يتطرق اليه احتمال الانفساخ، فإن رجعت على الزوج رجع هو على الأجنبي، و إن رجعت على الأجنبي لم يرجع على الزوج.

و إن كان بإتلاف الزوج، أو كان بغير فعل أحد منهم فالواجب هو المثل في المثلي و القيمة في القيمي.

و كل ذلك متفرع على المختار عند الأصحاب، و على القول بضمان العقد فالواجب مهر المثل إذا كان التلف بغير فعل أحد، و يتخير بإتلاف الأجنبي بين الفسخ فيطالب الزوج بمهر المثل، و عدمه فترجع على من شاءت منهما بالمثل أو القيمة.

الثالثة: متى ثبت لها مطالبة الزوج بالقيمة، ففي تعين القيمة التي يستحق المطالبة بها احتمالان:

أحدهما: أعلى القيم و أكثرها من حين العقد الى حين التلف، لأنه مضمون في جميع الأحوال، و من جملتها زمان علو القيمة، فلا تسقط الزيادة بتجدد النقص.

و الثاني: قيمة يوم التلف، لأن العين ما دامت موجودة لا تجب القيمة قطعا إنما يجب رد العين، و معنى ضمانها حينئذ كونها بحيث لو تلفت وجب الانتقال الى البدل

352

و لو تعيّب في يده قيل: تخيرت في أخذه أو القيمة، و الأقرب أخذه و أخذ أرشه (1)

____________

فيكون الانتقال اليه حين التلف، و هو الأصح.

و تعليل المصنف هذا الاحتمال بأنه مضمون بغير تعد منه ضعيف، لأن التعدي لا دخل له في إيجاب ما لم يقم الدليل على وجوبه، فكأنه يلحظ في ذلك أن التعدي يناسبه التغليظ، و ضعفه ظاهر.

و يجيء احتمال ثالث مذكور في نظائره، و هو وجوب قيمته يوم الاصداق، لأنها التي يتناولها العقد، و الأصح وجوب القيمة حين التلف.

الرابعة: الاحتمالان المذكوران في تعيين القيمة إنما يأتيان على تقدير عدم مطالبة الزوج بالتسليم، أو مطالبتها حيث لم يحصل منه منع، فإن طالبته في محل وجوب التسليم منع.

فعلى الاحتمال الأول يضمن أعلى القيم من حين العقد الى حين التلف.

و على الثاني يضمن أعلاها من حين المطالبة إلى حين التلف، فإن علل الاحتمال الثاني بانتفاء التعدي و قد ثبت التعدي بالمنع فيجب أعلى القيم من حينه، و قد بينا ضعف ذلك، فالأصح وجوب قيمته حين التلف مطلقا.

قوله: (و لو تعيب في يده، قيل: تخيرت في أخذه أو القيمة، و الأقرب أخذه و أخذ أرشه).

(1) القول المحكي قول الشيخ في المبسوط (1)، و وجهه أن الصداق مضمون على الزوج، و العقد إنما جرى عليه سليما، فإذا تعيب كان لها رده و المطالبة بالسليم، و إن شاءت أخذته.

و الأقرب عند المصنف تحتم أخذه و المطالبة بأرشه، لأن الموجود حقها، لان

____________

(1) المبسوط 4: 321.

353

و لها أن تمتنع قبل الدخول من تسليم نفسها حتى تقبض المهر، سواء كان الزوج موسرا أو معسرا. (1)

____________

الغرض أن العقد جرى على العين فتأخذه و تطالب ببدل التالف و هو الأرش، لأنه مضمون على الزوج.

و أقول: إن قول الشيخ بتخيرها لا أرى له وجها على القول بضمان اليد، لأن تعيب المغصوب في يد الغاصب لا يوجب الخيار إنما يوجب الأرش.

قوله: (و لها أن تمنع قبل الدخول من تسليم نفسها الى الزوج حتى تقبض المهر، سواء كان الزوج معسرا أو موسرا).

