جامع المقاصد في شرح القواعد - ج13

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
448 /
407

نعم لو أصدق ابنه أكثر من مهر المثل من ماله جاز و إن دخل في ملك الابن ضمنا. (1)

[السادس: مخالفة الأمر]

السادس: مخالفة الأمر، فإذا قالت: زوجني بألف فزوجها بخمسمائة لم يصح العقد، و يحتمل ثبوت الخيار. (2)

____________

و الزوجة في المسألة الاولى (1). و لا ارى لهذا التخصيص وجها، لأن الغرض فساد المسمّى في المسألتين، بل ينبغي ثبوت الخيار لكل منهما في كل من المسألتين، لانتفاء التراضي من الجانبين. و المختار ما قدمناه في كل من المسألتين، و هو أن النكاح بالمسمّى فضولي موقوف على الإجازة.

قوله: (نعم لو أصدق ابنه أكثر من مهر المثل من ماله جاز و إن دخل في ملك الابن ضمنا).

(1) هذا في قوة الاستثناء من قوله: (لو زوجه بأكثر من مهر المثل.) فكأنه قال:

لو زوج ابنه بأكثر من مهر المثل فسد المسمّى، إلّا إذا كان صداق المسمّى مال الأب فإنه لا يفسد، لأنه لا تخسير للولد حينئذ.

فإن قيل: يدخل الصداق في ملك الابن ضمنا فيلزم التخسير.

قلنا: لا يلزم، لأن التخسير إتلاف مال بالعقد ماليته ثابتة بغيره، و ليس كذلك محل النزاع، لأن الصداق لم يملكه الابن إلّا بسبب العقد، فلم يلزم إتلاف مال بالعقد لولاه لكان ثابتا للزوج.

قوله: (السادس: مخالفة الأمر، فلو قالت: زوّجني بألف، فزوجها بخمسمائة، لم يصح العقد، و يحتمل ثبوت الخيار).

(2) السبب السادس من أسباب فساد المهر مخالفة الوكيل ما عيّنته الزوجة فإن

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 211.

408

و لو قالت: زوجني مطلقا فزوجها بأقل من مهر المثل، فالأقرب

____________

قالت: زوّجني بألف مثلا، فزوجها بأقل كخمسمائة، ففي صحة العقد و فساده وجهان:

أحدهما:- و اختاره المصنف- الفساد، لأن تقديرها المهر يدل على عدم رضاها بما دونه، و ما لا ترضى به الزوجة فاسد لا محالة.

و الثاني: ثبوت الخيار لها، و لا يقع العقد فاسدا بمعنى أنه يكون موقوفا على إجازتها، فإن رضيت به صح و إلّا كان فاسدا، لأنه عقد صدر ممن ليست له ولاية شرعية على المعقود عليه و لا اذن شرعي و ذلك هو الفضولي، و لا يضر ما لزم من التعيين و هو عدم رضاها بغير المعين، لأن المؤثر في العقد الفضولي هو الرضى المتأخر عنه و ضده دون المتقدم عليه، كذا فهم الشارحان (1) الفاضلان من العبارة.

و لا ريب أن المتبادر من قوله: (لم يصح العقد) هو البطلان، أما ثبوت الخيار فإن المتبادر منه صحة العقد و ثبوت النكاح و إن كان متزلزلا، و على هذا حمله شيخنا الشهيد في بعض ما ينسب اليه من الحواشي.

و حمل عدم صحة العقد المذكور قبله على عدم لزومه و أنه فضولي، و الحمل في الموضعين صحيح في نفسه، إلّا أن توجيه الصحة مع ثبوت الخيار موضع نظر، فإنه إذا كان خلاف المأمور به فكيف يقع صحيحا.

و يمكن أن يقال في توجيهه: إن النكاح لما لم تكن صحته مشروطة بالمهر لم يلزم من المخالفة بطلانه فيقع صحيحا، لكن لما لم يكن المهر على الوجه المأذون فيه لم يقع لازما، لبعد وجوب الرضى بمهر المثل على وجه قهري، فيثبت الخيار بين الفسخ و الإمضاء، و الأصح إن العقد من أصله مع المهر فضولي يقف على الإجازة، لانتفاء الأهلية في غير موضع الاذن.

قوله: (و لو قالت: زوّجني مطلقا، فزوجها بأقل من مهر المثل،

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 211.

409

الرجوع إلى مهر المثل. (1)

و لو لم يذكر مع الإطلاق المهر احتمل الصحة، للامتثال، و الفساد إذ مفهومه ذكر المهر عرفا، (2)

____________

فالأقرب الرجوع إلى مهر المثل).

(1) أي: لو قالت: زوّجني، و أطلقت الاذن بحيث لم تقيد النكاح بمهر و لا عدمه فقوله: (مطلقا) ليس من جملة قولها و إنما هو لبيان حال قولها، و أنه معرى عن التعرض إلى المهر إثباتا و نفيا، فزوجها حينئذ بأقل من مهر المثل ففيه وجهان، أقربهما عند المصنف صحة النكاح و بطلان المسمّى و الرجوع إلى مهر المثل.

أما صحة النكاح، فلصدوره بإذنها، و أما بطلان المسمّى و ثبوت مهر المثل، فلأن الإطلاق منزل على العقد بمهر المثل فصاعدا. كما أن أمر المالك ببيع ماله من غير تقييد منزل على البيع بثمن المثل، لاقتضاء العرف التقييد بذلك، و لأن الغبطة و المصلحة لا تتحقق بدونه فيكون إطلاقها بمنزلة التقييد بمهر المثل، فيفسد المسمّى، للمخالفة، و يثبت مهر المثل لعدم الرضى بالتفويض.

و الثاني: بطلان العقد من رأس، لأن الإطلاق منزل على مهر المثل كما سبق، فكان كما لو عيّنت فخالف في أنه غير مرضي لها.

و يجيء وجه ثالث، و هو صحة العقد و وجوب مهر المثل و ثبوت الخيار لها، و تقريبه معلوم مما سبق، و إنما فرّق المصنف بين هذه و بين التي قبلها في الحكم، فجزم بالصحة و الرجوع الى مهر المثل هنا، و حكم بثبوت الخيار في التي قبلها، لأن التقييد منصوص عليه و مقطوع به، و هنا مظنون، فلا تكون المخالفة مقطوعا بها بحيث يلزم فساد العقد أو تزلزله. و الأصح أنه فضولي يقف على الإجازة، لأن إطلاق الاذن في التزويج منزل على كونه بمهر المثل، فيكون ما عداه واقعا بغير اذن.

قوله: (و لو لم يذكر مع الإطلاق المهر احتمل الصحة، للامتثال، و الفساد، إذ مفهومه ذكر المهر عرفا).

(2) أي: لو لم يذكر الوكيل

410

و مع التقييد يحتمل الفساد، و الخيار فيثبت مهر المثل. (1)

و لو قالت: زوجني بما شاء الخاطب فهو تفويض يأتي.

و لو عرف ما شاء فقال: زوجتك بما شئت، صح. (2)

____________

في العقد المهر أصلا، و الحال أنها قد أطلقت له الاذن في التزويج احتمل الصحة، لأنه امتثل ما امرته به، و يجب مهر المثل حينئذ، لأن إطلاق الإذن منزل على التزويج بمهر المثل.

و إذا اقتضى إطلاق الإذن مهر المثل كان إطلاق العقد كذكره فيه، و فيه منع ظاهر، و الفرق ظاهر، و احتمل الفساد، لأن الإطلاق منزل على العقد بمهر المثل.

و لا يعد السكوت عن المهر تفويضا، نظرا إلى العرف و قد خالف فلا يكون صحيحا، و الأصح أنه فضولي يقف على الإجازة.

قوله: (و مع التقييد يحتمل الفساد و الخيار، فيثبت مهر المثل).

(1) أي: لو لم يذكر الوكيل المهر في العقد، بل أطلقه و قد قيدت له الاذن في التزويج بالمهر احتمل الفساد، للمخالفة، و احتمل ثبوت الخيار لها في إجازة العقد و عدمها، لأنه لا يقصر عن الفضولي، فإن أجازته ثبت مهر المثل بنفس العقد، لانتفاء كون الاذن تفويضا.

و لا يخفى أن المتبادر إلى الفهم من ثبوت الخيار صحة النكاح و تزلزله، و كيف كان فالأصح أن العقد فضولي يقف على الإجازة، و المتجه أنه مع الإجازة لا يجب المهر بنفس العقد، لانتفاء ما يقتضيه، فيكون وجوبه بالدخول.

قوله: (و لو قالت: زوّجني بما شاء المخاطب، فهو تفويض يأتي، و لو عرف ما شاء فقال: زوجتك بما شئت، صح).

(2) أي: لو قالت الزوجة لوكيلها: زوّجني بما شاء الخاطب، فزوجها كذلك صحّ، فإن ذلك تفويض، لأن التفويض قسمان: تفويض البضع، و هو أخلاء العقد عن ذكر المهر،

411

و ليس تفريق الصفقة سببا للفساد، فلو أصدقها عبدا يساوي ألفين، على أن ترد عليه ألفا، فنصفه صداق و نصفه في حكم مبيع، فلو أرادت إفراد الصداق أو المبيع بالرد بالعيب جاز، بخلاف رد نصف المبيع. (1)

____________

و تفويض المهر، و هو ذكر المهر في العقد على الجملة منهما و يفوض تقديره الى أحد الزوجين، و لا شبهة في صحة كل من التوكيل و العقد كذلك. و لا يكون العقد كذلك عقد المجهول يجب به مهر المثل، خلاف للشافعي (1)، و لا وجه له بعد ما بين أن ذلك تفويض صريح.

قوله: (و ليس تفريق الصفقة سببا للفساد، فلو أصدقها عبدا يساوي ألفين على أن ترد إليه ألفا، فنصفه صداق و نصفه في حكم مبيع، فلو أرادت إفراد الصداق أو المبيع بالرد بالعيب جاز، بخلاف رد نصف المبيع).

(1) قد عدّ الشافعي من أسباب فساد المهر تفريق الصفقة (2)، فاعتنى المصنف بذكره و بيان أنه لا يعد سببا لفساد المهر ردا عليه، و تحقيقه انه إذا تزوج امرأة بعبد يساوي ألفي درهم على أن ترد إليه ألفا من مالها، فيكون حينئذ نصف العبد صداقا و نصفه في حكم مبيع و ليس مبيعا حقيقة، لأن رد الألف من مالها وقع بصورة الشرط فكان من توابع عقد النكاح.

و لو أن الولي قال: زوجتك ابنتي و بذلت لك ألفا من مالها بالعبد الفلاني فقبل الزوج، لكان أدل على مقابلة نصف العبد للبضع و النصف الآخر للألف.

