جامع المقاصد في شرح القواعد - ج13

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
448 /
357

..........

____________

أحدهما: يجب، لأن الممنوع الوطء دون غيره، و باقي الاستمتاعات حق له فيجب التسليم بها.

و الثاني: لا، لأن الصغيرة ليست محل الاستمتاع و إمساكها شرعا حضانة، و الزوج ليس أهلا لها، و إنما هي حق للأقارب. و أيضا فإن الزوج إذا خلا بها لم يؤمن أن يأتيها فتتضرر، و ربما أدى ذلك إلى إفضائها و هلاكها، و على هذا لو بذلت له على هذا الوجه لم يجب القبول.

إذا تقرر ذلك فوجه قرب وجوب التسليم أنه حق ثابت حال طلبه من له حق الطلب، فوجب دفعه كغيره من الحقوق الثابتة.

لا يقال: النكاح معاوضة و حكم المعاوضات عدم وجوب تسليم أحد العوضين إلّا مع تسليم الآخر، و صغر الزوجة مانع من وجوب تسليمها فلا يجب تسليم الصداق.

لأنا نقول: إن الزوج لما عقد على الصغيرة بمهر حال أوجب على نفسه العوض في الحال، و رضي بتأخير قبض العوض الى زمان البلوغ، بناء على القول بعدم وجوب تسليمها الى الزوج، فلم يكن له منع التسليم الى زمان التسليم كما لو تزوجت الكاملة بمهر معلوم مؤجل، فإنه يجب عليها تسليم نفسها قبل قبض المهر.

و يحتمل عدم الوجوب، و هو اختيار الشيخ في النهاية (1)، و جزم به أبو الصلاح (2)، كما لا يجب تسليم النفقة، لأن الاستمتاع غير ممكن.

و ضعفه ظاهر، لأنه بعقد النكاح أوجب على نفسه المهر لمن يتأخر الاستمتاع بها الى زمان بلوغها، و ليست النفقة كذلك، لأن سبب وجوبها هو التمكين التام دون العقد.

____________

(1) المبسوط 4: 313.

(2) الكافي في الفقه: 294.

358

و لو منعت من التمكين لا للتسليم ففي وجوب التسليم اشكال. (1)

____________

قوله: (و لو منعت من التمكين لا للتسليم ففي وجوب التسليم إشكال).

(1) أي: لو منعت الزوجة نفسها من الزوج فلم تمكنه من نفسها و هي مهيأة للاستمتاع، و الصداق حال تستحق المطالبة به، و علم منها أن منعها نفسها ليس لأجل تسليم المهر، ففي وجوب تسليم المهر على الزوج لو طلبته في هذه الحالة إشكال ينشأ:

من أن منعها نفسها من التمكين الى زمان تسليم المهر على الوجه الذي قدمناه حق ثابت لها، غير مسقط لوجوب تسليمها المهر مع طلبها إياه.

و لا فرق بين كون المنع لأجل التسليم أو لأجل غيره، لعدم اختلاف المنع على التقديرين، و الاختلاف إنما هو في القصد.

و من أن المستحق لها هو المنع لتسليم المهر، لأن ذلك هو مقتضى المعاوضة لا المنع لغيره، فإذا منعت لغير التسليم انتفى البذل المعتبر شرعا في وجوب التسليم.

و اعلم أن تحرير الكلام في هذا المبحث يستدعي أمورا:

الأول: الزوجان بالنسبة إلى تسليم البضع و المهر عند الطلب منهما: إما أن يتفقا على التسليم، أو يختلفا. فإن اتفقا فلا بحث، و إن اختلفا: فإما أن يبذل واحد منهما ما عليه و يمتنع الآخر، أو يمتنع كل منهما من التسليم حتى يسلم الآخر. فإن بذل أحدهما ما عليه و تمكن الآخر من تسليمه اجبر الآخر على التسليم إجماعا، و إن قال كل منهما: لا أسلّم حتى اتسلم، ففيه و في نظائره من المعاوضات ثلاثة أقوال:

الأول: أن يجبر الزوج على تسليم الصداق أولا ثم تسلم نفسها.

الثاني: لا يجبر واحد منهما، لكن إذا بادر أحدهما إلى التسليم اجبر الآخر.

الثالث: أنهما يجبران معا، بأن يؤمر الزوج بوضع الصداق عند عدل و تؤمر بالتمكين، فإذا مكنت سلّم العدل الصداق إليها.

359

..........

____________

و لم يذكر الشيخ في المبسوط إلّا القولين الأخيرين و قوى الثالث (1)، و حكاه المصنف عنه في التحرير (2)، و لم يصرح بقبوله و لا رده، و الأشهر في جميع المعاوضات إجبار المتعاوضين معا على التسليم، و به صرح شيخنا في شرح الإرشاد حتى في النكاح، و كلام المصنف هنا محتمل لكل من القولين الأول و الثالث.

لا يقال: ظاهره الأول، لأن جواز منعها نفسها حتى تقبض الصداق يقتضي وجوب تسليم الزوج أولا.

لأنا نقول: لا نسلم أن لكل منهما المنع الى أن يتسلم من الآخر، فلا يكون تجويز المنع للزوجة إلى زمان القبض منافيا لثبوته مثله للزوج.

نعم يظهر من استشكال وجوب تسليم المهر على تقدير منع التمكين لا للتسليم ترجيح الثالث، إذ لو وجب تسليم الزوج أولا لوجب عليه التسليم، فإذا سلم فلم تسلم أجبرت على التمكين و لم يتجه الإشكال.

فإن قيل: قوله سابقا: (و إنما يجب تسليمه لو كانت مهيأة للاستمتاع.) يقتضي ترجيح الأول، إذ لا فائدة فيه بدونه.

قلنا: لا يقتضيه، و فائدته أن هذا الحكم ثابت على جميع الأقوال، فهو مجمع عليه.

إذا تقرر ذلك فاعلم ان منعها نفسها لا لأجل تسليم الصداق و إن كان حراما عليها، إلّا أن إجبار الحاكم كلا منهما على تسليم ما عليه على الوجه السابق لا يسقط بذلك، و لا يتعين به الحكم.

الثاني: ذكر الشارح الفاضل ولد المصنف لبيان أحد وجهي الاشكال أن

____________

(1) المبسوط 4: 316.

(2) التحرير 2: 33.

360

و لو مكنت كان لها الطلب و إن لم يطأ، فإن رجعت إلى الامتناع سقط طلبها، إلّا إذا وطأها فإن المهر يستقر بالوطء مرة. (1)

____________

وجوب التمكين موقوف على تقدير وجوب التسليم (1)، و هذا إنما يتم على القول بوجوب تسليم الزوج المهر أولا، و على هذا القول يسقط الإشكال، لأنه يجب على الزوج التسليم أولا، فإذا سلم و لم تسلم نفسها أجبرها الحاكم على ذلك.

الثالث: حمل الشارح السيد العبارة على ان الاشكال في وجوب تسليمها نفسها، فيكون تقديرها: و لو منعت من التمكين لا لتسليم المهر إليها ففي وجوب تسليمها نفسها اشكال، و هو خلاف المتبادر من العبارة، و لو أراد ذلك لكان الأنسب أن يقول: ففي وجوب التمكين اشكال.

و كيف قدرنا فلا يختلف الحكم، فيأمر الحاكم الزوج بتسليم المهر الى عدل، ثم يأمرها بالتمكين مع طلب الزوج، لأنه إنما يستحق التمكين بعد بذل المهر قضاء لحق المعاوضة، فإذا لم تطلبه أبقى في يد العدل إلى أن تطلبه، و لو صرحت بالرضى ببقائه في يد الزوج أو ذمته و لم يمكن فالظاهر أنها تجبر على التمكين بدون تسليم المهر، لأنها أسقطت حقها من تقديم تسليمه.

قوله: (و لو مكنت كان لها المطالبة و إن لم يطأ فإن رجعت الى الامتناع سقط طلبها، إلّا إذا وطأها فإن المهر يستقر بالوطء مرة).

(1) أي: لو بادرت الى تمكين الزوج من نفسها متبرعة بذلك كان لها طلب الصداق إجماعا، و يجب على الزوج بذله قطعا، سواء وطأ أو لم يطأ، لأن التأخير منه.

فإن رجعت الى الامتناع، نظر فإن كان قبل الوطء كان لها ذلك كما كان قبل التمكين سواء، لأن القبض بالنسبة إلى المعقود عليه هو الوطء، و حينئذ فيسقط طلبها

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 198.

361

و لو دفع الصداق فامتنعت من التمكين أجبرت، و ليس له الاسترداد. (1)

و إذا سلّم الصداق فعليه أن يمهلها مدة استعدادها بالتنظيف و الاستحداد. (2)

____________

للمهر، بمعنى أنه لا يجب على الزوج تسليمه أولا. بل يسلم مع تسليمها كما سبق تحقيقه.

و لا يخفى أن هذا لا يتخرج على القول بوجوب مبادرة الزوج الى تسليم المهر فيكون دليلا على عدم اختيار المصنف له، و إن كان بعد الوطء فقد حصل القبض من طرف الزوج و استقر المهر جميعه و تعيّن وجوب دفعه بطلبها، فإن لم يدفعه اجبر عليه لا محالة، و قد سبق أنها لو أرادت الامتناع لتقبضه في هذه الحالة لم يكن لها ذلك.

و لا يخفى أن الاستثناء من سقوط الطلب في جميع الأوقات إلّا أوقات تحقق الوطء، فإن الطلب لا يسقط لاستقرار المهر بالوطء.

قوله: (فلو دفع الصداق فامتنعت من التمكين أجبرت، و ليس له الاسترداد).

(1) و المراد: انه لو بادر الزوج و سلم إليها الصداق فامتنعت من التمكين و لو من غير عذر أجبرت على التمكين لا محالة، و ليس له استرداد الصداق، لأنه تبرع بالتسليم فلم يكن له الرجوع، كما لو عجل المديون الدين المؤجل. و على القول بوجوب التسليم للصداق أولا على الزوج له الاسترداد، لأن ذلك شرط تسليم العوض، كذا قيل، فعلى هذا يكون منع المصنف إياه من الاسترداد دليلا على عدم اختيار هذا القول.

قوله: (و إذا سلم الصداق فعليه أن يمهلها مدة استعدادها بالتنظيف و الاستحداد).

(2) الاستحداد: استفعال من الحديد، و هو هنا كناية عن ازالة الشعر و لو بغير

362

و لا يمهلها لأجل تهيئة الجهاز، و لا لأجل الحيض، لإمكان الاستمتاع بغير القبل، (1)

____________

الحديد كالاطلاء بالنورة و إن كان أصله الإزالة بالحديد.

و ظاهر قول المصنف: (فعليه أن يمهلها مدة استعدادها) الوجوب، و لم يقدر المدة، و قدرها الشيخ في المبسوط بثلاثة أيام و قوى وجوبها، محتجا بقوله (عليه السلام) و نهيه أن يطرق الرجل اهله ليلا، و بأن العادة جارية بذلك (1)، هذا محصل استدلاله.

و يؤيده ما روي في الحديث: «أمهلوا كي تمتشط الشّعثة و تستحدّ المغيّبة» (2) و لا دلالة في الأخبار على المدة على الوجوب، و ذهب في التحرير الى عدم الوجوب لانتفاء مقتضيه (3).

و يمكن أن يقال: في ذلك حق للمرأة، لأنه إذا رآها على غير حال الاستعداد لم يؤمن بنفرة منها فيكون مضرا بحالها.

و يمكن القول بالوجوب و التحديد بالحاجة لا بثلاثة أيام، و كيف كان فمتى أوجبنا امهالها لم يجز التعرض إليها حتى تنقضي مدته.

و اعلم أن قوله: (بالتنظيف) صحيح، لأن المراد تنظيف نفسها بامتشاط و ازالة الأوساخ، و لو قال كالتنظيف لكان أوقع.

قوله: (و لا يمهلها لأجل تهيئة الجهاز، و لا لأجل الحيض، لإمكان الاستمتاع بغير القبل).

(1) أي: لا يجب ذلك، فلو طلبت الإمهال لأجل تهيئة الجهاز و هو بفتح الجيم و الكسر: ما تحتاج اليه العروس لم تجب الإجابة إجماعا، و يجبرها الحاكم على التمكين

____________

(1) المبسوط 4: 314.

(2) سنن أبي داود 3: 90 حديث 2778.

(3) التحرير 2: 33.

363

و لو كانت صغيرة لا تطيق الجماع أو مريضة وجب الإمهال. (1)

و إنما يتقرر كمال المهر بالوطء، أو موت أحد الزوجين، لا بالخلوة على الأقوى، (2)

____________

من دونه إن أبت. و كذا القول لو كانت حائضا فطلبت الإمهال إلى الطهر لا تجب الإجابة، لإمكان باقي الاستمتاعات سوى الوطء في القبل، و لو ظهر من حاله أنه يأتيها في الحيض فلها الامتناع من المضاجعة.