(1) لا كلام في أن للزوجة أن تمتنع قبل الدخول من تسليم نفسها الى الزوج حتى تقبض الصداق، إذا كان ذلك قبل الدخول و كان المهر حالا، سواء كان المهر عينا أو منفعلة متعينا أو في الذمة، لأن في النكاح معنى المعاوضة.

و لا ريب أن لكل من المتعاوضين الامتناع من التسليم إلى أن يسلم اليه الآخر، فيجبرهما الحاكم معا على التقابض، لعدم الأولوية، بأن يأمر الزوج بوضع الصداق عند عدل و يأمرها بالتمكين، و لا يختلف هذا الحكم بإعسار الزوج و إيساره.

و يفهم من عبارة ابن إدريس في السرائر إنه ليس لها الامتناع مع الإعسار، لمنع مطالبته (1).

و يضعف بأن منع المطالبة لا يقتضي وجوب التسليم قبل قبض العوض. إذا تقرر ذلك فمع اليسار يستحق النفقة إذا بذلت التمكين بشرط المهر و يأثم الزوج بالمنع، و في استحقاقها بذلك مع الإعسار وجهان:

أحدهما: لا، و اختاره شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد، لانتفاء التمكين، إذ هو معلق بأمر ممتنع عادة.

____________

(1) السرائر: 303.

354

و هل لها ذلك بعد الدخول؟ خلاف. (1)

____________

و الثاني: نعم كما في الموسر، لاشتراكهما في بذل التمكين بشرط تسليم المهر، و امتناع التسليم عادة لا دخل له في الفرق مع جواز الامتناع.

قوله: (و هل لها ذلك بعد الدخول؟ خلاف).

(1) اختلف كلام الأصحاب في أن المرأة إذا سلمت نفسها للزوج فدخل بها، هل لها الامتناع بعد ذلك حتى تقبض المهر؟ على قولين:

أحدهما:- و هو ظاهر إطلاق الشيخ في النهاية (1)، و ظاهر إطلاق ابن البراج في كتابيه (2)، و به قال المفيد (3)- أن لها ذلك، و هو الذي قواه في المبسوط (4)، لأن المقصود بعقد النكاح منافع البضع، فيكون المهر في مقابلها، و يكون تعلق الوطء الأول به كتعلق غيره.

و الثاني:- و هو مختار الشيخ في الخلاف (5)، و ابي الصلاح (6)، و السيد المرتضى في الانتصار (7)، و عامة المتأخرين (8)- إنه ليس لها ذلك، و هو الأصح، للإجماع على أن المهر يستقر بالوطء الأول، فلا يكون لما عداه به تعلق، و قد حصل تسليمها نفسها برضاها و استقر المهر، فانحصر حقها في المطالبة دون الامتناع، و لأن النكاح معاوضة، و متى سلّم أحد المتعاوضين العوض الذي من قبله باختياره لم يكن له بعد ذلك حبسه لتسليم العوض الآخر، و لأن منعها نفسها قبل الدخول لأجل المهر ثابت بالإجماع، أما بعده

____________

(1) النهاية: 475.

(2) المهذب 2: 214.

(3) المقنعة: 78.

(4) المبسوط 4: 313.

(5) الخلاف 3: 12 مسألة 39 كتاب الصداق.

(6) الكافي في الفقه: 294.

(7) الانتصار: 122.

(8) منهم ولد العلّامة في الإيضاح 3: 197، و الشهيد في اللمعة: 197.

355

و لو كان مؤجلا لم يكن لها الامتناع، فإن امتنعت و حلّ لم يكن لها الامتناع على رأي، لاستقرار وجوب التسليم قبل الحلول. (1)

____________

فلا دليل عليه فينتفي بالأصل، فإن التسليم حق عليها و المهر حق عليه، و الأصل عدم تعلق أحد الحقين بالآخر، فيتمسك به الى أن يثبت الناقل و هو منتف هنا.