و كيف كان فإذا أرادت إفراد الصداق- أعني نصف العبد أو المبيع و هو نصفه الآخر بالرد لظهور عيب في العبد- كان لها ذلك، و لم يفسد الصداق إذا ردت نصف المبيع.

____________

(1) المجموع 16: 373.

(2) الوجيز 2: 27.

412

..........

____________

و لا يقال: يلزم من رد النصف تبعض الصفقة، و هو محذور كرد نصف المبيع.

لأنا نقول: التبعيض المحذور هو الذي يكون في المنتقل بعقد واحد، و هنا قد حصل انتقال العبد لشيئين مختلفين، فلم يكن كرد نصف المبيع.

و لا يقال أيضا: يلزم من رد النصف بالتشقيص.

لأنا نقول: قد أقدما على هذا الضرر حين تعاقدا على انتقال كل من نصفي العبد بسبب يخالف السبب الآخر، و هذا بخلاف رد نصف العبد لو كان كله مبيعا.

إذا تقرر ذلك، فلو جعل رد النصف على الوجه المذكور سببا لفساد المهر، لوجب مهر المثل بنفس العقد على ما سبق في نظائره عند من يقول به، و اللّه اعلم بالصواب.

و ليكن هذا آخر الجزء السابع من كتاب شرح القواعد، و يتلوه الجزء الثامن إن شاء اللّه تعالى بمنّه.

413

[الفصل الثالث في التفويض]

الفصل الثالث في التفويض (1)

____________

قوله: (الفصل الثالث: في التفويض).

(1) و فرغ من تسويده مؤلفه الفقير إلى اللّه تعالى علي بن عبد العالي، بالمشهد المقدس الغروي على مشرفه الصلاة و السلام منتصف النهار من يوم السبت تقريبا الثامن عشر شهر جمادى الاولى من سنة خمس و ثلاثين و تسعمائة، حامدا للّه تعالى على آلائه مصليا على رسوله محمد و آله، مسلّما (1).

____________

(1) في النسخة الحجرية: قد فرغ من كتابة هذا الكتاب المستطاب أقل الكتّاب الطلّاب حسن ابن عبد اللّه في السنة الثانية من العشر الثامن من المائة الثالثة من الألف الثاني على مهاجرها ألف ألف تحية و ألف و ألف ثناء.

و في نسخة ض: هذا آخر ما وجد من كلامه (قدس سره)، و فرغ من كتابته الفقير إلى اللّه الغني عبد اللّه بن علي بن سيف الصيمري في صبح اليوم الثاني عشر من شهر عاشوراء من شهور سنة خمس و خمسين و تسعمائة هجرية قمرية على مشرفها أفضل الصلوات و أكمل التسليمات في بلدة الجزائر المحروسة، فرحم اللّه من ترحم عليه و دعا له بالمغفرة، و الحمد للّه أولا و آخرا.

و في نسخة ش: تحريرا في ثامن عشر شهر اللّه المبارك ذي الحجة الحرام أفاض اللّه أنواره لسنة احدى و تسعين و تسعمائة على يد الفقير إلى اللّه الغني باللّه الداعي إلى دين اللّه غياث الدين محمود بن محمد بن عبد الخالق بن غياث الدين جمشيد المنجم صاحب الرصد المشهور بين الجمهور غفر اللّه لهم و لأسلافهم، و للّه الحمد.

414

و هو قسمان:

[الأول: تفويض البضع]

الأول: تفويض البضع: و هو أخلاء العقد من ذكر المهر بأمر من يستحق المهر، و ليس مبطلا، مثل زوجتك نفسي أو فلانة، فيقول: قبلت، سواء نفى المهر أو سكت عنه، فلو قالت: على أن لا مهر عليك صح العقد. (1)

____________

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه حمدا كثيرا كما هو أهله، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين.

قوله (رحمه اللّٰه): (و هو قسمان: الأول تفويض البضع، و هو أخلاء العقد من ذكر المهر بأمر من يستحق المهر و ليس مبطلا، مثل: زوجتك نفسي، أو فلانة. فيقول: قبلت، سواء نفى المهر أو سكت عنه، فلو قالت: على ألّا مهر عليك صح العقد).

(1) التفويض: أن يجعل الأمر إلى غيره و يكله إليه، و تسمّى المرأة مفوضة، لتفويضها أمرها إلى الزوج أو الولي بلا مهر، و مفوضة، لأن الولي فوّض أمرها إلى الزوج، أو لأن الأمر في المهر مفوض إليها بالنسبة إلى نفيه و عدمه.

ثم التفويض في النكاح نوعان: تفويض البضع، و تفويض المهر، فتفويض المهر سيأتي و هو صحيح عندنا.

و تفويض البضع و قد عرّفه المصنف: بأنه (إخلاء العقد من ذكر المهر بأمر من يستحق المهر)، و الذي يستحق المهر هو المرأة، فيكون أخلاء العقد عن ذكر المهر بأمر المرأة. و قد ينقض في عكسه بخروج العقد الصادر من المرأة خاليا من المهر، لأن الصادر من المرأة لا يقال إنه وقع بأمرها.

و يرد عليه أيضا عقد الفضولي الخالي من المهر إذا لحقته الإجازة، إذ الإجازة اللاحقة له لا تصيّره واقعا بالأمر.

و يرد عليه أيضا تزويج الولي إياها مفوضة على القول بصحته.

415

و لو قالت: على أن لا مهر عليك في الحال و لا في ثانيه، احتمل الصحة، لأنه معنى أن لا مهر عليك، و البطلان، لأنه جعلها موهوبة. (1)

____________

و لو قال: هو أخلاء العقد من ذكر المهر بفعل الزوجة، أو من يقوم مقامها، مثل: زوجتك نفسي إذا كان العاقد الزوجة، أو زوجتك فلانة إذا كان العاقد غيرها، و ليس ذلك مبطلا قطعا، حتى لو عقد و نفى المهر كان صحيحا، مثل زوجتك و لا مهر عليك.

و لا فرق بين كون الزوجة بكرا أو ثيبا في ذلك كله.

إذا تقرر ذلك فاعلم أن مفوضة البضع لا يجب لها مهر بالعقد عندنا، خلافا لبعض العامة، حيث أوجبه بالعقد (1). و يدل عليه ما رواه منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجل تزوج امرأة و لم يفرض لها صداقا، قال: «لا شيء لها من الصداق، فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها» (2).

و قد سبق في الفصل الثاني من باب نكاح الإماء- فيما إذا أعتقت الأمة قبل الدخول و قد زوجها سيدها مفوضة- ما يدل على ثبوت الخلاف المذكور عندنا، و يمكن أن يريد المصنف التفريع على كل من القولين و إن لم يكن القول الثاني ثابتا عندنا.

قوله: (و لو قالت: على أن لا مهر عليك في الحال و لا في ثانيه احتمل الصحة، لأنه معنى على ألّا مهر عليك. و البطلان، لأنه جعلها موهوبة).

(1) قد سبق أنها لو قالت: زوجتك نفسي على أن لا مهر عليك صح العقد، فلو قالت: زوجتك على أن لا مهر عليك في الحال و لا في ثانية، و أرادت بثاني الحال ما بعده مستمرا إلى حين الدخول، ففي صحة العقد وجهان:

____________

(1) قاله أبو حنيفة، انظر: المجموع 16: 372، الوجيز: 29.

(2) التهذيب 7: 362 حديث 1467، الاستبصار 3: 225 حديث 213.

416

و يصح التفويض في البالغة الرشيدة دون من انتفى عنها أحد الوصفين. (1)

نعم لو زوّج الولي مفوضة أو بدون مهر المثل، قيل: صح و يثبت مهر المثل بنفس العقد. و فيه إشكال ينشأ: من اعتبار المصلحة المنوطة بنظر

____________

أحدهما: الصحة، لأنه قد سبق لها إذا زوجته على أن لا مهر عليه صح، و هذا بمعناه، لأن المهر المنفي نكرة، و هي في سياق النفي تفيد العموم. و يمكن الفرق بينهما:

بأن ظاهر العموم لا يأبى التخصيص، بخلاف ما نص فيه على نفي المهر في الحالين، فإنه يمتنع تخصيصه بلزوم المهر في ثاني الحال.

و الثاني: البطلان، لأنها قد جعلت نفسها موهوبة، حيث انه لا مهر لها في الابتداء و لا في الانتهاء، و الهبة في النكاح من خصائصه (عليه السلام).

و يجيء احتمال ثالث: و هو صحة العقد و فساد التفويض، و بفساده يجب مهر المثل، و القول بفساد العقد من رأس قوي، لأن من مقتضيات عقد النكاح وجوب المهر في الجملة، اما بالعقد أو بالفرض أو بالوطء، فإذا شرط ما ينافيه فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد فيبطل به.

قوله: (و يصح التفويض في البالغة الرشيدة دون من انتفى عنها أحد الوصفين).

(1) لا شك أن البالغة الرشيدة أمرها بيدها، و قد سبق بيان ذلك، فإذا زوّجت نفسها، أو زوجها وكيلها بإذنها مفوضة صح، لانتفاء المانع. بخلاف الصبية و غير الرشيدة، لثبوت الحجر على كل واحدة منهما.

قوله: (نعم لو زوج الولي مفوضة أو بدون مهر المثل صح، و قيل: يثبت مهر المثل بنفس العقد، و فيه إشكال ينشأ: من اعتبار المصلحة المنوطة بنظر

417

الولي، فيصح التفويض وثوقا بنظره، فعلى الأول لو طلقها قبل الدخول فنصف مهر المثل، و على الثاني المتعة. (1)

____________

الولي، فيصح التفويض وثوقا بنظره، فعلى الأول لو طلقها قبل الدخول فنصف مهر المثل، و على الثاني المتعة).

(1) هذا استدراك لما عساه يتوهم من قوله: (دون من انتفى عنها أحد الوصفين) و المعنى أن من انتفى عنها البلوغ و الرشد لا يجوز تزويجها مفوضة لغير وليها. أما الولي فإنه إذا زوّجها كذلك مع وجود المصلحة كان صحيحا، و كذا يصح النكاح إذا زوّجها بدون مهر المثل مع المصلحة، لأن صحة تصرفات الولي كلها دائرة مع المصلحة، فحيث وجدت كان تصرفه معتبرا.

فإن قيل: عبارة المصنف خالية من التقييد بالمصلحة كما هو واضح.

قلنا: يدل على التقييد قوله فيما بعد: (ينشأ من اعتبار المصلحة المنوطة بنظر الولي).