قوله: (و لو كانت صغيرة لا تطيق الجماع أو مريضة وجب الإمهال).

(1) المراد: لو كانت صغيرة لا تطيق الجماع و إن بلغت تسع سنين وجب امهالها الى زمان الإطاقة، و كذا لو كانت مريضة لا تطيق معه الجماع، و لم يقيد المصنف المريضة بعدم الإطاقة، و كأنه استغنى بتقييد المعطوف عليه.

و يلوح من إطلاق وجوب الإمهال أن الزوج لو طلب التسليم لكل منهما و قال لا أقربهما الى أن يزول المانع لإيجاب، لأنه ربما لا يفي فتتضرران. و مثله كلام المصنف في التحرير (1)، و الشيخ في المبسوط (2)، و لم يتعرض لوجوب تسليم المهر و عدمه.

لكن صرحوا بعدم وجوب نفقتها حتى تبرأ و تسلم نفسها، و قد يفرق بين النفقة و المهر: بأن النفقة لا تجب إلّا بالتمكين، و المهر يجب بالعقد.

قوله: (و إنما يتقرر كمال المهر بالوطء أو موت أحد الزوجين، لا بالخلوة على رأي).

(2) سيأتي إن شاء اللّه ما يعلم منه أن الموجب للمهر إما عقد النكاح أو الفرض أو الوطء، و استقرار الواجب بالعقد أو الفرض يكون بأمرين:

أحدهما: الوطء و إن كان حراما كالوطء في الحيض و الإحرام، و يدل عليه مع الإجماع أن الوطء بالشبهة يوجب المهر ابتداء فلئن تقريره في النكاح الصحيح أولى،

____________

(1) المبسوط 4: 314.

(2) التحرير 2: 33.

364

..........

____________

و يكفي لذلك الوطأة الواحدة اتفاقا.

و الثاني: موت أحد الزوجين، و سيأتي الكلام على موت الزوجة عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

و أما موت الزوج فإنه يقرر وجوب جميع المهر عند أكثر الأصحاب، خلافا للصدوق في المقنع، فإنه أوجب النصف (1)، و المذهب وجوب الجميع.

لنا: إنّ الموت لا يبطل النكاح، لأنهما يتوارثان، و إذا لم يبطل بالموت و لم يبق كان الموت نهاية له، و انتهاء العقد كاستيفاء المعقود عليه فيجب العوض بكماله بدليل الإجارة، و ما رواه الحلبي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: في المتوفى عنها زوجها إذا لم يدخل بها قال: «إن كان قد فرض لها مهرا فلها مهرها الذي فرض لها و لها الميراث» (2) الحديث، و غيره من الأحاديث الكثيرة (3)، و في عدة أحاديث أن لها نصف المهر كما في الطلاق (4).

و نزلها الشيخ على الاستحباب بمعنى أنه يستحب لها أن لا تطلب أكثر من النصف.

و لا يستقر المهر بالخلوة التي لا مانع معها من الوطء على الأصح، و قد اختلف أقوال الأصحاب في ذلك فقال الشيخ في النهاية: إن الخلوة توجب المهر على ظاهر الحال، و على الحاكم أن يحكم بذلك و إن لم يكن قد دخل، لكن ليس للمرأة أن تأخذ أكثر من النصف مع عدم الدخول، و متى اثبت الزوج ان بكارتها باقية على حالها لم

____________

(1) المقنع: 121.

(2) التهذيب 8: 146 حديث 505، الاستبصار 3: 341 حديث 1215.

(3) التهذيب 8: 146 حديث 506- 509.

(4) التهذيب 8: 146 حديث 510- 512.

365

..........

____________

يلزمه إلّا النصف (1)، و تبعه ابن البراج (2)، و قطب الدين الكيدري (3).

و قريب منه قول ابن الجنيد فإنه أوجب المهر بالخلوة، و لم يجوّز للمرأة أخذها إذا لم يقع جماع، و لا ما يقوم مقامه من إنزال الماء بغير إيلاج أو لمس عورة أو نظر إليها أو قبلة، فإن تلذذ بشيء من ذلك خصيا كان أو عنينا أو فحلا لزمه المهر (4).

و قال ابن حمزة: إذا خلا بها و ادعى عدم المواقعة، فإن أمكنه إقامة البينة على ذلك فأقامها قبلت منه، و إلّا فالقول قولها بيمينها (5).

و قال ابن بابويه في المقنع: إذا خلا الزوج بزوجته ثم أنكرا معا المجامعة لم يصدّقا، لأنها تنفي عن نفسها العدة، و هو ينفي وجوب المهر (6).

و حكى الشيخ في المبسوط (7) و الخلاف (8) عن قوم من أصحابنا أن الخلوة كالدخول يستقر بها المسمّى و تجب بها العدة، و قال فيهما: إلّا أن وجودها كعدمها فيجب بالطلاق بعدها نصف الصداق و لا عدة على المرأة.

و الى هذا ذهب ابن ابي عقيل (9)، و عامة المتأخرين، و هو الذي صرحنا باختياره سابقا.

لنا: قوله تعالى:

____________

(1) النهاية: 471.

(2) المهذب 2: 204.

(3) نقله عنه العلّامة في المختلف: 543.

(4) نقله عنه العلّامة في المختلف: 543.

(5) الوسيلة: 419.

(6) المقنع: 109.

(7) المبسوط 4: 318.

(8) الخلاف 3: 12 مسألة 42 كتاب الطلاق.

(9) نقله عنه العلّامة في المختلف: 543.

366

..........

____________

وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ (1).

و المراد من المس الجماع اتفاقا.

و ما رواه يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) قال: سمعته يقول:

«لا يوجب المهر الّا الوقاع في الفرج» (2).

و رواية محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)، و قد سأله متى يجب المهر؟

قال: «إذا دخل بها» (3).

و قول الصادق (عليه السلام) في رواية حفص بن البختري: «إذا التقى الختانان وجب المهر و العدة» (4).

احتج الآخرون بما رواه زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «إذا تزوج الرجل المرأة ثم خلا بها فغلق عليها بابا أو أرخى سترا، ثم طلقها، فقد وجب الصداق و خلاؤه بها دخول» (5).

و في معناها رواية إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) (6). و لأن المرأة سلمت المعقود عليه تسليما صحيحا، فوجب أن يستقر العوض كما في تسليم العين المؤجرة مدة الإجارة و إن لم ينتفع.

و أجاب المصنف في المختلف بالمنع من صحة الخبرين (7)، و حملهما الشيخ على ما إذا كان الزوجان متهمين، و استدل على الجمع برواية أبي بصير عن الصادق عليه

____________

(1) البقرة: 237.

(2) التهذيب 7: 464 حديث 1859، الاستبصار 3: 226 حديث 817.

(3) التهذيب 7: 464 حديث 1860، الاستبصار 3: 226 حديث 818.

(4) الكافي 6: 109 حديث 2، التهذيب 7: 464 حديث 1861، الاستبصار 3: 226 حديث 819.

(5) التهذيب 7: 424 حديث 1863، الاستبصار 3: 226 حديث 820.

(6) التهذيب 7: 464 حديث 1864، الاستبصار 3: 227 حديث 822.

(7) المختلف: 544.

367

..........

____________

السلام: «انهما لا يصدقان بعد الخلوة على عدم الوطء، لأنها تدفع العدة عن نفسها و هو يدفع المهر» (1).

و الفرق بين الإجارة و النكاح ظاهر، فإن المنافع في الإجارة تتلف بمضي الزمان، و هنا المنفعة تتلف بالاستيفاء دون مضي الزمان.

و اعلم أن المصنف في المختلف حقق هذا المقام بنحو ما نقله الشيخ عن ابن ابي عمير و ارتضاه (2).

و حاصله ان الموجب لكمال المهر هو الدخول دون الخلوة، لكن الخلوة لكونها مظنة له و لا ينفك عنه غالبا يلزمه كمال المهر مع ادعاء المرأة الدخول، لأنها تدّعي الظاهر فيقوى جانبها فيكتفى بيمينها، و لا يقبل من الرجل إلّا بالبيّنة، أما مع تصديق المرأة على عدم الدخول فلا يجب إلّا النصف قطعا.

و هذا التحقيق هو الذي حاوله الشيخ في النهاية (3)، و من تابعه (4)، و صرح به ابن حمزة (5).

و قريب منه ما قاله ابن الجنيد (6)، و إن كان في كلامه مخالفة أخرى حيث الحق بالوطء غيره.

و قريب من ذلك كلام ابن بابويه (7)، و إن كان إطلاق قوله بعدم قبول قول الزوجين في عدم الوطء محل نظر، و إنما عول في ذلك على رواية أبي بصير.

____________

(1) التهذيب 7: 465 حديث 1865، الاستبصار 3: 227 حديث 823.

(2) المختلف: 544.

(3) النهاية: 471.

(4) منهم ابن البراج في المهذب 2: 204.

(5) الوسيلة: 351.

(6) نقله عنه العلّامة في المختلف: 543.

(7) المقنع: 109.

368

و يستحب تقليله، و يكره أن يتجاوز السنة و هو خمسمائة درهم (1)، و أن يدخل بالزوجة قبل تقديمه أو بعضه أو غيره و لو هدية. (2)

____________

و يظهر من كلام الشيخ العمل بها مع التهمة، و للتوقف في ذلك مجال.

فتلخص من هذا أن أكثر الأصحاب لا يقولون أن الخلوة بنفسها موجبة لاستقرار المهر كله.

قوله: (و يستحب تقليله، و يكره أن يتجاوز السنة و هو خمسمائة درهم).

(1) روى إسماعيل بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله): أفضل نساء أمتي أصبحهن وجها و أقلهن مهرا» (1).

و في حديث آخر عن الحسين بن خالد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن مهر السنّة كيف صار خمسمائة؟ فقال: «إن اللّه تعالى أوجب على نفسه أن لا يكبّره مؤمن مائة تكبيرة، و يسبّحه مائة تسبيحة، و يحمده مائة تحميدة، و يهلّله مائة تهليلة، و يصلّي على النبي و آله مائة مرة، ثم يقول: اللهم زوجني من الحور العين إلّا زوجه اللّه حورا و جعل ذلك مهرها، ثم أوحى اللّه تعالى إلى نبيه أن يسن مهور المؤمنات خمسمائة درهم، ففعل ذلك رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله)، و أيما مؤمن خطب الى أخيه حرمته فبذل له خمسمائة درهم فلم يزوجه فقد عقه، و استحق من اللّه عز و جل ان لا يزوجه حورا» (2).

و اعلم أن ظاهر قوله: (و يكره أن يتجاوز خمسمائة) شمول الكراهية للزوج و الزوجة، و الأخبار لا تنهض حجة على ذلك، و قد روي أن الحسن (عليه السلام) تزوج امرأة أصدقها مائة جارية مع كل جارية ألف درهم (3).

قوله: (و أن يدخل بالزوجة قبل تقديمه، أو بعضه، أو غيره و لو هدية).

(2) مستند ذلك ما رواه

____________

(1) الفقيه 3: 243 حديث 1156.

(2) الكافي 5: 376 حديث 7، التهذيب 7: 356 حديث 1451.

(3) رواه الشيخ في المبسوط 4: 272.

369

و لا فرق بين موت الزوج قبل الدخول أو المرأة في استقرار جميع المهر، لكن يستحب لها إذا مات الزوج ترك نصف المهر.

و قيل: لو ماتت قبل الدخول كان لأوليائها نصف المهر، و ليس بجيد. (1)

____________

أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا تزوج الرجل المرأة فلا يحل له فرجها حتى يسوق إليها شيئا، درهما فما فوقه، أو هدية من سويق أو غيره» (1).

قال الشيخ: و هذه الرواية وردت على جهة الأفضل، فأما أن يكون ذلك واجبا أو تركه محظورا فلا (2)، لما رواه عبد الحميد الطائي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): من أنه يجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئا (3).

و قد اعترض ابن إدريس عبارة الشيخ في النهاية (4)- حيث استحب للرجل قبل الدخول بامرأته تقديم شيء يستبيح به فرجها- بأن الذي يستباح به الفرج هو العقد دون ما يقدمه (5).

و اعتذر المصنف في المختلف عن ذلك بأنه قصد بذلك التأكيد في الاستحباب، و تابع لفظ رواية أبي بصير المتقدمة (6).

قوله: (و لا فرق بين موت الزوج قبل الدخول أو المرأة في استقرار جميع المهر، لكن يستحب لها إذا مات الزوج أن تترك نصف المهر، و قيل: لو ماتت قبل الدخول كان لأوليائها نصف المهر و ليس بجيد).

(1) قد قدّمنا أن المختار

____________

(1) التهذيب 7: 357 حديث 1452، الاستبصار 3: 220 حديث 799.

(2) التهذيب 7: 357 ذيل الحديث 1453.

(3) التهذيب 7: 357 حديث 1453، الاستبصار 3: 220 حديث 798.