فرع: لو دخل بها كرها فهل حق الامتناع باق بحاله أم لا؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا، لصدق القبض.

و الثاني: نعم، لأنه قبض فاسد، لعدم جوازه شرعا فلا يترتب عليه أثر الصحيح، و لأصالة البقاء إلى أن يثبت الناقل، و ليس بثابت.

و لو سلم ولي المجنونة و من جرى مجراها قبل قبض الصداق فهل لها الامتناع بعد الكمال؟ يحتمل ذلك.

و يحتمل أن يقال: هل يجب على الولي حبسها حتى تقبض المهر كما في المعاوضات المالية؟ إن قلنا نعم كان لها الامتناع لا محالة.

قوله: (و لو كان مؤجلا لم يكن لها الامتناع، فإن امتنعت و حل لم يكن لها الامتناع على رأي، لاستقرار وجوب التسليم قبل الدخول).

(1) ما سبق حكم الصداق إذا كان كله حالا و إن أطلق العبارة و لم يقيد بالحلول، لأن ذكر المؤجل بعده يقتضي ذلك، فأما إذا كان كله مؤجلا فليس لها الامتناع قبل حلول الأجل قطعا، إذ لا يجب لها عليه شيء حينئذ، فيبقى وجوب حقه عليه بغير معارض، فإن أقدمت على فعل المحرم فامتنعت الى أن حل الأجل. فهل لها الامتناع حينئذ الى أن تقبضه؟ فيه قولان:

أحدهما: نعم، لمساواته بعد حلوله الحال من أول الأمر، و يظهر من عبارة الشارح الفاضل السيد اسناد هذا القول الى ظاهر كلام الشيخ في النهاية (1)، حيث

____________

(1) النهاية: 475.

356

و إنما يجب تسليمه لو كانت متهيأة للاستمتاع، فإن كانت محبوسة أو ممنوعة بعذر لم يلزم. (1)

و لو كانت صبية فالأقرب وجوب التسليم مع طلب الولي. (2)

____________

قال: للمرأة أن تمتنع من زوجها حتى تقبض منه المهر و لم يفصل بين الحال و المؤجل، لكن المصنف قال في المختلف: إن الخلاف إنما هو في المهر الحال أما المؤجل فلا (1).

و الثاني: لا، لاستقرار وجوب التسليم قبل الحلول فيجب استصحابه، و لأنها لما رضيت بالتأجيل بنت أمرها على أن لا حق لها في الامتناع، فيمتنع ثبوته بعد ذلك لانتفاء المقتضي، و هو الأصح.

فرع: لو كان بعض المهر مؤجلا و بعضه معجلا كان للبعض المؤجل حكم المهر المؤجل و للمعجل حكم المعجل.

قوله: (و إنما يجب تسليمه لو كانت مهيأة للاستمتاع، فإن كانت محبوسة أو ممنوعة لعذر لم يلزم).

(1) إنما يجب تسليم المهر إذا كانت الزوجة مهيأة للاستمتاع مستعدة له لا مانع لها منه، فإن كانت محبوسة بحق أو باطل لم يجب عليه تسليمه، لأن الواجب هو التسليم من الجانبين، فإذا تعذر من أحدهما لم يجب من الجانب الآخر. و كذا لو كانت ممنوعة لعذر شرعي كالمحرمة و المعتدة عن وطء الشبهة.

قوله: (و لو كانت صبية فالأقرب وجوب التسليم مع طلب الولي).

(2) هذا في حكم الاستثناء من إطلاق ما قبله، فإن الصغيرة و هي من لم تستكمل تسع سنين غير مهيأة للاستمتاع، فإنه لا يجوز له الدخول بها قطعا، و مع ذلك فالأقرب عند المصنف وجوب تسليم مهرها إذا طلبه الولي، و لو طلب الزوج تسليمها اليه لما عدا الوطء من الاستمتاعات ففي الوجوب وجهان:

____________

(1) المختلف: 547.