فقوله: (و قيل: يثبت مهر المثل بنفس العقد) إشارة إلى قول الشيخ (رحمه اللّٰه)، فإنه حكم بصحة النكاح و بطلان التفويض، لوجوب مراعاة عوض المثل للبضع في النكاح كما في المعاوضة على سائر الأموال، و أوجب مهر المثل بنفس العقد لفساد التفويض (1).

و لو لم يجب المهر بنفس العقد لكان التفويض صحيحا، إذ لا واسطة بين الصحة و الفساد، و كذا القول في عقده على أقل من مهر المثل.

و قد تقدم الكلام في ذلك مستوفى، ورد المصنف كلام الشيخ بما ذكره من الاشكال، و تنقيحه: إن النكاح منوط بالمصلحة و هي منوطة بنظر الولي، فإذا اقتضى نظره وجود المصلحة في التفويض وقع صحيحا وثوقا بنظره، و الفرض وجود المصلحة

____________

(1) المبسوط 4: 29.

418

..........

____________

في محل النزاع فلا وجه للإبطال.

و قد ذكرنا غير مرة أن النكاح ليس معاوضة محضة، و أن له أحكاما مختصا بها عن سائر المعاوضات.

إذا تقرر ذلك، فلو طلقها قبل الدخول في صورة التفويض بنى على القولين.

فعلى القول ببطلان التفويض- و هو الذي عبّر عنه المصنف بالأول- يجب لها نصف مهر المثل، لأنه وجب بالعقد فينتصف بالطلاق.

و على الثاني- و هو الصحة المعبّر عنه بقوله: (فيصح التفويض وثوقا بنظره)- يجب المتعة كما في كل مفوضة، و القول بالصحة مع المصلحة قوي.

و اعلم أن كلام الشيخ تضمن أمرين:

أحدهما: فساد التفويض.

و الثاني: وجوب مهر المثل بنفس العقد. و المصنف (رحمه اللّٰه) تعرض الى رد الأول، و لم يتعرض للثاني، و هو أيضا مردود تفريعا على القول بفساد التفويض، لأنه لم يجر لمهر المثل ذكر في العقد، فكيف يعقل وجوبه بغير سبب و لا تراض منهما.

فإن قيل: لما كان التفويض فاسدا وجب أن يثبت مقابله، و هو وجوب مهر المثل بالعقد، و لا امتناع في تقييد إطلاق العقد بمهر المثل، كما يقيّد إطلاق الاذن من الزوجة للوكيل في الإنكاح مجردا عن ذكر المهر بمهر المثل.

قلنا: الفرق واقع فإن الإطلاق يتقيّد بالقرينة، بخلاف ما نحن فيه، لأن العقد بالنسبة إلى ما يترتب عليه سبب، و الأسباب أمور وجودية واقعة على وجوه خاصة لا يكفي فيها مجرد القصد و لا دلالة القرائن، فلا يكون تجرد العقد عن المهر موجبا لمهر المثل في محل النزاع، و سائر ما أشبهه.

و بذلك صرّح الشيخ في المبسوط في فضل التفويض قال: و متى عقد وليها

419

و للسيد تزويج أمته مفوضة، فإن باعها قبل الدخول فأجاز المشتري، كان التقدير إلى الثاني و الزوج و يملكه الثاني. و لو أعتقها قبله فرضيت فالمهر لها، و التقدير إليها و إليه. (1)

____________

مفوضة لم تكن مفوضة و وجب مهر المثل بالعقد عند قوم، و عندنا بالدخول (1).

و اعلم ايضا ان مرجع الضمير في قول المصنف: (و فيه إشكال) ينبغي أن يكون هو ما دل عليه ثبوت مهر المثل بالعقد، أعني فساد التفويض، لأن ما ذكره في توجيه الاشكال يدل على صحة التفويض، فلو جعل مرجع الضمير ثبوت مهر المثل بالعقد لم يرتبط الكلام.

قوله: (و للسيد تزويج أمته مفوضة، فإن باعها قبل الدخول فأجاز المشتري، كان التقدير إلى الثاني و الزوج و يملكه الثاني، و لو أعتقها قبله فرضيت فالمهر لها، و التقدير إليها و إليه).

(1) للسيد تزويج أمته مفوضة قطعا، لأن المهر له، فلا مانع من الصحة، و حينئذ فإما أن تبقى في ملكه إلى حين الدخول، أو لا.

و الأول: حكمه ظاهر، و هو ثبوت مهر المثل للمولى.

و الثاني: إما أن يكون زوال ملكه عنها قبل الدخول بالبيع أو بالعتق، فإن باعها فللمشتري فسخ النكاح على ما سبق، فإن أجازه كان تقدير المهر إليه و إلى الزوج.

فإذا قدّراه ملكه المشتري و هو المولى الثاني، لأنه ثبت في ملكه. و إن أعتقها ملكت أمرها، و كان تقدير المهر إليها و إلى الزوج، و تملكه هي إذا قدّراه له أو مهر المثل بالدخول.

ثم عد إلى عبارة الكتاب و اعلم أن المراد بالثاني في قوله: (كان التقدير إلى

____________

(1) المبسوط 4: 295.

420

ثم المفوضة تستحق عند الوطء مهر المثل، و إن طلقها قبله بعد فرض المهر ثبت نصف المفروض و قبله المتعة. (1)

____________

الثاني) هو المشتري، و لو قال: كان التقدير إليه لكان أخصر، و لعله إنما عدل عن المضمر إلى المظهر تنبيها على علة استحقاقه للمهر، و هي مولويته الطارئة الناسخة لمولوية الأول.

و قوله: (و لو أعتقها قبله فرضيت فالمهر لها) تصريح بحكم المسألة على طريق الجزم، و قد سبق من المصنف في نكاح الإماء في الفصل الثاني صورة التردد في أن المهر لها أو للسيد، و ما جزم به هنا هو المذهب.

قوله: (ثم المفوضة تستحق عند الوطء مهر المثل، و إن طلقها قبله بعد فرض المهر ثبت نصف المفروض، و قبله المتعة).

(1) أما الحكم الأول فقد أجمع عليه الأصحاب و تواترت به الأخبار، و في قوله تعالى لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ مٰا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ (1) الآية إيماء إلى ذلك، لدلالتها على أنه مع المسيس ثبت الجناح، و هو مهر المثل اتفاقا.

و لا يخفى أن ذلك حيث لم يفرض لها المهر حتى دخل بها.

و أما الحكم الثاني فصريح القرآن ناطق به و هو قوله تعالى وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ (2)، و وجوب المتعة بالطلاق قبل الدخول، و الفرض مدلول عليه بقوله تعالى وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ (3) في سياق التطليق قبل المسيس و قبل الفرض، و لا يخفى أن المراد بالوطء هنا و في سائر مواضع إطلاقه تغييب الحشفة.

____________

(1) البقرة: 236.

(2) البقرة: 237.

(3) البقرة: 237.

421

و لا يجب مهر المثل و لا المتعة بنفس العقد (1)، فلو مات أحدهما قبل الدخول و الطلاق و الفرض فلا شيء، و بعد الدخول مهر المثل، و بعد الفرض المفروض. (2)

____________

قوله: (و لا يجب مهر المثل و لا المتعة بنفس العقد).

(1) أما المتعة فإنما تجب بالطلاق قبل المسيس و الفرض فلا يجب بنفس العقد، و أما مهر المثل فبعض الشافعية أوجبه بالعقد (1)، و أصحابنا على وجوبه بالوطء.

و قد أوردنا في أول الباب رواية منصور بن حازم (2)، الدالة على ذلك، و يؤيده أن العقد سبب في وجوب ما تضمنه دون ما لم يذكر فيه، لانتفاء سببه.

قال الشيخ في المبسوط: مفوضة البضع لا تملك بالعقد مهرا أصلا، و إنما تملك بالعقد أن تملك (3).

فرع: لا تجب المتعة عندنا إلّا في مفوضة البضع إذا طلقت قبل المسيس و لم يفرض لها مهر، و هل يستحب لباقي المطلقات؟ الأصح نعم، و قد نطق القرآن بالحكم في قوله تعالى لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ (4) الآية.

قوله: (فلو مات أحدهما قبل الدخول و الطلاق و الفرض فلا شيء، و بعد الدخول المثل، و بعد الفرض المفروض).

(2) وجه عدم وجوب شيء انتفاء سبب الوجوب، لأنه في صورة التفويض منحصر في الفرض و الدخول، لثبوت سببيتهما له في الكتاب و السنة و انتفائهما عن الموت، لعدم النص، فيتمسك بأصالة العدم و أصالة براءة الذمة.

و قد روى الحلبي صحيحا عن الصادق (عليه السلام): في المتوفى عنها زوجها

____________

(1) قاله أبو إسحاق، انظر المجموع 16: 372.

(2) التهذيب 7: 362 حديث 1467، الاستبصار 3.

(3) المبسوط 4: 296.

(4) البقرة: 236.

422

و لو تراضيا بعد العقد بالفرض- و هو تقدير المهر و تعينه- صح، سواء زاد على مهر المثل أو ساواه أو قصر عنه، و سواء علما مهر المثل أو أحدهما أو جهلاه. (1)

____________

قبل الدخول: «إن كان فرض لها زوجها مهرا فلها، و إن لم يكن فرض مهرا فلا، مهر» (1) نعم يثبت الميراث لتحقق الزوجية المقتضية له.

و قول المصنف: (فلا شيء) يعم المهر و المتعة، و ذهب أبو حنيفة (2)، و أحمد (3)، و بعض الشافعية إلى وجوب مهر المثل بالموت كما يجب بالوطء (4).

قوله: (و لو تراضيا بعد العقد بالفرض، و هو تقدير المهر و تعيينه صح، سواء زاد على مهر المثل أو ساواه أو قصر عنه، و سواء علما مهر المثل أو أحدهما أو جهلاه).

(1) لا ريب أن الزوجين إذا تراضيا بعد عقد النكاح مع التفويض على فرض المهر و تقديره صح، لأن الحق لا يعدوهما و لم يتعيّن بعد، فصح منهما تعيينه.

و بذلك نطق القرآن في قوله تعالى وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ (5). و قد عرّف المصنف الفرض بأنه:

(تقدير المهر و تعيينه) و تقديره إشارة إلى ذكر مقداره، و تعيينه إشارة إلى ذكر جنسه و وصفه. و يمكن أن يريد بتقديره: ما يعم بيان جنسه و وصفه، و يكون قوله: (و تعيينه) مسوقا لتفسيره و بيانه.

إذا تقرر ذلك فإذا قدّراه صح، سواء زاد على مهر المثل أو ساواه أو قصر عنه،

____________

(1) التهذيب 8: 146 حديث 505، الاستبصار 3: 341 حديث 1215.

(2) انظر: المغني لابن قدامة 8: 59، المجموع 16: 373.