(4) النهاية: 471.

(5) السرائر: 301.

(6) المختلف: 543.

370

..........

____________

استقرار جميع المهر بموت كل واحد من الزوجين سواء الرجل و المرأة، و قد ذكرنا خلاف الصدوق في الاستقرار بموت الرجل و بيّنا ضعفه و حققنا أنه يستقر به.

و أما موت المرأة فقد ذهب عامة الأصحاب إلى أنه كذلك، و ذهب الشيخ في النهاية (1)، و ابن البراج في الكامل (2)، و قطب الدين الكيدري (3) إلى أنه إنما يجب بموتها النصف خاصة، تعويلا على عدة أخبار، منها رواية ابن أبي يعفور في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: في امرأة توفيت قبل أن يدخل بها زوجها مالها من المهر، و كيف ميراثها؟ قال: «إذا كان قد أمهرها صداقا فلها نصف المهر، و هو يرثها» (4) الحديث، و غير ذلك من الاخبار (5).

و المختار ما قدمناه، فقد روى منصور بن حازم في الموثق عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: رجل تزوج امرأة و سمّى لها صداقا، ثم مات عنها و لم يدخل بها قال: «لها المهر كاملا و لها الميراث» قلت: فإنهم قد رووا عنك أن لها نصف المهر قال:

«لا يحفظون عني إنما ذلك للمطلقة» (6).

قال الشارح الفاضل السيد: يحتمل أن يكون مراد الشيخ بقوله: لأوليائها النصف من جهة سقوط النصف الآخر عن الزوج بالميراث، لكونها غير ذات ولد بقرينة قوله: كان لأوليائها النصف، و حينئذ لا يبقى بين القولين منافاة.

____________

(1) النهاية: 471.

(2) قاله في المهذب أيضا 2: 204.

(3) نقله عنه العلّامة في المختلف: 544.

(4) الكافي 6: 119 حديث 6، التهذيب 8: 147 حديث 510، الاستبصار 3: 341 حديث 1220.

(5) الكافي 6: 119 حديث 7- 10، التهذيب 8: 147 حديث 511- 512.

(6) التهذيب 8: 147 حديث 513، الاستبصار 3: 342 حديث 1223.

371

و يكره للورثة المطالبة بالمهر مع الدخول إذا لم تكن قد طالبت به. (1)

[الفصل الثاني: في الصداق الفاسد]

الفصل الثاني: في الصداق الفاسد، و لفساده أسباب:

[الأول: عدم قبولية الملك كالخمر و الخنزير]

الأول: عدم قبولية الملك كالخمر و الخنزير مع إسلام أحد الزوجين، و كالحر، و ما لا قيمة له و لا منفعة مباحة فيه، (2)

____________

قوله: (و يكره للورثة المطالبة بالمهر مع الدخول إذا لم يكن قد طالبت به).

(1) روى عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل أن المرأة إذا ماتت بعد أن أقامت مع الرجل الى أن ماتت لا تطلب صداقها، ثم جاء ورثتها بعد موتها يطلبون صداقها: «لا شيء لها» (1) و في معناها روايات أخر (2).

و نقل الشيخ في التهذيب عن بعض أصحابنا أن الدخول يهدم الصداق احتجاجا بهذه الأخبار، و نزلها الشيخ على أن المرأة لا تعطى المهر في هذه الحالة إلّا بالبينة (3)، و يلوح من عبارة المصنف أنه نزلها على كراهية المطالبة.

قوله: (الفصل الثاني في الصداق الفاسد، و لفساده أسباب:

الأول: عدم قبوله الملك كالخمر و الخنزير مع إسلام أحد الزوجين، و كالحر، و ما لا قيمة له و لا منفعة مباحة فيه).

(2) من مباحث المهر البحث عن الفاسد، و لفساده أسباب حصرها المصنف في ستة:

الأول: عدم قبوله الملك في شرع الإسلام كالخمر و الخنزير مع إسلام أحد

____________

(1) التهذيب 7: 359 حديث 1460، الاستبصار 3: 222 حديث 806.

(2) التهذيب 7: 360 حديث 1461- 1462، الاستبصار 3: 222 حديث 807- 808.

(3) التهذيب 7: 360، الاستبصار 3: 223.

372

فلو تزوج المسلم على حمر أو خنزير أو حر بطل المسمّى، و قيل العقد.

و هل تثبت قيمة المسمّى أو مهر المثل؟ قولان، الأقرب الثاني. (1)

____________

الزوجين، بخلاف ما إذا كانا ذميين. و كذا الحر، سواء كان الزوجان مسلمين أو كافرين. و كذا ما لا قيمة له عند أحد من الناس، و لا منفعة مباحة فيه كالعذرة النجسة و نحوها.

قوله: (فلو تزوج المسلم على خمر أو خنزير أو حر بطل المسمّى، و قيل: العقد. و هل تثبت قيمة المسمّى أو مهر المثل؟ قولان، الأقرب الثاني).

(1) لو تزوج المسلم على خمر أو خنزير أو حر، سواء جرى العقد على خمر معيّن معلوم أو خنزير أو حر كذلك، أو على مقدار معيّن من الخمر في الذمة، بطل المسمّى قطعا، لعدم صلاحيته، و في بطلان العقد من أصله قولان:

أحدهما:- و اختاره الشيخ في النهاية (1)، و المفيد في المقنعة (2)، و ابن البراج (3)، و أبو الصلاح (4)- انه يبطل، لأن الرضى بالنكاح شرط في العقد، و إنما وقع على المسمّى و هو باطل فينتفي الرضى، فيكون العقد باطلا، لانتفاء الشرط، و لأن النكاح عقد معاوضة فيبطل ببطلان العوض، و لقول الباقر (عليه السلام): «المهر ما تراضيا عليه قل أو كثر» (5).

و يلزمه بعكس النقيض ان ما لم يتراضيا عليه لا يكون مهرا، و لا ريب أن غير المسمّى لم يقع عليه التراضي فامتنع كونه مهرا، و قد تقرر امتناع كون المسمّى مهرا،

____________

(1) النهاية: 469.

(2) المقنعة: 78.

(3) المهذب 2: 200.

(4) الكافي في الفقه: 293.

(5) الكافي 5: 378 حديث 4، التهذيب 7: 353 حديث 1438.

373

..........

____________

و النكاح الصحيح لا بد له من مهر سابق أو لاحق، فمتى تخلف عنه لزم بطلانه.

و الثاني:- و اختاره الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف (2)، و ابن الجنيد (3)، و ابن حمزة (4)، و ابن زهرة (5)، و ابن إدريس (6)، و المصنف هنا و في التحرير (7)، لأن المهر ليس ركنا في العقد و إنما الركن فيه الزوجان، و لهذا جاز عرى العقد عنه، بل اشتراط عدمه، و ليس ذكر الفاسد أعظم من اشتراط عدمه. و لأن النكاح و الصداق غيران فلا يقتضي فساد أحدهما فساد الآخر، و هذا هو الأصح.

و توقف المصنف في المختلف (8).

و يجاب عن الأول بأن بطلان المسمّى لا ينفي أصل الرضى بالنكاح، و إلّا لم يصح النكاح لو تبين كونه مستحقا.

و المراد في الحديث أن المهر الذي يراد ذكره في العقد، و المعنى أنه لا حد له باعتبار القلة و الكثرة، بل مناطه التراضي بقرينة قوله: «قل أو كثر»، و لأن الواجب بالدخول في المفوضة لم يتراضيا عليه مع أنه مهر.

إذا تقرر ذلك فعلى القول بالصحة ما الذي يجب؟ للأصحاب فيه أقوال:

أحدها: انه يجب مهر المثل، اختاره الشيخ في الخلاف (9)، و ابن حمزة (10)، و هو

____________

(1) المبسوط 4: 272.

(2) الخلاف 3: 1 مسألة 1 كتاب الصداق.

(3) نقله عنه العلّامة في المختلف: 541.

(4) الوسيلة: 348.

(5) الغنية: 548.

(6) السرائر: 300.

(7) التحرير 2: 31.

(8) المختلف: 542.

(9) الخلاف 3: 1 مسألة 1 كتاب الصداق.

(10) الوسيلة: 348.

374

..........

____________

ظاهر كلام ابن إدريس (1)، و اختاره المصنف هنا و في التحرير (2)، و هو الأصح، لأن عدم صلاحية المسمّى لئن يكون صداقا يقتضي بطلان التسمية فيصير العقد خاليا منها، فيجب بالوطء مهر المثل، لأنه قيمة البضع.

و الثاني: إنه يجب قيمة الخمر أو الخنزير عند مستحليه و الحر على تقدير العبودية، اختاره بعض الأصحاب (3)، و وجّه بأن الزوجين لما ذكرا في العقد عوضا كان مقصودهما ذلك العوض دون قيمة البضع و هو مهر المثل، و لذلك العوض خصوص و هو عينه، و عموم و هو ماليته باعتبار مقابلته بالبضع و هو متقوم، فإذا لم يمكن اعتبار عينه يعتبر ذكره في المالية فلا يلغو التقدير بذلك القدر و إن الغي التعيين، فيقدر مالا و يجب قيمته على ذلك التقدير.

و ردّ بأن تقدير المالية فيما يمتنع ماليته تقدير للمحال، فيلغو التقدير كما يلغو التعيين، و فيه نظر، لأنه لا يلزم من كونه تقدير للمحال إلغاؤه و عدم لحظه في تقدير الواجب من العوض المالي، كما يقدر الحر عبدا في الحكومة ليؤخذ الأرش من الدية تلحظ القيمة على تقدير العبودية.

و يمكن رده بوجه آخر و هو: إنه لمّا بطل تعيينه لم يكن اعتبار ماليته بسبب مقابلته للبضع مستلزما لوجوب قيمته، لأن وجوب المال المخصوص عوضا إنما يكون بذكره في العقد فيجب مهر المثل.

و فرّق الشيخ في موضع في المبسوط بين الحر و الخمر، بأن الحر ليس مالا أصلا، و مالية الخمر منتفية للمسلم لا عليه للذمي و لا للذمي على مثله، فنقل عن بعضهم

____________

(1) السرائر: 300.

(2) التحرير 2: 31.

(3) في المبسوط 4: 290.

375

..........

____________

وجوب مهر المثل في الحر و القيمة في الخمر (1).

و اعلم أن إطلاق عبارة المصنف في قوله: (و هل يثبت المسمّى أو مهر المثل؟

قولان) يحتمل وجوب مهر المثل بنفس العقد كما يفهم من بعض كلام الشيخ (2)، و يرشد إليه تعليل جماعة بأنه إذا كان العوض فاسدا وجب رد العوض الآخر، فإذا تعذر ردّه لصحة النكاح وجب مهر المثل (3).

و كذا بنى بعض العامة (4) القولين بوجوب مهر المثل أو القيمة، على أن الصداق إذا تلف قبل القبض يرجع الى مهر المثل أو بدل الصداق، فإن وجب مهر المثل إذا لم يبق الصداق فكذا يجب إذا لم يصلح المذكور لأن يكون صداقا.

و إن وجب بدل الصداق هناك فقد نفي عقد الصداق مع فوات العين اعتمادا على المالية، فكذلك في الابتداء يحكم بانعقاد الصداق اعتمادا على المالية، و فيه ضعف، للفرق بين وجوب البدل بعد وجوب الصداق للحكم بصحته، و بين بطلان التسمية من أول الأمر بحيث ينعقد النكاح بدونه.

و المصنف في الإرشاد قيّد وجوب مهر المثل بالدخول، و الشارح الفاضل ولد المصنف جعل مناط الخلاف فيما يجب من المهر هو الوطء (5)، و في عبارته مسامحة، لأن التقييد بذلك على تقدير مهر المثل ظاهر، أما على تقدير القيمة فلا، لاعتبار التسمية على هذا التقدير.

____________

(1) المبسوط 4: 290.

(2) الخلاف 3: 1 مسألة 1 كتاب الصداق.

(3) منهم ابن حمزة في الوسيلة: 348، و ابن إدريس في السرائر: 300، و فخر المحققين في الإيضاح 3: 203.

(4) انظر: المجموع 16: 329، المغني لابن قدامة 8: 24.

(5) إيضاح الفوائد 3: 202.

376

و لو تزوجها على ظرف خل فخرج خمرا صح العقد و ثبت مهر المثل، و قيل: مثل الخل، و كذا لو تزوجها بعبد فبان حرا (1) أو مستحقا.

____________

قوله: (و لو تزوجها على ظرف خل فخرج خمرا صح العقد، و ثبت مهر المثل، و قيل: مثل الخل، و كذا لو تزوجها بعبد فبان حرا).

(1) إذا عقد على ظرف خل في زعمهما و عيّناه بإشارة اليد فخرج خمرا، فقضية كلام الأصحاب صحة النكاح قولا واحدا، و أما المهر فلا شبهة في فساده، و فيما يجب ثلاثة أقوال:

أحدها: مهر المثل، اختاره المصنف، و بعض الأصحاب (1)، لبطلان التسمية بسبب عدم صلاحية المسمّى، و لما امتنع ردّ المعوض و هو البضع لصحة النكاح وجب الرجوع الى قيمته و هو مهر المثل، و ينبغي أن يكون وجوبه بالدخول، لأن صحة النكاح لا يستلزم وجوب المهر.

و يحتمل وجوبه بنفس العقد كما سبق الكلام فيه.

الثاني: انه يجب بقدره خلا، لأنهما حيث عقدا على معيّن كان مرادهما ذلك المعيّن دون مهر المثل، و حيث عقدا على المعيّن على أنه خل فقد تراضيا على خل بقدر هذا، لأن الرضى بالجزئي يتضمن الرضى بالكلي إذ هو جزؤه، فمع بطلان الجزء- لظهور عدم صلاحيته لكونه بحسب الواقع خمرا- تعيّن وجوب الكلي، لأنه أحد الأمرين اللذين وقع التراضي بهما، و لأنه أقرب إلى المعقود عليه، لأنه مثله، و هو اختيار ابن إدريس (2)، و ابن الجنيد (3) حيث قالا: لها ملؤه خلّا و حسّنه المحقق ابن سعيد (4)، و قال المصنف في المختلف: إنه أقوى (5).

____________

(1) منهم الشيخ في المبسوط 4: 290.

(2) السرائر: 304.

(3) نقله عنه العلّامة في المختلف: 547.

(4) الشرائع 2: 325.

(5) المختلف: 547.

377

..........

____________

و لقائل أن يقول: إن الكلي الذي وقع عليه التراضي بالعقد على الجزئي هو الكلي المقترن بالمشخصات الموجودة في ذهن المتعاقدين، و هذا يمتنع بقاؤه إذا ارتفعت المشخصات، و المحكوم بوجوبه غيره أعني الكلي في ضمن شخص آخر، و هذا لم يقع التراضي عليه أصلا و لا تبعا، فإيجابه بالعقد إيجاب لما لم يتراضيا عليه.

و كونه أقرب الى المعقود عليه مع تسليم صحته لا يستلزم وجوبه، لأن المهر الذي يجب بالعقد هو ما تراضيا عليه، و لا يلزم من التراضي على أحد المثلين التراضي على الآخر.

الثالث: وجوب قيمة الخمر عند مستحليه، اختاره الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف (2)، لأن قيمة الشيء أقرب إليه عند تعذره، و لأنهما عقدا على شخصي باعتبار ماليته فمع تعذره- لظهور بطلان الظن- وجب المصير إلى المالية، و فيه نظر.

لأن الانتقال إلى القيمة فرع صحة العقد على ذي القيمة، لأنه لم يقع التراضي عليها.

و أمتن الأقوال الثلاثة دليلا هو الأول، ثم عد إلى عبارة الكتاب و اعلم أن قوله:

(و لو تزوجها على ظرف خل) يريد به كونه خلا في ظنهما.

و قوله: (صح العقد و ثبت مهر المثل) يحتمل أن يريد به ثبوته بالعقد على حد القول بوجوب مثل الخل، و يحتمل أن يريد ثبوته بالدخول، لأنه قيمة البضع فيتوقف ثبوته على استيفائها، كما لو عقدا على غير مهر، و لم يتعرض الى القول الثالث.

و قوله: (و كذا له تزوجها بعبد فبان حرا) ينبغي أن يريد به ثبوت مهر المثل، و وجوب قيمة الحر على تقدير العبودية، و لا يتصور وجوب المثل هنا لانتفائه.

____________

(1) المبسوط 4: 290.

(2) الخلاف 3: 4 مسألة 10 كتاب الصداق.

378

و لو تزوجها على عبدين فبان أحدهما حرا لم ينحصر الصداق في الآخر، بل يجب بقدر حصة الحر من مهر المثل أو قيمته لو كان عبدا. (1)

____________

قوله: (و لو تزوجها على عبدين فبان أحدهما حرا، لم ينحصر الصداق في الآخر، بل يجب بقدر حصة الحر من مهر المثل، أو قيمته لو كان عبدا).

(1) هذه متفرعة على القولين في المسألة السابقة، و صورتها أنه لو تزوج امرأة و أصدقها عبدين بظنه فبان أحدهما حرا، بطل الصداق في الحر قطعا، و لا ينحصر في العبد، لأنها لم ترض به وحده، بل يجب معه ما يقتضيه ضميمة الحر اليه، فيبني على القولين السابقين في المسألة المتقدمة.

فعلى القول بعدم اعتبار المسمّى و وجوب مهر المثل يستعلم مهر المثل، فإذا كان خمسين مثلا فينظر قيمة المعقود عليهما معا على تقدير عبودية الحر، و قيمة الحر منهما لو كان عبدا، فإذا كانت عشرة استحقت من مهر المثل بنسبتها الى مجموع القيمتين و هو ثلاثة.

و على القول بوجوب قيمة المسمّى في المسألة السابقة يجب قيمة الحر على تقدير كونه عبدا مع العبد الآخر قلّت أو كثرت، و إلى ذلك أشار المصنف بقوله: (بل يجب بقدر حصة الحر من مهر المثل أو قيمته لو كان عبدا).

أي: بل يجب مع العبد الآخر من مهر المثل بقدر حصة الحر من مجموع المسمّى، فالجار يتعلق يجب، و المنسوب إليه الحصة و هو المسمّى محذوف في العبارة.

و اعلم أن المصنف لم يذكر في هذه المسألة احتمال فساد الصداق جميعه، و قد ذكره فيما إذا ضم إلى المعلوم مجهولا، و لم يتعرض الى احتمال تسلطها على الفسخ على القول بعدم بطلان الجميع، لفوات بعض المعقود عليه.

و قد أورد في التحرير عليه اشكالا (1)، و عندي في حكمها تردد، فإن القول

____________

(1) التحرير 2: 32.

379

و لو أصدقها عينا، فخرجت مستحقة، فإن كانت مثلية فالمثل، و إلّا فالقيمة، و يحتمل مهر المثل. (1)

____________

ببطلان التسمية في كل من العبد الحر مع تعلق الغرض بعين المعقود عليه و صلاحيته للعقد عليه مشكل، و القول بتلفيق الصداق من المسمّى و مهر المثل مع تنافي مقتضاهما أيضا مشكل، و الانتقال إلى قيمة الحر على تقدير العبودية مع عدم تسميته مشكل، فالتوقف اولى.

قوله: (و لو أصدقها عينا فخرجت مستحقة، فإن كانت مثلية فالمثل، و إلّا القيمة، و يحتمل مهر المثل).

(1) هذه أيضا من مسائل الباب، و صورتها أنه إذا أصدقها عينا فخرجت مستحقة لغير المصداق بطل كونها صداقا، لامتناع صحة نقل مال الغير، و فيما يجب لها وجهان:

أحدهما: أنه يجب لها مثل تلك العين إن كانت مثلية و قيمتها إن كانت قيمية، لأن العقد و التراضي جرى على تلك العين و قد تعذر إيصالها، لأنها مال الغير، فوجب بدلها و هو المثل أو القيمة.

و الثاني: أنه يجب مهر المثل، لفساد التسمية المقتضي لبطلان الصداق، و تعذر الرجوع و يلوح من عباراتهم وجوبه بالتسمية، و به صرح الشارح الفاضل ولد المصنف (1)، و فيه نظر، لأن بطلان المسمّى ليس تسمية لشيء آخر و لا يقتضيها، و إنما صح النكاح مجردا عن المهر، و قد صرح الشارح السيد بأنه يكون بمنزلة من لم يسم مهرا.

ثم اعلم أن الشارح ولد المصنف ذكر في تحقيقه بناء الوجهين في المسألة على أن الصداق حقيقة أم لا.

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 203.

380

[الثاني: الجهالة]

الثاني: الجهالة، فلو تزوجها على مهر مجهول بطل المسمّى و ثبت مهر المثل، لتعذر تقويم المجهول، (1)

____________

فعلى الثاني يجب المثل أو القيمة اعتبارا بإفادة ذكره التقدير بذلك القدر حيث كان التعيين لاغيا.

و على الأول يجب مهر المثل، لأن فساد العوض و تعذر الرجوع الى العوض يقتضي الرجوع الى قيمة المعوض، و هو مهر المثل.

و لقائل أن يقول: إنّ كون الصداق ليس عوضا حقيقة لا يقتضي أن لا يكون عوضا أصلا، فلا يمتنع أن يكون فيه شبهة الأعواض إذا قوبل الصحيح منه بالبضع فيتعين، و يجب كما يجب سائر الأعواض في عقود المعاوضات، و إن لم يكن في أصله عوضا فإنه يجوز أخلاء العقد عنه، و لا يتوقف صحة النكاح عليه، بخلاف الأعواض الحقيقية.

و لو سلّم يلزم منه أن المعقود عليه إذا فسد يجب الانتقال إلى بدله ما لم يجر له ذكر و لم يقع عليه تراض، و إنما يلزم ذلك من صحة النكاح مع فساده، و ما سوى ذلك فهو محض دعوى عرية عن الدليل.

قوله: (الثاني: الجهالة، فلو تزوجها على مهر مجهول بطل المسمّى و يثبت مهر المثل، لتعذر تقويم المجهول).

(1) من جهات فساد الصداق المسمّى جهالته، فمتى عقد على مهر مجهول كعبد و دابة و شيء بطل المسمّى، لأن الصداق و إن لم يكن عوضا في أصله، إلّا أنه إذا ذكر في العقد جرت عليه أحكام المعاوضات، و الجهالة من موانع صحتها.

و يثبت هنا مهر المثل قولا واحدا، لامتناع القول بوجوب قيمة المسمّى، لأن المجهول يتعذر تقويمه، و ظاهرهم وجوب مهر المثل بنفس العقد كما مر في نظائره، لأن فساد المسمّى لا يوجب فساد التسمية، لأن أثرها عدم التفويض حيث لم يتراضيا على النكاح بغير مهر، و للنظر فيه مجال.

381

و لو ضمه إلى المعلوم احتمل فساد الجميع، فيجب مهر المثل و احتساب المعلوم من مهر المثل فيجب الباقي.

فلو زاد عن مهر المثل لم تجب الزيادة على الأول دون الثاني. (1)

____________

قوله: (و لو ضمه إلى المعلوم احتمل فساد الجميع، فيجب مهر المثل و احتساب المعلوم من مهر المثل فيجب الباقي، فلو زاد عن مهر المثل لم تجب الزيادة على الأول دون الثاني).

(1) الثاني من صور الجهالة: ما إذا ضم المعلوم الى المجهول، و جعل المجموع صداقا ففيه وجهان:

أحدهما: فساد المهر من أصله، لأن المهر هو المجموع الحاصل من المعلوم و المجهول، و هو مجهول، لأن جهالة الجزء يستلزم جهالة الكل، لأن العلم بعوض المجهول موقوف على العلم بنسبة المعلوم الى الكل، و كذا بنسبة المجهول إليه، و هو ممتنع، فيكون العلم بالصداق ممتنعا، فيبطل و يجب مهر المثل، و على هذا فلا يكون المعلوم من جملة الصداق الواجب، فلا يجب على الزوج دفعه عن مهر المثل بل له دفع غيره.

و الثاني: انه يحتسب المعلوم من مهر المثل، و هذا الوجه يستجمع شيئين: وجوب مهر المثل، و كون المعلوم من المسمّى واجبا للزوجة.

أما الأول، فلأن المسمّى لما كان بعضه يمتنع كونه من جملة المهر لجهالته، وجب مهر المثل، لأن مقابل البضع إما المسمّى أو مهر المثل، و لما امتنع الأول تعيّن الثاني.

و أما الثاني: فلأن المعلوم قد ذكر في العقد بخصوصه، و الغرض يتعلق بخصوصيات الأموال، و لا دليل على بطلان تسميته من أصله، و لا يلزم من بطلان كون المهر الواجب بالتسمية أن لا يكون محسوبا من مهر المثل.

و قول الشارح الفاضل ولد المصنف: إنّ وجوب العين و مهر المثل يستلزم

382

..........

____________

اجتماع النقيضين، إن أراد به وجوب العين باعتبار كونها المهر المسمّى فصحيح، و إن أراد وجوبها على أنها من مهر المثل فلا استحالة في ذلك (1).

إذا عرفت ذلك فالمعلوم: إما أن يكون بقدر مهر المثل، أو زائدا عليه، أو ناقصا عنه. فإن كان بقدره لم يجب غيره، لانتفاء الموجب، و إن نقص وجب إكماله لا محالة، و إن كان زائدا وجبت الزيادة على هذا الاحتمال، لأنا صححنا التسمية فيه على أنه من مهر المثل، بخلاف ما إذا قلنا ببطلان المسمّى من أصله، و عدم اعتبار التسمية في المعلوم كالمجهول.