(3) المصدرين السابقين.

(4) قاله إسحاق، انظر: المجموع 16: 373.

(5) البقرة: 237.

423

و الاعتبار في مهر المثل بحال المرأة في الجمال و الشرف و عادة أهلها ما لم يتجاوز السنة و هو خمسمائة درهم، فإن تجاوز ردت إليها. (1)

____________

و سواء كانا عالمين بقدر مهر المثل أو جاهلين أو بالتفريق. و في وجه للشافعية (1) بطلان الفرض مع جهلهما أو جهل أحدهما بمهر المثل، بناء على وجوب مهر المثل بالعقد و ان المفروض بدله، و كذا فيما إذا فرضنا زيادة على مهر المثل وجه بالبطلان مبني على ذلك، و قد سبق ما يدل على بطلان المبني عليه.

قوله: (و الاعتبار في مهر المثل بحال المرأة في الجمال و الشرف و عادة أهلها، ما لم يتجاوز السنة و هو خمسمائة درهم، فإن تجاوز ردّ إليها).

(1) لا ريب أن مهر المثل هو قيمة المثل بالنسبة إلى البضع، و المراد به ما يليق بذله في مقابل نكاح أمثالها، و الحاجة تمس إليه في مواضع منها التسمية الفاسدة، و منها إذا نكح عدة نساء بمسمّى واحد فإنه يصح و يوزّع على مهور أمثالهن، و منها الوطء في النكاح الفاسد و الشبهة و الإكراه، فإنه يوجب مهر المثل، و كذا ما جرى هذا المجرى، و منها المفوضة و هي المقصودة بالبيان هنا.

إذا تقرر ذلك فقد قال المصنف: إن (الاعتبار في مهر المثل بحال المرأة في الجمال و الشرف و عادة أهلها ما لم يتجاوز مهر السنة)، فاعتبر فيه ثلاثة أمور، لكن استفيد من آخر كلامه اعتبار كل ما يختلف لأجله المهر و إن كان الموجود في عبارته ما يختلف لأجله النكاح، و لا يريد به إلّا المهر.

و به صرح في التحرير (2)، و كذا الشيخ في المبسوط (3)، و جماعة من الأصحاب (4)، و اقتصر المفيد على اعتبار الشرف و الجمال (5)، و اعتبر أبو الصلاح السن

____________

(1) المجموع 16: 372.

(2) التحرير 2: 35.

(3) المبسوط 4: 299.

(4) منهم ابن حمزة في الوسيلة: 348.

(5) المقنعة: 78.

424

..........

____________

و الجمال و التحصن (1). و لا شبهة في اعتبار جميع ذلك، و منه عقلها و تأدبها و يسارها، و بكارتها، و صراحة نسبها و شرفه، و معرفتها بتدبير المنزل، و ما جرى هذا المجرى، و أضداد ذلك، لأن المهر يختلف بجميع ذلك اختلافا بيّنا، و الركن الأعظم في ذلك عادة أهلها.

و تنقيحه: إن مهر مثل المرأة ما جرت العادة المستمرة بجعله مهرا لنساء أهلها اللاتي هن في مثل صفاتها اللاتي يزيد المهر أو ينقص باعتبارها كائنا ما كان. فالمرجع في مهرها إلى مهورهن إذا ساوتهن في الصفات التي لها مدخل في زيادة المهر و نقصانه.

و من هذا يعلم أن عبارة المصنف ليست حسنة، لأنه ليس مجموع الأمور الثلاثة التي ذكرها في أول كلامه هي المرجع في تعيين مهر المثل، و إنما المرجع عادة الأهل، و الاستواء في الصفات المذكورة شرط، و ظاهر أول الكلام اعتبار عادة الأهل مطلقا مع الشرف و الجمال، و آخر الكلام يدفع هذا الوهم.

و قيّد المصنف و أكثر الأصحاب (2) مهر المثل بما إذا لم يتجاوز مهر السنّة و هو خمسمائة درهم، فإن تجاوز رد إليها، احتجاجا بما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تزوج امرأة فوهم أن يسمّي صداقها حتى دخل بها قال:

«السنة، و السنة خمسمائة درهم» (3).

و طعن فيه المصنف في المختلف بأنه غير دال على المطلوب صريحا (4)، و هو كما قال، فإن المبحوث عنه هي المفوضة، و مورد الرواية ما إذا وهم أن يسمّي صداقها.

و يلوح منه إن كان أراد التسمية فنسبها، و ليس هذا من التفويض في شيء، و من

____________

(1) الكافي في الفقه: 293.

(2) منهم الشيخ في المبسوط 4. 299، و ابن البراج في المهذب 2: 211، و ابن حمزة في الوسيلة: 348.

(3) التهذيب 7: 362 حديث 369 حديث 1469، الاستبصار 3: 225 حديث 815.

(4) المختلف: 549.

425

..........

____________

الممكن أن يكون قد ذكر في العقد ما يقتضي مهر السنة.

و حكى المصنف في المختلف قولا لبعض علمائنا، بأن مهر المثل لا يتقدر بقدر، لإطلاق الأخبار في ذلك (1):

مثل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن الصادق (عليه السلام)، في رجل تزوّج امرأة و لم يفرض لها صداقا ثم دخل بها قال: «لها صداق نسائها» (2).

و موثقة منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل تزوج امرأة و لم يفرض لها صداقا، قال: «لا شيء لها من الصداق، فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها» (3).

و صحيحة الحلبي قال: سألته عن رجل تزوج امرأة فدخل بها و لم يفرض لها مهرا ثم طلقها، قال: «لها مهر مثل مهور نسائها و يمتعها» (4).

و يؤيده أن البضع ملحق بالأموال، فيجب أن يكون مهر المثل له هو ما يقتضي الرغبات بذله لأمثال تلك المرأة بالغا ما بلغ كسائر الأموال.

و يؤيد الأول اشتهار القول بذلك بين الأصحاب حتى كاد يكون إجماعا، بل ادعى الشارح الفاضل الاتفاق على ذلك (5) و ليس الأمر كما ادعاه قطعا، فإن المصنف صرح بالخلاف عندنا في المختلف (6)، و حكى القولين و لم يرجّح شيئا، و لا شبهة في قوة القول الثاني، لكن مخالفة كبراء الأصحاب من الأمور المستهجنة، و العمل بالمشهور أحوط.

____________

(1) المختلف: 549.

(2) الكافي 5: 381 حديث 10، التهذيب 7: 362 حديث 1466، الاستبصار 3: 225 حديث 812.

(3) التهذيب 7: 362 حديث 1467، الاستبصار 3: 255 حديث 813.

(4) التهذيب 7: 362 حديث 1468، الاستبصار 3: 225 حديث 814.

(5) إيضاح الفوائد 3: 215.

(6) المختلف: 548.

426

و هل المعتبر العصبات أو الأقارب مطلقا؟ إشكال (1)، أما الأم فليست من نسبها فلا يعتبر بها.

نعم يعتبر في أقاربها أن يكونوا من أهل بلدها، فإن البلاد تتفاوت في المهور، و أن يكونوا في مثل عقلها و جمالها و يسارها و بكارتها و صراحة نسبها، و كل ما يختلف لأجله النكاح. (2)

____________

قوله: (و هل المعتبر العصبات أو الأقارب مطلقا؟ اشكال).

(1) قد سبق أنه يعتبر في مهر المثل للمرأة عادة أهلها، و لا ريب أن الأهل يصدق من طرف الام و من طرف الأب.

و ذكر المصنف في اعتباره من الطرفين أو من طرف الأب خاصة و هي العصبات إشكالا ينشأ: من دلالة الأخبار على اعتبار نسائها و هو عام، لأنه جمع مضاف فيعم الأقارب.

و من أن المهر مما يقع به المفاخرة فيعتبر فيه قرابات الأب دون الام، لعدم اعتبارهم في المفاخرة، و لأن بنت الشريف إذا كانت أمها وضيعة لا حسب لها و لا نسب يضر بحالها اعتبار قرابات أمها، و ليس بشيء.

و بالأول قال الشيخ (1)، و أكثر الأصحاب (2). و بالثاني قال ابن البراج (3)، و ضعفه ظاهر، و الأول هو المختار.

قوله: (أما الأم فليست من نسبها فلا يعتبر بها، نعم يعتبر في أقاربها أن يكونوا من أهل بلدها، فإن البلاد تتفاوت في المهور، و أن يكونوا في مثل عقلها و جمالها و يسارها و بكارتها و صراحة نسبها، و كل ما يختلف لأجله النكاح).

(2) هنا مباحث:

____________

(1) المبسوط 4: 499.

(2) منهم ابن إدريس في السرائر: 302، و ابن حمزة في الوسيلة: 348.

(3) المهذب 2: 211.

427

..........

____________

الأول: صرح المصنف (رحمه اللّٰه) بأن الأم لا تعتبر بها في مهر ابنتها، لأنها ليست من نسبها، لأن النسب إنما هو من جانب الأبوة دون الأمومة، لما دل عليه قوله تعالى:

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمٰاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً (1) و ضعف هذا الاستدلال أظهر من أن يحتاج إلى البيان، لأن الأم داخلة في نساء المرأة قطعا.

و قد دلت الأخبار السالفة على اعتبار نسائها، و لم يجر للنسب فيها ذكر، فيجب الاعتبار بها لا محالة و كان على المصنف أن يجعل الاعتبار بالأخص جملة محل الإشكال كذوي الأرحام، فأما الجزم بعدم الاعتبار بها و الاشكال فيما عداها ممن ليس بعصبة فلا وجه له.

الثاني: هل يعتبر في أقاربها أن يكونوا من أهل بلدها؟ اختلف كلام الأصحاب في ذلك فصرح المصنف هنا و في التحرير (2) باعتبار ذلك، و به صرّح الشيخ في الخلاف (3)، و المبسوط (4)، و ابن البراج (5)، و جعل المصنف في المختلف عدم اعتباره احتمالا و لم يرجّح شيئا (6).

و رجّح الشارح الفاضل عدم اعتباره (7)، و إطلاق النصوص يشهد له.

و يمكن أن يحتج للأول بأنه لو لا اعتبار اتحاد البلد لزم وقوع ضرر عظيم على

____________

(1) الفرقان: 54.

(2) التحرير 2: 35.

(3) الخلاف 3: 224 مسألة 6 كتاب الصداق.

(4) المبسوط 4: 299.

(5) المهذب 2: 211.

(6) المختلف: 549.

(7) إيضاح الفوائد 3: 216.

428

..........

____________

الزوج، و اللازم باطل بالنص و الإجماع.