و إلى هذا أشار المصنف بقوله: (فلو زاد عن مهر المثل لم تجب الزيادة على الأول دون الثاني) فإنه يريد بالأول احتمال فساد الجميع، و بالثاني احتساب المعلوم من مهر المثل.

و اعلم أن المصنف ذكر فيما لو أصدقها عبدين فبان أحدهما حرا احتمالين:

أحدهما: وجوب قدر حصة الحر من مهر المثل، و لم يتعرض الى هذا الاحتمال هنا، و كأنه نظر الى أن المجهول يتعذر تقويمه فيتعذر معرفة حصته من مهر المثل، بخلاف الحر على تقدير عبوديته. و لو قيل بمجيء هذا الاحتمال باعتبار أن حصة المجهولة من مهر المثل يمكن استعلامها بطريقين:

أحدهما: ان المسمّى لما كان عبارة عن المعلوم و المجهول كان كل منهما مجهولا جزءا له، و الأصل عدم التفاضل بينهما، فيكون كل واحد نصفا، كما لو اوصى بشيء لزيد و الملك، فإن لزيد النصف في وجه، فيكون حصة المجهول نصف مهر المثل.

و الثاني: تقدير المجهول أقل ما يتمول، لأنه متيقن و الزائد مشكوك فيه، فإذا جرى المعلوم أجزأ كل منها أقل ما يتموّل ضم المجهول إليها و نسب الى المجموع

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 204.

383

..........

____________

و أخذ له بتلك النسبة من مهر المثل.

و كيف كان فانا في هذه المسألة من المتوقفين.

ثم اعلم أيضا أن الشارح الفاضل ولد المصنف ذكر احتمالين على تقدير احتساب المعلوم من مهر المثل:

أحدهما: أن يكون أداء لمهر المثل، كما لو شرطا أداء المسمّى الصحيح من مال بعينه.

و الثاني: انه يجب لكونه جزءا من المسمّى، و يجب للجزء الآخر و هو المجهول حصته من مهر المثل، و يستعلم حصته منه بأحد الطريقين اللذين مر ذكرهما، و زعم أن قول المصنف: (فلو زاد لم يجب الزيادة على الأول) إشارة إلى كون وجوب المعلوم لكونه أداء لمهر المثل، و أن قوله: (دون الثاني) إشارة إلى إيجاب المعلوم، لكونه جزءا من المسمّى (1). و ما ذكره (رحمه اللّٰه) فاسد لوجوه:

الأول: ان المصنف لم يذكر في عبارته سوى احتمال فساد الجميع، و احتمال احتساب المعلوم من مهر المثل، فإرادته الأول و الثاني على ما ذكره الشارح (2) ارادة لما ليس بمذكور، بل و لا يدل عليه شيء في كلامه أصلا، و هو واضح الفساد.

الثاني: ان هذا الذي زعم أن المصنف أراده و لا دليل عليه فاسد في نفسه، لأن احتساب المعلوم من مهر المثل لا يستقيم إلّا على الاحتمال الأول من الاحتمالين اللذين ذكرهما دون الثاني، لأن المعلوم على هذا الاحتمال واجب لكونه جزء المسمّى، و عوض الجزء المجهول حصته من مهر المثل، فلا يكون المعلوم محسوبا من مهر المثل على هذا الاحتمال، فكيف يكون متشعبا من احتساب المعلوم من مهر المثل.

الثالث: ان قوله بعدم وجوب الزيادة عن مهر المثل على الاحتمال الأول من

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 204.

(2) إيضاح الفوائد 3: 204.

384

و لو تزوج و اشترى و استأجر بسط على مهر المثل و ثمنه و أجرته.

و لو زوجه جاريته و باعها منه بطل النكاح، و سقط من المسمّى بنسبة مهر المثل. (1)

____________

الاحتمالين اللذين ذكرهما غير مستقيم، فإنه مع كونه خلاف مدلول عبارة المصنف لا يمتنع أن يجب المعلوم لذكره بخصوصه في العقد، فإن ساوى مهر المثل أو زاد لم يجب شيء آخر لحصول مهر المثل مع الزيادة، و إن نقص وجب إكماله، فيكون مهر المثل واجبا، لعدم التسمية المعتبرة، و يجب الزيادة على تقدير حصولها لثبوت مقتضاها و انتفاء ما يدل على بطلانها.

و الشارح السيد لم يزد على أن الأول هو احتمال الفساد في الجميع، و الثاني هو احتساب المعلوم من مهر المثل، و لم يعرج على ما ذكره ولد المصنف.

قوله: (و لو تزوج و اشترى و استأجر بسط على مهر المثل و ثمنه و أجرته).

(1) أي: ثمن المثل و اجرة المثل، و طريق البسط جمع مهر المثل و ثمنه و أجرته و نسبة كل منهما الى المجموع، و الأخذ من المسمّى بنسبة كل الى المجموع. و الضمير في (بسط) يعود إلى محذوف مدلول عليه، لأن المراد أنه تزوج و اشترى و استأجر بعوض واحد.

و تصور ذلك سهل، فإنه إذا زوجته نفسها و باعته عبدها و آجرته دارها سنة بمائة تحقق ذلك، و إنما ذكر المصنف هذه المسألة هنا للرد على من يقول بفساد ذلك.

قوله: (و لو زوجه جاريته و باعها منه بطل النكاح و سقط من المسمّى بنسبة مهر المثل).

(2) أي: لو زوج الولي جاريته من شخص و باعها منه، صح البيع و بطل النكاح، و يحتمل بطلانهما.

385

و لو تزوج بها و اشترى منها دينارا بدينار بطل البيع، و وجب مهر المثل. و الأقوى ما يقتضيه التقسيط من المسمّى، (1)

____________

أما صحة البيع، فلأن المقتضي لصحته- و هو الصيغة المعتبرة- موجود، و لا يضر بطلان النكاح، لأنه في قوة عقدين، و لا يلزم من بطلان أحد العقدين بطلان الآخر.

و أما بطلان النكاح، فلأن الزوج إذا طرأ ملكه لزوجته على النكاح بعد الحكم بصحته بطل النكاح، فإذا قارنه أبطله بطريق أولى.

و أما احتمال بطلانهما، فلأنهما شيئان تضمنهما عقد واحد، فلا يوصف بعضه بالصحة و بعضه بالفساد. و يضعف بأن العقد و إن كان واحدا في الصورة إلّا أنه في الحقيقة عقدان، لأن نقل الأعيان على الوجه المخصوص بيع منضم الى النكاح، فلا يلزم من بطلان أحدهما بطلان الآخر.

إذا تقرر ذلك فطريق تقسيط المسمّى على المهر و ثمن المبيع: أن ينظر مجموع مهر المثل للجارية و قيمتها السوقية، ثم ينسب كل واحد منهما الى المجموع، فيأخذ له بمثل تلك النسبة من المسمّى، فإذا كان مهر المثل خمسين و القيمة مائة كان المهر ثلثا و القيمة ثلثين، فإذا كان المسمّى مائة كان قسط المهر ثلثها يرجع الى الزوج، لبطلان النكاح، و قسط الثمن ثلثاها ستة و ستون و ثلثان يستحقها المولى.

قوله: (و لو تزوج بها و اشترى منها دينارا بدينار بطل البيع و وجب مهر المثل، و الأقوى ما يقتضيه التقسيط من المسمّى).

(1) أي: لو تزوج رجل بامرأة و اشترى منها دينارا، و عوض الأمرين معا هو دينار واحد، فقد جمع بين النكاح و الصرف على وجه يلزم منه الربا، لأن الثمن و المثمن من جنس واحد، و بعض المسمّى مهر لا محالة، فيبقى بعض الدينار في مقابل الدينار، فيبطل الصرف للربا.

386

و لو اختلف الجنس صح الجميع. (1)

____________

و في قول يبطل النكاح أيضا، و الأصح صحته، لوجود المقتضي و هو العقد المركب من الإيجاب و القبول، و انتفاء المانع إذ ليس إلّا مقارنة الصرف المشتمل على الربا إياه، و هو غير صالح للمانعية، لأن بطلان أحد العقدين المتقاربين لا يقتضي بطلان الآخر.

و يجب مهر المثل عند الشيخ في المبسوط (1)، احتجاجا، بأن الدينار يقع في مقابلة الدينار فيبقى النكاح بغير مهر، و فيه نظر، لأن الدينار في مقابل كل من الدينار و البضع، فيكون لكل منهما منه ما يقتضيه التقسيط، و من ثم لزم فساد البيع فيكون الأصح ما قوّاه المصنف.

فإذا كان مهر مثلها عشرة دنانير مثلا، قسّم الدينار المسمّى على أحد عشر جزءا، لما قلناه من أنه مهر و ثمن، و مهر المثل عشرة دنانير و ثمن المثل دينار، فيكون المهر عشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من الدينار، و الثمن جزءا من أحد عشر جزءا من الدينار.

قوله: (و لو اختلف الجنس صح الجميع).

(1) أي: لو اختلف الجنس في المسألة المذكورة، بأن كان المبيع مثلا درهما و المسمّى دينارا و بالعكس، صح النكاح و الصرف، لانتفاء الربا حينئذ، لأن التفاضل مع اختلاف الجنس غير قادح في الصحة، لكن لا بد من التقابض في المجلس هنا، لأن الصرف يبطل بالتفرق قبله.

و لا يخفى أن المصنف إنما ذكر هذه المسائل هنا و إن لم يكن من مسائل جهالة المهر، لدفع توهم من عدّها من صور الجهالة.

____________

(1) المبسوط 4: 289.

387

[الثالث: الشرط]

الثالث: الشرط، و لو شرط في العقد ما لا يخل بمقصود النكاح و إن كان غرضا مقصودا في الجملة لم يبطل النكاح.

بل الشرط إن خالف المشروع مثل أن يشترط أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسرى، أولا يمنعها من الخروج، أو لا يقسم لضرتها، فالعقد و المهر صحيحان، و يبطل الشرط خاصة.

و كذا لو شرط تسليم المهر في أجل، فإن لم يسلمه كان العقد باطلا، فإنه يبطل الشرط خاصة.

و في فساد المهر وجه، فإن الشرط كالعوض المضاف إلى الصداق، و يتعذر الرجوع الى قيمة المشروط فيثبت مهر المثل. (1)

____________

قوله: (الثالث: الشرط، و لو شرط في العقد ما لا يخل بمقصود النكاح و إن كان غرضا مقصودا في الجملة، لم يبطل النكاح، بل الشرط إن خالف المشروع مثل أن يشترط أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسرى، أو لا يمنعها من الخروج، أو لا يقسم لضرتها، فالعقد و المهر صحيحان و يبطل الشرط خاصة. و كذا لو شرط تسليم المهر في أجل، فإن لم يسلم كان العقد باطلا، فإنه يبطل الشرط خاصة، و في فساد المهر وجه، فإن الشرط كالعوض المضاف إلى الصداق، و يتعذر الرجوع الى قيمة الشرط فيثبت مهر المثل).

(1) الشروط التي تذكر في عقد النكاح أقسام: منها ما يخل بمقصود النكاح، و منها ما يقتضيه عقد النكاح، و منها ما لا يكون واحدا من الأمرين، و هو إما أن يخالف المشروع أو لا يخالفه، و منها ما لا يتعلق به غرض.

فالأول: مثل أن يشترط في النكاح أن يطلقها أو لا يطأها، و نحو ذلك. و مقتضى القولين عدم صحة النكاح و الشرط في هذا القسم، لأن عقد النكاح يقتضي ثبوت

388

..........

____________

الشرط، و ثبوت الشرط يقتضي رفع النكاح لما بينهما من المنافاة، لأن الشرط لما كان منافيا لمقتضى النكاح كان منافيا له، و ثبوت أحد المتنافيين يقتضي رفع الآخر، و قد تقدّم قبل النكاح المنقطع بيان حكم بعض أفراد هذا النوع.

و الثاني: مثل أن يشترط أن يقسم لها أو ينفق عليها أو لا تخرج إلّا باذنه، و نحو ذلك. و حكمه أن ذلك ثابت مع الشرط و بدونه، و فائدة الاشتراط تأكيد الثبوت.

و أما الثالث: فإن خالف المشروع، مثل أن يشترط لها أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسري، أو لا يمنعها من الخروج حيث شاءت، أو لا يقسم لضرتها، و نحو ذلك، فقد صرح المصنف بأن المهر و العقد صحيحان و الشرط فاسد. و كذا غيره من الأصحاب كالشيخ في المبسوط (1)، و ابن حمزة (2)، و ابن إدريس (3)، و غيرهم (4). أما فساد الشرط فظاهر، و أما صحة العقد فلإطباق الأصحاب عليه.

يلوح ذلك من عبارة الشيخ في المبسوط، حيث قال في هذه المسألة: و لا يفسد المهر عندنا، فإن صحة المهر إنما يكون مع صحة العقد، و فرّقوا بين هذا النوع من الشروط و بين النوع الأول، حيث صرح جمع ببطلان العقد من رأس هناك و صرحوا بالصحة هنا، و كأنهم نظروا إلى ظهور المنافاة بين العقد و الشرط هناك و انتفائه هنا، لأن غاية تأثير فساد هذا النوع من الشروط أن يؤثر في فساد المهر، و فساده لا يقتضي فساد النكاح، لأنه غير مشروط به، بخلاف البيع و نحوه.