بيان الملازمة: إن اختلاف البلدان في المهور اختلافا عظيما أمر واقع، فإذا اتفق كون المرأة في بلد مهر نساء إشرافه قليل جدا و مهور أهل تلك المرأة في بلادها في غاية الكثرة كألف أوقية من الذهب مثلا، ثم نكحت مفوضة، و لم يعتبر البلد في مهر مثل نسائها، بل أوجبنا عليه ذلك الأمر العظيم، و هو غافل عنه لا يعرفه هو و لا أحد من أهل بلاده، بل يربو على مهور أكثر نساء ذلك القطر لزم ما لا مزيد عليه من الضرر.

و لأن قيم الأموال الحقيقية يعتبر فيها البلد قطعا، فلأن يعتبر ذلك في قيمة البضع أولى، لأنه ليس مالا حقيقة و لا المقصود الأصلي منه المال، و مختار المصنف قوي.

الثالث: اعتبر ابن البراج في نساء العصبة قرب الدرجة، فإذا وجدت الأخوات و العمات كان الاعتبار بالأخوات (1)، و نحوه قال ابن حمزة (2)، و النصوص و عبارات الأصحاب مطلقة.

الرابع: لا ريب أن نساءها إنما يعتبرن إذا كن متساويات في جميع الصفات التي تختلف المرأة باختلافها، سواء كانت دنيوية أو دينية، فلو تميّزت عليهن بجمال أو يسار أو صراحة نسب أو شرفه، أو دين أو تقوى و نحو ذلك، اعتبرت تلك الصفة في زيادة مهرها.

و لو نقصت عنهن صفة نقص من مهرها بحسبها، و إلى ذلك أشار المصنف بقوله: (و أن يكونوا في مثل عقلها و جمالها- إلى قوله- و كل ما يختلف لأجله النكاح)

____________

(1) المهذب 2: 211.

(2) الوسيلة: 348.

429

و الأقرب عدم تقديره بمهر السنة فيما أشبه الجناية كالنكاح الفاسد، و وطء الشبهة، و الإكراه. (1)

____________

و المراد المهر كما قدمناه، لعدم تعقل اختلاف النكاح بالنسبة إلى غير المهر.

و منه يعلم اعتبار جميع تلك الصفات بالإضافة إليها و إن كان أول كلامه قاصرا عن ذلك.

و المراد بصراحة النسب: خلوصه عن التهم المدنسة له، و لا يخفى أن المعتبر مهر النساء الجاري على مقتضى الحال، فلو خففت واحدة مسامحة أو لزيادة شرف و نحوه في زوجها لم يكن تخفيفها معتبرا.

الخامس: لو اختلف مهر نسائها مع المماثلة السابقة اعتبر الأغلب، فإن استوين ففي الحكم اشكال. و لو لم يكن لها أقارب، ففي اعتبار مثلها من أهل بلدها إشكال أيضا، فإن اعتبرناه و فقد ففي اعتبار أقرب البلدان إلى بلدها إشكال أيضا.

و لا يخفى أن موت نساء الأقارب لا يعد مانعا من الرجوع إليهن، لأن الاعتبار عادتهن و لا ينتفي بموتهن. و اعلم أن الضمير المذكور في قوله: (يكونوا) يعود إلى أقاربها، فإن لفظه مذكر و يراد به الإناث.

قوله: (و الأقرب عدم تقديره بمهر السنة فيما أشبه الجناية كالنكاح الفاسد، و وطء الشبهة، و الإكراه).

(1) قد عرفت أن مهر المثل يجب في مواضع، و قد ذكر المصنف سابقا ضابطه، و قيده بأن لا يتجاوز مهر السنة، فاقتضى ذلك ثبوت القيد في جميع مواضع مهر المثل، و لما كان ذلك غير مرضي عنده، بل هو مخصوص بما عدا ما أشبه الجناية نبّه عليه بقوله:

(و الأقرب عدم تقديره.) فهو في قوة الاستثناء من إطلاق الكلام السابق.

ثم ما الذي يراد ب(ما أشبه الجناية)؟ يلوح من تمثيل المصنف أن يراد به موضع وجوب المهر حيث لا يكون هناك نكاح صحيح.

430

و المعتبر في المتعة بحال الرجل، فالغني يمتع بالدابة، أو الثوب المرتفع، أو عشرة دنانير. و المتوسط بخمسة، أو الثوب المتوسط. و الفقير بدينار، أو خاتم و شبهه. (1)

____________

و يظهر من كلام الشارحين (1) أن المراد به ما عدا المفوضة، فإن استدلالهما يرشد إلى ذلك. و وجه القرب أن الوطء في المواضع المذكورة قد استوفى منفعة تقابل بمال فوجب عوضها الذي يقتضي العرف مقابلتها به، و نقص شيء منه على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على موضع القطع بثبوت النقص، و هو المفوضة.

و لو حملت عبارة المصنف على ما يلوح من أمثلته، فوجه القرب أن ما أشبه الجناية إتلاف محض، لعدم استناده إلى عقد معتبر شرعا مقرون بالتراضي، فيجب عوضه بالغا ما بلغ، و لا ينقص منه شيء، لانتفاء الرضى المقتضي للنقص.

و يضعّف بأن الرضى و عدمه لا دخل له في الزيادة و النقصان، و يحتمل مع الزيادة على مهر السنة رده إليه، لأن ذلك عوض البضع شرعا، فيكون هو الواجب في كل موضع من مواضع وجوب مهر المثل دون ما عداه.

و لقائل أن يقول: إن التخصيص الذي ذهب إليه المصنف لا يدل عليه دليل، لأن الخلاف في رد مهر مثل المفوضة إلى السنة مع الزيادة عليه ثابت، فانتفى الاتفاق الذي ادعاه الشارح، و ليس في الباب نص يرجع إليه سوى رواية أبي بصير السالفة (2) و هي مع ضعفها غير دالة على المطلق، فاللازم القول بوجوب مهر المثل من غير نقص.

قوله: (و المعتبر في المتعة بحال الرجل، فالغني يمتع بالدابة أو الثوب المرتفع أو عشرة دنانير، و المتوسط بخمسة أو الثوب المتوسط، و الفقير بدينار أو خاتم و شبهه).

(1) قد سبق أن المفوضة

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 216.

(2) التهذيب 7: 362 حديث 1469، الاستبصار 3: 225 حديث 815.

431

..........

____________

إذا طلقت قبل الدخول وجب لها المتعة لا غير، و هو منصوص في الكتاب و السنة و مجمع عليه بين المسلمين.

قال اللّه تعالى وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ (1).

و في رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا كان الرجل موسعا عليه متع امرأته بالعبد و الأمة، و المقتر يمتع بالحنطة و الزبيب و الثوب و الدراهم» (2) الحديث.

و عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) وَ لِلْمُطَلَّقٰاتِ مَتٰاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (3) ما أدنى ذلك المتاع إذا كان الرجل معسرا لا يجد؟ قال:

«الحمار و شبهه» (4).

إذا تقرر ذلك فاعلم أن المشهور بين الأصحاب أن الاعتبار في المتعة بحال الزوج بالنظر إلى يساره و إعساره بحسب العادة دون الزوجة، و قال بعض الأصحاب:

إن الاعتبار بحالهما جميعا، و حكى الشيخ في المبسوط قولا إن الاعتبار بها (5).

و الأصح الأول، لظاهر الآية و الرواية، و قد قسم الأصحاب حال الزوج إلى ثلاثة: اليسار، و الإعسار، و التوسط فإنه في الواقع كذلك، و عيّنوا لكل مرتبة أشياء على مقتضى القانون العرفي.

و لا يمتنع أن يراد بالدابة الفرس، لأن ذلك هو الاستعمال الشائع بين الفقهاء، و قد سبق في الرواية العبد أو الأمة و هما بمنزلة الفرس، و لو أريد غيرها بحيث يدخل البغل و الحمار جاز أيضا مع نفاسته.

____________

(1) البقرة: 236.

(2) الكافي 6: 105 حديث 3، التهذيب 8: 139 حديث 484.

(3) البقرة: 241.

(4) الكافي 6: 105 حديث 5، التهذيب 8: 140 حديث 486.

(5) المبسوط 4: 295.

432

و لا يستحق المتعة إلّا المطلقة التي لم يفرض لها مهر و لم يدخل بها. (1)

____________

و أطلقوا الخاتم بالنسبة إلى الفقير، فلا يتقيد بكونه ذهبا و لا فضة، لكن لا بد من أن يكون منظورا إليه في العادة.

قوله: (و لا تستحق المتعة إلّا المطلقة التي لم يفرض لها مهر و لم يدخل.

بها).

(1) المراد بالاستحقاق وجوبها لها، يدل على ذلك قوله تعالى لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ مٰا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَ مَتِّعُوهُنَّ (1) فإن المعنى- و اللّه اعلم- نفي الجناح.

و المراد به هنا المهر أو نصفه عمن طلق إلّا أن يمس، أي يدخل أو يفرض المهر و أمر بالمتعة حينئذ و الأمر للوجوب. و روى الحلبي عن أبي عبد اللّه في رجل طلّق امرأته قبل أن يدخل بها قال: «عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا، و إن لم يكن فرض فليمتعها على نحو ما يمنع مثلها من النساء» (2) الحديث.

و لا تجب المتعة لغير المذكور لكن يستحب، روى حفص ابن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل يطلق امرأته أو يمتعها قال: «نعم، أما تحب أن يكون من المحسنين، أما تحب أن يكون من المتقين» (3).

و ذهب المصنف في المختلف إلى وجوب المتعة إذا فارق المفوضة قبل الدخول بلعان و شبهه من الأسباب الصادرة عنه كردته و إسلامه، بعد أن حكى عن الشيخ في المبسوط (4) التردد في ذلك نظرا إلى أنها في معنى الطلاق.

____________

(1) البقرة: 236.

(2) الكافي 6: 106 حديث 3، التهذيب 8: 142 حديث 493.

(3) الكافي 6: 104 حديث 1، التهذيب 8: 140 حديث 487.

(4) المبسوط 4: 320.

433

و لو اشترى زوجته فسد النكاح، و لا مهر و لا متعة. (1)

و للمفوضة المطالبة بفرض المهر لمعرفة ما يستحق بالوطء أو للتشطير بالطلاق، (2)

____________

و اختار في المختلف عدم الوجوب في غير المطلق (1)، و هو مختار ابن إدريس (2)، و اختاره المصنف في التحرير (3)، و هو الأصح.

قوله: (و لو اشترى زوجته فسد النكاح و لا مهر و لا متعة).

(1) المراد شراؤها قبل الدخول، لأنه إذا دخل وجب المهر للسيد، و المراد أيضا ما إذا كانت مفوضة، لأن غيرها لا يجب متعتها و إن طلقت.