و أما المهر فقد صرح أكثرهم بصحته ايضا، لوجود المقتضي للصحة، إذ ليس إلّا الشرط الفاسد و هو غير صالح للمانعية، لأن فساد أحد الشيئين المتضمن لا يقتضي

____________

(1) المبسوط 4: 303.

(2) الوسيلة: 350.

(3) السرائر: 303.

(4) منهم ابن البراج في المهذب 2: 207.

389

..........

____________

فساد الآخر، و في وجه أنه يفسد و إليه الإشارة بقوله: (و في فساد المهر وجه).

أي: و في فساد المهر في المسائل المذكورة وجه، و أشار إلى دليله بقوله: (فإن الشرط كالعوض المضاف إلى الصداق.).

و تقريره: إن فساد الشرط يقتضي فوات بعض العوض، لأن العوض في الحقيقة مركب من المسمّى و الشرط، لأن الشرط ارتفاق فهو في حكم المال، و الرجوع الى قيمته متعذر، للجهالة، فيجهل الصداق، فيتعين الرجوع إلى مهر المثل.

و لقائل أن يقول: إن الدليل أخص من الدعوى، لأن الدليل لو تمّ إنما ينتج ثبوت مهر المثل إذا كان الشرط من الزوج للزوجة ليكون بعض العوض، لأنه إذا كان من الزوجة للزوج لا يكون بعض العوض فلا يتجهل الصداق بفواته.

و يمكن الجواب: بأن الدليل مركب من أمرين، ذكر أحدهما و نبّه بالمذكور على ما لم يذكره.

و تقريره: ان الشرط إما من الزوج للزوجة، أو من الزوجة للزوج. فإن كان الأول فوجهه ما تقدم، و إن كان الثاني فوجهه أن الشرط حينئذ بمنزلة بعض العوض، و الصداق مبذول في مقابل الجميع، و بفساد الشرط يفوت بعض المعوض، و قيمته مجهولة على ما سبق، فلا يعلم نصيب الباقي من المعوض من الصداق فيثبت مهر المثل، و هنا كلامان:

أحدهما: إن إطلاق عبارة المصنف يعم ما إذا كان مهر المثل بقدر المسمّى أو أزيد أو انقص. و في وجه أنه إن زاد المسمّى و الشرط لها فالواجب المسمّى، لأنه قد رضي ببدله مع التزام ترك حق، فمع انتفاء اللزوم يكون الرضى بالمسمّى أولى. و كذا إن نقص و الشرط عليها، لأنها قد رضيت بذلك القدر مع ترك حق لها فبدونه أولى، و ليس هذا الوجه ببعيد.

الثاني: انه قد سبق في بحث الجهالة فيما لو ضم المجهول الى المعلوم، أن فيه

390

..........

____________

احتمالين: أحدهما وجوب مهر المثل، و الآخر احتساب المعلوم من مهر المثل فيجب الباقي، فينبغي أن يطرد الاحتمالان هنا، لأن هذه أيضا من مسائل ذلك الباب، و إطلاق المصنف وجوب مهر المثل على القول بفساد المهر ينافي الاحتمال الثاني.

و يمكن أن يتعذر له بأن الاحتمالين لما كانا مذكورين قبل هذا البحث بيسير اعتمد على ظهور اطرادهما هنا فلم يتعرض إليهما، ثم تنبه لشيئين:

الأول: ان اللائح من قول المصنف: (و كذا لو شرط تسليم المهر في أجل.)

أن هذه من صور اشتراط ما لا يخل بمقصود النكاح، و ليس بواضح، لأن الشرط المذكور يخل بنفس النكاح، و ما أخل بنفس النكاح فهو مخل بمقصوده لا محالة.

فإن قوله: (فإن لم يسلم كان العقد باطلا) من جملة الشرط، و هو أشد منافاة للعقد من اشتراط الطلاق، و قد صرح الشارح الفاضل ولد المصنف بأن الشرط المذكور مخل بمقصود النكاح، و زعم أن النكاح معه صحيح (1).

و قد روى محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى علي (عليه السلام) في رجل يتزوج المرأة إلى أجل مسمّى، فإن جاء بصداقها إلى أجل مسمّى فهي امرأته، و إن لم يجيء بالصداق فليس له عليها سبيل شرطوا بينهم حيث انكحوا، فقضى أن بيد الرجل بضع امرأته و أحبط شرطهم» (2).

و قد ذكر المصنف في التحرير أن الرواية حسنة، لكن المتبادر منها أن التزوج إلى أجل مسمّى، و ذلك غير محل النزاع، فالبطلان أوجه (3).

الثاني: ان قول المصنف: (و في فساد المهر وجه) الظاهر أنه يتعلق بجميع

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 207.

(2) الكافي 5: 402 حديث 1، التهذيب 7: 370 حديث 1498.

(3) التحرير 2: 34.

391

و لو شرط أن لا يقتضها لزم الشرط، فإن أذنت بعد ذلك جاز، و عندي فيه اشكال، و قيل: يختص بالمؤجل. (1)

____________

المسائل التي ذكر كون الشرط فيها فاسدا و النكاح صحيحا، لأن الوجه ثابت في الجميع، فلا معنى لقصره على المسألة الأخيرة كما تخيّله الشارح الفاضل ولد المصنف (1)، و ذكره بعد هذه المسألة لا يقتضي اختصاصه بها.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن هذا حكم ما إذا خالف الشرط المشروع و لم يخل بمقصود النكاح، فلو لم يخل و لم يخالف المشروع فلا بحث في الصحة.

و يستفاد من قول المصنف: (و إن كان غرضا مقصودا في الجملة) أن ما لم يخل بمقصود النكاح و ليس بمشروع لا يصح اشتراطه، سواء كان غرضا مقصودا في الجملة أو ليس بمقصود أصلا. و يفهم منه أن ما ليس مخلا بمقصود النكاح إذا كان مشروعا يصح اشتراطه، سواء كان غرضا مقصودا أم لا، و فيه نظر، لأن الأوجه إلغاء ما لا يتعلق به غرض أصلا، كما لو شرط أحدهما مكيالا أو صنجة معيّنة دون ما سواه، فإنه قد تقدم في السلف إلغاء مثل هذا الشرط ففي النكاح أولى.

قوله: (و لو شرط ألّا يقتضها لزم الشرط، فإن أذنت بعد ذلك جاز، و عندي فيه اشكال، و قيل: يختص بالمؤجل).

(1) لو شرط الزوجان في العقد عدم اقتضاض الزوجة حيث كانت بكرا، ففي صحة العقد و الشرط أو فسادهما، أو صحة العقد و فساد الشرط ثلاثة أقوال للأصحاب:

أحدها: القول بصحتهما، اختاره الشيخ في النهاية (2)، محتجا برواية إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: رجل تزوج بجارية عاتق على أن لا

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 207.

(2) النهاية: 474.

392

..........

____________

يقتضها، ثم أذنت له بعد ذلك، فقال: «إذا أذنت له فلا بأس» (1).

و برواية سماعة بن مهران عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: رجل جاء الى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها، فقالت: أزوجك نفسي على أن تلتمس مني ما شئت من نظر أو التماس، و تنال مني ما ينال الرجل من أهله، إلّا أنك لا تدخل فرجك في فرجي، و تتلذذ مني بما شئت، فإني أخاف الفضيحة، قال: «ليس له منها إلّا ما اشترطته» (2).

و الثاني: القول بصحة العقد و بطلان الشرط، اختاره ابن البراج (3)، و ابن إدريس (4)، اما صحة العقد فلصدوره من أهله في محله، و الأصل في العقود الصحة، و أما بطلان الشرط، فلأنه مناف لمقتضى العقد.

و الثالث: القول بصحة الشرط في المتعة و بطلانه (5) في الدوام، اختاره الشيخ في المبسوط (6)، و قطب الدين الكيدري (7)، و المصنف في المختلف (8) و هو الأصح.

أما الصحة في المتعة، فلعموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (9)، و قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (10). و ليس هذا الشرط يقتضي نكاح المتعة، فإن المقصود الأصلي منه التمتع و التلذذ و كسر الشهوة دون التوالد و التناسل، و ذلك لا

____________

(1) الفقيه 3: 297 حديث 1413، التهذيب 7: 369 حديث 1496.

(2) التهذيب 7: 369 حديث 1495.

(3) المهذب 2: 207.

(4) السرائر: 303.

(5) في نسخة «ش»: و بطلان العقد.

(6) المبسوط 4: 304.

(7) نقله عنه العلّامة في المختلف: 545.

(8) المختلف: 545.

(9) المائدة: 1.

(10) التهذيب 7: 371 حديث 1503، الاستبصار 3: 232 حديث 835.

393

..........

____________

يستدعي الوطء، و عليه تنزل الأخبار الواردة بالصحة (1) و إن ضعف السند.

و أما البطلان في الدوام، فلأنه مناف لمقتضاه، لأن المقصود الأصلي منه النسل، و هو يستدعي الوطء، و يكون الشرط فاسدا و يفسد به العقد، للمنافاة، و لعدم الرضى بالعقد إلّا به.

و يظهر من عبارة ابن حمزة قول رابع و هو بطلان الشرط دون العقد في الدائم، و صحتهما في نكاح المتعة (2).

ثم عد إلى عبارة الكتاب و تنبّه لأمور:

أ: إن اشتراط عدم الوطء بمنزلة اشتراط عدم الاقتضاض، فيأتي فيه ما سبق. و هل اشتراط عدم التقبيل و نحوه من مقدمات الوطء و توابعه كذلك؟ لم أقف فيه على شيء، و إلحاقه باشتراط عدم الوطء ليس ببعيد، و ينبغي أن يسوّى في ذلك الدائم و المتعة.

ب: منشأ الاشكال الذي ذكره المصنف ظاهر مما قررناه، فإن عموم الآية (3) و الرواية (4) تقتضي الصحة مطلقا، و كذا رواية إسحاق بن عمار، و سماعة بن مهران السالفتين. و منافاة الشرط لمقصود النكاح و مخالفته لظاهر الكتاب و السنة يقتضي بطلانه، و به يبطل العقد، لما تقدّم.

ج: الضمير في قوله: (و قيل: يختص بالمؤجل) يعود إلى لزوم الشرط المذكور، أي: و قيل: يختص لزوم الشرط، و هو إشارة إلى قول الشيخ في المبسوط (5)، و يمكن أن

____________

(1) التهذيب 7: 369 حديث 1495.

(2) الوسيلة: 350.

(3) المائدة: 1.

(4) التهذيب 7: 371 حديث 1503، الاستبصار 3: 232 حديث 835.

(5) المبسوط 4: 304.

394

و لو شرط الخيار في النكاح بطل العقد، و إن شرطه في المهر صح العقد و المهر و الشرط، فإن اختار بقاءه لزم، و إلّا ثبت مهر المثل. (1)

____________

يكون إشارة إلى قول ابن حمزة (1)، لأنه لم يتعرّض إلى صحة العقد الدائم و فساده، و إنما يدل كلامه على بطلان الشرط.

د: على القول بصحة العقد و فساد الشرط يطرد الوجه بفساد المهر هنا، فتصير هذه المسألة من مسائل هذا الباب.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنها إذا شرطت عدم الاقتضاض حيث يصح الشرط لزم و لم يجز له فعله، فإن أذنت بعد ذلك ففي جوازه بالاذن قولان:

أحدهما: الجواز، لأن المنع حق لها فيزول بإذنها، و لرواية إسحاق بن عمار السابقة (2).

و ثانيهما: العدم، لأن الفروج لا تحل بالاذن بل بالعقد، و لما لم يكن العقد مثمرا للحل لم يكن للاذن اعتبار، و الرواية ضعيفة، فالأصح العدم (3).

و اعلم أن الضمير في قوله: (فيه) من قوله: (و عندي فيه اشكال) يعود الى ما دل عليه الكلام السابق من لزوم الشرط و جواز الاقتضاض بعد العقد بالاذن، و يكون مرجع الضمير في قوله: (يختص) من قوله: (و قيل يختص بالمؤجل) هو ذلك أيضا، و يمكن أن يكون مرجعه هو لزوم الشرط، إلّا أنه يلزم اختلاف مرجع الضمائر بغير مائز، و ليس بجائز.

قوله: (و لو شرط الخيار في النكاح بطل العقد، و إن شرط في المهر صح العقد و المهر و الشرط، فإن اختار بقاءه لزم، و إلّا ثبت مهر المثل).

(1) لا يصح اشتراط الخيار في نفس النكاح قطعا، لأن في النكاح شائبة التعبد،

____________

(1) الوسيلة: 350.