و إنما لم يجب المتعة هنا، لأن الفرقة بغير الطلاق لا يجب بها المتعة، على ما قدمناه، و لأنه لو وجب شيء لكان حقه أن يكون له، لأنه المشتري على ما سبق في نكاح الإماء و لا يجب له على نفسه مال.

و اعلم أنه لا فرق في وجوب المتعة حيث يجب بين كون الزوج حرا أو عبدا، و لا بين كون الزوجة حرة أو أمة، و لا يخفى أن الاعتبار في الزوج العبد بحال السيد.

قوله: (و للمفوضة المطالبة بفرض المهر لمعرفة ما يستحق بالوطء أو للتشطير بالطلاق).

(2) قد بينا فيما سبق أن المفوضة لا تستحق المهر بالعقد لكنها ملكت ان تملكه، فلها مطالبة الزوج بفرضه و تعيينه قبل المسيس لفوائد:

منها: أن تعرف ما يستقر لها بالوطء فتكون على تثبت من تسليم نفسها.

و منها: تشطره بالطلاق و نحوه كالردة.

و منها: لزومه بموت أحدهما، و إنما كان لها المطالبة بالفرض لأنها بالعقد ملكت

____________

(1) المختلف: 551.

(2) السرائر: 302.

(3) التحرير 2: 311.

434

و لها حبس نفسها للفرض و التسليم. (1)

و لو اتفقا على الفرض جاز، و إن اختلفا ففي فرض الحاكم إذا ترافعا إليه نظر أقربه أنه يفرض مهر المثل. (2)

____________

ان تملك مهرا، لأنه لو لا ذلك لم يجب المهر بالفرض إذ هو بمنزلة الوعد، و الثاني باطل، فلها طلب فرضه و تعيينه، لامتناع التسليم إليها بدونه، فمتى فرضه كان كالمسمى بالعقد.

قوله: (و لها حبس نفسها للفرض و التسليم).

(1) لأن النكاح فيه بمعنى المعاوضة و ان جاز أخلاء العقد عن ذكر المهر، و لو لا ذلك لكان كالهبة، فللزوجة حبس نفسها للفرض و تسليم المفروض، لأن قضية المعاوضات حبس المعوض إلى حين قبض العوض.

قوله: (و لو اتفقا على الفرض جاز، و إن اختلفا ففي فرض الحاكم إذا ترافعا إليه نظر، أقربه أنه يفرض مهر المثل).

(2) لا شبهة في أن الزوجين إذا اتفقا على فرض المهر صح و تعين ما فرضاه، و إن لم يتفقا فالأحوال ثلاث:

الاولى: أن يفرضه الحاكم إذا ترافعا إليه، و في صحته نظر ينشأ: من أن الفرض إثبات للمهر في ذمة الزوج، و ذلك منوط بتراضي الزوجين دون حكم الحاكم.

و من أن الغرض من نصبه سد باب الخصومات و قطع المنازعات، و ليس الغرض إثباتا للمهر بل انه تعيين له، فيصح منه كما يعين النفقة للزوجة و نحوها على الغائب و من جرى مجراه.

و الأقرب عند المصنف أنه يصح فرضه لمهر المثل من غير زيادة و لا نقصان، كما في قيم المتلفات، و لا يقدح زيادة القدر اليسير الذي يقع في محل الاجتهاد، و كذا نقصانه، لأنه مما لا يتحرز منه في العادة، و لا يعد في العادة زيادة و لا نقصانا كتفاوت المكاييل و الموازين.

435

و لو فرضه أجنبي و دفعه إليها ثم طلّقها احتمل المتعة، فترد على الأجنبي، لأن فرض الأجنبي يوجب على الزوج مالا، و ليس وليا و لا وكيلا

____________

و على ما اختاره من أن مهر المثل إن زاد عن مهر السنة رد إليه يجب أن يقال هنا: يفرض مهر المثل إلّا أن يزيد على مهر السنة فيفرض مهر السنة لا أزيد و لا انقص، و به صرح في التحرير (1)، و على ما اخترناه يفرض مهر المثل مطلقا.

إذا تقرر ذلك فاعلم أنه لا بد أن يكون الحاكم عارفا بمهر المثل، و إلّا لم يصح فرضه، كما في قيم المتلفات و النفقات إذا انتهى الأمر إليه في تعيينها، و إنما يفرضه من نقد البلد الغالب حالا كما في سائر القيم.

فإن رضيت الزوجة بالتأجيل لم يثبت الأجل، لأنه خلاف الأصل، و لاحتمال الضرر على الزوج.

ثم عد إلى عبارة الكتاب و اعلم أنه يلوح من ظاهرها أن في فرض الحاكم ثلاثة أوجه:

أحدها: العدم.

و الثاني: صحة الفرض.

و الثالث: تقييد الصحة بكون المفروض مهر المثل. و الدال على ذلك فيها هو تقييد الأقرب بكون المفروض مهر المثل، إذ لو كان منشأ النظر هو احتمال عدم الفرض و احتمال فرض مهر المثل كفى ترجيحه عن تعيين مهر المثل.

و لا شك في أن المسألة لا يتجه فيها إلّا احتمالان، لامتناع تجويز الفرض مطلقا امتناعا ظاهرا كما في سائر القيم.

قوله: (و لو فرضه أجنبي و دفعه إليها ثم طلّقها احتمل المتعة فيرد على الأجنبي، لأن فرض الأجنبي يوجب على الزوج مالا، و ليس وليا و لا

____________

(1) التحرير 2: 35.

436

فكان وجود فرضه كعدمه. و الصحة، لأنه يصح قضاؤه عنه فصح فرضه.

و يرجع نصفه إما إلى الزوج، لأنه ملكه حين قضى به دينا عليه، أو إلى الأجنبي، لأنه دفعه ليقضي به ما وجب لها عليه، و بالطلاق سقط وجوب النصف، فيرد النصف إليه، لأنه لم يسقط به حق عمن قضاه عنه. (1)

____________

وكيلا، فكان وجود فرضه كعدمه. و الصحة، لأنه يصح قضاؤه عنه فيصح فرضه، و يرجع نصفه إما إلى الزوج، لأنه ملكه حين قضى به دينا عليه، أو إلى الأجنبي، لأنه دفعه ليقضي به ما وجب لها عليه، و بالطلاق سقط وجوب النصف فيرد النصف إليه، لأنه لم يسقط به حق عمن قضاه عنه).

(1) هذه هي الحالة الثانية، و هي أن يفرض المهر الأجنبي، و المراد به من ليس له ولاية و لا وكالة و ليس له حكم، فإذا فرضه و رضيت به ثم دفعه إليها من ماله ثم طلقها الزوج، ففي صحة الفرض و الدفع احتمالان:

أحدهما: البطلان، فتجب للزوجة المتعة كما في كل مفوضة طلقت قبل الفرض و الدخول، و قد وجه المصنف البطلان بأن فرض الأجنبي إذا صح يوجب على الزوج مالا و ليس وليا و لا وكيلا فكان لغوا وجوده كعدمه.

و الثاني: الصحة، لأن المهر كسائر الديون يصح من الأجنبي قضاؤه عن الزوج فيصح فرضه، لأن القضاء فرع الفرض، فلو لم يصح الفرض لم يصح القضاء، و التالي باطل.

و لقائل أن يقول: تمنع صحة القضاء في محل النزاع، لأن الذي يصح قضاؤه من الأجنبي هو الدين الثابت في الذمة دون غيره، و المهر في محل النزاع ليس كذلك.

إذا تقرر ذلك، فعلى احتمال الصحة إلى من يعود نصف المدفوع من الأجنبي

437

..........

____________

بالطلاق؟ ذكر المصنف فيه احتمالين:

أحدهما: عوده إلى الزوج، و استدل عليه بأنه قد ملكه ضمنا حين قضى به دينه، و فيه منع.

و الثاني: عوده إلى الأجنبي، لأنه دفعه ليقضي به ما وجب لها على الزوج، و بالطلاق سقط وجوب النصف فيرد الى الدافع، لأنه لم يسقط به حق عمن دفعه عنه.

و لقائل أن يقول: إن سقوط النصف إنما تحقق بعد القضاء و الحكم بصحته لأنه المفروض، فكيف يصح قوله: (لم يسقط به حق عمن قضاه عنه)، و يمكن توجيهه بأن ملكية هذا النصف دائرة بين الزوج و الزوجة، و الدافع أما الزوجة فقد بطل ملكها إياه بالطلاق، و إما الزوج فإنه لا دليل يدل على دخوله في ملكه، فلم يبق إلّا الدافع.

و الأصح بطلان كل من الفرض و الدفع، فلها المتعة، و المدفوع باق على ملك دافعه.

ثم عد إلى عبارة الكتاب و تنبه لأمور:

الأول: إن المصنف هنا و في التحرير فرض المسألة- أعني فرض الأجنبي للمهر- فيما إذا فرضه و دفعه (1)، و كذا الشيخ في المبسوط (2)، فيلوح من ذلك ان فرضه من دون الدفع لا أثر له و هو متجه، لأنه حينئذ حكم على من لا سلطنة له عليه.

الثاني: إن رضى الزوجة لا بد منه، لامتناع القضاء من دونه، و هذا و ان لم يصرح به المصنف إلّا أن عبارته يستلزمه، من حيث ان دفعه إليها و أخذها له يستلزم رضاها.

الثالث: قوله: (لأنه ملكه حين قضى به دينا عليه).

ينبغي أن يكون ملكه فعلا ماضيا فيه ضمير للزوج و البارز للمهر، و الضمير في

____________

(1) التحرير 2: 35.

(2) المبسوط 4: 296.

438

و لو لم ترض بما فرضه الزوج بطل الفرض، فإن طلقها قبل الدخول فالمتعة، و لم يكن لها نصف ما فرضه و إن كان قد رضى به، لأنها لم تقبله. (1)

و يقبل فرضه إذا كان بقدر مهر المثل فصاعدا و إن كان محجورا عليه للفلس، و يلزمه و إن زاد عن مهر السنة، لكن تضرب المرأة مع الغرماء بمهر المثل في المحجور عليه، و يتبع بالزيادة بعد فكه. (2)

____________

(قضى) يعود إلى الزوج أيضا، و حقه أن يعود إلى الأجنبي، و في عوده اليه اختلاف مرجع الضمائر بغير مائز، و لو جعل مجهول الفاعل سلم من ذلك، لكن نصب (دينا) يأباه، و قوله آخرا: (عمن قضاه عنه) أراد به قصد القضاء، أي عمن قصد قضاءه عنه.

قوله: (و لو لم ترض بما فرضه الزوج بطل الفرض، فإن طلقها قبل الدخول فالمتعة و لم يكن لها نصف ما فرضه و إن كان قد رضي به، لأنها لم تقبل).

(1) هذه هي الحالة الثالثة، و هي أن يفرض المهر الزوج وحده، فإن لم ترض به كان باطلا، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ما يعلم منه أن ذلك ليس على إطلاقه، فإن طلقها قبل الدخول في هذه الحالة لم يجب لها إلّا المتعة، فلا تستحق نصف ما فرضه.

و إن كان هو قد رضي به، لأن رضاه وحده لا اعتبار به من دون رضاها، لأن تعيين المهر و ثبوته في الذمة موقوف على قبولها و رضاها، و مع انتفائه فلا شيء.

قوله: (و يقبل فرضه إذا كان بقدر مهر المثل فصاعدا و إن كان محجورا عليه للفلس، و يلزمه و إن زاد عن مهر السنة، لكن تضرب المرأة مع الغرماء بمهر المثل في المحجور عليه و يتبع بالزيادة بعد فكه).

(2) هذا كالاستثناء مما سبق من أنها لو لم ترض بما فرضه الزوج بطل الفرض، و تقريره انه إذا فرض الزوج المهر بدون رضى الزوجة قبل فرضه إذا كان بقدر مهر المثل فصاعدا.

439

..........

____________

صرح بذلك المصنف هنا و في التحرير (1)، و وجهه أنها لا تستحق الزيادة على مهر المثل، و لو طلبتها لم يجب إليها، و إذا انتهى الفرض الى الحاكم لم يجز أن يفرض الزيادة، و لو رضيت بالنقيصة لم يلزمه قبولها، فلزم الحكم بقبول فرضه إياه.

و كذا إن زاد عليه بطريق أولى، و اليه الإشارة بقوله: (فصاعدا)، و لأن إطلاق الآية يقتضي اعتبار فرضه مطلقا، خولف فيما نقص عن مهر المثل لأنه لا يصح إلّا برضاها قطعا، فيبقى الباقي على حكم.

و أطلق الشيخ في المبسوط اعتبار رضاها في صحة الفرض (2)، و كما يصح و يلزم فرضه مهر المثل و أزيد منه إذا كان مطلق التصرف، فكذا يصح إذا كان محجورا عليه للفلس، لأنه إنما يمنع من التصرف في أعيان الأموال، لتعلق حقوق الغرماء بها دون إلزام ذمته بمال لغيره، لأنه كامل، بخلاف المحجور عليه للسفه.

فإذا فرض مهر المثل صح و ضربت به مع الغرماء قطعا، لأنه عوض البضع المكافئ له، و لهذا صح للمريض التزوج بمهر المثل فما دون.

و لا ينظر إلى زيادته على مهر السنة و إن حكمنا بردها إلى السنة لو دخل بها قبل الفرض، لأن ذلك ثبت على خلاف الأصل فيقتصر على موضعه، و لأن العوض الحقيقي للبضع مهر المثل كما في سائر قيم الأشياء.

و الى ذلك أشار بقوله: (و يلزمه و إن زاد عن مهر السنة) أي: و إن زاد قدر مهر المثل فصاعدا عن مهر السنة. و إن فرض أزيد منه ضربت بمهر المثل مع الغرماء، و تبعته بالزيادة بعد فكه لاستقرارها في ذمته و عدم مشاركة الغرماء لها.

و إنما حسن الاستدراك ب(لكن) في كلام المصنف، لأن مقتضى قوله: (و يلزمه و إن زاد عن مهر السنة) إنها تضرب بالجميع، و ليس كذلك، فاستدرك لدفع هذا الوهم.

____________

(1) التحرير 2: 35.

(2) المبسوط 4: 297.

440

أما لو فرض أقل، فإن كان بقدر السنة فالأقوى اللزوم (1)، و ينبغي أن لا يدخل بالمفوضة إلّا بعد الفرض.

و لو وطأ المفوضة بعد سنين و قد تغيّرت صفتها وجب مهر المثل، معتبرا بحال العقد و مهر المثل حال. (2)

____________

قوله: (أما لو فرض أقل، فإن كان بقدر السنة فالأقوى اللزوم).

(1) قد سبق قبول فرضه بمهر المثل فصاعدا، فلو فرض أقل منه: فإن كان أقل من مهر السنة فلا شبهة في اعتبار رضاها في صحته، و إن كان بقدره ففي صحته بدون رضاها و لزومه وجهان:

أقواهما عند المصنف الصحة و اللزوم، لأنها بالدخول لا تستحق أزيد منه. و لو كانت مفوضة المهر و الحكم إليها لم يجز لها أن تحكم بأزيد منه فكذا هنا بل أولى، لأن تطليقها قبله يوجب المتعة.

و موت أحدهما لا يجب معه شيء، و لمانع أن يمنع الملازمة، و قد أسلف المصنف أن الحاكم مع تنازعهما إنما يفرض مهر المثل لا أنقص و إن زاد عن مهر السنة، فكيف يلزمها حكمه بمهر السنة مع نقصه.

و الثاني: العدم، لأن الرجوع إلى مهر السنة مع نقصه ثبت على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على موضع اليقين و محل الوفاق، و الأولى أن يقال: إن حكمنا بردها إلى مهر السنة مع زيادة مهر المثل عليه لزم القول بعدم زيادة حكم الحاكم عن مهر السنة مع تنازعهما و ترافعهما عليه، و بقبول فرض الزوج إذا لم ينقص عن مهر السنة، و إلّا فلا.

قوله: (و ينبغي أن لا يدخل بالمفوضة إلّا بعد الفرض، و لو وطأ المفوضة بعد سنين و قد تغيرت صفتها وجب مهر المثل معتبرا بحال العقد و مهر المثل حال).

(2) هنا مسائل:

441

و لو كان الزوج من عشيرتها و العادة في نسائها تخفيف المهر للقريب خفف، و كذا لو خفف عن الشريف. (1)

____________

الاولى: يستحب للزوج أن لا يدخل بالمفوضة إلّا بعد أن يفرض لها المهر، ليكون على بصيرة من أمرها، و هو المراد من قول المصنف: (و ينبغي).

الثانية: لو تزوجها مفوضة و تركها عدة سنين حتى تغيرت حالها و تبدلت صفتها ثم دخل بها، وجب مهر المثل معتبرا بحال العقد، دون حال الوطء، لأن زمان العقد هو وقت ملكية البضع و وقت دخوله في ضمانه، و هو الوقت الذي فيه ملكت ان تملك مهرا بالعقد، و كان الاعتبار به. و يحتمل الاعتبار بحال الوطء، لأنه وقت وجوب المهر، و الأول هو المذهب.

الثالث: مهر المثل الواجب بالدخول، و الفرض من الحاكم و الزوج إنما يكون حالا كما في قيم المتلفات، و كذا إذا تراضى الزوجان على فرضه و لم يؤجلاه فإن فرضاه مؤجلا فسيأتي عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (و لو كان الزوج من عشيرتها، و العادة في نسائها تخفيف المهر للقريب خفف، و كذا لو خفف عن الشريف).

(1) قد سبق في تعيين مهر المثل أن المرجع فيه إلى عادة نسائها، فإذا كان الزوج من عشيرة المرأة و اقربائها، و كان عادة نسائها تخفيف المهر عن الزوج القريب و تثقيله على البعيد، خفف عنه كذلك اعتبارا بعادتهن.

و كذا لو كان من عادتهن التخفيف عن الشريف نسبا أو صفة و نحوهما، و كان الزوج كذلك خفف عنه كذلك.

فإن قيل: لا دخل لصفات الزوج في مهر المثل، فلا ينظر إلى شرفه و قربه و ضدهما، فكيف اعتبرت صفاته هنا.

قلنا: الأمر كذلك و لم تعتبر صفاته هنا من حيث هي صفاته.

442

و يجوز إثبات الأجل في المفروض و الزيادة على مهر المثل، سواء كان من جنسه أولا. (1)

____________

و إنما اعتبرت من جهة حصول صفة القرابات باعتبارها، فإن كونهن زوجات لرجال العشيرة صفة اقتضت تخفيف مهورهن بحسب العادة و نقصها، فإذا شاركهن في تلك الصفة نقص من مهرها كما نقص من مهورهن باعتبارها، و كذا القول في شرف الزوج و نحوه.

قوله: (و يجوز إثبات الأجل في المفروض، و الزيادة على مهر المثل، سواء كان من جنسه أولا).

(1) هنا مبحثان:

الأول: إذا فرض الزوجان المهر في محل الفرض بتراضيهما، جاز لهما فرضه مؤجلا إذا كان الأجل معينا، كما لو سمياه في العقد مؤجلا، و لإطلاق الفرض في الآية، و هو صادق مع التأجيل، خرج منه ما إذا لم ترض الزوجة به فيبقى ما عداه، و يحتمل عدم الجواز، لأن مهر المثل لا يكون إلّا حالا، و المفروض بدل منه، و هو ضعيف.

الثاني: إذا فرض أزيد من مهر المثل صح، و إن لم ترض الزوجة كما سبق.

و في وجه للشافعية العدم، لأن الأصل مهر المثل كما في قيم الأموال فلا يزاد عليه (1) و ضعفه ظاهر، و لا فرق في هذا الحكم- أعني جواز الزيادة- بين أن يكون المفروض من جنس مهر المثل أو من غير جنسه.

و بعض الشافعية قطع بأن غير الجنس تصح فيه الزيادة، كما لو فرض عوضا تزيد قيمته على مهر المثل، و خص الوجهين بما إذا كان من الجنس (2)، و التحقيق الجواز من غير فرق.

و إلى ذلك أشار المصنف بقوله: (سواء كان من جنسه أو لا) أي: يجوز فرض

____________

(1) انظر: الوجيز 2: 29، مغني المحتاج 3: 230.

(2) انظر: الوجيز 2: 29، مغني المحتاج 3: 230.

443

و لو أبرأته قبل الوطء و الفرض و الطلاق من مهر المثل أو المتعة أو منهما لم يصح.

و لو قالت: أسقطت حق طلب الفرض لم يسقط. (1)

و لو كان نساؤها ينكحن بألف مؤجلة لم يثبت الأجل، لكن ينقص بقدره منها. (2)

____________

الزائد على كل من التقديرين.

قوله: (و لو أبرأته قبل الوطء و الفرض و الطلاق من مهر المثل أو المتعة أو منهما لم يصح، و لو قالت: أسقطت حق طلب الفرض لم يسقط).

(1) هنا مسألتان:

الأولى: إذا أبرأت المفوضة الزوج قبل الوطء و الفرض و الطلاق من مهر المثل، أو من المتعة، أو منهما لم يصح الإبراء قطعا، سواء كانت عالمة بمهر المثل أو المتعة أم لا، لأن المهر لا يجب للمفوضة إلّا بالوطء أو الفرض.