(2) ذهب اليه الشيخ في النهاية: 474.

(3) ذهب اليه الشيخ في المبسوط 4: 304.

395

..........

____________

و ليس هو من عقود المعاوضات، فلو شرط فيه بطل الشرط و العقد عند عامة الفقهاء، لأنه يخرجه عن وضعه.

و لو شرط الخيار في الصداق صح قطعا، لانتفاء المانع، لأن الصداق ليس ركنا في النكاح، و إنما هو عقد مستقل بنفسه، و المقصود منه المال، فإذا شرط فيه الخيار صح، و لا يبطل الصداق عندنا.

و للعامة في بطلان الشرط و الصداق معا، و صحتهما معا، و صحة الصداق و بطلان الشرط ثلاثة أوجه (1).

فإذا اشترط و اختار بقاءه لزم، و إن اختار الفسخ انفسخ و ثبت مهر المثل بالدخول.

و هل يجب في اشتراط الخيار تعيين مدة ثبوته بحيث لا يحتمل الزيادة و النقصان، أم يجوز اشتراطه مطلقا من غير تعيين لزمانه؟

عبارات الفقهاء مطلقة خالية من التعرض إلى ذلك نفيا و إثباتا، لكن في المبسوط عنون المسألة باشتراط الخيار في الصداق ثلاثا (2)، و هو غير صريح في اشتراط التعيين، لكنه يشعر به.

و لو قيل باشتراط التعيين أمكن كما في البيع و نحوه، لأن في النكاح معنى المعاوضة، فيراعى فيه انتفاء الغرر.

و قول المصنف: (فإن اختار بقاءه لزم) المراد به: ان المشترط للخيار من الزوجين ان اختار بقاء المهر لزم و اندفع عنه التزلزل.

و قوله: (و إلا ثبت مهر المثل) ظاهره يتناول أمرين: اختيار الفسخ، و عدم اختيار شيء، و هو صحيح بالنسبة إلى الأول دون الثاني، فإنه إذا لم يختر شيئا بقي الخيار ثابتا بحاله.

____________

(1) انظر المجموع 16: 338.

(2) المبسوط 4: 304.

396

و لو سمّى لها شيئا و لأبيها شيئا لزم مسمّاها خاصة.

و لو أمهرها شيئا و شرط أن يعطي أباها منه شيئا، قيل: لزم الشرط. (1)

____________

قوله: (و لو سمّى لها شيئا و لأبيها شيئا لزم مسمّاها خاصة، و لو أمهرها شيئا و شرط أن يعطي أباها منه شيئا، قيل: لزم الشرط).

(1) هنا مسألتان، لأنه إما أن يكون المسمّى للأب خارجا عن المهر، أو من جملة المهر.

الاولى: أن يكون خارجا عن المهر فيصح العقد و يلغو ما سماه للأب، صرح به الشيخ في النهاية (1)، و عامة الأصحاب، لرواية الوشاء عن الرضا (عليه السلام) انه سمعه يقول: «لو أن رجلا تزوج امرأة و جعل مهرها عشرين ألف و جعل لأبيها عشرة آلاف، كان المهر جائزا و الذي جعله لأبيها فاسدا» (2).

و قال ابن الجنيد: و لا يلزم الزوج غير المهر من جعالة جعلها الولي أو واسطة، و لو وفى الزوج بذلك تطوعا كان أحوط، فإن طلقها قبل الدخول لم يكن عليه إلّا نصف الصداق دون غيره، فإن كان قد دفع ذلك يرجع بنصف المهر و كل الجعالة على الواسطة (3).

و قال المصنف في المختلف: إن كان قد جعل للواسطة شيئا على فعل مباح و فعله لزمه و لم يسقط منه شيء بالطلاق (4). و ما ذكره المصنف صحيح، إلّا أنه على ما فرض لا دخل لذكر ذلك في العقد بالنسبة إلى اللزوم و عدمه.

و ينبغي أن يكون موضوع المسألة ما إذا اشترط لأبيها شيئا، يكون ثبوته مستندا الى عقد النكاح. أما إذا اشترط له شيئا على جهة التبرع خارجا عن المهر

____________

(1) النهاية: 473.

(2) التهذيب 7: 361 حديث 1465، الاستبصار 3: 224 حديث 811.

(3) نقله عنه العلّامة في المختلف: 549.

(4) المختلف: 549.

397

..........

____________

و عن كونه جعالة فيناسب الأصول الصحة، إذ لا مانع من صحة هذا الشرط و لزومه، لأنه فعل سائغ شرعا، فيدخل في عموم قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (1).

و لا فرق في ذلك بين كون الاشتراط المذكور باستدعاء الزوجة، أو بفعل الزوج ابتداء. و ينبغي على تقدير الصحة أن لا يؤثّر الطلاق في شيء من الشرط المذكور.

الثاني: أن يكون من جملة المهر، فظاهر كلام ابن الجنيد لزومه، لأنه قال: فإن كانت المرأة اشترطت رجع عليها بنصف صداقها و نصف ما أخذه من شرطت له ذلك، يعني مع الطلاق قال، لأن ذلك كله بعض الصداق الذي لم يرض نكاحها إلّا به.

و قال المصنف في المختلف: إن المسمّى للواسطة إن لم يكن على جهة الجعالة بل ذكره في العقد، لم يكن عليه منه شيء سواء أطلق أو لا. و أورد عليه شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد أن ذلك شرط مباح فيلزم، لعموم قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم».

و الذي يقتضيه صحيح النظر أن ما سمّاه للأب على أنه من جملة المهر إن قصد كونه للأب ابتداء لا من قبل الزوجة فهو باطل، لأن بعض المهر يمتنع كونه ابتداء لغير الزوجة، و عليه تنزل رواية الوشاء السالفة.

فإن كان قد سمّى المجموع للزوجة مهرا، و شرط عليها أن تدفع إلى أبيها منه شيئا على جهة التبرع منها و الإحسان، فالفساد لا وجه له، لأن ذلك شرط لا يخالف الكتاب و السنة فلا وجه لإبطاله.

و على هذا فلو طلقها رجع بنصف المجموع، لأن جميعه هو المهر، و الشق الثاني مما ذكرناه هو المسألة الثانية في العبارة.

____________

(1) التهذيب 7: 371 حديث 1503، الاستبصار 3: 232 حديث 835.

398

و لو شرط ألا يخرجها من بلدها، قيل: لزم الشرط للرواية، و هل يتعدّى إلى منزلها؟ اشكال. (1)

____________

و أشار بقوله: (قيل: لزم الشرط) إلى القول المحكي عن ابن الجنيد في عقد النكاح (1)، و اعلم أنه لا فرق بين الأب و غيره بالنسبة إلى الشرط المذكور حيث يصح أو يفسد.

قوله: (و لو شرط أن لا يخرجها من بلدها، قيل: لزم الشرط، للرواية، و هل يتعدى إلى منزلها؟ إشكال).

(1) أي: لو شرط الزوج للزوجة في عقد النكاح ألا يخرجها من بلدها الذي هي قاطنة به، قيل: لزم الشرط، و القائل بذلك الشيخ في النهاية (2)، و ابن البراج (3)، و ابن حمزة (4)، و المصنف في المختلف (5).

و الرواية المشار إليها هي رواية أبي العباس الصحيحة عن الصادق (عليه السلام): في الرجل يتزوج امرأة و يشترط لها أن لا يخرجها من بلدها، قال: «يفي لها بذلك أو قال: يلزمه ذلك» (6).

و ذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف إلى بطلان الشرط (7)، و كذا ابن إدريس (8)، لأن الاستمتاع بالزوجة في الأزمنة و الأمكنة حق للزوج في أصل الشرع، و كذا السلطنة له عليها في ذلك حق له ثابت، فإذا شرط ما يخالفه وجب أن يكون باطلا،

____________

(1) نقله عنه العلّامة في المختلف: 549.

(2) النهاية: 474.

(3) المهذب 2: 212.

(4) الوسيلة: 350.

(5) المختلف: 526.

(6) الكافي 5: 402 حديث 2، التهذيب 7: 372 حديث 1506.

(7) المبسوط 4: 303، الخلاف 3: 10 مسألة 32 كتاب الصداق.

(8) السرائر: 312.

399

و لو شرط لها مهرا إن لم يخرجها من بلدها، و أزيد إن أخرجها، فأخرجها إلى بلد الشرك لم يلزم اجابته و لها الزائد.

و إن أخرجها إلى بلد الإسلام كان الشرط لازما، و فيه نظر. (1)

____________

و هو الأقوى.

و تحمل الرواية على الاستحباب، و لا يبطل العقد، لدلالة الرواية على صحته.

إذا تقرر ذلك، فعلى القول باللزوم لو شرط لها أن لا يخرجها من منزلها هل يتعدى الحكم باللزوم من المسألة الاولى إلى هذه؟ فيه إشكال ينشأ: من أن ذلك غرض مطلوب للعقلاء و ليس بممنوع منه شرعا، فجاز اشتراطه، لعموم قوله (عليه السلام):

«المؤمنون عند شروطهم» (1). و من أن اشتراط ذلك على خلاف الأصل، لما قلناه من أن سلطنة إسكان الزوجة بيد الزوج، فيقتصر فيه على مورد النص، و الأصح عدم التعدي.

قوله: (و لو شرط لها مهرا إن لم يخرجها من بلدها، و أزيد إن أخرجها، فأخرجها إلى دار الشرك لم يلزم اجابته و لها الزائد، و إن أخرجها إلى بلاد الإسلام كان الشرط لازما، و فيه نظر).

(1) القول بلزوم الشرط على الوجه المذكور قول الشيخ في النهاية (2)، و ابن البراج (3)، و ابن حمزة (4). و مستنده ما روي في الحسن عن علي بن رئاب عن الكاظم (عليه السلام) قال: سئل و أنا حاضر عن رجل تزوج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه الى بلاده، و إن لم تخرج معه فمهرها خمسون دينارا، أ رأيت إن لم تخرج معه الى بلاده؟ قال: فقال: «إن أراد أن يخرج بها الى بلاد الشرط فلا شرط له عليها في ذلك،

____________

(1) التهذيب 7: 371 حديث 1503، الاستبصار 3: 232 حديث 835.

(2) النهاية: 474.

(3) المهذب 2: 212.

(4) الوسيلة: 350.

400

و لو شرط عدم الإنفاق بطل الشرط.

[الرابع: استلزام ثبوته نفيه]

الرابع: استلزام ثبوته نفيه، كما لو قبل نكاح عبد جعل رقبته صداقا لحرة أو لمن انعتق بعضها، فإن النكاح يبطل. (1)

____________

و لها مائة دينار التي أصدقها إياها. و إن أراد أن يخرج بها الى بلاد المسلمين و دار الإسلام فله ما اشترط عليها و المسلمون عند شروطهم، و ليس له أن يخرج بها الى بلاده حتى يؤدي لها صداقها، أو ترضى من ذلك بما رضيت و هو جائز له» (1).

و في هذه الرواية مخالفة لأصول المذهب من وجهين:

أحدهما: إن الصداق غير معيّن، بل هو خمسون على تقدير، و مائة على تقدير آخر.

و الثاني: وجوب المائة على تقدير ارادة الخروج بها الى بلاد الشرك، و ان لا شرط له عليها، و ذلك خلاف الشرط، لأن استحقاقها للمائة إنما هو على تقدير خروجه بها الى بلاده على ما عيّن في العقد، و مع ذلك فليست من الصحيح.

و جمع من الأصحاب لا يعملون بها، فلا تكاد تنهض حجة في العدول عن مقتضى أصول المذهب. و منشأ النظر الذي ذكره المصنف: من عموم الآية و الرواية بالوفاء بالشرط، و من مخالفة الشرط، لما دل عليه الكتاب و السنة من كون سلطنة الإسكان حق للزوج، و منافاة أصول المذهب. و لم أجد تصريحا لأحد ببطلان الشرط و العقد معا، بل القائلون بعدم الصحة قصروا البطلان على الشرط خاصة.

قوله: (الرابع: استلزام ثبوته نفيه، كما لو قبل نكاح عبد جعل رقبته صداقا لحرة أو لمن انعتق بعضها، فإن النكاح يبطل).

(1) السبب الرابع من أسباب فساد المهر استلزام ثبوته نفيه، و ذلك إما أن يكون باعتبار تأثيره في رفع النكاح أو لا، و قد مثل المصنف لكل منهما بمثال معلوم.

____________

(1) الكافي 5: 404 حديث 9، التهذيب 7: 373 حديث 1507.

401

..........

____________

مثال الأول: ما إذا قبل السيد النكاح لعبده و الزوجة حرة أو بعضها حر، و جعل رقبته صداقا لها، أو اذن له في النكاح كذلك و كان بالغا، فإن الصداق يبطل، لأنه لو صح ملكت زوجها أو بعضه فيفسخ النكاح و يبطل الصداق.