و المتعة إنما تجب بالطلاق قبل الدخول، و الفرض انتفاء الجميع، فيكون إبراء مما لم يجب، و وجود سبب وجوبه لا يقتضي صحته.

الثانية: إذا أسقطت المفوضة عن الزوج حق طلب الفرض للمهر لم يسقط، كما لو أسقطت زوجة المولى حقها من مطالبة الزوج فإنه لا يسقط، و ذلك لأن ثبوت المهر عند الوطء أو الفرض لا يسقط بإسقاطها، و حق طلب الفرض تابع له.

و لا يخفى أن الفرض طلب حق المفوضة، فالحق في العبارة هو الطلب و الإضافة بيانية.

قوله: (و لو كان نساؤها ينكحن بألف مؤجلة لم يثبت الأجل، لكن ينقص بقدره منها).

(2) أي: لو كانت عادة نساء المفوضة أن ينكحن بألف مثلا مؤجلة، بحيث كان الأجل داخلا في عادتهن، فإذا استحقت مهر المثل بالوطء أو بالحاكم لم يثبت الأجل

444

و لو سامحت واحدة من العشيرة لم يعتبر بها. (1)

____________

فيه، لأن مهر المثل يلحق بقيم المتلفات.

و لا تعتبر الإحالة كما سبق، لكن ينظر مقدار ما يقابل الأجل من الألف في العادة فينتقص، لأنه ليس من جملة مهر المثل، فإن الأجل له حظ من العوض و يجب لها ما عداه.

ثم عد إلى العبارة و اعلم أن في بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا الشهيد أن في العبارة مؤاخذتين:

إحداهما: أن الألف تزيد على مهر السنة، و قد حكم برد مهر المثل إلى السنة، فلا يستقيم التمثيل به.

الثانية: ان الألف مذكر، فكيف وصفه بالمؤنث و هو قوله: (مؤجلة) و التطابق بين الموصوف و الصفة في التذكير و التأنيث واجب.

ثم أجاب عن الأولى بأن الألف في العبارة مبهم، فلا يتعين أن يكون دراهم- ليلزم مخالفة ما حكم به سابقا و لو سلّم حمل على دراهم صغار، و لا يزيد على مهر السنة المعتبر بالدراهم الشرعية.

و يمكن أن يجاب أيضا بأن ذلك في العبارة وقع موقع المثال، فلم يتعيّن أن يكون جاريا على مذهبه بحصول الفرض به مطلقا.

و عن الثانية بتأويل الألف بجملة من المال، و اجراء الوصف عليه باعتبار هذا التأويل. و لمانع أن يمنع حصول التطابق بالتأويل المذكور.

و يمكن الجواب بأن الألف مذكر اللفظ مؤنث المعنى، لأنه في معنى الجمع فالوصف بالمؤنث جار على المعنى.

قوله: (و لو تسامحت واحدة من العشيرة لم يعتبر بها).

(1) المراد بمسامحتها أن تنكح بأقل من عادة نسائها، لا بصفة تقتضي النقص فيها، و حينئذ فلا يعتبر بها في تقدير مهر المثل، فيكون الاعتبار بمن عداها، بل يقال: إن

445

و الاعتبار في الوطء في النكاح الفاسد بمهر المثل يوم الوطء (1) و إذا اتحدت الشبهة اتحد المهر، و إن تعدد الوطء.

و لو لم يكن شبهة كالزاني مكرها، وجب بكل وطء مهر، (2)

____________

مهر مثلها مثل مهر الباقيات إذا استوين في الصفات.

قوله: (و الاعتبار في النكاح الفاسد بمهر المثل يوم الوطء).

(1) قد سبق أن الاعتبار في النكاح الصحيح بمهر المثل يوم العقد دون يوم الوطء، لأنه سبب وجوب المهر، فإذا اختلفت صفات المرأة يوم العقد و يوم الوطء كان المعتبر حالها يوم العقد.

أما النكاح الفاسد فلأنه لا يترتب عليه أثره و لا يثمر ملكية البضع، فلا يعد سببا لمهر المثل، فلا ينظر إلى حال المرأة عند إنشاء عقده، بل إنما يعتبر حالها عند الوطء، لأنه حين الإتلاف المقتضي لضمان المهر.

و من هذا يعلم أن المصنف لو قال بدل: (يوم الوطء) حين الوطء، لكان أسلم، فإن الحال قد يختلف في اليوم.

قوله: (و إذا اتحدت الشبهة اتحد المهر و إن تعدد الوطء، و لو لم تكن شبهة كالزاني مكرها وجب بكل وطء مهر).

(2) هذا كالمتمم لما سبق، لأن الوطء بالنكاح الفاسد مع الجهل بالفساد من جملة أفراد الشبهة، و عبارته مثبتة لحكم جميع إفرادها، فيندرج فيها الوطء بالعقد الفاسد.

و تقريرها ان اتحاد مهر المثل و تعدده الواجب بالوطء بالشبهة دائر مع اتحاد الشبهة و تعددها، سواء اتحد الوطء مع اتحاد الشبهة أو تعدد، فإذا اتحدت الشبهة وجب مهر واحد بالوطء و إن تعدد، كما أن اتحاد المهر و تعدده في النكاح الصحيح تابع لاتحاد العقد و تعدده مع وجود الوطء.

و لا ينظر إلى اتحاده و تعدده، و ذلك لأن سبب الوجوب هو الشبهة مع الوطء، فيكون المعتبر اتحادها و تعددها، لأن تعدد الأسباب يقتضي تعدد المسببات، لأصالة

446

و إذا وجب الواحد بالوطء المتعدد اعتبر أرفع الأحوال. (1)

____________

عدم التعدد، و اتحاد السبب يقتضي اتحاد المسبب، لانتفاء المقتضي لما زاد على الواحد، كما لو ظن امرأة أمته و استمر ذلك سنة مثلا و الوطء يتكرر منه فإن الواجب مهر واحد.

و لو انكشف فساد الظن و علم الحال، ثم حصل ظن بسبب آخر فوطأ وجب مهران، و هكذا. و لو لم يكن مع وطء شبهة لكن الحق بالشبهة بسبب الإكراه، كالزاني بامرأة مكرها لها وجب لكل وطء مهر، لتعدد السبب الموجب و هو الزنا مع الإكراه، فإن الوجوب هنا بالإتلاف باستيفاء منفعة البضع.

و لا يخفى أن المراد باتحاد الشبهة و تعددها بالنسبة الى الرجل دون المرأة، و إن كان جهلها بكون الوطء محرما شرطا في استحقاق المهر، لأنه لا مهر لبغي، فلو تعددت الشبهة بالنسبة إلى الرجل و اتحدت بالنسبة إلى المرأة تعدد المهر لتعدد السبب.

و أما إكراه الزاني فإنه كالشبهة في حق المرأة، و لهذا يلحق بها الولد لو حملت منه، و المقتضي لوجوب المهر هو الوطء مع الإكراه.

و لا ريب في تعدده إذا تعدد الوطء كذلك.

و قد سبق من المصنف في باب الغصب إشكال في التعدد بتعدد الوطء هنا، و جزم هنا بالتعدد و هو المفتي به، و لو كانت الشبهة من طرف المرأة خاصة وجب المهر فإنها ليست بغيا و قد استوفى منفعة البضع.

فإن كرر الوطء عالما و اتحدت الشبهة من طرف المرأة، أمكن القول بتعدد المهر بتعدد الوطء، كما إذا أكرهها على الزنا، لأن الوجوب في الموضعين بالإتلاف استيفاء منفعة البضع و ذلك متعدد، و عبارة الكتاب خالية عن ذكر هذه المسألة.

قوله: (و إذا وجب الواحد بالوطء المتعدد اعتبر أرفع الأحوال).

(1) إذا وطأ بشبهة واحدة كالعقد الفاسد و تكرر الوطء، فإن لم تختلف أحوال المرأة

447

و لو دخل و لم يسمّ شيئا و قدّم لها شيئا، قيل: كان ذلك مهرها و لا شيء لها بعد الدخول، إلّا أن تشارطه قبل الدخول على أن المهر غيره. (1)

____________

بالنسبة إلى مهر المثل، بأن اتفقت صفاتها عند كل وطء فلا بحث.

و إن اختلفت و كانت في بعض أوقات الوطء أكمل من البعض الآخر، كما لو كانت صغيرة مهزولة جاهلة فقيرة مثلا، ثم كبرت و سمنت و علمت و أيسرت. و نحو ذلك اعتبر مهر المثل بأرفع الأحوال، لأن الوطء الواقع في تلك الحالة لو انفرد لأوجب المهر الأعلى، فلا ينتقص بضميمة الوطء في غير ذلك الوقت اليه فيجعل وجوده كعدمه.

و لا يخفى أن المراد في عبارة الكتاب ب(أرفع الأحوال) ارفع أحوال المرأة في أوقات الوطء المتعدد.

قوله: (و لو دخل و لم يسمّ شيئا و قدم لها شيئا قيل: كان ذلك مهرها و لا شيء لها بعد الدخول، إلّا أن تشارطه قبل الدخول على أن المهر غيره).

(1) إذا لم يسم الزوج مهرا في العقد و لا بعده قبل الدخول بأن تزوجها مفوضة، و لم يفرض لها مهرا، ثم دخل بها بعد أن قدم لها شيئا فقد ذهب أكثر الأصحاب كالشيخين (1)، و ابن البراج (2)، و ابن إدريس (3)، و سلار (4) الى أن ما قدمه هو المهر و لا شيء لها غيره، قليلا كان أو كثيرا، لرواية أبي عبيدة عن الفضيل في الصحيح عن الباقر (عليه السلام): في رجل تزوج امرأة فدخل بها و أولدها ثم مات عنها، فادعت شيئا من صداقها على ورثة زوجها، فجاءت تطلبه منهم و تطلب الميراث، فقال: «أما الميراث فلها أن تطلبه، و أما الصداق فإن الذي أخذت من الزوج قبل أن يدخل بها

____________

(1) المقنعة: 78، النهاية: 470.

(2) المهذب 2: 202.

(3) السرائر: 301.

(4) المراسم: 152.

448

..........

____________

هو الذي حل للزوج به فرجها، قليلا كان أو كثيرا، إذا هي قبضته منه و قبلت و دخلت عليه فلا شيء لها بعد ذلك» (1).

إلى هنا انتهى كلامه (رحمه اللّٰه) و (قدس روحه)، و الحمد للّه الذي يتم بنعمة الصالحات، و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين آمين.

____________

(1) الكافي 5: 385 حديث 1، التهذيب 7: 359 حديث 1459، الاستبصار 3: 222 حديث 805.