و لا يصح النكاح أيضا، لأنه اقترن به ما ينافيه، و كان كما لو شرط الطلاق، و لأن ملكها للزوج لو طرأ في دوام النكاح أبطله، فإذا قارن الابتداء منع الانعقاد، كذا قيل.

و قد يقال: إن المقارن هنا هو الشرط المقتضي للملك لا نفس الملك، و قد ذكر المصنف هذه المسألة في الخاتمة قبل نكاح المنقطع، و حكم ببطلان الصداق و صحة النكاح، ثم رجع عن ذلك هنا الى القول ببطلانهما، و هو الأوجه، للمنافاة.

و إنما قيّد المصنف المسألة بجعل رقبته صداقا لحرة، لأنه لو جعله صداقا لأمة لصح النكاح و الصداق، لأن المهر حق للسيد دونها، و ليس فيه سوى اجتماع الزوجين في ملك شخص واحد، و ذلك غير مانع من صحة العقد.

و إذا طلقها الزوج قبل الدخول فإلى من يعود نصف العبد الذي هو الزوج و الصداق؟ ينبغي أن يبنى على أن السيد إذا باع عبده بعد أن نكح باذنه ثم طلق قبل الدخول، و بعد أداء المهر إلى من يعود النصف، و فيه أوجه:

أحدها: أنه يعود إلى المشتري، لأنه ملك تجدد بالطلاق، و قد وقع في ملك المشتري فيكون له كسائر الاكتساب الحاصلة من العبد بعد الشراء.

الثاني: انه يعود إلى البائع، لأنه وجب في ملكه، فإذا سقط منه شيء عاد إليه.

الثالث: إن أداه البائع من ماله أو أداه من كسب العبد قبل البيع عاد إليه، لأن أصله له، فإذا سقط منه شيء عاد إليه، و إن أدى من كسبه بعد البيع عاد إلى المشتري. و لو أعتق العبد ثم طلق قبل الدخول، فإن قلنا في الصورة السابقة بالعود إلى البائع عاد هنا إلى المعتق، و إن قلنا بالعود إلى المشتري عاد هنا إلى العتيق.

402

أما لو زوّج ابنه من امرأة و أصدقها أم ابنه أو أخته من مال نفسه فسد الصداق، لأنها لا تدخل في ملكها ما لم يدخل في ملكه، فتعتق عليه، فيصح النكاح دون المهر. (1)

____________

قوله: (أما لو زوّج ابنه من امرأة و أصدقها أم ابنه أو أخته من مال نفسه فسد الصداق، لأنها لا تدخل في ملكها ما لم تدخل في ملكه فتعتق عليه فصح النكاح دون المهر).

(1) هذا هو مثال الشق الثاني، و تحريره: إنه إذا استولد أمة لغيره ولدا حرا ثم ملكها، و قبل لابنه منها له نكاح امرأة و جعل امّه صداقا لها، أو كان للولد أخت من أمة مملوكة ثم ملكها الأب ثم جعلها صداقا لزوجة الابن، فإن الصداق في كل من الصورتين لا يصح، لأن كلا من الام و الأخت لا يدخل في ملك الزوجة ما لم تدخل في ملك الزوج الذي هو الولد، لاستحالة أن يملك الإنسان شيئا على جهة المعاوضة و عوضه الحقيقي مال لغيره.

و لهذا لو طلّق الصبي بعد بلوغه قبل الدخول، و قد زوجه أبوه و أصدق عنه من ماله، يعود النصف إليه لا إلى الأب على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. و حينئذ فتعتق كل منهما على الولد، لدخولهما في ملكه فيمتنع انتقالها إلى المرأة صداقا، فيبطل الصداق. لكن لا يبطل النكاح هنا، لأن العتق إنما يقتضي بطلان الصداق، و لا منافاة بينه و بين النكاح.

ثم عد إلى عبارة الكتاب و اعلم أن قوله: (لو زوج ابنه) يندرج فيه الصغير و البالغ إذا أذن، و لا فرق بينهما في تطرق المحذور السابق، و يندرج في المرأة الحرة و المملوكة، و الحكم فيهما لا يختلف و لو قال: أم الابن لكان أولى، إذ لا يتعين في العبارة أن يكون الابن الثاني هو المذكور أولا، لصدقه على غيره، و حينئذ فلا يلزم انعتاق الأم، لإمكان كونها اما لابن آخر دون الزوج.

و قوله: (من مال نفسه) لا يكاد تظهر للتقييد به فائدة، لأنه لو كان من مال

403

[الخامس: أن يزوّج الولي بدون مهر مثلها فيصح العقد]

الخامس: أن يزوّج الولي بدون مهر مثلها فيصح العقد، و في صحة المسمّى قولان، (1)

____________

غيره لم يختلف الحكم.

قوله: (الخامس: أن يزوج الولي بدون مهر مثلها، فيصح العقد و في صحة المسمّى قولان).

(1) السبب الخامس من أسباب فساد المهر: أن يزوجها الولي بدون مهر مثلها، فقد حكم المصنف بصحة العقد، و حكى قولين في صحة المسمّى و فساده و لم يرجّح منهما شيئا. أما صحة العقد، فلصدوره من أهله في محله، لأنه المفروض، و قد سبق أن المهر ليس ركنا في عقد النكاح و لهذا جاز إخلاؤه عنه، فلا يؤثر فساده في العقد و أما القولان اللذان حكاهما في صحة المسمّى:

فأحدهما: الصحة، ذهب إليه الشيخ في الخلاف و المبسوط (1)، و وجهه أن للولي العفو بالنسبة إلى المهر، لقوله تعالى أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ (2) فإذا ساغ له العفو عن الحق بعد ثبوته فالعفو بدونه أولى، و هذا التعليل يقتضي أمرين:

أحدهما: إن الذي سوّغ له ذلك هو الذي يصح منه العفو، و هو الأب أو الجد له دون سائر الأولياء.

الثاني: انه لا يشترط في صحة المسمّى كون النكاح بدون مهر المثل مما تدعو إليه الحاجة أو تقتضيه المصلحة، لأنه لا يشترط لجواز العفو وجود المصلحة معه.

إذا عرفت ذلك ففي دلالة هذا التعليل على المدعى نظر، لأن المانع أن يمنع الأولوية المذكورة فإنّ العلة غير مقطوع بها.

____________

(1) الخلاف 3: 11 مسألة 37 كتاب الصداق، المبسوط 4: 311.

(2) البقرة: 237.

404

و كذا لو زوّجه بأكثر من مهر المثل، فإن المسمّى يبطل. و في فساد النكاح إشكال ينشأ: من التمسك بالعقد الذي لا يشترط فيه المهر و لا ذكره، و من بعد الرجوع إلى مهر المثل دون رضاهما و ما قنعا به، (1)

____________

و حكى في المبسوط (1) قولا ببطلان المسمّى، لوجوب مراعاة القيمة في أموالها ففي البضع أولى، و فيه نظر، لأن البضع ليس مالا حقيقة و لا المقصود الأصلي منه المال.

و الذي يقتضيه صحيح النظر أنه إن اقتضت المصلحة التزويج بدون مهر المثل صح العقد و المهر و لزم، و إلّا كان العقد فضوليا يتوقف على الإجازة بعد البلوغ، لأن صحة تصرفات الولي منوطة بالمصلحة، و بدونها يكون كتصرف الأجنبي، و البضع و إن لم يكن مالا حقيقة لكنه ملحق بالأموال، لمقابلته بها و ثبوت ضمان قيمته بمهر المثل في مواضع.

ثم عد إلى عبارة الكتاب و اعلم أن قوله: (فيصح العقد و في صحة المسمّى قولان) مقتضاه بطلان المسمّى على أحد القولين مع صحة العقد، و على هذا فيثبت مهر المثل، لكن ثبوته هل هو بنفس العقد، أو بالدخول كالمفوضة؟ صرح بالأول جماعة، لأن التسمية اقتضت عدم الرضى بإخلاء العقد عن المهر، و فيه بعد، لأن إيجاب شيء بالعقد لم يجر له فيه ذكر، و لم يقع عليه التراضي من الأمور المستبعدة.

قوله: (و كذا لو زوجه بأكثر من مهر المثل، فإن المسمّى يبطل، و في فساد النكاح إشكال ينشأ: من التمسك بالعقد الذي لا يشترط فيه المهر و لا ذكره، و من بعد الرجوع إلى مهر المثل دون رضاهما و ما قنعا به).

(1) إذا زوج الولي المولى عليه الذكر امرأة بأزيد من مهر مثلها، فالمسمّى باطل لا محالة، لأنه تصرّف مشتمل على إضاعة المال حقيقة، لأن الفرض أن البضع لا يعاد له، بخلاف ما لو عقد للمولى عليها بدون مهر المثل، فإن المسمّى لا يبطل على أحد

____________

(1) المبسوط 4: 311.

405

..........

____________

القولين كما سبق.

و الفرق جواز العفو للولي عن بعض المهر، و أن البضع ليس مالا حقيقيا، و لا المقصود الأصلي منه المال. و في فساد النكاح الإشكال الذي ذكره المصنف، و ذكر منشأه، و تنقيحه: إن عقد النكاح غير مشروط بثبوت المهر في الواقع و لا بذكره في العقد، فخلّوه عنه لا يقتضي فساده. و قد صدر العقد مشتملا على المسمّى الزائد و حكم ببطلانه للزيادة، فيجب أن يبقى العقد صحيا و لا يبطل ببطلان المسمّى، و فيه نظر، لأن عقد النكاح و إن لم يكن مشروطا بالمهر لا تلزم صحته في محل النزاع، لأنه لم يقع على الوجه المأذون فيه شرعا، لأن تصرّف الولي إنما يعتبر مع عدم التخسير، فإذا قارنه كان كتصرف الأجنبي.

و يحتمل بطلان العقد من رأس، لأنه لو صح لوجب أن يثبت مهر المثل على وجه قهري، و ذلك بعيد، لأن ما تراضيا عليه و قنعا به هو الزائد على مهر المثل، فكيف يبطل ما رضيت به و يثبت لها دونه مع عدم رضاها به.

و ما كان بعيدا فهو مرجوح لا يجوز التمسك به مع وجود الراجح، فيبطل الثاني، و يلزمه بطلان المقدم.

و قد أورد عليه الشارح الفاضل النقض بالعقد على الخمر المجهول (1)، و هو غير وارد، لأن العقد على الخمر برضى الزوجين لا يقتضي بطلان الصداق فيه بطلان النكاح، لصدوره بتراضيهما. بخلاف عقد الولي في موضع الاذن شرعا، فإنه حينئذ يكون فضوليا، و أين هذا من ذاك.

و اعلم أن التشبيه الواقع في قوله: (و كذا لو زوجه بأكثر من مهر المثل) ليس على ما ينبغي، لأن المذكور في المسألة المشبّه بها حكمان: أحدهما صحة العقد، و الآخر

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 211.

406

و الأقوى أن مع فساد المسمّى يثبت الخيار في فسخ العقد و إمضائه. (1)

____________

أن في صحة المسمّى قولين، و ليس واحد منهما ثابتا في المشبه، لأن المسمّى فيها يبطل، و في فساد النكاح قولان.

قوله: (و الأقوى أن مع فساد المسمّى يثبت الخيار في فسخ العقد و إمضائه).

(1) قد عدّ الشارحان الفاضلان هذا وجها ثالثا في المسألة (1)، بناء على أن أحد الوجهين السابقين هو بطلان العقد من رأس، و لا وجه له على القول بأن عقد الفضولي موقوف على الإجازة، لأن أقل مراتب تصرف الولي هنا أن يكون فضوليا.

نعم يمكن أن يحمل البطلان على عدم اللزوم و هو الفضولي.

و يراد بالوجه الثالث: ثبوت النكاح متزلزلا، فإن شاء فسخه و إن شاء أمضاه و هذا هو المتبادر من عبارة الكتاب و لا تأباه عبارة الشارحين، بل الظاهر من عبارة المصنف أن ثبوت الخيار في كل من المسألتين المذكورتين يلوح ذلك من قوله: (مع فساد المسمى) إذ لو لا ذلك لكان مستدركا، لأنه قد قطع بفساد المسمّى في المسألة الثانية.

و على هذا فيكون الكلام في المسألة الاولى ان في صحة المسمّى و فساده قولين، فإن قلنا بالفساد ففي ثبوت الخيار في فسخ العقد و عدمه قولان، فإذا اختصرنا قلنا في المسألة ثلاثة أقوال: صحة العقد و المسمّى، فساد المسمّى و لزوم العقد، فساد المسمّى و ثبوت الخيار في العقد.

و في المسألة الثانية بالنسبة إلى العقد ثلاثة أوجه: اللزوم، و الفساد، و ثبوت الخيار. و أما المسمى فإنه فاسد وجها واحدا.

إذا عرفت ذلك فالخيار المذكور لمن يكون؟ صرح الشارح ولد المصنف بأنه لمن زاد الصداق عليه على مهر المثل أو نقص عنه، و هو الزوج في المسألة الثانية،

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 211.